Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1051–1090 · переход к 1056.
стр. 1051
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ (٥٩) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُن مِّن الْمُمْتَرِينَ (٦٠)). [آل عمران: ٥٩ - ٦٠].
(إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ) في قدرة الله تعالى حيث خلقه من غير أب.
(كَمَثَلِ آدَمَ) فإن الله خلقه من غير أب ولا أم بل:
(خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ) كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ).
وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ).
وقال تعالى (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ).
(ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) والذي خلق آدم قادر على خلق عيسى بطريق الأولى والأحرى، وإن جاز ادعاء البنوة في عيسى بكونه مخلوقاً من غير أب، فجواز ذلك في آدم بالطريق الأولى، ومعلوم بالاتفاق أن ذلك باطل، فدعواها في عيسى أشد بطلاناً وأظهر فسادًا، ولكن
الرب ، أراد أن يظهر قدرته لخلقه، حين خَلَق آدم لا من ذكر ولا من أنثى؛ وخلق حواء من ذكر بلا أنثى، وخلق عيسى من أنثى بلا ذكر كما خلق بقية البرية من ذكر وأنثى، ولهذا قال تعالى في سورة مريم (وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ).
• قال الرازي: أجمع المفسرون على أن هذه الآية نزلت عند حضور وفد نجران على الرسول ﷺ ، وكان من جملة شبههم أن قالوا: يا محمد، لما سلمت أنه لا أب له من البشر وجب أن يكون أبوه هو الله تعالى، فقال: إن آدم ما كان له أب ولا أم ولم يلزم أن يكون ابناً لله تعالى، فكذا القول في عيسى ﵇، هذا حاصل الكلام، وأيضاً إذا جاز أن يخلق الله تعالى آدم من التراب فلم لا يجوز أن يخلق عيسى من دم مريم؟ بل هذا أقرب إلى العقل، فإن تولد الحيوان من الدم الذي يجتمع في رحم الأم أقرب من تولده من التراب اليابس.
стр. 1052
(الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: هذا القول هو الحق في عيسى، الذي لا محيد عنه ولا صحيح سواه، وماذا بعد الحق إلا الضلال.
• وقال ابن عاشور: الخطاب في (فلا تكن من الممترين) للنبي ﷺ والمقصود التعريض بغيره، والمعرَّض بهم هنا هم النصارى الممترُون الذين امتروا في الإلاهية بسبب تحقق أن لَا أبَ لِعيسى.
• وقال ابن عطية: ونهي النبي ﵇ في عبارة اقتضت ذم الممترين، وهذا يدل على أن المراد بالامتراء غيره، ولو قيل: فلا تكن ممترياً لكانت هذه الدلالة أقل، ولو قيل فلا تمتر لكانت أقل ونهي النبي ﵇ عن الامتراء مع بعده عنه على جهة التثبيت والدوام على حاله.
• وقال الزمخشري: ونهيه عن الامتراء وجل رسول الله ﷺ أن يكون ممترياً من باب التهييج لزيادة الثبات والطمأنينة، وأن يكون لطفاً لغيره.
• وقال الآلوسي: قوله تعالى (فَلَا تَكُنْ مّن الممترين) خطاب له ﷺ ، ولا يضر فيه استحالة وقوع الامتراء منه ﵇ كما في قوله تعالى (وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ المشركين) بل قد ذكروا في هذا الأسلوب فائدتين.
إحداهما: أنه ﷺ إذا سمع مثل هذا الخطاب تحركت منه الأريحية فيزداد في الثبات على اليقين نوراً على نور.
وثانيتهما: أن السامع يتنبه بهذا الخطاب على أمر عظيم فينزع وينزجر عما يورث الامتراء لأنه ﷺ مع جلالته التي لا تصل إليها الأماني إذا خوطب بمثله فما يظن بغيره ففي ذلك زيادة ثبات له صلوات الله تعالى وسلامه عليه ولطفه بغيره، وجوز أن يكون خطاباً لكل من يقف عليه ويصلح للخطاب.
الفوائد:
١ - أن آدم خلق من تراب.
٢ - بيان قدرة الله حيث خلق آدم من غير أم ولا أب، وخلق عيسى من أم بلا أب.
٣ - إثبات القول للرب تعالى.
٤ - النهي عن الشك فيما أخبر به الله تعالى.
٥ - أن الله تعالى لا يصدر عنه إلا الحق.
стр. 1053
(فَمَنْ حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْاْ نَدْعُ أَبْنَاءنَا وَأَبْنَاءكُمْ وَنِسَاءنَا وَنِسَاءكُمْ وَأَنفُسَنَا وأَنفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَل لَّعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ (٦١) إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلاَّ اللَّهُ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (٦٢) فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ (٦٣)). [آل عمران: ٦١ - ٦٣].
(فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) يقول تعالى آمرا رسوله ﷺ أن يُبَاهِلَ مَنْ عَانَدَ الحق في أمر عيسى بعد ظهور البيانِ (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ) أي: نحضرهم في حال المباهلة.
• قوله تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ) المحاجة المجادلة، وسميت المجادلة محاجة، لأن كل واحد من المتجادلين يدلي بحجته من أجل أن يخصم الآخر ويحجه، وقوله (فيه) أي: في عيسى، في شأنه وقضيته.
(ثُمَّ نَبْتَهِلْ) أي: نلتعن.
• قال ابن عاشور: والابتهال مشتق من البهل وهو الدعاء باللعن ويطلق على الاجتهاد في الدعاء مطلقاً لأن الداعي باللعن يجتهد في دعائه والمراد في الآية المعنى الأول.
(فَنَجْعَلْ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ) أي: منا ومنكم.
وكان سبب نزول هذه المباهلة وما قبلها من أول السورة إلى هنا في وفد نجران، أن النصارى حين قدموا فجعلوا يُحَاجّون في عيسى، ويزعمون فيه ما يزعمون من البنوة والإلهية، فأنزل الله صَدْرَ هذه السورة رَدا عليهم.
والمباهلة لم تتم بين رسول الله ﷺ وبين النصارى.
عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ (جَاءَ الْعَاقِبُ وَالسَّيِّدُ صَاحِبَا نَجْرَانَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يُرِيدَانِ أَنْ يُلَاعِنَاهُ، قَالَ فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا تَفْعَلْ، فَوَاللَّهِ لَئِنْ كَانَ نَبِيًّا فَلَاعَنَّا، لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا. قَالَا إِنَّا نُعْطِيكَ مَا سَأَلْتَنَا، وَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلاً أَمِيناً، وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إِلاَّ أَمِيناً. فَقَالَ «لأَبْعَثَنَّ مَعَكُمْ رَجُلاً أَمِيناً حَقَّ أَمِينٍ». فَاسْتَشْرَفَ لَهُ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ». فَلَمَّا قَامَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الأُمَّةِ).
وعن ابن عباس، قال (قال أبو جهل: إن رأيتُ رسول الله ﷺ يصلي عند الكعبة لآتينه حتى أطَأ على عنقه. قال: فقال: لو فعلَ لأخَذته الملائكةُ عيانًا، ولو أن اليهود تمنَّوا الموت لماتوا ورأوا مقاعدهم من النار، ولو خرج الذين يباهلون رسول الله ﷺ لرَجَعوا لا يجدون مالا ولا أهلاً) رواه أحمد.
وفي صحيح مسلم (أنه لما نزلت هذه الآية دعا رسول الله ﷺ علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً) رواه مسلم.
стр. 1054
• قال ابن تيمية: فلما دعاهم إلى المباهلة طالبوا أن يمهلهم حتى يشتوروا، فاشتوروا فقال بعضهم لبعض تعلمون أنه نبي، وأنه ما باهل قوم نبياً إلا نزل بهم العذاب، فاستعفوا من المباهلة فصالحوه وأقروا له بالجزية عن يد وهم صاغرون لما خافوا من دعائه عليهم، لعلمهم أنه نبي، فدخلوا تحت حكمه كما يدخل أهل الذمة الذين في بلاد المسلمين تحت حكم الله ورسوله، وأدوا إليه الجزية عن يد وهم صاغرون، وهم أول من أدى الجزية من النصارى.
(إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْقَصَصُ الْحَقُّ) أي: هذا الذي قصصناه عليك يا محمد في شأن عيسى هو الحق الذي لا مَعْدل عنه ولا محيد.
(وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ) تأكيد لوحدانية الله، فهو المنفرد بالإلهية لجميع الخلائق.
• وفي هذا رد النصارى في تثليثهم، وكذا فيه رد على سائر الثنوية.
(وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْعَزِيزُ) الذي قهر بقدرته وقوته جميع الموجودات، وأذعنت له سكان الأرض والسماوات.
(الْحَكِيمُ) الذي له الحكمة الكاملة البالغة، الذي يضع الأشياء في مواضعها، وينزلها منازلها.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا) أي: عن هذا إلى غيره.
(فَإِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِالْمُفْسِدِينَ) أي: من عدل عن الحق إلى الباطل فهو المفسد والله عليم به، وسيجزيه على ذلك شر الجزاء، وهو القادر، الذي لا يفوته شيء سبحانه وبحمده ونعوذ به من حلول نقمه.
الفوائد:
١ - إثبات أن ما جاء به الرسول حق.
٢ - أنه لا تجوز المباهلة إلا بعلم يقيني.
٣ - جواز المباهلة لكن بشرطين: أن تكون في أمر هام، وأن تكون بعلم.
٤ - أنه لا إله حق إلا الله.
٥ - إثبات العزة الكاملة لله تعالى.
٦ - تهديد من تولى عن دين الله.
٧ - أن كل من تولى عن دين الله فهو مفسد.
стр. 1055
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْاْ إِلَى كَلَمَةٍ سَوَاء بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلاَّ نَعْبُدَ إِلاَّ اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَقُولُواْ اشْهَدُواْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ (٦٤)). [آل عمران: ٦٤].
