← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8316

النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (877 стр.). Показаны 736–775 · переход к 741.

стр. 736

داود"١ وكذلك رواه عمر بن مرزوق، عن شعبة بلفظ: "يستفتحون بالحمد لله رب العالمين". وفيه: "نحن سألناه عن ذلك". أخرجه أبو نعيم في "المستخرج" - أيضا -. فوضح بذلك أن سؤال قتادة، ليس مخالفا لسؤال أبي سلمة فطريق الجمع بينهما أن يقال: إن سؤال أبي سلمة كان متقدما على سؤال قتادة بدليل قوله- في روايته -: "لم يسألني عنه أحد قبلك" فكأنه كان إذ ذاك غير ذاكر لذلك، فأجاب (بأنه) ٢ لا يحفظه، ثم سأله قتادة عنه فتذكر ذلك، وحدثه بما عنده فيه. وأما احتجاج أبي شامة على أن سؤال قتادة له في الحديث الذي أخرجه البخاري٣ عن قراءة النبي ﷺ وجواب/ (ي٢٥٢) أنس ﵁ أنها كانت مدا حيث أجاب بالبسملة دون غيرها من آيات القرآن دل على أن النبي ﷺ كان يجهر بالبسملة في قراءته٤. ففيه نظر، لأنه يحتمل أن يكون ذكر أنس للبسملة على سبيل المثال لقراءة النبي ﷺ فلا ينتهض الدليل على ذلك. ٥٤- وأما قوله: "فيتناول الصلاة وغير الصلاة". ففيه نظر؛ لأن الأعم لا دلالة له على الأخص، والمراد أن النبي ﷺ -كان حيث يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، يمد بسم الله ويمد

стр. 737

الرحمن ويمد الرحيم فمن أين له من هذا الحديث أنه كان يجهر بها في "الصلاة". وقول أبي شامة - أيضا -: "لو كانت قراءته تختلف لقال له: عن أي قراءتيه١ تسأل، عن التي داخل الصلاة أو التي خارج الصلاة٢؟ فلما لم يستفصله دل أن حاله في ذلك لم يختلف" ففيه نظر، لأنه لا يستلزم من ترك الاستفصال في هذا التعميم [في الصفات، إنما يستلزم التعميم] ٣ في الاحوال، فيستفاد/ (ر١٣٥/ب) منه أنه كان يقرأ هكذا داخل الصلاة وخارجها ب٢٩٩، وأما كونه يجهر ببعض ذلك أو لا يجهر بجميع ذلك أولا٤، فلا دلالة في الحديث على ذلك، وعلى تقدير أنه يدل، فيعارضه ما أخرجه أحمد ٥ بإسناد صحيح، عن بعض أزواج النبي/ (١٤٩/أ) ﷺ -قال نافع بن عمر الجمحي روايه٦: أراها٧ حفصة بنت عمر ﵂ أنها سئلت عن قراءة النبي ﷺ فقالت ﵂: "إنكم لا تستطيعونها" فقيل لها: أخبرينا بها: قال: فقرأت قراءة ترسلت فيها الحمد لله رب العالمين، ثم قطع، الرحمن الرحيم، ثم قطع٨ مالك يوم الدين. فهذا الحديث إن دل حديث أنس - رضي الله تعالى عنهما - وأم سلمة٩

стр. 738

- ﵂ على إثبات البسملة في الفاتحة لمجرد ذكرها معها دل حديث حفصة ﵂ على سقوطها منها، وإذا/ (ي٢٥٣) جمع بينهما بأنه كان يقرأ البسملة فيها- يعني لا يجهر بها في الصلاة فسمعت حفصة ﵂ قراءته داخل الصلاة، وسمعها أنس وأم سلمة خارج الصلاة ١، كان ذلك ممكنا غير بعيد من الصواب، وهو أولى من دعوى التعارض. ٥٥-قوله (ع) : "وما أوله به الشافعي ﵁ مصرح به في رواية الدارقطني"٢. لم يبين الشيخ رواية الدارقطني كيف هي؟ وظاهر السياق يشعر بأنها من رواية قتادة، عن أنس ﵁ وليس كذلك فإنها عنده من رواية الوليد عن الأوزاعي، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنس٣ ﵁. وقد رواها راويها بالمعنى، بلا شك، فإن رواية الوليد، كما بيناها من عند البخاري في "جزء القراءة"٤ ومن عند غيره بلفظ: "كانوا يفتتحون بالحمد لله رب العالمين".

стр. 739

(فرواها بعض الرواة عنه بلفظ: "بدأ بأم القرآن بدل بالحمد لله رب العالمين) ١ فلا تنتهض الحجة بذلك/ (ر١٣٥/ب) . قلت ٢: وقد صح تسمية أم الكتاب بالحمد لله رب العالمين وذلك فيما رواه/ (ب ص ٣٠٠) البخاري في صحيحه٣ في أول التفسير من رواية أبي سعيد بن المعلى٤، عن النبي ﷺ قال: "الحمد لله رب العالمين هي: السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته"، وفي الحديث قصة". فهذا يرد على من طعن على لتأويل الشافعي- ﵁ وزعم أن أم الكتاب / (١٤٩/ب) إنما تسمى بالحمد لله فقط لا الحمد لله رب العالمين. وأن سياق الآية بتمامها دل على أنه أراد أن يفتتح بهذا اللفظ لأنه لو قصد أن يسمى السورة لسماها الحمد. فظهر بهذا الحديث الصحيح أنها تسمى الحمد وتسمى الحمد لله رب العالمين - أيضا فبطل ما ادعاه من نفي الاحتمال الذي ذكره الشافعي ﵁ ممكنا ٥ - والله أعلم -. (ط) قوله (ع) ٦: "ولا يلزم من نفي السماع عدم الوقوع ... " الخ.

