عياش. ثنا أبو إسحاق عن أبي الأحوص ١ أنه خرج عليه خوارج فقتلوه.
فهذا لم يرد أبو إسحاق بقوله عن أبي الأحوص أنه أخبره به وإنما فيه شيء محذوف تقديره عن قصة أبي الأحوص أو عن شأن أبي الأحوص أو ما أشبه ذلك، لأنه لا يمكن أن يكون أبو الأحوص حدثه بعد قتله.
ونظير ذلك: ما رواه ابن مندة في المعرفة في ترجمة معاوية بن معاوية الليثي قال:
أنا محمد بن يعقوب٢: ثنا ابن أبي داود٣ ثنا يونس بن محمد ثنا صدقة بن أبي سهل٤، عن يونس بن عبيد٥ عن الحسن عن معاوية بن معاوية ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ كان/ (ي١٦٣) غازيا بتبوك، فأتاه
стр. 562
جبريل ﵊، فقال: يا محمد هل لك في جنازة معاوية بن معاوية؟
قال ﷺ : نعم. فقال جبريل ﵇: هكذا بيده، ففرج له عن الجبال والآكام" فذكر الحديث.
قال ابن مندة: "هكذا قال يونس بن محمد عن معاوية والصواب مرسل".
قلت: ووجه الإشكال فيه أن معاوية ﵁ مات في حياة النبي ﷺ (كما ترى) ١، فكيف يتهيأ للحسن أن يسمع منه قصة موته، ويحدث بها عنه.
وما المراد إلا ما ذكرت أنه لم يقصد/ (٩٦/أ) بقوله: "عن معاوية" الرواية وإنما يحمل على محذوف تقديره عن قصة معاوية بن معاوية ﵁ أن رسول الله ﷺ إلى آخره. فيظهر حينئذ الإرسال.
ونظير ذلك: ما ذكره موسى بن هارون/ (ر٨٥/أ) الحمال ونقله عنه أبو عمر ابن عبد البر في كتاب التمهيد/ (ب ص ١٩٦) فقال: روى مالك عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن محمد بن إبراهيم التيمي٢ عن عيسى بن طلحة٣٤ عن عمير بن سلمة٥ عن البهزي٦ قال:
стр. 563
"إن رسول الله ﷺ خرج يريد مكة وهو محرم حتى إذا كان بالروحاء إذا حمار وحشي عقير، فذكر ذلك لرسول الله ﷺ فقال رسول الله ﷺ : "دعوه، فإنه يوشك أن يأتي صاحبه فجاء البهزي وهو صاحبه، فقال: شأنكم به" ١.. الحديث.
هكذا رواه مالك٢ وتابعه غيره٣.
وظاهر هذا يعطي أن عمير٤ بن سلمة رواه عن البهزي وليس كذلك بل عمير بن سلمة حضر القصة وشاهدها كلها، فقد رواه الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد٥ عن محمد بن إبراهيم عن عيسى بن طلحة عن عمير بن سلمة قال: "بينما نحن مع رسول الله ﷺ " فذكر هذا الحديث.
وكذا رواه عبد ربه بن سعيد٦ عن محمد بن إبراهيم.
وكذا رواه حماد بن زيد وغير واحد عن يحيى بن سعيد شيخ مالك.
стр. 564
قال موسى بن هارون: "والظاهر أن قوله: عن البهزي من زيادة يحيى بن سعيد كان أحيانا يقولها، وأحيانا لا يقولها، وكان هذا جائزا عند المشيخة/ (ي ١٦٤) الأولى أن يقولوا: عن فلان، ولا يريدون بذلك الرواية وإنما معناه١ عن قصة فلان". انتهى كلام موسى بن هارون ملخصا٢.
وهو صريح فيما قصدناه.
وقال ابن عبد البر - في حديث - بسر بن سعيد٣ عن أبي سعيد الخدري عن أبي موسى الأشعري - رضي الله تعالى عنه - في قصة الاستئذان ثلاثا: "ليس المقصود من هذا/ (ر٨٥/ب) رواية أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - لهذا الحديث عن أبي موسى لأن أبا موسى سمعه/ (ب١٩٧) من النبي ﷺ وشهد بذلك لأبي سعيد عند عمر ﵁ وإنما وقع هذا على سبيل التحرز، والمراد عن أبي سعيد، عن قصة أبي موسى٤- ﵁ –".
قلت: وأمثلة هذا كثيرة ومن تتبعها وجد سبيلا إلى التعقب على أصحاب المسانيد، ومصنفي الأطراف، في عدة مواضع يتعين الحمل فيها على ما وصفنا من المراد بهذه العنعنة - والله أعلم -.
٧٧- قوله (ص) : "فروينا عن مالك أنه كان يرى "عن فلان" و"أن فلانا" سواء وعن أحمد بن حنبل أنهما ليسا سواء"٥.
قلت: ليس كلام كل منهما على إطلاقه، وذلك يتبين من نص سؤال كل منهما عن ذلك.
стр. 565
أما مالك، فإنه سئل عن قول الراوي: "عن فلان أنه قال: كذا" و"أن فلانا قال: كذا"١.
فقال: "هما سواء", وهذا واضح.
وأما أحمد، فإنه قيل له: إن رجلا قال: عن عروة عن عائشة، وعن عروة أن عائشة ﵂ سألت النبي ﷺ هل هما سواء؟ فقال: "كيف يكونان سواء؟ ليسا سواءا"٢.
فقد ظهر الفرق بين مراد مالك وأحمد.
وحاصله أن الراوي إذا قال: "عن فلان" فلا فرق أن يضيف إليه القول أو الفعل في اتصال ذلك عند الجمهور بشرطه السابق٣.
وإذا قال إن فلانا ففيه فرق
وذلك أن ينظر، فإن كان خبرها قولا لم يتعد لمن لم يدركه التحقت بحكم "عن" بلا خلاف.
كأن/ (٩٧/أ) يقول التابعي: أن أبا هريرة ﵁ قال/ (ي ١٦٥) : "سمعت كذا"، فهو نظير ما لو قال: "عن/ (ر٨٦/أ) أبي هريرة أنه قال: "سمعت كذا".
وإن كان خبرها فعلا نظر إن كان/ (ب ١٩٨) (الراوي) ٤ أدرك ذلك التحقت بحكم "عن" وإن كان لم يدركه لم تلتحق بحكمها.
فكون يعقوب بن شيبة قال في رواية عطاء عن ابن الحنفية: أن عمارا مر بالنبي ﷺ هذا مرسل.
إنما هو من جهة كونه أضاف إلى صيغة الفعل الذي لم يدركه ابن الحنفية، وهو مرور عمار.
стр. 566
إذ لا فرق أن يقول ابن الحنفية: أن عمارا مر بالنبي ﷺ وأن النبي ﷺ مر بعمار، فكلاهما سواء في ظهور الإرسال، ولو كان أضاف إليها القول كأن يقول: عن ابن الحنفية أن عمارا قال: مررت بالنبي ﷺ لكان ظاهر الاتصال.
