Полный текст (1 874 стр.). Показаны 981–1020 · переход к 986.
стр. 981
ثانياً: الجهاد.
عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم إذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواد أبو داود
ثالثاً: التواضع.
قال ﷺ (من تواضع لله رفعه الله) رواه مسلم.
رابعاً: العفو عن الناس.
قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً … ) رواه مسلم.
وعن أبي كبشة الأنماري انه سمع رسول ﷺ يقول (ثلاثة اقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه؛ قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها) رواه الترمذي.
خامساً: العلم.
قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
• قال ابن القيم: العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفاً، ويرفع العبد المملوك حتى جلسه مجالس الملوك.
وقال إبراهيم الحربي: (كان عطاء بن أبي رباح عبداً اسود لامرأة من أهل مكة، وكان انفه كأنه باقلاء، قال وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى أنفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود).
• وقال خيثمة بن سليمان: (سمعت ابن أبي الخناجر يقول: كنا في مجلس يزيد بن هارون والناس قد اجتمعوا إليه، فمر أمير المؤمنين فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس ألوف إلى أصحابه، وقال: هذا الملك … ).
• وقال سفيان الثوري: (من أراد الدنيا والآخرة فعليه بطلب العلم).
стр. 982
(وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) أي: تجعله ذليلاً.
(بِيَدِكَ الْخَيْرُ) كله.
• لماذا لم يذكر الشر مع أن الشر بيده تعالى؟
قيل: ولم يذكر الشر تعليماً لعباده الأدب في خطابه، وترغيباً لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لأن العادة جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيهاً على أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، لأنهما ضدان، كل منهما مساوٍ لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله أعلم.
• قال ابن القيم: وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه:
أحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد،
الثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع) فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه.
الثالث: أن قول النبي ﷺ لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء.
وقد أجاب الشيخ حافظ بن أحمد حكمي عن سؤال مفاده: ما معنى قول النبي ﷺ (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) مع أن الله سبحانه خالق كل شيء؟، فقال: "معنى ذلك أن أفعال الله كلها خير محض، من حيث اتصافه بها، وصدورها عنه، ليس فيها شر بوجه؛ فإنه تعالى حكم عدل، وجميع أفعاله حكمة وعدل، يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها، كما هي معلومة عنده وما كان في نفس المقدور من شر فمن جهة إضافته إلى العبد؛ لما يلحقه من المهالك؛ وذلك بما كسبت يداه جزاء وفاقاً.
стр. 983
كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).
وقال تعالى (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ).
وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ).
(إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك.
الفوائد:
١ - تعليم الله نبيه محمداً ﷺ أن يفوض الأمر إليه.
٢ - بيان تمام ملك الله.
٣ - أن الله يؤتي الملك لمن يشاء.
٤ - تمام ملك الله وسلطانه أيضاً.
٥ - طلب العزة من الله.
٦ - أن الخير بيد الله.
٧ - عموم قدرة الله.
стр. 984
(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)) [آل عمران: ٢٧]
(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة، ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء.
(وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي: يخرج النبات الحي من الحب النوى، الذي هو كالجماد الميت ولهذا قال تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ … )، ويخرج الإنسان من النطفة وهي ميتة، ويخرج الدجاجة من البيضة وهي ميتة، والنبات يخرج من الحبة وهي ميتة. والشجرة تخرج من النواة وهي ميتة.
ويمكن نحمل الحياة على المجاز فنقول: يخرج الابن المؤمن من الأب الكافر، والمؤمن من الضال.
(وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) يخرج النطفة وهي ميتة من الحي وهو الإنسان، والبيضة وهي ميتة تخرج من الحي وهي الدجاجة.
وبالمجاز: نقول: يخرج الابن الكافر من الأب المؤمن، والضال من المهتدي.
قيل: يخرج الدجاج من البيضة، وقيل: يخرج الولد الصالح من الكافر والكافر من الصالح.
• قال الرازي: قوله تعالى (تخرج الحي … ) ذكر المفسرون فيه وجوهاً:
أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح ﵇.
والثاني: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس.
والثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة وبالعكس.
والرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس، قال القفّال ﵀: والكلمة محتملة للكل.
стр. 985
أما الكفر والإيمان فقال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه) يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل قبل ذلك ميتة فقال (يحيي الأرض بعد موتها) وقال (فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا) وقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ).
• وهذه من أعظم الآيات كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ).
(وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بغير تضييق ولا تقتير؛ كما تقول: فلان يعطِي بغير حساب؛ كأنه لا يحسب ما يعطي.
الفوائد:
١ - تمام قدرة الله في كونه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل.
٢ - إثبات حكمة الله تعالى.
٣ - تمام قدرة الله بإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي.
٤ - أن الرزق بيد الله.
٥ - أن عطاء الله بلا عوض.
стр. 986
(لاَّ يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُوْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلاَّ أَن تَتَّقُواْ مِنْهُمْ تُقَاةً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ (٢٨)). [آل عمران: ٢٨].
(لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) نهى الله، ﵎، عباده المؤمنين أن يوالوا الكافرين، وأن يتخذوهم أولياء يُسِرُّون إليهم بالمودة من دون المؤمنين.
كما قال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا).
قال تعالى: (لَا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ … ).
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاء بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ وَمَن يَتَوَلَّهُم مِّنكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).
وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءكُم مِّنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ) قال ابن كثير: هذا مع ما قبله من التهييج على عداوتهم وعدم موالاتهم، لأنهم أخرجوا الرسول وأصحابه من بين أظهرهم، كراهة لما هم عليه من التوحيد وإخلاص العبادة لله وحده.
وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ)
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
стр. 987
وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصاراً وأخلاء من دون المؤمنين، تاركين موالاة المؤمنين معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفار المنعة والقوة والنفوذ، وما علم أولئك السفهاء البلهاء أن العزة لله جميعاً
وقال تعالى (تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
فبين أن الإيمان الحقيقي بالله وبنبيه ﷺ محمد ﷺ مرتبط بعدم موالاة الكفار وتوليهم، فثبوت موالاة الكفار موجب لعدم الإيمان أو نقصه.
ففي هذه الآيات أشد التهديد والوعيد وأعظم الزجر عن موالاة الكافرين.
روى الإمام أحمد عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قلت لعمر ﵁: لي كاتب نصراني. قال: مالك قاتلك الله، أما سمعت قول الله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض) ألا اتخذت حنيفاً قلت: يا أمير المؤمنين لي كتابته وله دينه قال: (لا أكرمهم إذ أهانهم الله، ولا أعزهم إذ أذلهم الله، ولا أدنيهم إذ أقصاهم الله).
عن ابن عباس ﵄ قال: قال رسول ﷺ لأبي ذر (أي عرى الإيمان أوثق؟) قال: الله ورسوله أعلم، قال (الموالاة في الله، والمعاداة في الله، والحب في الله، والبغض في الله). رواه أحمد
стр. 988
وعن أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول ﷺ (ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر كما يكره أن يقذف في النار) متفق عليه.
وقد كان النبي ﷺ يبايع أصحابه على تحقيق هذا الأصل العظيم.
فعن جرير بن عبد الله البجلي ﵁ قال: أتيت النبي ﷺ وهو يبايع، فقلت: يا رسول الله، ابسط يدك حتى أبايعك، واشترِط عليّ فأنت أعلم، قال: (أبايعك على أن تعبد الله، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتناصح المسلمين، وتفارق المشركين).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: إن تحقيق شهادة أن لا إله إلا الله يقتضي أن لا يحب إلا لله، ولا يبغض إلا لله، ولا يوالي إلا لله، ولا يعادي إلا لله، وأن يحبّ ما أحبّه الله، ويبغض ما أبغضه الله.
• قوله تعالى (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ليس معناه يجوز موالاة الكفار اشتراكاً مع المؤمنين، وإنما المعني:
قيل: إن قوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ذُكر للإشارة إلى أن المؤمنين هم الأحق بالموالاة، وأن في موالاتهم مندوحة عن موالاة الكفار.
وقيل: أن هذا ورد على قوم والوا اليهود دون المؤمنين، فهو لبيان الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، فموالاة الكفار حرام مطلقاً.
стр. 989
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) الآية، هذه الآية الكريمة توهم أن اتخاذ الكفار أولياء إذا لم يكن من دون المؤمنين لا بأس به بدليل قوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) وقد جاءت آيات أخر تدل على منع اتخاذهم أولياء مطلقا:
كقوله تعالى (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً).
وكقوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ … ) الآية.
والجواب عن هذا: أن قوله (مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) لا مفهوم له، وقد تقرر في علم الأصول أن دليل الخطاب الذي هو مفهوم المخالفة له موانع تمنع اعتباره، منها كون تخصيص المنطوق بالذكر لأجل موافقته للواقع كما في هذه الآية؛ لأنها نزلت في قوم والَوْا اليهود دون المؤمنين، فنزلت ناهية عن الصورة الواقعة من غير قصد التخصيص بها، بل موالاة الكفار حرام مطلقاً.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) أي: من يرتكب نهي الله في هذا فقد برئ من الله.