стр. 740

وللمخالف ان يقول: لكن ي ٢٥٤ التوفيق بين الروايتين أن ١ يحمل نفيه للقراءة على عدم سماعه لها فلتئم الروايتان في عدم الجهر. ١١٢- قوله (ص) : "فعلل قوم رواية اللفظ المذكور (يعني نفي القراءة) لما رأوا الاكثرين إنما قالوا فيه: فيه فكانوا يستفتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين......."٢ إلى آخره. يعني بذلك الدارقطني٣، فإنه السابق إلى ذلك فقال:: إن المحفوظ عن قتادة من رواية عامة أصحابه عنه كانوا يفتتحون القراءة بالحمد لله رب العالمين. قال: "وهو المحفوظ عن قتادة وغيره عن أنس- ﵁ وتبعه الخطيب والبيهقي"٤. وفي ذلك نظر، لأنه يستلزم ترجيح إحدى الروايتين على الاخرى مع/ (ر ١٣٦/أ) إمكان الجمع بينهما، وكيف يحكم على رواية عدم الجهر بالشذوذ وفي روايتها عن قتادة مثل شعبة؟ قال أحمد - في مسنده - ثنا وكيع, ثنا شعبة عن قتادة عن أنس بلفظ: فكانوا "لا يجهرون بـ "بسم الله الرحمن الرحيم". وكذا أخرجه مسلم٥ وابن خزيمة/ (ب ٣٠١) في صحيحه٦ من طريق غندر، عن

стр. 741

شعبة ورواه ابن خزيمة١ وابن حبان في صحيحهما من طريق سعيد بن أبي عروبة عن قتادة ولفظه: "إن النبي ﷺ لم يجهر بـ "بسم الله الرحمن الرحيم" ولا أبو بكر ولا عمر ولا عثمان ﵃. وقال ابن حبان في صحيحه٢: ثنا الصوفي٣ وغيره. ثنا علي بن الجعد٤ ثنا شعبة وشيبان٥، عن قتادة: سمعت أنس بن مالك يقول: "صليت خلف النبي ﷺ وأبي بكر/ (?١٥٠/أ) وعمر ﵄ وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدا منهم يجهر بـ: "بسم الله الرحمن الرحيم". ورواهن الدارقطني٦، عن البغوي٧ عن علي بن الجعد بهذا.

стр. 742

وبوب عليه ابن حبان في صحيحه "باب الخبر المدحض" قول من زعم أن هذا الخبر لم يسمعه قتادة/ (ي ٢٥٥) من أنس١ ﵁. وكذا رواه جماعة من أصحاب قتادة عنه ورواه آخرون عنه بلفظ الافتتاح، ورواه عن شعبة جماعة حفاظ أصحابه هكذا ورواه آخرون عن بلفظ الافتتاح، فيظهر أن قتادة كان يرويه على الوجهين وكذلك شعبة ومن أدل دليل على ذلك أن يونس بن حبيب رواه في مسند٢ أبي داود الطيالسي عنه عن شعبة بلفظ الافتتاح. ورواه محمد بن المثنى ويحيى بن أبي طالب عنه/ (ر١٣٦/ب) بلفظ عدم الجهر- فالله أعلم -. [شاهد لحديث أنس:] ويشهد لحديث أنس ﵁ المذكور حديث عبد الله بن مغفل٣ ﵁ الذي حسنه الترمذي٤ ولفظه طليت مع النبي ﷺ وأبي بكر وعمر وعثمان ﵃ فلم أسمع أحدا منهم يقولها. ورواه النسائي٥ بلفظ: كان عبد الله بن مغفل ﵁ إذا سمع أحدا يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم يقول: "صليت خلف النبي - صلى الله

стр. 743

عليه وسلم - وخلف أبي بكر وخلف عمر ﵃ فما سمعت أحدا منهم يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم". وهو حديث حسن، لأن رواته ثقات ولم يصب من ضعفه بان ابن عبد الله بن مغفل مجهول لم يسم. فقد ذكره البخاري في "تأريخه"١ فسماه: يزيد ولم يذكر فيه هو ولا ابن أبي حاتم جرحا، فهو مستور اعتضد حديثه، وقد احتج أصحابنا وغيرهم بما هو دون ذلك. ويعضد ذلك - أيضا - ما رواه الإسماعيلي في مسند زيد بن أبي أنيسة بسنده الصحيح إليه، عن عمرو بن مرة، عن نافع بن جبير بن مطعم عن أبيه، قال: صلينا مع رسول الله ﷺ صلاة يجهر فيها بالقراءة، فلما صف الناس/ (?١٥٠/ب) كبر رسول الله ﷺ ثم قال: "اللهم إني أعوذ بك من الشيطان الرجيم من همزة ونفخه ونفثه، ثم قرأ بفاتحة الكتاب ولم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم". وأصل الحديث في "السنن"٢ وغيرها بغير هذا السياق. ومما يدل على ثبوت أصل البسملة في أول القراءة في الصلاة ما رواه النسائي/ (ي ٢٥٧) ٣ وابن خزيمة٤ وابن حبان٥ في صحيحيهما وغيرهم من رواية نعيم المجمر قال:

стр. 744

"صليت خلف أبي هريرة، فقرأ بسم الله الرحمن الرحيم، ثم قرأ بأم القرآن، فذكر الحديث وفي آخره فلما سلم قال: والذي نفسي بيده إني لأشبهكم صلاة برسول الله ﷺ " - وهو حديث صحيح لا علة فيه. ففي هذا رد على من نفاها البتة وتأييد لتأويل الشافعي ﵁ لكنه غير صحيح في ثبوت الجهر، لاحتمال أن يكون سماع نعيم لها من أبي هريرة ﵁ حال مخافته لقربه منه، فبهذه تتفق الروايات كلها. تنبيه: استدل ابن الجوزي على أن البسملة ليست من أول السورة بحديث رواه أحمد١ وأصحاب السنن٢ وابن حبان والحاكم٣ من طريق عباس الجشمي٤، عن أبي هريرة ﵁ عن النبي ﷺ أنه قال: "إن سورة القرآن ثلاثون آية شفعت لرجل حتى غفر له وهي "تبارك الذي بيده الملك". قال ابن الجوزي: لا يختلف العادون أنها ثلاثون آية من غير بسملة. هكذا استدل به، ولا دلالة فيه، لأن من عادة العرب حذف الكسور، وقد ورد ذلك في حديث مصرح به في "المسند"٥ - أيضا - هو حديث ابن

