← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

• قال ابن كثير: ومن تدبر القرآن وجد فيه من وجوه الإعجاز فنوناً ظاهرة وخفية من حيث اللفظ ومن جهة المعنى، … فكلٌ من لفظه ومعناه فصيح لا يحاذى ولا يدانى، فقد أخبر عن مغيبات ماضية كانت ووقعت طبق ما أخبر سواء بسواء، وأمر بكل خير، ونهى عن كل شر كما قال تعالى (وتمت كلمة ربك صدقاً وعدلاً) أي صدقاً في الأخبار وعدلاً في الأحكام، فكله حق وصدق وعدل وهدى، … لا يخلق عن كثرة الرد، ولا يمل منه العلماء. • وقال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) فِيهِ أَكْبَرُ دَلَالَةٍ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا ﵇ مِنْ وُجُوهٍ: أَحَدُهَا: أَنَّهُ تَحَدَّاهُمْ بِالْإِتْيَانِ بِمِثْلِهِ، وَقَرَعَهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ مَعَ مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْأَنَفَةِ وَالْحَمِيَّةِ، وَأَنَّهُ كَلَامٌ مَوْصُوفٌ بِلُغَتِهِمْ، وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ مِنْهُمْ تَعَلَّمَ اللُّغَةَ الْعَرَبِيَّةَ، وَعَنْهُمْ أَخَذَ، فَلَمْ يُعَارِضْهُ مِنْهُمْ خَطِيبٌ، وَلَا تَكَلَّفَهُ شَاعِرٌ، مَعَ بَذْلِهِمْ الْأَمْوَالَ وَالْأَنْفُسَ فِي تُوهِينِ أَمْرِهِ، وَإِبْطَالِ حُجَجِهِ، وَكَانَتْ مُعَارَضَتُهُ لَوْ قَدَرُوا عَلَيْهَا أَبْلَغَ الْأَشْيَاءِ فِي إبْطَالِ دَعْوَاهُ وَتَفْرِيقِ أَصْحَابِهِ عَنْهُ؛ فَلَمَّا ظَهَرَ عَجْزُهُمْ عَنْ مُعَارَضَتِهِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ، وَأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَقْدُورِ الْعِبَادِ مِثْلُهُ، وَإِنَّمَا أَكْبَرُ مَا اعْتَذَرُوا بِهِ أَنَّهُ مِنْ أَسَاطِيرِ الْأَوَّلِينَ، وَأَنَّهُ سِحْرٌ، فَقَالَ تَعَالَى (فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إنْ كَانُوا صَادِقِينَ) وَقَالَ (فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ) فَتَحَدَّاهُمْ بِالنَّظْمِ دُونَ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ، وَأَظْهَرَ عَجْزَهُمْ عَنْهُ فَكَانَتْ هَذِهِ مُعْجِزَةً بَاقِيَةً لِنَبِيِّنَا ﷺ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ، أَبَانَ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا نُبُوَّةَ نَبِيِّهِ وَفَضَّلَهُ بِهَا عَلَى سَائِرِ الأنبياء؛ لِأَنَّ سَائِرَ مُعْجِزَاتِ الْأَنْبِيَاءِ تَقَضَّتْ بِانْقِضَائِهِمْ، وَإِنَّمَا يُعْلَمُ كَوْنُهَا مُعْجِزَةً مِنْ طَرِيقِ الْأَخْبَارِ. وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ بَاقِيَةٌ بَعْدَهُ، كُلُّ مَنْ اعْتَرَضَ عَلَيْهَا بَعْدُ قَرَّعْنَاهُ بِالْعَجْزِ عَنْهُ، فَتَبَيَّنَ لَهُ حِينَئِذٍ مَوْضِعُ الدَّلَالَةِ عَلَى تَثْبِيتِ النُّبُوَّةِ. وَالْوَجْهُ الْآخَرُ مِنْ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِالنَّبِيِّ ﵇ وَعِنْدَ الْجَاحِدِينَ لِنُبُوَّتِهِ أَنَّهُ كَانَ مِنْ أَتَمِّ النَّاسِ عَقْلًا، وَأَكْمَلِهِمْ خُلُقًا، وَأَفْضَلِهِمْ رَأْيَا، فَمَا طَعَنَ عَلَيْهِ أَحَدٌ فِي كَمَالِ عَقْلِهِ وَوُفُورِ حِلْمِهِ وَصِحَّةِ فَهْمِهِ وَجَوْدَةِ رَأْيِهِ، وَغَيْرُ جَائِزٍ عَلَى مَنْ كَانَ هَذَا وَصْفُهُ أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّهُ نَبِيُّ اللَّهِ قَدْ أَرْسَلَهُ إلَى خَلْقِهِ كَافَّةً، ثُمَّ جَعَلَ عَلَامَةَ نُبُوَّتِهِ وَدَلَالَةَ صِدْقِهِ كَلَامًا يُظْهِرُهُ وَيَقْرَعُهُمْ بِهِ، مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ، فَيَظْهَرُ حِينَئِذٍ كَذِبُهُ وَبُطْلَانُ دَعْوَاهُ، فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَتَحَدَّاهُمْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُقَرِّعهُمْ بِالْعَجْزِ عَنْهُ إلَّا وَهُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لَا يَقْدِرُ الْعِبَادُ عَلَى مِثْلِهِ.

стр. 107

(فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا) أي: فإن لم تقدروا على الإتيان بسورة بمثل سورة من سوره. (وَلَنْ تَفْعَلُوا) أي: ولن تقدروا في المستقبل أيضاً على الإتيان بمثله و (لن) هنا للتأبيد. وفي هذا معجزة أخرى، وهو أنه أخبر خبراً جازماً قاطعاً، غير خائف ولا مشفق، أن هذا القرآن لا يعارض بمثله أبد الآبدين ودهر الداهرين، وكذلك وقع الأمر، لم يعارض من لدنه إلى زماننا هذا ولا يمكن. (فَاتَّقُوا النَّارَ) أي فخافوا النار واتقوها واحذروها، واجعلوا بينكم وبين عذابها وقاية، والوقاية من النار تكون بالإيمان بالله ورسله وكتبه واليوم الآخر. وقد أمر الله باتقائها في آيات كثيرة: فقال تعالى (وَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). وقال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى). وقال تعالى (وَالصُّبْحِ إِذَا أَسْفَرَ. إِنَّهَا لَإِحْدَى الْكُبَرِ. نذيراً للبشر) قال الحسن البصري: والله ما أُنذر العباد بشيء قط أدهى منها. وقال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة فمن لم يجد فبكلمة طيبة) متفق عليه. واتقاء النار يكون: بفعل أوامر الله واجتناب نواهيه. • قوله تعالى (فاتقوا النار) ينبغي على المسلم أن يحذر من النار وأن يتقيها كما أمر الله . فقد أمر الله باتقائها كما في هذه الآية. وأمر ﷺ بالاستعاذة منها. كما قال ﷺ (استعيذوا بالله من عذاب جهنم) متفق عليه. وكان ﷺ يقول في صلاته (اللهم إني أعوذ بك من عذاب جهنم) متفق عليه. ومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً). • ينبغي تهديد أهل الكفر والطغيان بالنار وتخويفهم بها كما قال تعالى (فَأَنْذَرْتُكُمْ نَاراً تَلَظَّى. لا يَصْلاهَا إِلَّا الْأَشْقَى).

стр. 108

• هناك أعمال تنجي من النار منها: أولاً: الإيمان بالله. قال تعالى (الذين يقولون ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار). ثانياً: الصيام. قال ﷺ (الصيام جُنة يستجن به من النار) رواه أحمد. وقال ﷺ (من صام يوماً في سبيل الله باعد الله وجهه عن النار سبعين خريفاً) متفق عليه. ثالثاً: البكاء من خشية الله. قال ﷺ (لا يلج النار رجل بكى من خشية الله حتى يعود اللبن في الضرع) رواه الترمذي. رابعاً: الاستجارة بالله من النار. كما قال ﷺ (ما سأل أحد الله ثلاثاً إلا قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة، ولا استجار رجل مسلم من النار ثلاثاً إلا قالت النار: اللهم أجره مني). خامساً: المحافظة على صلاة الفجر والعصر. قال ﷺ (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) رواه مسلم. سادساً: الجهاد. قال ﷺ (من اغبرت قدماه في سبيل الله فهما حرام على النار) رواه الترمذي. سابعاً: حسن الخلق. قال ﷺ (من كان سهلاً هيناً ليناً حرمه الله على النار) رواه أحمد. ثامناً: عتق الرقاب. قال ﷺ (من أعتق رقبة مؤمنة كانت فكاكه من النار). تاسعاً: الكلمة الطيبة. لحديث الباب (فَاتَّقُوا النَّارَ وَلَو بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَة) قال النووي: فيه أن الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار. (الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) وقودها: الوقود بفتح الواو: الحطب، أي مادة النار التي تشعل بها وتضرم لإيقادها الناس والحجارة.