(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ) هذا الخطاب يعم أهل الكتاب من اليهود والنصارى، ومن جرى مجراهم (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ) والكلمة تطلق على الجملة المفيدة كما قال هاهنا.
• اختلف في المراد بأهل الكتاب هنا:
فقيل: نصارى نجران.
وقيل: اليهود.
وقيل: اليهود والنصارى.
قال الطبري: وإنما قلنا عنى بقوله (يا أهل الكتاب) أهلَ الكتابين، لأنهما جميعًا من أهل الكتاب، ولم يخصص جل ثناؤه بقوله (يا أهل الكتاب) بعضًا دون بعض، فليس بأن يكون موجَّهًا ذلك إلى أنه مقصود به أهلُ التوراة، بأولى منه بأن يكون موجهًا إلى أنه مقصود به أهل الإنجيل، ولا أهل الإنجيل بأولى أن يكونوا مقصودين به دُون غيرهم من أهل التوراة. وإذ لم يكن أحدُ الفريقين بذلك بأولى من الآخر لأنه لا دلالة على أنه المخصوص بذلك من الآخر، ولا أثر صحيح فالواجب أن يكون كل كتابيّ معنيًّا به. لأن إفرادَ العبادة لله وحدَه، وإخلاصَ التوحيد له، واجبٌ على كل مأمور منهيٍّ من خلق الله. واسم"أهل الكتاب"، يلزم أهل التوراة وأهل الإنجيل، فكان معلومًا بذلك أنه عني به الفريقان جميعًا.
ثم وصفها:
(سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ) أي: عدل، نستوي نحن وأنتم فيها.
• قال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (كَلِمَةٍ سَوَاءٍ) يَعْنِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ: كَلِمَةِ عَدْلٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ نَتَسَاوَى جَمِيعًا فِيهَا؛ إذْ كُنَّا جَمِيعًا عِبَادَ اللَّهِ.
ثم فسرها بقوله:
(أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ) وحده سبحانه، محبة وتعظيماً.
(وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً) لا وَثَناً، ولا صنماً، ولا صليباً ولا طاغوتاً، ولا نارًا، ولا شيئًا، بل نُفْرِدُ العبادة لله وحده لا شريك له، وهذه دعوة
جميع الرسل:
قال الله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
• والشرك: تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
стр. 1056
(وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضاً أَرْبَاباً مِنْ دُونِ اللَّهِ) وقال ابن جُرَيْج: يعني: يطيع بعضنا بعضا في معصية الله. وقال عكرمة: يعني يسجد بعضنا لبعض.
• قال الطبري: قوله تعالى (أرباباً من دون الله) أنزلوهم منزلة ربهم في قبول التحريم والتحليل لما لم يحرمه الله، ولم يحله.
أخرجه الترمذي وحسنه من حديث عدي بن حاتم (أنه لما نزلت هذه الآية قال: ما كنا نعبدهم يا رسول الله فقال ﷺ : أما كانوا يحللون لكم ويحرمون فتأخذون بقولهم؟ قال: نعم فقال ﵇: هو ذاك).
• قال شيخ الإسلام في معنى قوله (اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً من دون الله): هؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً، حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله، يكون على وجهين:
الأول: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله، فيتبعونهم على التبديل، فيعتقدون تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله اتباعاً لرؤسائهم مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل، فهذا كفر، وقد جعله الله ورسوله شركاً، وإن لم يكونوا يصلون لهم ويسجدون لهم.
والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحرام وتحليل الحلال ثابتاً، لكنهم أطاعوهم في معصية الله كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصي، فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب.
(فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ) أي: فإن تولوا عن هذا النَّصَف وهذه الدعوة فأشْهدوهم أنتم على استمراركم على الإسلام الذي شرعه الله لكم.
الفوائد:
١ - أمر الرسول ﷺ أن يدعو أهل الكتاب.
٢ - الدعوة إلى التوحيد وترك الشرك.
٣ - وجوب استعمال العدل في المناظرة.
٤ - أن جميع الرسل متفقون على هذه الكلمة وهي: توحيد الله وترك الشرك.
٥ - أن التوحيد لا يصح إلا بتوحيد الله وترك الشرك والبراءة من الشرك وأهله.
قال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي).
لأن كلمة التوحيد (لا إله إلا الله) تنطوي على نفي وإثبات، فعبر عن المنفي فيها بقوله (إنني براء مما تعبدون) وعبّر عن المثبت فيها بقوله (إلا الذي فطرني) ففيه تفسير التوحيد بإثبات العبادة لله وحده ونفيها عما سواه.
وفي (الصحيح) عن النبي ﷺ أنه قال: (من قال: لا إله إلا الله وكفر بما يعبد من دون الله، حرم ماله ودمه، وحسابه على الله .
• هذا الحديث من أعظم ما يبين لا إله إلا الله، وأنه الكفر بكل ما يعبد من دون الله.
٦ - أن من أطاع مخلوقاً في تحليل الحرام وتحريم الحلال فقد اتخذه شريكاً لله.
٧ - أن الحكم بين الناس لله تعالى.
٨ - ينبغي على المسلم أن يعتز بدينه ويشهره ويدافع عنه. … (٢٣/ ٦/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1057
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَآجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنزِلَتِ التَّورَاةُ وَالإنجِيلُ إِلاَّ مِن بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٦٥) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُم بِهِ عِلْمٌ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٦٦) مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِن كَانَ حَنِيفًا مُّسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٦٧) إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ (٦٨)). [آل عمران: ٦٥ - ٦٨].
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجُّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ) ينكر تعالى على اليهود والنصارى في محاجتهم في إبراهيم الخليل، ودعوى كل طائفة منهم أنه كان منهم.
(وَمَا أُنْزِلَتِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلَّا مِنْ بَعْدِهِ) أي: كيف تَدّعُون أيها اليهود، أنه كان يهوديا، وقد كان زمنه قبل أن ينزل الله التوراة على موسى، وكيف تَدّعُون، أيها النصارى، أنه كان نصرانيا، وإنما حدثت النصرانية بعد زمنه بدهر.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) توبيخ على استحالة مقالتهم، وتنبيه على ما يظهر به غلطهم ومكابرتهم.
• قال الرازي: اعلم أن اليهود كانوا يقولون: إن إبراهيم كان على ديننا، والنصارى كانوا يقولون: كان إبراهيم على ديننا، فأبطل الله عليهم ذلك بأن التوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعده فكيف يعقل أن يكون يهودياً أو نصرانياً؟.
• وقال القرطبي: قال الزجاج: هذه الآية أبْيَنُ حجة على اليهود والنصارى؛ إذ التوراة والإنجيل أنزلا من بعده وليس فيهما اسم لواحد من الأديان، واسم الإسلام في كل كتاب.
ويقال: كان بين إبراهيم وموسى ألف سنة، وبين موسى وعيسى أيضاً ألف سنة.
• قال السعدي: لما ادعى اليهود أن إبراهيم كان يهودياً، والنصارى أنه نصراني، وجادلوا على ذلك، رد تعالى محاجتهم ومجادلتهم من ثلاثة أوجه:
أحدها: أن جدالهم في إبراهيم جدال في أمر ليس لهم به علم، فلا يمكن لهم ولا يسمح لهم أن يحتجوا ويجادلوا في أمر هم أجانب عنه وهم جادلوا في أحكام التوراة والإنجيل سواء أخطأوا أم أصابوا فليس معهم المحاجة في شأن إبراهيم.
الوجه الثاني: أن اليهود ينتسبون إلى أحكام التوراة، والنصارى ينتسبون إلى أحكام الإنجيل، والتوراة والإنجيل ما أنزلا إلا من بعد إبراهيم، فكيف ينسبون إبراهيم إليهم وهو قبلهم متقدم عليهم، فهل هذا يعقل؟! فلهذا قال (أفلا تعقلون) أي: فلو عقلتم ما تقولون لم تقولوا
ذلك.
الوجه الثالث: أن الله تعالى برأ خليله من اليهود والنصارى والمشركين، وجعله حنيفاً مسلماً، وجعل أولى الناس به من آمن به من أمته، وهذا النبي وهو محمد ﷺ ومن آمن معه، فهم الذين اتبعوه وهم أولى به من غيرهم، والله تعالى وليهم وناصرهم ومؤيدهم، وأما من نبذ ملته وراء ظهره كاليهود والنصارى والمشركين، فليسوا من إبراهيم وليس منهم، ولا ينفعهم مجرد الانتساب الخالي من الصواب.
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ) هذا إنكار على من يحاج فيما لا علم له به، فإنَّ اليهود والنصارى تَحَاجوا في إبراهيم بلا علم، ولو تحاجوا فيما بأيديهم منه علْم مما يتعلق بأديانهم التي شرعت لهم إلى حين بعثة محمد ﷺ لكان أولى بهم، وإنما تكلموا فيما لم يعلموا به، فأنكر الله عليهم ذلك، وأمرهم بردّ ما لا علم لهم به إلى عالم الغيب والشهادة، الذي يعلم الأمور على حقائقها وجلياتها.
• قال القرطبي: في الآية دليل على المنع من الجدال لمن لا علم له، والحظرِ على من لا تحقيق عنده فقال (ها أنتم هؤلاء حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُم بِهِ عِلمٌ فَلِمَ تُحَآجُّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ).
стр. 1058
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) أي: والله يعلم الأمور على خفائها، وأنتم لا تعلمون.
(مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً) أي: ما كان إبراهيم على دين اليهودية، ولا على دين النصارى.
(وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً) مستقيماً مائلاً عن الشرك إلى التوحيد.
(مُسْلِماً) مستسلماً لله تعالى بقلبه وجوارحه.
(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذه توكيد للتي قبلها.
• في هذا ثناء على إبراهيم من وجوه ثلاثة:
أولاً: إمامته، ووجهها: أننا أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام، كما في قوله تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً).