стр. 745

مسعود ﵁ قال: "أقرأني رسول الله ﷺ -سورة من آل حم قال: يعني الأحقاف، قال: وكانت السورة إذا كانت أكثر من ثلاثين آية سميت ثلاثين". ١١٣- قوله (ص) : "ثم اعلم أنهم قد يطلقون اسم العلة على غير ما ذكرنا ... "١ إلى آخره. مراده بذلك أن ما حققه من تعريف المعلول، قد يقع في كلامهم ما يخالفه، وطريق التوفيق/ (ر١٣٧/ب) بين ما حققه المصنف وبين ما يقع في كلامهم أن اسم العلة إذا / (?١٥١/أ) أطلق على حديث لا يلزم منه أن يسمى الحديث معلولا اصطلاحا. إذ المعلول ما علته قادحة/ (ي ٢٥٨) خفية والعلة أعم من أن تكون قادحة او غير قادحة خفية أو واضحة, ولهذا قال الحاكم: "وإنما يعل الحديث من أوجه ليس فيها للجرح مدخل". وأما قوله: وسمى الترمذي النسخ علة هو من تتمة هذا التنبيه، وذلك أن مراد الترمذي أن الحديث المنسوخ مع صحته إسنادا ومتنا طرأ عليه ما أوجب عدم العمل به وهو الناسخ، ولا يلزم من ذلك أن يسمى المنسوخ معلولا اصطلاحا كما قررته - والله أعلم -.

стр. 746

النوع التاسع عشر: المضطرب ١١٤- قوله (ص) "ومن أمثلته١": فذكر حديث الخط للمصلي٢ إذا لم يجد سترة واستدرك عليه شيخنا ما فاته من وجوه الاختلاف فيه وبقيت (فيه) ٣ وجوه أخرى لم أر الإطالة بذكرها، ولكن بقي أمر يجب التيقظ له. وذلك أن جميع من رواه عن إسماعيل بن أمية، عن هذا الرجل إنما وقع الاختلاف بينهم في اسمه أو كنيته، وهل روايته عن أبيه أو عن جده أو عن أبي هريرة بلا واسطة، وإذا تحقق الأمر لم يكن فيه حقيقة الاضطراب.

стр. 747

[حقيقة الاضطراب:] لأن الاضطراب هو: الاختلاف الذي يؤثر قدحا. واختلاف الرواة في اسم رجل لا يؤثر ذلك، لأنه إن كان ذلك الرجل ثقة فلا ضير، وإن كان غير ثقة فضعف الحديث إنما هو من قبل ضعفه لا من قبل اختلاف الثقات في اسمه فتأمل ذلك. ومع ذلك كله فالطرق التي ذكرها ابن الصلاح، ثم شيخنا قابلة لترجيح بعضها على بعض والراجحة منها يمكن التوفيق بينها بينها فينتفي الاضطراب أصلا ورأسا. تنبيه: قول ابن عيينة: لم نجد شيئا يشد به هذا الحديث ولم يجيء إلا من هذا الوجه١ فيه نظر، فقد رواه الطبراني من طريق أبي موسى الأشعري وفي إسناده أبو هارون العبدي٢ وهو ضعيف. [شاهدان للحديث:] ولكنه وارد٣ على الإطلاق٤، ثم وجدت له شاهدا آخر وإن كان موقوفا. أخرجه مسدد في "مسنده الكبير" قال: ثنا هشيم/ (ي ٢٥٩) ثنا خالد الحذاء عن إياس بن معاوية، عن سعيد بن جبير قال:

стр. 748

"إذا كان الرجل يصلي في فضاء فليركز بين يديه شيئا فإن لم يستطيع أن يركزه، فليعرضه، فإن لم يكن معه شيء، فليخلط خطا في الأرض"١. رجاله ثقات وقول البيهقي٢: "إن الشافعي ﵁ ضعفه". فيه نظر، فإنه/ (ب ٣٠٥) احتج به فيما وقفت عليه، في المختصر الكبير للمزني - والله أعلم -. ولهذا صحح الحديث أبو حاتم ابن حبان٣ والحاكم٤ وغيرهما. وذلك مقتضى لثبوت عدالته عند من صححه. فما يضره مع ذلك أن لا ينضبط اسمه إذا عرفت ذاته - والله تعالى أعلم -. [أمثلة للمضطرب:] ووجدت أمثلة للمضطرب في "علل الدارقطني"٥. ومنها: حديث: "شيبتي هود وأخواتها". اختلف فيه على أبي إسحاق السبيعي. (أ) فقيل عنه عن عكرمة، عن أبي بكر ﵁. (ب) ومنهم من زاد فيه ابن عباس ﵄.

стр. 749

(ج) وقال علي بن صالح١: عن أبي إسحاق، عن أبي جحيفة ٢، عن أبي بكر ﵁. (د) وقال العلاء٣: عن أبي إسحاق، عن البراء عن أبي بكر ﵄. (هـ) وقال زكريا بن إسحاق٤ وعبد الرحمن بن سليمان، عن أبي إسحاق عن أبي ميسرة٥، عن أبي بكر - رضي الله تعالى عنه -. (و) وقيل عن زكريا عن أبي إسحاق عن مسروق ٦ عن أبي بكر ﵁.

стр. 750

(ز) وقال محمد بن سلمة ١ عن أبي إسحاق عن مسروق عن عائشة عن أبي بكر ﵁. (ح) وقيل عن يونس بن أبي إسحاق عن علقمة عن أبي بكر. (ط) وقال عبد الكريم الخزاز٢: عن أبي إسحاق عن عامر بن سعد البجلي٣ عن أبي بكر ﵁. (ي) وقيل: عنه عن عامر بن سعد عن أبيه عن أبي بكر ﵁. (ك) وقال أبو شيبة النخعي: عن أبي إسحاق، عن مصعب بن سعد٤ عن أبيه عن أبي بكر ﵁. (ل) وقال أبو المقدام٥: عن أبي إسحاق عن أبي الأحوص٦ عن عبد الله بن مسعود ﵁.