وقد نبه شيخنا على هذا الموضع١ فأردت زيادة إيضاحه، ثم إنه نقل عن ابن المواق تحرير ذلك٢، واتفاق المحدثين على الحكم بانقطاع ما هذا سبيله، وهو كما قال، لكن في نقل الاتفاق نظر.
وقد قال ابن عبد البر - في الكلام على حديث ضمرة عن عبيد الله بن عبد الله قال: "إن عمر بن الخطاب ﵁ سأل أبا واقد الليثي ماذا كان يقرأ به النبي ﷺ في الأضحى والفطر"٣ ... الحديث. قال: قال قوم: هذا منقطع؛ لأن عبيد الله لم يلق عمر بن الخطاب ﵁ وقال قوم: بل هو متصل؛ لأن عبيد الله لقي أبا واقد.
стр. 567
قلت: وهذا وإن كنا لا نسلمه لأبي عمر، فإنه يخدش في نقل الاتفاق.
وقد نص ابن خزيمة على انقطاع حديث عبيد الله هذا ١.
ونظيره: ما رواه ابن خزيمة٢ - أيضا –/ (٩٧/ب) قال: حدثنا محمد بن حسان ثنا عبد الرحمن بن مهدي، عن سفيان عن عاصم عن أبي عثمان، عن بلال ﵁ أنه قال للنبي ﷺ : "لا تسبقني بآمين"٣.
قال ابن خزيمة/ (ب١٩٩) : "هكذا أملاه علينا. والرواة يقولون في هذا الإسناد: عن أبي عثمان أن بلالا ﵁ قال للنبي ﷺ : فإن كان محمد بن حسان حفظ فيه هذا الاتصال فهو غريب. وأمثلة ذلك كثيرة".
стр. 568
٧٨- قوله/ (ي١٦٦) : (ص) : "عن أبي بكر البرديجي"١.
قال المصنف في حاشية كتابه:
"برديج على وزن فعليل - بفتح أوله - بليدة بينها وبين بردعة نحو أربعة عشر فرسخا، ولهذا يقال لهذا الحافظ البرديجي والبردعي قال: ومن نحا بها نحو أوزان كلام العرب كسر أولها نظرا إلى أنه ليس في كلامهم فعليل - بفتح الفاء - وكأنه يشير بذلك إلى ما وقع في العباب للصاغاني.
فإنه قال - فيه -: "برديج بكسر أوله - بليدة بأقصى أذربيجان والعامة يفتحون باءها".
فأراد المصنف أن من نطق بها على مقتضى تسميتها العجمية فتح الباء على الحكاية، ومن سلك بها مسلك أهل العربية كسر الباء –والله أعلم.
٧٩- قوله (ص) : "حكاية عن ابن عبد البر الإجماع على أن الإسناد المتصل بالصحابي٢. سواء قال فيه قال رسول الله ﷺ أو أن رسول الله ﷺ أو عن رسول الله ﷺ أنه قال أو سمعت رسول الله ﷺ يقول"٣.
قلت: حذف ابن الصلاح فيه كلام ابن عبد البر٤.
стр. 569
٨٠- قوله (ص) : "وقد قيل: إن القول الذي رده مسلم/ (?٩٨/أ) هو الذي عليه أئمة هذا العلم: علي بن المديني والبخاري وغيرهما"١.
قلت: ادعى بعضهم٢ أن البخاري إنما التزم ذلك في جامعه لا في أصل الصحة، وأخطأ في هذه الدعوى، بل هذا شرط في أصل الصحة عند البخاري/ (ب ص ٢٠٠) ، فقد أكثر من تعليل الأحاديث في تاريخه بمجرد ذلك.
وهذا المذهب هو مقتضى كلام الشافعي ﵁ فإنه/ (ر٨٧/أ) قال في "الرسالة"٣ في باب خبر الواحد:
"فإن قيل: فما بالك قبلت ممن لا تعرفه بالتدليس أن يقول: "عن" وقد يمكن فيه أن يكون لم يسمعه؟
فقلت له: المسلمون العدول أصحاء الأمر٤ وحالهم في أنفسهم غير حالهم في غيرهم، ألا ترى أني٥ إذا عرفتهم بالعدالة في/ (ي ١٦٧) أنفسهم قبلت شهادتهم، وإذا شهدوا على شهادة غيرهم لم أقبل حتى أعرف حاله. وأما قولهم عن أنفسهم، فهو على الصحة حتى يستدل من فعلهم بما يخالف ذلك، فنحترس٦ منهم في [الموضع] ٧ الذي خالف فعلهم فيه ما يجب عليهم.
ولم أدرك أحدا من أصحابنا يفرق بين أن يقول حدثني فلان أو سمعت فلانا أو عن فلان إلا فيمن دلس، فمن كان بهذه المثابة قبلنا منه ومن عرفناه دلس مرة، فقد أبان لنا عورته، فلا نقبل منه حديثا حتى يقول: حدثني أو سمعت" ... إلى آخر كلامه٨.
стр. 570
فذكر أنه إنما قبل العنعنة لما ثبت عنده أن المعنعن غير مدلس، وإنما يقول عن فيما سمع فأشبه ما ذهب إليه البخاري من أنه إذا ثبت اللقي ولو مرة حملت عنعنة غير المدلس على السماع مع احتمال أن لا يكون سمع بعض ذلك أيضا، والحامل للبخاري على اشتراط ذلك تجويز أهل ذلك العصر للإرسال فلو لم يكن مدلسا، وحدث عن بعض من عاصره لم يدل ذلك على أنه سمع منه، لأنه وإن كان غير مدلس، فقد يحتمل أن يكون أرسل عنه لشيوع الإرسال بينهم، فاشترط أن يثبت أنه لقيه وسمع منه ليحمل ما يرويه عنه بالعنعنة على السماع، لأنه لو لم يحمل على السماع لكان مدلسا والغرض السلامة من التدليس.
فتبين رجحان مذهبه.
وأما احتجاج مسلم على فساد ذلك بأن لنا أحاديث اتفق الأئمة على صحتها، ومع ذلك ما رويت إلا معنعنة ولم يأت في/ (ر٨٧/ب) خبر قط أن بعض رواتها لقي شيخه، فلا يلزم من نفى ذلك عنده نفيه في نفس الأمر.
وقد ذكر علي بن المديني في "كتاب العلل" أن أبا عثمان النهدي لقي عمر وابن مسعود وغيرهما، وروى عن أبي بن كعب وقال في بعض١ حديثه: حدثني أبيّ بن كعب، انتهى.
وقد قطع مسلم بأنه لم يوجد في رواية بعينها أنه لقي أبي بن كعب أو سمع منه.
وأعجب من ذلك أنا وجدنا بطلان بعض ما نفاه في نفس صحيحه. من ذلك: قوله/ (ي ١٦٨) ٢:
стр. 571
"وأسند النعمان بن أبي عياش عن أبي سعيد الخدري ﵁ ثلاثة أحاديث". وقال: في آخر كلامه: "فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا١ روايتهم٢ عن الصحابة ﵃ الذين سميناهم لم يحفظ عنهم سماع علمناه٣ منهم في رواية بعينها ولا أنهم لقوهم في نفس خبر بعينه" انتهى.
