← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1016–1055 · переход к 1021.

стр. 1016

وقوله تعالى (بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) اختلف في معنى (لم نجعل له سمياً). قيل: لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير والشوكاني والشنقيطي. وقيل: لم نجعل له شبيهاً.، وهذا مرجوح لأن يحيي سبقه كثير من الأنبياء، وفيهم من هو أفضل منه. • قال ابن جرير: وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه. • قال الشوكاني: قال أكثر المفسرين: معناه: لم نسمّ أحداً قبله يحيى. وقال مجاهد وجماعة: معنى (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً) أنه لم يجعل له مثلاً ولا نظيراً، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، وردّ هذا بأنه يقتضي تفضيله على إبراهيم وموسى. وقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأوّل أولى. ثم قال ﵀: وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسمّ بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين: الأولى: أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم يكلها إلى الأبوين. والجهة الثانية: أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد تشريفه وتعظيمه. قال الشنقيطي: وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: اسْمُهُ يَحْيَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ، وَلَمْ يَكِلْ تَسْمِيَتَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَحْيَى. (فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته، ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة. وقال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل، ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلاً: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل. • قال ابن الجوزي: وفي الملائكة قولان: أحدهما: جبريل وحده، قال السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد بلفظ الجمع، تقول: ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس. والثاني: أنهم جماعة من الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري. (أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان، وأن الذي تولى اسمه هو الله تعالى.

стр. 1017

(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: مصدقاً بعيسى. قال الرازي: وهو اختيار الجمهور. قال الشنقيطي: وإنما قيل لعيسى: كلمة، لأن الله أوجده بكلمة وهي قوله (كن) فكان كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ). قال الشنقيطي: وهذا قول جمهور العلماء في معنى (مصدقاً بكلمة الله)، وقيل: المراد بـ (كلمة) الكتاب، أي: مصدقاً بكتاب الله. (وَسَيِّدًا) السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل. (وَحَصُورًا) الصحيح في معنى (وحصوراً) أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلاً منه، وانقطاعاً لعبادة الله، وكان ذلك جائزاً في شرعه، وأما سنة النبي ﷺ فهي التزوج وعدم التبتل. • قال الرازي: والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها. • وقال البغوي: واختار قوم هذا القول لوجهين: أحدهما: لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء. والثاني: أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء. • وقول من قال إنه كان عاجز عن إتيان النساء لعجزه، أو لأنه عنين، فهذا ليس بصحيح. • قال الرازي: من العلماء قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً. • وقال الشنقيطي: أما قول من قال: إن الحصور فعول بمعنى مفعول، وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن، فليس بصحيح، لأن العنّة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثنى عليه بها. (وَنَبِيًّا) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى. (مِنَ الصَّالِحِينَ) الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ونياتهم، والصلاح ضد الفساد، وقد وصف الله يحيي بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة الأنعام في قوله (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ). (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بينه في سورة مريم أنه بلغ من الكبَر عتياً وذلك في قوله تعالى (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً) والعتي: اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكِبَر.

стр. 1018

(وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وبيّن تعالى أنها كانت كذلك قبل كِبرها بقوله (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً). • فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ: الْأَوَّلُ: أَنَّ اسْتِفْهَامَ زَكَرِيَّا اسْتِفْهَامُ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالْوَلَدِ مِنْ زَوْجَةِ الْعَجُوزِ عَلَى كِبَرِ سِنِّهِمَا عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ، أَوْ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ شَابَّةً، أَوْ يَرُدُّهُمَا شَابَّيْنِ؟ فَاسْتَفْهَمَ عَنِ الْحَقِيقَةِ لِيَعْلَمَهَا، وَلَا إِشْكَالَ فِي هَذَا، وَهُوَ أَظْهَرُهَا. الثَّانِي: أَنَّ اسْتِفْهَامَهُ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى. الثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ بُعْدًا هُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ: مِنْ أَنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى، قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: لَيْسَ هَذَا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نِدَاءُ الشَّيْطَانِ، فَدَاخَلَ زَكَرِيَّا الشَّكُّ فِي أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النَّاشِئِ عَنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، وَلِذَا طَلَبَ الْآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً الْآيَةَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِيهِ بُعْدٌ; لِأَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى زَكَرِيَّا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ بِنِدَاءِ الشَّيْطَانِ. • وقال ابن عطية: وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون؟ ثم قال ابن عطية: وهذا تأويل حسن يليق بزكريا ﵇، وقال مكي: وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة، وهذا قول ضعيف المعنى.

стр. 1019

(قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر. (قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني. • قال الآلوسي: (قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً) أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله ﵇، وقول السدي: إنه سأل الآية ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً. • وقال ابن عاشور: وعن السدي والربيع: آية تحقق كون الخطاب الوارد عليه وارداً من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا، وعندي في هذا نظر، لأن الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري. (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله (ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا). • قال الشنقيطي: لَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بُكْمٌ طَرَأَ لَهُ، أَوْ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا مَانِعَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَأَنَّ انْتِفَاءَ التَّكَلُّمِ عَنْهُ لَا لِبُكْمٍ، وَلَا مَرَضٍ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) لِأَنَّ قَوْلَهُ سَوِيًّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تُكَلِّمَ مُفِيدٌ لِكَوْنِ انْتِفَاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ، لَا لِاعْتِقَالِ اللِّسَانِ بِمَرَضٍ، أَيْ: يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ تَكْلِيمُهُمْ وَلَا تُطِيقُهُ، فِي حَالِ كَوْنِكَ سَوِيَّ الْخَلْقِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ، مَا بِكَ شَائِبَةٌ بُكْمٌ وَلَا خَرَسٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ). • وقال الشنقيطي: أي تمنع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك سوياً، أي سوي الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم ولكنك ممنوع من الكلام على سبيل خرق العبادة، وأما ذكر الله فليس ممنوعاً منه بدليل قوله تعالى في آل عمران (َاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ). • قال في التسهيل: قوله تعالى (واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً) وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكراً على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر. • قال الرازي: ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه: أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات. وثانيها: أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات. وثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات. • قال السعدي: وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره.

стр. 1020

(وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) قلبك ولسانك في جميع أوقاتك، أمره بذكره، لأن بالذكر تطمئن القلوب، وترتاح النفوس، ويستنير القلب، وشكراً لله تعالى. وقد أمر الله بذكره كثيراً: قال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً). وقال تعالى (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً). وقال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). (وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) العشي: آخر النهار، والإبكار أول النهار. وهذا الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما: فقال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا). وقال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ). وقال تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ). وتسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة: عن صفة العيب، وعن نقص في كمال، وعن مماثلة المخلوقين. فالنقص كقوله تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ). وعن نقص في كمال مثل قوله تعالى (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا). ومماثلة المخلوقين مثل قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ). الفوائد: ١ - أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء. ٢ - أن زكريا بلغ سناً بعيداً دون أن يأتيه ولد. ٣ - أنه ينبغي للإنسان إذا سأل ذرية أن يسأل ذرية طيبة. ٤ - التوسل إلى الله بأسمائه المناسبة للحاجة. ٥ - أن الله يسمع الدعاء ويجيب. ٦ - إثبات الملائكة. ٧ - مشروعية تبشير الإنسان بما يسره.

стр. 1021

قال تعالى (وَبَشَّرْنَاهُ بِإِسْحَاقَ نَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ). وقال تعالى (وَبَشَّرُوهُ بِغُلامٍ عَلِيمٍ). وقال معاذ للرسول (أفلا أبشر الناس؟) متفق عليه. قال كعب ( … فَبَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحالِ الَّتي ذَكَرَ الله تَعَالَى مِنَّا، قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ نَفْسي وَضَاقَتْ عَلَيَّ الأرْضُ بِمَا رَحُبَتْ، سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أوفَى عَلَى سَلْعٍ يَقُولُ بِأعْلَى صَوتِهِ: يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أبْشِرْ، فَخَرَرْتُ سَاجِدا، وَعَرَفْتُ أنَّهُ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ. فآذَنَ رسولُ الله ﷺ النَّاسَ بِتَوْبَةِ الله عَلَيْنَا حِينَ صَلَّى صَلاةَ الفَجْر فَذَهَبَ النَّاسُ يُبَشِّرُونَنَا، فَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيَّ مُبَشِّرونَ وَرَكَضَ رَجُلٌ إِلَيَّ فَرَساً وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أسْلَمَ قِبَلِي، وَأَوْفَى عَلَى الْجَبَلِ، فَكانَ الصَّوْتُ أسْرَعَ مِنَ الفَرَسِ، فَلَمَّا جَاءني الَّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشِّرُني نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبَيَّ فَكَسَوْتُهُمَا إيَّاهُ بِبشارته، وَاللهِ مَا أمْلِكُ غَيْرَهُمَا يَوْمَئِذٍ، وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبسْتُهُما، وَانْطَلَقْتُ أتَأمَّمُ رسولَ الله ﷺ يَتَلَقَّاني النَّاسُ فَوْجاً فَوْجاً يُهنِّئونَني بالتَّوْبَةِ وَيَقُولُونَ لِي: لِتَهْنِكَ تَوْبَةُ الله عَلَيْكَ ٨ - الثناء على من صدق المرسلين. ٩ - الصفات العظيمة في النبي يحيي. ١٠ - أن الأنبياء من الصالحين، بل هم في أعلى مراتب الصلاح. ١١ - أنه لا حرج على الإنسان أن يطلب ما تطمئن به نفسه. ١٢ - إثبات المشيئة لله. ١٣ - جواز البحث عما يزيد الإيمان. ١٤ - تمام قدرة الله. ١٥ - فضل ذكر الله. ١٦ - فضل ذكر الله في هذين الوقتين. (الأحد ٨/ ٦/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1022

(وَإِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالَمِينَ (٤٢) يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣) ذَلِكَ مِنْ أَنبَاء الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيكَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُون أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٤٤)). [آل عمران: ٤٢ - ٤٤]. (وَإِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ) قالوا المراد بالملائكة ههنا جبريل وحده. وهذا كقوله (يُنَزّلُ الملائكة بالروح مِنْ أَمْرِهِ) يعني جبريل، وهذا وإن كان عدولاً عن الظاهر إلا أنه يجب المصير إليه، لأن سورة مريم دلت على أن المتكلم مع مريم ﵍ هو جبريل ﵇، وهو قوله (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً). والمعنى: واذكر يا محمد للناس وقت أن قالت الملائكة لمريم - التي تقبلها ربها بقبول حسن وأنبتها نباتاً حسناً - يا مريم إِنَّ اللَّهَ اصْطَفاكِ، أي: اختارك واجتباك لطاعته، وقبلك لخدمة بيته وَطَهَّرَكِ من الأدناس والأقذار، ومن كل ما يتنافى مع الخلق الحميد، والطبع السليم وَاصْطَفاكِ عَلى نِساءِ الْعالَمِينَ بأن وهب لك عيسى من غير أب دون أن يمسسك بشر. وجعلك أنت وهو آية للعالمين. فأنت ترى أن اللّه تعالى قد مدح مريم مدحاً عظيماً بأن شهد لها بالاصطفاء والطهر والمحبة، وأكد هذا الخبر للاعتناء بشأنه، والتنويه بقدره. • وقول الملائكة لمريم (إن اللّه اصطفاك وطهرك .. ) الراجح أنهم قالوه لها مشافهة، لأن هذا ما يدل عليه ظاهر الآية، وإليه ذهب صاحب الكشاف فقد قال: روى أنهم كلموها شفاها معجزة لزكريا، أو إرهاصا لنبوة عيسى. وقيل: كان خطابهم لها بالإلهام أو بالرؤيا الصادقة في النوم. والأول أولى لأنه هو الظاهر من الآية، ولأنه الموافق لأقوال جمهور المفسرين، ولأنه جاء صريحا في آيات أخرى أن الملك قد تمثل لها بشرا سويا وكلمها، وذلك في قوله تعالى في سورة مريم: وَاذْكُرْ فِي الْكِتابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِها مَكاناً شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجاباً فَأَرْسَلْنا إِلَيْها رُوحَنا فَتَمَثَّلَ لَها بَشَراً سَوِيًّا. قالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيًّا.

стр. 1023

(يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاكِ) اصطفاؤه إياها سبحانه من وجوه: أحدها: أنه تعالى قبل تحريرها مع أنها كانت أنثى ولم يحصل مثل هذا المعنى لغيرها من الإناث. ثانيها: أنه تعالى فرغها لعبادته، وخصها في هذا المعنى بأنواع اللطف والهداية والعصمة. ثالثها: أنه كفاها أمر معيشتها، فكان يأتيها رزقها من عند الله تعالى على ما قال الله تعالى (أنى لَكِ هذا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ الله). رابعها: أنه أنبتها نباتاً حسناً. (وَطَهَّرَكِ) من كل عيب في خلق وخُلق ودين. (وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) وفي هذا الاصطفاء الثاني أقوال. قيل: إنه تأكيد للأول. وقيل: الاصطفاء الأول اصطفاء عام، وهذا الاصطفاء اصطفاء خاص بالنساء، حيث جعلها من النساء الكمّل. وقيل: الأول للعبادة، والثاني: لولادة عيسى ﵇. وذهب بعض العلماء إلى أن الاصطفاء الأول أنه تقبلها، والثاني لولادة عيسى. • قال الرازي: وأما الاصطفاء الثاني: فالمراد أنه تعالى وهب لها عيسى ﵇ من غير أب، وأنطق عيسى حال انفصاله منها حتى شهد بما يدل على براءتها عن التهمة، وجعلها وابنها آية للعالمين، فهذا هو المراد من هذه الألفاظ الثلاثة • قوله تعالى (عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ) قيل: جميع النساء في سائر الأعصار، واستدل به على أفضليتها على فاطمة، وخديجة، وعائشة رضي الله تعالى عنهن. وقيل: المراد نساء عالمها فلا يلزم منه أفضليتها على فاطمة رضي الله تعالى عنها، واختاره ابن جرير.

стр. 1024

(يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ) القنوت دوام الطاعة في خضوع وخشوع. • قال ابن كثير: ثم أخبر تعالى عن الملائكة: أنهم أمروها بكثرة العبادة والخشوع والخضوع والسجود والركوع والدؤوب في العمل لها، لما يريد الله تعالى بها من الأمر الذي قدره وقضاه، مما فيه محنة لها ورفعة في الدارين، بما أظهر الله تعالى فيها من قدرته العظيمة، حيث خلق منها ولدًا من غير أب، فقال تعالى (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) أما القنوت فهو الطاعة في خشوع كما قال تعالى (بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ). • جاء في التفسير الوسيط: القنوت. لزوم الطاعة والاستمرار عليها، مع استشعار الخشوع والخضوع اللّه رب العالمين. أي: قالت الملائكة أيضاً لمريم: يا مريم أخلصي العبادة للّه وحده وداومي عليها، وأكثري من السجود اللّه ومن الركوع مع الراكعين، فإن ملازمة الطاعات والصلوات من شأنها أن تحفظ النعم وأن تزيد الإنسان قرباً وحباً من خالقه . فالآية الكريمة دعوة قوية من اللّه تعالى لمريم ولعباده جميعاً بالمحافظة على العبادات ولا سيما الصلاة في جماعة. • قوله تعالى (اقْنُتِي لِرَبِّكِ) اللام في قوله (لربك) للاختصاص، أي: قنوتاً خالصاً لله، أي: طاعة خالصة له، لأن من شرط الطاعة أن تكون خالصة لله. (وَاسْجُدِي) أي: السجود المعروف. وعطف السجود على القنوت من باب عطف الخاص على العام. وذكر الخاص بعد العام يدل على فضله ومزيته، ولذلك يعتبر السجود من أفضل الطاعات وفي الحديث (أقرب ما يكون العبد من ربه وهو ساجد). (وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ) الركوع معروف، والمعنى: (مع الراكعين) في جملتهم، وليس المراد أن تصلي مع الجماعة، لأن المرأة لا تخاطب بالصلاة مع الجماعة، لكن كوني في جملة الراكعين الذين يركعون لله. • قدم السجود على الركوع، لأنه أفضل وأشرف. وقيل: إن السجود كان في دينهم قبل الركوع، قال ابن القيم: وهذا قائل ما لا علم له به.

стр. 1025

• قال ابن القيم: والذي يظهر في الآية والله أعلم بمراده من كلامه أنها اشتملت على مطلق العبادة وتفصيلها فذكر الأعم ثم ما هو أخص منه ثم ما هو أخص من الأخص فذكر القنوت أولا وهو الطاعة الدائمة فيدخل فيه القيام والذكر والدعاء وأنواع الطاعة ثم ذكر ما هو أخص منه وهو السجود الذي يشرع وحده كسجود الشكر والتلاوة ويشرع في الصلاة فهو أخص من مطلق القنوت ثم ذكر الركوع الذي لا يشرع إلا في الصلاة فلا يسن الإتيان به منفردا فهو أخص مما قبله ففائدة الترتيب النزول من الأعم إلى الأخص إلى أخص منه وهما طريقتان معروفتان في الكلام النزول من الأعم إلى الأخص. (ذَلِكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهِ إِلَيْكَ) أي: هذا الذي قصصناه عليك من قصة امرأة عمران وابنتها مريم البتول ومن قصة زكريا ويحيي إنما هو من الأنباء المغيبة والأخبار الهامة التي أوحينا بها إليك يا محمد ما كنت تعلمها من قبل. • فاسم الإشارة ذلِكَ يعود إلى ما تقدم الحديث عنه من قصة امرأة عمران وقصة زكريا وغير ذلك من الأخبار البديعة. والأنباء: جمع نبأ، وهو الخبر العظيم الشأن. والوحي: لغة الإعلام بسرعة. وشرعاً: إخبار الله تعالى لنبي من أنبيائه بما يشاءه من شرعه.