стр. 751

١١٥- قوله/ (ي٢٦٠) (ص) : "ثم قد يقع الاضطراب في المتن وقد يقع في الإسناد، وقد يقع ذلك من راو واحد يقع من رواة"١. انتهى. [كلام العلائي على الحديث المعلول:] قسم المصنف الاضطراب/ (١٥٢/أ) إلى أربعة أقسام ولم يمثل إلا لقسم واحد. وقد تكلم الحافظ العلائي في مقدمة الأحكام على الحديث المعلول بكلام طويل مفيد نقلت منه ما يتعلق بما نحن فيه هنا ملخصا لأنه شامل (ب ص ٣٠٦) لكل ما يتعلق بتعليل الحديث من اضطراب وغيره. قال: وهذا الفن أغمض٢ أنواع الحديث وأدقها مسلكا ولا يقوم به إلا من منحه الله فهما غايصا٣ واطلاعا حاويا وإدراكا لمراتب الرواة ومعرفة ثاقبة. ولهذا لم يتكلم فيه إلا أفراد أئمة هذا الشأن وذاقهم كابن المديني والبخاري وأبي زرعة وأبي حاتم وأمثالهم. وإنما يقوي القول بالتعليل - يعني فيما ظاهره الصحة- عند عدم المعارض، وحيث يجزم المعلل بتقديم/ (ر١٣٩/أ) التعليل أو أنه الأظهر، فأما إذا اقتصر على الإشارة إلى العلة فقط بأن القول - مثلا - في الموصول: رواه فلان مرسلا أو نحو ذلك، ولا يبين أي الروايتين أرجح، فهذا هو الموجود كثيرا في كلامهم، ولا يلزم منه رجحان الإرسال على الوصل. قال: والاختلاف تارة في السند، وتارة في المتن. [أقسام الاختلاف في السند:] فالذي في السند يتنوع أنواعا:

стр. 752

أحدها: تعارض الوصل والإرسال. ثانيها: تعارض الوقف والرفع. ثالثها: تعارض الاتصال والانقطاع. رابعها: أن يروي الحديث قوم - مثلا- عن رجل عن تابعي عن صحابي، ويرويه غيرهم عن ذلك الرجل عن تابعي آخر عن الصحابي بعينه. خامسها: زيادة رجل في أحد الإسنادين. سادسها: الاختلاف في اسم الراوي ونسبه إذا كان مترددا بين ثقة وضعيف. فأما الثلاثة الأول: فقد تقدم القول فيها. وأن المختلفين إما يكونوا متماثلين في الحفظ والإتقان (أم لا) ١ فالمتماثلون إما يكون عددهم من الجانبين سواء أو لا، فإن استوى عددهم مع استواء/ (ي ٢٦١) أوصافهم وجب التوقف حتى يترجح أحد الطريقين بقرينة من القرائن فمتى اعتضدت إحدى/ (ب ٣٠٧) الطريقين بشيء/ (ب ٣٠٧) من وجوه الترجيح حكم لها، ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر، ولا٢ ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كل حديث يقوم به ترجيح خاص لا يخفى على الممارس الفطن الذي أكثر من جمع الطرق. ولأجل هذا كان مجال النظر في هذا أكثر من غيره، وإن كان أحد المتماثلين أكثر عددا فالحكم لهم على قول الأكثر. وقد ذهب قوم/ (ر ١٣٩/ب) إلى تعليله - وإن كان من وصل أو رفع أكثر. والصحيح خلاف ذلك.

стр. 753

وأما غير المتماثلين، فإما أن يتساووا في الثقة أو لا، فإن تساووا في الثقة فإن كان من وصل أو رفع أحفظ فالحكم له، ولا يلتفت إلى تعليل من علله بذلك - أيضا- إن ١ كان العكس، فالحكم للمرسل والواقف. وإن لم يتساووا في الثقة فالحكم للثقة، ولا يلتفت إلى تعليل من علله، برواية غير الثقة إذا خالف. هذه جملة تقسيم الاختلاف، وبقي إذا كان رجال أحد الإسنادين أحفظ ورجال الآخر أكثر. فقد اختلف المتقدمون فيه: فمنهم: من يرى قول الأحفظ أولى لإتقانه وضبطه. فمنهم: من يرى قول الأكثر أولى لبعدهم عن الوهم٢. قال عمرو بن علي الفلاس٣: سمعت سفيان بن زياد٤ يقول ليحيى بن سعيد في حديث سفيان، عن أبي الشعثاء عن يزيد بن معاوية العبسي، عن علقمة، عن عبد الله ﵁ في قوله ﵎: ﴿خِتَامُهُ مِسْكٌ﴾ ٥. فقال: يا أبا سعيد خالفه أربعة. قال: "من هم؟ "

стр. 754

قال: "زائدة وأبو الاحوص، وإسرائيل وشريك". فقال يحيى: "لو كان أربعة آلاف مثل هؤلاء كان الثوري أثبت منهم". قال الفلاس: "وسمعته يسأل عن عبد الرحمن بن مهدي عن هذا" فقال/ (ب ص ٣٠٨) ١ عبد الرحمن: "هؤلاء قد اجتمعوا وسفيان أثبت منهم والإنصاف لا بأس به فأشار عبد الرحمن إلى ترجيح روايتهم لاجتماعهم ولا شك (أن) ٢ الاحتمال من الجهتين منقدح قوي، لكن ذاك إذا لم ينته/ (ي ٢٦٢) عدد الأكثر إلى درجة قوية/ (?١٥٣/أ) جدا بحيث يبعد اجتماعهم على الغلط أو يندر أو يمتنع عادة ٣ فإن نسبة الغلط إلى الواحد وإن كان أرجح من أولئك في الحفظ والإتقان أقرب (من نسبته) ٤ إلى جمع الكثير. ومما يقوي بالتعليل فيه بالوقف ما إذا كان قد زيد في الإسناد عوضا عن ذكر النبي ﷺ كحديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - عن النبي ﷺ "أنه قضى في أمهات الأولاد أن لا يبعن ولا يوهبن ... " الحديث. هكذا رواه الدارقطني في السنن٥ من رواية يونس بن محمد المؤدب، عن عبد العزيز بن مسلم٦ عن عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵁. وخالفه يحيى بن إسحاق السالحين ٧- فرواه عن عبد العزيز عن