ثانياً: أنه حنيف، والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام.
ثالثاً: أنه ليس فيه شرك في عمله لقوله (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
стр. 1059
• قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذه الآية الكريمة وأمثالها في القرآن تدل على أن إبراهيم - عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام - لم يكن مشركاً يوماً؛ لأن نفي الكون الماضي في قوله (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) يدل على استغراق النفي لجميع الزمن الماضي كما دل عليه قوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ .. ) الآية، وقد جاء في موضع آخر ما يوهم خلاف ذلك وهو قوله (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي .. فَلَمَّا رَأى الْقَمَرَ بَازِغاً قَالَ هَذَا رَبِّي … فَلَمَّا رَأى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ .. ) الآية، ومن ظنّ ربوبية غير الله فهو مشرك بالله كما دل عليه قول الله تعالى عن الكفار (وَمَا يَتَّبِعُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ شُرَكَاءَ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلا يَخْرُصُونَ) والجواب عن هذا من وجهين:
أحدهما: أنه مناظر لا ناظر ومقصوده التسليم الجدلي: أي هذا ربي على زعمكم الباطل، والمناظر قد يسلم المقدمة الباطلة تسليماً جدلياً ليفحم بذلك خصمه، فلو قال لهم إبراهيم في أول الأمر: الكوكب مخلوق لا يمكن أن يكون رباً، لقالوا له: كذبت، بل الكوكب ربّ، ومما يدل لكونه مناظراً لا ناظر قوله تعالى: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ .. ).
ورجح هذا القول ابن قتيبة، وابن تيمية، وابن القيم، وابن كثير وغيرهم.
لأن الله نفى عن إبراهيم الوقوع في الشرك في الماضي في قوله (وما كان من المشركين).
ولأن الله تعالى قال بعد سرد القصة (وحاجه قومه) وقال تعالى (وتلك حجتنا) فدل ذلك على أنه في حال مناظرة ومحاجة.
وقيل: إن قول إبراهيم (هذا ربي) هو على تقدير استفهام محذوف، أي: أهذا ربي؟ ومعناه: إنكار أن يكون مثل هذا رباً.
وهذا قول جمع من أهل العلم كالبغوي، وابن عطية، والرازي وغيرهم.
استدل بن جرير على أنه غير مناظر من قوله تعالى (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ) ولا دليل فيه على التحقيق؛ لأن الرسل يقولون مثل ذلك تواضعاً وإظهاراً لالتجائهم إلى الله كقول إبراهيم (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الأَصْنَامَ) وقوله هو وإسماعيل (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) الآية.
• قال ابن عاشور: فقد جاء إبراهيم بالتوحيد، وأعلنه إعلاناً لم يَترك للشرك مسلكاً إلى نفوس الغافلين، وأقام هيكلاً وهو الكعبة، أول بيت وضع للناس، وفرض حَجّه على الناس: ارتباطاً بمغزاه، وأعلَن تمام العبودية لله تعالى بقوله (ولا أخاف مَا تشركون به إلاّ أن يشاء ربّي شيئاً) وأخلص القول والعمل لله تعالى فقال (وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً).
стр. 1060
وتَطَلّب الهُدى بقوله (رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) (وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا).
وكسر الأصنام بيده (فَجَعَلَهُمْ جُذَاذاً).
وأظهر الانقطاع لله بقوله (الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ. وَالَّذِي هُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ. وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ. وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِ).
وتصَدّى للاحتجاج على الوحدانية وصفات الله (قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)، (وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ) (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ).
• قال الرازي: قوله تعالى (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهو تعريض بكون النصارى مشركين في قولهم بإلهية المسيح وبكون اليهود مشركين
في قولهم بالتشبيه.
(إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا) يقول تعالى: أحق الناس بمتابعة إبراهيم الخليل الذين اتبعوه على دينه، وهذا النبي -يعني محمدًا ﷺ والذين آمنوا من أصحابه المهاجرين والأنصار ومَنْ بعدهم.
(وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ) أي: حافظ المؤمنين ومتولي أمورهم وناصرهم، والمراد بالولاية هنا الولاية الخاصة.
لأن الولاية تنقسم إلى قسمين:
ولاية عامة: مقتضاها أن يرزقهم ويعطيهم وأيضا القهر والسلطان والملك، وهذه للمؤمنين والكفار.
ودليلها هذه الآية (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ).
وقوله تعالى (ورُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ).
ولاية خاصة، وهذه خاصة بالمؤمنين مقتضاها النصر والتأييد والتسديد والتوفيق والإخراج من الظلمات إلى النور.
كما قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ).
وقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ).
وقال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاء اللّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).
فالله ولي المؤمنين: لأنه يواليهم بالنصر والثواب الجزيل، كما قال ﷺ في الحديث القدسي (من عادى لي ولياً فقد آذنته بالحرب) رواه البخاري.
والمؤمنون أولياء الله كقوله تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) لأنهم يوالونه بالطاعة.
قال ابن القيم: فالولاية عبارة عن موافقة الولي الحميد في محابه ومساخطه، وليست بكثرة صوم ولا صلاة
قال تعالى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ) أي: يخرجونهم من نور الإيمان إلى ظلمات الشك والضلالة.
стр. 1061
• قال الشنقيطي: هذه ثمرة ولايته تعالى للمؤمنين، وهي إخراجه لهم من الظلمات إلى النور بقوله تعالى (الله وَلِيُّ الذين آمَنُواْ يُخْرِجُهُمْ مِّنَ الظلمات إِلَى النور).
وبين في موضع آخر أن من ثمرة ولايته إذهاب الخوف والحزن عن أوليائه، وبين أن ولايتهم له تعالى بإيمانهم وتقواهم وذلك في قوله تعالى (ألا إِنَّ أَوْلِيَآءَ الله لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الذين آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ).
وصرح في موضع آخر أنه تعالى ولى نبيه ﷺ وأنه أيضاً يتولى الصالحين وهو قوله تعالى (إِنَّ وَلِيِّيَ الله الذي نَزَّلَ الكتاب وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين).
قاعدة: كل من كان إيمانه أكمل، فولاية الله له أكمل، لأن الحكم المعلق بوصف يزداد قوة بقوة هذا الوصف فيه.
كقوله تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.
وكقوله تعالى (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَى تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ) في هذا دليل على أن من تأثر بالموعظة فإن هذا من علامات إيمانه، وكلما كان تأثره أقوى كان إيمانه أقوى، لأن الشيء إذا علق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصانه.
الفوائد:
١ - توبيخ أهل الكتاب بكونهم يحاجون ويجادلون في إبراهيم.
٢ - إثبات أن التوراة والإنجيل منزلة من عند الله.
٣ - إثبات علو الله، لأن النزول لا يكون إلا من علو.
٤ - ذم المحاجة بغير علم.
٥ - إثبات العلم الكامل لله تعالى.
٦ - تبرئة إبراهيم من دين اليهود والنصارى.
٧ - الثناء على إبراهيم، حيث وصفه بالتوحيد الخالص الذي لا يشوبه أي شرك.
٨ - فضل التوحيد، وأنه أعظم ما يميز الرجل ويثنى به عليه. قال ابن تيمية: وكان [أي أبو بكر] من كماله أنه لا يعمل ما يعمله إلا ابتغاء وجه ربه الأعلى، لا يطلب جزاء من أحد من الخلق. (الفتاوى: ١/ ١٨٨)
стр. 1062
٩ - الحرص على تحقيق التوحيد وتنقيته من الشرك والبدع والمعاصي.
١٠ - أنه لا بد في التوحيد من شيئين: نفي وإثبات.
١١ - الثناء على إبراهيم بأنه لم يكن في عمله شرك.
١٢ - تعظيم الله تعالى.
١٣ - وجوب إفراد الله بالعبادة.
١٤ - تحريم الشرك بكل أنواعه.
١٥ - شرف النبي ﷺ ومن آمن معه لكونهم أولى الناس بإبراهيم.
١٦ - إثبات نبوة الرسول ﷺ .
١٧ - إثبات ولاية الله للمؤمنين.
١٨ - كل من كان أكمل إيماناً فولاية الله له أكمل. (٢٨/ ٦/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1063
(وَدَّت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاَّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (٦٩) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٧٠) يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (٧١)). [آل عمران: ٦٩ - ٧١].
(وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ) أي: تمنى بعض أهل الكتاب إضلالكم بالرجوع عن دينكم حسداً وبغياً.
• قال الرازي: علم أنه تعالى لما بيّن أن من طريقة أهل الكتاب العدول عن الحق، والإعراض عن قبول الحجة بيّن أنهم لا يقتصرون على هذا القدر، بل يجتهدون في إضلال من آمن بالرسول ﵇ بإلقاء الشبهات كقولهم: إن محمداً ﵇ مقر بموسى وعيسى ويدعي لنفسه النبوّة، وأيضاً إن موسى ﵇ أخبر في التوراة بأن شرعه لا يزول، وأيضاً القول بالنسخ يفضي إلى البداء، والغرض منه تنبيه المؤمنين على أن لا يغتروا بكلام اليهود.
• أهل الكفر والضلال دائماً يريدون إضلال أهل الإيمان.
قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ).
وقوله تعالى (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء).
وقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ).
وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا).
وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ).
وقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ).
وقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً).
وقال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ).
وقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).
• قوله تعالى (طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) اعلم أن (مِنْ) ههنا للتبعيض وإنما ذكر بعضهم ولم يعمهم لأن منهم من آمن وأثنى الله عليهم بقوله (مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ) (وَمِنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَة).
стр. 1064
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي: لا يعود وبال ذلك إلا عليهم إذ يضاعف به عذابهم.
(وَمَا يَشْعُرُونَ) أنهم ممكور بهم.
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها، والمراد بآيات الله هنا الشرعية.
