← Улюм аль-хадис

Улюм аль-хадис · id 8316

النكت على كتاب ابن الصلاح لابن حجر

ابن حجر العسقلاني

Полный текст (877 стр.). Показаны 806–845 · переход к 811.

стр. 806

"إذا مس أحدكم ذكره أو قال فرجه أو قال أنثييه فليتوضأ". فتردده يدل على أنه ما ضبطه. وقد فصله حماد بن زيد وأيوب وغير واحد عن هشام، واقتصر على المرفوع منه فقط وشعبة والثوري وتمام عشرين من الحفاظ. كما بينته في الكتاب المذكور١ ولله الحمد. ومن أمثلته أيضا حديث: "ما عزت النية في الحديث إلا لشرفه" رواه الخطيب٢ من طريق شبل بن عباد عن أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁ مرفوعا وبين أنه لا أصل له من كلام النبي ﷺ وإنما هو من كلام يزيد بن هارون دخل لبعض الرواة فيه إسناد في إسناد. قلت: وأما مدرج الإسناد فهو على خمسة أقسام: أحدها: أن يكون المتن مختلف الإسناد بالنسبة إلى أفراد رواته، فيرويه راو واحد عنهم، فيحمل بعض رواياتهم على بعض ولا يميز بينها. ثانيها: أن يكون المتن عند الراوي له/ (ر١٥٣/أ) بالإسناد إلا طرفا منه فإنه عنده بإسناد آخر، فيرويه بعضهم عنه تاما بالإسناد الأول. ثالثها: أن يكون متنان مختلفي الإسناد، فيدرج بعض الرواة شيئا من أحدهما في الآخر، ولا يكون ذلك الشيء من رواية ذلك الراوي، ومن هذه الحيثية، فارق القسم الذي قبله. وهذه الأقسام الثلاثة قد ذكرها ابن الصلاح٣.

стр. 807

(وذكر مثلها عن حميد عن أنس - رضي الله تعالى عنه -) ١. إلا أن الأول قد يقع فيه إيهام وصل مرسل أو إيصال منقطع. مثاله: ما رواه عثمان بن عمر٢ عن إسرائيل عن أبي إسحاق عن أبي عبد الرحمن السلمي٣ وعبد الله بن حلام٤ عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه - قال: خرج رسول الله ﷺ -من بيت سودة ﵂ فإذا امرأة على الطريق قد تشوفت ترجو أن يتزوجها رسول الله ﷺ ...." الحديث. وفيه: "إذا رأى أحدكم امرأة تعجبه/ (?١٦٣/ب) ، فليأت أهله فإن معها مثل الذي معها". فظاهر هذا السياق يوهم أن أبا إسحاق رواه عن أبي عبد الرحمن وعبد الله بن حلام جميعا عن عبد الله بن مسعود - رضي الله تعالى عنه. وليس كذلك، وإنما/ (ب٣٣٣) رواه أبو إسحاق، عن أبي عبد الرحمن عن النبي ﷺ مرسلا وعن أبي إسحاق٥ عن عبد الله بن حلام،

стр. 808

عن ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - متصلا بينه عبيد الله بن موسى وقبيصة١ ومعاوية بن هشام عن الثوري متصلا. رابعها: أن يكون المتن عند الراوي إلا طرفا منه فإنه لم يسمعه من شيخه فيه وإنما سمعه من واسطة بينه وبين شيخه، فيدرجه بعض الرواة عنه فلا تفصيل. وهذا مما يشترك٢ فيه الإدراج والتدليس. مثال ذلك حديث إسماعيل بن جعفر٣، عن حميد عن أنس - رضي الله تعالى عنه - في قصة العرنيين وأن النبي ﷺ قال لهم: "لو خرجتم إلى إبلنا فشربتم من ألبانها وأبوالها" ٤. ولفظة: "وأبوالها" إنما سمعها حميد من قتادة عن أنس - رضي الله تعالى عنه -. بيّنه يزيد بن هارون ومحمد بن أبي عدي٥ ومروان بن معاوية وآخرون٦.

стр. 809

كلهم يقول فيه: "فشربتم من ألبانها" قال حميد: قال قتادة عن أنس ﵁ "وأبوالها". فرواية إسماعيل على هذا فيها إدراج وتسوية١ والله أعلم. خامسها: أن لا يذكر المحدث متن الحديث، بل يسوق إسناده فقط، ثم يقطعه قاطع فيذكر كلاما فيظن بعض من سمعه أن ذلك الكلام هو متن ذلك الإسناد. ومثاله: في قصة ثابت بن موسى الزاهد٢ مع شريك القاضي كما مثل به ابن الصلاح لشبه الوضع٣، وجزم ابن حبان٤ بأنه من المدرج.

стр. 810

هذه أقسام المدرج الإسناد، والطرق إلى معرفة كونه مدرجا أن تأتي رواية مفصلة للرواية المدرجة وتتقوى الرواية المفصلة، بأن يرويه بعض الرواة مقتصرا على إحدى الجملتين كما روى أحمد من طريق روح بن عبادة١، عن شعبة عن قتادة عن مطرف٢ عن عائشة ﵂ قالت/ (ب٣٣٤) : "إن رسول الله ﷺ كان يقول في ركوعه وسجوده سبوح/ (ح١٦٤/أ) قدوس رب الملائكة والروح"٣. ورواه أيضا عن سليمان بن حرب٤ وعفان بن مسلم٥ عن شعبة فبين أن قوله: "وسجوده" سمعه شعبة من هشام عن قتادة. ورواه أيضا عن بهز بن أسد عن شعبة عن قتادة فلم يذكر سجوده٦. وهكذا رواه جماعة عن شعبة مقتصرين على ذكر الركوع وهم: يزيد بن

стр. 811

زريع، والنضر بن شميل، وابن أبي عدي١، وخالد بن الحارث٢، ويحيى بن سعيد٣، وغيرهم. قلت: رواه مسلم٤ من طريق أبي داود الطيالسي، عن شعبة وهشام جميعا عن قتادة ولم يذكر لفظه، لكنه عطفه على حديث سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة، وحديث سعيد فيه ذكر الركوع - أيضا - فلم يقع التفصيل في رواية مسلم كما ينبغي٥. وهذا مثال القسم الرابع الذي ذكرناه - أيضا - والله الموفق.