• قال ابن جرير (فليس من الله في شيء) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.
• وقال القرطبي: أي: ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذاً من حزب الشيطان وأنصاره.
(إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) أي: إلا من خاف في بعض البلدان أو الأوقات من شرهم، فله أن يتقيهم بظاهره لا بباطنه ونيته، كما حكاه البخاري عن أبي الدرداء أنه قال: إنَّا لَنَكْشرُ فِي وُجُوهِ أقْوَامٍ وَقُلُوبُنَا تَلْعَنُهُمْ.
• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (إلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً) يَعْنِي أَنْ تَخَافُوا تَلَفَ النَّفْسِ وَبَعْضِ الْأَعْضَاءِ فَتَتَّقُوهُمْ بِإِظْهَارِ الْمُوَالَاةِ مِنْ غَيْرِ اعْتِقَادٍ لَهَا، وَهَذَا هُوَ ظَاهِرُ مَا يَقْتَضِيهِ اللَّفْظُ وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ.
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي: فلا تتعرضوا لسخطه بارتكاب معاصيه فيعاقبكم على ذلك.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) تحذير من المخالفة ومن التساهل في دعوى التقية واستمرارها أو طول زمانها.
стр. 990
(وَإِلَى اللَّهِ الْمَصِيرُ) أي: مرجع العباد ليوم التناد، فيحصي أعمالهم ويحاسبهم عليها ويجازيهم، فإياكم أن تفعلوا من الأعمال القباح ما تستحقون به العقوبة، واعملوا ما به يحصل الأجر والمثوبة.
الفوائد:
١ - تحريم موالاة الكفار.
٢ - وجوب بغض الكفار.
٣ - أن اتخاذ الكفار أولياء منافٍ للإيمان.
٤ - وجوب اتخاذ المؤمنين أولياء.
٥ - وجوب حب ما يحبه الله وبغض ما يبغضه.
٦ - تحريم المداهنة لأعداء الله.
٧ - تحذير الله للناس، وهذا لمصلحتهم لكي يخافوا ويرتدعوا عن العصيان.
٨ - أن المصير والمرجع إلى الله.
стр. 991
(قُلْ إِن تُخْفُواْ مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٩)) [آل عمران: ٢٩].
(قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ) يخبر ﵎ عباده أنه يعلم السرائر والضمائر والظواهر، وأنه لا يخفى عليه منهم خافية، بل علمه محيط بهم في سائر الأحوال والآنات واللحظات وجميع الأوقات، وبجميع ما في السموات والأرض، لا يغيب عنه مثقال ذرة، ولا أصغر من ذلك في جميع أقطار الأرض والبحار والجبال. (تفسير ابن كثير).
• فالله تعالى يعلم ما في الصدور ويعلم السر وأخفى.
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
قال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً).
وقال تعالى (اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما نهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء ظاهراً وباطناً واستثنى عنه التقية في الظاهر، أتبع ذلك بالوعيد على أن يصير الباطن موافقاً للظاهر في وقت التقية، وذلك لأن من أقدم عند التقية على إظهار الموالاة، فقد يصير إقدامه على ذلك الفعل بحسب الظاهر سبباً لحصول تلك الموالاة في الباطن، فلا جرم بيّن تعالى أنه عالم بالبواطن كعلمه بالظواهر، فيعلم العبد أنه لا بد أن يجازيه على كل ما عزم عليه في قلبه.
стр. 992
• وقال ابن كثير: وهذا تنبيه منه لعباده على خوفه وخشيته، وألا يرتكبوا ما نهى عنه وما يَبْغضه منهم، فإنه عالم بجميع أمورهم، وهو قادر على معاجلتهم بالعقوبة، وإنْ أنظر من أنظر منهم، فإنه يمهل ثم يأخذ أخذ عزيز مقتدر؛ ولهذا قال بعد هذا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا).
• وقال أبو حيان: المفهوم أن الباري تعالى مطلع على ما في الضمائر، لا يتفاوت علمه تعالى بخفاياها، وهو مرتب على ما فيها الثواب والعقاب إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وفي ذلك تأكيد لعدم الموالاة، وتحذير من ذلك.
(وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) هذا دليل على سعة علمه، وذكر عموم بعد خصوص، فصار علمه بما في صدورهم مذكوراً مرتين على سبيل التوكيد، أحدهما: بالخصوص، والآخر: بالعموم، إذ هم ممن في الأرض.
(وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) إعلام بأنه مع العلم ذو قدرة على كل شيء، وهذا من التهديد؛ إذ المهدد لا يحول بينه وبين تحقيق وعيده إلا أحد أمرين: الجهل بجريمة المجرم، أو العجز عنه، فلما أعلمهم بعموم علمه، وعموم قدرته، علموا أن الله لا يفلتهم من عقابه.
الفوائد:
١ - عموم علم الله تعالى.
٢ - أن الله محيط بكل شيء علماً.
٣ - التحذير من كتم شيء في القلب مما يسخط الله من رياء أو نفاق أو حقد أو نحو ذلك.
٤ - وجوب الاهتمام بالقلب.
٥ - إثبات قدرة الله.
٦ - تهديد للعصاة.
٧ - وجوب الخوف من الله. [الثلاثاء ٢٥/ ٥/ ١٤٣٣ هـ].
стр. 993
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِن سُوَءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفُ بِالْعِبَادِ (٣٠)). [آل عمران: ٣٠].
(يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ) يعني: يوم القيامة يحضر للعبد جميع أعماله من خير وشر.
كما قال تعالى (يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) فما رأى من أعماله حسناً سره ذلك وأفرحه، وما رأى من قبيح ساءه وغاظه.
وقال تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).
• قال الرازي: اعلم أن العمل لا يبقى، ولا يمكن وجدانه يوم القيامة، فلا بد فيه من التأويل وهو من وجهين:
الأول: أنه يجد صحائف الأعمال، وهو قوله تعالى (إِنَّا كُنَّا نَسْتَنسِخُ مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ).
وقال (فَيُنَبّئُهُمْ بِمَا عَمِلُواْ أحصاه الله وَنَسُوهُ).
الثاني: أنه يجد جزاء الأعمال وقوله تعالى (مُّحْضَرًا) يحتمل أن يكون المراد أن تلك الصحائف تكون محضرة يوم القيامة، ويحتمل أن يكون المعنى: أن جزاء العمل يكون محضراً، كقوله (وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِرًا).
وعلى كلا الوجهين، فالترغيب والترهيب حاصلان.
(تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً) وود لو أنه تبرأ منه، وأن يكون بينهما أمد بعيد، كما يقول لشيطانه الذي كان مقترنًا به في الدنيا، وهو الذي جرَّأه على فعل السوء (يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ).
(وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ) أي: يخوفكم عقابه.
ثم قال مرجيًا لعباده لئلا ييأسوا من رحمته ويقنطوا من لطفه.
стр. 994
(وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) أي: إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة.
وقال الخطابي: الرؤوف هو الرحيم العاطف برأفته على عباده.
وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها.
قال الحسن البصري: من رأفته بهم حذرهم نفسه.
• فمن رأفته بنا، أنه خوفنا من عقوبته وعذابه، ونهانا عن معصيته، قبل أن يلقاه العبد يوم القيامة ليستعد للقائه، ويتجنب سخطه وغضبه (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ).
ومن رأفته أنه أرسل رسله وأنزل كتبه التي تبين شرعه، لينقذ الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والهداية (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
ومن رأفته أنه يقبل توبة التائبين، ولا يُرد عن بابه العاصين المنيبين، مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
ومن رأفته: تسخيره لما في السماوات وما في الأرض لمصلحة الإنسان ومنفعته، وخلقه الأنعام ليركب على ظهرها فتحمله المسافات الشاسعة، هو ومتاعه وزاده (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ).
стр. 995
• قال الرازي: قوله تعالى (وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) فيه وجوه:
الأول: أنه رؤوف بهم حيث حذرهم من نفسه، وعرفهم كمال علمه وقدرته، وأنه يمهل ولا يهمل، ورغبهم في استيجاب رحمته، وحذرهم من استحقاق غضبه، قال الحسن: ومن رأفته بهم أن حذرهم نفسه.
الثاني: أنه رؤوف بالعباد حيث أمهلهم للتوبة والتدارك والتلافي.
• وقال ابن عطية: قوله تعالى (والله رؤوف بالعباد) يحتمل أن يكون إشارة إلى التحذير لأن تحذيره وتنبيهه على النجاة رأفة منه بعباده، ويحتمل أن يكون ابتداء إعلام بهذه الصفة فمقتضى ذلك التأنيس لئلا يفرط الوعيد على نفس مؤمن، وتجيء الآية على نحو قوله تعالى (إن ربك لشديد العقاب، وإنه لغفور رحيم) لأن قوله (ويحذركم الله نفسه) والله محذور العقاب.