стр. 1026

• قال القرطبي: قوله تعالى (نُوحِيهِ إِلَيكَ) فيه دلالة على نبوّة محمد ﷺ حيث أخبر عن قصة زكريا ومريم ولم يكن قرأ الكتب؛ وأخبر عن ذلك وصدّقه أهل الكتاب بذلك؛ فذلك قوله تعالى (نُوحِيهِ إِلَيكَ) فردّ الكناية إلى "ذلك" فلذلك ذُكِّر. (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ) أي: وما كنت عندهم إذ يختصمون ويتنافسون على كفالة مريم حين ألقوا أقلامهم للقرعة كل يريدها في كنفه ورعايته. • والأقلام جمع قلم وهي التي كانوا يكتبون بها التوراة، وقيل المراد بها السهام. أي: وما كنت - يا محمد - لديهم أي: عندهم معايناً لفعلهم وما جرى من أمرهم في شأن مريم، إِذْ يُلْقُونَ أَقْلامَهُمْ التي جعلوا عليها علامات يعرف بها من يكفل مريم وما كنت لديهم إذ يختصمون فيما بينهم بسببها تنافسا في كفالتها (وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُونَ) أي: يتنازعون فيمن يكفلها منهم. والغرض: أن هذه الأخبار كانت وحياً من عند الله العليم الخبير. • قال الرازي: ذكروا في تلك الأقلام وجوهاً: الأول: المراد بالأقلام التي كانوا يكتبون بها التوراة وسائر كتب الله تعالى، وكان القراع على أن كل من جرى قلمه على عكس جري الماء فالحق معه، فلما فعلوا ذلك صار قلم زكريا كذلك فسلموا الأمر له وهذا قول الأكثرين. والثاني: أنهم لما ألقوا عصيهم في الماء الجاري جرت عصا زكريا على ضد جرية الماء فغلبهم، هذا قول الربيع والثالث: قال أبو مسلم: معنى يلقون أقلامهم مما كانت الأمم تفعله من المساهمة عند التنازع فيطرحون منها ما يكتبون عليها أسماءهم فمن خرج له السهم سلم له الأمر، وقد قال الله تعالى (فساهم فَكَانَ مِنَ المدحضين) وهو شبيه بأمر القداح التي تتقاسم بها العرب لحم الجزور، وإنما سميت هذه السهام أقلاماً لأنها تقلم وتبرى، وكل ما قطعت منه شيئاً بعد شيء فقد قلمته، ولهذا السبب يسمى ما يكتب به قلماً. • قال القاضي: وقوع لفظ القلم على هذه الأشياء وإن كان صحيحاً نظراً إلى أصل الاشتقاق، إلا أن العرف أوجب اختصاص القلم بهذا الذي يكتب به، فوجب حمل لفظ القلم عليه.

стр. 1027

• قال القرطبي: استدل بعض علمائنا بهذه الآية على إثبات القُرْعة، وهي أصل في شرعنا لكل من أراد العدل في القسمة، وهي سنة عند جمهور الفقهاء في المستويين في الحجة ليعدل بينهم وتطمئن قلوبهم وترتفع الظِّنة عمن يتولى قسمتهم، ولا يفضل أحد منهم على صاحبه إذا كان المقسوم من جنس واحد اتباعاً للكتاب والسنَّة. وردّ العملَ بالقُرْعة أبو حنيفة وأصحابه، وردّوا الأحاديث الواردة فيها، وزعموا أنها لا معنى لها وأنها تشبه الأزلام التي نهى الله عنها. وحكى ابن المنذر عن أبي حنيفة أنه جوّزها وقال: القرعة في القياس لا تستقيم، ولكنا تركنا القياس في ذلك وأخذنا بالآثار والسنّة. قال أبو عبيد: وقد عمِل بالقرعة ثلاثة من الأنبياء: يونس وزكريا ونبينا محمد ﷺ . قال ابن المنذر: واستعمال القرعة كالإجماع من أهل العلم فيما يقسم بين الشركاء، فلا معنى لقول من ردّها. وقد ترجم البخاريّ في آخر كتاب الشهادات (باب القُرْعةِ في المشكِلات وقولِ الله (إذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ) وساق حديث النعمان بن بشير (مثل القائم على حدود الله والمُدْهِن فيها مثل قوم استهموا على سفينة … ). وفي الصحيحين عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا).

стр. 1028

وفي الصحيحين أيضا عن عائشة أن النبي ﷺ (كان إذا أراد سفراً أقرع بين أزواجه فأيتهن خرج سهمها خرج بها معه). الفوائد: ١ - تعظيم شأن مريم. ٢ - فضل مريم. ٣ - أن الله يصطفي من الناس من يشاء. ٤ - براءة مريم مما ادعاه اليهود من كونها بغياً. ٥ - أن مريم مفضلة على النساء. ٦ - أن الله إذا أنعم على أحد بنعمة ينبغي أن يشكر الله ويتعبد له. ٧ - فضيلة القنوت، وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). ٨ - فضيلة السجود والركوع. ٩ - إثبات رسالة النبي ﷺ . ١٠ - جواز القرعة.

стр. 1029

(إِذْ قَالَتِ الْمَلآئِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥) وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلاً وَمِنَ الصَّالِحِينَ (٤٦) قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاء إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٤٧) وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالإِنجِيلَ (٤٨) وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُم مِّنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الأكْمَهَ والأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُم بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٤٩) وَمُصَدِّقًا لِّمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ وَلأُحِلَّ لَكُم بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ وَجِئْتُكُم بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُونِ (٥٠) إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُّسْتَقِيمٌ (٥١)). [آل عمران: ٤٦ - ٥١]. (إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَا مَرْيَمُ) هذه بشارة من الملائكة لمريم، ﵍، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير. (إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له (كن فيكون) وهذا تفسير قوله (مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه. • قال ابن عاشور: ووصف عيسى بكلمة مراد به كلمة خاصة مخالفة للمعتاد في تكوين الجنين أي بدون الأسباب المعتادة.

стр. 1030

• قوله تعالى (بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) (من) ليست تبعيضية، بل ابتدائية، كقوله ﷺ (وروح منه) من: ابتدائية، وليست تبعيضية، كقوله تعالى (وَسَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً مِنْهُ) أي: روح صادرة من الله، وليست جزءاً من الله كما تزعم النصارى. (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) اسمه عيسى، ولقبه المسيح، وينسب لأمه. سمي بالمسيح؟ قيل: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين، أي: لا أخْمَص لهما. وقيل: لأنه كان إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى. • قال النووي: حكي عن ابن عباس أنه قال: لم يمسح ذا عاهة إلا برئ. وقيل: لأنه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له. وقيل: لمسحه الأرض أي قطعها. • وينسب لأمه، حيث لا أب له. • قال ابن تيمية: ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان: إحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد. والثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. …

стр. 1031

(وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزل عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم. • قال الشوكاني: وجاهته في الدنيا النبوة، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة. • وقال أبو حيان: وقيل: في الدنيا بالطاعة، وفي الآخرة بالشفاعة. وقيل: في الدنيا بإحياء الموتى وإبراء الأكمة والأبرص، وفي الآخرة بالشفاعة. وقيل: في الدنيا كريماً لا يرد وجهه، وفي الآخرة في علية المرسلين. وقال الزمخشري: الوجاهة في الدنيا النبوة والتقدم على الناس، وفي الآخرة الشفاعة وعلو الدرجة في الجنة. وقال ابن عطية: وجاهة عيسى في الدنيا نبوته وذكره ورفعه، وفي الآخرة مكانته ونعميه وشفاعته. (وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) عند الله. (وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ) أي: يكلمهم وهو في المهد، آية من آيات الله تعالى. (المهد فراش الرضيع). عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَمْ يَتَكَلَّمْ فِي الْمَهْدِ إِلاَّ ثَلَاثَةٌ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَصَاحِبُ جُرَيْجٍ وَكَانَ جُرَيْجٌ رَجُلاً عَابِداً فَاتَّخَذَ صَوْمَعَةً فَكَانَ فِيهَا فَأَتَتْهُ أُمُّهُ وَهُوَ يُصَلِّى فَقَالَتْ يَا جُرَيْجُ. فَقَالَ يَا رَبِّ أُمِّي وَصَلَاتِي … وَبَيْنَا صَبِىٌّ يَرْضَعُ مِنْ أُمِّهِ فَمَرَّ رَجُلٌ رَاكِبٌ عَلَى دَابَّةٍ فَارِهَةٍ وَشَارَةٍ حَسَنَةٍ فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَ هَذَا. فَتَرَكَ الثَّدْيَ وَأَقْبَلَ إِلَيْهِ فَنَظَرَ إِلَيْهِ فَقَالَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى ثَدْيِهِ فَجَعَلَ يَرْتَضِعُ. قَالَ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَحْكِى ارْتِضَاعَهُ بِإِصْبَعِهِ السَّبَّابَةِ فِي فَمِهِ فَجَعَلَ يَمُصُّهَا. قَالَ وَمَرُّوا بِجَارِيَةٍ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ. وَهِىَ تَقُولُ حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ. فَقَالَتْ أُمُّهُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَتَرَكَ الرَّضَاعَ وَنَظَرَ إِلَيْهَا فَقَالَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا. فَهُنَاكَ تَرَاجَعَا الْحَدِيثَ فَقَالَتْ حَلْقَى مَرَّ رَجُلٌ حَسَنُ الْهَيْئَةِ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهُ. فَقُلْتَ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَمَرُّوا بِهَذِهِ الأَمَةِ وَهُمْ يَضْرِبُونَهَا وَيَقُولُونَ زَنَيْتِ سَرَقْتِ. فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلِ ابْنِي مِثْلَهَا. فَقُلْتَ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا قَالَ إِنَّ ذَاكَ الرَّجُلَ كَانَ جَبَّاراً فَقُلْتُ اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْنِي مِثْلَهُ. وَإِنَّ هَذِهِ يَقُولُونَ لَهَا زَنَيْتِ. وَلَمْ تَزْنِ وَسَرَقْتِ وَلَمْ تَسْرِقْ فَقُلْتُ اللَّهُمَّ اجْعَلْنِي مِثْلَهَا) رواه مسلم.