стр. 812

النوع الحادي والعشرون: الموضوع ١١٧- قوله (ص) : "وهو المختلق المصنوع"١. قلت: هذا تفسير بحسب الاصطلاح، وأما من حيث اللغة، فقد قال أبو الخطاب ابن دحية: "الموضوع: الملصق، وضع فلان على فلان كذا: أي ألصقه به". وهو - أيضا - الحط٢ والإسقاط. والأول أليق بهذه الحيثية، - والله أعلم -. ١١٨- قوله (ص) : "اعلم أن الحديث الموضوع شر الأحاديث الضعيفة"٣. هذه العبارة سبقه إليها الخطابي واستنكرت، لأن الموضوع ليس من الحديث النبوي، إذ أفعل٤ التفضيل إنما يضاف إلى بعضه، ويمكن الجواب بأنه أراد بالحديث القدر المشترك، وهو ما يحدث به. وقوله: "إنه شر الأحاديث الضعيفة" تقدم ما فيه في قسم/ (ب٣٣٥) الضعيف٥.

стр. 813

١١٩- قوله (ص) : "ولا تحل روايته لأحد علم حاله في أي معنى كان إلا مقرونا ببيان وضعه ... "١ إلى آخره. يدل على ذلك ما رواه مسلم في صحيحه عن سمرة بن جندب ﵁ قال: "إن رسول الله ﷺ قال: "من حدث عني بحديث يرى أنه كذب فهو أحد الكاذبين" ٢. ويرى - مضبوطة بضم الياء - بمعنى/ (?١٦٤/ب) يظن. وفي "الكاذبين" روايتان: إحداهما: بفتح الباء على إرادة التثنية. والأخرى: بكسرها على صيغة الجمع. وكفى بهذه الجملة وعيدا شديدا في حق من روى الحديث فيظن أنه كذب فضلا عن أن يتحقق ذلك ولا يبينه، لأنه/ (ر١٥٤/ب) ﷺ جعل المحدث بذلك مشاركا لكاذبه في وضعه، وقال مسلم في مقدمة صحيحه: "اعلم أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها وثقات الناقلين لها من المتهمين أن لا يروي إلا ما عرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه، وأن يتقي منها ما كان عن أهل التهم والمعاندين من أهل البدع". وكلامه موافق لما دل عليه الحديث المذكور.

стр. 814

وقول ابن الصلاح١: "بخلاف الأحاديث الضعيفة التي يحتمل٢ صدقها في الباطن". يريد جعل احتمال صدقها قيدا في جواز العمل بها. لكن هل يشترط في هذا الاحتمال أن يكون قويا بحيث يفوق احتمال كذبها أو يساويه أو لا؟ هذا محل نظر، والذي يظهر من كلام مسلم ربما دل عليه الحديث المتقدم، بأن احتمال الصدق إذا كان احتمالا ضعيفا أنه لا يعتد به. وقال الترمذي٣: "سألت أبا محمد (يعني عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي) عن هذا الحديث (يعني حديث سمرة المذكور) فقلت له: "من روى حديثا وهو يعلم أن إسناده خطأ أيخاف أن يكون دخل في هذا الحديث وإذا روى الناس حديثا مرسلا فأسنده بعضهم أو قلب إسناده؟ " فقال: "لا، إنما معنى هذا الحديث إذا روى الرجل حديثا ولا يعرف لذلك الحديث عن النبي ﷺ أصلا فحدث فأخاف أن يكون دخل في هذا الحديث". ٥٦- قوله (ع) ٤: "وقد استشكل ابن دقيق العيد الحكم على الحديث بالوضع بإقرار من ادعى أنه وضعه، لأن فيه عملا بقوله بعد اعترافه على نفسه بالوضع" فقال في الاقتراح٥: "هذا كاف في رده ليس بقاطع ... " إلى آخره. قلت/ (ر١٥٥/أ) : كلام ابن دقيق العيد ظاهر في أنه لا يستشكل الحكم لأن

стр. 815

الأحكام لا يشترط فيها القطعيات ولم يقل أحد/ (?١٦٥/أ) أنه يقطع بكون الحديث موضوعا بمجرد الإقرار، إلا أن إقرار الواضع بأنه وضع يقتضي موجب الحكم العمل بقوله، وإنما نفى ابن دقيق العيد القطع بكون الحديث موضوعا بمجرد إقرار الراوي بأنه وضعه فقط، فلم يعترض لتعليل ذلك ولم يعلل بأنه يلزم العمل بقوله بعد اعترافه، لأنه لا مانع من العمل بذلك، لأن اعترافه بذلك يوجب ثبوت فسقه وثبوت فسقه لا يمنع العمل بموجب إقراره كالقاتل - مثلا - إذا اعترف بالقتل عمدا من غير تأويل، فإن ذلك يوجب فسقه ومع ذلك فنقتله عملا بموجب إقراره مع احتمال كونه في باطن الأمر كاذبا في ذلك الإقرار بعينه. ولهذا حكم الفقهاء على من أقر بأنه شهد الزور بمقتضى اعترافه. وهذا كله مع التجرد، أما إذا انضم إلى ذلك قرائن تقتضي صدقه في ذلك الإقرار كمن روى عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر ﵄ حديث الأعمال بالنيات، فإنا نقطع١ بأنه ليس من رواية مالك ولا نافع ولا ابن عمر مع ترددنا في كون الراوي له على هذه الصورة كذب أو غلط فإذا أقر أنه غلط لم نرتب في ذلك، ولا سيما إن كان إخباره لنا بذلك بعد توبته. وقد حكى مهنا بن يحيى أنه سأل أحمد عن حديث إبراهيم بن موسى المروزي، عن مالك، عن نافع، عن ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - رفعه "العلم فريضة على كل مسلم". فقال أحمد: "هذا كذب"٢. يعني بهذا الإسناد. ثم إن شيخنا ﵁ مثل لقول ابن الصلاح: "أو ما يتنزل منزلة إقراره"٣.