• قال السمرقندي: ذكر في أول هذه الآية عدله في قوله (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَّا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُّحْضَرًا)، وفي وسطها تخويف وتهديد وهو قوله (وَيُحَذّرُكُمُ الله نَفْسَهُ) وفي آخرها ذكر رأفته ورحمته وهو قوله (والله رَءوفٌ بالعباد).
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (بالعباد) والتعريف في العباد للاستغراق: لأن رأفة الله شاملة لكل الناس مسلمهم وكافرهم (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِمَا كَسَبُوا مَا تَرَكَ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ دَابَّةٍ) (اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ) وما وعيدهم إلا لجلب صلاحهم، وما تنفيذه بعد فوات المقصود منه إلا لصدق كلماته، وانتظام حكمته سبحانه.
الفوائد:
١ - التحذير والتذكير لهذا اليوم العظيم الذي يجد فيه الإنسان ما عمل من خير أو شر.
٢ - تذكر يوم القيامة والاستعداد له.
٣ - كمال قدرة الله.
٤ - إثبات اليوم الآخر.
٥ - أن الشر يسوء صاحبه.
٦ - رحمة الله بعباده، حيث حذرهم نفسه.
٧ - إثبات الرأفة لله.
стр. 996
(قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٣١)). [آل عمران: ٣١].
(قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي) هذه الآية الكريمة حاكمة على كل من ادعى محبة الله، وليس هو على الطريقة المحمدية فإنه كاذب في دعواه في نفس الأمر، حتى يتبع الشرع المحمدي والدين النبوي في جميع أقواله وأحواله، كما ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال (مَنْ عَمِلَ عَمَلا لَيْسَ عليه أمْرُنَا فَهُوَ رَدُّ).
• قال ابن القيم: قال بعض السلف ادعى قوم محبة الله، فأنزل الله آية المحنة (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي)
فمتابعة الرسول قولاً وفعلاً دليل على محبة الله تعالى.
(يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ) هذه الثمرة الأولى، وما أعظمها من ثمرة.
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فاتبعوني يُحْبِبْكُمُ الله) الآية.
صرح تعالى: في هذه الآية الكريمة أن اتباع نبيه موجب لمحبته جلا وعلا ذلك المتبع، وذلك يدل على أن طاعة رسول الله ﷺ هي عين طاعته تعالى، وصرح بهذا المدلول في قوله تعالى (مَّنْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله) وقال تعالى (وَمَآ آتَاكُمُ الرسول فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فانتهوا).
• قال ابن القيم: قوله تعالى (يحببكم الله) إشارة إلى دليل المحبة وثمرتها، وفائدتها، فدليلها وعلامتها: اتباع الرسول، وفائدتها وثمرتها: محبة المرسِل لكم، فما لم تحصل المتابعة، فليست محبتكم له حاصلة، ومحبته لكم منتفية.
стр. 997
وقال ﵀: فجعل سبحانه متابعة رسوله سبباً لمحبتهم له وكون العبد محبوبا لله أعلى من كونه محبا لله فليس الشأن أن تحب الله ولكن الشأن أن يحبك الله فالطاعة للمحبوب عنوان محبته كما قيل.
تعصي الإله وأنت تزعم حبه … هذا محال في القياس بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته … إن المحب لمن يحب مطيع.
• وقال السعدي: هذه الآية فيها وجوب محبة الله، وعلاماتها، ونتيجتها، وثمراتها، فقال (قل إن كنتم تحبون الله) أي: ادعيتم هذه المرتبة العالية، والرتبة التي ليس فوقها رتبة فلا يكفي فيها مجرد الدعوى، بل لا بد من الصدق فيها، وعلامة الصدق اتباع رسوله ﷺ في جميع أحواله، في أقواله وأفعاله، في أصول الدين وفروعه، في الظاهر والباطن، فمن اتبع الرسول دل على صدق دعواه محبة الله تعالى، وأحبه الله وغفر له ذنبه، ورحمه وسدده في جميع حركاته وسكناته، ومن لم يتبع الرسول فليس محبا لله تعالى، لأن محبته لله توجب له اتباع رسوله، فما لم يوجد ذلك دل على عدمها وأنه كاذب إن ادعاها، مع أنها على تقدير وجودها غير نافعة بدون شرطها، وبهذه الآية يوزن جميع الخلق، فعلى حسب حظهم من اتباع الرسول يكون إيمانهم وحبهم لله، وما نقص من ذلك نقص.
• قال الحسن: اعلم أنك لن تحب الله حتى تحب طاعته، وسئل ذو النون متى أحب ربي؟ قال إذا كان ما يبغضه عندك أمر من الصبر.
وقال بشر بن السري: ليس من أعلام الحب أن تحب ما يبغض حبيبك.
وقال يحيى بن معاذ: ليس بصادق من ادعى محبة الله ولم يحفظ حدوده.
стр. 998
(وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ) هذه الثمرة الثانية، والمغفرة: التجاوز عن الذنب مع الستر، والمعنى: يمحو الله عنكم الذنوب والآثام ويسترها.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ) الغفور اسم من أسماء الله تعالى، فيجب إثبات ذلك، وهو أيضاً هو دال على صفة المغفرة الواسعة لله تعالى كما سبحانه (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ)، والمغفرة - كما سبق - ستر الذنب عن الخلق والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة، أن رسول الله ﷺ (يدنى المؤمن يوم القيامة من ربه، حتى يضع عليه كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه ورأى في نفسه أنه هلك قال الله : سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) متفق عليه.
ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.
(رَحِيمٌ) الرحيم اسم من أسماء الله، فيجب إثبات ذلك، وهو متضمن لصفة الرحمة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
ورحمته تنقسم إلى قسمين:
رحمة ذاتية ثابتة لله تعالى.
ورحمة فعليه يوصلها من شاء من عباده كما قال تعالى (يَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ)، والرحمة الفعلية تنقسم أيضاً إلى قسمين:
رحمة عامة لجميع الخلق في الدنيا والآخرة.
ورحمة خاصة بالمؤمنين في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً) ومن رحمته بهم عدم المؤاخذة على الخطأ.
الفوائد:
١ - وجوب محبة الرسول.
٢ - أن اتباع النبي ﷺ سبب لمحبة الله للعبد.
٣ - فضل اتباع الرسول: أولاً: محبة الله، ثانياً: مغفرة الذنوب.
٤ - أن محبة الله ليس بالكلام والدعاوى.
٥ - إثبات المحبة لله تعالى.
٦ - أن اتباع الرسول سبب لمغفرة الذنوب.
стр. 999
(قُلْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ (٣٢)). [آل عمران: ٣٢].
(قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَالرَّسُولَ) الطاعة: موافقة الأمر، وذلك بفعل الأمر، وترك المحظور، ولهذا أخذتْ من المطاوعة وهي الانقياد.
• قوله تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) الرسول هنا محمد ﷺ و (أل) للعهد الذهني أي: الرسول المعهود محمداً، والرسول تعريفه: هو من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه.
• وقد جاءت آيات كثيرة تأمر بطاعة الله وطاعة رسوله ﷺ .
قال تعالى (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ).
وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا).
قال تعالى (قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ).
وقال تعالى (وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَإِنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ).
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: خالفوا عن أمره.
(فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) فيجب أن نبغضهم ونحاربهم.
стр. 1000
• قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْكَافِرِينَ) هذا إظهار في مقام الإضمار، لأن الأصل أن يقول: فإن تولوا فإن الله لا يحبهم، وذلك لفائدة:
النص على علة السبب، فلما قال ( … لا يحب الكافرين) علم أن سبب عدم محبتهم هو كفرهم، وأن توليهم وعدم الطاعة سببه الكفر.
وفائدة أخرى: أن الله لا يحب كل كافر.
الفوائد:
١ - وجوب طاعة الله ورسوله.
٢ - أن طاعة الرسول من طاعة الله.
٣ - الرد على من قال: إن السنة لا يعمل بها إلا ما وافق القرآن.
٤ - إثبات رسالة النبي ﷺ .
٥ - وجوب بغض الكافرين.
٦ - وجوب محبة المؤمنين.
٧ - ذم التولي والإعراض عن دين الله.
стр. 1001
(إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ وَنُوحًا وَآلَ إِبْرَاهِيمَ وَآلَ عِمْرَانَ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٣) ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِن بَعْضٍ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٣٤)) [آل عمران: ٣٣ - ٣٤].
(إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى آدَمَ) يخبر تعالى أنه اختار هذه البيوت على سائر أهل الأرض، فاصطفى آدم ﵇ خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه،
وأسجد له ملائكته، وعلمه أسماء كل شيء، وأسكنه الجنة ثم أهبطه منها، لما له في ذلك من الحكمة.
• وهو نبي ليس برسول.
لقوله تعالى (إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِنْ بَعْدِهِ). فجعل النبيين من بعد نوح.
وفي حديث الشفاعة الطويل (أن الناس يأتون إلى نوح فيقولون له: أنت أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض).