• اختلف في المراد بآيات الله على أقوال:
القول الأول: أن المراد منها الآيات الواردة في التوراة والإنجيل، وعلى هذا القول فيه وجوه:
أحدها: ما في هذين الكتابين من البشارة بمحمد ﵇، ومنها: ما في هذين الكتابين؛ أن إبراهيم ﵇ كان حنيفاً مسلماً، ومنها: أن فيهما أن الدين هو الإسلام.
واعلم أن على هذا القول المحتمل لهذه الوجوه نقول: إن الكفر بالآيات يحتمل وجهين:
أحدهما: أنهم ما كانوا كافرين بالتوراة بل كانوا كافرين بما يدل عليه التوراة فأطلق اسم الدليل على المدلول على سبيل المجاز، والثاني: أنهم كانوا كافرين بنفس التوراة لأنهم كانوا يحرفونها وكانوا ينكرون وجود تلك الآيات الدالة على نبوّة محمد ﷺ .
فأما قوله تعالى (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) فالمعنى على هذا القول أنهم عند حضور المسلمين، وعند حضور عوامهم، كانوا ينكرون اشتمال التوراة والإنجيل على الآيات الدالة على نبوّة محمد ﷺ ، ثم إذا خلا بعضهم مع بعض شهدوا بصحتها، ومثله قوله تعالى (تَبْغُونَهَا عِوَجاً وَأَنْتُمْ شُهَدَاء).
واعلم أن تفسير الآية بهذا القول، يدل على اشتمال هذه الآية على الإخبار عن الغيب لأنه ﵇ أخبرهم بما يكتمونه في أنفسهم، ويظهرون غيره، ولا شك أن الإخبار عن الغيب معجز.
القول الثاني: في تفسير آيات الله أنها هي القرآن وقوله (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) يعني أنكم تنكرون عند العوام كون القرآن معجزاً ثم تشهدون بقلوبكم وعقولكم كونه معجزاً.
القول الثالث: أن المراد بآيات الله جملة المعجزات التي ظهرت على يد النبي ﷺ وعلى هذا القول فقوله تعالى (وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ) معناه أنكم إنما اعترفتم بدلالة المعجزات التي ظهرت على سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام الدالة على صدقهم، من حيث أن المعجز قائم مقام التصديق من الله تعالى فإذا شهدتهم بأن المعجز إنما دل على صدق سائر الأنبياء ﵇ من هذا الوجه، وأنتم تشهدون حصول هذا الوجه في حق محمد ﷺ كان إصراركم على إنكار نبوته ورسالته مناقضاً لما شهدتهم بحقيته من دلالة معجزات سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على صدقهم.
(وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي: تعلمون صدقها وتتحققون حقها.
стр. 1065
(يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَلْبِسُونَ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) اللبس الخلط، أي: لم تخلطون الحق بالباطل بإلقاء الشبَه والتحريف.
• قال الرازي: لبس الحق بالباطل فإنه يحتمل ههنا وجوهاً:
أحدها: تحريف التوراة، فيخلطون المنزل بالمحرف، عن الحسن وابن زيد.
وثانيها: إنهم تواصوا على إظهار الإسلام أول النهار، ثم الرجوع عنه في آخر النهار، تشكيكاً للناس، عن ابن عباس وقتادة.
وثالثها: أن يكون في التوراة ما يدل على نبوته ﷺ من البشارة والنعت والصفة ويكون في التوراة أيضاً ما يوهم خلاف ذلك، فيكون كالمحكم والمتشابه فيلبسون على الضعفاء أحد الأمرين بالآخر كما يفعله كثير من المشبهة.
ورابعها: أنهم كانوا يقولون محمداً معترف بأن موسى ﵇ حق، ثم إن التوراة دالة على أن شرع موسى ﵇ لا ينسخ وكل ذلك إلقاء للشبهات.
(وَتَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: وتكتمون ما في كتبكم من صفة محمد ﷺ .
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقال ﷺ (من كتم علماً ألجم بلجام من نار) رواه أبو داود.
(وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأنتم تعرفون ذلك وتتحققونه.
стр. 1066
الفوائد:
١ - بيان عداوة أهل الكتاب للمسلمين.
٢ - التحذير من أهل الكتاب.
٣ - الرد على من يقول إن الكفار يريدون الخير لنا.
٤ - وجوب بغض الكافر.
٥ - الحذر من خطط الكفار لتدمير المسلمين عبر القنوات والمجلات والجرائد.
٦ - توبيخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله.
٧ - وجوب الإيمان بآيات الله.
٨ - يجب الحذر من الكفار حيث يحاولون لبس الحق بالباطل ليضلوا الناس.
٩ - تحريم كتم الحق.
١٠ - وجوب بيان الحق لمن علمه.
١١ - ينبغي على المسلم أن يعرف صفات اليهود ليتجنبها، لأن النبي ﷺ أخبر بقوله (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه).
فمن صفاتهم: كتم الحق، ولبس الحق بالباطل. (الأحد/ ٢٩/ ٦/ ١٤٣٣ هـ)
стр. 1067
(وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ (٧٢) وَلَا تُؤْمِنُواْ إِلاَّ لِمَن تَبِعَ دِينَكُمْ قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَن يُؤْتَى أَحَدٌ مِّثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَآجُّوكُمْ عِندَ رَبِّكُمْ قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٧٣) يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٧٤)). [آل عمران: ٧٢ - ٧٤].
بعد هذه النداءات المتكررة لأهل الكتاب، والحجج الباهرة التي ساقها لهم على صحة هذا الدين والتوبيخات المتعددة التي وبخهم بها لانصرافهم عن الحق ومحاولتهم صرف غيرهم عنه بعد كل ذلك، أخذ القرآن في سرد بعض المسالك الخبيثة التي سلكها اليهود لكيد الإسلام والمسلمين فبدأ ببيان مسلك لئيم من مسالكهم الكثيرة، وهو أن بعضهم كان يظهر الإيمان لفترة من الوقت ثم يرجع عنه إلى الكفر، ليوهم ضعاف العقول أنه ما رجع عن الإسلام إلا بعد أن دخله فوجده دينا ليس بشيء- في زعمه- استمع إلى القرآن وهو يحكى ذلك لكي يطلع أتباعه على مسالك اليهود ومكرهم حتى يحذروهم، فيقول:
(وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) هذه مكيدة أرادوها ليلْبسُوا على الضعفاء من الناس أمْر دينهم، وهو أنهم اشْتَوروا بينهم أن يظهروا الإيمان أول النهار ويُصَلّوا مع المسلمين صلاة الصبح، فإذا جاء آخر النهار ارتدوا إلى دينهم ليقول الجهلة من الناس: إنما رَدّهم إلى دينهم اطّلاعهُم على نقيصة وعيب في دين المسلمين، ولهذا قالوا (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
• فأنت إذا تأملت في هذه الآيات الكريمة تراها قد حكت عن طائفة من أهل الكتاب طريقة ماكرة لئيمة، هي تظاهرهم بالإسلام لفترة من الوقت ليحسن الظن بهم من ليس خبيرا بمكرهم وخداعهم، حتى إذا ما اطمأن الناس إليهم جاهروا بكفرهم ورجعوا إلى ما كانوا عليه، ليوهموا حديثي العهد بالإسلام أو ضعاف الإيمان، أنهم قوم يبحثون عن الحقيقة، وأنهم ليس عندهم أي عداء للنبي ﷺ بل إن الذي حصل منهم هو أنهم بعد دخولهم في الإسلام وجدوه دينا باطلا وأنهم ما عادوا إلى دينهم القديم إلا بعد الفحص والاختبار وإمعان النظر في دين الإسلام.
• والمتتبع لمراحل التاريخ قديماً وحديثاً يرى أن الدهاة في السياسة والحرب يتخذ هذه الخدعة ذريعة لإشاعة الخلل والاضطراب في صفوف أعدائه.
• قال بعض العلماء: هذا النوع الذي تحكيه الآيات من صد اليهود عن الإسلام مبنى على قاعدة طبيعية في البشر، وهي أن من علامة الحق أن لا يرجع عنه من يعرفه. وقد فقه هذا، هرقل، ملك الروم، فكان مما سأل عنه أبا سفيان من شئون النبي ﷺ أن قال له: «هل يرتد أحد من أتباع محمد سخطة لدينه بعد أن يدخل فيه؟ فقال أبو سفيان: لا. وقد أرادت هذه الطائفة أن تغش الناس من هذه الناحية ليقولوا: لولا أن ظهر لهؤلاء بطلان الإسلام لما رجعوا عنه بعد أن دخلوا فيه، واطلعوا على بواطنه وخوافيه، إذ لا يعقل أن يترك الإنسان الحق بعد معرفته، ويرغب عنه بعد الرغبة فيه بغير سبب.
стр. 1068
• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما حكى عنهم أنهم يلبسون الحق بالباطل أردف ذلك بأن حكى عنهم نوعاً واحداً من أنواع تلبيساتهم، وهو المذكور في هذه الآية.
• وقال ﵀: الفائدة في إخبار الله تعالى عن تواطئهم على هذه الحيلة من وجوه:
الأول: أن هذه الحيلة كانت مخفية فيما بينهم، وما أطلعوا عليها أحداً من الأجانب، فلما أخبر الرسول عنها كان ذلك إخباراً عن الغيب، فيكون معجزاً.
الثاني: أنه تعالى لما أطلع المؤمنين على تواطئهم على هذه الحيلة لم يحصل لهذه الحيلة أثر في قلوب المؤمنين، ولولا هذا الإعلان لكان ربما أثرت هذه الحيلة في قلب بعض من كان في إيمانه ضعف.
الثالث: أن القوم لما افتضحوا في هذه الحيلة صار ذلك رادعاً لهم عن الإقدام على أمثالها من الحيل والتلبيس.