стр. 816

بما إذا حدث محدث عن شيخ، ثم ذكر أن مولده في تأريخ يعلم تأخره، عن وفاة ذلك الشيخ١ ولم يتعقبه بما تعقبه به الأول٢ والاحتمال يجري فيه كما يجري في الأول سواء، فيجوز أن يكذب في تاريخ مولده بل يجوز أن يغلط في التأريخ ويكون في نفس الأمر صادقا". والأولى أن يمثل لذلك بما رواه البيهقي في المدخل بسنده الصحيح أنهم اختلفوا بحضور أحمد بن عبد الله٣ الجويباري٤ في/ (?١٦٥/ب) سماع الحسن من أبي هريرة ﵁ فروى لهم حديثا بسنده إلى النبي ﷺ -قال: "سمع الحسن من أبي هريرة ﵁"٥. وأن يمثل بالتأريخ لقول ابن الصلاح: "أو من قرينة حال الراوي". وقد استشكل بعضهم الحكم على الحديث بالوضع لركاكة لفظه. ولم يتعرض شيخنا له، فأفردته كما سيأتي. ١٠٢- قوله (ص) ٦: "وقد يفهمون الوضع من قرينة حال الراوي أو المروي".

стр. 817

قلت: هذا الثاني هو الغالب، وأما الأول فنادر. قال ابن دقيق العيد١: "وكثيرا ما يحكمون بذلك باعتبار يرجع إلى المروي وألفاظ الحديث". وحاصله يرجع/ (ب٣٣٨) إلى أنه حصلت لهم بكثرة محاولة ألفاظ النبي ﷺ هيئة نفسانية وملكة يعرفون بها ما يجوز أن يكون من ألفاظه وما لا يجوز كما سئل بعضهم كيف يعرف أن الشيخ كذاب قال: "إذا روى لا تأكلوا القرعة حتى تذبحوها علمت أنه كذاب". ثم مثل لقرينة حال الراوي بقصة غياث بن إبراهيم٢ مع المهدي. وهذا أولى من التسوية بينهما، فإن معرفة الوضع من قرينة حال المروي أكبر من قرينة حال الراوي. ومن جملة القرائن الدالة على الوضع: الإفراط٣ بالوعيد الشديد على الأمر اليسير أو بالوعد العظيم على الفعل اليسير٤/ (ر١٥٦/أ) وهذا كثير موجود في حديث

стр. 818

القصاص والطرقية١، والله أعلم. ١٢١- قوله (ص) : "وقد وضعت أحاديث يشهد بوضعها ركاكة ألفاظها ومعانيها"، انتهى. اعترض عليه بأن ركاكة اللفظ لا تدل على الوضع حيث جوزت الرواية بالمعنى. نعم إن صرح الراوي بأن هذا صيغة لفظ الحديث وكانت تخل بالفصاحة أو لا وجه لها في الإعراب دل على٢ ذلك. والذي يظهر أن المؤلف (لم يقصد ركاكة اللفظ) ٣ وحده تدل كما تدل ركاكة المعنى، بل ظاهر كلامه أن الذي يدل هو مجموع الأمرين: ركاكة اللفظ والمعنى معا. لكن يرد عليه أنه ربما كان اللفظ فصيحا والمعنى/ (?١٦٦/أ) ركيكا إلا أن ذلك يندر وجوده، ولا يدل بمجرده على الوضع بخلاف اجتماعهما تبعا للقاضي أبي بكر الباقلاني. وقد روى الخطيب٤ وغيره من طريق الربيع بن خثيم٥ التابعي الجليل

стр. 819

قال: إن للحديث ضوءا كضوء النهار يعرف، وظلمة كظلمة الليل تنكر١. تنبيه: أخل المصنف بذكر أشياء ذكرها غيره مما يدل على الوضع من غير إقرار الواضع. [دلائل الوضع:] منها جعل الأصوليين من دلائل الوضع أن يخالف العقل ولا يقبل تأويلا، لأنه لا يجوز أن يرد الشرع بما ينافي مقتضى العقل. وقد حكى الخطيب هذا في أول كتابه الكفاية٢ تبعا للقاضي أبي بكر الباقلاني وأقره. فإنه قسم الأخبار إلى ثلاثة أقسام: ١- ما يعرف صحته. ٢- وما يعلم فساده. ٣- وما يتردد بينهما. ومثل للثاني بما تدفع العقول صحته بموضوعها والأدلة المنصوصة فيها نحو الإخبار عن قدم الأجسام وما أشبه ذلك. ويلتحق به ما يدفعه الحس والمشاهدة كالخبر عن الجميع بين/ (ر١٥٦/ب) الضدين وقول الإنسان: أنا الآن طائر في الهواء أو أن مكة لا وجود لها في الخارج. ومنها: أن يكون خبرا عن أمر جسيم كحصر العدو للحاج عن البيت، ثم لا ينقله منهم إلا واحد؛ لأن العادة جارية بتظاهر الأخبار في مثل ذلك.