стр. 109

والمراد بالناس الكفار الذين ماتوا على الكفر، قال تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ). وأما الحجارة فاختلف فيه: قيل: المراد حجارة الكبريت. وقد قيل: أنها خصت بذلك لأنها تزيد على جميع الأحجار بخمسة أنواع من العذاب: سرعة الإيقاد، نتن الرائحة، كثرة الدخان، شدة الالتصاق بالأبدان، قوة حرها إذا حميت. وقيل: المراد بالحجارة الأصنام، لقوله تعالى (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ) أي وقودها. قال القرطبي: وعليه فتكون الحجارة والناس وقوداً للنار، وذكر ذلك تعظيماً للنار أنها تحرق الحجارة مع إحراقها للناس. قوله تعالى (وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ) شدة عذاب الكفار في النار حيث يكونون وقوداً للنار مع أصنامهم. (أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ) أي هيئت للكافرين، ففيه دليل على أن أهل النار هم الكفار الذين ماتوا على الكفر، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا). وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). ومن أهل النار المنافقين، كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ). • قوله تعالى (أعدت للكافرين) فيه دليل على أن النار موجودة الآن، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة أن الجنة والنار موجودتان الآن، والأدلة على ذلك كثيرة: قوله تعالى (أعدت للكافرين) أي هيئت، وكذلك قال تعالى في الجنة (أعدت للمتقين). وقال ﷺ (لما خلق الله الجنة والنار، أرسل جبريل إلى الجنة، .. الحديث، وفيه: ثم أرسله إلى النار .. ) رواه أحمد. وقال ﷺ (إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي، إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة، وإن كان من أهل النار فمن أهل النار) متفق عليه. وقال ﷺ (وأيم الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيت لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: رأيت الجنة والنار) متفق عليه.

стр. 110

وقال ﷺ (رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به، حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني أتقدّم، ولقد رأيت جهنم يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت) رواه مسلم. وقال ﷺ ( … ورأيت النار، فلم أر منظراً كاليوم قط أفظع منه) متفق عليه. الفوائد: ١ - عظمة القرآن حيث تحدى الله كفار قريش أن يأتوا بمثله. ٢ - وجوب العناية بالقرآن حفظاً وتدبراً وفهماً. ٣ - فضيلة أن يتصف الإنسان بوصف العبودية. ٤ - إثبات علو الله . ٥ - أن من أعظم آيات النبي ﷺ هذا القرآن العظيم. ٦ - لا يستطيع أحد أن يأتي بمثل هذا القرآن. ٧ - وجوب تقوى عذاب النار. ٨ - إهانة الكفار ومعبوداتهم حيث يكونون حطب لجهنم. ٩ - أن النار موجودة الآن.

стр. 111

(وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢٥)). [البقرة: ٢٥]. (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) هذا أمر من الله لنبيه محمد ﷺ بإبلاغ بشارته خلقه الذين آمنوا به وبمحمد ﷺ ، وبما جاء به من عند ربه، وصدقوا إيمانهم ذلك وإقرارهم بأعمالهم الصالحة، أن له جنات تجري من تحتها الأنهار خاصة. (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) التبشير الإخبار بما يسر، الذين آمنوا بقلوبهم. • قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) فيه استحباب تبشير المسلم بما يسره، لأن البشارة مما تسر المسلم وتفرحه، وقد قال تعالى (فبشرناه بغلام حليم) وقال تعالى (وبشروه بغلام عليم). • قوله تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا) التبشير: الإخبار بما يسر، وسمي بذلك لأنه يظهر أثره على البشرة وهو ظاهر الجلد، والغالب أنه يستعمل في التبشير بالخير، وقد يستعمل في الشر تهكماً كقوله تعالى (فبشرهم بعذاب أليم). • قال ابن عطية: قوله تعالى (وبشر) مأخوذ من البشرة لأن ما يبشر به الإنسان من خير أو شر يظهر عنه أثر في بشرة الوجه، والأغلب استعمال البشارة في الخير، وقد تستعمل في الشر مقيدة به منصوصاً على الشر المبشر به، كما قال تعالى (فبشرهم بعذاب أليم) ومتى أطلق لفظ البشارة فإنما يحمل على الخير. (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا الأعمال الصالحات من واجبات ومستحبات، والعمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون خالصاً لله، قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه. الشرط الثاني: أن يكون متابعاً للنبي ﷺ ، لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم.

стр. 112

• قال عثمان بن عفان ﵁ في (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ): معناه أخلصوا الأعمال، يدلّ عليه قوله: (فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا) أي: خالصاً لأن المنافق والمرائي لا يكون عمله خالصاً. • قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته. (أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ) الجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ). وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. • قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال ﷺ (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما). • قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحياناً يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات. • أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد ورد هذا في آيات كثيرة. قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). أن دخول الجنة أعظم بشرى وأعظم أمنية، كما قال تعالى (إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون). وقال تعالى (وبشر المؤمنين بأن لهم من الله فضلاً كبيراً).

стр. 113

• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنواع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال ﷺ (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما). • في هذه الآية ذكر المبشّر: وهو محمد ﷺ ، ومن قام مقامه من أمته، والمبشَّر: هم المؤمنون العاملون الصالحات، والمبشَّر به: وهي الجنات الموصوفات تلك الصفات الجميلة، وذكر العمل الموصل لذلك: وهو الإيمان والعمل الصالح. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها، قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها. • قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً. • قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا. • وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً). • قال ابن القيم: فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا. فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصاً، وآفة الخمر كراهة مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها ويجريها في غير أخدود وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو.

стр. 114

• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود. قال ابن القيم في النونية: أنهارها في غير أخدود جرت … سبحان ممسكها عن الفيضانِ (كُلَّمَا رُزِقُوا مِنْهَا مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قَالُوا هَذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِنْ قَبْلُ) أي كلما أعطوا عطاء ورزقوا رزقاً من ثمار الجنة قالوا هذا الذي رزقنا من قبل، وقد اختلف العلماء في قوله تعالى (من قبل) على قولين: فقيل: المراد بقوله (من قبل) أي هذا الذي رزقنا من قبل هذا في الدنيا، ورجحه ابن جرير. ودليل هذا القول قوله تعالى (قَالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنَا مُشْفِقِينَ). وقيل: المراد بقولهم (من قبل) أي في الجنة، أي هذا الذي رزقنا من قبل من ثمار الجنة، من قبل هذا لشدة مشابهة بعضه بعضاً في اللون والطعم، واحتج هؤلاء بحجج: منها: أن المشابهة التي بين ثمار الجنة بعضها لبعض، أعظم من المشابهة التي بينها وبين ثمار الدنيا، ولشدة المشابهة قالوا هذا هو. ومنها: أن من المعلوم أنه ليس كل ما في الجنة من الثمار قد رزقوه في الدنيا، وكثير من أهلها لا يعرفون ثمار الدنيا ولا رأوها. (وَأُتُوا بِهِ مُتَشَابِهاً) قال ابن جرير: يعني في اللون والمرأى وليس يشبهه في الطعم، قال ابن عباس: لا يشبه شيء مما في الجنة ما في الدنيا إلا في الأسماء. (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) الأزواج جمع زوج، وهو شامل للأزواج من الحور العين، ومن نساء الدنيا. (مُطَهَّرَةٌ) يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فهي مطهرة من الأذى، ومن القذر، لا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس، مطهرة من كل شيء حسي، مطهرة أيضاً من الأقذار الباطنة، كالغل، والحسد، والكراهية، والبغضاء وغير ذلك. • قال القرطبي: (مطهرة) نعتٌ للأزواج، ومُطَهّرةٌ في اللغة أجمع من طاهرة وأبلغ؛ ومعنى هذه الطهارة من الحَيْض والبُصاق وسائر أقذار الآدمِيّات.

