الصحيحين في قصة آخر من يخرج من النار، وإن الله تعالى يقول له - بعد أن يتمنى ما يتمنى - لك ذلك ومثله معه، وقال أبو سعيد الخدري: "أشهد لسمعت رسول الله ﷺ يقول: لك ذلك وعشرة أمثاله١ / (ر ١١٤/أ) .
وكحديث ابن عمر ﵄: "الحمى/ (١٢٧/ب) من فيح جهنم فأبردها بالماء" متفق عليه٢. وفي حديث ابن عباس ﵄ عند البخاري: "فأبردوها بماء زمزم"٣.
وإنما الزيادة التي يتوقف أهل الحديث في قبولها من غير الحافظ حيث يقع في الحديث الذي يتحد مخرجه، كمالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ إذا روى الحديث جماعة/ (ي ٢١٥) من الحفاظ الأثبات العارفين بحديث ذلك الشيخ وانفرد دونهم بعض رواته بزيادة، فإنها لو كانت محفوظة لما غفل الجمهور من رواته عنها.
فتفرد واحد عنه بها٤ دونهم مع توفر (دواعيهم) ٥ على الأخذ عنه وجمع حديثه يقتضي ريبة توجب التوقف عنها٦.
стр. 667
وأما ما حكاه ابن الصلاح عن الخطيب، فهو وإن نقله عن الجمهور من الفقهاء وأصحاب الحديث، فقد خالف في اختياره فقال: بعد ذلك: "والذي نختاره أن الزيادة مقبولة إذا كان راويها عدلا حافظا ومتقنا ضابطا".
قلت: وهو توسيط بين/ (ب ٢٥٧) المذهبين، فلا ترد الزيادة من الثقة مطلقا ولا نقلبها مطلقا. وقد تقدم مثله عن ابن خزيمة وغيره وكذا قال ابن طاهر: إن الزيادة إنما تقبل عند أهل الصنعة من الثقة المجمع عليه.
تنبيه:
سبق المؤلف إلى التفصيل الذي فصله إمام الحرمين في البرهان ١ فقال: بعد أن حكى عن الشافعي وأبي حنيفة ﵄: قبول زيادة الثقة فقال: "هذا عندي فيما إذا سكت الباقون فإن صرحوا بنفي ما نقله هذا الراوي مع إمكان إطلاعهم فهذا يوهن قول قائل الزيادة"٢.
وفصل أبو/ (١٢٨/أ) نصر ابن الصباغ٣في "العدة" تفصيلا آخر بين أن يتعدد المجلس، فيعمل بهما، لأنهما/ (ر١١٤/ب) كالخبرين أو يتحد، فإن كان الذي نقل الزيادة واحدا والباقون جماعة لا يجوز عليهم الوهم سقطت الزيادة، وإن كان بالعكس، وكان كل من الفريقين جماعة فالقبول، وكذا إن كان كل منهما واحدا حيث يستويان وإلا فرواية الضابط منهما أولى بالقبول٤.
стр. 668
وقال الإمام فخر الدين: "إن كان الممسك عن الزيادة أضبط من الراوي لها فلا تقبل. وكذا إن صرح بنفيها، وإلا قبلت"١.
وقال الآمدي٢ وجرى عليه ابن الحاجب ٣: "إن اتحد المجلس فإن كان من لم يروها، قد انتهوا إلى حد لا تقتضي العادة غفلة مثلهم عن سماعها والذي رواها/ (ي ٢١٦) واحد فهي مردودة وإن لم ينتهوا إلى هذا الحد جماعة الفقهاء والمتكلمين على قبول الزيادة خلافا لجماعة من المحدثين".
قلت: وللأصوليين تفاصيل غير هذه، فقال بعضهم: تقبل إن كانت غير مغيرة للإعراب٤.
وقال بعضهم: تقبل ممن لم يكن مشتهرا برواية الزيادة في الوقائع.
وقال بعضهم: تقبل الزيادة إن لم تشتمل على حكم شرعي ويفصل فيها إن اشتملت/ (ب ٢٥٨) .
وقال أبو نصر ابن القشيري: "إن رواه مرة، (ثم نقله) ٥ أخرى وزاد فلا تقبل زيادته وأما إذا أسند زيادة دائما فتقبل".
стр. 669
فائدة:
حكى ابن الصلاح عن الخطيب فيما إذا تعارض الوصل والإرسال أن الأكثر من أهل الحديث يرون أن الحكم لمن أرسل.
وحكى عنه هنا أن الجمهور من أئمة الفقه والحديث يرون أن الحكم لمن أتى بالزيادة إذا كان ثقة١.
وهذا ظاهره التعارض ومن أبدى/ (١٢٨/ب) فرقا بين المسألتين فلا يخلو من تكلف وتعسف.
وقد جزم ابن الحاجب أن الكل بمعنى واحد، فقال: "وإذا أسند الحديث وأرسلوه أو رفعه ووقفوه / (ر١١٥/أ) أو وصله وقطعوه، فحكمه حكم الزيادة على التفصيل السابق"٢.
ويمكن الجواب عن الخطيب، بأنه لما حكى الخلاف في المسألة الأولى عن أهل الحديث خاصة عبر بالأكثر وهو كذلك، ولما حكى الخلاف في المسألة الثانية عنهم وعن أهل الفقه والأصول وصار الأكثر في جانب مقابله ولا يلزم من ذلك دعوى فرق بين المسألتين- والله أعلم -.
ونقل الحافظ العلائي عن شيخه ابن الزملكاني أنه فرق بين مسألتي تعارض الوصل والإرسال والرفع والوقف بأن الوصل في السند زيادة من الثقة فتقبل وليس الرفع زيادة في المتن فتكون علة وتقرير ذلك أن المتن إنما هو قول النبي ﷺ فإذا كان من قول صحابي فليس بمرفوع فصار منافيا له لأن دونه من قول الصحابي مناف لكونه من كلام النبي ﷺ وأما الموصول والمرسل فكل منهما موافق للآخر في كونه ي ٢١٧ من كلام النبي ﷺ .
стр. 670
قال العلائي: "وهذه التفرقة قد تقوى في بعض الصور أكثر من بعض، فأما إذا كان الخلاف في الوقف والرفع على الصحابي بأن يرويه عنه تابعي/ (ب ص ٢٥٩) مرفوعا ويوقفه عليه تابعي آخر لم يتجه هذا البحث لاحتمال أن يكون حين وقفه أفتى بذلك الحكم وحين رفعه رواه إلا أن يتبين أنهما مما سمعاه منه في مجلس واحد فيفزع/ (١٢٩/أ) حينئذ إلى الترجيح.- والله أعلم -.