وقد/ (?٩٩/أ) روى في صحيحه في كتاب المناقب٤ من طريق أبي حازم٥، عن سهل بن سعد ٦ ﵁ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "أنا فرطكم على الحوض ... " الحديث إلى أن قال: "ثم يحال بيني وبينهم" قال أبو حازم: فسمعني النعمان بن أبي عياش٧ وأنا أحدث بهذا الحديث فقال: "أهكذا سمعت سهلا يقول؟ فقلت: نعم".
قال: "فأنا أشهد على أبي سعيد الخدري ﵁ لسمعته/ (ب٢٠٢) يقول: إنهم مني فيقال: "إنك لا تدري ما عملوا بعدك فأقول: سحقا سحقا لمن بدل بعدي".
стр. 572
وأخرج - أيضا - في كتابه صفة الجنة في صحيحه١ من طريق أبي حازم أيضا عن سهل بن سعد ﵁/ (ر٨٨/أ) قال: إن رسول الله ﷺ قال: "إن أهل الجنة ليتراءون الغرفة في الجنة كما يتراءون الكوكب في السماء".
قال: فحدثت بذلك النعمان بن أبي عياش فقال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: "كما ترون٢ الكوكب الدري في الأفق الشرقي أو الغربي".
وأخرج أيضا عن أبي حازم عن سهل بن سعد ﵁ في الكتاب المذكور٣ حديث "إن في الجنة لشجرة يسير الراكب في ظلها مائة عام لا يقطعها".
فقال النعمان: حدثني أبو سعيد ﵁ بلفظ: "يسير الراكب الجواد المضمر السريع".
فهذه الثلاثة الأحاديث التي أشار إليها قد ذكرها هو في كتابه مصرحا فيها بالسماع، فكيف لا يجوز ذلك في غيرها. وإنما كان يتم له النقض والإلزام لو رأى في صحيح البخاري حديثا معنعنا/ (ي ١٦٩) لم يثبت لقي راويه لشيخه فيه، فكان ذلك/ (?٩٩/ب) واردا عليه، وإلا فتعليل البخاري لشرطه المذكور متجه- والله أعلم -.
٨١- قوله (ص) ٤: "وهذا الحكم لا أراه يستمر- بعض المتقدمين فيما٥ وجد من المصنفين ... " إلى آخره.
стр. 573
يعني بالمصنفين غير المحدثين، فتبين أن ما وجد١ في عبارات المتقدمين من هذه الصيغ، فهو محمول على السماع بشرطه إلا من عرف من عادته استعمال اصطلاح حادث، فلا - والله أعلم -.
٨٢- قوله (ص) ٢: في الكلام على التعليق: "والبخاري قد يفعل٣ ذلك، لكون ذلك الحديث معروفا من جهة الثقات عن ذلك الشخص علقه عنه".
اعترض عليه مغلطاي بأن الكلام يحتاج إلى تثبيت فيه فإني لم أره لغيره.
قلت: قد سبقه إلى ذلك الإسماعيلي، ومنه نقل ابن الصلاح كلامه فإنه قال - في المدخل إلى المستخرج الذي صنفه على صحيح البخاري - ما نصه: "كثيرا ما يقول البخاري: قال فلان وقال فلان عن فلان" فيحتمل أن يكون إعراضه عن التصريح بالتحديث لأوجه.
[أوجه تعليقات البخاري] :
أحدها: أن لا يكون قد سمعه عاليا٤ وهو معروف من جهة الثقات عن ذلك المروي عنه، فيقول: قال فلان مقتصرا على صحته وشهرته من غير جهته.
الثاني: أن يكون قد ذكره في موضع آخر بالتحديث، فاكتفى عن إعادته ثانيا.
والثالث: أن يكون سمعه ممن ليس هو على شرط كتابه فنبه على الخبر المقصود بذكر من رواه لا على وجه التحديث به عنه.
قلت: ومن تأمل تعاليق البخاري حيث لم٥ تتصل لم يجدها تكاد أن
стр. 574
تخرج عن هذه الأوجه التي ذكرها الإسماعيلي/ (١٠٠/أ) ولكن بقي عليه، أن يذكر السبب الحامل له على إيراد ما ليس على شرطه في أثناء ما هو على شرطه وقد/ (ي١٧٠) بينت مقاصده في ذلك في مقدمة تغليق التعليق١ وأشرت في أوائل هذه الفوائد إلى طرف من ذلك وحاصله أنه أيضا على أوجه:
أحدها: أن يكون كرره، وهذا قد تداخل مع الأوجه التي ذكرها الإسماعيلي.
ثانيها: أن يكون أوردها في معرض المتابعة والاستشهاد لا على سبيل الاحتجاج ولا شك أن المتابعات يتسامح فيها بالنسبة إلى الأصول، وإنما يعقلها وإن كانت عنده مسموعة، لئلا يسوقها مساق الأصول.
وثالثها: أن يكون إيراده لذلك منبها على موضع يوهم تعليل الرواية التي على شرطه، كأنه يروي حديثا من طريق سفيان الثوري عن حميد ٢ عن أنس ﵁ ويقول بعده: قال يحيى بن أيوب عن حميد سمعت أنسا ﵁ فمراده بهذا التعليق أن هذا مما سمعه حميد لئلا يتوهم متوهم أن الحديث معلول بتدليس حميد. فإن قيل: فلم يسقه من طريق يحيى بن أيوب السالم من هذه العلة ويقتصر عليه؟
قلنا: لأن يحيى بن أيوب ليس على شرطه ولو كان فالثوري أجل وأحفظ فنزَّل كلا منهما منزلته التي يستحقها، ذاك في الاحتجاج به، وهذا في المتابعة القوية - والله أعلم -.
٨٣- قوله (ص) : "وبلغني عن بعض المتأخرين من أهل المغرب أنه جعله قسما من التعليق ثانيا وأضاف إليه مثل قول البخاري: وقال/ (?١٠٠/ب) لي فلان فوسم ذلك بالتعليق المتصل من حيث الظاهر المنفصل من حيث المعنى ... "٣ إلى آخر كلامه.
стр. 575
قلت: لم يصب هذا المغربي في التسوية بين قوله: "قال فلان" وبين قوله "قال لي فلان"، فإن الفرق بينهما ظاهر لا يحتاج إلى دليل فإنّ "قال لي" مثل التصريح في السماع و"قال" المجردة ليست صريحة أصلا.
وأما ما حكاه عن أبي جعفر ابن حمدان وأقره أن البخاري إنما يقول "قال لي"/ (ي١٧١) - في العرض والمناولة - ففيه نظر؛ فقد رأيت في الصحيح عدة أحاديث قال فيها ب ص ٢٠٥ قال لنا فلان وأوردها في تصانيفه خارج الجامع بلفظ حدثنا.