стр. 820

ومنها: ما يصرح بتكذيب راويه جمع كثير يمتنع في العادة تواطؤهم على الكذب أو تقليد بعضهم بعضا. ومنها: أن يكون مناقضا لنص الكتاب أو السنة المتواترة أو الإجماع القطعي. ومنها: أن يكون فيما يلزم المكلفين عمله وقطع العذر فيه فينفرد به واحد، وفي تقييده السنة المتواترة، احتراز من غير المتواترة فقد أخطأ من حكم بالوضع بمجرد مخالفة السنة مطلقا وأكثر من ذلك الجوزقاني في (كتاب الأباطيل) له. وهذا لا يأتي إلا حيث لا يمكن الجمع بوجه من الوجوه/ (?١٦٦/ب) أما مع إمكان الجمع، فلا كما زعم بعضهم أن الحديث الذي رواه الترمذي١ وحسنه من حديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -: "لا يؤمن عبد قوما فيخص نفسه بدعوة دونهم فإن فعل فقد خانهم" موضوع؛ لأنه ﷺ قد صح عنه أنه كان يقول: "اللهم باعد بيني وبين خطاياي كما باعدت بين المشرق والمغرب" وغير ذلك/ (ب٣٤٠) ، لأنا نقول يمكن حمله على ما لم يشرع للمصلي من الأدعية؛ لأن الإمام والمأموم يشتركان فيه بخلاف ما لم يؤثر. وكما زعم ابن حبان في صحيحه٢ أن قوله ﷺ : "إني لست كأحدكم إني أطعم وأسقى" دل على أن الأخبار التي فيها أنه كان يضع الحجر على بطنه من الجوع باطلة.

стр. 821

وقد رد عليه ذلك الحافظ ضياء الدين فشفى وكفى. ومنها ما ذكره الإمام فخر الدين الرازي أن الخبر إذا روي في زمان قد استقرت فيه الأخبار، فإذا فتش عنه فلم يوجد في/ (ر١٥٧/أ) بطون الكتب، ولا في صدور الرجال علم بطلانه. وأما في عصر الصحابة ﵃ حين لم تكن الأخبار استقرت فإنه يجوز أن يروي أحدهم ما لا يوجد عند غيره١. قال العلائي: "وهذا إنما يقوم به (أي بالتفتيش عليه) الحافظ الكبير الذي قد أحاط حفظه بجميع الحديث أو بمعظمه كالإمام أحمد وعلي بن المديني ويحيى بن معين ومن بعدهم كالبخاري وأبي حاتم وأبي زرعة. ومن دونهم كالنسائي، ثم الدارقطني؛ لأن٢ المأخذ٣ الذي يحكم به٤ غالبا على الحديث بأنه موضوع إنما هي الملكة النفسانية الناشئة عن جمع الطرق والاطلاع على غالب المروي في البلدان المتنائية بحيث يعرف بذلك ما هو من حديث الرواة مما ليس من حديثهم وأما من لم يصل إلى هذه المرتبة فكيف يقضي بعدم وجدانه للحديث بأنه موضوع، هذا ما يأباه تصرفهم٥ ٦/ (?١٦٧/أ) فالله أعلم. ١٢٢- قوله (ص) : "ولقد أكثر الذي جمع في هذا العصر الموضوعات في نحو مجلدين ... "٧ إلخ.

стр. 822

قال شيخنا في شرح منظومته١: "عنى ابن الصلاح بذلك أبا الفرج ابن الجوزي". وقال العلائي: "دخلت على ابن الجوزي الآفة من التوسع في الحكم بالوضع لأن مستنده٢ في غالب ذلك بضعف٣ راويه". قلت: وقد يعتمد على غيره من الأئمة في الحكم على بعض الأحاديث بتفرد بعض الرواة الساقطين بها، ويكون كلامهم محمولا على قيد أن تفرده إنما هو من ذلك الوجه، ويكون المتن قد روي من وجه آخر لم يطلع هو عليه أو لم يستحضره حالة التصنيف٤، فدخل عليه الدخيل من هذه الجهة وغيرها. فذكر في كتابه الحديث المنكر والضعيف الذي/ (ر١٥٧/ب) يحتمل في الترغيب والترهيب وقليل من الأحاديث الحسان. كحديث صلاة التسبيح٥.

стр. 823

وكحديث قراءة أية الكرسي دبر الصلاة، فإنه صحيح رواه النسائي١ وصححه ابن حبان وليس في كتاب ابن الجوزي من هذا الضرب سوى أحاديث قليلة جدا.

стр. 824

وأما من مطلق الضعف فيفه كثير من الأحاديث. نعم أكثر الكتاب موضوع وقد أفردت لذلك تصنيفا أشير إلى مقاصده. فمما فيه من الأحاديث الصحيحة أو الحسنة حديث صلاة التسبيح وقراءة آية الكرسي كما تقدم وحديث ... ١. ولابن/ (?١٦٧/ب) الجوزي كتاب آخر أسماه (العلل المتناهية) ٢ في الأحاديث الواهية أوردة فيه كثيرا من الأحاديث الموضوعة. كما أورد في كتابه الموضوعات كثيرا من الأحاديث الواهية. وفاته من كل النوعين قدر ما كتب في كل منها أو كثيرا والله الموفق. [أصناف الوضاعين الزنادقة:] ١٢٣- قوله (ص) : "والواضعون للحديث أصناف"٣. قلت لم يبن ذلك وسائقهم إلى ذلك والهاجم عليه منهم.

стр. 825

أولا: الزنادقة١ حملهم على وضعها الاستخفاف بالدين كمحمد بن سعيد المصلوب٢، والحارث الكذاب٣ الذي ادعى النبوة، والمغيرة بن سعيد الكوفي٤ وغيرهم. حتى قال حماد بن زيد: "وضعت الزنادقة على النبي ﷺ أربعة عشر ألف حديث" رواه العقيلي٥. من بلايا محمد بن سعيد الدالة على زندقته روايته: "أنا خاتم النبيين لا نبي بعدي إلا أن يشاء الله"٦. [أصحاب الأهواء:] الصنف الثاني: أصحاب الأهواء كالخوارج والروافض ومن عمل بعملهم من متعصبي المذاهب كما روى ابن أبي حاتم في مقدمة كتابه الجرح والتعديل٧