стр. 115

• وقال السعدي: قوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) فلم يقل (مطهرة من العيب الفلاني) ليشمل جميع أنواع التطهير، فهن مطهرات الأخلاق، مطهرات الخلق، مطهرات اللسان، مطهرات الأبصار، فأخلاقهن، أنهن عرب متحببات إلى أزواجهن بالخلق الحسن، وحسن التبعل، والأدب القولي والفعلي، ومطهر خلقهن من الحيض والنفاس والمني، والبول والغائط، والمخاط والبصاق، والرائحة الكريهة، ومطهرات الخلق أيضا، بكمال الجمال، فليس فيهن عيب، ولا دمامة خلق، بل هن خيرات حسان، مطهرات اللسان والطرف، قاصرات طرفهن على أزواجهن، وقاصرات ألسنتهن عن كل كلام قبيح. • ذكر هنا تعالى صفة من صفات نساء الجنة، ومن صفاتهن: أولاً: مطهرات. كما في هذه الآية. قال ابن القيم: ووصفهن بالطهارة فقال: (ولهم فيها أزواج مطهرة) طهرن من الحيض والبول والنجو (الغائط) وكل أذى يكون في نساء الدنيا، وطهرت بواطنهن من الغيرة وأذى الأزواج وتجنيهن عليهم وإرادة غيرهم. ثانياً: كواعب أتراباً. قال تعالى (وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً). الكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثديها، والأتراب: المتقاربات في السن. ثالثاً: أبكاراً. قال تعالى (إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً. فجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً). أبكاراً: يعني أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، العرب: المتحببات لأزواجهن. قال ابن كثير ﵀: قوله (عُرُباً): قال سعيد بن جبير عن ابن عباس يعني: متحببات إلى أزواجهن، وعن ابن عباس: العُرُب العواشق لأزواجهن، وأزواجهن لهن عاشقون.

стр. 116

وقوله (أَتْرَابا) قال الضحاك عن ابن عباس يعني: في سن واحدة ثلاث وثلاثين سنة. وقال السدي: (أترابا) أي: في الأخلاق المتواخيات بينهن ليس بينهن تباغض ولا تحاسد، يعني: لا كما كن ضرائر متعاديات. (تفسير ابن كثير). وقال الحافظ ابن حجر: عن مجاهد في قوله (عُرُباً أتراباً) قال: هي المحببة إلى زوجها. رابعاً: جميلات غاية الجمال. قال تعالى (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ الْلُؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ). وقال ﷺ (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري. حور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد. عين: جمع عيناء، وهي واسعة العين، المكنون: المخفي المصان، النصيف: الخمار. • قال السعدي: أي: ولهم حور عين، والحوراء: التي في عينها كحل وملاحة، وحسن وبهاء، والعِين: حسان الأعين وضخامها، وحسن العين في الأنثى من أعظم الأدلة على حسنها وجمالها، (كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ) أي: كأنهن اللؤلؤ الأبيض الرطب الصافي البهي، المستور عن الأعين والريح والشمس، الذي يكون لونه من أحسن الألوان، الذي لا عيب فيه بوجه من الوجوه، فكذلك الحور العين، لا عيب فيهن بوجه، بل هن كاملات الأوصاف، جميلات النعوت. فكل ما تأملته منها لم تجد فيه إلا ما يسر الخاطر ويروق الناظر.

стр. 117

خامساً: قاصرات الطرف. قال تعالى (حُورٌ مَقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ). وقال تعالى (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ). وقاصرات الطرف: هن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن. • قال ابن القيم: ووصفهن بأنهن (مقصورات في الخيام) أي: ممنوعات من التبرج والتبذل لغير أزواجهن، بل قد قُصِرْن على أزواجهن، لا يخرجن من منازلهم، وقَصَرْنَ عليهم فلا يردن سواهم، ووصفهن سبحانه بأنهن (قاصرات الطرف) وهذه الصفة أكمل من الأولى، فالمرأة منهن قد قصرت طرفها على زوجها من محبتها له ورضاها به فلا يتجاوز طرفها عنه إلى غيره. (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهذا من أعظم تمام النعيم، أن أهل الجنة خالدون فيها أبد الآبدين. • قال النسفي: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع. • وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له. • قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب: أشدُّ الغم عندي في سرور … تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالاً. • قال الرازي: اعلم أن مجامع اللذات إما المسكن أو المطعم أو المنكح فوصف الله تعالى المسكن بقوله (جنات تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنهار) والمطعم بقوله (كُلَّمَا رُزِقُواْ مِنْهَا مِن ثَمَرَةٍ رِّزْقاً قَالُواْ هذا الذى رُزِقْنَا مِن قَبْلُ) والمنكح بقوله (وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ) ثم إن هذه الأشياء إذا حصلت وقارنها خوف الزوال كان التنعم منغصاً فبين تعالى أن هذا الخوف زائل عنهم فقال (وَهُمْ فِيهَا خالدون) فصارت الآية دالة على كمال التنعم والسرر. • قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَهُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وهذا من أعظم النعيم وبه يتم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً.

стр. 118

فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم. • وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة. فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم. وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداً، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم. وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه.

стр. 119

• قال ابن القيم: جمع سبحانه في هذه البشارة بين نعيم البدن بالجنات وما فيها من الأنهار والثمار ونعيم النفس بالأزواج المطهرة، ونعيم القلب وقرة العين بمعرفة دوام هذا العيش أبد الآباد وعدم انقطاعه. الفوائد: ١ - البشرى بالجنة لمن آمن وعمل صالحاً. • قال السعدي: وفيه استحباب بشارة المؤمنين، وتنشيطهم على الأعمال بذكر جزائها [وثمراتها]، فإنها بذلك تخف وتسهل، وأعظم بشرى حاصلة للإنسان، توفيقه للإيمان والعمل الصالح، فذلك أول البشارة وأصلها، ومن بعده البشرى عند الموت، ومن بعده الوصول إلى هذا النعيم المقيم، نسأل الله أن يجعلنا منهم. ٢ - الحث على الإيمان والعمل الصالح. ٣ - التحذير من الرياء ومن البدعة. ٤ - مشروعية تبشير المسلم بما يسره. ٦ - أن الجنات أنواع. ٧ - إثبات الجنة. ٨ - إثبات أن في الجنة أنهاراً. ٩ - عظم نعيم الجنة. ١٠ - أن نعيم الدنيا ناقص زائل. ١١ - إثبات الزوجات في الجنة وأنهن مطهرات من كل دنس.

стр. 120

(إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ (٢٦) الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (٢٧)). [البقرة: ٢٦ - ٢٧]. (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً … ) قال ابن القيم: هذا جواب اعتراض، اعترض به الكفار على القرآن وقالوا: إن الرب أعظم من أن يذكر الذباب والعنكبوت ونحوها من الحيوانات الخسيسة، فلو كان ما جاء به محمد ﷺ ، كلام الله، لم يذكر فيه الحيوانات الخسيسة، فأجابهم الله تعالى بأن قال (إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلاً ما بعوضة فما فوقها)، فإن ضرب الأمثال بالبعوضة فما فوقها، إذا تضمن تحقيق الحق وإيضاحه وإبطال الباطل وإدحاضه، كان من أحسن الأشياء، والحسن لا يستحيا منه، فهذا جواب الاعتراض. • قال الرازي: اعلم أنه بين بالدليل كون القرآن معجزاً أورد ههنا شبهة أوردها الكفار قدحاً في ذلك وأجاب عنها وتقرير الشبهة أنه جاء في القرآن ذكر النحل والذباب والعنكبوت والنمل وهذه الأشياء لا يليق ذكرها بكلام الفصحاء فاشتمال القرآن عليها يقدح في فصاحته فضلاً عن كونه معجزاً، فأجاب الله تعالى عنه بأن صغر هذه الأشياء لا يقدح في الفصاحة إذا كان ذكرها مشتملاً على حكم بالغة، فهذا هو الإشارة إلى كيفية تعلق هذه الآية بما قبلها. (إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي) فيه إثبات الحياء لله تعالى، وجه الدلالة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إن نفي الاستحياء عن الله تعالى في هذه الحال دليل على ثبوثه فيما يقابلها. • وقد دلت السنة على إثبات الحياء لله تعالى. كما قال ﷺ (إن الله حيي ستير يحب الحياء والستر) رواه أبو داود. وقال ﷺ (إن ربكم ﵎ حيي كريم، يستحي من عبده إذا رفع يديه إليه أن يردهما صفراً) رواه أبو داود.