ووجدت في الصحيح عكس ذلك.
وفيه دليل على أنمها مترادفان.
والذي تبين لي بالاستقراء من صنيعه أنه لا يعبر في الصحيح بذلك إلا في الأحاديث الموقوفة أو المستشهد بها فيخرج ذلك حيث يحتاج إليه عن أصل مساق الكتاب.
ومن تأمل ذلك في كتابه وجده كذلك - والله الموفق -.
٣٧- قوله (ع) : "والبخاري ليس مدلسا"١.
أقول: لا يلزم من كونه يفرق في مسموعاته بين صيغ الأداء من أجل مقاصد تصنيفه أن يكون مدلسا.
ومن هذا الذ/ (١ي) صرح أن استعمال "قال" إذا عبر بها المحدث عما رواه أحد٢ مشايخه [مستعملا لها] ٣ فيما لم يسمعه منه يكون تدليسا.
لم نرهم صرحوا بذلك إلا في العنعنة.
وكأن ابن الصلاح أخذ ذلك من عموم قولهم: "إن حكم عن وأن وقال وذكر -واحد".
стр. 576
وهذا على تقدير تسليمه لا يستلزم التسوية بينها من كل جهة، كيف وقد نقل ابن الصلاح عن الخطيب أنّ كثيرا من أهل الحديث/ (١٠١/أ) لا يسوون بين "قال" و"عن" في الحكم.
فمن أين يلزم أن يكون حكمهما عند البخاري واحدا.
وقد بينا الأسباب الحاملة للبخاري على التعاليق.
فإذا تقرر ذلك لم يستلزم التدليس لما وصفنا.
وأما قول ابن مندة: "أخرج البخاري"١ قال: وهو تدليس، فإنما يعني به أن حكم ذلك عنده هو٢ حكم التدليس ولا يلزم/ (ر٨٩/ب) أن يكون كذلك حكمه عند البخاري وقد جزم العلامة ابن دقيق العيد بتصويب الحميدي في تسميته ما يذكره البخاري عن شيوخه تعليقا إلا أنه (وافق ابن الصلاح في الحكم بالصحة لما جزم به وهو) ٣ موافق لما قررناه على أن الحميدي/ (ب ٢٠٦) لم يخرج٤ ذلك فقد/ (ي١٧٢) سبقه إلى نحوه أبو نعيم شيخ شيخه، فقال في المستخرج عقب كل حديث أورده البخاري عن شيوخه بصيغة قال فلان كذا: "ذكره البخاري بلا رواية" - والله الموفق -.
تنبيه:
قال ابن حزم في كتاب الإحكام٥: "اعلم أن العدل إذا روى عمن أدركه من العدول، فهو على اللقاء والسماع سواء قال: أخبرنا أو حدثنا أو٦ عن فلان أو قال فلان، فكل ذلك محمول على السماع منه".انتهى.
стр. 577
فيتعجب منه مع ١ هذا في رده حديث المعازف ودعواه ٢ عدم الاتصال فيه - والله الموفق -.
٨٤- قوله (ص) : "وكأن هذا التعليق مأخوذ من تعليق الجدار أو تعليق الطلاق ونحوه لما يشترك الجميع فيه من قطع الاتصال"٣.
تعقبه شيخنا شيخ الإسلام بأن/ (١٠١/ب) أخذه من تعليق الجدار ظاهر وأما تعليق الطلاق ونحوه فليس التعليق هناك لأجل قطع الاتصال، بل لتعليق أمر على أمر بدليل استعماله في الوكالة والبيع وغيرهما.
ثم قال: إلا أن يريد به قطع اتصال حكم التنجيز باللفظ لو كان منجزا٤.
قلت: وهذا هو الذي يتعين مرادا للمصنف فيكون فيه تشبيه أمر معنوي [بأمر معنوي] ٥ أو يكون مراده بالقطع الدفع٦ لا الرفع، فإن التعليق منع من الاتصال كما ان الطلاق منع من الوصلة.
ويأتي هذا أيضا/ (ر٩٠/أ) في تعليق الجدار، فإنه منع من اتصاله بالأرض ووجه مناسبته أن سقوط الراوي منه منع من الحكم باتصاله - والله أعلم -.
٨٥- قوله (ص) : "في ذكر الحديث الذي رواه بعض الثقات مرسلا وبعضهم متصلا - فحكى الخطيب أن أكثر أصحاب الحديث يرون الحكم في هذا وأشباهه للمرسل ... "٧ إلى آخر كلامه٨.
وقد٩ تبع الخطيب أبو الحسن ابن القطان على اختيار الحكم للرفع
стр. 578
أو الوصل مطلقا. وتعقبه أبو الفتح ابن سيد الناس قائلا بأن هذا ليس بعيدا من النظر إذا استويا في رتبة الثقة/ (ي١٧٣) والعدالة أو تقاربا؛ لأن الرفع زيادة على الوقف وقد جاء عن ثقة فسبيله القبول، فإن كان ابن القطان قال هذا على سبيل النظر فهو صحيح وإن كان قال نقلا عمن تقدمه، فليس لهم في ذلك عمل مطرد.
قلت: قد صرح ابن القطان بأنه قال ذلك على سبيل الاختيار فإنه حكى هذا المذهب وقرره، ثم قال: "هذا هو الحق في هذا الأصل، وهو اختيار أكثر الأصوليين وكذا اختاره من المحدثين طائفة منهم:
أبو بكر البزار لكن أكثرهم (يعني المحدثين) على الرأي الأول (يعني تقديم الإرسال على الوصل".
وما اختاره ابن سيد الناس سبقه إلى ذلك شيخه ابن دقيق العيد فقال في مقدمة شرح الإلمام: "من حكى عن أهل الحديث أو أكثرهم أنه إذا تعارض رواية مرسل ومسند أو رافع وواقف أو ناقص وزائد أن الحكم للزائد فلم يصب في هذا الإطلاق، فإن ذلك ليس قانونا مطردا وبمراجعة١ أحكامهم الجزئية/ (ر٩٠/ب) صواب ما نقول".
وبهذا جزم الحافظ العلائي فقال: "كلام الأئمة المتقدمين في هذا الفن كعبد الرحمن بن مهدي ويحيى بن سعيد القطان وأحمد بن حنبل والبخاري وأمثالهم يقتضي أنهم لا يحكمون في هذه المسألة بحكم كلي (ب ٢٠٨) بل عملهم في ذلك دائر مع الترجيح بالنسبة إلى ما يقوى عند أحدهم في كل حديث حديث"٢.
стр. 579
قلت: وهذا العمل الذي حكاه عنهم إنما هو فيما يظهر لهم فيه الترجيح وأما ما لا يظهر فيه الترجيح، فالظاهر أنه المفروض في أصل المسألة١ وعلى٢ هذا فيكون في كلام ابن الصلاح إطلاق في موضع التقييد٣ وسيكون لنا عودة إلى هذا في الكلام على زيادة الثقة إن شاء الله تعالى - والله الموفق -.