• وسمى أول النهار وجهاً، لأنه أول ما يواجهك منه، وأول وقت ظهوره ووضوحه.
(لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُون) أي: آمنوا في أول النهار واكفروا في آخره، بأن تعودوا إلى اليهودية، أملاً في أن ينخدع بحيلتكم هذه بعض المسلمين، فيشكوا في دينهم، ويعودوا إلى الكفر بعد دخولهم في الإسلام.
• وفي هذا كشف عن مقصدهم الخبيث، وهو ابتغاؤهم رجوع بعض المؤمنين عن دينهم الحق إلى ما كانوا عليه من باطل.
(وَلا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ) أي: لا تطمئنوا وتظهروا سركم وما عندكم إلا لمن اتبع دينكم ولا تظهروا ما بأيديكم إلى المسلمين، فيؤمنوا به ويحتجوا به عليكم.
(قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ) أي هو الذي يهدي قلوب المؤمنين إلى أتم الإيمان، بما ينزله على عبده ورسوله محمد ﷺ من الآيات البينات، والدلائل القاطعات، والحجج الواضحات، وَإنْ كتمتم -أيها اليهود-ما بأيديكم من صفة محمد في كتبكم التي نقلتموها عن الأنبياء الأقدمين.
وهذه جملة معترضة.
(أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ) يقولون: لا تظهروا ما عندكم من العلم للمسلمين، فيتعلموه منكم، ويساووكم فيه، ويمتازوا به عليكم لشدة الإيمان به.
(أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) أي: يتخذوه حجة عليكم مما بأيديكم، فتقوم به عليكم الدلالة وتَتَركَّب الحجةُ في الدنيا والآخرة.
فهم على هذا التفسير يعلمون ويعتقدون بأن المؤمنين قد أوتوا مثلهم من الدين والفضائل عن طريق محمد ﷺ الذي أرسله الله رحمة
للعالمين، ولكنهم لشدة حسدهم وبغضهم للنبي ﷺ ولأتباعه، قد تواصوا فيما بينهم بأن يكتموا هذا العلم وتلك المعرفة، ولا يظهروا ذلك إلا فيما بينهم، وصدق الله إذ يقول في شأنهم الَّذِينَ آتَيْناهُمُ الْكِتابَ يَعْرِفُونَهُ كَما يَعْرِفُونَ أَبْناءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ.
стр. 1069
وهناك وجه آخر في التفسير:
والتقدير: ولا تصدقوا أن أحدا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم أو يمكنه أن يحاججكم عند ربكم إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ أي إلا من كان على ملتكم اليهودية، أما أن يكون من غيركم كهذا النبي العربي فلا يمكن أن يؤتى مثل ما أوتيتم من الكتاب والنبوة، لأنهما- في زعمهم- حكر على بنى إسرائيل.
فهم على هذا الوجه من التفسير يزعمون أنهم غير مصدقين ولا معتقدين بأن المسلمين قد أوتوا كتاباً وديناً وفضائل مثل ما أوتوا هم، أي اليهود، ويرون أنفسهم- لغرورهم وانطماس بصيرتهم- أنهم أهدى سبيلاً من كل من سواهم من البشر.
(قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: الأمورُ كلها تحت تصريفه، وهو المعطي المانع، يَمُنّ على من يشاء بالإيمان والعلم والتصور التام، ويضل من يشاء ويُعمي بصره وبصيرته، ويختم على سمعه وقلبه، ويجعل على بصره غشاوة، وله الحجة والحكمة.
• وفي الآية إثبات اليد لله تعالى.
قال تعالى (مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ).
وقال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ وَلُعِنُوا بِمَا قَالُوا بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ يُنْفِقُ كَيْفَ يَشَاءُ).
وقال ﷺ (إن الله يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل) رواه مسلم
المخالفون لأهل السنة:
أولها أهل التعطيل من الجهمية والمعتزلة والأشاعرة، أن المراد باليد هي القوة أو النعمة.
والرد عليهم:
أ-أن تفسير اليد بالقوة أو النعمة مخالف لظاهر اللفظ، وما كان مخالفاً لظاهر اللفظ فهو مردود إلا بدليل.
ب-أنه مخالف لإجماع السلف، فقد أجمع السلف على إثبات اليدين لله، فيجب إثباتها له بدون تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل.
ج-أنه يمتنع غاية الامتناع أن يراد باليد النعمة أو القوة في مثل قوله: (لما خلقت بيديّ) لأنه يستلزم أن تكون النعمة نعمتين فقط ونِعَمُ الله لا تحصى، ويستلزم أن تكون القوة قوتان والقوى بمعنى واحد لا تتعدد.
د-أنه لو كان المراد باليد القوة، ما كان لآدم فضل على إبليس ولا على الحمير والكلاب، لأنهم كلهم خلقوا بقوة الله، ولو كان المراد باليد القوة ما صح الاحتجاج على إبليس، إذ أن إبليس سيقول: (وأنا يا رب خلقتني بقوتك فما فضْله علي).
هـ-أن يقول أن هذه اليد التي أثبتها الله جاءت على وجوه متنوعة يمتنع أن يراد بها النعمة أو القوة فإن فيها ذكر الأصابع والقبض والبسط والكف واليمين، وكل هذا يمتنع أن يراد بها القوة، لأن القوة لا توصف بهذه الأوصاف.
стр. 1070
• الأوجه التي وردت عليها صفة اليدين وكيفية التوفيق بينها:
الأول: الإفراد كقوله تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ).
الثاني: التثنية كقوله تعالى (بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ).
الثالث: الجمع كقوله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا خَلَقْنَا لَهُمْ مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَا أَنْعَاماً).
والتوفيق بين هذه الوجوه أن نقول:
الوجه الأول مفرد مضاف فيشمل كل ما ثبت لله من يد ولا ينافي الثنتين.
وأما الجمع للتعظيم لا لحقيقة العدد الذي هو ثلاثة فأكثر، وحينئذ لا ينافي التثنية.
فائدة: قوله تعالى (وَالسَّمَاء بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ وَإِنَّا لَمُوسِعُون) والأيد هنا بمعنى القوة وليست هنا صفة لله وليس هذا تأويلاً ولا تحريفاً، ولهذا
لم يضفها الله إلى نفسه فلم يقل بأيدينا بل قال (بأيد).
(وَاللَّهُ وَاسِعٌ) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.
وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
• فالله واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
• والله واسع المغفرة.
ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
стр. 1071
• والله واسع العلم:
كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً).
• والله واسع الرحمة:
كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
(عَلِيمٌ) بكل شيء لا تخفى عليه خافية، عَلِيمٌ بمن يستحق الهداية ومن لا يستحق.
(يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) كما قال تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ).
• قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.
(وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ) أي: صاحب الفضل.
(الْعَظِيمِ) أي: الواسع الكثير، فلا فضل أعظم من فضل الله تعالى.
كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) وقال تعالى (وإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَتَ اللَّهِ لا تُحْصُوهَا)
الفوائد:
١ - بيان كيد الكفار للمسلمين.
٢ - من خطط الكفار التلبيس على المسلمين دينهم.
٣ - أن أهل الكتاب قد يكون فيهم منافقون.
٤ - تعصب أهل الكتاب لدينهم.
٥ - معرفة أساليب الكفار في حرب الإسلام.
٦ - أن من أعظم صفات اليهود الحسد.
٧ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والحساب.
٨ - أن الفضل والعطاء بيد الله.
٩ - إثبات اليد لله تعالى.
١٠ - أنه ينبغي للإنسان أن يعلق رجاءه بالله تعالى.
١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: واسع، عليم.
١٢ - إثبات علم الله الكامل.
١٣ - أنه لا اعتراض على الله في كونه يختص برحمته من يشاء.
١٤ - الله أعلم حيث يضع رحمته.
١٥ - إثبات الحكمة الكاملة لله تعالى.
стр. 1072
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنطَارٍ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ وَمِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِمًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ (٧٦)). [آل عمران: ٧٥ - ٧٦].
(وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) يخبر تعالى عن اليهود بأن فيهم الخونة، ويحذر المؤمنين من الاغترار بهم، فإن منهم (مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ) أي: من المال الكثير.
(يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) أي: وما دونه بطريق الأولى أن يؤديه إليك.
(وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ) أي: ومنهم من لا يؤتمن على دينار.
(لا يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ) لخيانته.
(إِلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِماً) أي: بالمطالبة والملازمة والإلحاح في استخلاص حقك، وإذا كان هذا صنيعه في الدينار فما فوقه أولى ألا يؤديه.
• وقال الطبري: واختلف أهل التأويل في تأويل قوله (إلا ما دمت عليه قائماً):
فقال بعضهم: إلا ما دمت له متقاضياً.
وقال آخرون: معنى ذلك: إلا ما دمتَ قائمًا على رأسه.
• ثم قال ﵀: وأولى القولين بتأويل الآية، قول من قال: معنى ذلك: إلا ما دمت عليه قائمًا بالمطالبة والاقتضاء، من قولهم: قام فلان بحقي على فلان حتى استخرجه لي، أي عمل في تخليصه، وسَعى في استخراجه منه حتى استخرجه.
• قال الرازي: المراد من ذكر القنطار والدينار ههنا العدد الكثير والعدد القليل، يعني أن فيهم من هو في غاية الأمانة حتى لو اؤتمن على الأموال الكثيرة أدى الأمانة فيها، ومنهم من هو في غاية الخيانة حتى لو أؤتمن على الشيء القليل، فإنه يجوز فيه الخيانة.
• فأهل الكتاب منهم الأمين ومنهم الخائن لكن أكثرهم خونة كما قال تعالى (مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ).
• قال القرطبي: وذكر تعالى قسمين: من يؤدّي ومن لا يؤدّي إلا بالملازمة عليه؛ وقد يكون من الناس من لا يؤدِّي وإن دُمت عليه قائماً، فذكر تعالى القسمين لأنه الغالب والمعتاد والثالث نادر؛ فخرج الكلام على الغالب.