стр. 121

وحياؤه وصف يليق به، ليس كحياء المخلوقين الذي هو تغير وانكسار يعتري الشخص عند خوف ما يعاب أو يذم، بل نثبتها لله تعالى على ما يليق بجلاله وكماله، إثباتاً من غير تمثيل لها بخلقه. (أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا) أي: أن الله لا يستحيي أن يضرب ويبين أي مثل كان، بأيّ شيء كان، صغيراً أو كبيراً كالبعوضة فما فوقها. • والسبب في ذلك: لاشتمال الأمثال على الحكمة، وإيضاح الحق وتقريبه، قال ابن القيم: فإن الأمثال تشبيه شيء بشيء في حكمه، وتقريب المعقول من المحسوس، أو أحد المحسوسين من الآخر، واعتبار أحدهما بالآخر. وقد ضرب الله الأمثال في كتابه بعدة أشياء: الذباب: قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئاً لا يَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ). العنكبوت: قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْلِيَاءَ كَمَثَلِ الْعَنْكَبُوتِ اتَّخَذَتْ بَيْتاً وَإِنَّ أَوْهَنَ الْبُيُوتِ لَبَيْتُ الْعَنْكَبُوتِ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). الشجرة الطيبة والخبيثة: قال تعالى (أَلَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ. تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا وَيَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ. وَمَثَلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ). • قوله تعالى (فَمَا فَوْقَهَا) اختلف العلماء في المراد بقوله (فما فوقها) على قولين: قيل: أن معنى فما فوقها أي ما هو أكبر منها، ورجحه ابن جرير. . . . ويؤيد هذا القول قوله ﷺ (ما من مسلم يشوك شوكة فما فوقها) أي ما هو أعلى منها. وقيل: (فما فوقها) أي ما هو أقل منها، كما يقال مثلاً فلان جاهل، فتقول هو فوق ذلك، أي أشد من الجاهل.

стр. 122

• قال الرازي: والمحققون مالوا إلى هذا القول لوجوه: أحدها: أن المقصد من هذا التمثيل تحقير الأوثان، وكلما كان المشبه به أشد حقارة كان المقصود في هذا الباب أكمل حصولاً. وثانيها: أن الغرض ههنا بيان أن الله تعالى لا يمتنع من التمثيل بالشيء الحقير، وفي مثل هذا الموضع يجب أن يكون المذكور ثانياً أشد حقارة من الأول، يقال إن فلاناً يتحمل الذل في اكتساب الدينار، وفي اكتساب ما فوقه، يعني في القلة، لأن تحمل الذل في اكتساب أقل من الدينار أشد من تحمله في اكتساب الدينار. وثالثها: أن الشيء كلما كان أصغر كان الاطلاع على أسراره أصعب، فإذا كان في نهاية الصغر لم يحط به إلا علم الله تعالى، فكان التمثيل به أقوى في الدلالة على كمال الحكمة من التمثيل بالشيء الكبير. • وقال ابن عاشور: وهو في هذه الآية صالح للمعنيين أي ما هو أشد من البعوضة في الحقارة وما هو أكبر حجماً. (فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: أما المؤمنون فيعلمون أن الله حق، لا يقول غير الحق، وأن المثل من عند الله، فيزدادون إيماناً على إيمانهم. (وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلاً) أي: وأما الذين كفروا فيتعجبون ويقولون ماذا أراد الله من ضرب الأمثال بمثل هذه الأشياء الحقيرة. • فيه أن الاعتراض على أمر الله من أعمال الكفار، فيزدادون كفراً على كفرهم، ففيه التحذير من الاعتراض على أوامر الله. (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً) أي: يضل ويخذل بهذا المثل كثيراً من الكافرين لكفرهم به. (وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) أي: ويهدي به كثيراً من المؤمنين لتصديقهم به فيزدادون هدى. • قال الشيخ السعدي: هذه حال المؤمنين والكافرين عند نزول الآيات القرآنية، كما قال تعالى (وإذا أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون. وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون) فلا أعظم نعمة على العباد من نزول الآيات القرآنية، ومع هذا تكون لقوم محنة وحيرة وضلالة وزيادة شر إلى شرهم، ولقوم منحة ورحمة، وزيادة خير إلى خيرهم، فسبحان من فاوت بين عباده، وانفرد بالهداية والإضلال. … • قوله تعالى (يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِهِ كَثِيراً) قيل: هو من قول الكافرين، أي مراد الله بهذا المثل الذي يفرق به الناس إلى ضلالة وإلى هدى. وقيل: بل هو خبر من الله ، قال القرطبي: وهو أشبه.

стр. 123

• قال الشوكاني عن القول الأول: ليس بصحيح، فإن الكافرين لا يقرون بأن في القرآن شيئاً من الهداية، ولا يعترفون على أنفسهم بشيء من الضلالة. (وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ) أي: وما يضل به إلا الفاسقين الخارجين عن طاعة الله بكفرهم. • والمراد بالفسق هنا الخروج عن الدين وهو الكفر، بدليل وصفهم بعد ذلك بقوله (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ … ) وهذه الصفات صفات الكفار المباينة لصفات المؤمنين. … والفسق هو الخروج عن طاعة الله، ومنه سميت الفأرة فويسقة لخروجها للإفساد، ويطلق ويراد به الكفر كقوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) وقال تعالى (ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ). ويطلق ويراد به ما دونه من المعاصي كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ). • قال القرطبي: والفِسْق في عُرْف الاستعمال الشرعي: الخروج من طاعة الله ، فقد يقع على من خرج بكُفْر وعلى من خرج بعصيان. • لفظ الضلال في القرآن يطلق على ثلاثة إطلاقات: الأول: إطلاق الضلال على الضلال عن طريق الهدى إلى طريق الزيغ، وعن طريق الجنة إلى طريق النار. كما قال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). ومنه قوله تعالى (غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ). ومنه قوله تعالى (قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيراً وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)، وهذا أغلب استعمال الضلال. والثاني: هو إطلاق الضلال على الغَيْبَة والاضمحلال. ومنه قوله تعالى (وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: غاب واضمحل ولم يبق له أثر. ومنه قوله تعالى (وَقَالُوا أَإِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ) فمعنى (ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ) أي: اضمحلت عظامهم ولحومهم وجلودهم فيها فأكلتها واختلطت بها.

стр. 124

والثالث: إطلاق الضلال على الذهاب عن علم الشيء، فكل ما لم يهتد إلى علم شيء تقول العرب: ضل. ومنه قول أولاد يعقوب (إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: ذهاب عن علم الحقيقة حيث يفضّل يوسف علينا. وقوله (قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلالِكَ الْقَدِيمِ) أي: ذهابك عن حقيقة العلم بالشيء، لأنك تظن يوسف حياً، ولا يريدون الضلال، لأنهم لو أرادوا الضلال في الدين لكانوا كفرة لتضليلهم نبياً من الأنبياء. (الشنقيطي). ومنه قوله تعالى (لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى) أي: لا يذهب عنه علم شيء ولا ينسى شيئاً. (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ) ذكر تعالى صفات هؤلاء الفاسقين، فمنها أنهم ينقضون عهد الله من بعد ميثاقه، والنقض: إفساد ما أبرم من بناء أو حبل أو عهد. • وقد اختلف في المراد بهذا العهد الذي وصف هؤلاء الفاسقين بنقضه: فقيل: أنه العهد الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من صلبه. كما قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ). وقيل: هو وصية الله إلى خلقه وأمره إياهم بما أمرهم به من طاعته ونهيه إياهم عما نهاهم عنه من معصيته في كتبه على ألسن رسله. وقيل: أنه العهد الذي أخذ عليهم على لسان أنبيائهم ﵈ أنهم يؤمنون بمحمد ﷺ إذا بعث فيهم. كما قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّينَ لَمَا آتَيْتُكُمْ مِنْ كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشَّاهِدِينَ). والراجح العموم كما قال ابن كثير حيث قال: وقال آخرون بل عني بهذه الآية جميع أهل الكفر والشرك والنفاق وعهده إلى جميعهم في توحيده ما وضع لهم من الأدلة الدالة على ربوبيته، وعهده إليهم في أمره ونهيه ما احتج به لرسله من المعجزات التي لا يقدر أحد من الناس غيرهم أن يأتي بمثله الشاهدة لهم على صدقهم، قالوا: ونقضهم ذلك تركهم الإقرار بما قد تبينت لهم صحته بالأدلة، وتكذيبهم الرسل والكتب مع علمهم أن ما أتوا به حق، وهذا حسن ومال إليه الزمخشري.