١٠٦- قوله (ص) : "فذكر أبو عيسى الترمذي أن مالكا تفرد من بين الثقات بزيادة قوله من المسلمين"١.
[اعتراض النووي على ابن الصلاح] :
اعترض عليه الشيخ محيى الدين بقوله: "لا يصح التمثيل بهذا الحديث بقوله؛ لأنه لم ينفرد به، بل واقفه في الزيادة عمر بن نافع بن عمر والضحاك بن عثمان"٢.
والأول في صحيح البخاري٣، والثاني في صحيح مسلم٤.
[تعقب التبريزي على النووي:]
وتعقب الشيخ تاج الدين التبريزي كلام الشيخ محي الدين بقوله: "إنما مثل به حكاية على الترمذي، فلا يرد عليه شيء". انتهى.
[تعقب الحافظ على التبريزي:]
وهذا التعقب غير مرضي؛ لأن الإيراد٥ على المصنف من جهة عدم مطابقة المثال للمسألة المفروضة ولو كان حاكيا، لأنه أقره فرضيه وعلى تقدير عدم الورود من هذه الحيثية، فيرد عليه من جهة تعبيره لعبارة الترمذي، لأن الترمذي لم يطلق تفرد مالك به كما بينه شيخنا٦ عنه.
стр. 671
ثم راجعت كتاب الترمذي١ فوجدته في كتاب الزكاة قد أطلق كما حكاه عنه المصنف. ولفظه: "حديث ابن عمر ﵄ رواه مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ نحو حديث أيوب، وزاد فيه، "من المسلمين"، ورواه غير واحد عن نافع ولم يذكر فيه "من المسلمين".
وفي "كتاب العلل المفرد"٢ قد قيد كما حكاه عنه شيخنا٣.
فكأن ابن الصلاح نقل كلامه من كتاب الزكاة ولم يراجع كلامه في العلل والله أعلم.
وأما/ (ب ٢٦٠) قولنا شيخنا: اختلف في زيادتها على عبيد الله بن عمر وعلى أيوب وأحال في بيان ذلك/ (ي ٢١٨) على شرح الترمذي٤، فقد رأيت بيان ذلك هنا.
قال ابن عبد البر: "ذكر ابن أحمد بن/ (?١٢٩/ب) خالد أن بعض أصحابه حدثه عن يوسف بن يعقوب القاضي٥ عن سليمان بن حرب عن حماد بن زيد عن أيوب وقال فيه: "من المسلمين".
وقال ابن عبد البر: "وهو خطأ على أيوب والمحفوظ فيه عنه من رواية الحمادين وابن علية٦ وسلام بن أبي مطيع"٧.
стр. 672
وعبد الورث وعبد الله بن شوذب١ وغيرهم ليس فيه: "من المسلمين".
قلت: بل رواية عبد الله بن شوذب عن أيوب قال فيها: "من المسلمين".
كذلك رواه ابن خزيمة في صحيحه عن الحسن بن عبد الله بن منصور الانطاكي عن محمد بن كثير عنه.
ثم قال ابن عبد البر: "ورواه سعيد بن عبد الرحمن الجمحي٢ عن عبيد الله٣ بن عمر ﵄ فزاد فيه: "من المسلمين". ثم ساقه من طريقه بإسناده وقال: رواه يحيى القطان وبشر بن المفضل وأبو أسامة وغيرهم عن عبيد الله فلم يذكروها".
قلت: وصلها الدارقطني في السنن٤ - أيضا - والحاكم في "المستدرك"٥ من طريق سعيد بن عبد الرحمن.
وقد أشار أبو داود في السنن٦ إلى رواية سعيد بن عبد الرحمن هذه وقال: المشهور عن عبيد اله ليس في "من المسلمين".
وقد رواه الدارقطني في "السنن"٧ عن أبي محمد بن صاعد٨، عن
стр. 673
محمد بن عبد الملك بن زنجويه١ عن عبد الرزاق، عن الثوري، عن عبيد الله بن عمر ﵄ وقال فيه: "على كل مسلم"، ثم رواه عن محمد بن إسماعيل الفارسي عن إسحاق الديري٢، عن عبد الرزاق عن الثوري عن عبيد الله بن عمر/ (١٣٠/أ) وابن أبي ليلى كلاهما عن نافع مثله٣.
قلت: ولم يذكر شيخنا٤ رواية ابن أبي ليلى هذه.
وقد روى - أيضا - ممن لم يذكره شيخنا عن أيوب بن موسى وموسى بن عقبة ويحيى بن سعيد الأنصاري هكذا عزاه العلامة مغلطاي لتخريج البيهقي، ولم أر ذلك في السنن الكبير ولا في المعرفة ولا في السنن الصغرى ولا في الخلافيات.
فإن كان لذلك صحة، فتكون رويت عنهم من طرق غريبة، والمشهور/ (ي ٢١٩) عنهم بدون هذه الزيادة - والله أعلم -.
تنبيه:
ذكر أبو بكر الرازي الحنفي٥ أن هذه الجملة ليست زيادة في الحديث،
стр. 674
وإنما هما حديثان قالهما النبي ﷺ في وقتين:
أحدهما: بالإطلاق للعموم.
والآخر: بتخصيص بعض أفراده بالذكر.
وفيه نظر ١، وإنما يتأتى هذا إذا كان الاختلاف من الصحابة ﵃ الرواة للحديثين عن النبي ﷺ .
وأما/ (ر١١٦/ب) هذا الحديث، فإن مخرجه واحد بترجمة٢ واحدة فلا يتأتى (ما) ٣ ذكره - والله أعلم -.
١٠٧- قوله (ص) ٤: "ومن أمثله ذلك حديث: "جعلت لنا الأرض [مسجدا] ٥ وجعلت تربتها لنا٦ طهورا". فهذه الزيادة تفرد بها أبو مالك" انتهى.
وهذا التمثيل ليس مستقيم - أيضا -؛ لأن أبا مالك٧ قد نفرد بجملة الحديث عن ربعي بن حراش ٨ ﵁ كما تفرد بروايته جملته ربعي عن حذيفة ٩- ﵁.
стр. 675
فإن أراد أن لفظة "تربتها" زائدة في هذا الحديث على باقي الأحاديث في الجملة، فإنه يرد عليه أنها في حديث علي ﵁ -١ أيضا كما نبه عل/ (١٣٠/ب) شيخنا٢، وإن أراد أن أبا مالك تفرد بها، وأن رفقته، عن ربعي ﵁ لم يذكروها كما هو ظاهر كلامه، فليس بصحيح٣.