стр. 1032

(وَكَهْلًا) أي: يكلمهم في المهد كما يكلمهم في الكهولة. • قال الزمخشري: معناه يكلم الناس في هاتين الحالتين كلام الأنبياء من غير تفاوت بين حال الطفولة وحال الكهولة. • قال أبو مسلم: معناه أنه يكلم حال كونه في المهد، وحال كونه كهلاً على حد واحد وصفة واحدة وذلك لا شك أنه غاية في المعجزة. • وقال بعض العلماء: وفائدة الآية أنه أعلمهم أن عيسى ﵇ يكلمهم في المهد ويعيش إلى أن يكلمهم كهلاً، إذ كانت العادة أن من تكلم في المهد لم يعش. • قال الأصم: المراد منه أنه يبلغ حال الكهولة. (وَمِنَ الصَّالِحِينَ) الذين صلحت أعمالهم وعقائدهم وأقوالهم لله تعالى. • قال الطبري (ومن الصالحين) فإنه يعني: من عِدَادهم وأوليائهم، لأنّ أهل الصلاح بعضهم من بعض في الدين والفضل (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ) أي: قالت ذلك متعجبة. (وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ) أي: ولست بذات زوج، ولا من عزمي أن أتزوج، ولست بغياً؟ حاشا لله. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (قالت رب أنّى يكون لي ولد) في علة قولها هذا قولان: أحدهما: أنها قالت هذا تعجباً واستفهاماً، لا شكاً وإنكاراً، على ما أشرنا إليه في قصة زكريا، وعلى هذا الجمهور. والثاني: أن الذي خاطبها كان جبريل، وكانت تظنه آدمياً يريد بهاً سوءاً، ولهذا قالت (أعوذ بالرحمن منك إِن كنت تقياً). • قال تعالى في سورة مريم (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ) أي دلالة وعلامة للناس على قدرة بارئهم وخالقهم الذي نوع في خلقهم. • قال ابن القيم: خلق هذا النوع الإنساني على أربعة أضرب: لا من ذكر ولا من أنثى، كآدم. من ذكر بلا أنثى، كحواء. من أنثى بلا ذكر، كالمسيح. من ذكر وأنثى، كسائر النوع.

стр. 1033

• قال بعض العلماء: أن الملك وهو جبريل ﵇ - لما استسلمت مريم لقضاء الله - نفخ في جيب درعها، فنزلت النفخة حتى ولجت في الفرج فحملت بالولد بإذن الله تعالى. قال تعالى في سورة مريم (فَأَجَاءَهَا الْمَخَاضُ إِلَى جِذْعِ النَّخْلَةِ قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا. فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا. وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا. فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئًا فَرِيًّا. يَا أُخْتَ هَارُونَ مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيًّا. فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا. قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا). • قوله تعالى عنها (قَالَتْ يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا) أي قبل هذا الحال. • تمنت مريم الموت لسببين: الأول: خوفاً من أن يقع أناس ويفتنوا بسببها. الثاني: حتى لا تتهم بدينها. • وقولها (وَكُنتُ نَسْياً مَنْسِيّاً) أي لم أخلق ولم أك شيئاً. قال ابن كثير: فيه دليل على جواز تمني الموت عند الفتنة، فإنها عرفت أنها ستبتلى وتمتحن بهذا المولود الذي لا يحمل الناس أمرها فيه على السداد، ولا يصدقونها في خبرها، وبعدما كانت عندهم عابدة ناسكة تصبح عندهم فيما يظنون عاهرة زانية. وقوله تعالى (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قولان للعلماء في المراد به: فقيل: هو جبريل، وهو قول ابن عباس. وقيل: عيسى، ورجحه ابن جرير والشنقيطي. قال الشنقيطي مرجحاً هذا القول: فأشارت إليه، وإشارتها إليه ليكلموه قرينة على أنها عرفت قبل ذلك أنه يتكلم على سبيل خرق العادة لندائه لها عندما وضعته. (أَلاَّ تَحْزَنِي) أي ناداها قائلاً لها: لا تحزني (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً) أي جعل جدولاً صغيراً يجري أمامك (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي حركي جذع النخلة اليابسة (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً) أي طرياً لذيذاً نافعاً (فكلي) من التمر (واشربي) من النهر (وقري عيناً) بهذا المولود عيسى، ولا تحزني.

стр. 1034

(فَإِمَّا تَرَيْنَ مِنْ الْبَشَرِ أَحَداً) أي مهما رأيت من أحد (فَقُولِي) المراد بهذا القول الإشارة إليه بذلك، لا أن المراد به القول اللفظي لئلا ينافي [فلن أكلم اليوم إنسياً] (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً) أي سكوتاً. (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنسِيّاً) أي فلن أكلم أحداً من الناس. • قال السعدي: فأمرها أنها إذا رأت أحداً من البشر أن تقول على وجه الإشارة إني نذرت للرحمن صوماً، لتستريح من قولهم وكلامهم، وإنما لم تؤمر بمخاطبتهم في نفْي ذلك عن نفسها، لأن الناس لا يصدقونها، ولا فائدة فيه، وليكون تبرئتها بكلام عيسى في المهد، أعظم شاهداً على قراءتها. قوله تعالى (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ) يقول تعالى مخبراً عن مريم حين أمرت أن تصوم يومها ذلك وأن لا تكلم أحداً من البشر، فإنها ستكفى أمرها ويقام بحجتها، فسلمت الأمر لله واستسلمت لقضائه، فأخذت ولدها فأتت به قومها تحمله، فلما رأوها كذلك أعظموا أمرها واستنكروه جداً وقالوا: قوله تعالى (قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً) أي أمراً عظيماً. (يَا أُخْتَ هَارُونَ) اختلف العلماء ما المراد بهارون هنا؟ فقيل: نسبة إلى رجل صالح في قومها اسمه هارون، أي يا شبيهة هارون بالعبادة. وقيل: كانت من نسل هارون، كما يقال للتميمي: يا أخا تميم. • وليس المراد به هارون أخا موسى بالاتفاق، لأن الله ذكر في كتابه أنه قفى بعيسى بعد الرسل، فدل على أنه آخر الأنبياء بعثاً، وليس بعده إلا محمد ﷺ ولهذا ثبت في الحديث الصحيح قال ﷺ (أنا أولى الناس بابن مريم، لأنه ليس بيني وبينه نبي). (مَا كَانَ أَبُوكِ امْرَأَ سَوْءٍ وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ بَغِيّاً) يا أخت الرجل الصالح هارون ما كان أبوك رجل سوء يأتي الفواحش، وما كانت أمك امرأة سوء تأتي البِغاء.

стр. 1035

(فأشارت إليه) أي أنهم لما استرابوا في أمرها واستنكروا قضيتها وقالوا لها ما قالوا معرضين بقذفها ورميها بالفرية، وقد كانت يومها ذلك صائمة صامتة، فأحالت الكلام عليه، وأشارت لهم إلى خطابه وكلامه. • ومعنى إشارتها إليه: أي أنهم يكلمونه فيخبرهم بحقيقة الأمر، بدليل أنهم قالوا (كيف نكلم من كان في المهد صبياً). فقالوا متهكمين بها ظانين أنها تزدري بهم وتلعب بهم (قَالُوا كَيْفَ نُكَلِّمُ مَن كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيّاً) أي من هو موجود في مهده في حال صباه وصغره، كيف يتكلم؟ (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. كما قال تعالى (وقال عيسى يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم). وقال (إن الله ربي وربكم هذا صراط مستقيم). وقال تعالى عنه (ما قلت لهم إلا ما أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم). • قال العلماء: إنما قدم ذكر العبودية ليبطل قول من ادعى فيه الربوبية. (قَالَ) لها الملك في جواب هذا السؤال: (كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء. وصرح هاهنا بقوله (يَخْلُقُ) ولم يقل: (يفعل) كما في قصة زكريا، بل نص هاهنا على أنه يخلق؛ لئلا يبقى شبهة. (إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) أي: فلا يتأخر شيئًا، بل يوجد عقيب الأمر بلا مهلة، كقوله تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) أي: إنما نأمر مرة واحدة لا مثنوية فيها، فيكون ذلك الشيء سريعًا كلمح بالبصر. • قال الطبري: يقول تعالى: قالت مريم إذ قالت لها الملائكة أنّ الله يبشرك بكلمة منه: (ربِّ أنَّى يكون لي ولد) من أيِّ وجه يكون لي ولد؟ أمِن قبل زوج أتزوجه وبعل أنكحه، أمْ تبتدئ فيَّ خلقه من غير بعل ولا فحل، ومن غير أن يمسَّني بشر؟ فقال الله لها (كذلك الله يخلق ما يشاء) يعني: هكذا يخلق الله منك ولدًا لك من غير أن يمسَّك بشر، فيجعله آيةً للناس وعبرة، فإنه يخلق ما يشاء ويصنعُ ما يريد، فيعطي الولد من يشاء من غير فحل ومن فحلٍ، ويحرِمُ ذلك من يشاءُ من النساء وإن كانت ذات بعلٍ، لأنه لا يتعذر عليه خلق شيء أراد خلقه، إنما هو أن يأمر إذا أراد شيئًا ما أراد خلقه فيقول له (كن فيكون) ما شاء، مما يشاء، وكيف شاء.