стр. 826

عن شيخ من الخوارج أنه كان يقول بعدما تاب: "انظروا عمن تأخذون دينكم، فإنا كنا إذا هوينا أمرا صيرناه حديثا". ومن خفي ذلك ما حكاه ابن عدي١ أن محمد بن شجاع الثلجي٢ كان يضع الأحاديث التي ظاهرها التجسيم وينسبها إلى أهل الحديث بقصد الشناعة عليهم لما بينه وبينهم من العداوة المذهبية. وقال أبو العباس القرطبي صاحب المفهم: "استجاز بعض فقهاء أصحاب الرأي نسبة الحكم الذي القياس إلى رسول الله ﷺ نسبة قولية. فيقول في ذلك قال رسول الله ﷺ كذا، ولهذا ترى كتبهم مشحونة بأحاديث تشهد متونها بأنها موضوعة، لأنها تشبه فتاوى الفقهاء ولأنهم ل يقيمون لها سندا." [من رق دينه:] الصنف الثالث: من حمله الشره ومحبة الظهور على الوضع من رق دينه من المحدثين فيجعل/ (هـ١٦٨/أ) بعضهم للحديث٣ الضعيف إسنادا صحيحا مشهورا كمن يدعي سماع من لم يسمع. وهذا داخل في قسم المقلوب. [من حمله التدين الناشئ عن الجهل:] الصنف الرابع/ (ر١٥٨/ب) : من حمله التدين الناشئ/ عن الجهل وقد ذكره المصنف وتعلقوا٤ بشبه٥ باطلة.

стр. 827

الشبهة الأولى: أن الحديث الوارد في وعيد من كذب على النبي ﷺ إنما ورد في رجل معين ذهب إلى قوم وادعى أنه رسول١ رسول الله ﷺ إليهم٢ يحكم في دمائهم وأموالهم، فبلغ ذلك النبي ﷺ فأمر بقتله٣ وقال هذا الحديث. والجواب عن هذه الشبهة أن السبب المذكور لم يثبت إسناده، ولو ثبت لم يكن لهم فيه متمسك؛ لأن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. الشبهة الثانية: أن هذا الحديث في حق من كذب على نبينا يقصد به عيبه أو شين الإسلام. وتعلقوا لذلك بما روي عن أبي أمامة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده بين عيني جهنم" قال: فشق ذلك على أصحابه ﵃ حتى عرف في وجوههم، وقالوا يا رسول الله قلت هذا ونحن نسمع منك الحديث فنزيد وننقص ونقدم ونؤخر فقال - صلى

стр. 828

الله عليه وسلم -: "لم أعن ذلك، ولكن عنيت من كذب علي يريد عيبي وشين الإسلام" ١. قال الحاكم: "هذا الحديث باطل وفي إسناده محمد بن الفضل بن عطية٢ اتفقوا على تكذيبه وقال صالح جزرة: "كان يضع الحديث"٣. وقد تجاسر أبو جعفر محمد بن عبد الله الفاتني السلمي فزعم أنه رأى مناما طويلا ساقه في نحو من كراس وفيه قلت: "يا رسول الله فهذه الأخبار التي وضعوها عليك قال: "من تعمد علي كذبا يريد به إصلاحا لأمتي أو فع لهم درجة في الآخرة، فأنا أرحم الخلق به فلا أخاصمه وأشفع له والله أرحم مني, ومن قصد بذلك الكذب وإفساد أمتي وإبطال حقهم, فأنا خصمه ولا أشفع له" انتهى. وهو كلام في غاية السقوط, إنما أوردته لئلا يغتر به لأنني رأيته في كلام العلامة مغلطاي أورده وقال ينظر فيه. الشبهة الثالثة: قال الكرامية أو من قال منهم: "إذا كان الكذب في الترغيب والترهيب، فهو كذب للنبي ﷺ لا عليه". وهو٤ جهل منهم باللسان، لأنه كذب عليه في وضع الأحكام فإن

стр. 829

المندوب قسم منها، وتضمن ذلك الإخبار عن الله تعالى في الوعد على ذلك العمل بذلك الثواب. الشبهة الرابعة: قالوا: ورد في بعض الطرق من حديث ابن مسعود١ والبراء بن عازب٢ وغيرهما٣ ﵃ أن النبي ﷺ -قال: "من كذب علي متعمدا ليضل الناس فليتبوأ مقعده من النار". قالوا: فلتحمل الروايات المطلقة على الروايات المقيدة كما تعين حمل الروايات المطلقة على المقيدة بالتعمد. والجواب أن قوله: "ليضل الناس". اتفق أئمة الحديث على أنها زيادة ضعيفة. وأقوى طرقها ما رواه الحاكم٤ وضعفه من طريق يونس بن بكير٥ عن الأعمش عن طلحة بن مصرف٦، عن عمرو بن شرحبيل٧، عن ابن مسعود٨ ﵁.

стр. 830

قال: "وهم يونس في موضعين". أحدهما: أنه أسقط بين طلحة وعمرو رجلا وهو أبو عمار. الثاني: أنه وصله بذكر ابن مسعود ﵁ وإنما هو مرسل١. وعلى تقدير قبول هذه الزيادة، فلا تعلق بها لهم، ولأن لها وجهين صحيحين: أحدهما: أن اللام في قوله: "ليضل" ليست للتعليل، وإنما هي لام العاقبة كما في قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوّاً وَحَزَناً﴾ ٢ وهم لم يلتقطوه لقصد ذلك. وثانيهما: أن اللام للتأكيد ولا مفهوم لها كما في قوله : ﴿فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِباً لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ ٣. لأن افتراء الكذب على الله تعالى محرم مطلقا سواء قصد به الإضلال أو لم يقصده، والله تعالى أعلم. الصنف الخامس: أصحاب/ (?١٦٩/أ) الأغراض الدنيوية كالقصاص٤ والسؤال في الطرقات وأصحاب الأمراء٥ وأمثلة ذلك كثيرة. الصنف السادس: من لم يتعمد الوضع كمن يغلط فيضيف إلى النبي ﷺ كلام بعض الصحابة ﵃ أو غيرهم كما أشار إليه المصنف٦ في قصة ثابت بن موسى.