стр. 755

عبد الله بن دينار عن ابن عمر ﵄[عن عمر] ١ من وقله فحكم الدارقطني٢ وغيره من الأئمة أن الموقوف هو الصحيح، وعللوا المرفوع به، ووجهه غلبة الظن بغلط من رفعه حيث اشتبه عليه قول ابن عمر عن عمر - رضي الله عهما - بأنه، عن النبي ﷺ فلما جاء هنا٣ بعد الصحابي صحابي آخر والحديث هو قوله اشتبه ذلك على الراوي، فإذا انضم إلى ذلك أن فليح بن سليمان رواه أيضا عن عبد الله بن دينار بموافقة يحيى بن إسحاق، وكذلك رواه عبيد الله بن عمر عن نافع عن ابن عمر ﵄ قوي القول بتعليله بالوقف (قوة) ٤ ظاهرة، ولا يقال قد رواه عبد الله بن جعفر المديني، عن عبد الله بن دينار مرفوعا بمتابعة يونس بن محمد؛ لأنها متابعة ضعيفة جدا لضعف عبد الله بن جعفر٥.

стр. 756

ومشى أبو الحسن بن القطان الفاسي في "بيان الوهم والإيهام" على ظاهر الإسناد الأول، فصحح الحديث، فلم يصب فالله أعلم. ومما يقوي/ (ر١٤٠/ب) القول بتقديم الانقطاع على الاتصال أن يكون في الإسناد مدلس عنعنه. ومن/ (?١٥٣/ب) خفايا ما ذكره ي ٢٦٣ ابن أبي حاتم ١ قال: سألت أبي عن حديث رواه حماد بن سلمة عن عكرمة بن خالد عن ابن عمر ﵄ عن النبي ﷺ قال: "من باع عبدا وله مال ... " الحديث. فقال: كنت أستحسن هذا الحديث من ذي طريق حتى رأيت من حديث بعض الثقات عن عكرمة بن خالد، عن الزهري عن ابن عمر ﵄. قال العلائي: "فبهذه النكتة يتبين أن التعليل أمر خفي لا يقوم به إلا نقاد أئمة الحديث دون من لا اطلاع له على طرقه وخفاياها". وأما النوع الرابع: وهو الاختلاف في السند - فلا يخلو إما أن يكون الرجلان ثقتين أم لا. فإن كانا ثقتين، فلا يضر الاختلاف عند الأكثر، بقيامك الحجة بكل منهما، فكيفما دار الإسناد كان عن ثقة وربما احتمل أن يكون

стр. 757

الراوي (سمعه منهما جميعا وقد وجد ذلك في كثير من الحديث، لكن ذلك يقوى حيث يكون الراوي) ١ ممن له اعتناء بالطلب وتكثير الطرق٢. ومن أمثلة ذلك حديث أبي هريرة في المهجر إلى الجمعة (رواه يونس٣ ومعمر٤ وابن أبي ذئب٥، عن الزهري عن الأغر) . ورواه ابن عيينة٦ عن الزهري، عن سعيد. ورواه يزيد بن الهاد٧، عن الزهري عن الأغر وأبي سلمة وسعيد كلهم عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -. فتبين صحة كل الأقوال، فإن٨ الزهري كان ينشط تارة، فيذكر جميع شيوخه وتارة يقتصر على بعضهم.

стр. 758

ومنه حديث "أفطر الحاجم والمحجوم"١. رواه جماعة، عن أبي قلابة، عن أبي الأشعث الصنعاني٢، عن شداد بن أوس. ورواه آخرون، عن أبي قلابة، عن أبي أسماء الرحبي، عن ثوبان٣ رضي الله تعالى عنه. ورواه يحيى بن أبي كثير عن أبي قلابة بالطريقين جميعا٤. قال الترمذي٥: "سألت محمدا عنه فصححه". فقلت: "وكيف ما فيه من الاضطراب؟ " قال: "كلاهما عندي صحيح".

стр. 759

وأما ما ذهب إليه كثير من أهل الحديث - من أن الاختلاف دليل على عدم ضبطه في الجملة، فيضر١ ذلك ولو كانت رواته ثقات إلا أن يقوم دليل، على أنه عند الراوي المختلف عليه عنهما جميعا أو بالطريقين جميعا - فهو رأي فيه ضعيف، لأنه كيفما دار كان على ثقة، وفي الصحيحين من (ذلك) ٢ جملة أحاديث، لكن لا بد في الحكم بصحة ذلك من سلامته من أن يكون غلطا أو شاذا. وأما إذا كان أحد (الراويين) ٣ المختلف فيهما ضعيفا لا يحتج به فههنا مجال للنظر وتكون تلك الطريق التي سمي ذلك الضعيف فيها (وجعل الحديث عنه كالوقف أو الإرسال بالنسبة إلى الطريق الأخرى) فكل ما ذكر هناك من الترجيحات يجيء هنا. ويمكن أن يقال - في مثل هذا يحتمل أن يكون الراوي إذا كان مكثرا قد سمعه منهما أيضا كما تقدم. فإن قيل: إذا كان الحديث عنده عن الثقة، فلم يرويه عن الضعيف٤؟ فالجواب يحتمل أنه لم يطلع على ضعف شيخه أو طلع عليه ولكن ذكره اعتمادا على صحة الحديث عنده من الجهة الأخرى. وأما النوع الخامس: وهو زيادة الرجل بين الرجلين في السند فسيأتي تفصيله في النوع السابع والثلاثين٥ إن شاء الله تعالى فهو مكانه. وأما النوع السادس: وهو الاختلاف في اسم الراوي ونسبه فهو على أقسام أربعة:

