← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1086–1125 · переход к 1091.

стр. 1086

(وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ (٨١) فَمَن تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (٨٢)). [آل عمران: ٨١ - ٨٢]. (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ) أي: واذكر يا محمد لمن أرسلناك إليهم، اذكر هذا العهد والميثاق. وسمي الميثاق عهداً، لأن كلاً من المتعاهدين يتوثق به مع الآخر. (لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: للذي أعطيتكم من الكتاب والحكمة. وقال بعض العلماء: إن (لما) بمعنى مهما، والمراد مهما أوتيتم من كتاب وحكمة. (ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ) أي: ثم جاءكم رسول من عندي بكتاب مصدق لما بين أيديكم وهو محمد ﷺ . (لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ) هذا محل الميثاق، أي: تؤمنوا به وتصدقوه. (وَلَتَنْصُرُنَّهُ) أي: تعينونه على نشر رسالته، وعلى قتال أعدائه. • قال ابن الجوزي: وفي الذي أخذ ميثاقهم عليه قولان: أحدهما: أنه تصديق محمد ﷺ ، روي عن علي، وابن عباس، وقتادة، والسدي. والثاني: أنه أخذ ميثاق الأول من الأنبياء ليؤمننَّ بما جاء به الآخر منهم، قاله طاووس. • وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنه أخذ ميثاق كل نبي بعثه من لدن آدم، ﵇، إلى عيسى ﵇، لَمَهْمَا آتى الله أحدَهم من كتاب وحكمة، وبلغ أيّ مبلَغ، ثم جاءه رسول من بعده، ليؤمنَنَّ به ولينصرَنَّه، ولا يمنعه ما هو فيه من العلم والنبوة من اتباع من بعث بعده ونصرته؛ ولهذا قال تعالى وتقدس (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ) أي: لمهما أعطيتكم من كتاب وحكمة. • قيل: ما بعث الله نبيًّا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث محمدٌ وهو حيٌ ليؤمنن به، ولينصرنه، وأمر الله النبي أن يأخذ الميثاق على أمته لئن بعث فيهم محمداً ﵇ وهو حيٌ وهم أحياء ليؤمنن به، ولينصرنه. وهذا رفعةٌ وعظمةٌ بين الأنبياء وتعريفٌ وتشريفٌ بين البشرية جمعاء .. إذ هذه مكانة عظيمة، والله جل وعلا يعلم أن النبي ﷺ لن يكون إلا في آخر الزمان، وأنه خاتم الأنبياء .. فإذا جعل الميثاق على كل نبيٍّ بعث أنه يُقرّ ويؤخذ عليه الميثاق إن بُعث محمد وهو حيٌّ، أو بعث في أمته بعد وفاته أن يأخذ العهد والميثاق على الإيمان بمحمدِ ﷺ وعلى نصرته وأتباعه؟ وقيل: أخذ الله تعالى ميثاق الأنبياء أن يصدق بعضهم بعضاً ويأمر بعضهم بالإيمان بعضاً، فذلك معنى النصرة بالتصديق. وهذا قول سعيد بن جبير و قتادة و طاوس و السدي و الحسن، وهو ظاهر الآية، • قال ابن الجوزي: قال بعض أهل العلم: إنما أخذ الميثاق على النبيين، وأممهم، فاكتفى بذكر الأنبياء عن ذكر الأمم، لأن في أخذ الميثاق على المتبوع دلالة على أخذه على التابع، وهذا معنى قول ابن عباس، والزجاج.

стр. 1087

(قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ) أي: أأقررتم واعترفتم. (وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي) أي: عهدي، والإصر العهد الثقيل. (قَالُوا أَقْرَرْنَا) أي: اعترفنا. (قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ) أي: اشهدوا على أنفسكم وأتباعكم وأنا من الشاهدين عليكم وعليهم. (فَمَنْ تَوَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: عن هذا العهد. (فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ) المراد بالفسق هنا الكفر. عن عبد الله بن ثابت قال: جاء عمر إلى النبي ﷺ فقال: يا رسول الله، إني مررتُ بأخٍ لي من قُرَيْظَة، فكتب لي جَوَامعَ من التوراة، ألا أعرضها عليك؟ قال: فتغيَّرَ وَجْهُ رسول اللهِ ﷺ قال عبد الله بن ثابت: قلت له: ألا ترى ما بوجه رسول الله ﷺ ؟ فقال عمر: رضينا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد رسولاً -قال: فسُرِّيَ عن رسول الله ﷺ وقال: وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَصْبَحَ فِيكُمْ مُوسَى ﵇، ثُمَّ اتَّبَعْتُمُوهُ وَتَرَكْتُمُونِي لَضَلَلْتُمْ، إِنَّكُمْ حَظِّي مِنْ الأمَمِ، وَأَنَا حَظُّكُمْ مِنْ النَّبِيِّينَ). عن جابر قال: قال رسول الله ﷺ (لا تَسْأَلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ شَيْءٍ، فَإِنَّهُمْ لَنْ يَهْدُوكُمْ وَقَدْ ضَلُّوا، وَإِنَّكُمْ إِمَّا أَنْ تُصَدِّقُوا بِبَاطِلٍ وإما أنْ تُكَذِّبُوا بِحَقٍّ، وَإِنَّه -واللهِ-لَوْ كَانَ مُوسَى حَيًّا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ مَا حَلَّ لَهُ إِلا أَنْ يَتَّبِعَنِي. وفي بعض الأحاديث (لَوْ كَانَ مُوسَى وَعِيسَى حَيَّينِ لَمَا وَسِعَهُما إلا اتِّباعِي). فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه، دائما إلى يوم الدين، وهو الإمام الأعظم الذي لو وجد في أي عصر وجد لكان هو الواجب الطاعة المقدَّم على الأنبياء كلهم؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس، وكذلك هو الشفيع في يوم الحشر في إتيان الرب لِفَصْل القضاء، وهو المقام المحمود الذي لا يليق إلا له، والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين، حتى تنتهي النوبة إليه، فيكونَ هو المخصوص به. الفوائد: ١ - وجوب الإيمان بالرسول ﷺ . ٢ - فضيلة نبينا محمد ﷺ حيث أخذ الله على جميع الأنبياء الميثاق أن يؤمنوا به. ٣ - أنه يجب على الأنبياء أن ينصروا هذا النبي ﷺ . ٤ - إثبات كلام الله تعالى. ٥ - فسق من تولى بعد قيام الحجة عليه.

стр. 1088

(أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ (٨٣)). [آل عمران: ٨٣]. (أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ) ينكر تعالى على من أراد ديناً سوى دين الله، الذي أنزل به كتبه، وأرسل له رسله، وهو عبادته وحده لا شريك له. • قال ابن عاشور: الاستفهام للتوبيخ والتحذير، ودين الله هو الإسلام لقوله تعالى (إن الدين عند الله الإسلام) وإضافته إلى الله لتشريفه على غيره من الأديان، أو لأنّ غيره يومئذ قد نسخ بما هو دين الله. (وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً) أي: استسلم له من فيهما طوعاً وكرهاً كما قال تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). فالمؤمن مستسلم بقلبه وقالبه لله تعالى، والكافر مستسلم لله كرهاً، فإنه تحت التسخير والقهر والسلطان العظيم، الذي لا يخالف ولا يمانع. (تفسير ابن كثير). وقيل: أن المؤمن يسجد طائعاً، والكافر يسجد ظلُّه وهو كاره وقيل: إن المؤمن أسلم طائعاً، والكافر أسلم حين رأى بأس الله، فلم ينفعه في ذلك الوقت. وقيل: إن إسلام الكل خضوعهم لنفاذ أمره في جبلتهم، لا يقدر أحد أن يمتنع من جبّلةٍ جبله عليها، ولا على تغييرها، هذا قول الزجاج، وهو معنى قول الشعبي: انقاد كلهم له. (زاد المسير). (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ) أي: يوم المعاد، فيجازي كلاً بعمله. الفوائد: ١ - ذم من يبتغي غير دين الإسلام. ٢ - لا ينبغي للإنسان أن يتخذ ديناً غير دين الله وهو مربوب لله. ٣ - عموم ملك الله وسلطانه.

стр. 1089

(قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (٨٤) وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ (٨٥)). [آل عمران: ٨٤ - ٨٥]. (قُلْ آمَنَّا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته. • وحد الضمير في (قُلْ) وجمع في (آمنا): يحتمل: أن يكون هو وأمته مأمورين بذلك، وإنما حُذِفَ معطوفُه؛ لِفَهْم المعنى، والتقدير: قل يا محمد أنت وأمتك: آمنا بالله، كذا قدَّره ابنُ عطية. ويحتمل: أن المأمور بذلك نبينا وحده، وإنما خوطب بلفظ الجمع؛ تعظيماً له. • قال السعدي: في قوله (قولوا) فيها إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه. (وَمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي: القرآن العظيم، ويشمل السنة لقوله تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ). (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ) أي: من الصحف والوحي. ولم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكن بيّن في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وذلك في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى). (وَالْأَسْبَاطِ) وهم بطون بني إسرائيل المتشعبة من أولاد إسرائيل - وهو يعقوب - الإثني عشر. • والأسباط: هم بنو يعقوب اثنا عشر رجلاً، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل. قال البخاري: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، وهذا اختيار الطبري. (وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) أي: من التوراة والإنجيل والآيات كاليد والعصا وكإخراج الموتى بإذن الله. قال تعالى (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهو التوراة بالإجماع، وذكر ما أوتيه عيسى وهو الإنجيل كما في قوله تعالى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ).