(وَنُوحاً) واصطفى نوحاً ﵇ وجعله أول رسول [بعثه] إلى أهل الأرض، لما عبد الناس الأوثان، وأشركوا في دين الله ما لم ينزل به سلطاناً، وانتقم له لما طالت مدته بين ظَهْرَاني قومه، يدعوهم إلى الله ليلا ونهارًا، سرا وجهارًا، فلم يزدهم ذلك إلا فرارًا، فدعا عليهم، فأغرقهم الله عن آخرهم، ولم يَنْجُ منهم إلا من اتبعه على دينه الذي بعثه الله به.
(وَآلَ إِبْرَاهِيمَ) واصطفى آل إبراهيم، ومنهم: سيد البشر وخاتم الأنبياء على الإطلاق محمد ﷺ .
(وَآلَ عِمْرَانَ) والمراد بعمران هذا: هو والد مريم بنت عمران، أم عيسى ابن مريم، ﵈.
стр. 1002
• قال الرازي: قوله تعالى (إن الله اصطفى .. ) في الآية قولان:
الأول: المعنى أن الله اصطفى دين آدم ودين نوح فيكون الاصطفاء راجعاً إلى دينهم وشرعهم وملتهم، ويكون هذا المعنى على تقدير حذف المضاف.
والثاني: أن يكون المعنى: إن الله اصطفاهم، أي صفاهم من الصفات الذميمة، وزينهم بالخصال الحميدة، وهذا القول أولى لوجهين:
أحدهما: أنا لا نحتاج فيه إلى الإضمار.
والثاني: أنه موافق لقوله تعالى (الله أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رسالته).
(عَلَى الْعَالَمِينَ) جمع عالم، وهم كل من سوى الله.
• قال ابن الجوزي: وإنما خصّ هؤلاء بالذكر، لأن الأنبياء كلهم من نسلهم.
(ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) وفي معنى هذه البعضية قولان.
أحدهما: أن بعضهم من بعض في التناصُر والدين، لا في التناسل، وهو معنى قول ابن عباس، وقتادة.
والثاني: أنه في التسلسل، لأن جميعهم ذرية آدم، ثم ذرية نوح، ثم ذرية إبراهيم، ذكره بعض أهل التفسير.
• قال الرازي: قوله تعالى (ذُرِّيَّةً بَعْضُهَا مِنْ بَعْضٍ) في تأويل الآية وجوه:
لأول: ذرية بعضها من بعض في التوحيد والإخلاص والطاعة، ونظيره قوله تعالى (المنافقون والمنافقات بَعْضُهُمْ مّن بَعْضٍ) وذلك بسبب اشتراكهم في النفاق.
والثاني: ذرية بعضها من بعض بمعنى أن غير آدم ﵇ كانوا متولدين من آدم ﵇، ويكون المراد بالذرية من سوى آدم.
стр. 1003
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) لأقوال العباد.
(عَلِيمٌ) عليم بضمائرهم وأفعالهم، عليم بمن يصلح للاصطفاء.
الفوائد:
١ - فضل هؤلاء الأنبياء.
٢ - أن الله يختار من خلقه ما شاء الله كما قال تعالى (وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ سُبْحَانَ اللَّهِ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ).
٣ - أن التفاضل كما يكون في الأعمال يكون في الأعيان.
٤ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.
стр. 1004
(إِذْ قَالَتِ امْرَأَةُ عِمْرَانَ رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي مُحَرَّرًا فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (٣٥) فَلَمَّا وَضَعَتْهَا قَالَتْ رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنثَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنثَى وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ وِإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ (٣٦) فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ وَأَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٣٧)). [آل عمران: ٣٥ - ٣٧].
(إِذْ قَالَتِ امْرَأَتُ عِمْرَانَ) امرأة عمران هذه أم مريم بنت عمران
(رَبِّ إِنِّي نَذَرْتُ لَكَ مَا فِي بَطْنِي) أي: نذرت لعبادتك وطاعتك ما أحمله في بطني.
(مُحَرَّراً) أي: خالصاً مفرغاً للعبادة، ولخدمة بيت المقدس.
(فَتَقَبَّلْ مِنِّي) أي: تقبل مني هذا التقرب إليك.
(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ) لدعائي.
(الْعَلِيمُ) بنيتي.
• أهل الخير والصلاح يعملون أعمالاً صالحة ولا يغترون بها، بل يسألون الله القبول.
فهذا هو الخليل وولده إسماعيل يرفعان القواعد من البيت ويقولان (رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ)
وهؤلاء عباد الرحمن يبيتون لربهم سجداً وقياماً ومع ذلك يقولون (رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً. إِنَّهَا سَاءَتْ مُسْتَقَرّاً وَمُقَاماً).
وقال تعالى (إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
стр. 1005
وقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).
وقد روى الترمذي في جامعه عن عائشة ﵂ قالت: سألت رسول الله ﷺ عن هذه الآية، فقلت: أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: لا، يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يتقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات).
والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف، ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.
وقال تعالى (إنَّ الَذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
قال ابن القيم: والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ).
ثم قال: ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير - بل التفريط - والأمن، فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.
وذكر عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وكان يبكي كثيراً ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.
وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله .
وهذا عمر قرأ سورة الطور حنى بلغ (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه.
وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وهذا عثمان كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته.
وهذا علي اشتد بكاؤه وخوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى.
وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشّراك البالي من الدموع.
وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد وددت أني لم أخلق.
стр. 1006
وقال ابن أبي مليْكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم خاف على نفسه النفاق ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
وقال الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق.
وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً.
(فَلَمَّا وَضَعَتْهَا) أي: وضعت أنثى.
(قَالَتْ) على وجه الاعتذار.
(رَبِّ إِنِّي وَضَعْتُهَا أُنْثَى) لأنه ليس من العادة أن الأنثى تخدم المسجد.
قال ابن عباس: إنما قالت هذا لأنه لم يكن يقبل في النذر إلا الذكور فقبل الله مريم.
• قال الرازي: اعلم أن الفائدة في هذا الكلام أنه تقدم منها النذر في تحرير ما في بطنها، وكان الغالب على ظنها أنه ذكر فلم تشترط ذلك في كلامها، وكانت العادة عندهم أن الذي يحرر ويفرغ لخدمة المسجد وطاعة الله هو الذكر دون الأنثى فقالت (رَبّ إِنّي وَضَعْتُهَا أنثى) خائفة أن نذرها لم يقع الموقع الذي يعتمد به ومعتذرة من إطلاقها النذر المتقدم فذكرت ذلك لا على سبيل الإعلام لله تعالى، تعالى الله عن أن يحتاج إلى إعلامها، بل ذكرت ذلك على سبيل الاعتذار.
(وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) قرئ برفع التاء على أنها تاء المتكلم، وأن ذلك من تمام قولها، وقُرئ بتسكين التاء على أنه من قول الله .
• قال الآلوسي: قوله تعالى (والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) ليس المراد الرد عليها في إخبارها بما هو سبحانه أعلم به كما يتراءى من السياق بل الجملة اعتراضية سيقت لتعظيم المولود الذي وضعته وتفخيم شأنه والتجهيل لها بقدره أي والله أعلم بالشيء الذي وضعته وما علق به من عظائم الأمور ودقائق الأسرار وواضح الآيات، وهي غافلة عن ذلك كله.
стр. 1007
• قال ابن عادل: قوله تعالى (والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) قرأ ابن عامر وأبو بكر " وَضَعْتُ " بتاء المتكلم - وهو من كلام أمِّ مَرْيَمَ خاطبت بذلك نفسَها؛ تَسَلِّياً لها واعتذاراً للهِ تعالى؛ حيث أتت بمولود لا يصلح لما نذرته من سدانة بيت المقدس.
• وقرأ الباقون (وَضَعَتْ) بتاء التأنيث الساكنةِ - على إسناد الفعل لضمير أم مريم، وهو من كلام الباري تعالى.
قال الزمخشريُّ: ولتكلُّمها بذلك على وجه التحسُّر والتحزُّن قال الله تعالى (والله أَعْلَمُ بِمَا وَضَعَتْ) تعظيماً لموضوعها، وتجهيلاً لها بقدر ما وُهِبَ لها منه، ومعناه: والله أعلم بالشيء الذي وضعت، وما علق به من عظائم الأمور، وأن يجعله وولده آيةً للعالمين، وهي جاهلة بذلك لا تعلم منه شيئاً فلذلك تحسرت.
(وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالْأُنْثَى) أي: في القوة والجَلَد في العبادة وخدمة المسجد الأقصى.
فالذكر يصح أن يستمر على خدمة موضع العبادة، ولا يصح ذلك في الأنثى لمكان الحيض وسائر عوارض النسوان.
والذكر يصلح لقوته وشدته للخدمة دون الأنثى فإنها ضعيفة لا تقوى على الخدمة.
و الذكر لا يلحقه عيب في الخدمة والاختلاط بالناس وليس كذلك الأنثى.