وأما اعتراض العلامة مغلطاي بأنه يحتمل أن يريد بالتربة الأرض لا التراب، فلا يبقى فيه زيادة، فقد أجاب عنه شيخنا شيخ الإسلام فقال: "وحمل التربة على التراب هو المتبادر إلى الفهم، لأنه لو أراد بالتربة الأرض لم يحتج لذكرها هنا لسبق ذكر الأرض وهو قوله ﷺ جعلت لنا الأرض مسجدا وجعلت تربتها لنا طهورا"٤.
قلت: وهذا٥ يلزم منه إضافة الشيء إلى نفسه، لأن التقدير حينئذ يكون وجعلت أرض الأرض لنا طهورا.
وفي هذا من الفساد ما لا يخفى - والله أعلم -.
خاتمة/ (٢٢٠) :
قياس تفريق ابن حبان في مقدمة الضعفاء ٦ بين المحدث والفقيه في
стр. 676
الرواية بالمعنى أن ياتي هنا، فيقال: يفرق أيضا في قبول الزيادة في الإسناد أو المتن بين الفقيه والمحدث، فإن كانت الزيادة من محدث في الإسناد قبلت أو في المتن فلا، لأن/ (ر١١٧/أ) اعتناءه بالإسناد أكثر وإن كانت من فقيه في المتن قبلت أو في الإسناد فلا، لأن اعتناءه ١ بالمتن أكبر.
فإن تعليل ابن حبان للتفرقة المذكورة يأتي هنا سواء، بل سياق كلامه يرشد إليه - والله أعلم -.
стр. 677
النوع السابع عشر: معرفة الأفراد
١٠٨- قوله (ص) : "الأفراد منقسمة إلى هو فرد مطلقا وإلى ما هو فرد بالنسبة إلى جهة خاصة"١، انتهى.
[اعتراض مغلطاي على ابن الصلاح:]
اعترض عليه العلامة مغلطاي بأنه ذكر أنه تبع الحاكم في ذكره هذا النوع (قال) ٢: فكان ينبغي له أن يتبعه في تقسيمه فإنه قسمه إلى ثلاثة أقسام.
قلت: وهو اعتراض عجيب، فإن الأقسام الثلاثة التي ذكرها الحاكم داخلة في القسمين اللذين ذكرهما ابن الصلاح، ولا سبيل إلى الإتيان بالثالث: لأن الفرد إما مطلق وإما نسبي وغاية ما في الباب أن المطلق ينقسم إلى نوعين:
أحدهما: تفرد٣ شخص من الرواة بالحديث.
والثاني: تفرد أهل البلد بالحديث دون غيرهم.
(والأول ينقسم أيضا إلى نوعين) ٤:
أحدهما: يفيد كون المنفرد ثقة، والثاني لا يفيد٥.
وأما أمثلة الأول فكثيرة، وقد ذكرنا شيخنا في منظومة٦ له حديث
стр. 678
ضمرة بن سعيد١ عن عبيد الله بن عبد الله عن أبي واقد٢ "في القراءة في الأضحى".
قال شيخنا: "لم يروه أحد من الثقات إلا ضمرة بن سعيد، وله طريق أخرى من حديث عائشة ﵂ سندها ضعيف".
وأما أمثلة الثاني، فكثيرة جدا ومنها في الصحيحين٣ حديث ابن عيينة عن عمرو بن دينار، وعن أبي العباس ٤ عن/ (ي ٢٢١) عبد الله بن عمر ﵄ في حصار الطائف تفرد به ابن عيينة عن عمرو، وعمرو عن أبي العباس٥ وأبو العباس عن عبد الله بن عمر ﵄ كذلك.
ومثال النوع الثاني: حديث عائشة ﵂ "في صلاة النبي
стр. 679
- ﷺ على سهيل بن بيضاء ﵁" له طريقان ١ عنها رواتها كلهم مدنيون.
قال الحاكم: "تفرد أهل المدينة بهذه السنة"٢.
وأما النسبي فيتنوع - أيضا - أنواعا:
أحدهما: تفرد شخص عن شخص.
ثاتيها: تفرد أهل بلد عن شخص.
ثالثها: تفرد شخص عن أهل بلد.
رابعها: تفرد أهل البلد عن أهل بلد أخرى.
مثال الأول: حديث عبد الواحد بن أيمن عن أبيه عن جابر ﵁ في قصة الكدية التي عرضت لهم يوم الخندق.
стр. 680
أخرجه البخاري١، وقد تفرد به عبد الواحد عن أبيه. وقد روي من غير حديث جابر ﵁.
وأمثلة ذلك في كتاب الترمذي كثيرة جدا، بل ادعى بعض المتأخرين أن جميع ما فيه من الغرائب من هذا القبيل.
وليس كما قال لتصريحه في كثير منه بالتفرد المطلق.
ومثال الثاني: حديث "القضاة ثلاثة"٢.
تفرد به أهل مرو، عن عبد الله بن بريدة عن أبيه ﵁ وقد جمعت طرقه في جزء.
وكذا حديث يزيد مولى المنبعث٣، عن زيد بن خالد الجهني في "اللقطة"٤. تفرد به أهل المدينة. عنه
стр. 681
ومثال الثالث: وهو عكس الذي قبله، فهو قليل جدا وصورته أن ينفرد شخص عن جماعة بحديث تفردوا به.
ومثال الرابع: ما رواه أبو دواد١ من حديث جابر ﵁ في قصة المشجوج: "إنما كان يكفيه أن يتيمم ويصعب على جرحه خرقة".
قال ابن أبي داود: فيما حكاه الدارقطني في "السنن"٢: "هذه سنة/ (ر١١٨/أ) تفرد بها أهل مكة، وحملها عنهم أهل الجزير".
وقول ابن الصلاح: "إلا أن يطلق قائل قوله: تفرد به أهل مكة على ما لم يروه إلا واحد من أهلها"٣.
قلت: وهذا الإطلاق هو الأكثر، فجميع الأمثلة التي/ (ي ٢٢٢/أ) مثل بها الحاكم٤ كذلك، كحديث خالد الحذاء، عن سعيد بن عمرو، عن الشعبي عن داود عن المغيرة/ (١٣٢/أ) بن شعبة في النهي عن قيل وقال: تفرد به البصريون عن الكوفين وإنما تفرد به خالد الحذاء وهو واحد.