стр. 1090

(وَالنَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) هذا يعم جميع الأنبياء جملة. أي: ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعاً ونصدق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات. • سؤال: فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد ﷺ مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق. (مفاتيح الغيب) (لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) يعني: بل نؤمن بجميعهم. أي: نؤمن على هذا الوجه، فلا نفرق بين أحد منهم في الإيمان بهم، لا في الاتباع، فلا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى • قال ابن عاشور: ومعنى (لا نفرق بين أحد منهم) أننا لا نعادي الأنبياء، ولا يحملنا حبّ نبينا على كراهتهم، وهذا تعريض باليهود والنصارى، وحذف المعطوف وتقديره لا نفرق بين أحد وآخر، وتقدم نظير هذه الآية في سورة البقرة. وهذه الآية شعار الإسلام وقد قال الله تعالى (وتؤمنون بالكتاب كله). (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون أو مخلصون أنفسَنا له تعالى لا نجعلُ له شريكاً فيها، وفيه تعريضٌ بإيمان أهلِ الكتاب فإنه بمعزل من ذلك. (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ) أي: من سلك طريقاً سوى ما شرعه الله فلن يقبل منه. والمراد بالإسلام هنا: الإسلام الخاص الذي جاء به نبينا محمد ﷺ . (وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين) الخسران في الآخرة هو حرمان الثواب وحصول العقاب شبه في تضييع زمانه في الدنيا باتباع غير الإسلام بالذي خسر في بضاعته. الفوائد: ٤ - وجوب الإيمان بالقلب واللسان. ٥ - وجوب الإيمان بما أنزل علينا. ٦ - ثبوت نبوة إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب. ٧ - وجوب الاستسلام لله تعالى. ٨ - بطلان كل عمل ليس على دين الإسلام. ٩ - أن جميع الأديان غير دين الإسلام غير مقبولة عند الله. ١٠ - إثبات الآخرة.

стр. 1091

(كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُواْ أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُوْلَئِكَ جَزَآؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (٨٨) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٨٩)). [آل عمران: ٨٦ - ٨٩]. (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) استفهام للتعجيب والتعظيم لكفرهم، أي: كيف يستحق الهداية قوم كفروا بعد إيمانهم. (وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ) أي: بعد أن جاءتهم الشواهد ووضح لهم الحق أن محمداً رسول الله. (وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: جاءتهم المعجزات والحجج البينات على صدق النبي ﷺ . • قال السعدي: لأنهم عرفوا الحق فرفضوه، ولأن من هذه الحالة وصفه، فإن الله يعاقبه بالانتكاس، وانقلاب القلب جزاء له، إذ عرف الحق فتركه، والباطل فآثره، فولاه الله ما تولى لنفسه. • قال الرازي: اعلم أنه تعالى استعظم كفر القوم من حيث أنه حصل بعد خصال ثلاث: أحدها: بعد الإيمان. وثانيها: بعد شهادة كون الرسول حقاً. وثالثها: بعد مجيء البينات، وإذا كان الأمر كذلك كان ذلك الكفر صلاحاً بعد البصيرة وبعد إظهار الشهادة، فيكون الكفر بعد هذه الأشياء أقبح لأن مثل هذا الكفر يكون كالمعاندة والجحود، وهذا يدل على أن زلة العالم أقبح من زلة الجاهل. وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) تهديد لكل ظالم، وأعظم الظلم الشرك بالله تعالى. الهداية المنفية هنا هداية التوفيق، أما هداية البيان والإرشاد فهي حاصلة لكل أحد. • قال الشوكاني: وأما الهداية بمعنى الدلالة على الحق والإرشاد اليه فقد نصبها الله سبحانه لجميع عباده.

стр. 1092

• قوله تعالى (والله لَا يَهْدِي القوم الظالمين) يقال: ظاهر الآية أَنَّ مَن كفر بعد إسلامه لا يهديه الله ومن كان ظالماً، لا يهديه الله؛ وقد رأينا كثيراً من المرتدِّين قد أسلموا وهداهم الله، وكثيراً من الظالمين تابوا عن الظلم. والجواب من وجهين: أحدهما: أن هذه الآيةَ الكريمةَ وأمثالَها في القرآنِ من العامِّ المخصوصِ، أي: لا يهدِي القومَ الكافرينَ الذين سَبَقَ في عِلْمِهِ عدمُ هدايتِهم وشقاؤهم شقاءً أزليًّا. كقولِه (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ (٩٦) وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ). وقولُه (لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). ونحو ذلك من الآياتِ. وعلى أن هذه الآيةَ الكريمةَ من العامِّ المخصوصِ بآياتٍ أُخَرَ فلَا إشكالَ. القول الثاني: لا يهدي الظالمين ما داموا مصرّين على ظلمهم، فإن رزقهم الله التوبة والإنابة زال اسم الظلم عنهم، ولم يدخلوا في عداد الظالمين، فصار لا إشكال في هدايتهم. (الشنقيطي). (أُولَئِكَ) المشار إليهم، الذين كفروا بعد إيمانهم، وشهدوا أن الرسول حق. (جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ) أي: يلعنهم الله، أي: يطردهم من رحمته. (وَالْمَلائِكَةِ) أي: والملائكة تلعنهم، الذين لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون. (وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: يطلبون من الله أن يلعنهم. واختلف العلماء بالمراد في الناس هنا: فقيل: المؤمنون فقط. وقيل: المراد أغلب الناس. لكن هذا ضعيف، لأن أغلب الناس كفار كما قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ). ولذلك الصحيح أن الكافر يلعن الكافر، ويكون لذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فكوْن الكافر يلعن الكافر في الدنيا بأن يدعو الكافر مثلاً على الظالم، فإذا قال الكافر - مثلاً - لعن الله الظالم، دخل هو نفسه في اللعنة، وأما كون الكفار يلعن بعضهم بعضاً في الآخرة فهذا واضح من قوله تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) وكذلك من قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا).

стр. 1093

• استدل بهذه الآية من قال بجواز لعن الكافر، ولعن الكافر على أنواع: أولاً: لعن الكفار جملة فهذا جائز. كما في هذه الآية. وقوله تعالى (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ). ثانياً: الكافر المعين، فهذا فيه خلاف: فقيل: لا يجوز. وممن ذهب إلى هذا الغزالي، وذكره الإمام النووي. قالوا: ربما يسلم. وقيل: يجوز. لحديث عمر بن الخطاب (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري. قالوا: فدل على من لا يحب الله ورسوله يلعن. والذي يظهر الجواز خاصة إذا كان ممن يؤذي المسلمين.

стр. 1094

• وأما العصاة لمسلمين: فلعنهم جملة جائز ولا بأس. قال تعالى (لعنة الله على الظالمين). وقال تعالى (لعنة الله على الكاذبين). وقال ﷺ (لعن الله السارق … ) وقال ﷺ (لعن الله آكل الربا … ). • وأما العاصي المعين: فلا يجوز لعنه اتفاقاً. للحديث السابق (حيث كان يؤتى به ويجلد في شرب الخمر، قال ﷺ : لا تلعنوه، وفي رواية: لا تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم). (خَالِدِينَ فِيهَا) قال في التسهيل: قوله تعالى (خالدين فِيهَا) الضمير عائد على اللعنة، وقيل: على النار وإن لم تكن ذكرت؛ لأنّ المعنى يقتضيها. ورجح الرازي الأول وقال: والأول أولى لوجوه. الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر. الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا، فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى. الثالث: أن قوله (خالدين فِيهَا) إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلاً في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلاً في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى. (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يخفف عنهم طرفة عين. بل هو دائم متواصل. كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) وقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون). وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: ولا يُمهلون أو يؤجلون، بل يكون حاضراً متصلاً بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم (اخسئوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ). وقيل: هو من النظر أي: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم.

стр. 1095

• قال الماوردي: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) يحتمل وجهين: أحدهما: لا يؤخرون عنه ولا يمهلون. والثاني: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم. (إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ): أي: أظهروا أنهم كانوا على ضلال. (وَأَصْلَحُوا) أي: وأصلحوا ما كانوا أفسدوه، وغرّوا به من تبعهم ممن لا علم له. • قال ابن عطية: والإصلاح عام في القول والعمل. (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) يغفر لهم ما قدموه، ويعفو عنهم ما أسلفوه. (رَحِيمٌ) ومن رحمته أنه يغفر الزلات والخطيئات، فرحمة الله واسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). • قال ابن كثير: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه: أنه من تاب إليه تاب عليه. أ هـ الفوائد: ١ - أن من ضل عن بصيرة، فإنه يبعد أن يُهدى. ٢ - أن الهداية والإضلال بيد الله. ٣ - أن الإنسان قد يستكبر ويعاند بعد أن تبين له الحق. ٤ - أن الكفر بعد الإيمان أغلظ من الكفر الأصلي. ٥ - أن الله تعالى لم يترك الخلق هملاً، بل أقام لهم الحجج والبينات. ٦ - إثبات الجزاء. ٧ - أن الكفار مخلدون في النار. ٨ - أن التوبة تجب ما قبلها.

стр. 1096

(إنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّن تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الضَّآلُّونَ (٩٠) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَمَاتُواْ وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَن يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِم مِّلْءُ الأرْضِ ذَهَبًا وَلَوِ ا فْتَدَى بِهِ أُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُم مِّن نَّاصِرِينَ (٩١)). [آل عمران: ٩٠ - ٩١]. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ) يقول تعالى متوعدًا ومتهدِّدًا لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبراً بأنه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا). • قال الشنقيطي: هذه الآية الكريمة تدل على أن المرتدين بعد إيمانهم المزدادين كفراً لا يقبل الله توبتهم إذا تابوا؛ لأنه عبّر بـ (لن) الدالة على نفي الفعل في المستقبل. مع أنه جاءت آيات أخر دالة على أن الله يقبل توبة كل تائب قبل حضور الموت، وقبل طلوع الشمس من مغربها. كقوله تعالى (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَف). وقوله (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). والجواب من أربعة أوجه: ورجح ﵀ فقال: الثاني: وهو أقربها عندي أن قوله تعالى (لن تقبل توبتهم) يعني إذا تابوا عند حضور الموت، ويدل لهذا الوجه أمران: الأول: أنّه تعالى بيّن في مواضع أخرى أنّ الكافر الذي لا تقبل توبته هو الذي يصر على الكفر حتى يحضره الموت في ذلك الوقت، كقوله تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) فجعل التائب عند حضور الموت والميت على كفره سواء. وقوله تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا). وقوله في فرعون (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِين) فالإطلاق الذي في هذه الآية يقيّد بقيد تأخير التوبة إلى حضور الموت لوجوب حمل المطلق على المقيد كما تقرر في الأصول. الثاني: أنه تعالى أشار إلى ذلك بقوله (ثم ازدادوا كفراً) فإنه يدل على عدم توبتهم في وقت نفعها، ونقل ابن جرير هذا الوجه الثاني - الذي هو التقيد بحضور الموت - عن الحسن وقتادة وعطاء الخراساني والسدي. (وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ) أي: الخارجون عن المنهج الحق إلى طريق الغَيِّ. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ) أي: من مات على الكفر فلن يقبل منه خير أبدًا، ولو كان قد أنفق ملء الأرض ذهبا فيما يراه قُرْبة. كما سئل النبي ﷺ عن عبد الله بن جُدْعان -وكان يُقْرِي الضيفَ، ويَفُكُّ العاني، ويُطعم الطعام-: هل ينفعه ذلك؟ فقال: لا إِنَّهُ لَمْ يَقُلْ يَوْمًا مِن الدَّهْرِ: رَبِّ اغْفِرْ لي خَطِيئَتِي يوم الدِّينِ.