والذكر لا يلحقه من التهمة عند الاختلاط ما يلحق الأنثى فهذه الوجوه تقتضي فضل الذكر على الأنثى في هذا المعنى.
(وَإِنِّي سَمَّيْتُهَا مَرْيَمَ) أي: أسميت هذه الأنثى مريم.
• قال الرازي: أن ظاهر هذا الكلام يدل على ما حكينا من أن عمران كان قد مات في حال حمل حنة بمريم، فلذلك تولت الأم تسميتها، لأن العادة أن ذلك يتولاه الآباء.
ثم قال: أن مريم في لغتهم: العابدة، فأرادت بهذه التسمية أن تطلب من الله تعالى أن يعصمها من آفات الدين والدنيا.
• قال ابن كثير: فيه دلالة على جواز التسمية يوم الولادة كما هو الظاهر من السياق؛ لأنه شرع من قبلنا، وقد حكي مقررًا، وبذلك ثبتت السنة عن رسول الله ﷺ حيث قال (وُلِدَ لِي اللَّيْلَةَ وَلَد سَمَّيْتُهُ بِاسْمِ أبِي إبْرَاهِيمَ". أخرجاه.
стр. 1008
وكذلك ثبت فيهما (أن أنس بن مالك ذهب بأخيه، حين ولدته أمه، إلى رسول الله ﷺ فَحَنَّكه وسماه عبد الله).
وفي صحيح البخاري (أن رجلا قال: يا رسول الله، وُلِدَ لي وَلَد، فما أُسمِّيه؟ قال: "اسْم وَلدِك عَبْد الرَّحْمَنِ).
(وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) أي: عَوَّذتها بالله، ، من شر الشيطان، وعوذت ذريتها، وهو ولدها عيسى، ﵇. فاستجاب الله لها ذلك.
عن أبي هريرة، ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (مَا مِن مَوْلُودٍ يُولَدُ إلا مَسَّه الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ، فَيَسْتَهِلّ صَارخًا مِنْ مَسِّهِ إيَّاهُ، إلا مَرْيَمَ وابْنَهَا". ثم يقول أبو هريرة: اقرأوا إن شئتم: وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ) متفق عليه.
• وذريتها: لم يكن لها ذرية إلا عيسى.
(فَتَقَبَّلَهَا رَبُّهَا بِقَبُولٍ حَسَنٍ) يخبر ربنا أنه تقبلها من أمها نذيرة، وأنه:
(وَأَنْبَتَهَا نَبَاتاً حَسَناً) أي: جعلها شكلاً مليحاً ومنظراً بهيجاً، ويَسر لها أسباب القبول، وقرنها بالصالحين من عباده تتعلم منهم الخير والعلم والدين.
(وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا) وإنما قدر الله كون زكريا كافلها لسعادتها، لتقتبس منه علماً جماً نافعًا وعملا صالحًا؛ ولأنه كان زَوْجَ خالتها، على ما ذكره ابن إسحاق وابن جرير وغيرهما، وقيل: زوج أختها، كما ورد في الصحيح (فإذا بِيحيى وعِيسَى، وَهُمَا ابْنَا الخَالَةِ).
• قال ابن عاشور: عد هذا في فضائل مريم، لأنه من جملة ما يزيد فضلها، لأن أبا التربة يكسب خلقه وصلاحه مرباه.
(كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ) وهو مكان العبادة، وليس هو المحراب الموجود في المساجد الآن.
• قال ابن عاشور: والمحراب بناء يتخذه أحد ليخلو فيه بتعبده وصلاته، وأكثر ما يتخذ في علو يرتقي إليه بسلم أو درج، وهو غير المسجد.
стр. 1009
(وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً) أي: من غير كسب ولا تعب، بل رزق ساقه الله إليها، وكرامة أكرمها الله بها.
وهي منقطعة للعبادة دائماً.
• قال ابن كثير: قال مجاهد، وعكرمة، وسعيد بن جبير، وأبو الشعثاء، وإبراهيم النخَعيّ، والضحاك، وقتادة، والربيع بن أنس، وعطية العَوْفي، والسُّدِّي يعني وجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء وفاكهة الشتاء في الصيف.
وعن مجاهد (وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا) أي: علماً، أو قال: صحفًا فيها علم. رواه ابن أبي حاتم، والأول أصح، وفيه دلالة على كرامات الأولياء. وفي السنة لهذا نظائر كثيرة.
• قال أبو حيان: والذي يدل عليه ظاهر الآية أن الذي كفلها بالتربية هو زكريا لا غيره، فإن الله تعالى كفاه لما كفلها مؤونة رزقها، ووضع عنه بحسن التكفل مشقة التكلف، و (كلما) تقتضي التكرار، فيدل على كثرة تعهده وتفقده لأحوالها.
ودلت الآية على وجود الرزق عندها كل وقت يدخل عليها، والمعنى: أنه غذاء يتغذى به لم يعهده عندها، ولم يوجهه هو.
وأَبْعَدَ من فسر الرزق هنا بأنه فيض كان يأتيها من الله من العلم والحكمة من غير تعليم آدمي، فسماه رزقاً.
قال الراغب: واللفظ محتمل، انتهى، وهذا شبيه بتفسير الباطنية.
(قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا) يقول: من أين لك هذا؟
• قال أبو حيان: قوله تعالى (قال يا مريم أنَّى لك هذا قالت هو من عند الله) استغرب زكريا وجود الرزق عندها وهو لم يكن أتى به، وتكرر وجوده عندها كلما دخل عليها، فسأل على سبيل التعجب من وصول الرزق إليها، وكيف أتى هذا الرزق؟ و: أنَّى، سؤال عن الكيفية وعن المكان وعن الزمان، والأظهر أنه سؤال عن الجهة، فكأنه قال: من أي جهة لك هذا الرزق؟ ولذلك قال أبو عبيدة: معناه من أين؟ ولا يبعد أن يكون سؤالاً عن الكيفية، أي كيف تهيأ وصول هذا الرزق إليك.
(قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) ظاهره أنه لم: يأت به آدمي ألبتة، بل هو رزق يتعهدني به الله تعالى.
• قال الماوردي: قوله تعالى (قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ) فيه قولان:
أحدهما: أن الله تعالى كان يأتيها بالرزق.
والثاني: أن بعض الصالحين من عباده سخره الله تعالى لها لطفاً منه بها حتى يأتيها رزقها. والأول أشبه.
• وقال أبو حيان: وهذا الخارق العظيم قيل: هو بدعوة زكريا لها بالرزق، فيكون من خصائص زكريا وقيل: كان تأسيساً لنبوّة ولدها عيسى.
стр. 1010
وهذان القولان شبيهان بأقوال المعتزلة حيث ينفون وجود الخارق على غير النبي، إلا إن كان ذلك في زمان نبي، فيكون ذلك معجزة لذلك النبي.
والظاهر أنها كرامة خص الله بها مريم، ولو كان خارقاً لأجل زكريا لم يسأل عنه زكريا، وأما كون ذلك لأجل نبوة عيسى، فهو كان لم يخلق بعد.
قال الزجاج: وهذا الخارق من الآية التي قال تعالى (وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ).
(إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: بغير مكافأة ومن غير تعب ولا جد.
• وهذا يحتمل أن يكون من جملة كلام مريم، وأن يكون من كلام الله ، وقوله (بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بغير تقدير لكثرته، أو من غير مسألة سألها على سبيل يناسب حصولها، وهذا كقوله (وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).
ورجح الطبري أنه من كلام الله تعالى لنبيه ﷺ فقال: (إنّ الله يَرْزُقُ مَن يشاء بغير حساب) فخبرٌ من الله أنه يسوق إلى من يشاء من خلقه رزقَه، بغير إحصاء ولا عدد يحاسب عليه عبدَه. لأنه جل ثناؤه لا ينقصُ سَوْقُه ذلك إليه كذلك خزائنَه، ولا يزيدُ إعطاؤه إياه، ومحاسَبته عليه في مُلكه، وفيما لديه شيئًا، ولا يعزب عنه علمُ ما يرزقه، وإنما يُحاسب مَنْ يعطي مَا يعطيه، مَنْ يخشى النقصانَ من ملكه، ودخولَ النفاد عليه بخروج ما خرج من عنده بغير حساب معروف، ومن كان جاهلا بما يعطى على غير حساب.
стр. 1011
• قوله تعالى (من يشاء) ليعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، هي مشيئة مقرونه بالحكمة، والدليل على ذلك، قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله، بيّن أن ذلك مبني عن علم وحكمة.
الفوائد:
١ - تعظيم هذه القصة، لأن الله أمر رسوله ﷺ أن يبينها للناس.
٢ - عبادة هذه الأسرة لله تعالى.
٣ - النية الصالحة في تربية الأبناء.
٤ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.
٥ - اعتذار الإنسان عن ربه إذا وقع الأمر خلاف ذلك.
٦ - التوسل إلى الله بربوبيته.
٧ - أنه لا يستوي الذكور والإناث.