٨٦- قوله (ص) : "الحديث الذي رواه بعض الثقات متصلا وبعضهم مرسلا ... "٤ إلى آخره.
ما أدري/ (ي١٧٤) ما وجه إيراد هذا في تفاريع المعضل. بل هذا قسم مستقل وهو: تعارض الإرسال والاتصال والرفع والوقف.
نعم، لو ذكره في تفاريع الحديث المعلل، لكان حسنا وإلا فمحل الكلام [فيه] ٥ في زيادة الثقات كما أشار إليه.
وقد أجبت عنه بأنه لما قال: "تفريعات" أراد أنها تنعطف على جميع الأنواع المتقدمة/ (١٠٢/ب) ومن جملتها: الموصول والمرسل والمرفوع والموقوف، فعلى هذا فالتعارض بين أمرين فرع عن ٦ أصلهما - والله أعلم -.
٨٧- قوله (ص) ٧: "مثاله: لا نكاح إلا بولي"٨.
اعترض عليه: بأن التمثيل بذلك لا يصح، لأن الرواة لم تتفق على
стр. 580
إرسال شعبة وسفيان له عن أبي إسحاق، بل رواه النعمان بن عبد السلام١ عن شعبة وسفيان جميعا عن/ (ر٩١/أ) أبي إسحاق عن أبي بردة عن أبي موسى ﵁ موصولا.
أخرجه الحاكم في المستدرك٢ من طريقه.
والجواب: أن حديث النعمان هذا شاذ٣ مخالف للحفاظ الأثبات من أصحاب شعبة وسفيان/ (ب ٢٠٩) والمحفوظ عنهما أنهما أرسلاه لكن الاستدلال بأن الحكم للواصل دائما على العموم من صنيع البخاري في هذا الحديث الخاص ليس بمستقيم؛ لأن البخاري لم يحكم فيه بالاتصال من أجل كون الوصل زيادة وإنما حكم له بالاتصال لمعان أخرى رجحت عنده حكم الموصول.
منها: أن يونس بن أبي إسحاق وابنيه إسرائيل وعيسى رووه عن أبي إسحاق موصولا.
ولا شك أن آل الرجل أخص به من غيرهم.
ووافقهم على ذلك أبو عوانة٤ وشريك النخعي وزهير بن معاوية٥ وتمام
стр. 581
العشرة من أصحاب أبي إسحاق، مع اختلاف مجالسهم في الأخذ عنه وسماعهم إياه من لفظه.
وأما رواية من أرسله وهما شعبة وسفيان، فإنما أخذاه عن أبي إسحاق في مجلس واحد.
فقد رواه الترمذي قال: حدثنا محمود بن غيلان. ثنا أبو داود١- حدثنا شعبة قال: سمعت سفيان الثوري يسأل أبا إسحاق/ (ي ١٧٥) أسمعت أبا بردة ﵁ يقول: قال رسول الله ﷺ : "لا نكاح إلا بولي" فقال: "نعم" ٢.
فشعبة وسفيان إنما أخذاه (معا) ٣ في مجلس واحد عرضا كما ترى ولا يخفى رجحان ما أخذ من لفظ المحدث في مجالس متعددة على ما أخذ عنه عرضا في محل واحد.
هذا إذا قلنا: حفظ سفيان وشعبة في مقابل عدد الآخرين٤ مع أن الشافعي ﵁ يقول: "العدد الكثير أولى بالحفظ من الواحد".
فتبين أن ترجيح البخاري لوصل هذا الحديث على إرساله لم يكن لمجرد أن الواصل٥ معه زيادة ليست مع المرسل، بل بما يظهر من قرائن الترجيح.
ويزيد ذلك/ (ب ص ٢١٠) ظهورا تقديمه الإرسال في مواضع أخر٦.
стр. 582
مثاله: ما رواه الثوري عن محمد بن أبي بكر بن حزم ١ عن عبد الملك٢ بن أبي بكر٣ بن عبد الرحمن، عن أبيه ٤، عن أم سلمة٥ ﵂ قالت: إن النبي ﷺ قال: "إن شئت سبعت لك"٦.
ورواه مالك عن عبد الله بن أبي بكر بن الحارث ٧ أن النبي ﷺ قال لأم سلمة٨ ﵂:
стр. 583
قال البخاري - في تأريخه: "الصواب قول مالك" مع إرساله.
فصوب الإرسال هنا لقرينة ظهرت له فيه، وصوب المتصل١ هناك لقرينة ظهرت له فيه.
فتبين أنه ليس له عمل٢ مطرد في ذلك٣ - والله أعلم.
٣٨- قوله (ع) : "والذي صححه الأصوليون هو: أن الاعتبار بما وقع منه أكثر ... "٤ إلى آخره.
هذا قول بعض الأصوليين كالإمام فخر الدين، وقد ذكر البيضاوي المسألة في المنهاج٥ ومال إلى ترجيح القبول٦ مطلقا.
стр. 584
ونقل الماوردي١ عن مذهب الشافعي/ (?١٠٣/ب) في مسألة الوقف والرفع أن الوقف يحمل على أنه رأي الراوي.
والمسند على أنه روايته.
قلت: ويختص هذا بأحاديث الأحكام أما ما لا مجال للرأي فيه فيحتاج إلى نظر.
وما نقله الماوردي عن مذهب الشافعي قد جزم به أبو الفرج ابن الجوزي٢ وأبو الحسن/ (ي ١٧٦) ابن القطان، وزاد أن الرفع/ (ر٩٢/أ) يترجح بأمر آخر وهو تجويز أن يكون الواقف قد قصر في حفظه أو شك في رفعه.
قلت: وهذا غير ما فرضناه في أصل المسألة - والله أعلم -.
ثم إنه يقابل بمثله فيترجح الوقف بتجويز أن يكون الرافع تبع العادة وسلك الجادة/ (ب ٢١١) .
ومثال ذلك ما رواه محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁ قال: إن رسول الله ﷺ قال وهو بالحزورة: "والله إني لأعلم أنك خير أرض الله ... " ٣ الحديث.
стр. 585
ورواه الزهري عن أبي سلمة عن عبد الله بن عدي بن الحمراء١ ﵁ وهو المحفوظ والحديث حديثه وهو مشهور به.
وقد سمعه الزهري أيضا من محمد بن جبير بن مطعم٢ عن عبد الله بن عدي ﵁ -٣ وسلك محمد بن عمرو الجادة فقال عن أبي سلمة عن أبي هريرة ﵁.
واعلم أن هذا كله إذا كان للمتن سند واحد.
أما إذا كان له سندان، فلا يجري فيه هذا الخلاف.
وقد روى البخاري في صحيحه من طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن نافع عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "إذا اختلطوا فإنما هو التكبير/ (? ١٠٤/أ) والإشارة بالرأس ... " الحديث وعن ابن جريج عن ابن كثير، عن مجاهد موقوفا.
فلم يتعارض الوقف والرفع هنا، لاختلاف الإسنادين - والله أعلم -٤.