стр. 1097

قال النووي: معنى الحديث أن ما كان يفعله من الصلة والإطعام ووجوه المكارم لا ينفعه في الآخرة، لكونه كافراً، وهو معنى قوله ﷺ : رب اغفر لي خطيئتي يوم الدين، أي لم يكن مصدقاً بالبعث، ومن لم يصدق به كافر ولا ينفعه عمل. قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاء حَتَّى إِذَا جَاءهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). وقال تعالى (وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). فعلق حبوط العمل بموته على الكفر. وقال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ). • وكذلك لو افتدى بملء الأرض أيضاً ذهباً ما قبل منه. كما قال تعالى (وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا تَنْفَعُهَا شَفَاعَةٌ). وقال تعالى (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خُلَّةٌ وَلا شَفَاعَةٌ). وقال تعالى (لا بَيْعٌ فِيهِ وَلا خِلالٌ). وقال (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). (أُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) مؤلم موجع. (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أي: وما لهم من أحد يُنْقِذهم من عذاب الله، ولا يجيرهم من أليم عقابه. • فالإيمان شرط لقبول الأعمال: كما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً). وقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب). الفوائد: ١ - أن المرتد إذا بقي على ردته، فإنه لا تقبل توبته عند الموت. ٢ - أن من تاب قبل أن يحضر أجله تاب الله عليه. ٣ - أن من مات على الكفر فلن يقبل منه شيء. ٤ - شدة العذاب على الكافرين.

стр. 1098

(لَن تَنَالُواْ الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُواْ مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢)). [آل عمران: ٩٢]. (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قيل في معنى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ) أي: لن تبلغوا ثواب البر، وقيل: لن تبلغوا درجة ومنزلة أهل البر. والمراد بالنفقة هنا: قيل الواجبة، وقيل: جميع الصدقات، وقيل: جميع النفقات التي يُبتغى بها وجه الله تعالى، سواء كانت صدقة، أو لم تكن. ومعنى الآية: لن تنالوا حقيقة البر، ولن تبلغوا ثوابه الجزيل الذي يوصلكم إلى رضا الله، وإلى جنته التي أعدها لعباده الصالحين، إلا إذا بذلتم مما تحبونه وتؤثرونه من الأموال وغيرها في سبيل الله، وما تنفقوا من شيء- ولو قليلا- فإن الله به عليم، وسيجازيكم عليه بأكثر مما أنفقتم وبذلتم. أي: لن تنالوا وتدركوا وتبلغوا البر الذي هو كل خير من أنواع الطاعات وأنواع المثوبات الموصل لصاحبه إلى الجنة (حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) أي: من أموالكم النفيسة التي تحبها نفوسكم، فإنكم إذا قدمتم محبة الله على محبة الأموال فبذلتموها في مرضاته، دل ذلك على إيمانكم الصادق وبر قلوبكم ويقين تقواكم. (تفسير السعدي). • قال السعدي: فإن النفقة من الطيب المحبوب للنفس، من أكبر الأدلة على سماحة النفس، واتصافها بمكارم الأخلاق، ورحمتها ورقتها. • أمثلة تطبيقية: أ- عن أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ قال (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ الأَنْصَارِ بِالْمَدِينَةِ مَالاً مِنْ نَخْلٍ، وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرُحَاءَ وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ، وَكَانَ رَسُولُ اللهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللهِ ﷺ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ اللَّهَ ﵎ يَقُولُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِي إِلَيَّ بَيْرُحَاءَ وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللهِ حَيْثُ أَرَاكَ اللَّهُ قَالَ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ ﷺ بخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ وَقَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللهِ فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) متفق عليه. ب-وعَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ (أَصَابَ عُمَرُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ فَأَتَى النَّبِيَّ ﷺ يَسْتَأْمِرُهُ فِيهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي أَصَبْتُ أَرْضًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ مَالاً قَطُّ هُوَ أَنْفَسُ عِنْدِي مِنْهُ فَمَا تَأْمُرُنِي بِهِ قَالَ «إِنْ شِئْتَ حَبَسْتَ أَصْلَهَا وَتَصَدَّقْتَ بِهَا» قَالَ فَتَصَدَّقَ بِهَا عُمَرُ أَنَّهُ لَا يُبَاعُ أَصْلُهَا وَلَا يُبْتَاعُ وَلَا يُورَثُ وَلَا يُوهَبُ. قَالَ فَتَصَدَّقَ عُمَرُ فِي الْفُقَرَاءِ وَفِى الْقُرْبَى وَفِى الرِّقَابِ وَفِى سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَالضَّيْفِ لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ يُطْعِمَ صَدِيقًا غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ فَحَدَّثْتُ بِهَذَا الْحَدِيثِ مُحَمَّدًا فَلَمَّا بَلَغْتُ هَذَا الْمَكَانَ غَيْرَ مُتَمَوِّلٍ فِيهِ. قَالَ مُحَمَّدٌ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً. قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَأَنْبَأَنِي مَنْ قَرَأَ هَذَا الْكِتَابَ أَنَّ فِيهِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالاً) متفق عليه ج- وعنْ أَبِى ذَرٍّ قَالَ (قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الأَعْمَالِ أَفْضَلُ قَالَ «الإِيمَانُ بِاللَّهِ وَالْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ». قَالَ قُلْتُ أَيُّ الرِّقَابِ أَفْضَلُ قَالَ «أَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا وَأَكْثَرُهَا ثَمَنًا … ) رواه مسلم.

стр. 1099

د- كان ابن عمر إذا اشتد عجبه بشيء من ماله قرّبه إلى ربه امتثالاً لقوله تعالى (لن تنالوا البر … ). هـ- قال القرطبي: وكذلك فعل زيد بن حارثة، عمد مما يحب إلى فرس له يقال له «سبل» وقال: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إلى من فرسي هذه، فجاء بها إلى النبي ﷺ . و- واشترى ابن عمر جارية أعجبته فأعتقها فقيل له: لم أعتقتها ولم تصب منها؟ فقال (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون) ز- وأعتق ابن عمر نافعاً مولاه، وكان أعطاه فيه عبد الله بن جعفر ألف دينار، قالت صفية بنت أبي عبيد: أظنه تأوّل قول الله (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنْفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّون). ك- وكان الربيع بن خثيم إذا جاءه السائل يقول لمولاته: يا فلانة أعطي السائل سكراً، فإن الربيع يحب السكر. ط- وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كان يشتري أعدالاً من سكر ويتصدّق بها، فقيل له: هلا تصدّقت بقيمتها؟ فقال: لأن السكر أحب إليّ فأردت أن أنفق مما أحبّ. وقال الحسن: إنكم لن تنالوا ما تحبون إلا بترك ما تشتهون، ولا تُدركوا ما تأمّلون إلا بالصبر على ما تكرهون (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ) من صغير أو كبير. (فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه شيء، وسيجازيكم عليه أتم الجزاء. • قال السعدي: ولما كان الإنفاق على أي: وجه كان مثابا عليه العبد، سواء كان قليلا أو كثيراً، محبوباً للنفس أم لا وكان قوله (لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون) مما يوهم أن إنفاق غير هذا المقيد غير نافع، احترز تعالى عن هذا الوهم بقوله (وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فلا يضيق عليكم، بل يثيبكم عليه على حسب نياتكم ونفعه. الفوائد: ١ - فضل الإنفاق مما يحبه الإنسان. ٢ - أنه كلما أنفق الإنسان مما هو أحب إليه، كان أكثر لبره. ٣ - عموم علم الله تعالى. ٤ - إثبات الجزاء.

стр. 1100

(كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ مِن قَبْلِ أَن تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٣) فَمَنِ افْتَرَىَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِن بَعْدِ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٩٤)). [آل عمران: ٩٣ - ٩٤]. (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ) أي: كل الأطعمة كانت حلالاً لبني إسرائيل. والطعام: مصدر بمعنى المطعوم، والمراد به هنا كل ما يطعم ويؤكل. وحلا: مصدر أيضاً بمعنى حلالاً، والمراد الإخبار عن أكل الطعام بكونه حلالاً، لا نفس الطعام، لأن الحل كالحرمة مما لا يتعلق بالذوات. (إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ) أي: إلا ما حرمه يعقوب على نفسه وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حرمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها عقوبة على معاصيهم. وإسرائيل: هو يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم عليهم الصلاة والسلام. (مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْرَاةُ) أي: كانت حلالاً لهم قبل نزول التوراة. (قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: قل لهم يا محمد ائتوني بالتوراة واقرأوها عليّ إن كنتم صادقين في دعواكم أنها لم تحرم عليكم بسبب بغيكم وظلمكم. ومعنى الآية: قال بعض العلماء: كل أنواع الأطعمة كانت حلالاً لبنى إسرائيل قبل نزول التوراة إلا شيئاً واحداً كان محرماً عليهم قبل نزولها وهو ما حرمه أبوهم إسرائيل على نفسه، فإنهم حرموه على أنفسهم اقتداء به، فلما أنزل اللّه التوراة حرم عليهم فيها بعض الطيبات بسبب بغيهم وظلمهم. هذا هو الحق الذي لا شك فيه، فإن جادلوك يا محمد في هذه المسألة فقل لهم على سبيل التحدي: أحضروا التوراة فاقرءوها ليتبين الصادق منا من الكاذب، إن كنتم صادقين في زعمكم أن ما حرمه اللّه عليكم فيها كان محرماً على نوح وإبراهيم عليهما الصلاة والسلام.