وحديث الحسين بن داود٥ عن الفضيل ب ٢٦٥ بن عياض، وعن منصور، عن
стр. 682
إبراهيم ١ عن علقمة، عن ابن مسعود ﵁ عن النبي ﷺ قال: "يقول ﵎: "يا دنيا اخدمي من خدمني"٢.
قال: تفرد به الخراسانيون عن المكيين، وإنما انفرد به الحسين٣ ولم يروه غيره، وهو معدود في مناكيره.
وكذلك غالب ما أطلقه أبو داود في كتاب التفرد٤ وكذا ابنه أبو بكر بن أبي داود. - والله أعلم -.
وقد يطلقون تفرد الشخص بالحديث ومرادهم بذلك تفرده بالسياق لا بأصل الحديث.
وفي مسند البزار من ذلك جملة نبه عليها.
تنبيه:
من مظان الأحاديث الأفاد مسند أبي بكر البزار، فإنه أكثر فيه من إيراد ذلك وبيانه، وتبعه أبو القاسم الطبراني في "المعجم الأوسط" ثم الدارقطني في "كتاب الأفراد"٥. وهو ينبئ على٦ اطلاع بالغ ويقع عليهم التعقب فيه كثيرا بحسب اتساع٧ الباع وضيقه أو الاستحضار وعدمه.
وأعجب من ذلك أن يكون المتابع عند ذلك الحافظ نفسه فقد تتبع العلامة مغلطاي على الطبراني ذلك في جزء مفرد/ (ر١١٨/ب) .
стр. 683
وإنما يسحن الجزم بالإيراد عليهم حيث لا يختلف السياق أو حيث يكون المتابع ممن يعتبر به لاحتمال أن يريدوا شيئا من ذلك بإطلاقهم، والذي يرد على الطبراني، ثم الدارقطني/ (١٣٢/ب) من ذلك أقوى مما يرد على البزار (لأن البزار) ١ حيث يحكم بالتفرد إنما ينفي علمه، فيقول:
"لا نعلمه يروي عن فلان إلا من حديث ٢ فلان".
وأما غيره، فيعبر بقوله٣: "لم يروه عن فلان إلا فلان". وهو وإن كان يلحق بعبارة البزار على تأويل، فالظاهر٤ من الإطلاق خلافه- والله أعلم -.
стр. 684
النوع الثامن عشر: معرفة العلل
...
النوع/ (ي٢٢٣) الثامن عشر: معرفة العلل
١٠٩- قوله (ص) : "فالحديث المعلل هو الحديث الذي اطلع فيه على علة تقدح في صحته مع أن ظاهره السلامة منه"١.
قلت: وهذا تحرير لكلام الحاكم في "علوم الحديث"٢ فإنه قال:
"وإنما يعلل الحديث من أوجه ليس للجرح فيها مدخل، فإن حديث المجروح ساقط واه وعلة الحديث تكثر في أحاديث الثقات أن يحدثوا بحديث له علة فتخفى٣ عليهم علته، والحجة فيه عندنا العلم والفهم والمعرفة".
[متى يسمى الحديث معلولا:]
فعلى هذا لا يسمى الحديث المنقطع مثلا معلولا، ولا الحديث الذي راويه مجهول معلولا أو ضعيف وإنما يسمى معلولا٤ إذ آل أمره إلى شيء من ذلك مع كونه ظاهر السلامة من ذلك.
وفي هذا رد على من زعم أن المعلول يشمل كل مردود.
وإذا تقرر هذا فالسبيل إلى معرفة سلامة الحديث من العلة كما نقله المصنف عن الخطيب أن يجمع طرقه، فإن اتفقت رواته واستووا ظهرت سلامته.
стр. 685
وإن اختلفوا أمكن ظهور العلة، فمدار التعليل في الحقيقة على بيان الاختلاف وسأوضحه في/ (ر١١٩/أ) النوع الذي بعد هذا [إن شاء الله تعالى] ١ وهذا الفن أغمض أنواع الحديث وأدقها مسلكا، ولا يقوم به إلا من منحه الله تعالى فهما غايصا٢ وإطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة، ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وحذاقهم٣ وإليهم المرجع في ذلك لما جعل الله فيهم من معرفة ذلك، والاطلاع على غوامضه دون غيرهم ممن لم يمارس ذلك.
وقد تقصر عبارة المعلِّل منهم، فلا يفصح بما استقر في نفسه من ترجيح [إحدى] ٤ الروايتين على الأخرى [كما] ٥ في نقد الصيرفي سواء، فمتى وجدنا حديثا قد حكم إمام من الأئمة٦ المرجوع إليهم - بتعليله - فالأولى إتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه.
وهذا الشافعي/ (ي ٢٢٤) مع إمامته يحيل القول على أئمة الحديث في كتبه فيقول: "وفيه حديث لا يثبته أهل العلم بالحديث"٧.
وهذا حيث لا يوجد مخالف منهم لذلك المعلل، وحيث يصرِّح بإثبات العلة فأما إن وجد٨ غيره صححه فينبغي حينئذ توجه النظر إلى الترجيح بين كلاميهما.
وكذلك إذا٩ أشار المعلل إلى العلة إشارة ولم يتبين منه ترجيح لإحدى الروايتين، فإن ذلك يحتاج إلى الترجيح- والله أعلم -.
стр. 686
قال الحافظ العلائي بعد أن ذكر ما هذا ملخصه: "فأما إذا كان رجال الإسنادين متكافئين في الحفظ أو العدد أو كان١ من أسنده أو رفعه دون من أرسله أو وقفه في شيء من ذلك مع أن كلهم ثقات محتج بهم فههنا مجال النظر واختلاف أئمة الحديث والفقهاء.
[مسلك أهل الحديث عند تكافؤ المختلفين الرجوع إلى الترجيح:]
فالذي يسلكه كثير من أهل الحديث بل غالبهم٢ جعل ذلك علة مانعة من الحكم بصحة الحديث مطلقا، فيرجعون إلى الترجيح لإحدى/ (١٣٣/ب) الروايتين على الأخرى، فمتى اعتضدت إحدى/ (ر١١٩/ب) الطريقين بشيء من وجوه الترجيح حكموا لها وإلا توقفوا عن الحديث وعللوه بذلك، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص، وإنما ينهض بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلي يشمل القاعدة بل يختلف/ (ب ص ٢٦٨) نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كل حديث بمفرده -والله أعلم.