стр. 1036

(وَيُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ) الظاهر أن المراد بالكتاب هاهنا الكتابة، قاله ابن كثير، واختار هذا ابن جرير الطبري. • قال ابن عطية: (ويعلمه الكتاب) هو الخط باليد فهو مصدر كتب يكتب. هذا قول ابن جريج وجماعة المفسرين، وقال بعضهم: هي إشارة إلى كتاب منزل لم يعين وهذه دعوى لا حجة عليها. (وَالْحِكْمَةَ) قيل: المراد بالحكمة هنا تعليم العلوم وتهذيب الأخلاق. وقيل: المراد بها هنا السنة، واختاره ابن جرير. وقيل: سنن الأنبياء ﵈. وقيل: الصواب في القول والعمل. • من حكم عيسى ﵇: كما ترك لكم الملوك الحكمة فكذلك اتركوا لهم بالدنيا. لا يصيب أحد حقيقة الإيمان حتى لا يبالي من أكل الدنيا. يا معاشر الحواريين إن خشية الله وحب الفردوس يورثان الصبر على المشقة، ويباعدان من زهرة الدنيا. يا ابن آدم الضعيف اتّق الله حيثما كنت، وكل كسرتك من حلال، واتخذ المسجد بيتاً، وكن فيه الدنيا ضعيفاً، وعوّد نفسك البكاء، وقلبك التفكر، وجسدك الصبر، ولا تهتم برزقك غداً فإنها خطيئة تكتب عليك. أصل كل خطيئة حب الدنيا. ورب شهوة أورثت أهلها حزناً طويلاً. اعبروا الدنيا ولا تعمروها، وحب الدنيا رأس كل خطيئة، والنظر يزرع في القلب الشهوة. حب الدنيا أصل كل خطيئة، والمال فيه داء كبير. قالوا: وما داؤه؟ قال: لا يسلم من الفخر والخيلاء. قالوا: فإن سلم؟ قال: يشغله اصلاحه عن ذكر الله. وأخرج البيهقي عن مالك بن دينار قال: قالوا لعيسى ﵇ يا روح الله ألا نبني لك بيتا؟ قال: بلى. ابنوه على ساحل البحر قالوا: إذن يجيء الماء فيذهب به قال: أين تريدون؟ تبنون لي على القنطرة؟ مرت امرأة على عيسى ﵇ فقالت: طوبى لثدي أرضعك، وحجر حملك، فقال عيسى ﵇: طوبى لمن قرأ كتاب الله ثم عمل بما فيه. الخمر مفتاح كل شر، والنساء حبالة الشيطان. وقال لأحبار بني إسرائيل: لا تكونوا للناس كالذئب السارق، وكالثعلب الخدوع، وكالحدأ الخاطف. يا معشر الحواريين أيكم يستطيع أن يبني على موج البحر داراً؟ قالوا: يا روح الله ومن يقدر على ذلك! قال: إياكم والدنيا فلا تتخذوها قراراً. طوبى لمن خزن لسانه، ووسعه بيته، وبكى من ذكر خطيئته. استحي مني. (وَالتَّوْرَاةَ) وهو الكتاب الذي أنزله الله على موسى بن عمران. (وَالْإِنْجِيلَ) وهو الذي أنزله الله على عيسى ﵇، وقد كان عيسى ﵇، يحفظ هذا وهذا. (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ) أي: و يجعله رسولاً إلى بني إسرائيل، قائلا لهم: (أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: جئتكم بعلامة تدل على صدقي، وهي ما أيدني الله من المعجزات. • المراد بالآية الجنس لا الفرد لأنه تعالى عدد ههنا أنواعاً من الآيات، وهي إحياء الموتى، وإبراء الأكمه والأبرص، والإخبار عن المغيبات فكان المراد من قوله (قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مّن رَّبّكُمْ) الجنس لا الفرد.

стр. 1037

وفي هذا أن عيسى بعث إلى قومه خاصة لقوله (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ) ولقوله ﷺ (وكان النبي ﷺ يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة) متفق عليه. (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ) وكذلك كان يفعل: يصور من الطين شكل طير، ثم ينفخُ فيه، فيطير عيانًا بإذن الله، ، الذي جعل هذا معجزة يَدُلّ على أن الله أرسله. • قال في التسهيل: ذكر (بِإِذْنِ الله) رفعاً لوهم من توهم في عيسى الربوبية. • وقال الشوكاني: وقوله (بِإِذُنِ الله) فيه دليل على أنه لولا الإذن من الله لم يقدر على ذلك، وأن خلق ذلك كان بفعل الله سبحانه أجراه على يد عيسى ﵇. • قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى: (أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ) الآية، هذه الآية يوهم ظاهرها أن بعض المخلوقين ربما خلق بعضهم، ونظيرها قوله تعالى (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) الآية، وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الله خالق كل شيء كقوله تعالى (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ)، وقوله (اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) إلى غير ذلك من الآيات. والجواب ظاهر وهو معنى خلق عيسى كهيئة الطير من الطين: هو أخذه شيئاً من الطين وجعله على هيئة أي صورة الطير، وليس المراد الخلق الحقيقي؛ لأن الله متفرد به - جل وعلا -وقوله (وَتَخْلُقُونَ إِفْكاً) معناه: تكذبون، فلا منافاة بين الآيات كما هو ظاهر. (وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ) قيل: هو الذي يبصر نهارًا ولا يبصر ليلاً، وقيل بالعكس. وقيل: هو الأعشى. وقيل: الأعمش. وقيل: هو الذي يولد أعمى. وهو أشبه؛ لأنه أبلغ في المعجزة وأقوى في التحدي. (وَالْأَبْرَصَ) معروف. • قال ابن عادل: إنما خَصَّ هذين المرضَيْن لأنهما أعْيا الأطباء، وكان الغالب في زمن عيسى ﵇ الطبَّ، فأراهم الله المعجزة من جنس ذلك. • وقال الشوكاني: وإنما خص الله سبحانه هذين المرضين بالذكر؛ لأنهما لا يبرآن في الغالب بالمداواة.

стр. 1038

(وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ) الآية العظمى، وهذا من آيات الله، وفي الأخرى (وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَى)، في الآيتين إحياء الموتى وإن كانوا على ظهر الأرض، وإحياء الموتى وإن كانوا في القبور وإخراجهم منها أحياء، يعني إذا ضممت هذه إلى هذه استفدت فائدتين: أنه يحيي الموتى وهم على ظهر الأرض، ويحييهم وهم في بطن الأرض فيخرجون. (الشيخ ابن عثيمين). • قال ابن كثير: قال كثير من العلماء: بعث الله كل نبي من الأنبياء بمعجزة تناسب أهل زمانه، فكان الغالب على زمان موسى ﵇ السحر وتعظيم السحرة. فبعثه الله بمعجزة بَهَرَت الأبصار وحيرت كل سحار، فلما استيقنوا أنها من عند العظيم الجبار انقادوا للإسلام، وصاروا من الأبرار. وأما عيسى ﵇ فبُعث في زمن الأطباء وأصحاب علم الطبيعة، فجاءهم من الآيات بما لا سبيل لأحد إليه، إلا أن يكون مؤيدًا من الذي شرع الشريعة. فمن أين للطبيب قدرة على إحياء الجماد، أو على مداواة الأكمه، والأبرص، وبعث من هو في قبره رهين إلى يوم التناد؟ وكذلك محمد ﷺ بعثه الله في زمن الفصحاء والبلغاء ونحارير الشعراء، فأتاهم بكتاب من الله، ، لو اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثله، أو بعشر سور من مثله، أو بسورة من مثله لم يستطيعوا أبدًا، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرا، وما ذاك إلا لأن كلام الرب لا يشبهه كلام الخلق أبدًا. (وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ) أي: أخبركم بما أكل أحدكم الآن، وما هو مدخر له في بيته لغده. • قال الرازي: الإخبار عن الغيوب على هذا الوجه معجزة، وذلك لأن المنجمين الذين يدعون استخراج الخير لا يمكنهم ذلك إلا عن سؤال يتقدم ثم يستعينون عند ذلك بآلة ويتوصلون بها إلى معرفة أحوال الكواكب، ثم يعترفون بأنهم يغلطون كثيراً، فأما الإخبار عن الغيب من غير استعانة بآلة، ولا تقدم مسألة لا يكون إلا بالوحي من الله تعالى. (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: في ذلك كله. • قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: إنّ في خلقي من الطين الطيرَ بإذن الله، وفي إبرائي الأكمهَ والأبرصَ، وإحيائي الموتى، وإنبائيَ إياكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم، ابتداءً من غير حساب وتنجيم، ولا كهانة وعرافة.