стр. 125

• وقال ابن عطية: النقض رد ما أبرم على أوله غير مبرم، والعهد في هذه الآية التقدم في الشيء والوصاة به. واختلف في تفسير هذا العهد: فقال بعض المتأولين: هو الذي أخذه الله على بني آدم حين استخرجهم من ظهر أبيهم آدم كالذر. وقال آخرون: بل نصب الأدلة على وحدانية الله بالسماوات والأرض وسائر الصنعة هو بمنزلة العهد. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله على عباده بواسطة رسله أن يوحدوه وان لا يعبدوا غيره. وقال آخرون: بل هذا العهد هو الذي أخذه الله تعالى على أتباع الرسل والكتب المنزلة أن يؤمنوا بمحمد ﷺ ، وأن لا يكتموا أمره. • قال أبو حيان بعد ذكره للأقوال: والعموم هو الظاهر. (يَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ) أي: من صفات هؤلاء الكفار قطع ما أمروا بوصله. وقد اختلف العلماء ما هو الشيء الذي أمر الله بوصله: فقيل: المراد به صلة الأرحام، ورجحه ابن جرير. وقيل: أمر أن يوصل القول بالعمل. وقيل: المراد به حفظ شرائعه وحدوده التي أمر في كتبه المنزلة وعلى ألسن رسله بالمحافظة عليها فهي عامة. قال الشوكاني: وبه قال الجمهور وهو الحق. • فيه وجوب صلة ما أمر الله بصلته، وفي مقدمة ذلك صلة الرحم. وقد جاءت نصوص تحرم وتحذر من قطيعة الرحم: قال تعالى (فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحَامَكُمْ. أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ فَأَصَمَّهُمْ وَأَعْمَى أَبْصَارَهُمْ). وقال تعالى (الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ وَيُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ). وقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ) أي: واتقوا الأرحام أن تقطعوها بل صِلوها. وقال ﷺ (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه. وقال ﷺ (ما من ذنب أجدر أن يعجل الله تعالى لصاحبه العقوبة في الدنيا مع ما يدّخر له في الآخرة من البغي وقطيعة الرحم) رواه أحمد.

стр. 126

وقال ﷺ (لا يدخل الجنة قاطع) متفق عليه. وقال ﷺ (الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري. … • وجاءت نصوص كثيرة تحث على صلة الرحم: قال ﷺ (من أحب أن يبسط له في رزقه وينسأ له في أثره فليصل رحمه) متفق عليه. وقال ﷺ (الرحم معلقة بالعرش، تقول: من وصلني وصله الله، ومن قطعني قطعه الله) متفق عليه. وعن أبي أيوب (أن رجلاً قال يا رسول الله! أخبرني بعمل يدخلني الجنة ويباعدني من النار؟ فقال النبي ﷺ : تعبد الله ولا تشرك به شيئاً، وتقيم الصلاة، وتؤتي الزكاة، وتصل الرحم) متفق عليه. وقال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليصل رحمه) متفق عليه. وهي من صفات النبي ﷺ ، قال خديجة (كلا والله، لا يخزيك الله أبدًا؛ إنك لتحمل الكل، وتصل الرحم، وتقري الضيف، وتكسب المعدوم، وتعين على نوائب الحق). (يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ) أي ومن صفات هؤلاء الكفار الإفساد في الأرض، والإفساد في الأرض يكون بارتكاب المعاصي فيها من الشرك بالله، والقتل، والربا، وغيرها، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) في الدنيا والآخرة، فحصر الخسارة فيهم، لأن خسرانهم عام في كل أحوالهم، ليس لهم نوع من الربح، لأن كل عمل صالح شرطه الإيمان، فمن لا إيمان له لا عمل له، وهذا الخسار هو خسار الكفر. • قال الطبري: قوله تعالى (أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) الخاسرون جمع خاسر، والخاسرون: الناقصُون أنفسَهم حظوظَها - بمعصيتهم الله - من رحمته، كما يخسرُ الرجل في تجارته، بأن يوضَع من رأس ماله في بيعه. فكذلك الكافر والمنافق، خسر بحرمان الله إياه رحمتَه التي خلقها لعباده في القيامة، أحوج ما كان إلى رحمته.

стр. 127

• وأصل الخسران: نقصان مال التاجر من ربح أو رأس مال، وأكبر الخسارة غبن الإنسان بحظوظه من خالقه جل وعلا، وقد أقسم الله أنه لا ينجو منه أحد إلا بشروط معينة منصوصة في كتاب الله فقال تعالى (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). الفوائد: ١ - فيه إثبات الحياء لله تعالى، وجه الدلالة: قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إن نفي الاستحياء عن الله تعالى في هذه الحال دليل على ثبوثه فيما يقابلها. ٢ - ضرب الأمثال، لتقريب المعاني. ٣ - فيه أنه لا ينبغي أن يكون الحياء مانعاً من قول الحق أو طلب العلم. وقد قالت عائشة (نعم نساء الأنصار، لم يمنعهن الحياء من التفقه في الدين) متفق عليه. وقالت أم سلمة (إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت) متفق عليه. ٤ - فيه أنه ينبغي لمن أراد الإيضاح والبيان - وكان ذلك يتوقف على ضرب المثل - أن يبين ذلك بالمثل، كما قال تعالى (وتلك الأمثال نضربها للناس وما يعقلها إلا العالمون). ٥ - فضل أهل الإيمان، حيث يؤمنون من غير تردد. ٦ - أن الناس ينقسمون عند ضرب المثل إلى قسمين: مؤمن وكافر. ٧ - أن الهداية والإضلال بيد الله تعالى، ويتفرع على هذه الفائدة اللجوء إلى الله لطلب الهداية منه سبحانه. ٨ - وجوب الوفاء بجميع العهود. كما قال تعالى (وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسؤولاً)، وقال تعالى (يا أيها الذين آمنوا أوفوا بالعقود). ٩ - تحريم قطيعة الرحم. ١٠ - تحريم الإفساد في الأرض. ١١ - أن الإفساد في الأرض من صفات الكفار. ١٢ - وجوب الإصلاح في الأرض. ١٣ - أن أعظم الخسارة خسارة الإنسان نصيبه من الله. ١٤ - معرفة صفات الكفار ليتجنبها الإنسان.

стр. 128

(كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٨)). [البقرة: ٢٨]. (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً … ) يقول تعالى محتجاً على وجوده وقدرته وأنه الخالق المتصرف في عباده (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ) أي: كيف تجحدون وجوده أو تعبدون معه غيره. (وَكُنْتُمْ أَمْوَاتاً فَأَحْيَاكُمْ) أي: قد كنتم عدماً فأخرجكم إلى الوجود. • قال الرازي: اتفقوا على أن قوله (وَكُنتُمْ أمواتاً) المراد به وكنتم تراباً ونطفاً، لأن ابتداء خلق آدم من التراب وخلق سائر المكلفين من أولاده إلا عيسى ﵇ من النطف. (ثُمَّ يُمِيتُكُمْ) أي: ثم يميتكم عند استكمال آجالكم. (ثُمَّ يُحْيِيكُمْ) حين يبعثكم. • قال القرطبي: واختلف أهل التأويل في ترتيب هاتين الموتتين والحياتين، وكم من مَوْتة وحياة للإنسان؟ فقال ابن عباس وابن مسعود: أي كنتم أمواتاً معدومين قبل أن تُخلقوا فأحياكم أي خلقكم ثم يميتكم عند انقضاء آجالكم، ثم يحييكم يوم القيامة. • قال ابن عطية: وهذا القول هو المراد بالآية، وهو الذي لا مَحِيد للكفار عنه لإقرارهم بهما؛ وإذا أذعنتْ نفوس الكفار لكونهم أمواتاً معدومين، ثم للإحياء في الدنيا، ثم للإماتة فيها قَوِي عليهم لزوم الإحياء الآخر وجاء جحدهم له دعوى لا حجة عليها. (ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ) فيجازيكم الجزاء الأوفى. … • قال ابن القيم: فهذا استدلال قاطع على أن الإيمان بالله أمر مستقر في الفطر والعقول وأنه لا عذر لأحد في الكفر به البتة، فذكر تعالى أربعة أمور، ثلاثة منها مشهودة في هذا العالم، والرابع منتظر موعود به وعد الحق: الأول: كونهم كانوا أمواتاً لا أرواح فيهم بل نطفاً وعلقاً ومضغة مواتاً لا حياة فيها. الثاني: أنه تعالى أحياهم بعد هذه الإماتة. الثالث: أنه تعالى يميتهم بعد هذه الحياة. الرابع: أنه يحييهم بعد هذه الإماتة فيرجعون إليه، فما بال العاقل يشهد الثلاثة الأطوار الأول، ويكذب بالرابع، وهل الرابع إلا طور من أطوار التخليق.