[اعتبار أئمة الفقه والأصول إسناد الحديث ورفعه من باب الزيادة:]
قال: وأما أئمة الفقه والأصول، فإنهم جعلوا إسناد الحديث ورفعه كالزيادة في متنه (يعني كما تقدم تفصيله عنهم)
ويلزم على ذلك قبول الحديث الشاذ كما تقدم٤.
ومن المواضع الخفية في الاحاديث المعللة - ما ذكره ابن أبي حاتم قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال:
"من باع عبدا وله مال ... " الحديث.
стр. 687
فقال: "قد كنت أستحسن هذا الحديث من/ (ي ٢٢٥) ذي١ الطريق حتى رأيت من حديث بعض الثقات عن عكرمة بن خالد عن الزهري عن ابن عمر - رضي اله عنهما - فعاد الحديث إلى الزهري، والزهري إنما رواه عن سالم بن عبد الله بن عمر عن أبيه ﵃ -٢.
стр. 688
وهو المعلول (يعني لأن نافعا عن ابن عمر ﵄) فجعل مسألة بيع العبد عن عمر ﵁ ومسألة بيع النخل عن النبي ﷺ .
قال النسائي١: "سالم اجل من نافع ولكن القول في هذا القول نافع وكذا قال علي بن المديني والدارقطني"٢.
قال العلائي: "وبهذه النكتة يتبين أن التعليل أمر خفي لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون الفقهاء الذين لا اطلاع لهم على طرقه وخفاياها".
قلت: وسبب الخفاء في هذا المثال أن عكرمة بن خالد أكبر من الزهري وهو معروف بالرواية عن ابن عمر- ﵄ فلما وجد الحديث من رواية حماد بن سلمة عنه كان ظاهره الصحة وكان يعتضد بها ما رواه الزهري عن سالم عن أبيه ويرجح على رواية نافع خلافا لما قال ابن المديني والنسائي وغيرهما.
لكن لما فتشت الطرق تبين أن عكرمة سمعه ممن هو أصغر منه وهو الزهري، والزهري لم يسمعه من ابن عمر ﵄ إنما سمعه من سالم فوضح أن رواية حماد بن سلمة مدلسة أو مسواة، ورجع هذا الإسناد الذي كان يمكن الاعتضاد به إلى الإسناد الأول الذي حكم عليه بالوهم وكان سبب حكمهم عليه بالوهم كون سالم أو من دونه سلك الجادة؛ لأن العادة والغالب أن الإسناد إذا انتهى إلى الصحابي - رضي الله تعالى عنه - قيب بعده: عن النبي ﷺ فلما جاء هنا بعد الصحابي ذكر صحابي آخر والحديث من قوله -كان الظن غالبا على أن من ضبطه هكذا أتقن ضبطا - والله أعلم -.
стр. 689
قال العلائي: "وهذا كله إذا كان الإسناد واحدا من حيث المخرج غير مختلف في الحالات، أما إذا اختلف في الوصل والإرسال كأن يروي ي ٢٢٦ بعضهم عن الزهري عن سعيد بن المسيب/ (?١٣٤/ب) عن أبي هريرة ﵁ حديثا مرفوعا فيرويه بعضهم عن الزهري، عن أبي سلمة ﵁ عن النبي ﷺ مرسلا.
أو يرويه بعضهم عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ حديثا مرفوعا، فيرويه بعضهم، عن الأعمش، عن أبي صالح عن أبي سعيد ﵁ موقوفا.
ففي مثل هذه الصيغة يضعف تعليل أحدهما بالآخر؛ لكون كل منهما إسنادا برأسه، ولقوة احتمال/ (ر١٢٠/ب) كونهما إسنادين عند الزهري أو عند الأعمش كل واحد منهما على وجه.
قلت: وإنما يقوى هذا إذا أتى بهما الراوي جميعا في وقت واحد وحينئذ ينتفي التعليل، وشرط هذا كله التساوي في الحفظ أو العدد.
فأما إذا كان راوي الوصل أو الرفع/ (ب٢٧٠) مرجوحا، فلا، [كما] ١ تقرر غير مرة - والله أعلم -.
٤٧- قوله (ع) ٢: "هكذا أعل الحاكم في [علومه] ٣ هذا الحديث بهذه الحكاية والغالب على الظن عدم صحتها وأنا٤ أتهم بها أحمد بن حمدون القصار راويها عن مسلم ... " إلى آخره.
قلت: الحكاية صحيحة قد رواها غير الحاكم على الصحة من غير نكارة، وكذا رواها البيهقي عن الحاكم على الصواب كما سنوضحه، لأن المنكر منها إنما هو قوله:
стр. 690
"إن البخاري قال: لا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث الواحد المعلول"، والواقع أن في الباب عدة أحاديث لا يخفى مثلها على البخاري".
والحق أن البخاري لم يعبر بهذه العبارة.
وقد رأيت أن أسوق لفظ الحكاية/ (١٣٥/أ) من الطريق التي ذكرها الحاكم وضعفها الشيخ ثم أسوقها من الطريق الأخرى الصحيحة التي لا مطعن ولا نكارة، ثم أبين حال الحديث ومن أعله أو صححه لتتم الفائدة فأقول:
قال الحاكم - في علوم الحديث١: "الجنس الأول من أجناس علل الحديث".
مثاله: ما حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب٢. ثنا/ (ي ٢٢٧) محمد بن إسحاق الصاغاني٣ ثنا حجاج بن محمد قال: قال ابن جريج، عن موسى بن عقبة٤، عن سهيل بن أبي صالح، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ قال: "من جلس مجلسا فكثر فيه لغطه، فقال قبل أن يقوم: سبحانك اللهم وبحمدك لا إله إلا أنت أستغفرك وأتوب إليك إلا غفر له ما كان في مجلسه ذلك"٥.
стр. 691
قال الحاكم١: هذا الحديث من تأمله لم يشك أنه من شرط الصحيح وله علة فاحشة، وهي ما حدثني أبو نصر: أحمد بن محمد الوراق قال: سمعت أبا حامد: أحمد بن حمدون القصار٢ يقول:
سمعت مسلم بن الحجاج - وجاء إلى محمد بن إسماعيل البخاري فقبل بين عينيه وقال: دعني [حتى] ٣ أقبل رجليك يا أستاذ الأستاذين وسيد المحدثين، وطبيب الحديث في علله، حدثك محمد بن سلام ٤، ثنا مخلد بن يزيد الحران ٥، أنا ابن جريج، عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبيه عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ في "كفارة المجلس" فما علته؟ قال محمد بن إسماعيل: "هذا حديث مليح ولا أعلم في الدنيا في هذا الباب غير هذا الحديث إلا أنه معلول، ثنا به موسى بن إسماعيل ثنا وهيب، ثنا سهيل، عن عون هـ ١٣٥/ب عبد الله٦ قوله".