стр. 1039

(لَآيَةً لَكُمْ) على صدقي فيما جئتكم به. • قال الطبري: أي: لعبرةً لكم ومتفكَّرًا، تتفكرون في ذلك فتعتبرون به أنيّ محق في قولي لكم (إني رسولٌ من ربكم إليكم) وتعلمون به أني فيما أدعوكم إليه من أمر الله ونهيه صادق. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) يعني: إن كنتم مصدّقين حجج الله وآياته، مقرّين بتوحيده، وبنبيه موسى والتوراة التي جاءكم بها. • فغير المؤمن لا ينتفع بالآيات قال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ). وقال تعالى (إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). (وَمُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ) أي: مقرر لهم ومُثَبّت. (وَلِأُحِلَّ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي حُرِّمَ عَلَيْكُمْ) أي: ولأحلَّ لكم بوحي من الله بعض ما حرَّمه الله عليكم تخفيفًا من الله ورحمة. والمحرم عليهم ذكر الله تعالى في قوله (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ). وقال تعالى (فَبِظُلْمٍ مِنَ الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ). • قال ابن كثير: فيه دلالة على أن عيسى، ﵇، نسَخ بعض شريعة التوراة، وهو الصحيح من القولين، ومن العلماء من قال: لم ينسخ منها شيئًا، وإنما أحَلّ لهم بعض ما كانوا يتنازعون فيه فأخطؤوا، فكشف لهم عن المغطى في ذلك، كما قال في الآية الأخرى (وَلأبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ) والله أعلم. (وَجِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: وجئتكم بحجة من ربكم على صدق ما أقول لكم. (فَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: فاتقوا الله يا معشرَ بني إسرائيل، فيما أمركم به ونهاكم عنه في كتابه الذي أنزله على موسى، فأوفوا بعهده الذي عاهدتموه فيه. (وَأَطِيعُونِ) فيما دعوتكم إليه من تصديقي فيما أرسلني به.

стр. 1040

(إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ) أي: أنا وأنتم سواء في العبودية له والخضوع والاستكانة إليه. • معاني الرب في لسان العرب ترجع إلى ٣ أصول: الأول: السيد، والثاني: المالك، والثالث: المصلح للشيء للقائم عليه. • قال الرازي: ختم كلامه بقوله (إِنَّ الله رَبّى وَرَبُّكُمْ) ومقصوده إظهار الخضوع والاعتراف بالعبودية لكيلا يتقولوا عليه الباطل فيقولون: إنه إله وابن إله لأن إقراره لله بالعبودية يمنع ما تدعيه جهال النصارى عليه، ثم قال (فاعبدوه) والمعنى: أنه تعالى لما كان رب الخلائق بأسرهم وجب على الكل أن يعبدوه، ثم أكد ذلك بقوله (هذا صراط مُّسْتَقِيم). • وقال في التسهيل: قوله تعالى (إِنَّ الله رَبِّي وَرَبُّكُمْ) ردّ على من نسب الربوبية لعيسى. • عبادة الله: هذه دعوة جميع الرسل، الدعوة إلى عبادة الله وحده، وترك الشرك، وهذا معنى: لا إله إلا الله: أي: لا معبود حق إلا الله. • وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجرداً عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أموراً لا تنبغي، والله لا يليق به شيء من ذلك. (قاله الشنقيطي) • فالعبادة تطلق على معنيين: احدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق، وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية. • دعوة جميع الرسل الدعوة إلى عبادة الله وحده. كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). وكان كل نبي يقول لقومه: اعبدوا الله ما لكم من إله غيره كما قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحاً إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ).

стр. 1041

وقال تعالى (وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُوداً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ) وقال تعالى (وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحاً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) وقال تعالى (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ) (هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ) يعني هذا التوحيد الذي أدعوكم إليه طريق مستقيم، لا عوج فيه، وهو طريق الجنة. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (هذا صراط مستقيم) الإشارة إلى ما قاله كلِّه أي أنّه الحق الواضح فشبهه بصراط مستقيم لا يضلّ سالكه ولا يتحير. الفوائد: ١ - فضل مريم وابنها. ٢ - مشروعية تبشير المسلم. ٣ - الثناء على عيسى بهذه الصفات العظيمة. ٤ - أن عيسى وجد من أم بلا أب. ٥ - أن عيسى مخلوق كغيره من البشر. ٦ - الرد على اليهود في اتهامهم لعيسى وأمه. ٧ - عظمة قدر الله تعالى. ٨ - أن الله لا يعجزه شيء. ٩ - أن كل أحد بحاجة إلى تعليم الله حتى الأنبياء. ١٠ - فضل العلم. ١١ - إثبات رسالة عيسى. ١٢ - أن عيسى مرسل إلى قومه خاصة. ١٣ - الإشارة إلى وجوب قبول رسالته لقوله (من ربكم). ١٤ - قدرة الله حيث جعل عيسى ابن مريم يخلق من الطين كهيئة الطير. ١٥ - أن من آيات عيسى أنه يبرئ الأكمه والأبرص، لكن بإذن الله. ١٦ - الآية العظيمة وهي إحياء الموتى. ١٧ - أن الرسل لا يملكون شيئاً من الربوبية. ١٨ - أن الله أطلع نبيه عيسى على ما يأكل قومه وما يدخرون. ١٩ - إثبات الحكمة لله تعالى. ٢٠ - أن الإيمان يحمل صاحبه على قبول الآيات.

стр. 1042

(فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ قَالَ مَنْ أَنصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنصَارُ اللَّهِ آمَنَّا بِاللَّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٥٢) رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنزَلَتْ وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ (٥٣) وَمَكَرُواْ وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ (٥٤)) [آل عمران: ٥٢ - ٥٤]. (فَلَمَّا أَحَسَّ عِيسَى مِنْهُمُ الْكُفْرَ) أي: استشعر منهم التصميم على الكفر والاستمرار على الضلال. (قَالَ مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ) قال مجاهد: أي من يَتبعني إلى الله؟ وقال سفيان الثوري وغيره: من أنصاري مع الله؟ وقول مجاهد أقربُ. والظاهر أنه أراد من أنصاري في الدعوة إلى الله؟ كما كان النبي ﷺ يقول في مواسم الحج، قبل أن يهاجر: (مَنْ رَجُل يُؤْوِيني عَلى أن أبلغ كلامَ رَبِّي، فإنَّ قُرَيْشًا قَدْ مَنَعُونِي أنْ أُبَلِّغَ كَلامَ رَبِّي) حتى وجد الأنصار فآووه ونصروه، وهاجر إليهم فآسوه ومنعوه من الأسود والأحمر. وهكذا عيسى ابن مريم، انْتدَبَ له طائفة من بني إسرائيل فآمنوا به وآزروه ونصروه واتبعوا النور الذي أنزل معه. • قال الرازي: قال الأكثرون من أهل اللغة إلى ههنا بمعنى مع قال تعالى (وَلَا تَأْكُلُواْ أموالهم إلى أموالكم) أي معها، وقال ﷺ (الذود إلى الذود إبل) أي مع الذود. • قال الماوردي: واختلفوا في سبب استنصار المسيح بالحواريين على ثلاثة أقاويل: أحدها: أنه استنصر بهم طلباً للحماية من الكفار الذين أرادوا قتله حين أظهر دعوته، وهذا قول الحسن، ومجاهد. والثاني: أنه استنصر بهم ليتمكن من إقامة الحجة وإظهار الحق. والثالث: لتمييز المؤمن الموافق من الكافر المخالف. (قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ) أي: قال أصفياء عيسى: نحن أنصار دين الله والداعون إليه. • قال الرازي: ذكروا في لفظ (الحواري) وجوهاً: الأول: أن الحواري اسم موضوع لخاصة الرجل، وخالصته، ومنه يقال للدقيق حواري، لأنه هو الخالص منه، وقال ﷺ للزبير (إنه ابن عمتي، وحواري من أمتي) والحواريات من النساء النقيات الألوان والجلود، فعلى هذا الحواريون هم صفوة الأنبياء الذي خلصوا وأخلصوا في التصديق بهم وفي نصرتهم. القول الثاني: الحواري أصله من الحور، وهو شدة البياض، ومنه قيل للدقيق حواري، ومنه الأحور، والحور نقاء بياض العين، وحورت الثياب: بيضتها، وعلى هذا القول اختلفوا في أن أولئك لم سموا بهذا الاسم؟ فقال سعيد بن جبير: لبياض ثيابهم، وقيل كانوا قصارين، يبيضون الثياب، وقيل لأن قلوبهم كانت نقية طاهرة من كل نفاق وريبة فسموا بذلك مدحاً لهم، وإشارة إلى نقاء قلوبهم، كالثوب الأبيض، وهذا كما يقال فلان نقي الجيب، طاهر الذيل، إذا كان بعيداً عن الأفعال الذميمة، وفلان دنس الثياب: إذا كان مقدماً على ما لا ينبغي.