стр. 129

• قوله تعالى (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ .. ) استفهام المراد منه التوبيخ والتقرير، فيُتعجب منهم حين كفروا وقد ثبتت عليهم الحجج. الفوائد: ١ - إثبات الموت لقوله (ثم يميتكم). كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ). وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ) وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ). ٢ - إثبات البعث. ٣ - إثبات الجزاء والحساب. ٤ - فيه الاستعداد ليوم الحساب بالإكثار من الأعمال الصالحة التي تنجيه من كرب يوم القيامة. ٥ - أن المرجع إلى الله تعالى، كما قال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ) وقال تعالى (وَإِلَيْهِ الْمَصِيرُ). وقال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ) وقال تعالى (اللَّهُ يَبْدأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ).

стр. 130

(هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٩)). [البقرة: ٢٩]. (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) أي خلق لكم، براً بكم ورحمة، جميع ما على الأرض للانتفاع والاستمتاع والاعتبار. (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ) أي ثم قصد إلى السماء. • قال ابن كثير: والاستواء ههنا متضمن معنى القصد والإقبال لأنه عدي بـ (إلى) والمعنى: ثم قصد إلى السماء. (فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ) أي: هيأهن وخلقهن ودبرهن وقومهن، والتسوية في كلام العرب التقويم والإصلاح والتوطئة. وهذا يدل على كمال خلق السموات: كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا السَّمَاءَ سَقْفاً مَحْفُوظاً) وقال تعالى (وَيُمْسِكُ السَّمَاءَ أَنْ تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ). وقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ). وقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ). وقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ). • هذه الآية تدل على أن خلق الأرض قبل خلق السماء بدليل لفظة ثم التي هي للترتيب والانفصال وكذلك آية حم السجدة تدل أيضا على خلق الأرض قبل خلق السماء لأنه قال فيها (قُلْ أَإِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ) إلى أن قال (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ). فما الجواب عن قوله تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا). حيث أن هذه الآية تدل على أن دحو الأرض كان بعد خلق السماء. (دحاها: يعني بسطها ومهدها وهذا قول الأكثر). الجواب: أن خلق الأرض متقدم على خلق السماء، وأما دحوها فمتأخر عنها، فالله خلق الأرض أولاً غير مدحوة، ثم استوى إلى السماء فسواهن سبعاً، ثم دحا الأرض بعد ذلك، أي: بسطها ومهدها للسكن، بأن أخرج منها الماء والمرعى، وأرساها بالجبال.

стр. 131

قال بهذا ابن عباس. ورجحه البغوي، وابن عطية، وابن الجوزي، وابن كثير، والسعدي، والقاسمي، والشوكاني. • قال ابن كثير: وقد تقدم في سورة (حم السجدة) أن الأرض خلقت قبل السماء، ولكن إنما دُحيت بعد خلق السماء، بمعنى أنه أخرج ما كان فيها بالقوة إلى الفعل. وهذا معنى قول ابن عباس، وغير واحد، واختاره ابن جرير. (وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) لا يخفى عليه شيء سبحانه. • مباحث علم الله تعالى: أولاً: فالله تعالى يعلم كل شيء، يشمل الجزئيات والكليات. قال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً). وقال تعالى (عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ). ثانياً: يعلم سبحانه الماضي والمستقبل. قال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ). (ما بين أيديهم) الحاضر والمستقبل (وما خلفهم) الماضي. ثالثاً: الله يعلم الخفايا وما في الصدور: كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). وقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).

стр. 132

وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ). رابعاً: وليس شيء يصل إلى الأرض أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا قد أحاط الله به علماً. قال تعالى (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ). خامساً: ويعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت. كما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ). والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبداً، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ). سادساً: ويستوي في علم الله السر والعلانية، والصغير والكبير والغيب والشهادة. قال تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ) وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى). وقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً). اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ). سابعاً: وعلم الله لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان. قال تعالى ( .... قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى). وقال تعالى ( … وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً). أما علم ابن آدم فمسبوق بجهل ويلحقه نسيان كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً). ثامناً: علمنا قليل بالنسبة لعلم الله. قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).

стр. 133

• الآثار المترتبة من علمنا بأن الله عليم بكل شيء. أولاً: الخوف من الله وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، لأن العبد إذا أيقن أن الله تعالى عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله ظاهراً وباطناً. ثانياً: اليقين بشمول علم الله تعالى لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله تعالى وإجلاله والحياء منه، كما يعين على التخلص من الآفات القلبية التي تخفى على الناس ولكنها لا تخفى على الله كآفة الرياء والحسد والغل والعجب والكبر. قال ابن القيم: فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر، قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك، والثاني: حياؤك منه، والثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته الذي خلق لمعرفته ومحبته. ثالثاً: إن يقين العبد بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله ويدفع اليأس والقنوط من القلب. رابعاً: ونستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: وجوب مراقبة الله، لأن العاقل إذا علم أن الله يعلم كل شيء، فسوف يراقب ربه، بلسانه وجنانه وأركانه، فبلسانه: لا ينطق بما حرم الله، وبجنانه: لا يعتقد بقلبه خلاف الحق، وبجوارحه: لا يستعملها في المحرمات، فيستعمل العين في النظر إلى الحرام، ويستعمل اليد في البطش الحرام، ويستعمل الآذان في السماع الحرام. وأيضاً نستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: الرغبة والنشاط والرجاء، لأن الإنسان يعلم أن الله يعلم بكل أعماله الصالحة، وأنه لن يضيع منها شيء.

стр. 134

الفوائد: ١ - إثبات أن الخالق هو الله تعالى. ٢ - في هذا دلالة على أنه ابتدأ بخلق الأرض أولاً ثم خلق السموات سبعاً، وهذا شأن البناء أن يبدأ بعمارة أسافله ثم أعاليه بعد ذلك. ٣ - فيه دليل على أن الأصل في الأشياء الحل حتى يقوم دليل على التحريم لقوله سبحانه (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً) فكل ما على الأرض من الأشجار والنباتات والمياه الأصل فيه الحل. وهذه الآية هي نص الدليل القطعي على القاعدة المعروفة عند الفقهاء (أن الأصل في الأشياء المخلوقة الإباحة)، والمراد إباحة الانتفاع بها أكلاً وشرباً ولباساً وتداوياً وركوباً وزينة. ٤ - فيه دليل على أن السموات سبع، والآيات في هذا كثيرة: كقوله تعالى (قل من رب السموات السبع). وقال تعالى (تسبح له السماوات السبع). وقال تعالى (فقضاهن سبع سموات). وقال تعالى (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن). وأما الأرض فلم يأت في القرآن التصريح بأنها سبع ولكن جاء التلميح كما في الآية السابقة (الله الذي خلق سبع سموات ومن الأرض مثلهن). مثلهن: أي في العدد. وجاءت السنة تبين أن الأرضين سبع: كقوله ﷺ (من ظلم قيد شبر من الأرض طوقه من سبع أرضين) متفق عليه. ٥ - إثبات عموم علم الله ﵎.