стр. 1101

• قال ابن عطية: قوله تعالى (كل الطعام كان حلاً … ) إخبار بمغيب عن محمد ﷺ وجميع الأميين لا يعلمه إلا الله وعلماء أهل الكتاب، وذهب كثير من المفسرين إلى أن معنى الآية: الرد على اليهود في قولهم في كل ما حرموه على أنفسهم من الأشياء: إنها محرمة عليهم بأمر الله في التوراة، فأكذبهم الله بهذه الآية، وأخبر أن جميع الطعام كان حلاً لهم، إلا ما حرم إسرائيل على نفسه خاصة، ولم يرد به ولده، فلما استنوا هم به جاءت التوراة بتحريم ذلك عليهم، وليس من التوراة شيء من الزوائد التي يدعون أن الله حرمها. • وقال في التسهيل: الآية إخبار أن الأطعمة كانت حلالاً لبني إسرائيل (إِلاَّ مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ) أبوهم يعقوب (على نَفْسِهِ) وهو لحم الإبل ولبنها، ثم حُرِّمت عليهم أنواع من الأطعمة كالشحوم وغيرها، عقوبة لهم على معاصيهم، وفيها رد عليهم في قولهم: إنهم على ملة إبراهيم ﵇، وأن الأشياء التي هي محرمة كانت محرمة على إبراهيم، وفيها دليل على جواز النسخ ووقوعه؛ لأن الله حرم عليهم تلك الأشياء بعد حلها، خلافاً لليهود في قولهم: إنّ النسخ محال على هذه الأشياء، وفيها معجزة للنبي ﷺ ؛ لإخباره بذلك من غير تعلم من أحد، وسبب تحريم إسرائيل لحوم الإبل على نفسه أنه مرض، فنذر إن شفاه الله. أن يحرم أحب الطعام إليه شكراً لله وتقرّباً إليه، ويؤخذ من ذلك أنه يجوز للأنبياء أن يحرموا على أنفسهم باجتهادهم. … (التسهيل) • قال السعدي: وهذا من أعظم الأدلة على صحة نبوة نبينا محمد ﷺ وقيام الآيات البينات المتنوعات على صدقه وصدق من نبأه وأخبره بما أخبره به من الأمور التي لا يعلمها إلا بإخبار ربه له به. • قال ابن كثير: الآية مشروع في الرد على اليهود، وبيان بأن النسخ الذي أنكروا وقوعه وجوازه قد وقع، فإن اللّه تعالى قد نص في كتابهم التوراة أن نوحاً ﵇ لما خرج من السفينة أباح اللّه له جميع دواب الأرض يأكل منها، ثم بعد هذا حرم إسرائيل على نفسه لحوم الإبل وألبانها فاتبعه بنوه فيما حرم على نفسه، وجاءت التوراة بتحريم ذلك، وبتحريم أشياء زيادة على ذلك - عقوبة لهم بسبب بغيهم وظلمهم. وهذا هو النسخ بعينه.

стр. 1102

(فَمَنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) أي: فمن تعمد الكذب على اللّه تعالى بأن زعم بأن ما حرمته التوراة على بنى إسرائيل من المطاعم بسبب ظلمهم وبغيهم، كان محرماً عليهم وعلى غيرهم قبل نزولها، فأولئك الذين قالوا هذا القول الكاذب هم المتناهون في الظلم: المتجاوزون للحدود التي شرعها اللّه تعالى، وسيعاقبهم سبحانه على هذا الظلم والافتراء عذاباً أليماً لا مهرب لهم منه ولا نصير. • افترى: من الافتراء وهو اختلاق الكذب، وأصله من فرى الأديم إذا قطعه لأن الكاذب يقطع القول من غير حقيقة له في الوجود، والكذب: الإخبار بخلاف الواقع. • قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد قيام الحجة وظهور البينة. (قُلْ صَدَقَ اللَّه) أي: فيما أخبر به وحكم، وهذا أمر من الله لرسوله ولمن يتبعه أن يقولوا بألسنتهم: صدق الله، معتقدين بذلك في قلوبهم عن أدلة يقينية، مقيمين هذه الشهادة على من أنكرها، ومن هنا تعلم أن أعظم الناس تصديقاً لله أعظمهم علماً ويقيناً بالأدلة التفصيلية السمعية والعقلية. • قال الآلوسي: قوله تعالى (قُلْ صَدَقَ الله) أي ظهر وثبت صدقه في أن كل الطعام كان حلاً لبني إسرائيل إلا ما حرم إسرائيل على نفسه وقيل: في أن محمداً ﷺ على دين إبراهيم ﵇ وأن دينه الإسلام، وقيل: في كل ما أخبر به ويدخل ما ذكر دخولاً أولياً وفيه كما قيل: تعريض بكذبهم الصريح. • وقال ابن عاشور: قوله تعالى (قل صدق الله) وهو تعريض بكذبهم لأنّ صدق أحد الخبرين المتنافيين يستلزم كذب الآخر، فهو مستعمل في معناه الأصلي والكنائي. • وفي الآية ثناء على الله تعالى وقد قال تعالى (وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً). • قال في التسهيل: قوله تعالى (صَدَقَ الله) أي الأمر كما وصف، لا كما تكذبون أنتم. ففيه تعريض بكذبهم.

стр. 1103

(فَاتَّبِعُوا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) ثم أمرهم باتباع ملة أبيهم إبراهيم ﵇ بالتوحيد وترك الشرك الذي هو مدار السعادة، وبتركه حصول الشقاوة، وفي هذا دليل على أن اليهود وغيرهم ممن ليس على ملة إبراهيم مشركون غير موحدين. كما قال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً). وقال تعالى (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). • وملة إبراهيم: هي الحنيفية السمحة، وهي الإسلام كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال تعالى (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). • والْحَنِيفِيَّةُ: دِينُ جَمِيعِ الأنْبِيَاءِ؛ ولكِن أُضِيفت إلى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇؛ لأنَّه أكْمَلُ الخلْقِ تحقِيقًا للتَّوحيدِ مع نبيِّنا ﷺ ؛ وإِبْرَاهِيمُ: الأبُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ : الِابنُ؛ فاستَحَقَّ أن تُنْسَبَ إلى الأَبِ دُون الابْنِ؛ فيقال: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ على جهةِ التَّشْريفِ له؛ وإن كانَت هي ملَّةَ الأنبيَاء جَميعاً. • ملة إبراهيم هي عبادة الله مخلصين له الدين، فهي توحيد الله فلم يدعو معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ). وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ). وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). • قوله تعالى (وما كان من المشركين) في هذا ثناء على إبراهيم ﵇. وقد أثنى الله عليه في آيات كثيرة: قال تعالى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً). وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ).

стр. 1104

وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ … ). وقال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ). وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ). • وثناء الله على شخص لفائدتين: الأولى: لنقوم بالثناء عليه. والثانية: لنقتدي به. الفوائد: ١ - أن لله تعالى أن يحل ما يشاء ويحرم ما يشاء. ٢ - الرد على اليهود الذين زعموا أنه لا نسخ في الشرائع. ٣ - أن التوراة منزلة كالقرآن. ٤ - إثبات علو الله تعالى. ٥ - علم من أعلام نبوته ﷺ . ٦ - أنه ينبغي للإنسان أن يتحدى خصمه بما تَبين به الحجة على وجه لا مفر منه. ٧ - أنه متى ظهر الحق فحاد الإنسان عنه صار أشد ظلماً. ٨ - تحريم الكذب على الله. ٩ - أن من العباد من يفتري الكذب على الله. ١٠ - وجوب تصديق الله. ١١ - الثناء على الله بالصدق. ١٢ - وجوب اتباع ملة إبراهيم. ١٣ - الثناء على إبراهيم. ١٤ - فضل التوحيد ومجانبة الشرك. ١٥ - أن المقياس بين الناس بالأعظم تحقيقاً للتوحيد وابتعاداً عن الشرك.

стр. 1105

(إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ (٩٦) فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ (٩٧)). [آل عمران: ٩٦ - ٩٧]. (إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ) يُخْبر تعالى أن أول بيت وُضع للناس، أي: لعموم الناس، لعبادتهم ونُسُكهم، يَطُوفون به ويُصلُّون إليه ويَعتكِفُون عنده. (لَلَّذِي بِبَكَّةَ) يعني: الكعبة التي بناها إبراهيم الخليل ﵇ الذي يَزْعم كل من طائفتي النصارى واليهود أنهم على دينه ومنهجِه، ولا يَحجُّون إلى البيت الذي بناه عن أمر الله له في ذلك ونادى الناس إلى حجه. عن أبي ذَر ﵁ قال (قلتُ: يا رسولَ الله، أيُّ مَسجِد وُضِع في الأرض أوَّلُ؟ قال: الْمسْجِدُ الْحَرَامُ، قلت: ثم أَيُّ؟ قال: الْمسجِدُ الأقْصَى، قلت: كم بينهما؟ قال: أرْبَعُونَ سَنَةً، قلتُ: ثم أَيُّ؟ قال: ثُم حَيْثُ أدْرَكْت الصَلاةَ فَصَلِّ، فَكُلُّهَا مَسْجِد). متفق عليه • قوله تعالى (بِبَكَّةَ) بكة اسم من أسماء مكة على المشهور. قيل: سُمِّيت بذلك لأنها تَبُكّ أعناق الظلمة والجبابرة، بمعنى: يُبَكون بها ويخضعون عندها. وقيل: لأن الناس يَتَبَاكّون فيها، أي: يزدحمون. (مُبَارَكاً) أي: كثير الخير والنفع لمن حجه واعتمره. ووجه بركته: أولاً: أن الطاعات إذا أتى بها في هذا البيت ازداد ثوابها. قال ﷺ (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام). وقال ﷺ (من حج ولم يرفث ولم يفسق خرج من ذنوبه كيوم ولدته أمه). وقال ﷺ (الحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) ومعلوم أنه لا أكثر بركة مما يجلب المغفرة والرحمة. وثانيها: قال القفال رحمه الله تعالى: ويجوز أن يكون بركته ما ذكر في قوله تعالى (يجبى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْء) فيكون كقوله (إلى المسجد الأقصى الذي بَارَكْنَا حَوْلَهُ). وثالثها: فيه زمزم، وقد قال ﷺ (ماء زمزم طعام طعم وشفاء سقم). ورابعها: ما دعا به إبراهيم لمكة، أن يبارك الله في ثمارها ومدها وصاعها. (وَهُدىً لِلْعَالَمِينَ) وجه هدايته للعالمين: أولاً: أنه قبلة للمؤمنين، يهتدون به إلى جهة صلاتهم. ثانياً: أن به دلائل وآيات تدل على الخالق . ثالثاً: أنه هدى للعالمين إلى الجنة.

стр. 1106

(فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ) أي: فيه علامات واضحات كثيرة تدل على شرفه وفضله على سائر المساجد. (مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ) يعني: الذي لَمَّا ارتفع البناء استعان به على رفع القواعد منه والجدران، حيث كان يقف عليه ويناوله ولده إسماعيل، وقد كان ملتصقا بجدار البيت، حتى أخّره عُمَر بن الخطاب ﵁ في إمارته إلى ناحية الشرق بحيث يتمكن الطُّوَّاف، ولا يُشَوِّشون على المصلين عنده بعد الطواف؛ لأن الله تعالى قد أمرنا بالصلاة عنده حيث قال (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً) يعني: حَرَمُ مكة إذا دخله الخائف يأمنُ من كل سوء، وكذلك كان الأمر في حال الجاهلية. كما قال الله تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ). وقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ). وقال تعالى (وَإِذْ جَعَلْنَا البيت مَثَابَةً لّلنَّاسِ وَأَمْناً). وقال إبراهيم (رَبِّ اجعل هذا بَلَدًا آمِنًا). وحتى إنه من جملة تحريمها حُرْمة اصطياد صيدها وتنفيره عن أوكاره، وحُرْمة قطع أشجارها وقَلْع ثمارها. (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ) أي: فرض لازم على المستطيع حج بيت الله العتيق. • وهذه آية وجوب الحج عند الجمهور، وقيل: بل هي قوله (وأتموا الحج والعمرة لله) والأول أظهر. (تفسير ابن كثير) تعريف الحج لغة: القصد، يقال: حج كذا بمعنى قصد. وشرعاً: التعبد لله بأداء المناسك على صفة مخصوصة في وقت مخصوص. (مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً) أي: واجب على المستطيع الوصول إليه. واختلف العلماء في المراد بالسبيل هنا: فذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالسبيل الزاد والراحلة. وهذا قول جمهور العلماء. لحديث ابن عمر. قال: قال ﷺ (السبيل الزاد والراحلة). قال الشوكاني: ولا يخفى أن هذه الطرق يقوي بعضها بعضاً فتصلح للاحتجاج بها. وقال الشنقيطي: حديث الزاد والراحلة لا يقل بمجموع طرقه عن درجة القبول والاحتجاج. وقد ذكر الترمذي أن أكثر أهل العلم على العمل بها. وقد روى ابن جرير بسنده عن ابن عباس في تفسير السبيل أنه قال: أن يصح بدن العبد، ويكون له ثمن زادٍ وراحلة من غير أن يجحف به، وسنده صحيح.

стр. 1107

والمراد بالزاد: ما يتزود به، وهو في الأصل الطعام الذي يُتخذ للسفر، والمراد هنا: ما يحتاج إليه في ذهابه ورجوعه من مأكول ومشروب وكسوة، والراحلة: الناقة التي تصلح لأن يرحل عليها. وذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالاستطاعة على قدر الطاقة. واختار هذا ابن جرير في تفسيره. فيدخل في ذلك الزاد والراحلة وأمن الطريق ووجود مكانٍ صالحٍ للمبيت بالمشاعر وزوال الموانع من أداء الحج أياً كانت، ونحو ذلك. وقال الشيخ محمد ﵀: الصحيح أن المراد بالسبيل في قوله تعالى: (من استطاع إليه سبيلاً) المراد الطريق الذي يوصلك إلى مكة أي طريق كان، سواء كان زاداً أو راحلة أو مشياً على الأقدام، أو ما أشبه ذلك. (وَمَنْ كَفَرَ) استدل به من قال إن تارك الحج عمداً كافر، وجمهور العلماء على عدم كفره. وأجابوا عن هذه الآية (ومن كفر) بأجوبة: الْأَوَّلُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ جَحَدَ فَرِيضَةَ الْحَجِّ، فَقَدْ كَفَرَ وَاللَّهُ غَنِيٌّ عَنْهُ، وَبِهِ قَالَ: ابْنُ عَبَّاسٍ، وَمُجَاهِدٌ، وَغَيْرُ وَاحِدٍ قَالَهُ ابْنُ كَثِيرٍ. الْوَجْهُ الثَّانِي: أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ (وَمَنْ كَفَرَ) أَيْ: وَمَنْ لَمْ يَحُجَّ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيظِ الْبَالِغِ فِي الزَّجْرِ عَنْ تَرْكِ الْحَجِّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ كَقَوْلِهِ لِلْمِقْدَادِ الثَّابِتِ فِي «الصَّحِيحَيْنِ» حِينَ سَأَلَهُ عَنْ قَتْلِ مَنْ أَسْلَمَ مِنَ الْكُفَّارِ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ يَدَهُ فِي الْحَرْبِ (لا تَقْتُلْهُ، فَإِنْ قَتَلْتَهُ فَإِنَّهُ بِمَنْزِلَتِكَ قَبْلَ أَنْ تَقْتُلَهُ، وَإِنَّكَ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ أَنْ يَقُولَ الْكَلِمَةَ الَّتِي قَال). الْوَجْهُ الثَّالِثُ: حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهَا وَأَنَّ مَنْ لَمْ يَحُجَّ مَعَ الِاسْتِطَاعَةِ فَقَدْ كَفَرَ. (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) غني سبحانه عن جميع الخلق وعن عباداتهم وطاعاتهم. كما قال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ). وقال تعالى (وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنَّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ).

стр. 1108

وقال تعالى (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ). وقال تعالى (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ). وقال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ). الفوائد: ١ - أن أول بيت وضع للعبادة هو الكعبة. ٢ - أن تقدم المكان في العبادة له أثر في تفضيله. ٣ - أن هذا البيت هدى للعالمين. ٤ - أن من أسماء مكة بكة. ٥ - أن هذا البيت مبارك. ٦ - أن من دخل المسجد الحرام فهو آمن. ٧ - وجوب الحج. ٨ - أن وجوبه مقيد بالاستطاعة. ٩ - أن الحج واجب مرة واحدة في العمر، لأن الأمر لا يقتضي التكرار، وقد دلت السنة أيضاً على أنه لا يجب إلا مرة واحدة في العمر، كما في حديث أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (إن الله كتب عليكم الحج فحجوا، فقال رجل: أفي كل عام يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ : لو قلت نعم لوجبت). ١٠ - رحمة الله بعباده بحيث لم يفرض على عباده ما يشق عليهم. ١١ - خطر ترك الحج لقوله (ومن كفر .. ). ١٢ - غنى الله عن عباداتنا وطاعاتنا.

стр. 1109

(قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ (٩٨) قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ تَبْغُونَهَا عِوَجًا وَأَنتُمْ شُهَدَاء وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٩٩)). [آل عمران: ٩٨ - ٩٩]. (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ شَهِيدٌ … ) هذا تعنيف من الله تعالى لكَفَرة أهل الكتاب، على عنادهم للحق، وكفرهم بآيات الله، وصَدِّهم عن سبيله مَنْ أراده من أهل الإيمان بجهدهم وطاقتهم مع علمهم بأن ما جاء به الرسول حق من الله، بما عندهم من العلم عن الأنبياء الأقدمين، والسادة المرسلين، صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، وما بَشَّروا به ونوَّهُوا، من ذِكْر النبي ﷺ الأميّ الهاشمي العربي المكّيّ، سيد ولد آدم، وخاتم الأنبياء، ورسول رب الأرض والسماء، وقد توعدهم الله تعالى على ذلك بأنه شهيد على صَنِيعهم ذلك بما خالفوا ما بأيديهم عن الأنبياء، ومقاتلتهم الرسول المُبشر بالتكذيب والجحود والعناد، وأخبر تعالى أنه ليس بغافل عما يعملون، أي: وسيجزيهم على ذلك يوم لا ينفعهم مال ولا بنون. • وقد تقدم معنى الكفر بآيات الله. • فإن قيل: ولم خص أهل الكتاب بالذكر دون سائر الكفار؟. قلنا لوجهين: الأول: أنا بينا أنه تعالى أورد الدليل عليهم من التوراة والإنجيل على صحة نبوّة محمد ﵇، ثم أجاب عن شبههم في ذلك، ثم لما تمّ ذلك خاطبهم فقال (يا أَهْل الكتاب) فهذا الترتيب الصحيح. الثاني: أن معرفتهم بآيات الله أقوى لتقدم اعترافهم بالتوحيد وأصل النبوّة، ولمعرفتهم بما في كتبهم من الشهادة بصدق الرسول والبشارة بنبوته. • قال البيضاوي: قوله تعالى (قُلْ يا أهل الكتاب لِمَ تَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله مَنْ ءامَنَ) كرر الخطاب والاستفهام مبالغة في التقريع ونفي العذر لهم، وإشعاراً بأن كل واحد من الأمرين مستقبح في نفسه مستقل باستجلاب العذاب. • قال الرازي: قال المفسرون: وكان صدهم عن سبيل الله بإلقاء الشبه والشكوك في قلوب الضعفة من المسلمين وكانوا ينكرون كون صفته ﷺ في كتابهم. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (وأنتم شهداء) ومعناه وأنتم عالمون أنّها سبيل الله، وقد أحالهم في هذا الكلام على ما في ضمائرهم مِمَّا لا يعلمه إلاّ الله، لأنّ ذلك هو المقصود من وخز قلوبهم، وانثنائهم باللائمة على أنفسهم، ولذلك عقّبه بقوله (وما الله بغافل عما تعملون) وهو وعيد وتهديد وتذكير لأنَّهم يعلمون أنّ الله يعلم ما تخفي الصدور، وهو بمعنى قوله في موعظتهم السابقة (والله شهيد على ما تعملون) إلاّ أنّ هذا أغلظ في التَّوبيخ لما فيه من إبطال اعتقاد غفلته سبحانه، لأنّ حالهم كانت بمنزلة حال من يعتقد ذلك.