стр. 586
٨٨- قوله (ص) : "وما صححه (أي الخطيب) ١ فهو الصحيح في الفقه وأصوله"٢.
أقول: الذي صححه الخطيب - شرطه أن يكون الراوي عدلا ضابطا.
أما الفقهاء والأصوليون، فيقبلون ذلك من العدل مطلقا، وبين الأمرين فرق كثير ٣.
وهنا شيء يتعين التنبيه/ (ر٩٢/ب) عليه وهو: أنهم شرطوا في الصحيح أن لا يكون شاذا، وفسروا الشاذ بأنه ما رواه الثقة فخالفه من هو أضبط منه أو أكثر عددا ثم قالوا: تقبل الزيادة من الثقة مطلقا.
وبنوا على ذلك أن من فسر معه زيادة (ب/ص٢١٢) ، فينبغي تقديم خبره على من أرسل مطلقا، فلو اتفق أن يكون من أرسل أكثر عددا أو أضبط حفظا أو كتابا على من وصل أيقبلونه أم لا؟ أم هل يسمونه شاذا أم لا؟
لا بد من الإتيان بالفرق أو الاعتراف بالتناقض.
стр. 587
والحق في هذا أن زيادة الثقة لا تقبل دائما، ومن أطلق ذلك عن الفقهاء والأصوليين، فلم يصب. وإنما يقبلون ذلك إذا استووا في الوصف ولم يتعرض بعضهم لنفيها لفظا ولا معنى.
وممن صرح بذلك الإمام فخر الدين١ وابن الأبياري٢ - شارح البرهان - وغيرهما. وقال ابن السمعاني٣: "إذا كان راوي الناقصة لا يغفل٤ أو كانت الدواعي٥ تتوفر٦ على نقلها أو كانوا جماعة لا يجوز عليهم أن يغفلوا عن تلك الزيادة وكان المجلس واحدا فالحق أن لا يقبل رواية راوي الزيادة/ (١٠٤/ب) ٧ هذا الذي ينبغي". انتهى.
وإنما أردت بإيراد هذا بيان أن الأصوليين لم يطبقوا على القبول٨ مطلقا، بل الخلاف بينهم.
وسأحكي إن شاء الله تعالى كلام أئمة الحديث وغيرهم في ذلك في النوع السادس عشر حيث تكلم المصنف على زيادات الثقات - والله أعلم -.
стр. 588
النوع الثاني عشر: معرفة التدليس
٨٩- قوله (ص) : "التدليس قسمان"١.
قلت: هو مشتق من الدلس وهو: الظلام. قاله ابن السيد.
وكأنه اظلم أمره على الناظر لتغطية وجه الصواب فيه.
٩٠- قوله (ص) :٢ "وهو أن يروي عن من لقيه ما لم يسمعه منه موهما٣ أنه سمعه منه أو عمن (ب ص٢١٣) عاصره ولم يلقه، موهما أنه قد لقيه وسمعه منه". انتهى.
وقوله: عمن عاصره ليس من التدليس في شيء، وإنما هو المرسل الخفي. كما سيأتي تحقيقه عند الكلام عليه.
وقد ذكر ابن القطان في أواخر البيان٤ له تعريف التدليس بعبارة غير معترضة قال: "ونعني به أن يروي المحدث عمن [قد] ٥ سمع منه ما لم يسمعه منه من غير أن يذكر أنه سمعه منه. والفرق بينه وبين الإرسال هو: أن الإرسال روايته عمن لم يسمع منه، ولما كان في (ي ١٧٨) هذا قد سمع منه جاءت روايته عنه بما لم يسمعه منه كأنها إيهام سماعه ذلك الشيء، فلذلك سمي تدليسا" انتهى.
стр. 589
وهو صريح في التفرقة بين التدليس والإرسال.
وأن التدليس مختص بالرواية عمن له عنه سماع، بخلاف الإرسال - والله أعلم.
وابن القطان في ذلك متابع لأبي بكر البزار.
وقد حكى شيخنا كلامهما ثم قال: "إن الذي ذكره المصنف/ (١٠٥/أ) في حد التدليس هو المشهور عن أهل الحديث، وأنه إنما حكى كلام البزار وابن القطان لئلا يغتر به"١.
قلت: لا غرور هنا، بل كلامهما هو الصواب على ما يظهر لي في التفرقة بين التدليس والمرسل الخفي، وإن كانا مشتركين في الحكم.
هذا ما يقتضيه النظر.
وأما كون المشهور عن أهل الحديث خلاف ما قالاه ففيه نظر. فكلام الخطيب في باب التدليس من "الكفاية" يؤيد ما قاله ابن القطان.
قال الخطيب٢: "التدليس متضمن الإرسال لا محالة؛ لإمساك المدلس عن ذكر الواسطة، وإنما يفارق حال المرسل بإيهامه السماع ممن لم يسمعه قط وهو الموهن لأمره، فوجب كون التدليس متضمنا للإرسال والإرسال لا يتضمن التدليس لأنه لا يقتضي إيهام السماع ممن لم يسمعه منه"٣.
ولهذا لم يذم العلماء من أرسل وذموا من دلس - والله أعلم -.
٩١- قوله (ص) : - في تدليس الشيوخ -: "وهو أن يروي عن شيخ فيسميه أو يكنيه أو ينسبه أو يصفه بما لا يعرف به كيلا يعرف"٤.
قلت: ليبس قوله بما لا يعرف به قيدا فيه بل إذا ذكره بما يعرف به إلا أنه لم يشتهر به كان ذلك تدليسا كقول الخطيب.
стр. 590
أخبرنا علي بن أبي علي البصري ومراده بذلك أبو القاسم علي بن أبي علي المحسن بن علي التنوخي١، وأصله من البصرة فقد ذكره بما يعرف به ولكنه لم يشتهر بذلك وإنما اشتهر بكنيته واشتهر أبوه باسمه واشتهر بنسبتهما إلى القبيلة لا إلى البلد، ولهذا نظائر كصنيع البخاري في/ (ي ١٧٩) الذهلي فإنه تارة يسميه فقط فيقول:
حدثنا محمد بن عبد الله ٢ فينسبه إلى جده، وتارة يقول: حدثنا/ (١٠٥/ب) محمد ابن خالد فينسبه إلى والد جده.
وكل ذلك صحيح إلا أن شهرته إنما هي: محمد بن يحيى الذهلي - والله أعلم.
٣٩- قوله (ع) : "ترك المصنف قسما ثالثا من أنواع التدليس وهو شر الأقسام٣ ... " إلى آخره.
أقول: فيه مشاحة وذلك أن ابن الصلاح قسم التدليس إلى قسمين٤:
أحدهما: تدليس الإسناد.
والآخر: تدليس الشيوخ.
والتسوية على تقدير تسليم تسميتها تدليسا هي من قبيل القسم الأول وهو تدليس الإسناد.
فعلى هذا لم يترك قسما ثالثا، إنما ترك تفريع القسم الأول٥. أو أخل بتعريفه ومشى على ذلك العلائي فقال: "تدليس السماع نوعان" (فذكره) ٦.