стр. 760

الأول: أن يبهم في طريق ويسمى في أخرى١، فالظاهر أن هذا لا تعارض فيه؛ لأنه٢ يكون/ (ر١٤١/ب) المبهم في إحدى الروايتين هو المعين في الأخرى، وعلى تقدير أن يكون غيره، فلا تضر رواية من سماه وعرفه - إذا كان ثقة - رواية من أبهمه. القسم٣ الثاني: أن يكون الاختلاف في العبارة فقط والمعنى بها في الكل واحد، فإن مثل هذا لا يعد اختلافا أيضا، ولا يضر إذا كان الراوي ثقة. قلت: وبهذا يتبين أن تمثيل المصنف للمضطرب بحديث أبي عمرو بن حريث ليس بمستقيم. انتهى. والقسم٤ الثالث: أن يقع التصريح باسم الراوي ونسبه/ (? ١٥٤/ب) لكن مع الاختلاف في سياق ذلك٥. ومثال ذلك: حديث ربيعة/ (ي٢٦٥) بن الحارث بن عبد المطلب٦ ﵁ في سؤال النبي ﷺ هو والفضل بن العباس٧

стр. 761

- ﵄ أن يؤمرهما على الصدقة، رواه مالك١ عن الزهري عن عبد الله بن عبد الله بن الحارث بن نوفل. ورواه ابن إسحاق٢ عنه عن محمد بن عبد الله بن الحارث بن نوفل٣ ورواه يونس٤، عن الزهري، عن عبد الله بن الحارث بن نوفل، فمثل هذا الاختلاف لا يضر، والمرجع فيه إلى كتب التواريخ وأسماء الرجال، فيحقق ذلك الراوي، ويكون الصواب فيه من أتى به على وجهه. والصحيح هنا هو قول مالك قاله أبو داود وغيره. ويمكن الجمع بين روايتي يونس ومالك بأن يونس نسبه إلى جده. وأما رواية ابن إسحاق فوهم في تسميته محمدا. القسم الرابع: أن يقع التصريح به من غير اختلاف لكن يكون ذلك من متفقين: أحدهما ثقة والآخر ضعيف. أو أحدهما مستلزم الاتصال والآخر الإرسال كما قدمنا ذلك٥ في غير٦

стр. 762

رواية (أبي) أسامة عن عبد الرحمن بن يزيد بن تميم حيث ظن أنه عبد الرحمن بن يزيد بن جابر. ومن خفي ذلك ما حكاه ابن أبي حاتم في العلل١ أنه سأل أباه عن حديث رواه أحمد بن حنبل وفضل الأعرج٢ عن هشام بن سعيد الطالقاني٣ عن محمد بن مهاجر، عن عقيل بن شبيب عن أبي وهب الجشمي، وكانت له صحبة قال: قال رسول الله ﷺ : "سموا أولادكم أسماء الأنبياء، وأحسن الأسماء عبد الله وعبد الرحمن، وأصدقها حارث وهمام، وأقبحها حرب ومرة، وارتبطوا الخيل وامسحوا على نواصيها وقلدوها ولا تقلدوها الأوتار". قال: فقال أبي سمعته من فضل الأعرج وفاتني عن أحمد بن حنبل، وأنكرته في نفسي، وكان يقع في نفسي٤ أنه أبو وهب الكلاعي٥ صاحب مكحول، وكان أصحابنا يستعملون هذا الحديث، ولا يمكنني أن أقول فيه شيئا لكون أحمد رواه، فلما قدمت حمص حدثنا ابن الصفي٦ عن أبي المغيرة حدثني محمد بن المهاجر٧ حدثني عقيل/ (? ١٥٥/أ) (ي٢٦٦) بن سعيد عن أبي وهب الكلاعي قال: قال

стр. 763

رسول الله ﷺ . قال أبو حاتم: وحدثني به هشام بن عمار عن يحيى بن حمزة١ عن أبي وهب عن سليمان بن موسى عن النبي ﷺ . قال: "فعلمت أن ذلك باطل، وأبو وهب الكلاعي من طبقة الأوزاعي وهو دوت التابعي، فبقيت متعجبا من أحمد كيف خفي عليه، فإني أنكرته حين سمعته قبل أن أقف على علته". قال: وعقيل بن شبيب/ (ب٣١٣) أو ابن سعيد مجهول لا أعرفه. قلت: وقد رواه أبو داود٢ في السنن مفرقا، عن هارون بن عبد الله والنسائي٣ عن محمد بن/ (ر١٤٢/أ) رافع كلاهما عن هشام بن سعيد. كما رواه أحمد بن حنبل. زاد أبو داود فروى حديثا آخر بالإسناد المذكور متنه: "عليكم بكل كميت أغر محجل أو أشقر ... "٤ الحديث. ثم رواه عن محمد بن عوف٥ عن أبي المغيرة عن محمد بن مهاجر حدثني عقيل بن شبيب أو ابن سعيد٦ عن أبي وهب، فذكر نحوه ولم ينسبه ولم يقل: وكانت له صحبة.

стр. 764

ووقع لابن القطان في هذا الحديث تعقب على ابن أبي حاتم في ترجمة أبي وهب رددناه على ابن القطان في مختصر التهذيب١ - والله الموفق -. فهذه الأنواع الستة التي يقع بها التعليل وقد تبين كيفية التصرف، وما عداها٢ إن وجد لم يخف إلحاقه بها. [التعليل بالاختلاف في المتن:] وأما الاختلاف الذي يقع في المتن، فقد أعل به المحدثون والفقهاء كثيرا من الأحاديث. كما تقدم٣ لشيخنا ابن عبد البر في حديث البسملة، وكما تقدم في نوع المنكر٤ في حديث ابن جريج في وضع الخاتم، وكما روي عن أحمد في رده حديث رافع بن خديج في النهي عن المخابرة للاضطراب٥.