стр. 1043

• قال الطبري: وأشبه الأقوال التي ذكرنا في معنى "الحواريين"، قولُ من قال: سموا بذلك لبياض ثيابهم، ولأنهم كانوا غسّالين. • قال الشنقيطي: لم يبين هنا الحكمة في ذكر قصة الحواريين مع عيسى ولكنه بين في سورة الصف، أن حكمة ذكر قصتهم هي أن تتأسى بهم أمة محمد صلى ﷺ في نصرة الله ودينه، وذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمَنُواْ كونوا أَنصَارَ الله كَمَا قَالَ عِيسَى ابن مَرْيَمَ لِلْحَوَارِيِّينَ مَنْ أنصاري إِلَى الله). (آمَنَّا بِاللَّهِ) أي: آمنا بما يجب الإيمان بالله. (وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فالإسلام دين جميع الرسل: فنوح يقول لقومه (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً (فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ). وأبناء يعقوب يجيبون أباهم (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). وموسى يقول لقومه (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ). والحواريون يقولون لعيسى (آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). ويوسف قال (توفني مسلماً … ). وسليمان ﵇ قال (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِين). وملكة سبأ (قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). (رَبَّنَا آمَنَّا بِمَا أَنْزَلْتَ) أي: صدّقنا (بما أنزلت) يعني: بما أنزلتَ على نبيك عيسى من كتابك. (وَاتَّبَعْنَا الرَّسُولَ) أي: امتثلنا ما أتى به منك إلينا.

стр. 1044

(فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: اكتبنا في جملة من شهد لك بالتوحيد ولأنبيائك بالتصديق، والمقصود من هذا أنهم لما أشهدوا عيسى ﵇ على إسلام أنفسهم، حيث قالوا (واشهد بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) فقد أشهدوا الله تعالى على ذلك تأكيداً للأمر، وتقوية له، وأيضاً طلبوا من الله مثل ثواب كل مؤمن شهد لله بالتوحيد ولأنبيائه بالنبوّة. • قال الطبري: يقول: فأثبت أسماءنا مع أسماء الذين شهدوا بالحق، وأقرُّوا لك بالتوحيد، وصدّقوا رسلك، واتبعوا أمرك ونهيك، فاجعلنا في عدادهم ومعهم فيما تكرمهم به من كرامتك، وأحِلَّنا محلهم، ولا تجعلنا ممن كفر بك، وصدَّ عن سبيلك، وخالف أمرك ونهيك. وقيل: (فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ) أي: محمد ﷺ وأمته لأنهم يشهدون للرسل بالتبليغ ومحمد ﷺ يشهد لهم بالصدق. (وَمَكَرُوا) أي: مكروا بعيسى حيث هموا بقتله. (وَمَكَرَ اللَّهُ) حيث أنقذه منهم، ورفعه إلى السماء. قيل: إن الحواريين كانوا اثني عشر، وكانوا مجتمعين في بيت فنافق رجل منهم، ودل اليهود عليه، فألقى الله شبهه عليه ورفع عيسى، فأخذوا ذلك المنافق الذي كان فيهم، وقتلوه وصلبوه على ظن أنه عيسى ﵇، فكان ذلك هو مكر الله بهم. • قال الشيخ الشنقيطي: لم يبين هنا مكر اليهود بعيسى ولا مكر الله باليهود، ولكنه بين في موضع آخر أن مكرهم به محاولتهم قتله، وذلك في قوله (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا المسيح عِيسَى ابن مَرْيَمَ رَسُولَ الله) وبين أن مكره بهم إلقاؤه الشبه على غير عيسى وإنجاؤه عيسى عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، وذلك في قوله (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبِّهَ لَهُمْ)، وقوله (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً بَل رَّفَعَهُ الله إِلَيْهِ). (وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ) . الفوائد: ١ - عتو بني إسرائيل. ٢ - أن الرسل دعوتهم إلى الله لا إلى أنفسهم. ٣ - فضيلة الحواريين. ٤ - أن الرسل لا يعلمون الغيب. ٥ - فضيلة الحواريين في لجوئهم إلى الله. ٦ - إثبات علو الله. ٧ - أن أعداء الرسل يمكرون لهم. ٨ - أن الله لا يوصف بالمكر على سبيل الإطلاق، بل يقال: إن الله ماكر بمن يمكر به.

стр. 1045

(إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (٥٥)). [آل عمران: ٥٥]. (إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ) اختلف المفسرون في قوله (إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ). لأن عيسى لم يمت بل رفع كما قال تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً). وقوله تعالى (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ). فقيل: المراد بالوفاة هنا النوم. وهذا قول الربيع بن أنس، والحسن وغيرهم، وعزاه ابن كثير والشوكاني للأكثرين. • قال ابن كثير: وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم. واستدلوا: بقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ). وقوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). وكان ﷺ إذا قام من النوم يقول (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) رواه البخاري. وقوله تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً). قال ابن كثير: والضمير في قوله (قبل موته) عائد على عيسى، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة. وقيل: إن الوفاة هنا بمعنى: القبض، أي: قابضك من الأرض، فرافعك إليّ. وهذا قول جمهور المفسرين. واستدلوا: بقوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). قال البغوي: أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته. قال الشنقيطي: … الوجه الثالث: أنّ (مُتَوَفِّيكَ) اسم فاعل توفاه إذا قبضه وحازه إليه ومنه قولهم: (توفّى فلان دينه) إذا قبضه إليه .. فيكون معنى (مُتَوَفِّيكَ) على هذا قابضك منهم إلي حيا، وهذا القول هو اختيار بن جرير، … ثم قال ﵀: وأما الجمع بأنه توفّاه ساعات أو أياما ثم أحياه فالظاهر أنه من الإسرائيليات، وقد نهى ﷺ عن تصديقها وتكذيبها.

стр. 1046

وقيل: إن الوفاة في الآية بمعنى الموت، وهذا مروي عن ابن عباس. وهذا القول يحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الله توفاه ثم رفعه بعد ذلك إلى السماء. الوجه الثاني: أن في الآية تقديماً وتأخيراً فيكون المعنى: إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا، وهذا من المقدم الذي معناه التأخير. • قال السمرقندي: قوله تعالى (إِذْ قَالَ الله يا عيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال. وقد ضعف ابن جرير الوجه الأول فقال: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله، لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحييهم. وقال القرطبي - بعد أن أورد الوجه الأول -: وهذا فيه بعد، فإنه صح في الأخبار عن النبي ﷺ نزوله وقتله الدجال. وقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: مستوفي أجلك، ومتم عمرك، وذلك بعصمتك من قتل أعدائك، ومؤخرك إلى أجلك المقدر، ومميتك بعد ذلك لا قتلاً بأيديهم. وهذا اختيار الزمخشري، وأبي السعود، والقاسمي. وقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: متقبل عملك، وقد أورد هذا المعنى ابن عطية وضعفه فقال: وهذا ضعيف من جهة اللفظ. (وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: برفعي إياك إلى السماء. • قال الراز: المعنى مخرجك من بينهم ومفرق بينك وبينهم، وكما عظم شأنه بلفظ الرفع إليه أخبر عن معنى التخليص بلفظ التطهير وكل ذلك يدل على المبالغة في إعلاء شأنه وتعظيم منصبه عند الله تعالى. (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) وهكذا وقع؛ فإن المسيح ﵇ لما رفعه الله إلى السماء تَفَرَّقت أصحابه شيَعًا بعده؛ فمنهم من آمن بما بعثه الله به على أنه عبد الله ورسوله وابن أمته، ومنهم من غلا فيه فجعله ابن الله، وآخرون قالوا: هو الله. وآخرون قالوا: هو ثالث ثلاثة. وقد حكى الله مقالاتهم في القرآن، ورَد على كل فريق، فاستمروا كذلك قريباً من ثلاثمائة سنة، ثم نَبَع لهم ملك من ملوك اليونان، يقال له: قسطنطين، فدخل في دين النصرانية، قيل: حيلة ليفسده، فإنه كان فيلسوفاً، وقيل: جهلاً منه، إلا أنه بَدل لهم دين المسيح وحرفه، وزاد فيه ونقص منه، ووضعت له القوانين والأمانة الكبيرة -التي هي الخيانة الحقيرة-وأحل في زمانه لحم الخنزير، وصَلّوا له إلى المشرق وصوروا له الكنائس، وزادوا في صيامهم عشرة أيام من أجل ذنب ارتكبه، فيما يزعمون. وصار دين المسيح دين قسطنطين إلا أنه بنى لهم من الكنائس والمعابد والصوامع والديارات ما يزيد على اثني عشر ألف معبد، وبنى المدينة المنسوبة إليه، واتبعه الطائفة المَلْكِيَّة منهم. وهم في هذا كله قاهرون لليهود، أيَّدهم الله عليهم لأنهم أقرب إلى الحق منهم، وإن كان الجميع كفار، عليهم لعائن الله.

стр. 1047

قال الرازي: قوله تعالى (وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ) فيه وجهان: الأول: أن المعنى: الذين اتبعوا دين عيسى يكونون فوق الذين كفروا به، وهم اليهود بالقهر والسلطان والاستعلاء إلى يوم القيامة، فيكون ذلك إخباراً عن ذل اليهود وإنهم يكونون مقهورين إلى يوم القيامة، فأما الذين اتبعوا المسيح ﵇ فهم الذين كانوا يؤمنون بأنه عبد الله ورسوله وأما بعد الإسلام فهم المسلمون، وأما النصارى فهم وإن أظهروا من أنفسهم موافقته فهم يخالفونه أشد المخالفة من حيث أن صريح العقل يشهد أنه ﵇ ما كان يرضى بشيء مما يقوله هؤلاء الجهال، ومع ذلك فإنا نرى أن دولة النصارى في الدنيا أعظم وأقوى من أمر اليهود فلا نرى في طرف من أطراف الدنيا ملكاً يهودياً ولا بلدة مملوءة من اليهود بل يكونون أين كانوا بالذلة والمسكنة وأما النصارى فأمرهم بخلاف ذلك. الثاني: المراد بالفوقية بالحجة والدليل. (ثُمَّ إِلَيَّ مَرْجِعُكُمْ) أي: يوم القيامة. • ويوم القيامة، سمي بذلك: أولاً: لأن الناس يقومون من قبورهم: قال تعالى (يوم يقوم الناس لرب العالمين). ثانياً: ولقيام الأشهاد. لقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: ولقيام الملائكة لقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً … ). (فَأَحْكُمُ بَيْنَكُمْ فِيمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ) أي: فأفصِل بينكم فيما كنتم فيه تختلفون من أمر عيسى ﵇. الفوائد: ١ - إثبات القول لله تعالى. ٢ - أن الله رفع عيسى بجسمه. ٣ - أن الله منع الأذى عن عيسى. ٤ - طهارة عيسى من كل سوء. ٥ - أن كل من اتهم عيسى بالسوء فهو كافر. ٦ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة. ٧ - إثبات يوم القيامة. ٨ - أن مرجع الخلائق إلى الله.