стр. 591
وقد فاتهم/ (ر٩٤/أ) معا من تدليس الإسناد فرع آخر وهو تدليس العطف وهو: أن يروي عن الشيخين من شيوخه ما سمعاه من شيخ اشتركا فيه ويكون قد سمع ذلك من أحدهما دون الآخر، فيصرح عن الأول بالسماع ويعطف الثاني عليه فيوهم أنه حدث عنه بالسماع - أيضا - وإنما حدث بالسماع عن الأول ثم نوى القطع فقال: فلان أي حدث فلان.
مثاله١: ما رويناه في "علوم الحديث" للحاكم قال٢:
"اجتمع أصحاب هشيم فقالوا: لا نكتب عنه اليوم شيئا مما يدلسه ففطن لذلك فلما جلس قال: حدثنا حصين ومغيرة عن إبراهيم فحدث بعدة أحاديث فلما فرغ قال هل دلست لكم شيئا؟
قالوا: لا فقال: بلى كل ما حدثتكم عن حصين فهو سماعي ولم أسمع من مغيرة من ذلك شيئا؟
وفاتهم أيضا فرع آخر وهو تدليس القطع مثاله ما رويناه في "الكامل" لأبي أحمد ابن عدي وغيره./ (١٠٦/أ) .
عن عمر بن عبيد الطنافسي أنه كان يقول: حدثنا ثم يسكت ينوي القطع، ثم يقول: هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂.
[التسوية أعم من التدليس:]
وقد يدلسون بحذف الصيغ الموهمة فضلا عن المصرحة، كما كان ابن عيينة يقول: عمرو بن دينار سمع جابرا/ (ي١٨٠) ﵁ ونحو ذلك، ولكن هذا كله داخل في التعريف الذي عرف به ابن الصلاح وهو قوله أن يروي عمن لقيه ما يسمعه٣ منه موهما أنه سمعه بخلاف التسوية وهي أعم من أن يكون هناك تدليس أو لم يكن.
فمثال: ما يدخل في التدليس، فقد ذكره الشيخ.
стр. 592
ومثال: ما لا يدخل في التدليس ما ذكره ابن عبد البر وغيره أن/ (ب ٢١٦) مالكا سمع/ (ر٩٤/ب) من ثور بن زيد أحاديث عن عكرمة، عن ابن عباس ﵄ ثم حدث بها عن ثور عن ابن عباس، وحذف عكرمة، لأنه كان لا يرى الاحتجاج بحديثه١.
فهذا مالكا٢ قد سوى الإسناد (بإبقاء) ٣ من هو عنده ثقة وحذف من ليس عنده بثقة، فالتسوية قد تكون بلا تدليس وقد تكون بالإرسال فهذا٤ تحرير القول فيها.
وقد وقع هذا لمالك في مواضع أخرى:
١- فإنه روى عن عبد ربه بن سعيد٥ عن أبي بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام عن عائشة وأم سلمة ﵂ في الصائم يصبح جنبا٦ وإنما رواه عبد ربه عن عبد الله بن كعب الحميري عن أبي بكر بن عبد الرحمن ﵁ كذا جزم به ابن عبد البر٧ وكذا أخرجه
стр. 593
النسائي١ من رواية عمر بن الحارث عن عبد ربه٢.
٢- روى مالك عن عبد الكريم الجزري، عن ابن أبي ليلى عن كعب بن عجرة ﵁ في الفدية٣ وإنما رواه عبد الكريم عن مجاهد عن ابن أبي ليلى كذا قال ابن عبد البر أيضا٤.
٣- وروى مالك عن عمرو بن الحارث٥، عن عبيد بن فيروز٦، عن البراء ﵁ في الأضاحي٧، وإنما رواه عمرو، عن
стр. 594
سليمان بن عبد الرحمن١ عن عبيد. كذا رواه ابن وهب٢، عن عمرو بن عمرو بن الحارث وهو مشهور من حديث سليمان المذكور، حدث به عنه شعبة٣، والليث وابن لهيعة٤ وغيرهم.
فلو كانت التسوية تدليسا لعد مالك في المدلسين، وقد أنكروا على من عده فيهم.
قال ابن القطان: "ولقد ظن بمالك على بعده عنه عمله"٥.
وقال/ (ب ص ٢١٧) الدارقطني: "أن/ (ي١٨١) مالكا/ (ر٩٥/أ) ممن عمل به وليس عيبا عندهم"٦.
وإذا تقرر ذلك، فقول شيخنا - في تعريف التسوية -: "وصورة هذا القسم أن يجيء المدلس إلى حديث قد سمعه من شيخ ثقة وقد سمعه ذلك الشيخ الثقة من شيخ ضعيف، وقد سمعه ذلك الشيخ الضعيف عن شيخ ثقة، فيسقط المدلس الشيخ الضعيف، ويسوقه بلفظ محتمل، فيصير الإسناد كلهم ثقات، ويصرح هو بالاتصال عن شيخه لأنه قد سمعه منه فلا يظهر حينئذ في الإسناد ما يقتضي رده ... "٧ إلى آخر كلامه.
تعريف غير جامع، بل حق العبارة أن يقول:
стр. 595
أن يجيء الراوي - ليشمل المدلس وغيره - إلى حديث قد سمعه من شيخ وسمعه ذلك الشيخ/ (?١٠٧/أ) من آخر عن آخر، فيسقط الواسطة محتملة، فيصير الإسناد عاليا وهو في الحقيقة نازل، ومما يدل على أن هذا التعريف لا تقييد فيه بالضعيف أنهم ذكروا في أمثلة التسوية: ما رواه هشيم١ عن يحيى بن سعيد الأنصاري عن الزهري، عن عبد الله٢ بن الحنفية، عن أبيه عن علي ﵁ في تحريم لحوم الحمر الأهلية.
قالوا: ويحيى بن سعيد لم يسمعه من الزهري، إنما أخذه عن مالك عن الزهري.
هكذا حدث به عبد الوهاب الثقفي وحماد بن زيد وغير واحد عن يحيى بن سعيد عن مال٣، فأسقط هشيم ذكر مالك منه وجعله عن يحيى ابن سعيد عن الزهري.
ويحيى فقد سمع من الزهري، فلا إنكار في روايته عنه إلا أن هشيما قد سوى هذا الإسناد، وقد جزم بذلك ابن عبد البر/ (ب ٢١٨) وغيره.
فهذا كما ترى لم يسقط في التسوية شيخ/ (ر٩٥/ب) ضعيف، وإنما سقط شيخ ثقة٤، فلا اختصاص لذلك بالضعيف - والله أعلم -.
стр. 596
تنبيه:
قسم الحاكم في علوم الحديث١ - وتبعه أبو نعيم - التدليس إلى ستة أقسام:
الأول: من دلس عن الثقات.
الثاني: من سمى من دلس عنه لما حوقق وروجع فيه.
الثالث: من دلس عن من لا يعرف.