• قال الطبري: فإن قال قائل: وما وجه إخبار الله بذلك نبيَّه ﷺ ، وقد علمتَ أنّ الناس لم يزالوا كذلك: منهم المؤدِّي أمانته والخائنُها؟
قيل: إنما أراد جل وعز بإخباره المؤمنين خبرَهم - على ما بينه في كتابه بهذه الآيات - تحذيرَهم أن يأتمنوهم على أموالهم، وتخويفهم الاغترارَ بهم، لاستحلال كثير منهم أموالَ المؤمنين.
فتأويل الكلام: ومن أهل الكتاب الذي إنْ تأمنه، يا محمد، على عظيم من المال كثير، يؤدِّه إليك ولا يخنْك فيه، ومنهم الذي إن تأمنه على دينار يخنْك فيه فلا يؤدِّه إليك، إلا أن تلح عليه بالتقاضي والمطالبة.
стр. 1073
• قال ابن الجوزي: فان قيل: لم خصَّ أهل الكتاب بأن فيهم خائناً وأميناً والخلق على ذلك، فالجواب: أنهم يخونون المسلمين استحلالاً لذلك، وقد بيَّنه في قوله تعالى (ليس علينا في الأمِّيِّين سبيل) فحذَّر منهم.
• قال في التسهيل: وذكر القنطار مثالاً للكثير؛ فمن أدّاه: أدّى ما دونه، وذكر الدينار مثالاً للقليل، فمن منعه منع ما فوقه بطريق الأولى.
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ عَلَيْنَا فِي الْأُمِّيِّينَ سَبِيلٌ) أي: إنَّمَا حَمَلهم على جُحود الحق أنهم يقولون: ليس علينا في ديننا حَرَج في أكل أموال الأمييّن، وهم العرب؛ فإن الله قد أحلها لنا.
(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) فيه وجوه:
الأول: أنهم قالوا: إن جواز الخيانة مع المخالف مذكور في التوراة وكانوا كاذبين في ذلك وعالمين بكونهم كاذبين فيه، ومن كان كذلك كانت خيانته أعظم وجرمه أفحش.
الثاني: أنهم يعلمون كون الخيانة محرمة.
الثالث: أنهم يعلمون ما على الخائن من الإثم.
(بَلَى) أي: بلى عليكم حرج وسبيل وإثم في الأميين إذا أكلتم أموالهم وظلمتموهم.
(مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ) منكم يا أهل الكتاب، من الإيمان بمحمد ﷺ إذا بعث وتصديقه فيما جاء به.
(وَاتَّقَى) الله، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
(فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ) فضل عظيم للمتقين، الذين يتقون الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
стр. 1074
• ففي هذه الآية فضل عظيم للتقوى، وللتقوى فضائل:
أولاً: أنها سبب لتيسير الأمور.
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً).
ثانياً: أنها سبب لإكرام الله.
قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ).
ثالثاً: العاقبة لأهل التقوى.
قال تعالى (وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ).
رابعاً: أنها سبب في دخول الجنة.
قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ).
خامساً: أنها سبب لتكفير السيئات.
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْراً).
سادساً: أنها سبب لحصول البشرى لهم.
قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَياةِ الدُّنْيَا).
سابعاً: أنها سبب للفوز والهداية.
قال تعالى (وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).
ثامناً: أنها سبب للنجاة يوم القيامة.
قال تعالى (ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوا وَّنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيّاً).
تاسعاً: أنها سبب لتفتيح البركات من السماء والأرض.
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ).
عاشراً: أنها سبب للخروج من المأزق.
стр. 1075
قال تعالى (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ).
الحادي عشر: أنها سبب لمحبة الله.
قال تعالى (إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ).
الثاني عشر: أنها سبب للاهتداء بالقرآن.
قال تعالى (ذَلِكَ الْكِتَابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ).
الثالث عشر: بالتقوى تنال معية الله.
قال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ).
الرابع عشر: أنها خير زاد.
قال تعالى (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى).
الخامس عشر: أنها من أسباب نيل الأجر العظيم.
قال تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ).
السادس عشر: أن الآخرة خير من الدنيا للمتقين.
قال تعالى (والْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً).
السابع عشر: أنها سبب لقبول الأعمال.
قال تعالى (قَالَ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ).
الثامن عشر: أن لباس التقوى خير لباس.
قال تعالى (وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ).
التاسع عشر: أنها من أسباب الرحمة.
قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).
العشرون: أنها من أسباب ولاية الله.
قال تعالى (أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ. الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ).
وقال تعالى (وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ).
• قال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة.
قال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله.
وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً.
وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله.
وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام.
وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى.
стр. 1076
• قال ابن القيم: مراتب التقوى: التقوى ثلاث مراتب:
إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني.
فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. …
الفوائد:
١ - انقسام أهل الكتاب إلى خائن وأمين.
٢ - أنه يجب الحذر من أهل الكتاب.
٣ - إعجاب أهل الكتاب بأنفسهم واحتقارهم لغيرهم.
٤ - أن من افترى على الله الكذب فيما يفتي به أو يحكم به بين الناس ففيه شبه باليهود والنصارى.
٥ - أن من افترى على الله الكذب وهو يعلم أشد إثماً وعدواناً ممن لا يعلم.
٦ - الثناء على الموفين بالعهد.
٧ - أن تقوى الله سبباً لمحبة الله.
٨ - فضل تقوى الله.
(السبت: ٥/ ٧/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1077
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً أُوْلَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٧٧)). [آل عمران: ٧٧].
(إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ) أي: يأخذون.
• والاشتراء في لغة العرب: الاستبدال، فكل شيء استبدلته بشيء فقد اشتريته
(بِعَهْدِ اللَّهِ) هو ما عاهدوا عليه من الإيمان بالنبي ﷺ .
وقيل: بعهد الله، أي: بعهدهم مع الناس، وأضافه الله إلى نفسه لأنه أمر بالوفاء به. قال تعالى (وأوفوا بعهد الله)
(وَأَيْمَانِهِمْ) أي: ويشترون أيضاً بأيمانهم ثمناً قليلاً.
والأيمان جمع يمين، وهي الحلف بالله تعالى، فيحلف على جحد حق واجب عليه، أو يحلف على دعوى حق له، وهو كاذب قال الرازي: قوله تعالى (إِنَّ الذين يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ الله) يدخل فيه جميع ما أمر الله به ويدخل فيه ما نصب عليه الأدلة ويدخل فيه المواثيق المأخوذة من جهة الرسول، ويدخل فيه ما يلزم الرجل نفسه، لأن كل ذلك من عهد الله الذي يلزم الوفاء به.
قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَّنْ عاهد الله لَئِنْ ءاتانا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ) الآية وقال (وَأَوْفُواْ بِالْعَهْدِ إِنَّ العهد كَانَ مَسْؤُولاً) وقال (يُوفُونَ بالنذر) وقال: (مّنَ المؤمنين رِجَالٌ صَدَقُواْ مَا عاهدوا الله عَلَيْهِ).
(ثَمَناً قَلِيلاً) وهي حطام الدنيا وعرضها الخسيس الزائل.
• قال الآلوسي: وصف ذلك بالقلة لقلته في جنب ما يفوتهم من الثواب ويحصل لهم من العقاب.
وقال ﵀: ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته.
وقال ﵀: (ثمناً قليلاً) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به، فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم.
• قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم.
سئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَناً قَلِيلاً) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها.
• فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد ﷺ لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة.
وقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه.
قال الحسن ﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله).
стр. 1078
قال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (٢٠٧ هـ) ﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه:
لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكاً وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى).
قال يوسف بن زكريا ﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء).
جلس الحسن ﵀ يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد).
قال وهب بن منبه - توفي سنة (١١٤ هـ) ﵀: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء).
قال أبو حازم ﵀ لا تكون عالماً حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة).
قال مطرف بن عبد الله ﵀ إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء).
قال شميط بن عجلان ﵀ يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء).
قال ابن المبارك ﵀ إنما الناس العلماء والملوك والزهاد، والسفلة الذين يأكلون بدينهم أموال الناس بالباطل ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل).
قال (يأكلون الدنيا بالدين، قال: فبكى فضيل بن عياض بكاءاً شديداً ثم قال: كذب من قال: إنه لا يأكل بدينه أنا والله آكل بديني. (شعب الإيمان).
стр. 1079
• وقد ذكر العلامة المعلمي أن المنزلة والجاه من موانع الهداية فقال ﵀ بعد أن ذكر الوجه الأول:
الوجه الثاني: أن يكون قد صار في الباطل جاه وشهرة ومعيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد.
• وفي هذا أن الدنيا كلها ثمن قليل حقير.
وفي الحديث قال ﷺ (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.
وقال ﷺ (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه.
وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) رواه الترمذي.
ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود.
(أُولَئِكَ لا خَلاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ) أي: لا نصيب لهم في الآخرة، ولا حظ لهم منها.
والآخرة يوم القيامة، وسمي يوم القيامة آخرة لأنه آخر مراحل البشر.
(وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ) أي: كلام لطف بهم.
لكن الله قد يكلمهم كلام إهانة كما قال تعالى (قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).
(وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) نظر رحمة.
• ويوم القيامة سمي بذلك:
أولاً: لقيام الناس من قبورهم.
كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ).
ثانياً: لقيام الأشهاد.
كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ).
ثالثاً: لقيام الروح والملائكة.
كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً).
(وَلا يُزَكِّيهِمْ) أي: ولا يطهرهم من آثار رجسهم التي تلوثوا بها.
• قال الرازي: قوله تعالى (وَلَا يُزَكّيهِمْ) ففيه وجوه الأول: أن لا يطهرهم من دنس ذنوبهم بالمغفرة بل يعاقبهم عليها والثاني: لا يزكيهم أي لا يثني عليهم كما يثني على أوليائه الأزكياء والتزكية من المزكى للشاهد مدح منه له.