стр. 765

[الحافظ يضع قاعدة ويضرب لها أمثلة:] وأمثلة ذلك كثيرة، وللتحقيق في ذلك مجال طويل يستدعي تقسيما وبيان أمثلة ليصير ذلك قاعدة يرجع إليها، فنقول: إذا اختلفت مخارج الحديث وتباعدت ألفاظه أو كان سياق الحديث في حكاية/ (ي٢٦٧) واقعة/ (?١٥٥/ب) ، يظهر تعددها، فالذي يتعين القول به أن يجعلا حديثين مستقلين. مثال الأول: حديث أبي هريرة ﵁ في قصة١ السهو يوم ذي اليدين، وأن النبي٢ ﷺ سلم من ركعتين ثم قام ﷺ إلى خشبة في٣ المسجد فاتكأ عليها فأدركه٤ ذو اليدين بسهوه فسأل/ (ر١٤٣/أ) ﷺ -الصحابة ﵃ فقالوا: نعم. فصلى ﷺ الركعتين اللتين سها عنهما. وحديث عمران بن حصين٥- ﵁ أن النبي - صلى الله

стр. 766

عليه وسلم - صلى العصر فسلم من ثلاث ثم دخل ﷺ منزله فجاء الخرباق، وكان في يده طول فناداه ﷺ فأخبره بصنيعه فخرج ﷺ وهو غضبان فسأل الناس فأخبروه فأتم ﷺ صلاته١. وحديث معاوية بن حديج٢ ﵁ أن النبي ﷺ صلى بهم المغرب، فسلم من ركعتين، ثم انصرف، فأدركه طلحة بن عبيد الله ﵁ فأخبره بصنيعه ﷺ فرجع ﷺ فأتم الصلاة٣. فإن هذه الأحاديث الثلاثة (ليس الواقعة واحدة) ٤ بل سياقها يشعر بتعددها، وقد غلط بعضهم، فجعل حديث أبي هريرة وعمران بن حصين ﵄ بقصة واحدة، ورام الجمع بينهما على وجه من التعسف الذي يستنكر. وسببه الاعتماد على قول من قال: إن ذا اليدين اسمه الخرباق وعلى تقدير ثبوت أنه هو، فلا مانع أن يقع ذلك له في واقعتين لاسيما وفي حديث أبي هريرة ﵁ أنه ﷺ سلم من ركعتين، وفي حديث عمران أنه ﷺ سلم من ثلاث إلى غير ذلك من الاختلاف المشعر بكونهما واقعتين.

стр. 767

وكذا حديث معاوية بن خديج ظاهر في أنه قصة ثالثة؛ لأنه ذكر أن ذلك في المغرب، وأن المنبه على/ (ي٢٦٨) السهو طلحة بن عبيد الله ﵁. (ومثال الثاني/ (ر١٤٣/أ) : حديث على بن رباح) ١ قال٢: سمعت فضالة بن عبيد٣ ﵁ يقول: أتي رسول الله ﷺ وهو بخيبر بقلادة فيها٤ خرز وذهب وهي من المغانم تباع فأمر رسول الله ﷺ بالذهب الذي في القلادة، فنزع وحده، ثم قال ﷺ لهم: "الذهب بالذهب وزنا بوزن" ٥. وحديث حنش الصنعاني٦ عن فضالة ﵁ قال: أ- "اشتريت يوم خيبر قلادة فيها ذهب باثني عشر دينارا فيها أكثر من اثني عشر دينارا، فذكرت ذلك لرسول الله ﷺ فقال ﷺ : "لا تباع حتى تفصّل".

стр. 768

ب- وفي لفظ له "كنا نبايع يوم خيبر اليهود الوقية الذهب بالدينارين والثلاثة، فقال ﷺ : "لا تبيعوا الذهب إلا وزنا بوزن". ج- وفي رواية له: "أتي رسول الله ﷺ عام خيبر بقلادة فيها ذهب وخرز ابتاعها رجل بتسعة دنانير أو سبعة، فقال ﷺ : "لا حتى يميز بينه وبينها ... " الحديث. د- وفي رواية لحنش قال: "كنا مع فضالة في غزوة فطارت لي ولأصحابي قلادة بها ذهب وجوهر فأردت أن أشتريها فقال لي فضالة ﵁: "انزع ذهبها فاجعله في كفة واجعل ذهبك في كفة؛ فإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يأخذن إلا مثلا بمثل". وهذه الروايات كلها في صحيح مسلم١. فقال/ (١٤٤/أ) البيهقي وغيره: "هذه الروايات محمولة على أنها كانت بيوعا شهدها فضالة ﵁ فأداها كلها وحنش أداها متفرقة"٢. قلت: بل هما حديثان لا أكثر رواهما جميعا حنش بألفاظ مختلفة وروى عن علي بن رباح أحدهما.

стр. 769

وبيان ذلك أن حديث علي بن رباح شبيه/ (ي٢٦٩) برواية حنش الثالثة، وليست بينهما مخالفة إلا في تعيين وزنها في رواية حنش دون رواية الآخر، فهذا حديث واحد اتفقا فيه على القلادة، وأنها مشتملة على ذهب وخرز. وأن النبي ﷺ منع من بيعها/ (ب٣١٦) حتى يميز بين الذهب وغيره. فأما رواية حنش الأولى، فليس فيها إلا ذكر المفاضلة في كون (القلادة) ١ كان فيها أكثر من اثني عشر والثمن كان اثني عشر (فنهاهم٢ عن ذلك) . وروايته الثانية شبيهة بذلك إلا أنها عامة في النهي عن بيع الذهب متفاضلا، وتلك بيان القصة فقط. والأخيرة شبيهة بالثانية، والقصة التي وقعت فيها، إنما هي للتابعي لا للصحابي، فوضح أنهما حديثان لا أكثر - والله أعلم -. ثم إن هذا كله لا ينافي المقصود من الحديث، فإن الروايات كلها متفقة على المنع من بيع الذهب بالذهب ومعه شيء [آخر] ٣ غيره، فلو لم يمكن الجمع لما ضر الاختلاف. - والله أعلم -. فهذان المثالان واضحان٤ فيما يمكن٥ تعدد الواقعة وفيما يبعد. فأما إذا بعد الجمع بين الروايات بأن يكون المخرج واحدا فلا ينبغي سلوك تلك الطريق المتعسفة.

стр. 770

مثاله: حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - أيضا في قصة ذي اليدين فإن في بعض طرقه أن ذلك كان في صلاة الظهر١، وفي أخرى في صلاة العصر٢ وفي أكثر الروايات قال: "إحدى صلاتي العشي إما الظهر أو العصر"٣. فمن زعم أن رواية أبي هريرة ﵁ لقصة ذي اليدين كانت متعددة، وقعت مرة في الظهر ومرة في العصر من أجل هذا الاختلاف ارتكب طيرا وعرا، بل هي قصة واحدة. وأدل دليل على ذلك الرواية التي فيها التردد هل هي الظهر أو العصر فإنها مشعرة بأن الراوي كان يشك في أيهما. ففي بعض الأحيان كان يغلب على ظنه أحدهما فيجزم به. وكذا وقع في بعض طرقه يذكر/ (ي٢٧٠) أن النبي ﷺ قال للناس: ما يقول ذو اليدين؟ قالوا: صدق٤. وفي أخرى: أكما يقول ذو اليدين؟ قالوا: نعم٥.