الرابع/ (ي١٨٢) : من دلس عن الضعفاء.
الخامس: من دلس القليل عن من سمع منه الكثير.
السادس: من حدث من صحيفة من لم يلقه.
قلت: وليست هذه الأقسام متغايرة، بل هي متداخلة، وحاصلها يرجع إلى قسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، لكن أحببت التنبيه على ذلك، لئلا يعترض به من لا يتحقق.
تنبيه آخر:
ذكر شيخنا٢ ممن عرف بالتسوية جماعة، وفاته أن ابن حبان قال - في ترجمة بقية - أن أصحابه كانوا يسوون حديثه٣
وقال: - في ترجمة إبراهيم بن عبد الله المصيصي -: كأن يسوي الحديث٤ - والله أعلم -.
٤٠- قوله (ع) : "وما ذكره المصنف في حد التدليس (هو: المشهور بين أهل الحديث - يعني أن من جملة التدليس - أن يروي عمن عاصره ما لم يسمعه منه موهما أي سواء كأن قد لقيه أو لم يلقه"٥.
стр. 597
قلت: والذي يظهر من تصرفاته الحذاق منهم أن التدليس مختص باللقي فقد أطبقوا على أن رواية المخضرمين مثل: قيس بن أبي حازم وأبي عثمأن النهدي وغيرهما (عن) ١ النبي ﷺ من قبيل المرسل لا من قبيل المدلس.
وقد قال الخطيب - في باب المرسل من كتابه الكفاية -٢:
"لا خلاف بين أهل العلم أن إرسال الحديث الذي ليس ٣ بمدلس وهو: رواية الراوي عمن لم يعاصره أو لم يلقه/ (ب ٢١٩) ، ثم مثل للأول بسعيد بن المسيب وغيره عن النبي ﷺ وللثاني بسفيان الثوري وغيره عن الزهري.
ثم قال: "والحكم في الجميع عندنا واحد". أنتهى.
فقد (بين) ٤ الخطيب في ذلك أن من روى عمن لم يثبت لقيه ولو عاصره أن ذلك مرسل لا مدلس.
والتحقيق فيه التفصيل وهو: أن من ذكر بالتدليس أو الإرسال إذا ذكر٥ بصيغة الموهمة عمن لقيه، فهو تدليس، أو عمن أدركه ولم يلقه فهو المرسل الخفي، أو عمن لم يدركه فهو مطلق الإرسال.
واعلم أن التعريف الذي ذكرناه للمرسل ينطبق على ما يرويه الصحابة عن/ (ي ١٨٣) النبي ﷺ مما لم يسمعوه منه وإنما لم يطلقوا عله اسم التدليس أدبا على أن بعضهم أطلق ذلك.
روى أبو أحمد ابن عدي في الكامل عن يزيد بن هارون عن شعبة قال: "كأن أبو هريرة ﵁ ربما دلس"٦.
стр. 598
والصواب ما عليه الجمهور من الأدب في عدم إطلاق ذلك - والله أعلم.
٩٢- قوله (ص) : "وإنما يقول: قال فلان أو عن فلان...."١ إلى آخره.
قد نقدم ما في "قال" من الخلاف.
وقد يقع التدليس بحذف الصيغ كلها. كما في المثال الذي ذكره المصنف٢ وإنما نبهت عليه، لأنه ليس داخلا في عباراته - والله أعلم.
٩٣- قوله (ص) : " (وإن ما) ٣ رواه المدلس بلفظ محتمل حكمه حكم المرسل"٤.
اعترض عليه بأن البزار الحافظ ذكر في الجزء الذي جمعه فيمن يترك ويقل: أن من كأن لا يدلس إلا عن الثقات كأن تدليسه عند أهل العلم مقبولا/ (ر٩٦/ب) .
وبذلك صرح أبو الفتح الأزدي، وأشار إليه الفقيه أبو بكر الصيرفي في "شرح الرسالة".
وجزم بذلك أبو حاتم ابن حبان وأبو عمر ابن عبد البر٥ وغيرهما في حق سفيان بن عيينة وبالغ ابن حبان في ذلك حتى قال: "إنه لا يوجد له تدليس قط إلا وجد بعينه، وقد بين سماعه فيه من ثقة"٦.
стр. 599
وفي سؤالات الحاكم للدارقطني: أنه سئل عن تدليس ابن جريج فقال: يجتنب، وأما ابن عيينة فأنه يدلس عن الثقات.
تنبيه:
قال أبو الحسن ابن القطان: "إذا صرح المدلس قبل بلا خلاف، وإذا لم يصرح فقد قبله ما لم يتبين في حديث بعينه أنه لم يسمعه، ورده آخرون ما لم يتبين أنه سمعه".
قال: "فإذا روى المدلس حديثا بصيغة محتملة، ثم رواه بواسطة تبين انقطاع الأول عند الجميع".
قلت: وهذا بخلاف غير المدلس، فإن غير المدلس يحمل غالب ما يقع منه من ذلك على أنه سمعه من الشيخ الأعلى/ (ي ١٨٤) ، وثبته فيه الواسطة.
لكن في إطلاق ابن القطأن نظر، لأنه قد يدلس الصيغة فيرتكب ١ المجاز، كما يقول مثلا: حدثنا وينوي حديث قومنا ٢ أو أهل قريتنا ونحو ذلك. وقد ذكر الطحاوي منه أمثلة من ذلك:
حديث مسعر٣ عن عبد الملك بن ميسرة٤ عن النزال بن سبرة٥ قال قال لنا٦ رسول الله ﷺ : "أنا وإياكم ندعي بني عبد مناف ... " الحديث.
стр. 600
قال وأراد بذلك أنه ﷺ قال لقومه وأما هو فلم ير النبي ﷺ .
وقال طاووس١: "قدم علينا معاذبن جبل ﵁ اليمن".
وطاووس لم يدرك معاذا ﵁ وإنما أراد قدمنا بلدنا.
وقال الحسن: "خطبنا عتبة بن غزوان"٢.
يريد/ (ر٩٧/أ) أنه خطب أهل البصرة والحسن لم يكن بالبصرة/ (ب ص ٢٢١) لما خطب عتبة.
قلت: ومن أمثلة ذلك قول ثابت البناني٣: "خطبنا عمرأن بن حصين ﵁" وقوله: "خطبنا ابن عباس ﵄" - والله أعلم -.
٤١- قوله (ع) : "حكاية عن أبي نصر بن الصباغ: وإن كان لصغر سنه فيكون ذلك رواية عن مجهول"٤.
فيه نظر؛ لأنه لا يصير بذلك مجهولا إلا عند من لا خبرة له بالرجال وأحوالهم وأنسابهم إلى قبائلهم وبلدأنهم، وحرفهم وألقابهم وكناهم وكذا الحال في آبائهم.
فتدليس الشيوخ دائر بين ما وصفنا فمن أحاط علما بذلك لا يكون/ (?١٠٩) الرجل المدلس عنده مجهولا.
وتلك أنزل مراتب المحدث.