واعلم أن تزكية الله عباده قد تكون على ألسنة الملائكة كما قال (والملائكة يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مّن كُلّ بَابٍ سلام عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عقبى الدار) وقال (وتتلقاهم الملائكة هذا يَوْمُكُمُ الذى كُنتُمْ تُوعَدُونَ) (نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الحياة الدنيا وَفِى الأخرة).
وقد تكون بغير واسطة، أما في الدنيا فكقوله (التائبون العابدون) وأما في الآخرة فكقوله (سَلَامٌ قَوْلاً مّن رَّبّ رَّحِيمٍ).
(وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلم موجع.
عن أبي ذر، قال: قال رسول الله ﷺ (ثَلاثَة لا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" قلت: يا رسول الله، من هم؟ خابوا وخسروا. قال: وأعاده رسول الله ﷺ ثلاث مرات قال: "المُسْبِل، والمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ بالكاذب) رواه مسلم.
стр. 1080
وعن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (مَنْ حَلَفَ عَلَى يمين هو فيها فَاجِر، لِيقْتَطِعَ بِهَا مَال امْرِئٍ مُسْلِمٍ، لَقِيَ الله وَهُوَ عَليْهِ غَضْبَانُ، فقال الأشعث: فيّ والله كان ذلك، كان بيني وبين رجل من اليهود أرض فجَحَدني، فقدَّمته إلى رسول الله ﷺ فقال لي رسول الله ﷺ : أَلَكَ بَيَّنة؟ " قلتُ: لا فقال لليهودي: احْلِفْ، فقلتُ: يا رسول الله، إذا يحلف فيذهب مالي. فأنزل الله (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلاً) متفق عليه.
الفوائد:
١ - تهديد من يشتري بعهد الله وأيمانهم ثمناً قليلاً.
٢ - تحريم اليمين الغموس.
٣ - أن اليمين الغموس وعدم القيام بعهد الله من كبائر الذنوب.
٤ - إثبات الآخرة.
٥ - أنه ينبغي للإنسان أن تكون الآخرة همه.
٦ - ذم الدنيا، وأنه قليلة زائلة.
٧ - خطر الدنيا وطلبها والتعلق بها.
٨ - التحذير من فتنة الدنيا.
٩ - إثبات يوم القيامة.
(الأحد: ٦/ ٧/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1081
(وَإِنَّ مِنْهُمْ لَفَرِيقًا يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُم بِالْكِتَابِ لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَمَا هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٨)). [آل عمران: ٧٨].
(وَإِنَّ مِنْهُمْ) أي: من أهل الكتاب.
(لَفَرِيقاً يَلْوُونَ أَلْسِنَتَهُمْ بِالْكِتَابِ) أي: يعطفونها، قال ابن عباس: يحرفونه بتأويله على غير مراد الله.
(لِتَحْسَبُوهُ مِنَ الْكِتَابِ) أي: من أجل أن تحسبوه وتظنوه أنه من عند الله.
والمراد بالكتاب هنا التوراة.
(وَمَا هُوَ مِنَ الْكِتَابِ) هذا إبطال لما أرادوه من ليّهم ألسنتهم بالكتاب.
(وَيَقُولُونَ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) كذباً على الله.
(وَمَا هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) رد على ادعائهم.
(وَيَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنه كذب على الله.
• بعض صفات أهل الكتاب كما ذكره الله تعالى.
الحسد: قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) نقض الميثاق: قال تعالى (فبما نقضهم ميثاقهم لعناهم و جعلنا قلوبهم قاسيه).
الخيانة: قال تعالى (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ).
كتم العلم: قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).
стр. 1082
تحريف الكتاب: قال تعالى (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)، وقال تعالى (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ) وقال تعالى (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ).
قتل الأنبياء: قال تعالى (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ).
وهم الذين قتلوا زكريا ويحيي ﵉، وحاولوا قتل النبي ﷺ .
قتلهم للدعاء إلى الله: قال تعالى (إنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ)، وقال تعالى (لقَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاءُ سَنَكْتُبُ مَا قَالُوا وَقَتْلَهُمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ).
الفوائد:
١ - تحريم أهل الكتاب للكتاب.
٢ - تحريم تحريف الكتاب.
٣ - الحذر من تأويل القرآن، وأن من فعل ذلك ففيه شبه من أهل الكتاب.
٤ - ينبغي معرفة صفات أهل الكتاب لنجتنبها، لأن النبي ﷺ أخبر (لتتبعن سنن من كان قبلكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه … ).
стр. 1083
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ كُونُواْ عِبَادًا لِّي مِن دُونِ اللَّهِ وَلَكِن كُونُواْ رَبَّانِيِّينَ بِمَا كُنتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ (٧٩) وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلَائِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُونَ (٨٠)). [آل عمران: ٧٩ - ٨٠].
(مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللَّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنُّبُوَّةَ) في هذا رد على أولئك الجاهلين الذين زعموا أن بعض النبيين يصح له أن يطلب من الناس أن يعبدوه من دون اللّه.
والمعنى: لا يصح ولا ينبغي ولا يستقيم عقلا لبشر آتاه اللّه تعالى وأعطاه:
(الْكِتابَ) الناطق بالحق، الآمر بالتوحيد، الناهي عن الإشراك، وآتاه (الْحُكْمَ) أي العلم النافع والعمل به، وآتاه
(النُّبُوَّةَ) أي الرسالة التي يبلغها عنه سبحانه إلى الناس، ليدعوهم إلى عبادته وحده، وإلى مكارم الأخلاق، لا يصح له ولا ينبغي بعد كل هذه النعم أن يكفرها ثُمَّ يَقُولَ لِلنَّاسِ بعد هذا العطاء العظيم الذي وهبه اللّه له كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ أي: لا ينبغي ولا يعقل من بشر آتاه اللّه كل هذه النعم أن يقول للناس هذا القول الشنيع وهو كُونُوا عِباداً لِي مِنْ دُونِ اللَّهِ، لأن الأنبياء الذين آتاهم اللّه الكتاب والحكم والنبوة يحجزهم خوفهم من اللّه، وإخلاصهم له، عن أن يقولوا هذا القول المنكر، كما يحجزهم عنه أيضاً ما امتازوا به من نفوس طاهرة،
وقلوب نقية، وعقول سليمة … لأنهم لو فرض أنهم قالوا ذلك لأخذهم اللّه تعالى أخذ عزيز مقتدر فهو سبحانه القائل (وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ).
• قال ابن كثير: فإذا كان هذا لا يصلح لنبي ولا لمرسل، فلأن لا يصلح لأحد من الناس غيرهم بطريق الأولى والأحرى.
ولهذا قال الحسن البصري: لا ينبغي هذا لمؤمن أن يأمر الناس بعبادته، قال: وذلك أن القوم كان يعبد بعضهم بعضا -يعني أهل الكتاب-كانوا يَتعبَّدون لأحبارهم ورهبانهم، كما قال الله تعالى (اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلا لِيَعْبُدُوا إِلَهًا وَاحِدًا لا إِلَهَ إِلا هُوَ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ) وفي المسند، والترمذي -كما سيأتي-أن عَديّ بن حاتم قال: يا رسول الله، ما عبدوهم. قال: (بَلَى، إنَّهُمْ أَحَلُّوا لَهُمُ الْحَرَامَ وحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلالَ، فَاتَّبَعُوهُمْ، فَذَلِكَ عِبَادَتُهُمْ إِيَّاهُم).
فالجهلة من الأحبار والرهبان ومشايخ الضلال يدخلون في هذا الذم والتوبيخ، بخلاف الرسل وأتباعهم من العلماء العاملين، فإنما يأمرون بما أمَرَ الله به وبلغتهم إياه رسله الكرام، إنما يَنْهَوْنهم عما نهاهم الله عنه وبلغتهم إياه رسله الكرام، فالرسل، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعينَ، هم السفراء بين الله وبين خلقه في أداء ما حملوه من الرسالة وإبلاغ الأمانة، فقاموا بذلك أتم قيام، ونصحوا الخلق، وبلغوهم الحق.
стр. 1084
• وقال السعدي: أي: يمتنع ويستحيل كل الاستحالة لبشر منّ الله عليه بالوحي والكتاب والنبوة، وأعطاه الحكم الشرعي، أن يأمر الناس بعبادته، وبعبادة النبيين والملائكة واتخاذهم أرباباً، لأن هذا هو الكفر، فكيف وقد بعث بالإسلام المنافي للكفر من كل وجه، فكيف يأمر بضده؟
(وَلَكِنْ كُونُوا) أي: ولكن يقول لهم: كونوا، فحذف القول لدلالة الكلام عليه.
(رَبَّانِيِّينَ) أي: مقبلين على طاعة اللّه تعالى وعبادته وحده بجد ونشاط وإخلاص، بسبب كونكم تعلمون غيركم الكتاب الذي أنزله اللّه لهداية الناس وبسبب كونكم دارسين له، أي قارئين له بتمهل وتدبر.
• وقوله تعالى وَلكِنْ كُونُوا رَبَّانِيِّينَ استدراك قصد به إثبات ما ينبغي للرسل أن يقولوه بعد أن نفى عنهم ما لا ينبغي لهم أن ينطقوا به، أي: لا ينبغي لبشر آتاه اللّه نعما لا تحصى أن يقول للناس كونوا عباداً لي من دون اللّه، ولكن الذي ينبغي له أن يقوله لهم هو قوله: كونوا ربانيين أي مخلصين له سبحانه العبادة إخلاصاً تاماً.
• والمراد بالرباني: الإنسان الذي أخلص اللّه تعالى في عبادته، وراقبه في كل أقواله وأفعاله، واتقاه حق التقوى، وجمع بين العلم النافع والعمل به، وقضى حياته في تعليم الناس وإرشادهم إلى ما ينفعهم.