стр. 771

وفي أخرى فأومئوا أن نعم١. فالغالب أن هذا الاختلاف من الرواة في التعبير عن صورة الجواب ولا يلزم من ذلك تعدد الواقعة. قال العلائي: "وهذه الطريقة يسلكها الشيخ محي الدين توصلا إلى تصحيح كل من الروايات صونا للرواة/ (?١٥٧/أ) الثقاة أن يتوجه الغلط إلى بعضهم حتى أنه قال في حديث ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما -: إن عمر ﵁ كان نذر اعتكاف ليلة في الجاهلية، فسأل النبي ﷺ عن ذلك فأمره ﷺ أن يفي بنذره، وفي رواية: "اعتكاف يوم". وكلاهما في الصحيح٢. فقال الشيخ محيي الدين: "هما واقعتان كان على عمر نذران، ليلة بمفرها ويوما بمفرده فسأل عن هذا مرة وعن/ (١٤٥/أ) الآخر أخرى"٣. وفي هذا الحمل نظر لا يخفى؛ لأنه من البعيد أن لا يفهم عمر - رضي

стр. 772

الله عنه - من الإذن بالوفاء١ بنذر اليوم الوفاء بنذر الآخر حتى يسأل عنه مرة أخرى، لاسيما والواقعة في أيام يسيرة يبعد النسيان فيها جدا؛ لأن في كل من الروايات أن ذلك كان في أيام تفرقة السبي عقب وقعة٢ حنين٣، ففي هذا الحمل من أجل تحسين الظن بالرواة يطرق الخلل إلى عمر ﵁. إما بالنسيان في المدة اليسيرة أو بان يخفى عليه إلحاق اليوم بالليلة في حكم الوفاء بنذره في الاعتكاف. وهو من الأمر البين الذي لا يخفى على من هو دونه فضلا عنه؛ لأن سبب سؤاله إنما هو عن كون نذره صدر في الجاهلية فسأل هل يفي في الإسلام بما نذر في الجاهلية، فحيث حصل له الجواب عن ذلك كان عاما في كل نذر شرعي. [التحقيق في الجمع بين الروايتين:] ولكن التحقيق في الجمع بين هاتين الروايتين أن عمر ﵁ كان عليه نذر اعتكاف يوم بليلته سأل النبي ﷺ -عنه فأمره بالوفاء به، فعبر بعض الرواة/ (ي٣٧١) عنه بيوم وأراد بليلته، وعبر بعضهم بليلة وأراد بيومها.

стр. 773

والتعبير بكل واحد من هذين على المجموع من المجاز الشائع الكثير الاستعمال، فالحمل عليه أولى من جعل القصة متعددة. وأغرب من ذلك وأعجب ما ذكره الشيخ محيي الدين أيضا في حديث "بني الإسلام على خمس"؛ لأنه جاء في الصحيح من رواية ابن عمر ﵄ سمعت رسول الله ﷺ يقول: "بني الإسلام على خمس: شهادة ألا إله إلا الله، وأن/ (ر١٤٥/ب) محمدا رسول الله وإقام/ (?١٥٧/ب) الصلاة وإيتاء الزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت". فقال رجل: "وحج البيت وصوم رمضان" فقال ابن عمر ﵄: "لا، وصوم رمضان وحج البيت. هكذا سمعته من رسول الله ﷺ "١. ثم جاء الحديث في الصحيح أيضا من طرق أخرى عن ابن عمر ﵄ ولفظه: "وحج البيت وصوم رمضان"٢. فقال الشيخ محيي الدين: "هذا محمول على أن ابن عمر ﵄ سمع الحديث من النبي ﷺ على الوجهين"٣. ولا شك في أن مثل هذا هنا بعيد جدا. فإنه لو سمعه على الوجهين لم ينكر على من قال أحدهما إلا أن يكون حينئذ ناسيا أن النبي ﷺ قاله على الوجه الذي أنكره. والظاهر القوي أن أحد رواة هذه الطريق التي قدم فيها الحج على الصيام رواه بالمعنى فقدم وأخر، ولم يبلغه نهي ابن عمر ﵄ عن ذلك محافظة على كيفية ما سمعه من النبي ﷺ -٤.

стр. 774

فهذا الحمل وهو رواية بعض الرواة لهذه الطريق على المعنى أولى من تطرق النسيان إلى ابن عمر ﵄ أو الإنكار والرد للفظ الذي سمعه من النبي ﷺ / (ب٣١٩) . ومما يبعد فيه احتمال تعدد الواقعة ويمكن الجمع فيه بين الروايات ولم اختلفت المخارج ما يكون الحمل فيه على طريق من المجاز كما في حديث عمر ﵄ المتقدم. أو بتقييد في الإطلاق كما في حديث يحيى بن أبي كثير عن عبد الله بن/ (ي٢٧٢) أبي قتادة١ عن أبيه٢ في النهي عن/ مس الذكر باليمين فإن بعض الرواة عن يحيى أطلق٣ وبعضهم قيده بحالة البول٤. أو بتخصيص العام كما في حديث مالك عن نافع عن ابن عمر ﵄ في زكاة الفطر وقوله فيه من "المسلمين".

стр. 775

وقد تقدم الكلام عليه١. أو بتفسير المبهم وتبيين المجمل كما في حديث وائل بن حجر ﵁ في قصة صاحب النسعة، فإن في رواية أبي هريرة ﵁ عند الترمذي٢ إبهام كيفية القتل، وفي حديث وائل عند مسلم٣ بيانها. وكحديث الزهري عن حميد بن عبد الرحمن عن أبي هريرة ﵁ في قصة كفارة الوقاع في رمضان، فإن مالكا٤ وطائفة٥ رووه عنه
следующие страницы →