стр. 831

وكمن١ ابتلي بمن يدس في حديثه ما ليس منه كما وقع ذلك لحماد بن سلمة مع ربيبه٢ وكما وقع لسفيان بن وكيع٣ مع وراقه ولعبد الله بن صالح كاتب الليث مع جاره٤ ولجماعة من الشيوخ المصريين في ذلك العصر مع خالد بن نجيح المدائني٥. وكمن تدخل عليه آفة٦ في حفظه أو في كتابه أو في نظره فيروي ما ليس في حديثه غالطا. قال العلائي: "فأشد٧ الأصناف ضررا أهل الزهد كما قال ابن الصلاح٨ وكذا المتفقهة الذين استجازوا نسبة ما دل عليه القياس إلى النبي ﷺ ". وأما باقي٩ الأصناف كالزنادقة، فالأمر فيهم أسهل لأن كون تلك

стр. 832

الأحاديث كذبا لا يخفى إلا على الأغبياء وكذا أهل الأهواء من الرافضة والمجسمة والقدرية في شد بدعهم. وأما أصحاب الأمراء والقصاص، فأمرهم أظهر؛ لأنهم في الغالب ليسوا من أهل الحديث١. قلت: وأخفى الأصناف القسم الأخير٢ الذين لم يتعمدوا مع وصفهم بالصدق، فإن/ (ر١٥٩/أ) الضرر بهم شديد لدقة استخراج ذلك إلا من الأئمة النقاد - والله الموفق -. تنبيه: الكرامية - بتشديد الراء - نسبة إلى محمد بن كرام السجستاني٣ وكان عابدا زاهدا إلا أنه خذل كما قال ابن حبان: "فالتقط من المذاهب أرداها ومن الأحاديث أوهاها وصحب أحمد بن عبد الله الجويباري، فكان يضع له الحديث على وفق مذهبه"٤. قال أبو العباس السراج: "شهدت محمد بن إسماعيل البخاري ودفع إليه كتاب من محمد بن كرام يسأله عن أحاديث منها: سفيان عن الزهري عن سالم عن أبيه رفعه: "الإيمان يزيد ولا ينقص"٥.

стр. 833

قال فكتب على ظهر كتابه: "من حدث بهذا استوجب الضرب/ (?١٦٩/ب) الشديد والحبس الطويل". وقد ذكر الحاكم لمحمد بن كرام ترجمة جيدة وذكر أن ابن خزيمة اجتمع به غير مرة وكان يثني عليه. وكرام المشهور - بتشديد الراء - ضبطه الخطيب وابن ماكولا وابن السمعاني وأبى ذلك متكلم الكرامية أبو عبد الله محمد بن الهيصم في كتابه (مناقب محمد بن كرام) فقال: "المعروف في ألسنة المشايخ كرام بالفتح والتخفيف". وزعم أنه بمعنى كرامة أو كريم، قال: "ويقال بكسر الكاف على لفظ جمع كريم" قال: "وهو الجاري على ألسنة أهل سجستان"١. قلت: وفي ذلك يقول أبو الفتح البستي٢ فيما أنشده الثعالبي٣ عنه وكذا أنشده عنه العتبي٤ في كتاب اليميني٥:

стр. 834

إن الذين بجهلهم لم يقتدوا ... بمحمد بن كرام غير كرام الفقه فقه أبي حنيفة وحده ... والدين دين محمد بن كرام وحكى الصلاح الصفدي١ في ترجمة العلامة صدر الدين/ (ر١٦٠/ب) بن الوكيل٢ عن قاضي القضاة تقي/ (ب٣٤٧) الدين السبكي أن ابن الوكيل قال: محمد بن كرام بالتخفيف وأنكر ذلك سعد الدين الحارثي وقال: إنما هو بالتثقيل، فاستشهد ابن الوكيل على صحة قوله بالبيت الثاني المذكور، قال: فاتهموه بأنه ارتجله في الحال لاقتداره على النظم، ثم تبين بعد مدة طويلة أن الأمر بخلاف ذلك وأنه صادق فيما نقله٣. فقرأت بخط تاج الدين السبكي٤ قال: قرأت بخط ابن الصلاح أن أبا الفتح البستي الشاعر قال في ابن كرام فذكر الشعر - أيضا - والله أعلم -. ٥٧- قوله (ع) ٥: "وقال ابن عدي٦ لا يعرف إلا بثابت٧ بن موسى

стр. 835

(وسرقه جماعة منهم من الضعفاء عبد الحميد بن بحر) ١ وعبد الله بن شبرمة الشريكي"٢. انتهى. اعترض بعض المعاصرين ممن تكلم على ابن الصلاح - على كلام شيخنا هذا بأن عبد الله بن شبرمة الكوفي الفقيه - رواه عن شريك - أيضا - فيما رواه أبو نعيم في تأريخه٣ قال: ثنا أبو عمرو عثمان بن محمد ثنا محمد بن عبد السلام، ثنا عبد الله بن شبرمة الكوفي قال: ثنا شريك به". قال هذا المتأخر: "عبد الله بن شبرمة هو الفقيه الكوفي أحد الأعلام احتج به مسلم". قلت٤: وأخطأ هذا المتأخر خطأ فاحشا لا مستند له فيه ولا عذر لأن (?١٧٠/أ) عبد الله بن شبرمة المذكور - هو الشريكي وهو كوفي أيضا وأما الفقيه فإنه قديم على هذه الطبقة ولا يمكن أن يكون بين أبي نعيم وبينه أقل من ثلاثة رجال. وقد وقع بينه وبين الشريكي هنا رجلان فقط مع التصريح بالتحديث فظهرت صحة كلام ابن عدي وسقط الاعتراض على شيخنا بحمد الله تعالى. ١٢٤- قوله (ص) : "بحث باحث عن مخرجه حتى انتهى إلى من اعترف بأنه وجماعة وضعوه"٥.