стр. 135

(وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠)). [البقرة: ٣٠]. (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم فقال تعالى (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) أي واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة واقصص على قومك ذلك، حين قال ربك للملائكة. (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً) أي: قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، واختلف العلماء في المراد بالخليفة هنا: فقيل: المراد آدم. • قال القرطبي: والمعني بالخليفة هنا في قول ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل آدم ﵇. لأنه خليفة الله في تنفيذ أوامره. وقيل: أي قوماً يخلف بعضهم بعضاً قرناً بعد قرن وجيلاً بعد جيل، ورجح هذا القول ابن كثير. كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ). وقال (وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ). ويدل على أنه ليس المراد آدم قول الملائكة (أتجعل من يفسد فيها ويسفك الدماء) فإنه من المعلوم أن آدم ليس مما يفسد في الأرض ويسفك الدماء. (انتهى كلام ابن كثير). ويمكن أن يجاب عن هذا: بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا. (قَالُوا) أي: الملائكة. (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) بالمعاصي. (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) هذا تخصيص بعد تعميم، فإن سفك الدماء من الفساد، لكن خصص لعظيم مفسدته، فإن القتل من أكبر الكبائر. • وهذا فيه دليل على أن الملائكة لا تعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله كما قال تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله).

стр. 136

• قال ابن كثير: قول الملائكة ليس على وجه الاعتراض على الله ولا على وجه الحسد لبني آدم كما قد يتوهمه بعض المفسرين، وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول أي لا يسألونه شيئاً لم يأذن لهم فيه، وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك. • فإن قيل: كيف عرفت الملائكة أنه سيفسدون في الأرض ويسفكون الدماء: قيل: لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد، إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد. وقيل: إن الله أعلمهم أن الخليفة سيكون من ذريته قوم يفسدون في الأرض ويسفكون الدماء. • قال القرطبي: قوله تعالى (قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا) قد علمنا قطعاً أن الملائكة لا تعلم إلا ما أعْلِمت ولا تَسبِق القول، وذلك عام في جميع الملائكة؛ لأن قوله (لَا يَسْبِقُونَهُ بالقول) خرج على جهة المدح لهم، فكيف قالوا (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا)؟ فقيل: المعنى أنهم لما سمعوا لفظ خليفة فهموا أن في بني آدم من يفسد؛ إذ الخليفة المقصود منه الإصلاح وترك الفساد، لكن عمّموا الحكم على الجميع بالمعصية؛ فبيّن الربّ تعالى أن فيهم من يفسد ومن لا يفسد فقال تطييباً لقلوبهم (إني أَعْلَمُ) وحقّق ذلك بأن علّم آدم الأسماء، وكشف لهم عن مكنون علمه. وقيل: إن الملائكة قد رأت وعلمت ما كان من إفساد الجن وسفكهم الدماء، وذلك لأن الأرض كان فيها الجن قبل خلق آدم فأفسدوا وسفكوا الدماء، فبعث الله إليهم إبليس في جند من الملائكة فقتلهم وألحقهم بالبحار ورؤوس الجبال، فمن حينئذ دخلته العِزّة.

стр. 137

وقال قتادة: كان الله أعلمهم أنه إذا جعل في الأرض خلقاً أفسدوا وسفكوا الدماء، فسألوا حين قال تعالى (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرض خَلِيفَةً) أهو الذي أعلمهم أم غيره، وهذا قول حَسَن، والقول الأوّل أيضاً حسن جداً؛ لأن فيه استخراج العلم واستنباطه من مقتضى الألفاظ وذلك لا يكون إلا من العلماء؛ وما بين القولين حسن، فتأمّله. (تفسير القرطبي). (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) التسبيح: تنزيه الله عن العيوب والنقائص، وبحمدك: أي تسبيحاً مصحوباً بحمدك، فتكون الجملة متضمنة لتنزيه الله عن النقص، وإثبات الكمال لله بالحمد. • واختلف في تسبيح الملائكة: فقيل: تسبيحهم صلاتهم، وقيل: تسبيحهم رفع الصوت بالذكر، وقيل: تسبيحهم سبحان الله على عُرفه في اللغة وهذا هو الصحيح، لما رواه أبو ذَرّ. أن رسول الله ﷺ (سئل: أيّ الكلام أفضل؟ قال: " ما اصطفى الله لملائكته (أو لعباده) سبحان الله وبحمده) أخرجه مسلم. … (وَنُقَدِّسُ لَكَ) أي: نطهرك من كل عيب، فقال الله لهم: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم، فإني سأجعل فيهم الأنبياء وأرسل فيهم الرسل ويوجد منهم الصديقون والشهداء والصالحون والعباد والزهاد والأولياء والأبرار. • قال الشوكاني: قوله تعالى (قال إني أعلم ما لا تعلمون) ولم يذكر متعلق (تعلمون) ليفيد التعميم ويذهب السامع عند ذلك كل مذهب ويعترف بالعجز ويقر بالقصر. • وقال القرطبي ﵀ بعد أن ذكر بعض هذه الوجوه: قلت: ويحتمل أن يكون المعنى إني أعلم ما لا تعلمون مما كان ومما يكون وما هو كائن فهو عام.

стр. 138

الفوائد: ١ - إثبات القول لله تعالى لقوله تعالى (وإذ قال ربك .. ). ٢ - إثبات الملائكة. والملائكة عالم غيبي خلقهم الله من نور، وظيفتهم عبادة الله تعالى. فالإيمان بهم من أركان الإيمان. قال ﷺ في بيان أركان الإيمان (أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر والقدر خيره وشره) متفق عليه. خلقهم الله من نور. كما قال ﷺ (خلقت الملائكة من نور) رواه مسلم. يعبدون الله لا يملون. كما قال تعالى (يسبحون الليل والنهار لا يفترون). ومعنى لا يفترون: لا يضعفون. وقال تعالى (فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون). عددهم كثير لا يعلم عددهم إلا الله. كما قال تعالى (وما يعلم جنود ربك إلا هو). وقال ﷺ في البيت المعمور في السماء السابعة (فإذا هو يدخله في كل يوم سبعون ألف ملك، لا يعودون إليه آخر ما عليهم) رواه مسلم. ونعرف أسماء بعضهم. إسرافيل (الذي ينفخ في الصور) وجبريل (هو الذي يأتي بالوحي) وميكائيل (هو الذي موكل بالقطر). وهؤلاء كان النبي ﷺ يتوسل بربوبية الله لهم في دعاء الاستفتاح في صلاة الليل فيقول (اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون. اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم) رواه مسلم. ومالك (خازن النار). قال تعالى (ونادوا يا مالك ليقض علينا ربك قال إنكم ماكثون). رضوان.

стр. 139

قال ابن كثير: وخازن الجنة ملك يقال له رضوان، جاء مصرحاً به في بعض الأحاديث. ٣ - فيه أن خلق الملائكة سابق على خلق آدم أبي البشر. ٤ - فيه دليل على أن الملائكة لا تعلم الغيب، فالغيب لا يعلمه إلا الله كما قال تعالى (قل لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله). ٥ - تحريم الإفساد في الأرض بأنواع المعاصي. ٦ - أن القتل من أكبر الكبائر. ٧ - فيه عظم عبادة الملائكة لربها، وقد قال ﷺ (أطت السماء وحق لها أن تئط، ما فيها موضع شبر إلا ملك ساجد أو راكع). ٨ - فيه فضل تسبيح الله وحمده. قال ﷺ (أفضل الكلام ما اصطفى الله لملائكته: سبحان الله وبحمده) رواه مسلم. وقال ﷺ (كلمتان خفيفتان على اللسان، حبيبتان إلى الرحمن، ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده، سبحان الله العظيم) متفق عليه. وقال ﷺ (من قال سبحان الله العظيم وبحمده غرست له نخلة في الجنة) رواه الترمذي. وقال ﷺ (وسبحان الله والحمد لله تملآن أو تملأ ما بين السموات والأرض) رواه مسلم. وقال ﷺ (من قال حين يصبح وحين يمسي سبحان الله وبحمده مائة مرة لم يأت أحد يوم القيامة بأفضل مما جاء به إلا أحد قال مثل ما قال أو زاد) رواه مسلم. وقال ﷺ (لأن أقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر أحب إليّ مما طلعت عليه الشمس). رواه مسلم ٩ - فيه عموم علم الله، وأنه سبحانه يعلم المستقبل كيف يكون [وقد سبقت مباحث العلم].