стр. 1048

(فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُواْ فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٥٦) وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (٥٧) ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الآيَاتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ (٥٨)). [٥٦ - ٥٨]. (فَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا) بالله ورسله. (فَأُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) وكذلك فعل تعالى بمن كفر بالمسيح من اليهود، أو غلا فيه وأطراه من النصارى؛ عَذبهم في الدنيا بالقتل والسبي وأخْذ الأموال وإزالة الأيدي عن الممالك، وفي الدار الآخرة عَذابُهم أشد وأشق (وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ). • والدنيا هي هذه الحياة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين: السبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن. السبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) رواه الترمذي، وقال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري. (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) ينصرهم ويدفع عنهم العذاب، قال تعالى (يَوَدُّ الْمُجْرِمُ لَوْ يَفْتَدِي مِنْ عَذَابِ يَوْمِئِذٍ بِبَنِيهِ. وَصَاحِبَتِهِ وَأَخِيهِ. وَفَصِيلَتِهِ الَّتِي تُؤْوِيهِ. وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ يُنْجِيهِ). (وَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: آمنوا بقلوبهم وانقادوا. (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا بجوارحهم، الأعمال الصالحات، من الأفعال والأقوال، الواجبات والمستحباب، فصدقوا إيمانهم بأعمالهم الصالحة. • والعمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بشرطين: الشرط الأول: الإخلاص، لقوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرى ما نوى)، الشرط الثاني: المتابعة للنبي ﷺ لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم • ودائماً يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحاً. قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ). وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً … ).

стр. 1049

وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). • والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. • والإيمان شرعاً: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان. • قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين، الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته. (فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ) في الدنيا والآخرة، في الدنيا بالنصر والظفر، وفي الآخرة بالجنات العاليات. وقال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ). وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً). (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ) تحذير شديد للظالمين، وأعظم الظلم الشرك بالله تعالى كما تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). (ذَلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ) أي: هذا الذي قَصَصْنَاه عليك يا محمد في أمر عيسى ومبدأ ميلاده وكيفية أمره، هو مما قاله الله تعالى، وأوحاه إليك ونزله عليك من اللوح المحفوظ، فلا مرية فيه ولا شك، كما قال تعالى في سورة مريم (ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ. مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).

стр. 1050

الفوائد: ١ - إثبات القول لله تعالى. ٢ - أن الله رفع عيسى بجسمه. ٣ - أن الله منع الأذى عن عيسى. ٤ - طهارة عيسى من كل سوء. ٥ - أن كل من اتهم عيسى بالسوء فهو كافر. ٦ - أن أتباع عيسى منصورون إلى يوم القيامة. ٧ - إثبات يوم القيامة. ٨ - أن مرجع الخلائق إلى الله. ٩ - إثبات علو الله تعالى. ١٠ - تهديد الكفار بيوم القيامة. ١١ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحاً. ١٢ - من شروط قبول العمل الإيمان. ١٣ - إثبات المحبة لله تعالى. ١٤ - تحريم الظلم بكل أنواعه. ١٥ - فضل القرآن الكريم.

стр. 1051

(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (٦٠)). [آل عمران: ٥٩ - ٦٠]. (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ) في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب. (كَمَثَلِ آدَمَ) فإن الله خلقه من غير أب ولا أم بل: (خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ). وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ). وقال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ). (ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقاً من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فسادًا، ولكن الرب ، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ). • قال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول ﷺ ، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى، فكذا القول في عيسى ﵇، هذا حاصل الكلام، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس.

стр. 1052

(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال. • وقال ابن عاشور: الخطاب في (فلا تكن من الممترين) للنبي ﷺ والمقصود التعريض بغيره، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لَا أبَ لِعيسى. • وقال ابن عطية: ونهي النبي ﵇ في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره، ولو قيل: فلا تكن ممترياً لكانت هذه الدلالة أقل، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي ﵇ عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله. • وقال الزمخشري: ونهيه عن الامتراء وجل رسول الله ﷺ أن يكون ممترياً من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفاً لغيره. • وقال الآلوسي: قوله تعالى (فَلَا تَكُنْ مّن الممترين) خطاب له ﷺ ، ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه ﵇ كما في قوله تعالى (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين) بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين. إحداهما: أنه ﷺ إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نوراً على نور. وثانيتهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه ﷺ مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك زيادة ثبات له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطفه بغيره، وجوز أن يكون خطاباً لكل من يقف عليه ويصلح للخطاب. الفوائد: ١ - أن آدم خلق من تراب. ٢ - بيان قدرة الله حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب. ٣ - إثبات القول للرب تعالى. ٤ - النهي عن الشك فيما أخبر به الله تعالى. ٥ - أن الله تعالى لا يصدر عنه إلا الحق.

стр. 1053

(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)). [آل عمران: ٦١ - ٦٣]. (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) أي: نحضرهم في حال المباهلة. • قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) المحاجة المجادلة، وسميت المجادلة محاجة، لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، وقوله (فيه) أي: في عيسى، في شأنه وقضيته. (ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي: نلتعن. • قال ابن عاشور: والابتهال مشتق من البهل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً لأن الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول. (فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: منا ومنكم. وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين قدموا فجعلوا يُحَاجّون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صَدْرَ هذه السورة رَدا عليهم. والمباهلة لم تتم بين رسول الله ﷺ وبين النصارى. عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ (جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا. قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً أَمِيناً، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلاَّ أَمِيناً. فَقَالَ «لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلاً أَمِيناً حَقَّ أَمِينٍ». فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ». فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ). وعن ابن عباس، قال (قال أبو جهل: إن رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطَأ على عنقه. قال: فقال: لو فعلَ لأخَذته الملائكةُ عيانًا، ولو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرَجَعوا لا يجدون مالا ولا أهلاً) رواه أحمد. وفي صحيح مسلم (أنه لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً) رواه مسلم.

стр. 1054

• قال ابن تيمية: فلما دعاهم إلى المباهلة طالبوا أن يمهلهم حتى يشتوروا، فاشتوروا فقال بعضهم لبعض تعلمون أنه نبي، وأنه ما باهل قوم نبياً إلا نزل بهم العذاب، فاستعفوا من المباهلة فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون لما خافوا من دعائه عليهم، لعلمهم أنه نبي، فدخلوا تحت حكمه كما يدخل أهل الذمة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله، وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون، وهم أول من أدى الجزية من النصارى. (إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد. (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) تأكيد لوحدانية الله، فهو المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق. • وفي هذا رد النصارى في تثليثهم، وكذا فيه رد على سائر الثنوية. (وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات، وأذعنت له سكان الأرض والسماوات. (الْحَكِيمُ) الذي له الحكمة الكاملة البالغة، الذي يضع الأشياء في مواضعها، وينزلها منازلها. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: عن هذا إلى غيره. (فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر، الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمه. الفوائد: ١ - إثبات أن ما جاء به الرسول حق. ٢ - أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني. ٣ - جواز المباهلة لكن بشرطين: أن تكون في أمر هام، وأن تكون بعلم. ٤ - أنه لا إله حق إلا الله. ٥ - إثبات العزة الكاملة لله تعالى. ٦ - تهديد من تولى عن دين الله. ٧ - أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد.

стр. 1055

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)). [آل عمران: ٦٤]. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ) هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ) والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا. • اختلف في المراد بأهل الكتاب هنا: فقيل: نصارى نجران. وقيل: اليهود. وقيل: اليهود والنصارى. قال الطبري: وإنما قلنا عنى بقوله (يا أهل الكتاب) أهلَ الكتابين، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله (يا أهل الكتاب) بعضًا دون بعض، فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله. واسم"أهل الكتاب"، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا. ثم وصفها: (سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي: عدل، نستوي نحن وأنتم فيها. • قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ نَتَسَاوَى جَمِيعًا فِيهَا؛ إذْ كُنَّا جَمِيعًا عِبَادَ اللَّهِ. ثم فسرها بقوله: (أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) وحده سبحانه، محبة وتعظيماً. (وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) لا وَثَناً، ولا صنماً، ولا صليباً ولا طاغوتاً، ولا نارًا، ولا شيئًا، بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة جميع الرسل: قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ). وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). • والشرك: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
следующие страницы →