стр. 836

أبهم المصنف الباحث المذكور اختصارا، وقد ذكره الخطيب١ من طريق (ب٣٤٨) مؤمل بن إسماعيل قال: حدثني شيخ بحديث أبي بن كعب الطويل في فضائل القرآن، فقلت له من حدثك، فقال: حدثني رجل بالمدائن وهو حي، فصرت إليه، فقلت: من حدثك فقال: حدثني شيخ بواسط وهو حي فصرت إليه، فقال حدثني شيخ بالبصرة وهو حي فصرت إليه، فقال: حدثني شيخ بعبادان فصرت إليه، فأخذ بيدي، فأدخلني بيتا، فإذا فيه قوم من المتصوفة ومعهم شيخ، فقال هذا الشيخ حدثني، فقلت: يا شيخ من حدثك؟ قال: لم يحدثني أحد ولكنا رأينا الناس قد رغبوا عن القرآن فوضعنا لهم هذا الحديث، ليصرفوا قلوبهم إلى القرآن. ١٢٥- قوله (ص) ٢: "ولقد أخطأ الواحدي٣ المفسر ومن ذكره من المفسرين في إيداعه تفاسيرهم". انتهى. قال شيخنا في شرح منظومته٤: "لكن من أبرز إسناده من المفسرين أعذر ممن حذف إسناده لأن ذاكر٥ إسناده يحيل ناظره على٦ الكشف عن سنده وأما من لم يذكر سنده وأورده بصيغة الجزم فخطؤه أشد كالزمخشري٧، - والله أعلم -.

стр. 837

قلت: والاكتفاء بالحوالة على النظر في الإسناد طريقة١ معروفة لكثير من المحدثين وعليها يحمل ما صدر من كثير منهم من/ (?١٧٠/ب) إيراد الأحاديث الساقطة معرضين عن بيانها صريحا وقد وقع هذا لجماعة من كبار الأئمة، وكان/ (ر١٦١/ب) ذكر الإسناد عندهم من جملة البيان، - والله أعلم -.

стр. 838

النوع الثاني والعشرون: معرفة المقلوب ١٢٦- قوله (ص) : "هو نحو حديث مشهور عن سالم جعل عن نافع"١. أقول: هذا تعريف بالمثال. وحقيقته٢: إبدال من يعرف برواية بغيره٣. فيدخل فيه إبدال راو أو أكثر من راو حتى الإسناد/ (ب٣٤٩) كله. وقد يقع ذلك عمدا إما بقصد الإغراب أو لقصد الإمتحان. وقد يقع وهما فأقسامه٤ ثلاثة: وهي كلها في الإسناد وقد يقع نظيرها في المتن، وقد يقع فيهما جميعا. فممن٥ كان يفعل ذلك عمدا لقصد الإغراب على سبيل الكذب: حماد بن عمرو النصيبي٦ وهو من المذكورين بالوضع.

стр. 839

من ذلك روايته عن الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : "إذا لقيتم المشركين في طريق، فلا تبداهم بالسلام ... " الحديث فإن هذا الحديث قال العقيلي١: "لا يعرف من حديث الأعمش وإنما يعرف من رواية سهيل بن أبي صالح عن أبيه عن أبي هريرة ﵁". قلت: كذلك أخرجه مسلم٢ وغيره. فجعل حماد بن عمرو الأعمش موضع سهيل٣ ليغرب به. هذا في الإسناد. وأما في المتن فكمن يعمد إلى نسخة مشهورة بإسناد واحد فيزيد فيها متنا أو متونا ليست فيها. كنسخة معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه - (وقد زاد فيها) ٤.

стр. 840

وكنسخة مالك، عن نافع عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما زاد فيها جماعة عدة أحاديث ليست منها. منها القوي والسقيم، وقد ذكر جلها الدارقطني في غرائب مالك. وممن كان يفعل ذلك لقصد الامتحان كان شعبة يفعله كثيرا لقصد اختبار حفظ الراوي، فإن أطاعه على القلب عرف أنه غير حافظ وإن خالفه عرف أنه ضابط. وقد أنكر بعضهم على شعبة/ (١٧١/أ) ذلك لما يترتب عليه من تغليط من يمتحنه١. فقد يستمر على روايته لظنه أنه صواب، وقد يسمعه من لا خبرة له فيرويه ظنا منه أنه صواب، لكن مصلحته أكثر من مفسدته. [اختبار ابن معين لأبي نعيم:] وممن فعل ذلك يحيى بن معين مع أبي نعيم الفضل بن٢ دكين بحضرة أحمد بن حنبل. وروى الخطيب٣ من طريق أحمد بن منصور الرمادي٤ قال: "خرجت مع أحمد بن حنبل ويحيى بن معين إلى عبد الرزاق، فلما عدنا إلى الكوفة، قال يحيى بن معين لأحمد بن حنبل: أريد أن أمتحن أبا نعيم فنهاه أحمد، فلم ينته، فأخذ ورقة٥ فكتب فيها ثلاثين حديثا من حديث أبي نعيم،

стр. 841

وجعل على (رأس كل) ١ عشرة أحاديث حديثا ليس من حديثه، ثم أتينا أبا نعيم فخرج إلينا فجلس على دكان حذاء بابه وأقعد أحمد عن يمينه ويحيى عن يساره وجلست أسفل، فقرأ عليه يحيى عشرة أحاديث وهو ساكت ثم الحادي عشر، فقال أبو نعيم: "ليس هذا من حديثي فاضرب عليه"، ثم قرأ العشرة الثانية وقرأ الحديث الثاني، فقال: "هذا أيضا ليس من حديثي فاضرب عليه"، ثم قرأ العشرة الثالثة وقرأ الحديث الثالث٢، فتغير أبو نعيم، ثم قبض على ذراع أحمد فقال: "أما هذا فورعه يمنعه عن هذا". "وأما هذا" وأومأ إليَّ "فأصغر من أن يعمل هذا/ (ر١٦٢/ب) ولكن هذا من عملك يا فاعل" ثم أخرج رجله فرفس يحيى بن معين وقلبه عن الدكان وقام فدخل داره، فقال له أحمد: "ألم أنهك؟ وأقل لك أنه ثبت؟ " فقال له يحيى: هذه الرفسة أحب إلي من سفري. ومن ذلك ما فعله أصحاب الحديث مع البخاري وقد أشار إليه المصنف٣ مختصرا فأحببت إيراد القصة على وجهها، وقد رويناها في "مشايخ البخاري" لابن عدي وفي التاريخ٤ للخطيب في غير موضع أخبرني بها الحافظ أبو الفضل بن الحسين ﵀ قال: "أخبرني محمد بن محمد٥ قال: أنا أبو الفرج الحراني٦/ أنا أبو الفرج ابن الجوزي ح وأخبرني/ الحافظ أبو الفضل