قال محمد بن إسماعيل: هذا أولى، فإنه لا يذكر لموسى سماع من سهيل، انتهى.
стр. 692
فيا عجباه من الحاكم كيف يقول هنا: إنه له علة فاحشة ثم يغفل، فيخرج الحديث بعينه في "المستدرك" ويصححه.
ومن الدليل على أنه كان غافلا في حال كتابته له في "المستدرك" (عما) ١ كتبه في علوم الحديث أنه عقبه في "المستدرك"٢ بأن قال: "هذا حديث صحيح على شرط مسلم، إلا أن البخاري أعله برواية وهيب، وعن موسى بن عقبة عن سهيل، عن أبيه عن كعب الأحبار" انتهى.
وهذا الذي ذكره لا وجود له عن البخاري، وإنما الذي أعله البخاري في جميع طرق هذه الحكاية - هو الذي ذكره الحاكم أولا.
وذلك من طريق وهيب٣ عن/ (ي ٢٢٨) سهيل، عن عون بن عبد الله لا ذكر لكعب فيه البتة، وبذلك أعله أحمد بن حنبل٤ وأبو حاتم٥ وأبو زرعة٦ وغيرهم كما سأوضحه، وعندي أن الوهم فيها٧ من الحاكم في حال كتابته في "علوم الحديث"، لأنه رواها خارجا عنه على الصواب/ (ر١٢١/ب) رواها عنه البيهقي في "المدخل" ومن طريقه الحافظ أبو القاسم ابن عساكر في "تاريخه" عن أبي المعالي الفارسي عنه قال: أنا أبو عبد الله الحافظ (يعني الحاكم) قال: "سمعت أبا نصر الوراق فذكر الحكاية إلى قوله: "في كفارة المجلس". وزاد فقال: قال البخاري:
وحدثنا أحمد بن حنبل ويحيى بن معين قال: ثنا حجاج بن محمد، عن ابن جريج حدثني موسى بن عقبة ... " وساق الحديث، ثم قال:
стр. 693
قال محمد بن إسماعيل: هذا حديث مليح ولا أعلم بهذا الإسناد في الدنيا غير هذا إلا أنه معلول ... وذكر باقي القصة.
فقوله: "لا أعلم بهذا الإسناد" لا اعتراض فيه بخلاف تلك الرواية التي فيها "لا أعلم في الباب"، فإنه يتجه١ عليه ما اعترض به الشيخ من أن في الباب عدة أحاديث غير هذا الحديث.
وقد وقعت لي هذه الحكاية من وجه آخر رويناها في "كتاب الإرشاد"٢ للحافظ أبي يعلى الخليلي قال: "أنا أبو محمد المخلدي٣ في كتابه - أنا أبو حامد الاعمش هو أحمد بن حمدون الحافظ قال: كنا عند محمد بن إسماعيل البخاري بنيسابور فجاء مسلم بن الحجاج فسأله عن حديث عبيد الله ٤ بن عمر عن أبي الزبير عن جابر في قصة العنبر"٥.
قال: فقرأ عليه إنسان حديث حجاج بن محمد عن ابن جريج عن موسى ابن عقبة عن سهيل، عن أبيه عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ في "كفارة المجلس".
стр. 694
فقال مسلم١: "في الدنيا أحسن من هذا؟ تعرف بهذا الإسناد في الدنيا حديثا غير هذا؟ ".
فقال محمد بن إسماعيل: "لا إلا أنه معلول".
فقال مسلم: "لا إله إلا الله وراتعد أخبرني/ (ي ٢٢٩) به فقال: "استر ما ستر الله فألح عليه وقبل رأسه وكاد أن يبكي" فقال: "اكتب إن كان ولا بد حدثنا موسى ثنا وهيب ثنا موسى بن عقبة٢ عن عون بن عبد الله. فقال له مسلم لا يبغضك إلا حاسد وأشهد أن ليس في الدنيا مثلك".
قلت: وهكذا رواها الخطيب في تأريخه٣ عن أبي حازم العبدري٤ عن الحسن بن/ (١٣٦/ب) أحمد الزنجوني٥ عن أحمد بن حمدون مثله.
فهذا اللفظ أولى بان يعزى إلى البخاري من اللفظ المعزو له في كلام الحاكم في "علوم الحديث".
على أن بعض المتأخرين من الحفاظ أوّل الكلام الذي في "علوم الحديث" فقال: "الذي ينبغي أن يحمل عليه كلامه في هذه الرواية وغيرها أن يكون مراده بالباب رواية أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ وبالحديث طريق ابن جريج عن موسى بن عقبة عن سهيل عن أبي هريرة ﵁.
стр. 695
قلت: وهو حمل متعسف١ ظاهر التكلف، ثم إنه٢ يرد عليه ما فر منه فإنه روي من رواية أبي هريرة ﵁ من غير هذا الوجه. وذلك فيما رواه أبو داود في سننه٣ من طريق ابن وهب عن عمرو بن الحارث، عن سعيد بن أبي هلال عن سعيد المقبري، عن عبد الله بن عمرو بن العاص موقوفا نحو هذا الحديث.
قال عمرو بن الحارث: وحدثني بنحو ذلك عبد الرحمن بن أبي عمرو ٤ عن المقبري، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ .
وأخرجه ابن حبان في صحيحه٥ والطبراني في الدعاء من طريق ابن وهب هذه.
ولما أخرج الترمذي حديث ابن جريج المبدأ بذكره في "كتاب الدعوات"٦ من جامعه عن أبي عبيدة بن أبي السفر، عن حجاج قال: هذا حديث حسن [صحيح] ٧ غريب لا نعرفه من٨ حديث سهيل إلا من هذا الوجه" انتهى.
стр. 696
وهو متعقب - أيضا - وقد عرفناه من حديث سهيل من غير هذا الوجه/ (ر١٢٢/ب) فرويناه في الخلعيات مخرجا من أفراد الدارقطني من طريق الواقدي/ (ي٢٣٠) ثنا عاصم/ (ب ص ٢٧٤) ابن عمر وسليمان بن بلال كلاهما عن سهيل به.
ورويناه في/ (١٣٧/أ) كتاب الذكر١ لجعفر الفريابي قال: ثنا هشام بن عمار: ثنا إسماعيل بن عياش. ثنا سهيل.
ورويناه في "الدعاء" للطبراني من طريق ابن وهب قال: حدثني محمد بن أبي حميد عن سهيل.