стр. 1110

• قوله تعالى (عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: عن دينه وشرعه، وسمي الدين سبيلاً، لأنه موصل إليه، وأضيف إلى الله لوجهين: الوجه الأول: أن الله هو الذي وضعه سبيلاً للخلق يمشون عليه. الوجه الثاني: أنه موصل إلى الله، فمن سلك السبيل الذي وضعه الله للعباد فسيصل إلى الله تعالى. (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي: أنه تعالى رقيب على أعمالكم لا يخفي عليه خافية، وسيجازيهم عليها، وفي هذا وعيد وتهديد. • قال القاسمي: وقوله تعالى (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى، فإن الله إذا كان عالماً بما يعملونه، مطلعاً عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. • والغفلة صفة منفية فيجب نفيها عن الله مع إثبات ضدها، فالله لا يغفل لكمال علمه. الفوائد: ١ - أمر النبي ﷺ أن يوبخ أهل الكتاب على كفرهم بآيات الله. ٢ - تهديد من يكفر بآيات الله. قوله تعالى: قُلْ افتَتَح بفِعْل (قُلْ)؛ اهتمامًا بالمقُول (١٢). قوله الله تعالى: وَاللَّهُ شَهِيدٌ عَلَى مَا تَعْمَلُونَ؛ يُستَفاد منه أنَّ اللهَ تعالى لا يُحاسِب العبدَ على ما حدَّث به نَفْسَه؛ فالوَساوس التي تكون في الصَّدر لا يُؤاخَذ عليها الإنسانُ إلَّا إذا ترتَّب عليها عملٌ، أو ركَن إليها واعتَقدها، وجعَلَها من أعمالِ القلب، فحينئذٍ يُحاسَب عليها، وكذلك إذا نطَق بها لسانُه، أو عمِل بمقتضاها بجوارحه، فحينئذٍ يُحاسَب عليها.

стр. 1111

قوله تعالى: (لِمَ تَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ) إنَّما ذكَر مَنْ آمن مع أنهم يَصُدُّون مَنْ لم يؤمن أيضًا حتى لا يَدخُل في الإيمان؛ وذلك لأنَّ صدَّ مَن آمن أشدُّ عُدوانًا من صدِّ مَن لم يؤمن؛ فالبقاءُ على الكُفْر أهونُ من الرِّدة؛ لأنَّ هذا مَنْع، والأوَّل رَفْع، ورَفْع الخيرِ أشدُّ عقوبةً مِن مَنْعه. ٣ - إحاطة الله تعالى بكل شيء. ٤ - أن من صد عن سبيل الله من المسلمين ففيه شبه من أهل الكتاب. ٥ - الحث على التمسك بشرع الله ودينه. ٦ - سوء قصد أهل الكتاب. ٧ - عموم رقابة الله على كل شيء، ولا يفوته شيء ولا يخفى عليه شيء. ٨ - أن الغفلة من الصفات المنفية عن الله وذلك لكمال علمه سبحانه. ٩ - تهديد العصاة، بأن الله لا يغفل عنهم. ١٠ - ختَم اللهُ تعالى الآيةَ الأولى بقوله: وَاللَّهُ شَهِيدٌ، والآية الثانية بقوله وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ؛ وذلك لأنَّهم كانوا يُظهِرون الكُفْرَ بنُبوَّة محمَّد ﷺ ، وما كانوا يُظهِرون إلقاءَ الشُّبهِ في قلوب المسلمين، بل كانوا يَحتالون في ذلك بضُروب من المكايد والحيل الخفيَّة التي لا تَروُج إلا على الغافل، فلا جَرَم قال فيما أَظهَروه وَاللَّهُ شَهِيدٌ، وفيما أَضمَروه وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُون. ١١ - قوله الله تعالى: وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ؛ يَتضمَّن نَفْي الغَفْلةِ عن الله، وكذلك ثبوتَ كمال المراقبة؛ لأنَّ مَن كان كامِل المراقبة، فإنَّه ليس عنده غَفْلة.

стр. 1112

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوَاْ إِن تُطِيعُواْ فَرِيقًا مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ يَرُدُّوكُم بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ (١٠٠) وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُهُ وَمَن يَعْتَصِم بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٠١)). [آل عمران: ١٠٠ - ١٠١]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم. • والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. • والإيمان شرعاً: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان. • تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. • قال ابن عاشور: إقبال على خطاب المؤمنين لتحذيرهم من كيد أهل الكتاب وسوء دعائهم المؤمنين، وقد تفضّل الله على المؤمنين بأن خاطبهم بغير واسطة خلاف خطابه أهل الكتاب إذ قال (قل يا أهل الكتاب) ولم يقل: قل يأيُّها الّذين آمنوا (إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) يحذر تعالى عباده المؤمنين عن أن يطيعوا طائفة من الذين أوتوا الكتاب، الذين يحسدون المؤمنين على ما آتاهم الله من فضله، وما مَنَحهم به من إرسال رسوله. • وفي قوله تعالى (يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ) تنبيه على أن المقصد الأقصى لهؤلاء اليهود والمنافقين أن يردوا المسلمين عن الإسلام.

стр. 1113

كما قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ). وقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً). وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ). وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ). وقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ). (وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ) أي: على أيّ حال يقع منكم الكفر. (وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ) الدالة على توحيده ونبوة نبيه ﷺ . (وَفِيكُمْ رَسُولُهُ) يعني: محمداً ﷺ يعلمكم الكتاب والحكمة ويزكيكم بتحقيق الحق وإزاحة الشبه. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (وفيكم رسوله) حقيقيّة ومؤذنة بمنقبة عظيمة، ومنّة جليلة، وهي وجود هذا الرسول العظيم بينهم، تلك المزيّة الَّتي فاز بها أصحابه المخاطبون، وبها يظهر معنى قوله صلى ﷺ فيما رواه الترمذي عن أبي سعيد الخدْري (لَا تسبُّوا أصحابي فوالّذي نفسي بيده لَوْ أنّ أحدكم أنفق مثلَ أُحُد ذَهَباً مَا بَلَغ مُدّ أحدِهم ولا نصِيفه). وفي الآية دلالة على عِظْم قدْر الصّحابة وأنّ لهم وازعين عن مواقعة الضّلال: سماعُ القرآن، ومشاهدَة أنوار الرّسول ﵇ فإنّ وجوده عصمة من ضلالهم. • والأكثرون على تخصيص هذا الخطاب بأصحاب رسول الله ﷺ أو الأوس والخزرج منهم، ومنهم من جعله عاماً لسائر المؤمنين وجميع الأمة، وعليه معنى كونه ﷺ فيهم، إن آثاره وشواهد نبوته فيهم لأنها باقية حتى يأتي أمر الله، ولم يسند سبحانه التلاوة إلى رسوله ﵊ إشارة إلى استقلال كل من الأمرين في الباب، وإيذاناً بأن التلاوة كافية في الغرض من أي تال كانت. • قال القرطبي: ويدخل في هذه الآية مَن لم يَرَ النبي ﷺ ؛ لأن ما فيهم من سُنّته يقوم مقام رؤيته. • قال ابن كثير: يعني: أن الكفر بعيد منكم وحاشاكم منه؛ فإن آيات الله تنزل على رسوله ليلاً ونهارًا، وهو يتلوها عليكم ويبلغها إليكم، وهذا كقوله تعالى (وَمَا لَكُمْ لا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ لِتُؤْمِنُوا بِرَبِّكُمْ وَقَدْ أَخَذَ مِيثَاقَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) والآية بعدها. وكما جاء في الحديث: أن رسول الله ﷺ قال يوما لأصحابه (أيُّ الْمُؤمِنِينَ أعْجَبُ إلَيْكُمْ إيمَانًا؟ قالوا: الملائكة. قال: وَكَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ وَهُمْ عِنْدَ رَبِّهِم؟ وذكروا الأنبياء قال: وَكَيْفَ لا يُؤْمِنُونَ وَالْوَحْيُ يَنزلُ عَلَيْهِمْ؟ قالوا: فنحن. قال: وَكَيْفَ لا تُؤْمِنُونَ وأنَا بَيْنَ أظْهُرِكُم؟. قالوا: فأيّ الناس أعجب إيمانًا؟ قال: قَوْمٌ يَجِيؤُونَ مِنْ بَعْدِكُمْ يَجِدونَ صُحُفًا يُؤْمِنُونَ بِمَا فِيهَا). (وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ) توكلاً عليه واعتماداً ودعاء واستعانة.

стр. 1114

(فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) في هذا حث على الاعتصام بالله، وأنه السبيل إلى السلامة والهداية. وقد أمر الله بالاعتصام به: فقال تعالى (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا). وقال تعالى (فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ). وقال تعالى (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً). الفوائد: ١ - تحذير المؤمنين من طاعة أهل الكتاب. ٢ - أن الكفار يجتهدون في إضلال المؤمنين بكل طاقاتهم. ٣ - أن هدف أهل الكتاب الأساسي هو الردة عن الدين. ٤ - أن طاعة الكفار مخالفة للإيمان. ٥ - استبعاد أن يرتد المؤمن وهو يتلى عليه كتاب الله وفيهم رسوله. ٦ - معرفةُ فضْلِ الصحابة بالمَنْقبة العظيمة، والمِنَّة الجليلة، وهي وجودُ هذا الرسول العظيم ﵊ بينهم، ومشاهدةُ أنواره؛ فكان وجودُه عِصْمةً من ضلالهم، تلك المَزيَّة التي فاز بها الصَّحابةُ المخاطَبون بهذه الآية وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ وَفِيكُمْ رَسُولُه ٧ - الحث على الاعتصام بالله. ٨ - أنَّ التَّمسُّك بكتابِ الله تعالى وسُنَّة رسوله ﷺ ، والإقبال عليهما أعظمُ مانعٍ يَمْنع من الكُفر. ٩ - من اعتصم بالله هدي.