٨ - جواز تسمية المولود حين يولد.
٩ - مشروعية إعاذة الإنسان أبناءه من الشيطان.
١٠ - إثبات عداوة الشيطان للإنسان.
١١ - أن الله منّ على هذه الطفلة بشيئين: بالقبول الحسن، والنبات الحسن.
١٢ - أن الله قد ييسر للإنسان من يكفله من أهل الخير.
١٣ - أن الأنبياء لا يعلمون الغيب.
١٤ - إثبات أن الله يرزق من يشاء بغير حساب.
стр. 1012
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِن لَّدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاء (٣٨) فَنَادَتْهُ الْمَلآئِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِّنَ اللَّهِ وَسَيِّدًا وَحَصُورًا وَنَبِيًّا مِّنَ الصَّالِحِينَ (٣٩) قَالَ رَبِّ أَنَّىَ يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاء (٤٠) قَالَ رَبِّ اجْعَل لِّيَ آيَةً قَالَ آيَتُكَ أَلاَّ تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلاَّ رَمْزًا وَاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ (٤١)). [آل عمران: ٣٨ - ٤١].
(هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) لما رأى زكريا، ﵇، أن الله تعالى يرزق مريم، ﵍، فاكهة الشتاء في الصيف، وفاكهة الصيف في الشتاء، طمع حينئذ في الولد، وإن كان شيخاً كبيراً قد ضعف ووَهَن منه العظم، واشتعل رأسه شيبا، وإن كانت امرأته مع ذلك كبيرة وعاقرًا، لكنه مع هذا كله سأل ربه وناداه نداء خَفياً.
• قال في التسهيل (هُنَالِكَ) إشارة إلى مكان، وقد يستعمل في الزمان، وهو الأظهر هنا أي: لما رأى زكريا كرامة الله تعالى لمريم سأل مِنَ اللِه.
(قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ) أي: من عندك.
(ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: ولداً صالحاً، والمراد هنا ولداً صالحاً كما قال تعالى ( … فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ).
• قال السعدي: قوله تعالى (ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً) أي: طاهرة الأخلاق، طيبة الآداب، لتكمل النعمة الدينية والدنيوية بهم. فاستجاب له دعاءه.
стр. 1013
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ) أي: في ذلك المكان، قبل أن يخرج، وقد نبهه إلى الدعاء مشاهدة خوارق العادة مع قول مريم (إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) والحكمة ضالة المؤمن، وأهل النفوس الزكية يعتبرون بما يرون ويسمعون، فلذلك عمد إلى الدعاء بطلب الولد في غير إبانه، وقد كان في حسرة من عدم الولد كما حكى الله عند في سورة مريم، وأيضاً فقد كان حينئذ في مكان شهد فيه فيضاً إلهياً، ولم يزل أهل الخير يتوخون الأمكنة بما حدث فيها من خير، والأزمنة الصالحة كذلك، وما هي إلا كالذوات الصالحة في أنها محال تجليات رضا الله.
وسأل الذرية الطيبة لأنها التي يرجى منها خير الدنيا والآخرة بحصول الآثار الصالحة النافعة.، ومشاهدة خوارق العادات خولت لزكريا الدعاء بما هو من الخوارق، أو من المستبعدات، لأنه رأى نفسه غير بعيد عن عناية الله تعالى، لا سيما في زمن الفيض أو مكانه، فلا يعد دعاؤه بذلك تجاوزا لحدود الأدب مع الله.
• قال القرطبي: دلّت هذه الآية على طلب الولد، وهي سُنّة المرسلين والصدّيقين.
قال الله تعالى (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ وَجَعَلْنَا لَهُمْ أَزْوَاجاً وَذُرِّيَّةً).
وفي صحيح مسلم عن سعد بن أبي وَقّاص قال: أراد عثمان أن يتبتّل فنهاه رسول الله ﷺ ، ولو أجاز له ذلك لاختصينا.
وقد ترجم البخاري على هذا (باب طلب الولد) وقال ﷺ لأبى طَلْحة حين مات ابنه (أعْرَسْتم الليلة؟ قال نعم قال: بارك الله لكما في غابر ليلتكما، قال فحملت.
وفي البخاري: قال سفيان فقال رجل من الأنصار: فرأيت تسعة أولاد كلهم قد قرأوا القرآن.
وترجم أيضاً (باب الدعاء بكثرة الولد مع البركة) وساق حديث أنس بن مالك قال قالت " أم سُليم: يا رسول الله، خادمك أنس أدع الله له، فقال: اللّهُمّ أكثر ماله وولده وبارك له فيما أعطيته.
وقال ﷺ (الّلهُمّ اغفر لأبي سَلَمة وارفع درجته في المهديَّين فيما واخلفه في عَقِبه في الغابرين).
وقال ﷺ (تزوجوا الوَلود الوَدود فإني مكاثر بكم الأمم) أخرجه أبو داود.
والأخبار في هذا المعنى كثيرة تحث على طلب الولد وتندب إليه؛ لما يرجوه الإنسان من نفعه في حياته وبعد موته.
قال ﷺ (إذا مات أحدكم انقطع عمله إلا من ثلاث" فذكر: أو ولد صالح يدعو له) ولو لم يكن إلا هذا الحديث لكان فيه كفاية. (تفسير القرطبي).
стр. 1014
(إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ) ليس المراد منه أن يسمع صوت الدعاء فذلك معلوم، بل المراد منه أن يجيب دعاءه ولا يخيب رجاءه، وهو كقول المصلين: سمع الله لمن حمده، يريدون قبل حمد من حمد من المؤمنين، وهذا متأكد بما قال تعالى حكاية عن زكريا ﵇ في سورة مريم (وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبّ شَقِيّاً).
كما قال تعالى عنه في سورة مريم (كهيعص. ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا. إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا. قَالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْبًا وَلَمْ أَكُنْ بِدُعَائِكَ رَبِّ شَقِيًّا. وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا. يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ وَاجْعَلْهُ رَبِّ رَضِيًّا. يَا زَكَرِيَّا إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا. قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِرًا وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيًّا. قَالَ كَذَلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً).
• ففي قوله تعالى (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيّاً) اختلف المفسرون لماذا دعاء ربه خفياً (أي سراً)؟
القول الأول: أخفاه من قومه لئلا يلام على مسألة الولد عند الكبر.
القول الثاني: لئلا ينسب في طلب الولد إلى الرعونة لكبره.
القول الثالث: إنه أخفاه لأنه طلب أمر دنيوي.
القول الرابع: لأنه أقرب إلى الإخلاص وأبعد من الرياء.
ورجح هذا القول: الطبري، وابن الجوزي، والرازي، والآلوسي، وابن عاشور، والقاسمي، والشنقيطي، والسعدي.
قال الطبري: قوله تعالى (إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاءً خَفِيًّا) يقول حين دعا ربه، وسأله بنداء خفي، يعنى: وهو مستسرّ بدعائه ومسألته إياه ما سأل، كراهة منه للرياء.
وقال ابن الجوزي: وهذه القصة تدل على أن المستحب إِسرار الدعاء، ومنه الحديث: إِنكم لا تدعون أصم.
وقال السعدي: … وناداه نداء خفياً، ليكون أكمل وأفضل وأتم إخلاصاً.
وقال الشنقيطي: والأظهر: أن السر في إخفائه هو ما ذكرنا من كون الإخفاء أفضل من الإعلان في الدعاء.
• وقد ذكر ابن القيم فوائد إخفاء الدعاء فقال:
أحدها: أنه أعظم إيمانا لأن صاحبه يعلم أن الله تعالى يسمع دعاءه الخفي وليس كالذي قال أن الله يسمع إن جهرنا ولا يسمع إن أخفينا.
ثانيها: أنه أعظم في الأدب والتعظيم ولهذا لا تخاطب الملوك ولا تسأل برفع الأصوات وإنما تخفض عندهم الأصوات ويخف عندهم الكلام بمقدار ما يسمعونه.
ثالثها: أنه أبلغ في التضرع والخشوع الذي هو روح الدعاء ولبه ومقصوده فإن الخاشع الذليل الضارع إنما يسأل مسألة مسكين ذليل قد انكسر قلبه وذلت جوارحه وخشع صوته حتى إنه ليكاد تبلغ به ذلته ومسكنته وكسره وضراعته إلى أن ينكسر لسانه فلا يطاوله بالنطق.
رابعها: أنه أبلغ في الإخلاص.
стр. 1015
خامسها: أنه أبلغ في جمعية القلب على الله تعالى في الدعاء فإن رفع الصوت يفرقه ويشتته فكلما خفض صوته كان أبلغ في صمده وتجريد همته وقصده للمدعو .
سادسها: وهو من النكت السرية البديعة جدا أنه دال على قرب صاحبه من الله وأنه لاقترابه منه وشدة حضوره يسأله مسألة أقرب شيء إليه فيسأله مسألة مناجاة للقريب لا مسألة نداء البعيد للبعيد.