стр. 842

- أيضا - قال: أخبرني محمد بن إبراهيم١ أنا يوسف بن يعقوب الشيباني٢ كتابة واللفظ له. ح وقرأت على أحمد بن عمر اللؤلؤي عن الحافظ أبي الحجاج المزي٣ قال: أنا الشناني٤ قال: أنا أبو اليمن الكندي قال: أنا أبو منصور القراد قال: أنا الحافظ أبو بكر الخطيب ح وأنا غالب٥ بن محمد النيسابوري بمكة إجازة عن أبي أحمد الطبري قال: إن علي بن الحسين كتب إليهم أنا الفضل بن سهل إجازة عن الخطيب حدثني محمد بن أبي الحسن الساحلي أنا أحمد بن الحسن الرازي٦ قال سمعت أبا أحمد ابن عدي٧ يقول: "سمعت عدة مشايخ يحكون أن محمد بن إسماعيل البخاري قدم بغداد فسمع به أصحاب الحديث، فاجتمعوا وعمدوا إلى مائة حديث، فقلبوا متونها وأسانيدها وجعلوا متن هذا الإسناد لإسناد آخر وإسناد هذا المتن لمتن آخر ودفعوها إلى عشرة أنفس إلى كل رجل عشرة

стр. 843

أحاديث وأمروهم إذا حضروا المجلس يلقون١ ذلك البخاري، وأخذوا الموعد للمجلس، فحضر المجلس جماعة أصحاب الحديث من الغرباء من أهل خرسان وغيرهم من البغداديين، فلما اطمأن المجلس بأهله انتدب إليه رجل من العشرة فسأله عن حديث من تلك الأحاديث فقال البخاري: "لا أعرفه"، فسأله عن آخر فقال: "لا أعرفه" فما زال يلقي عليه واحدا بعد واحد حتى فرغ من عشرته والبخاري يقول لا أعرفه، فكان الفقهاء ممن حضر المجلس يلتفت بعضهم إلى بعض ويقولون: "فهم الرجل". ومن منهم غير ذلك يقضي على البخاري بالعجز والتقصير وقلة الحفظ، ثم انتدب إليه رجل آخر من العشرة، فسأله عن حديث من تلك الأحاديث المقلوبة، فقال البخاري: لا أعرفه. فسأله عن آخر/ (ب٣٥٢) ، فقال: "لا أعرفه"، (فسأله عن آخر فقال: "لا أعرفه") ٢ فلم يزل يلقي عليه واحدا بعد/ (?١٧٢/أ) واحد فلما فرغ من عشرته والبخاري يقول: "لا أعرفه" ثم انتدب إليه الثالث والرابع إلى تمام العشرة حتى فرغوا كلهم من الأحاديث المقلوبة والبخاري لا يزيدهم على "لا أعرفه". فلما علم البخاري أنهم قد فرغوا التفت إلى الأول منهم فقال: "أما حديثك الأول فهو كذا وحديثك الثاني فهو كذا والثالث والرابع على الولاء حتى أتى على تمام العشرة، فرد كل متن إلى إسناده وكل إسناد إلى متنه وفعل بالآخرين مثل ذلك رد متون الأحاديث كلها إلى أسانيدها وأسانيدها إلى متونها فأقر الناس له بالحفظ وأذعنوا له بالفضل. سمعت شيخنا غير مرة يقول: ما العجب من معرفة البخاري بالخطأ من الصواب في الأحاديث لاتساع معرفته.

стр. 844

وإنما يتعجب منه في هذا لكونه حفظ موالاة الأحاديث على الخطأ من مرة واحدة. قلت: وممن كان معروفا بمعرفة ذلك يحيى بن معين، قال العجلي١: ما خلق الله أحدا كان أعرف بالحديث من يحيى أحد٢ كان يؤتى بالأحاديث قد خلطت وقلبت فيقول: هذا كذا وهذا كذا كما قال. وممن امتحنه تلاميذه٣ الحافظ الجليل أبو جعفر محمد بن عمرو العقيلي٤. فقرأت في كتاب الصلة لمسلمة بن قاسم الأندلسي٥ قال٦:

стр. 845

ووقع/ (هـ١٧٢/ب) ذلك لمحمد بن عجلان روينا في المحدث الفاصل لأبي محمد الرامهرمزي١ قال حدثنا عبد الله بن القاسم بن نصر ثنا خلف بن سالم٢ حدثني يحيى بن سعيد القطان: قدمت الكوفة وبها ابن عجلان وبها٣ ممن يطلب الحديث مليح بن الجراح أخو وكيع وحفص بن غياث ويوسف بن خالد السمتي٤، فقلنا٥ نأتي ابن عجلان، فقال يوسف السمتي: هل نقلب عليه حديثه حتى ننظر فهمه قال: ففعلوا فما كان عن سعيد جعلوم عن أبيه وما كان عن أبيه جعلوه عن سغيد قال يحيى فقلت لهم: لا أستحل هذا، فدخلوا عليه فأعطوه الجزء فمر/ (ر١٦٣/أ) فيه فلما كان عند آخر الكتاب انتبه الشيخ، فقال: أعد فعرض ليه، فقال: "ما كان عن أبي فهو عن سعيد وما كان عن سعيد فهو عن أبي ثم أقبل على يوسف فقال: إن كنت أردت شيني٦ وعيبي، فسلبك الله الإسلام وقال لحفص ابتلاك الله في دينك ودنياك".
следующие страницы →