стр. 1115

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٠٢) وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُواْ وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاء فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنتُمْ عَلَىَ شَفَا حُفْرَةٍ مِّنَ النَّارِ فَأَنقَذَكُم مِّنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٠٣)). [آل عمران: ١٠٢ - ١٠٣]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) أمر بتقوى الله حق تقاته. عن ابن مسعود في قوله (اتقوا الله حق تقاته) قال: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وبهذا قال الربيع بن خُثيم وعمرو بن ميمون وطاووس والحسن وعكرمة وقتادة وغيرهم واختاره الطبري. وقيل: (حق تقاته) أن يجاهدوا في الله حق الجهاد، وألا يأخذ العبد فيه لومة لائم، وأن يقوموا بالقسط ولو على أنفسهم وآبائهم وأبنائهم، روي هذا القول عن ابن عباس. • قال ابن عاشور: التقوى حاصلها امتثال الأمر، واجتناب المنهي عنه، في الأعمال الظَّاهرة، والنَّوايا الباطنة. • وقال ﵀: انتقل مِن تحذير المخاطبين من الانخداع لوساوس بعض أهل الكتاب، إلى تحريضهم على تمام التَّقوى، لأنّ في ذلك زيادة صلاح لهم ورسوخاً لإيمانهم، وهو خطاب لأصحاب محمَّد ﷺ ويَسري إلى جميع من يكون بعدهم. وهذه الآية أصل عظيم من أصول الأخلاق الإسلامية. • اختلف العلماء هل هذه الآية منسوخة أم لا على قولين: القول الأول: أنها محكمة غير منسوخة. واختار هذا الطبري، وابن تيمية، وابن عقيل، ورجحه ابن عطية، والقرطبي، والقاسمي، وابن عاشور. قالوا إن قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) بيان وتفسير لقوله تعالى (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) والمعنى: فاتقوا الله حق تقاته ما استطعتم. قال ابن تيمية: فإن الله يقول (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) وهذا تفسير قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ) قال ابن مسعود وغيره: حق تقاته: أن يطاع فلا يُعصى، وأن يذكر فلا يُنسى، وأن يشكر فلا يكفر، أي: بحسب استطاعتكم، فإن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها، قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ). وقال ابن عطية بعد ذكره هذا القول (وهذا القول هو الصحيح).

стр. 1116

القول الثاني: أنها منسوخة. وإليه ذهب ابن عباس في أحد قوليه، وسعيد بن جبير، وأبو العالية، وقتادة وغيرهم. قالوا: إن قوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ) ناسخة لقوله (اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ). • في الآية الأمر بتقوى الله، وقد جاءت آيات كثيرة تأمر بتقوى الله: قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ). وقال تعالى (وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ). التقوى مأخوذة من الوقاية، وهي: أن يجعل الإنسان لنفسة وقاية من عذاب الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. • وهذا من أجمع التعاريف، وقد جاء في معناها آثار عدة عن السلف كلها داخلة تحت خذا المعنى. قال علي: التقوى: الخوف من الجليل، والعمل بالتنزيل، والرضى بالقليل، والاستعداد ليوم الرحيل. وقال ابن مسعود: حقيقة تقوى الله: أن يطاع فلا يعصى، ويذكر فلا ينسى، ويشكر فلا يكفر. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عقاب الله. قال ابن القيم: وهذا من أحسن ما قيل في حد التقوى. وروي أن عمر بن الخطاب سأل أبي بن كعب عن التقوى؟ فقال: هل أخذت طريقاً ذا شوك؟ قال: نعم، قال: فما عملت؟ قال: تشمرت وحذرت، قال: فذاك التقوى. قال ابن المعتز: خل الذنوب صغيرها … وكبيرها فهو التقى كن مثل ماش فوق … أرض الشوك يحذر ما يرى لا تحقرن صغيرة … إن الجبال من الحصى

стр. 1117

قال ابن القيم: مراتب التقوى: التقوى ثلاث مراتب: إحداها: حميّة القلب والجوارح عن الآثام والمحرمات، والثانية: حميّتها عن المكروهات، والثالثة: الحمية عن الفضول وما لا يعني. فالأولى تعطي العبد حياته، والثانية تفيده صحته وقوته، والثالثة تكسبه سروره وفرحه وبهجته. • قال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة. وقال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله. وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيباً. وقال طلق بن حبيب: التقوى أن تعمل بطاعة الله على نور من الله ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله تخاف عقاب الله. وقال الحسن: ما زالت التقوى بالمتقين حتى تركوا كثيراً من الحلال مخافة الحرام. وقال الثوري: إنما سموا متقين، لأنهم اتقوا ما لا يُتقى. • قال القرطبي: ذكر المفسرون أنه لما نزلت هذه الآية قالوا: يا رسول الله، من يَقْوى على هذا؟ وشق عليهم فأنزل الله (فاتقوا الله مَا استطعتم) فنسخت هذه الآيةَ. قال مقاتل: وليس في آل عمران من المنسوخ شيء إلا هذه الآية. وقيل: إن قوله (فاتقوا الله مَا استطعتم) بيانٌ لهذه الآية. والمعنى: فاتّقوا الله حق تُقاته ما استطعتم، وهذا أصوب؛ لأن النسخ إنما يكون عند عدم الجمع والجمع ممكن فهو أوْلىَ. (وَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: حافظوا على الإسلام في حال صحتكم وسلامتكم لتموتوا عليه، فإن الكريم قد أجرى عادته بكرمه أنه من عاش على شيء مات عليه، ومن مات على شيء بُعث عليه، فعياذًا بالله من خلاف ذلك. • قال الرازي: لفظ النهي واقع على الموت، لكن المقصود الأمر بالإقامة على الإسلام، وذلك لأنه لما كان يمكنهم الثبات على الإسلام حتى إذا أتاهم الموت أتاهم وهم على الإسلام، صار الموت على الإسلام بمنزلة ما قد دخل في إمكانهم، ومضى الكلام في هذا عند قوله (إِنَّ الله اصطفى لَكُمُ الدين فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ).

стр. 1118

(وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً) أمر بالاعتصام بحبل الله. وقد اختلف في المراد بحبل الله: فقيل: أي: بعهد الله. وقيل: بحبل الله، أي: القرآن. وقيل: المراد به الجماعة. وقيل: إنه إخلاص الله. • قال السمرقندي: قال بعض الحكماء: إن مثل من في الدنيا، كمثل من وقع في بئر، فيها من كل نوع من الآفات، فلا يمكنه أن يخرج منها والنجاة من آفاتها إلا بحبل وثيق، فكذلك الدنيا دار محنة، وفيها كل نوع من الآفات، فلا سبيل إلى النجاة منها إلا بالتمسك بحبل وثيق، وهو كتاب الله تعالى. (وَلا تَفَرَّقُوا) أمرهم بالجماعة ونهاهم عن التفرقة. وقد وردت الآيات الأحاديثُ المتعددة بالنهي عن التفرق والأمر بالاجتماع والائتلاف. قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ). وقال تعالى (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد). وقال تعالى (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُوا إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ). وقال تعالى (أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ). عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال (إنَّ اللهَ يَرْضَى لَكُمْ ثَلاثًا، وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا، يَرْضى لَكُمْ: أنْ تَعْبدُوهُ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا، وأنْ تَعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلا تَفَرَّقُوا، وأنْ تُنَاصِحُوا مَنْ وَلاهُ اللهُ أمْرَكُمْ؛ وَيَسْخَطُ لَكُمْ ثَلاثًا: قيلَ وَقَالَ، وَكَثْرَةَ السُّؤَالِ، وإِضَاعَةَ الْمَال) متفق عليه. وعنه. قال: قال ﷺ ( … ولا تناجشوا، ولا تحاسدوا، ولا تباغضوا، ولا تدابروا). وعن أبي مسعود قال (كان رسول الله ﷺ يمسح مناكبنا في الصلاة ويقول: استووا ولا تختلفوا فتختلف قلوبكم). رواه مسلم وعن جندب. عن النبي ﷺ قال (اقرءوا القرآن ما ائتلفت قلوبكم، فإذا اختلفت فقوموا عنه). وعن عبادة. قال (خرج رسول الله ﷺ ليخبرنا بليلة القدر، فتلاحى رجلان من المسلمين، فقال: خرجت لأخبركم بليلة القدر فتلاحى فلان وفلان فرفعت، وعسى أن يكون خيراً لكم، فالتمسوها في التاسعة والسابعة والخامسة).