سابعها: أنه أدعى إلى دوام الطلب والسؤال فإن اللسان لا يمل والجوارح لا تتعب بخلاف ما إذا رفع صوته فإنه قد يكل لسانه وتضعف بعض قواه.
ثامنها: أن إخفاء الدعاء أبعد له من القواطع والمشوشات والمضعفات فإن الداعي إذا أخفى دعاءه لم يدر به أحد فلا يحصل هناك تشويش ولا غيره.
تاسعها: إن أعظم النعم الإقبال على الله والتعبد له والانقطاع إليه والتبتل إليه ولكل نعمة حاسد على قدرها دقت أو جلت ولا نعمة أعظم من هذه النعمة فأنفس الحاسدين المنقطعين متعلقة بها وليس للمحسود أسلم من إخفاء نعمته عن الحاسد وأن لا يقصد إظهارها له.
• وقوله تعالى (يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ) المراد بالإرث هنا إرث النبوة والعلم لا المال، وذلك لأمور:
أولاً: أن النبي أعظم وأجل قدراً من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده.
ثانياً: أنه لم يذكر أنه كان ذا مال، بل كان نجاراً يأكل من كسب يديه، ومثل هذا لا يجمع مالاً ولا سيما الأنبياء ﵈، فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.
ثالثاً: أنه ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال (لا نُورث، ما تركنا فهو صدقة) وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح (نحن معاشر الأنبياء لا نورث).
رابعاً: قوله تعالى (وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُدَ) أي: في النبوة، إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك، ولما كان في الإخبار بذلك كبير فائدة، إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل أن الولد يرث أباه، فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها. … (تفسير ابن كثير ٥/ ٢١٣).
стр. 1016
وقوله تعالى (بِغُلَامٍ اسْمُهُ يَحْيَى لَمْ نَجْعَلْ لَهُ مِنْ قَبْلُ سَمِيًّا) اختلف في معنى (لم نجعل له سمياً).
قيل: لم يسم أحد قبله بهذا الاسم، واختاره ابن جرير والشوكاني والشنقيطي.
وقيل: لم نجعل له شبيهاً.، وهذا مرجوح لأن يحيي سبقه كثير من الأنبياء، وفيهم من هو أفضل منه.
• قال ابن جرير: وهذا القول أعني قول من قال: لم يكن ليحيى قبل يحيى أحد سمي باسمه أشبه بتأويل ذلك، وإنما معنى الكلام: لم نجعل للغلام الذي نهب لك الذي اسمه يحيى من قبله أحدا مسمى باسمه.
• قال الشوكاني: قال أكثر المفسرين: معناه: لم نسمّ أحداً قبله يحيى.
وقال مجاهد وجماعة: معنى (لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً) أنه لم يجعل له مثلاً ولا نظيراً، فيكون على هذا مأخوذ من المساماة أو السموّ، وردّ هذا بأنه يقتضي تفضيله على إبراهيم وموسى.
وقيل: معناه لم تلد عاقر مثله، والأوّل أولى.
ثم قال ﵀: وفي إخباره سبحانه بأنه لم يسمّ بهذا الاسم قبله أحد فضيلة له من جهتين:
الأولى: أن الله سبحانه هو الذي تولى تسميته به، ولم يكلها إلى الأبوين.
والجهة الثانية: أن تسميته باسم لم يوضع لغيره يفيد تشريفه وتعظيمه.
قال الشنقيطي: وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: اسْمُهُ يَحْيَى، يَدُلُّ عَلَى أَنَّ اللَّهَ هُوَ الَّذِي سَمَّاهُ، وَلَمْ يَكِلْ تَسْمِيَتَهُ إِلَى أَبِيهِ، وَفِي هَذَا مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِيَحْيَى.
(فَنَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ) أي: خاطبته الملائكة شفاها خطابًا أسمعته، وهو قائم يصلي في محراب عبادته، ومحل خَلْوَته، ومجلس مناجاته، وصلاته، ثم أخبر عما بشّرته به الملائكة.
وقال بعض العلماء: أطلق الملائكة وأراد جبريل، ومثل به بعض علماء الأصول للعام المراد به الخصوص قائلاً: إنه أراد بعموم الملائكة خصوص جبريل.
• قال ابن الجوزي: وفي الملائكة قولان:
أحدهما: جبريل وحده، قال السدي، ومقاتل، ووجهه أن العرب تخبر عن الواحد بلفظ الجمع، تقول: ركبت في السفن، وسمعت هذا من الناس.
والثاني: أنهم جماعة من الملائكة، وهو مذهب قوم، منهم ابن جرير الطبري.
(أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى) أي: بولد يوجد لك من صلبك اسمه يحيى. قال قتادة وغيره: إنما سُمِّي يحيى لأن الله تعالى أحياه بالإيمان، وأن الذي تولى اسمه هو الله تعالى.
стр. 1017
(مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ) أي: مصدقاً بعيسى.
قال الرازي: وهو اختيار الجمهور.
قال الشنقيطي: وإنما قيل لعيسى: كلمة، لأن الله أوجده بكلمة وهي قوله (كن) فكان كما قال تعالى (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ).
قال الشنقيطي: وهذا قول جمهور العلماء في معنى (مصدقاً بكلمة الله)، وقيل: المراد بـ (كلمة) الكتاب، أي: مصدقاً بكتاب الله.
(وَسَيِّدًا) السيد، الذي يسود قومه؛ أي يفوقهم في الشرف والفضل.
(وَحَصُورًا) الصحيح في معنى (وحصوراً) أنه الذي حصر نفسه عن النساء مع القدرة على إتيانهن تبتلاً منه، وانقطاعاً لعبادة الله، وكان ذلك جائزاً في شرعه، وأما سنة النبي ﷺ فهي التزوج وعدم التبتل.
• قال الرازي: والقول الثاني: وهو اختيار المحققين أنه الذي لا يأتي النساء لا للعجز بل للعفة والزهد، وذلك لأن الحصور هو الذي يكثر منه حصر النفس ومنعها.
• وقال البغوي: واختار قوم هذا القول لوجهين:
أحدهما: لأن الكلام خرج مخرج الثناء، وهذا أقرب إلى استحقاق الثناء.
والثاني: أنه أبعد من إلحاق الآفة بالأنبياء.
• وقول من قال إنه كان عاجز عن إتيان النساء لعجزه، أو لأنه عنين، فهذا ليس بصحيح.
• قال الرازي: من العلماء قال كان ذلك لصغر الآلة، ومنهم من قال: كان ذلك لتعذر الإنزال، ومنهم من قال: كان ذلك لعدم القدرة، فعلى هذا الحصور فعول بمعنى مفعول، كأنه قال محصور عنهن، أي محبوس، ومثله ركوب بمعنى مركوب وحلوب بمعنى محلوب، وهذا القول عندنا فاسد لأن هذا من صفات النقصان وذكر صفة النقصان في معرض المدح لا يجوز، ولأن على هذا التقدير لا يستحق به ثواباً ولا تعظيماً.
• وقال الشنقيطي: أما قول من قال: إن الحصور فعول بمعنى مفعول، وأنه محصور عن النساء لأنه عنين لا يقدر على إتيانهن، فليس بصحيح، لأن العنّة عيب ونقص في الرجال، وليست من فعله حتى يثنى عليه بها.
(وَنَبِيًّا) هذه بشارة ثانية بنبوة يحيى بعد البشارة بولادته، وهي أعلى من الأولى.
(مِنَ الصَّالِحِينَ) الذين صلحت عقائدهم وأعمالهم وأقوالهم ونياتهم، والصلاح ضد الفساد، وقد وصف الله يحيي بالصلاح مع من وصف بذلك من الأنبياء في سورة الأنعام في قوله (وَزَكَرِيَّا وَيَحْيَى وَعِيسَى وَإِلْيَاسَ كُلٌّ مِنَ الصَّالِحِينَ).
(قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَقَدْ بَلَغَنِيَ الْكِبَرُ) لم يبين هنا القدر الذي بلغ من الكبر، ولكنه بينه في سورة مريم أنه بلغ من الكبَر عتياً وذلك في قوله تعالى (قَالَ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلامٌ وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً وَقَدْ بَلَغْتُ مِنَ الْكِبَرِ عِتِيّاً) والعتي: اليبس والقحول في المفاصل والعظام من شدة الكِبَر.
стр. 1018
(وَامْرَأَتِي عَاقِرٌ) وبيّن تعالى أنها كانت كذلك قبل كِبرها بقوله (وَكَانَتِ امْرَأَتِي عَاقِراً).