فهؤلاء أربعة رووه عن سهيل من غير الوجه الذي أخرجه الترمذي فلعله إنما نفى ان يكون يعرفه من طريق قوية، لأن الطرق المذكورة لا يخلو واحد من من مقال.
أما الأولى: فالواقدي متروك الحديث.
وأما الثانية: فإسماعيل بن عياش مضعف في غير روايته عن الشاميين ولو صرح بالتحديث.
وأما الثالثة: فمحمد بن أبي حميد٢ وإن كان مدنيا، لكنه ضعيف - أيضا - وقد سبق الترمذي أبو حاتم إلى ما حكم به من تفرد تلك الطريق عن سهيل، فقال: فيما حكاه ابنه عنه في "العلل"٣:
"لا أعلم روى هذا الحديث عن النبي ﷺ في شيء من طرق أبي هريرة ﵁.
قال: وأما رواية إسماعيل بن عياش، فما أدري ما هي؟، إنما روى عنه إسماعيل أحاديث يسيرة"٤.
стр. 697
فكأن أبا حاتم استبعد أن يكون إسماعيل حدث به، لأن هشام بن عمار تغير في آخر عمره، فلعله رأى أن هذا مما خلط فيه، ولكن أورد ابن أبي حاتم عى إطلاق أبيه طريق سعيد المقبري عن أبي هريرة التي قدمناها، ثم اعتذر عنه بقوله: كأنه لم يصحح رواية عبد الرحمن بن أبي عمرو عن المقبري ١.
وهذا يدلك على انهم قد يطلقون النفي، ويقصدون به نفي الطرق الصحيحة، فلا ينبغي أن يورد على إطلاقهم مع/ (ر١٢٣/أ) ذلك الطرق الضعيفة - والله الموفق -.
وذكر الدارقطني هذا الحديث في "كتاب العلل"٢ وحكى/ (?١٣٧/ب) عن أحمد بن حنبل أنه قال: حديث ابن جريج عن موسى بن عقبة وهم قال: والصحيح قول وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله قال أحمد: وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه على٣ موسى بن عقبة أخذه عن بعض الضعفاء عنه. قال/ (ي ٢٣١) الدارقطني: والقول قول أحمد.
وقال ابن أبي حاتم - في كتاب العلل٤: "سألت أبي وأبا زرعة عن حديث ابن جريج (يعني هذا) فقالا ٥: "هذا خطأ رواه وهيب عن سهيل عن عون بن عبد الله موقوفا وهذا أصح. قلت لأبي: فالوهم ممن هو؟
قال: يحتمل أن يكون من ابن جريج (ويحتمل أن يكون من سهيل قال: وأخشى أن يكون ابن جريج دلسه) ٦ عن موسى بن عقبة أخذه من بعض الضعفاء".
стр. 698
وقال في موضع آخر١: " ولم يذكر فيه ابن جريج الخبر فأخشى أن يكون أخذه عن إبراهيم بن أبي يحيى"٢.
[إتفاق جماعة من الأئمة على وجود الوهم في هذه الرواية:]
قلت: فاتفق هؤلاء الأئمة على أن هذه الرواية وهم، ولكن لم يجزم احد مهم بوجه الوهم فيه، بل اتفقوا على تجويز أن يكون ابن جريج دلسه، وزاد أبو حاتم تجويز أن يكون الوهم فيه من سهيل.
فاما الخشية الاولى، فقد أمناها لوجودنا هذا الحديث من طرق عدة عن ابن جريج قد صرح فيها بالسماع من موسى.
[الطرق التي صرح فيها ابن جريج بالتحديث:]
منها: ما تقدم ٣ عن البخاري في مساق البيهقي، عن الحاكم.
ومنها: ما رويناه في "معجم أبي الحسين بن جميع"٤ قال: "ثنا جعفر بن محمد الهمداني ثنا هلال بن العلاء٥ ثنا حجاج بن محمد ثنا ابن جريج أخبرني موسى بن عقبة".
وكذا رويناه في "أمالي الضب " من طريق الزعفراني٦: ثنا حجاج قال: قال ابن جريج أخبرني موسى.
стр. 699
وكذا أخرجه الحسين/ (١٣٨/أ) بن الحسن المروزي في١ زيادات البر والصلة قال: أنا حجاج ب ص ٢٧٦ بن محمد به/ (ر١٢٣/ب) .
وكذا رواه الطبراني، عن أحمد بن زياد الرقي، عن حجاج به أخرجه أبو نعيم في علوم الحديث عنه.
وقال الطحاوي٢: ثنا أبو بشر الرقي. ثنا حجاج بن محمد كذلك لكن المحفوظ عن حجاج ليس فيه الخبر كذا هو في رواية الجم الغفير عنه نعم رويناه في "فوائده سموية" قال: "ثنا سليمان بن داود - وهو الهاشمي - ثنا أبو صفوان: عبد الله بن سعيد ابن عبد الملك. ثنا ابن جريج حدثني موسى بن عقبة ... " فذكره, وكذا رويناه في "فوائد الدسكري" من طريق أسد بن موسى، عن سعيد بن سالم، عن ابن جريج أخبرني موسى.
وروريناه في المعجم الأوسط من طريق/ (ي ٢٣٢) سفيان، عن ابن جريج أخبرني موسى".
فزال ما خشيناه منن تدليس ابن جريج بهذه الروايات المتظافرة عنه بتصريحه بالسماع من موسى.
وبقي ما خشيه أبو حاتم من وهم سهيل فيه.
وذلك أن سهيلا كان قد أصابته علة نسي من أجلها بعض حديثه ولأجل هذا قال فيه أبو حاتم: "يكتب حديثه ولا يحتج به".
[ترجيح رواية وهيب على رواية موسى بن عقبة:]
فإذا اختلف عليه ثقتان في إسناد واحد أحدهما أعرف بحديثه وهو وهيب
стр. 700
من الآخر - وهو موسى بن عقبة - قوي الظن بترجيح رواية وهيب، لاحتمال أن يكون عند تحديثه لموسى بن عقبة لم يستحضره كما ينبغي وسلك فيه الجادة فقال: عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁ -كما هي العادة في أكثر أحاديثه، ولهذا قال البخاري في تعليله "لا نعلم لموسى سماعا من سهيل".
(يعني) أنه إذا كان معروف/ (١٣٨/ب) بالأخذ عنه ووقعت عنه رواية واحدة خالفه فيها من هو أعرف بحديثه وأكثر له ملازمة رجحت روايته على تلك الرواية/ (ب ص٢٧٧) المنفردة.
وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم (ر١٢٤/أ) وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه وكل من حكم بصحة الحديث مع ذلك إنما مشى فيه على ظاهر الإسناد كالترمذي كما تقدم١ وكأبي حاتم ابن حبان٢ فإنه أخرجه في صحيحه٣ وهو المعروف بالتساهل في باب النقد، ولا سيما كون الحديث المذكور في فضائل الاعمال - والله أعلم -.
وأما قول شيخنا ٤: إنه ورد في حديث جماعة من الصحابة ﵃ فذكر منهم ثمانية وهم:
١- أبو برزة الأسلمي.
٢-ورافع بن خديج.
٣-والزبير بن العوام.
٤-وعبد الله بن مسعود.
٥-وعبد الله بن عمرو.
стр. 701
٦-والسائب بن يزيد.
٧-وأنس.
٨-وعائشة ﵂
وأنه بين أحاديثهم في تخريج أحاديث الأحياء. فهو كما قال - رضي الله تعالى عنه -.
لكنه إنما بينهما في التخريج الكبير الذي مات عن أكثره وهو مسودة فقد لا يصل إلى الفائدة منه كل أحد فرأيت/ (ي ٢٣٣) عزوها إلى من خرجها على طريق الاختصار بزيادة كثيرة جدا في العزو إلى المخرجين.
١- أما حديث أبي برزة ورافع بن خديج ﵄، فهما حديث واحد اختلف فيه على الراوي عنهما أخرجه الدارمي١ وأبو داود٢ والنسائي٣ من طريق أبي هاشم الرماني٤، عن أبي العالية ٥ عن أبي برزة الأسلمي ﵁ ورجال/ (١٣٩/أ) إسناده ثقات إلا انه اختلف فيه على أبي العالية - فرواه الطبراني٦ في الصغير والحاكم في المستدرك٧ من
стр. 702
طريق مقاتل بن حيان عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية عن رافع بن خديج ﵁ وعلى أبي العالية فيه اختلاف آخر، فقد ذكر أبو موسى المديني أن الربيع بن أنس١ - رواه أيضا - عن أبي العالية، عن أبي بن كعب وعلى أبي العالية فيه اختلاف آخر، فقد رواه زياد بن الحصين ٢ عن أبي العالية عن النبي ﷺ مرسلا.
وذكر أبو موسى المديني أن جريرا رواه عن فضيل بن عمرو٣، عن زياد بن حصين عن معاوية، كذا قال وكأنه تصحيف وإنما هو عن زياد بن حصين عن أبي العالية.
وكذا رويناه في فوائد ابن عمشليق من طريق أبي نعيم إلى زيادات البر والصلة للحسين بن الحسن المروزي عن مؤمل بن إسماعيل كلاهما عن سفيان الثوري عن منصور عن فضيل بن عمرو عن زياد عن أبي العالية مرسلا وذكر ابن أبي حاتم في "العلل"٤ عن أبيه وأبي زرعة أن المرسل أشبه - والله أعلم -.
[حديث الزبير:]
وأما حديث الزبير بن العوام- فرواه الطبراني في "الصغير"٥ في ترجمة
стр. 703
محمد بن علي الطرائفي من طريق عبد العزيز بن صهيب١ عن حبة٢ مولى الزبير (عن الزبير) ٣ بن العوام قال: قلنا يا رسول الله إنا إذا قمنا من عندك أخذنا في أحاديث الجاهلية، فقال: ﷺ : "إذا جلستم تلك المجالس / (ي ٢٣٤) التي تخافون فيها على أنفسكم فقولوا عند قيامكم: سبحانك اللهم وبحمدك نشهد أن لا إله إلا أنت نستغفرك ونتوب إليك يكفر عنكم ما أصبتم فيها".
قال الطبراني: "لا يروي عن الزبير (بن العوام) ٤ إلا بهذا/ (?١٣٩/ب) الإسناد".
[حديث ابن مسعود:]
وأماحديث ابن مسعود ﵁ ذكر الخطيب في "المؤتلف" من طريق الطبراني، وعن العتيقي، عن شيخ (شيخ) ٥ الطبراني: وهو أبو الفضل الشيباني، وهو ضعيف.
وفي رواية العتيقي: فإنها كفارات الخطايا والقاذورات.
ورواه ابن عدي في الكامل٦ في ترجمة يحيى بن كثير صاحب البصري من روايته عن عطاء بن السائب، عن أبي عبد الرحمن السلمي عن ابن مسعود ﵁ مرفوعا "كفارة المجلس/ (ب ٢٧٩) أن يقول العبد٧ ... " فذكره.
стр. 704
وهذا من جملة مناكير يحيى بم كثير المذكور وهو ضعيف١ عندهم لكنه إنما تفرد برفعه فقد رواه ابن أبي الدنيا ٢ في "كتاب الذكر" له قال: "ثنا خلف بن هشام، ثنا خالد بن عبد الله٣ - هو الطحان - أحد الأثبات، عن عطاء بن السائب ... " فذكره موقوفا.
وكذا أخرجه الحسين بن الحسن المروزي في " زيادات البر والصلة" له عن سعيد بن سليمان عن خالد.
[حديث عبد الله بن عمرو:]
وأما حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵁ فرواه الطبراني من طريق محمد بن جامع العطار٤ - وفيه مقال- عن حصين بن نمير٥ عن حصين بن عبد الرحمن ٦، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو ﵄ عن النبي ﷺ فذكره.
стр. 705
وخالفه محمد بن فضيل، فرواه في "كتاب الدعاء" عن حصين بن عبد الرحمن موقوفا.
وكذا رواه خالد بن عبد الله الواسطي، وعبد الله بن إدريس الأودي١ وغير واحد عن حصين موقوفا.
وله طريق٢ أخرى موقوفة من رواية سعيد المقبري/ (ي٢٣٥) تقدم ذكرها٣.
[حديث السائب:]
وأما حديث السائب هـ١٤٠/أبن يزيد ﵁ فرويناه ٤ في "الآثار"٥ للطحاوي، ومعجم الطبراني الكبير٦، و"فوائد سموية"٧ من حديث الليث بن سعد عن يزيد بن الهاد، عن إسماعيل بن عبد الله بن جعفر قال بلغني أن رسول الله ﷺ قال، فذكر مثل حديث ابن جريج المبدأ بذكره.
قال يزيد بن الهاد: فحدثت بهذا الحديث يزيد بن ر ١٢٥/ب خصيفة ٨ فقال: