← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

(فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) قال ابن جرير: معنى ذلك: أنبئوني بأسماء من عرضته عليكم أيتها الملائكة القائلون (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) من غيرنا، أم منّا؟ فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك إن كنتم صادقين في قيلكم أني إن جعلت خليفتي في الأرض من غيركم عصاني ذريته، وأفسدوا فيها، وسفكوا الدماء، وإن جُعلتم فيها أطعتموني، واتبعتم أمري بالتعظيم لي والتقديس، فإنكم إن كنتم لا تعلمون أسماء هؤلاء الذين عرضتهم عليكم من خلقي وهم مخلوقون موجودون ترونهم وتعاينونهم، وعلمه غيركم بتعليمي إياه، فأنتم بما هو غير موجود من الأمور الكائنة التي لم توجد بعد، وبما هو مستتر من الأمور التي هي موجودة عن أعينكم أحرى أن تكونوا غير عالمين، فلا تسألوني ما ليس لكم به علم، فإني أعلم بما يصلحكم ويصلح خلقي. • وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن كنتم صادقين) إما أراد به إن كنتم صادقين في أنكم أفضل من هذا المخلوق إن كان قولهم (ونحن نسبح .. ) الخ تعريضاً بأنهم أحقاء بذلك، أو أراد إن كنتم صادقين في عدم جدارة آدم بالخلافة كما دل عليه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها) كان قولهم (ونحن نسبح بحمدك) لمجرد التفويض أو الإعلان للسامعين من أهل الملأ الأعلى بالبراءة من شائبة الاعتراض على ما اخترناه. (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) أقروا واعترفوا بعلم الله وحكمته، وقصورهم عن معرفة أدنى شيء، واعترافهم بفضل الله عليهم، وتعليمه إياهم ما لا يعلمون. • قوله تعالى (قَالُوا سُبْحَانَكَ لا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا) فيه أدب من الآداب، وهو أن الإنسان إذا سئل عن شيء لا يعلمه: أن يقول: الله أعلم. قال القرطبي: الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري، اقتداء بالملائكة والنبيين والفضلاء من العلماء. قال تعالى (ولا تقف ما ليس لك به علم). ولما سئل النبي ﷺ : أي البقاع خير؟ فقال: لا أدري حتى أسأل جبريل، فسأل جبريل: فقال: لا أدري. … (إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ) بكل شيء، السر وأخفى (وسبقت مباحث علم الله). (الْحَكِيمُ) اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة الكاملة لله تعالى، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة. قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله. قال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل. وقال السعدي: فالا يخلق شيئاً عبثاً، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه، والحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها. • فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبداً.

стр. 142

قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة. وتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً). • الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). ولم يخلقهم عبثاً وباطلاً كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ). ثانياً: أن خلق الله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ). ثالثاً: ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله - من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينياً اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة. رابعاً: الرضا بالقضاء والقدر. (قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) أي أسماء المسميات التي عرضها الله على الملائكة فعجزوا عنها. (فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ) تبين للملائكة فضل آدم عليهم. (قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: ألم أتقدم إليكم أني أعلم ما غاب في السموات والأرض عنكم. (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) اختلف العلماء ما الذي أبدوه وما الذي كتموه. فقيل: الذي أبدوه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء) والذي كتموه: ما أسر إبليس في نفسه من الكبر واختار هذا ابن جرير. وقيل: الذي أبدوه قولهم (أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء)، والذي كتموه هو قولهم: لن يخلق ربنا خلقاً إلا كنا أعلم منه وأكرم. قوله تعالى (وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) فيه عموم علم الله ﵎ وأنه يعلم السر والعلن، والظاهر والخفي. كما قال تعالى (عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ) وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).

стр. 143

الفوائد: ١ - فضل آدم ﵊. ٢ - أن الإنسان يشرف بالعلم. ٣ - فضل العلم، ووجه ذلك: أنه سبحانه لما أراد إظهار تفضيل آدم وتمييزه وفضله ميزه عليهم بالعلم، فعلمه الأسماء كلها، فدل على أن العلم أشرف ما في الإنسان، وأن فضله وشرفه إنما هو بالعلم ٤ - فيه أن كل نعمة وفضل في الإنسان فهي من الله، فيجب الاعتراف بذلك والتواضع. ٥ - الواجب على من سئل عن علم أن يقول إن لم يعلم: الله أعلم، ولا أدري. ٦ - وجوب تنزيه الله عن كل نقص. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم، والحكيم. ٨ - ويتفرع على ذلك عدم الاعتراض على أوامر الله وحدوده، لأن كل شيء يفعله لحكمه. ٩ - عموم علم الله لكل شيء. ١٠ - وجوب الخوف من الله ومراقبته، لأنه سبحانه لا يخفى عليه شيء.

стр. 144

(وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِر (٣٤)). [البقرة: ٣٤]. (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ) هذا كرامة عظيمة من الله تعالى لآدم امتن بها على ذريته، حيث أخبر أنه تعالى أمر الملائكة بالسجود لآدم. وقال الآلوسي: وحكمة الأمر بالسجود إظهار الاعتراف بفضله ﵇. (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) أي سجدوا جميعاً غير إبليس. (أَبَى) امتنع. (وَاسْتَكْبَرَ) تعاظم. (وَكَانَ مِنَ الْكَافِر) أي: وصار من الكافرين. • قوله تعالى (وَكَانَ مِنَ الكافرين) قيل: كان هنا بمعنى صار؛ ومنه قوله تعالى (فَكَانَ مِنَ المغرقين). وقال جمهور المتأوّلين: المعنى أي كان في علم الله تعالى أنه سيكفر؛ لأن الكافر حقيقةً والمؤمنَ حقيقةً هو الذي قد علم الله منه الموافاة. قلت: وهذا صحيح؛ لقوله ﷺ في صحيح البخاري (إنما الأعمال بالخواتيم). وقيل: إن إبليس عبد اللَّه تعالى ثمانين ألف سنة، وأُعْطي الرياسة والخِزانة في الجنة على الاستدراج؛ كما أعْطى المنافقون شهادة أن لا إله إلا الله على أطراف ألسنتهم، وكما أُعْطي بَلْعَام الاسم الأعظم على طرف لسانه؛ فكان في رياسته والكبر في نفسه متمكن. • الكفر لغة: الستر، ومنه سمي الزارع كافراً، لأنه يستر البذر ويغطيه ويدفنه في الأرض، وسمي الليل كافراً لأنه يغطي كل شيء، وسميت الكفارة بذلك لأنها تستر الذنب، وسمي الشخص كافراً لأنه يستر نعمة الله عليه، والكفر بالله ينقسم إلى قسمين: أحدهما: كفر استكبار وعناد وإصرار، ومنه كفر إبليس، فهو كفر استكبار كما قال الله (إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ الْكَافِرِينَ). والثاني: كفر جحود وتكذيب وإنكار، كما قال تعالى (وَمَا يَجْحَدُ بِآياتِنَا إِلَّا الْكَافِرُونَ)، ومنه كفر قريش حيث قالوا فيما حكى الله عنهم (أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهاً وَاحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ).

стр. 145

ويطلق الكفر على المعصية: كما قال ﷺ في النساء (تكفرن العشير) وقال ﷺ (اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في النسب والنياحة على الميت) رواه مسلم. • قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ) اختلف العلماء ما المراد بالملائكة: فقيل: ملائكة الأرض فقط. وقيل: ملائكة الأرض والسماء. ونسبه الرازي للأكثر. ورجحه ابن كثير، لقوله تعالى (فَسَجَدَ الملائكة كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ). • قال القاسمي: اخلتفوا في الملائكة الذين أمروا بالسجود، فقيل: هم الذين كانوا مع إبليس في الأرض. قال تقي الدين ابن تيمية: هذا القول ليس من أقوال المسلمين واليهود والنصارى، وقيل: هم جميع الملائكة حتى جبريل وميكائيل، وهذا قول العامة من أهل العلم بالكتاب والسنة. (تفسير القاسمي). • وقال ابن تيمية: ومن قال خلافه فقد رد القرآن بالكذب والبهتان، لأنه سبحانه قال (فسجد الملائكة كلهم أجمعون) وهذا تأكيد للعموم. (مجموع الفتاوي). • قوله تعالى (اسْجُدُوا لِآدَمَ .. ) اختلف ما المراد بالسجود: فقيل: المراد بالسجود الخضوع لا الانحناء. قال الرازي مضعفاً هذا القول: … فضعيف أيضاً؛ لأن السجود لا شك أنه في عرف الشرع عبارة عن وضع الجبهة على الأرض فوجب أن يكون في أصل اللغة كذلك؛ لأن الأصل عدم التغيير. وقيل: كان قبلة والسجدة لله. وقيل: السجود لآدم إكراماً واحتراماً، وهي طاعة لله لأنها امتثال لأمر الله تعالى. وهذا القول هو الراجح، فهذا السجود تعظيم لله لأنه امتثال أمره لا عبادة آدم، ولا سجود إلا بأمر الله، والأمر إن كان ممتثلاً به أمر الله فالمطاع فيه الله، ونظيره أن ملَك الموت يقال له: اقبض روح محمد ﷺ وسائر الأنبياء، فأي جريمة في الدنيا أعظم من قتل النبي ﷺ ونزع روحه، وقتل الأنبياء والأولياء؟ لكن ملك الموت مأمور من الله، فهو مطيع في ذلك الفعل، لأنه إنما فعله بأمر الله. • هذا الأمر بالسجود كان قبل خلق آدم كما قال تعالى في الحجر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ).