стр. 1119

(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَاناً) وهذا السياق في شأن الأوْس والخَزْرَج، فإنه كانت بينهم حُروبٌ كثيرة في الجاهلية، وعداوة شديدة وضغائن، وإحَنٌ وذُحُول طال بسببها قتالهم والوقائع بينهم، فلما جاء الله بالإسلام فدخل فيه من دخل منهم، صاروا إخوانا متحابين بجلال الله، متواصلين في ذات الله، متعاونين على البر والتقوى، قال الله تعالى (هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ وَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ لَوْ أَنْفَقْتَ مَا فِي الأرْضِ جَمِيعًا مَا أَلَّفْتَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَلَّفَ بَيْنَهُمْ إِنَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) وكانوا على شفا حُفْرة من النار بسبب كفرهم، فأبعدهم الله منها: أنْ هَدَاهُم للإيمان. وقد امتن عليهم بذلك رسولُ الله ﷺ يوم قَسَم غنائم حُنَيْنٍ، فَعتَبَ من عتب منهم لمّا فَضَّل عليهم في القِسْمَة بما أراه الله، فخطبهم فقال (يَا مَعْشَرَ الأنْصَارِ، ألَمْ أجدْكُمْ ضُلالا فَهَدَاكُمُ اللهُ بِي، وَكُنْتُمْ مُتَفَرِّقِينَ فَألَّفَكُمُ اللهُ بِي، وَعَالَةً فأغْنَاكُمْ اللهُ بِي؟ " كلما قال شيئاً قالوا: الله ورسوله أمنّ). • قال ابن عاشور: قوله: (واذكروا نعمت الله عليكم) تصوير لحالهم الَّتي كانوا عليها ليحصل من استفظاعها انكشاف فائدة الحالة الَّتي أمروا بأن يكونوا عليها وهي الاعتصام جميعاً بجامعة الإسلام الَّذي كان سبب نجاتهم من تلك الحالة، وفي ضمن ذلك تذكير بنعمة الله تعالى، الّذي اختار لهم هذا الدّين، وفي ذلك تحريض على إجابة أمره تعالى إياهم بالاتِّفاق. • التَّذكيرُ بنعمة الله تعالى طريق من طُرق مواعظ الرّسل. قال تعالى حكاية عن هود (واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح). وقال عن شعيب (واذكروا إذ كنتم قليلاً فكثَّركم). وقال الله لموسى (وذكرهم بأيام الله). وهذا التَّذكير خاصّ بمن أسلم من المسلمين بعد أن كان في الجاهلية، لأنّ الآية خطاب للصّحابة ولكن المنّة به مستمرة على سائر المسلمين، لأن كُلّ جيل يُقَدّر أن لو لم يَسبق إسلام الجيل الَّذي قبله لكانوا هم أعداء وكانوا على شفا حفرة من النَّار. (وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا) أي: المعنى أنكم كنتم مشرفين بكفركم على جهنم، لأن جهنم مشبهة بالحفرة التي فيها النار فجعل استحقاقهم للنار بكفرهم كالإشراف منهم على النار، والمصير منهم إلى حفرتها، فبيّن تعالى أنه أنقذهم من هذه الحفرة، وقد قربوا من الوقوع فيها. • قال الشنقيطي: قوله تعالى (وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها) هذه الآية الكريمة تدل على أن الأنصار ما كان بينهم وبين النار إلا أن يموتوا مع أنهم كانوا أهل فترة، والله تعالى يقول (وما كنا معذّبين إلا أن نبعث رسولا) ويقول (رسلاً مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل). والذي يظهر في الجواب - والله تعالى أعلم - أنه برسالة محمد ﷺ لم يبق عذر لأحد، فكل من لم يؤمن به فليس بينه وبين النار إلا أن يموت، كما بينه تعالى بقوله (ومن يكفر به من الأحزاب فالنار موعده) الآية. وما أجاب به بعضهم من أن عندهم بقية من إنذار الرسل الماضين تلزمهم بها الحجة، فهو جواب باطل؛ لأن نصوص القرآن مصرِّحة بأنهم لم يأتهم نذير كقوله تعالى (لتنذر قوما ما أُنذر أباؤهم).

стр. 1120

(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: يوضحها ويبينها. • قال ابن عاشور: نعمة أخرى وهي نعمة التَّعليم والإرشاد، وإيضاح الحقائق حتَّى تكمل عقولهم، ويَتَبَيَّنوا مَا فيه صلاحهم. والبيان هنا بمعنى الإظهار والإيضاح. والآيات يجوز أن يكون المراد بها النعم، ويجوز أن يراد بها دلائل عنايته تعالى بهم وتثقيف عقولهم وقلوبهم بأنوار المعارف الإلهية، وأن يراد بها آيات القرآن فإنها غاية في الإفصاح عن المقاصد وإبلاغ المعاني إلى الأذهان. (لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) إلى شكر الله والتمسك بحبله. الفوائد: ١ - وجوب تقوى الله. ٢ - العناية والاهتمام بتقوى الله. ٣ - أن تقوى الله من مقتضيات الإيمان. ٤ - وجوب البقاء على الإسلام. ٥ - وجوب الاجتماع على شرع الله. ٦ - وجوب التحاكم إلى شرع الله. ٧ - من أعظم نعم الله اجتماع القلوب.

стр. 1121

(ولْتَكُن مِّنكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (١٠٤)). [آل عمران: ١٠٤]. (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) أي: وليكن منكم أيها المؤمنون الذين مَنَّ الله عليهم بالإيمان والاعتصام بحبله. (يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ) وهو اسم جامع لكل ما يقرب إلى الله ويبعد من سخطه. (وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ) وهو ما عرف بالعقل والشرع حسنه. (وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ) وهو ما عرف بالشرع والعقل قبحه. • قال السعدي: وهذا إرشاد من الله للمؤمنين أن يكون منهم جماعة متصدية للدعوة إلى سبيله وإرشاد الخلق إلى دينه، ويدخل في ذلك العلماء المعلمون للدين، والوعاظ الذين يدعون أهل الأديان إلى الدخول في دين الإسلام، ويدعون المنحرفين إلى الاستقامة، والمجاهدون في سبيل الله، والمتصدون لتفقد أحوال الناس وإلزامهم بالشرع كالصلوات الخمس والزكاة والصوم والحج وغير ذلك من شرائع الإسلام، وكتفقد المكاييل والموازين وتفقد أهل الأسواق ومنعهم من الغش والمعاملات الباطلة، وكل هذه الأمور من فروض الكفايات كما تدل عليه الآية الكريمة في قوله (ولتكن منكم أمة) إلخ أي: لتكن منكم جماعة يحصل المقصود بهم في هذه الأشياء المذكورة، ومن المعلوم المتقرر أن الأمر بالشيء أمر به وبما لا يتم إلا به فكل ما تتوقف هذه الأشياء عليه فهو مأمور به، كالاستعداد للجهاد بأنواع العدد التي يحصل بها نكاية الأعداء وعز الإسلام، وتعلم العلم الذي يحصل به الدعوة إلى الخير وسائلها ومقاصدها، وبناء المدارس للإرشاد والعلم، ومساعدة النواب ومعاونتهم على تنفيذ الشرع في الناس بالقول والفعل والمال، وغير ذلك مما تتوقف هذه الأمور عليه، وهذه الطائفة المستعدة للدعوة إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر هم خواص المؤمنين. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) الفائزون بالمطلوب، الناجون من المرهوب. • أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض لقوله ﷺ (من رأى منكراً فليغيره بيده … ) لكنه فرض كفائي. لقوله تعالى (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ … ). قال ابن قدامة: في هذه الآية بيان أنه فرض كفاية لا فرض عين، لأنه قال (وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ) ولم يقل: كونوا آمرين بالمعروف. • قال في التسهيل: وقوله: منكم: دليل على أنه فرض كفاية لأن من للتبعيض، وقيل: إنها لبيان الجنس، وأن المعنى: كونوا أمة. وتغيير المنكر يكون باليد وباللسان وبالقلب، على حسب الأحوال.

стр. 1122

• الأمة في القرآن تطلق على معان: منها: الجماعة من الناس. كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ). ومنها: الإمام في الدين المقتدى به. كما في قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً). ومنها: البرهة من الزمن. كما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: تذكر بعد بُرهة من الزمن. وكقوله تعالى (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي: إلى قطعة من الزمن معينة. ومنها: الشريعة والدين. كقوله تعالى (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي: على شريعة وملة ودين. • هناك أحوال يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض عين: أولاً: التعيين من قبل السلطان. ثانياً: التفرد بالعلم بأن معروفاً قد ترك، أو منكراً قد ارتكب. قال النووي: إن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية، ثم إنه قد يتعين إذا كان في موضع لا يعلم به إلا هو. ثالثاً: انحصار القدرة في أشخاص محددين. قال شيخ الإسلام ابن تيمية: ويصير فرض عين على القادر الذي لم يقم به غيره.

стр. 1123

• فضائل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: أولاً: مهمة الرسل. قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ … ). ثانياً: من صفات المؤمنين. قال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). وقال تعالى (التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ السَّائِحُونَ الرَّاكِعُونَ السَّاجِدُونَ الْآمِرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللَّهِ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ). قال الغزالي: فقد نعت المؤمنين بأنهم يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر، فالذي هجر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر خارج عن هؤلاء المؤمنين المنعوتين في هذه الآية. ثالثاً: أن خيرية الأمة مناطة بهذه الشعيرة. قال تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ). رابعاً: من أوصاف سيد المرسلين. قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ). خامساً: من خصال الصالحين. قال تعالى (لَيْسُوا سَوَاءً مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ آيَاتِ اللَّهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَهُمْ يَسْجُدُونَ. يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَأُولَئِكَ مِنَ الصَّالِحِينَ). سادساً: من أسباب النصر والتمكين. قال تعالى (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ. الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ).

стр. 1124

سابعاً: من أسباب النجاة. قال تعالى (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ). ثامناً: عظم فضل القيام به. قال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً). وقال ﷺ (من دعا إلى هدى كان له من الأجر مثل أجور من تبعه من غير أن ينقص ذلك من أجورهم شيئاً) رواه مسلم. تاسعاً: من أسباب تكفير الذنوب. قال ﷺ (فتنة الرجل في أهله وماله وولده ونفسه وجاره، يكفرها الصيام والصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) رواه مسلم. عاشراً: أنه طريق الفلاح. لقوله تعالى (ولتكن مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). الحادي عشر: أنه رفع لراية الدين ودحر للمنافقين والكافرين. قال الثوري: إذا أمرت بالمعروف شددت ظهر المؤمن، وإذا نهيت عن المنكر أرغمت أنف المنافق.

стр. 1125

• خطر ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أولاً: أن ذلك من صفات المنافقين. قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ). ثانياً: نزول البلاء والعذاب. قال تعالى (وَاتَّقُوا فِتْنَةً لا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً). ولما قالت أم المؤمنين زينب ﵂: (أنهلك وفينا الصالحون؟) قال لها الرسول ﷺ : نعم، إذا كُثر الخب). رواه البخاري قال ﷺ (إن الناس إذا رأوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه) رواه أبو داود. ثالثاً: عدم استجابة الدعاء. قال ﷺ (لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر أو ليسلطن الله عليكم عقاباً منه فتدعونه فلا يستجيب لكم) رواه الترمذي. وقال ﷺ (مروا بالمعروف، وانهوا عن المنكر، قبل أن تدعوا فلا يُستجاب لكم) رواه أحمد. رابعاً: اللعن والإبعاد من رحمة الله. قال تعالى (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ. كَانُوا لا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ). خامساً: انتفاء خيرية الأمة. قال ﷺ (والله لتأمرن بالمعروف ولتنهون عن المنكر ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن الله بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم) رواه أبو داود سادساً: الفساق والفجار والكفار، وتزيين المعاصي، وشيوع المنكر واستمراؤه. سابعاً: ظهور الجهل، واندثار العلم، وتخبط الأمة في ظلم حالك لا فجر لها. ويكفي عذاب الله لمن ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وتسلط الأعداء والمنافقين عليه، وضعف شوكته وقلة هيبته.
следующие страницы →