• قال الطبري: وأولى الأقوال عندي بالصواب في الربانيين أنهم جمع"رباني"، وأن"الرباني" المنسوب إلى"الرَّبَّان"، الذي يربُّ الناسَ، وهو الذي يُصْلح أمورهم، و"يربّها"، ويقوم بها.
(بِمَا كُنْتُمْ تُعَلِّمُونَ الْكِتَابَ) أي: بتعليمكم الناس الكتاب.
(وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ) أي: ودراستكم إياه.
• قال الرازي: دلّت الآية على أن العلم والتعليم والدراسة توجب كون الإنسان ربانياً، فمن اشتغل بالتعلم والتعليم لا لهذا المقصود ضاع سعيه وخاب عمله وكان مثله مثل من غرس شجرة حسناء مونقة بمنظرها ولا منفعة بثمرها ولهذا قال ﷺ (نعوذ بالله من علم لا ينفع وقلب لا يخشع).
(وَلا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتَّخِذُوا الْمَلائِكَةَ وَالنَّبِيِّينَ أَرْبَاباً) أي: ولا يأمركم بعبادة أحد غير الله، لا نبي مرسل ولا ملك مُقَرَّب.
• وخصص الملائكة والنبيين بالذكر لأن عبادتهما قد شاعت عند كثير من الناس، فقد وقع في عبادة الملائكة «الصابئة» الذين كانوا يقيمون في بلاد الكلدان، وتبعهم بعض المشركين من العرب، ووقع في عبادة بعض النبيين كثير من النصارى فقد اتخذوا المسيح إلها يعبد وزعموه ابن اللّه وكثير من اليهود عبدوا عزيزا وزعموه ابن اللّه.
стр. 1085
(أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: لا يَفْعَل ذلك؛ لأنَّ من دعا إلى عبادة غير الله فقد دعا إلى الكفر، والأنبياء إنما يأمرون بالإيمان، وهو عبادة الله وحده لا شريك له.
كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
وقال تعالى (وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رُسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِنْ دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ).
وقال تعالى إخبارًا عن الملائكة (وَمَنْ يَقُلْ مِنْهُمْ إِنِّي إِلَهٌ مِنْ دُونِهِ فَذَلِكَ نَجْزِيهِ جَهَنَّمَ كَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).
والاستفهام في قوله أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ للإنكار الذي بمعنى النفي.
الفوائد:
١ - أن من منّ الله عليه بالعلم النافع فإنه لا يمكن أن يدعو الناس إلى عبادة نفسه.
٢ - الإشارة إلى أنه ينبغي للإنسان أن يكون معلماً ربانياً.
٣ - وجوب عبادة الله وحده.
٤ - تحريم الشرك.
стр. 1086
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)). [آل عمران: ٨١ - ٨٢].
(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) أي: واذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق.
وسمي الميثاق عهداً، لأن كلاً من المتعاهدين يتوثق به مع الآخر.
(لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: للذي أعطيتكم من الكتاب والحكمة.
وقال بعض العلماء: إن (لما) بمعنى مهما، والمراد مهما أوتيتم من كتاب وحكمة.
(ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) أي: ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد ﷺ .
(لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) هذا محل الميثاق، أي: تؤمنوا به وتصدقوه.
(وَلَتَنْصُرُنَّهُ) أي: تعينونه على نشر رسالته، وعلى قتال أعدائه.
• قال ابن الجوزي: وفي الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان:
أحدهما: أنه تصديق محمد ﷺ ، روي عن علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي.
والثاني: أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمننَّ بما جاء به الآخر منهم، قاله طاووس.
• وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، ﵇، إلى عيسى ﵇، لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته؛ ولهذا قال تعالى وتقدس (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة.
• قيل: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمدٌ وهو حيٌ ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمر الله النبي أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث فيهم محمداً ﵇ وهو حيٌ وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه.
وهذا رفعةٌ وعظمةٌ بين الأنبياء وتعريفٌ وتشريفٌ بين البشرية جمعاء .. إذ هذه مكانة عظيمة، والله جل وعلا يعلم أن النبي ﷺ لن يكون إلا في آخر الزمان، وأنه خاتم الأنبياء .. فإذا جعل الميثاق على كل نبيٍّ بعث أنه يُقرّ ويؤخذ عليه الميثاق إن بُعث محمد وهو حيٌّ، أو بعث في أمته بعد وفاته أن يأخذ العهد والميثاق على الإيمان بمحمدِ ﷺ وعلى نصرته وأتباعه؟
وقيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً ويأمر بعضهم بالإيمان بعضاً، فذلك معنى النصرة بالتصديق. وهذا قول
سعيد بن جبير و قتادة و طاوس و السدي و الحسن، وهو ظاهر الآية،
• قال ابن الجوزي: قال بعض أهل العلم: إنما أخذ الميثاق على النبيين، وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، وهذا معنى قول ابن عباس، والزجاج.
стр. 1087
(قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ) أي: أأقررتم واعترفتم.
(وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) أي: عهدي، والإصر العهد الثقيل.
(قَالُوا أَقْرَرْنَا) أي: اعترفنا.
(قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم.
(فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: عن هذا العهد.
(فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المراد بالفسق هنا الكفر.
عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررتُ بأخٍ لي من قُرَيْظَة، فكتب لي جَوَامعَ من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّرَ وَجْهُ رسول اللهِ ﷺ قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً -قال: فسُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وقال: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ﵇، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنْ الأمَمِ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ).
عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ (لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ وإما أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّه -واللهِ-لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي.
وفي بعض الأحاديث (لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّينِ لَمَا وَسِعَهُما إلا اتِّباعِي).
فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكونَ هو المخصوص به.
الفوائد:
١ - وجوب الإيمان بالرسول ﷺ .
٢ - فضيلة نبينا محمد ﷺ حيث أخذ الله على جميع الأنبياء الميثاق أن يؤمنوا به.
٣ - أنه يجب على الأنبياء أن ينصروا هذا النبي ﷺ .
٤ - إثبات كلام الله تعالى.
٥ - فسق من تولى بعد قيام الحجة عليه.
стр. 1088
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)). [آل عمران: ٨٣].
(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) ينكر تعالى على من أراد ديناً سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه، وأرسل له رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له.
• قال ابن عاشور: الاستفهام للتوبيخ والتحذير، ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله.
(وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) أي: استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً كما قال تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي
السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله تعالى، والكافر مستسلم لله كرهاً، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. (تفسير ابن كثير).
وقيل: أن المؤمن يسجد طائعاً، والكافر يسجد ظلُّه وهو كاره
وقيل: إن المؤمن أسلم طائعاً، والكافر أسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه في ذلك الوقت.
وقيل: إن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلتهم، لا يقدر أحد أن يمتنع من جبّلةٍ جبله عليها، ولا على تغييرها، هذا قول الزجاج، وهو معنى قول الشعبي: انقاد كلهم له. (زاد المسير).
(وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) أي: يوم المعاد، فيجازي كلاً بعمله.
الفوائد:
١ - ذم من يبتغي غير دين الإسلام.
٢ - لا ينبغي للإنسان أن يتخذ ديناً غير دين الله وهو مربوب لله.
٣ - عموم ملك الله وسلطانه.
стр. 1089
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)). [آل عمران: ٨٤ - ٨٥].
(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
• وحد الضمير في (قُلْ) وجمع في (آمنا):
يحتمل: أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك، وإنما حُذِفَ معطوفُه؛ لِفَهْم المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنا بالله، كذا قدَّره ابنُ عطية.
ويحتمل: أن المأمور بذلك نبينا وحده، وإنما خوطب بلفظ الجمع؛ تعظيماً له.
• قال السعدي: في قوله (قولوا) فيها إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه.
(وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي: القرآن العظيم، ويشمل السنة لقوله تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
(وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) أي: من الصحف والوحي.
ولم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكن بيّن في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وذلك في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى).
(وَالْأَسْبَاطِ) وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الإثني عشر.
• والأسباط: هم بنو يعقوب اثنا عشر رجلاً، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل.
قال البخاري: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، وهذا اختيار الطبري.
(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) أي: من التوراة والإنجيل والآيات كاليد والعصا وكإخراج الموتى بإذن الله.
قال تعالى (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهو التوراة بالإجماع، وذكر ما أوتيه عيسى وهو الإنجيل كما في قوله تعالى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ
وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ).
стр. 1090
(وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) هذا يعم جميع الأنبياء جملة.
أي: ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعاً ونصدق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات.
• سؤال: فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟
قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد ﷺ مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق. (مفاتيح الغيب)
(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) يعني: بل نؤمن بجميعهم.
أي: نؤمن على هذا الوجه، فلا نفرق بين أحد منهم في الإيمان بهم، لا في الاتباع، فلا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى
• قال ابن عاشور: ومعنى (لا نفرق بين أحد منهم) أننا لا نعادي الأنبياء، ولا يحملنا حبّ نبينا على كراهتهم، وهذا تعريض باليهود والنصارى، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة.
وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى (وتؤمنون بالكتاب كله).
(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكاً فيها، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك.
(وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) أي: من سلك طريقاً سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه.
والمراد بالإسلام هنا: الإسلام الخاص الذي جاء به نبينا محمد ﷺ .
(وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين) الخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب شبه في تضييع زمانه في الدنيا باتباع غير الإسلام بالذي خسر في بضاعته.
الفوائد:
٤ - وجوب الإيمان بالقلب واللسان.
٥ - وجوب الإيمان بما أنزل علينا.
٦ - ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب.
٧ - وجوب الاستسلام لله تعالى.
٨ - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام.
٩ - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله.
١٠ - إثبات الآخرة.
следующие страницы →