стр. 146

• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسجدوا لآدَمَ) لم يبين هنا هل قال لهم ذلك قبل خلق آدم أَو بعد خلقه؟ وقد صرح في سورة الحجر وص؛ بأنه قال لهم ذلك قبل خلق آدم، فقال في الحجر (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلآئِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن صَلْصَالٍ مِّنْ حَمَإٍ مَّسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ)، وقال في سورة ص (إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقٌ بَشَراً مِّن طِينٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِن رُّوحِي فَقَعُواْ لَهُ سَاجِدِينَ). • إبليس سمي بذلك لأنه أبلَسَ من رحمة الله: أي أيس منها يأساً لا رجاء بعده. • قوله تعالى (فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى … ) لم يبين سبب رفض واستكبار إبليس عن السجود لكنه بينه تعالى في آيات أخرى كقوله تعالى (قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ أنا خير). وهذا قياس فاسد لأمور: أولاً: أنه في مقابلة النص، وأي قياس في مقابلة النص فاسد الاعتبار. ثانياً: أنا لا نسلم أن النار خير من الطين، بل الطين خير من النار، لأن طبيعتها الطيش والإفساد والتفريق، وطبيعته الرزانة والإصلاح. ثالثاً: أنا لو سلمنا تسليماً جدلياً أن النار خير من الطين، فإنه لا يلزم من ذلك أن إبليس خير من آدم، لأن شرف الأصل لا يقتضي شرف الفرع. • قوله تعالى: (فسجدوا إلا إبليس) استدل بها بعض العلماء على أن إبليس من الملائكة، وهذه المسألة اختلف فيها العلماء على قولين: القول الأول: أن إبليس ليس من الملائكة بل هو من الجن. أ- للآية التي في سورة الكهف (إلا إبليس كان من الجن) والجن غير الملائكة، وهذا نص قرآني صريح في محل النزاع. ب- ولأن الملائكة معصومين من ارتكاب الكفر الذي ارتكبه إبليس كما قال تعالى عنهم (لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). ج- ولقوله ﷺ (خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار) رواه مسلم. د- أن إبليس له نسل وذرية قال الله تعالى (أفتتخذونه وذريته أولياء من دوني وهم لكم عدو). وقالوا إن استثناء الله إياه منهم لا يدل على كونه من جملتهم، وإنما استثناه منهم، لأنه كان مأموراً بالسجود معهم، فلما دخل معهم في الأمر جاز إخراجه بالاستثناء منهم.

стр. 147

القول الثاني: أنه أصله كان من الملائكة. ونسب هذا القول القرطبي لجمهور العلماء. قال القاسمي: قاله ابن عباس، وابن مسعود، وسعيد بن المسيب، واختاره الشيخ موفق الدين، والشيخ أبو الحسن الأشعري، وأئمة المالكية، وابن جرير الطبري. قال البغوي: هذا قول أكثر المفسرين. لأنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم. قال تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فلولا أنه من الملائكة، لمَا توجه الأمر إليه بالسجود، ولو لم يتوجه الأمر إليه بالسجود لم يكن عاصياً، ولما استحق الخزي والنكال. وقالوا: فإخراجه بالاستثناء منهم دليل على أنه منهم. • قال الماوردي: وعلى قول من يقول: إن إبليس كان من الملائكة، فاختلفوا في قوله تعالى (إِلاَّ إِبْلِيسَ كان مِنَ الْجِنِّ) لِمَ سماه الله تعالى بهذا الاسم، على أربعة أقاويل: أحدها: أنهم حي من الملائكة يُسَمَّوْن جنّاً كانوا من أشدِّ الملائكة اجتهاداً، وهذا قول ابن عباس. والثاني: أنه جعل من الجنِّ، لأنه من خُزَّانِ الجنَّةِ، فاشتق اسمه منها، وهذا قول ابن مسعود. والثالث: أنه سمي بذلك لأنه جُنَّ عن طاعة ربِّه، وهذا قول ابن زيدٍ. والرابع: أن الجِنِّ لكلِّ ما اجْتَنَّ فلم يظهر، حتى إنهم سَمَّوُا الملائكة جناً لاستتارهم، وهذا قول أبي إسحاق.