• فإن قيل: ما وجه استفهام زكريا في قوله (أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ) مع علمه بقدرة الله تعالى على كل شيء فَالْجَوَابُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ:
الْأَوَّلُ: أَنَّ اسْتِفْهَامَ زَكَرِيَّا اسْتِفْهَامُ اسْتِخْبَارٍ وَاسْتِعْلَامٍ; لِأَنَّهُ لَا يَعْلَمُ هَلِ اللَّهُ يَأْتِيهِ بِالْوَلَدِ مِنْ زَوْجَةِ الْعَجُوزِ عَلَى كِبَرِ سِنِّهِمَا عَلَى سَبِيلِ خَرْقِ الْعَادَةِ، أَوْ يَأْمُرُهُ بِأَنْ يَتَزَوَّجَ شَابَّةً، أَوْ يَرُدُّهُمَا شَابَّيْنِ؟ فَاسْتَفْهَمَ عَنِ الْحَقِيقَةِ لِيَعْلَمَهَا، وَلَا إِشْكَالَ فِي هَذَا، وَهُوَ أَظْهَرُهَا.
الثَّانِي: أَنَّ اسْتِفْهَامَهُ اسْتِفْهَامُ تَعَجُّبٍ مِنْ كَمَالِ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى.
الثَّالِثُ: وَهُوَ الَّذِي ذَكَرْنَا أَنَّ فِيهِ بُعْدًا هُوَ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ جَرِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالسُّدِّيِّ: مِنْ أَنَّ زَكَرِيَّا لَمَّا نَادَتْهُ الْمَلَائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى، قَالَ لَهُ الشَّيْطَانُ: لَيْسَ هَذَا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ نِدَاءُ الشَّيْطَانِ، فَدَاخَلَ زَكَرِيَّا الشَّكُّ فِي أَنَّ النِّدَاءَ مِنَ الشَّيْطَانِ، فَقَالَ عِنْدَ ذَلِكَ الشَّكِّ النَّاشِئِ عَنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ قَبْلَ أَنْ يَتَيَقَّنَ أَنَّهُ مِنَ اللَّهِ: أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ، وَلِذَا طَلَبَ الْآيَةَ مِنَ اللَّهِ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً الْآيَةَ، وَإِنَّمَا قُلْنَا: إِنَّ هَذَا الْقَوْلَ فِيهِ بُعْدٌ; لِأَنَّهُ لَا يَلْتَبِسُ عَلَى زَكَرِيَّا نِدَاءُ الْمَلَائِكَةِ بِنِدَاءِ الشَّيْطَانِ.
• وقال ابن عطية: وذهب الطبري وغيره إلى أن زكرياء لما رأى حال نفسه وحال امرأته وأنها ليست بحال نسل سأل عن الوجه الذي به يكون الغلام، أتبدل المرأة خلقتها أم كيف يكون؟
ثم قال ابن عطية: وهذا تأويل حسن يليق بزكريا ﵇، وقال مكي: وقيل إنما سأل لأنه نسي دعاءه لطول المدة بين الدعاء والبشارة وذلك أربعون سنة، وهذا قول ضعيف المعنى.
стр. 1019
(قَالَ كَذَلِكَ اللَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ) أي: هكذا أمْرُ الله عظيم، لا يعجزه شيء ولا يتعاظمه أمر.
(قَالَ رَبِّ اجْعَلْ لِي آيَةً) أي: علامة أستدل بها على وجود الولد مني.
• قال الآلوسي: (قَالَ رَبّ اجعل لِّي ءايَةً) أي علامة تدلني على العلوق وإنما سألها استعجالاً للسرور قاله الحسن، وقيل ليتلقى تلك النعمة بالشكر حين حصولها ولا يؤخر حتى تظهر ظهوراً معتاداً، ولعل هذا هو الأنسب بحال أمثاله ﵇، وقول السدي: إنه سأل الآية ليتحقق أن تلك البشارة منه تعالى لا من الشيطان ليس بشيء كما أشرنا إليه آنفاً.
• وقال ابن عاشور: وعن السدي والربيع: آية تحقق كون الخطاب الوارد عليه وارداً من قبل الله تعالى، وهو ما في إنجيل لوقا، وعندي في هذا نظر، لأن الأنبياء لا يلتبس عليهم الخطاب الوارد عليهم من الله ويعلمونه بعلم ضروري.
(قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إِلَّا رَمْزًا) أي: إشارة لا تستطيع النطق، مع أنك سوي صحيح، كما في قوله (ثَلاثَ لَيَالٍ سَوِيًّا).
• قال الشنقيطي: لَمْ يُبَيِّنْ هَلِ الْمَانِعُ لَهُ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ بُكْمٌ طَرَأَ لَهُ، أَوْ آفَةٌ تَمْنَعُهُ مِنْ ذَلِكَ، أَوْ لَا مَانِعَ لَهُ إِلَّا اللَّهُ وَهُوَ صَحِيحٌ لَا عِلَّةَ لَهُ، وَلَكِنَّهُ بَيَّنَ فِي سُورَةِ «مَرْيَمَ» أَنَّهُ لَا بَأْسَ عَلَيْهِ وَأَنَّ انْتِفَاءَ التَّكَلُّمِ عَنْهُ لَا لِبُكْمٍ، وَلَا مَرَضٍ وَذَلِكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى (قَالَ آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَ لَيَالٍ سَوِيّاً) لِأَنَّ قَوْلَهُ سَوِيًّا حَالٌ مِنْ فَاعِلِ تُكَلِّمَ مُفِيدٌ لِكَوْنِ انْتِفَاءِ التَّكَلُّمِ بِطَرِيقِ الْإِعْجَازِ وَخَرْقِ الْعَادَةِ، لَا لِاعْتِقَالِ اللِّسَانِ بِمَرَضٍ، أَيْ: يَتَعَذَّرُ عَلَيْكَ تَكْلِيمُهُمْ وَلَا تُطِيقُهُ، فِي حَالِ كَوْنِكَ سَوِيَّ الْخَلْقِ سَلِيمَ الْجَوَارِحِ، مَا بِكَ شَائِبَةٌ بُكْمٌ وَلَا خَرَسٌ، وَهَذَا مَا عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ).
• وقال الشنقيطي: أي تمنع الكلام فلا تطيقه ثلاث ليال بأيامهن في حال كونك سوياً، أي سوي الخلق، سليم الجوارح، ما بك خرس ولا بكم ولكنك ممنوع من الكلام على سبيل خرق العبادة، وأما ذكر الله فليس ممنوعاً منه بدليل قوله تعالى في آل عمران (َاذْكُر رَّبَّكَ كَثِيراً وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالإِبْكَارِ).
• قال في التسهيل: قوله تعالى (واذكر رَّبَّكَ كَثِيراً) وإنما حبس لسانه عن الكلام تلك المدة ليخلص فيها لذكر الله شكراً على استجابة دعائه ولا يشغل لسانه بغير الشكر والذكر.
• قال الرازي: ثم اعلم أن تلك الواقعة كانت مشتملة على المعجز من وجوه:
أحدها: أن قدرته على التكلم بالتسبيح والذكر، وعجزه عن التكلم بأمور الدنيا من أعظم المعجزات.
وثانيها: أن حصول ذلك المعجز في تلك الأيام المقدورة مع سلامة البنية واعتدال المزاج من جملة المعجزات.
وثالثها: أن إخباره بأنه متى حصلت هذه الحالة فقد حصل الولد، ثم إن الأمر خرج على وفق هذا الخبر يكون أيضاً من المعجزات.
• قال السعدي: وفيه مناسبة عجيبة، وهي أنه كما يمنع نفوذ الأسباب مع وجودها، فإنه يوجدها بدون أسبابها ليدل ذلك أن الأسباب كلها مندرجة في قضائه وقدره.
стр. 1020
(وَاذْكُرْ رَبَّكَ كَثِيرًا) قلبك ولسانك في جميع أوقاتك، أمره بذكره، لأن بالذكر تطمئن القلوب، وترتاح النفوس، ويستنير القلب، وشكراً لله تعالى.
وقد أمر الله بذكره كثيراً:
قال تعالى (وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْراً كَثِيراً).
وقال تعالى (وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).
وقال تعالى (إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيراً وَانْتَصَرُوا مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
(وَسَبِّحْ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكَارِ) العشي: آخر النهار، والإبكار أول النهار.
وهذا الوقتان قد أمر الله بذكره فيهما:
فقال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا).
وقال تعالى (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ).
وقال تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْأِبْكَارِ).
وتسبيح الله يكون عن أمور ثلاثة:
عن صفة العيب، وعن نقص في كمال، وعن مماثلة المخلوقين.
فالنقص كقوله تعالى (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لا يَمُوتُ).
وعن نقص في كمال مثل قوله تعالى (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ لَهُ مَا).
ومماثلة المخلوقين مثل قوله تعالى (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ).
الفوائد:
١ - أن جميع الخلق مفتقرون إلى الله حتى الأنبياء.
٢ - أن زكريا بلغ سناً بعيداً دون أن يأتيه ولد.
٣ - أنه ينبغي للإنسان إذا سأل ذرية أن يسأل ذرية طيبة.
٤ - التوسل إلى الله بأسمائه المناسبة للحاجة.
٥ - أن الله يسمع الدعاء ويجيب.
٦ - إثبات الملائكة.
٧ - مشروعية تبشير الإنسان بما يسره.
следующие страницы →