стр. 140

(وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١) قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (٣٣)). [البقرة: ٣١ - ٣٣]. (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) في المقام أراد الله أن يبين فضل آدم فقال (وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا) اختلف العلماء في المراد في هذه الأسماء التي علمها الله آدم: فقيل: علمه أسماء الملائكة وذريته، ورجح هذا ابن جرير الطبري ﵀. لأنه قال (ثم عرضهم) وهذه عبارة من يعقل. وقيل: علمه أسماء كل شيء ذواتها وصفاتها وأفعالها أسماء الملائكة وأسماء النبيين وأسماء ذرية آدم وأسماء البحار والأشجار والأحجار والأواني، واختار هذا القول ابن كثير ﵀. … لعموم قوله تعالى (وعلم آدم الأسماء كلها). ولحديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه ( … فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، وعلمك أسماء كل شيء). • فيه دليل على فضل آدم ﵇، ولآدم فضائل: أنه أبو البشر - خلقه الله بيده - علمه الله أسماء كل شيء - أن الله نفخ فيه من روحه - وأسجد له الملائكة. فقد جاء في حديث الشفاعة الطويل لما يأتون الناس إليه ( … فيقولون: يا آدم أنت أبو البشر، خلقك الله بيده، وأسجد لك ملائكته، وعلمك أسماء كل شيء)، وقال تعالى (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي). • وفيه أن الإنسان يشرف بالعلم. • قال الرازي: هذه الآية دالة على فضل العلم فإنه سبحانه ما أظهر كمال حكمته في خلقه آدم ﵇ إلا بأن أظهر علمه فلو كان في الإمكان وجود شيء من العلم أشرف من العلم لكان من الواجب إظهار فضله بذلك الشيء لا بالعلم. (ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلائِكَةِ) أي: عرض المسميات (أي الأشياء التي علم آدم أسماءها).

стр. 141

(فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قال ابن جرير: معنى ذلك: أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيتها الملائكة القائلون (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) من غيرنا، أم منّا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته، وأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وإن جُعلتم فيها أطعتموني، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد، وبما هو مستتر من الأمور التي هي موجودة عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي. • وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن كنتم صادقين) إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم (ونحن نسبح .. ) الخ تعريضاً بأنهم أحقاء بذلك، أو أراد إن كنتم صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) كان قولهم (ونحن نسبح بحمدك) لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه. (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) أقروا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون. • قوله تعالى (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) فيه أدب من الآداب، وهو أن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعلمه: أن يقول: الله أعلم. قال القرطبي: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري، اقتداء بالملائكة والنبيين والفضلاء من العلماء. قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم). ولما سئل النبي ﷺ : أي البقاع خير؟ فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل جبريل: فقال: لا أدري. … (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) بكل شيء، السر وأخفى (وسبقت مباحث علم الله). (الْحَكِيمُ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة الكاملة لله تعالى، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة. قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله. قال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل. وقال السعدي: فالا يخلق شيئاً عبثاً، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه، والحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها. • فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبداً.

стр. 142

قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة. وتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً). • الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). ولم يخلقهم عبثاً وباطلاً كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ). ثانياً: أن خلق الله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ). ثالثاً: ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله - من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينياً اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة. رابعاً: الرضا بالقضاء والقدر. (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) أي أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة فعجزوا عنها. (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) تبين للملائكة فضل آدم عليهم. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم ما غاب في السموات والأرض عنكم. (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) اختلف العلماء ما الذي أبدوه وما الذي كتموه. فقيل: الذي أبدوه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) والذي كتموه: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر واختار هذا ابن جرير. وقيل: الذي أبدوه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، والذي كتموه هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم. قوله تعالى (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) فيه عموم علم الله ﵎ وأنه يعلم السر والعلن، والظاهر والخفي. كما قال تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).

стр. 143

الفوائد: ١ - فضل آدم ﵊. ٢ - أن الإنسان يشرف بالعلم. ٣ - فضل العلم، ووجه ذلك: أنه سبحانه لما أراد إظهار تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم، فعلمه الأسماء كلها، فدل على أن العلم أشرف ما في الإنسان، وأن فضله وشرفه إنما هو بالعلم ٤ - فيه أن كل نعمة وفضل في الإنسان فهي من الله، فيجب الاعتراف بذلك والتواضع. ٥ - الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري. ٦ - وجوب تنزيه الله عن كل نقص. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم، والحكيم. ٨ - ويتفرع على ذلك عدم الاعتراض على أوامر الله وحدوده، لأن كل شيء يفعله لحكمه. ٩ - عموم علم الله لكل شيء. ١٠ - وجوب الخوف من الله ومراقبته، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء.

стр. 144

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِر (٣٤)). [البقرة: ٣٤]. (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) هذا كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. وقال الآلوسي: وحكمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله ﵇. (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أي سجدوا جميعاً غير إبليس. (أَبَى) امتنع. (وَاسْتَكْبَرَ) تعاظم. (وَكَانَ مِنَ الْكَافِر) أي: وصار من الكافرين. • قوله تعالى (وَكَانَ مِنَ الكافرين) قيل: كان هنا بمعنى صار؛ ومنه قوله تعالى (فَكَانَ مِنَ المغرقين). وقال جمهور المتأوّلين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر؛ لأن الكافر حقيقةً والمؤمنَ حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاة. قلت: وهذا صحيح؛ لقوله ﷺ في صحيح البخاري (إنما الأعمال بالخواتيم). وقيل: إن إبليس عبد اللَّه تعالى ثمانين ألف سنة، وأُعْطي الرياسة والخِزانة في الجنة على الاستدراج؛ كما أعْطى المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أُعْطي بَلْعَام الاسم الأعظم على طرف لسانه؛ فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن. • الكفر لغة: الستر، ومنه سمي الزارع كافراً، لأنه يستر البذر ويغطيه ويدفنه في الأرض، وسمي الليل كافراً لأنه يغطي كل شيء، وسميت الكفارة بذلك لأنها تستر الذنب، وسمي الشخص كافراً لأنه يستر نعمة الله عليه، والكفر بالله ينقسم إلى قسمين: أحدهما: كفر استكبار وعناد وإصرار، ومنه كفر إبليس، فهو كفر استكبار كما قال الله (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). والثاني: كفر جحود وتكذيب وإنكار، كما قال تعالى (وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ)، ومنه كفر قريش حيث قالوا فيما حكى الله عنهم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).

стр. 145

ويطلق الكفر على المعصية: كما قال ﷺ في النساء (تكفرن العشير) وقال ﷺ (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. • قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ) اختلف العلماء ما المراد بالملائكة: فقيل: ملائكة الأرض فقط. وقيل: ملائكة الأرض والسماء. ونسبه الرازي للأكثر. ورجحه ابن كثير، لقوله تعالى (فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ). • قال القاسمي: اخلتفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود، فقيل: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض. قال تقي الدين ابن تيمية: هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وقيل: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة. (تفسير القاسمي). • وقال ابن تيمية: ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، لأنه سبحانه قال (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) وهذا تأكيد للعموم. (مجموع الفتاوي). • قوله تعالى (اسْجُدُوا لِآدَمَ .. ) اختلف ما المراد بالسجود: فقيل: المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء. قال الرازي مضعفاً هذا القول: … فضعيف أيضاً؛ لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير. وقيل: كان قبلة والسجدة لله. وقيل: السجود لآدم إكراماً واحتراماً، وهي طاعة لله لأنها امتثال لأمر الله تعالى. وهذا القول هو الراجح، فهذا السجود تعظيم لله لأنه امتثال أمره لا عبادة آدم، ولا سجود إلا بأمر الله، والأمر إن كان ممتثلاً به أمر الله فالمطاع فيه الله، ونظيره أن ملَك الموت يقال له: اقبض روح محمد ﷺ وسائر الأنبياء، فأي جريمة في الدنيا أعظم من قتل النبي ﷺ ونزع روحه، وقتل الأنبياء والأولياء؟ لكن ملك الموت مأمور من الله، فهو مطيع في ذلك الفعل، لأنه إنما فعله بأمر الله. • هذا الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم كما قال تعالى في الحجر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ).
следующие страницы →