стр. 148

الفوائد: ١ - إثبات القول لله. ٢ - بيان فضل آدم على الملائكة، حيت أن الله أمر الملائكة أن يسجدوا له تعظيماً له، ولآدم فضائل: أنه أبو البشر - خلقه الله بيده - علمه الله أسماء كل شيء - أن الله نفخ فيه من روحه - وأسجد له الملائكة. ٣ - أن السجود لغير الله إذا كان بأمر الله فهو عبادة، لأن الله تعالى يحكم بما شاء، ويدل على أن المحرم إذا كان بأمر الله كان عبادة قصة إبراهيم ﵇، حين أمره الله أن يذبح ابنه إسماعيل فامتثل أمر الله. ٤ - أن ترك السجود لله كفر بالله. ٥ - أن الأمر يقتضي الوجوب إذا لم يوجد قرينة، وجه الدلالة: أن الله قال للملائكة (اسجدوا) فلما امتنع إبليس وبّخه وحكم عليه بالعصيان وقال (قَالَ يَا إِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْعَالِينَ). ومما يدل على أن الأمر للوجوب قوله تعالى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). ٦ - الحذر من الرجس والسريرة الخبيثة، لأن إبليس غلبه ما في قلبه من الرجس والسريرة الخبيثة حتى استكبر وأبى. ٧ - طاعة الملائكة لربها.

стр. 149

(وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (٣٥) فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (٣٦)). [البقرة: ٣٥ - ٣٦]. (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) يقول تعالى إخباراً عما أكرم به آدم، بعد أن أمر الملائكة بالسجود له (فسجدوا إلا إبليس) إنه أباحه الجنة يسكن منها حيث يشاء، ويأكل منها حيث يشاء. وسبق معنى الجنة في اللغة، وفي الاصطلاح، والمراد هنا جنة الخلد. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ … ) عطف على (وقلنا للملائكة اسجدوا) أي بعد أن انقضى ذلك قلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة، وهذه تكرمة أكرم الله بها آدم بعد أن أكرمه بكرامة الإجلال من تلقاءِ الملائكة، ونداء آدم قبل تخويله سكنى الجنة نداء تنويه بذكر اسمه بين الملإ الأعلى، لأن نداءه يسترعي إسماع أهل الملإ الأعلى فيتطلعون لما سيخاطب به. • قال الرازي: قوله (وزوجك) أجمعوا على أن المراد بالزوجة حواء وإن لم يتقدم ذكرها في هذه السورة وفي سائر القرآن ما يدل على ذلك وأنها مخلوقة منه كما قال الله تعالى في سورة النساء (الذي خَلَقَكُمْ مّن نَّفْسٍ واحدة وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا) وفي الأعراف (وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا)، وروي عن رسول الله ﷺ أنه قال (إن المرأة خلقت من ضلع الرجل فإن أردت أن تقيمها كسرتها وإن تركتها انتفعت بها واستقامت). • قال القرطبي: قال العلماء: ولهذا كانت المرأة عَوْجاء؛ لأنها خُلقت من أعوج وهو الضّلع. • قال ابن كثير: أَمَرَ اللَّهُ آدَمَ ﵇ أَنْ يَسْكُنَ هُوَ وَزَوْجَتُهُ الْجَنَّةَ فَقَالَ (وَقُلْنَا يَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ). وقال في الأعراف (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ وَكُلَا مِنْهَا رَغَداً حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) وَقَالَ تَعَالَى (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى. فَقُلْنَا يَا آدَمُ إِنَّ هَذَا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلَا يُخْرِجَنَّكُمَا مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقَى. إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى. وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وسياق هذه الآيات يقتضي أن خلق حواء كان قبل دخول آدم الجنة؛ لقوله (وَيَا آدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ) وهذا قد صرح به ابن إسحاق، وَهُوَ ظَاهِرُ هَذِهِ الْآيَاتِ (البداية والنهاية).

стр. 150

• اختلف العلماء في الجنة التي أسكنها آدم هل هي جنة الخلد أم لا على قولين: القول الأول: أنها ليست جنة الخلد، وإنما جنة في الأرض. واستدلوا: قالوا: إن جنة الخلد يكون دخولها يوم القيامة، ولم يأت زمن دخولها. وقالوا: وصف الله الجنة بأنها (دار المقامة) فمن دخلها أقام بها، ولم يقم آدم بالجنة التي دخلها. وقالوا: إن جنة الخلد دار سلامة مطلقة، لا دار ابتلاء وامتحان، وقد ابتلي فيها آدم بأعظم الابتلاء. وقالوا: ولو كان آدم أسكن جنة الخلد، فكيف توصل إليها إبليس الرجس النجس المذموم حتى فتن فيها آدم. القول الثاني: أنها جنة الخلد. واستدلوا: بقوله تعالى (اهبطوا) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل. وقالوا: إن الله وصفها بصفات لا تكون إلا في جنات الخلد فقال (إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى، وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى) وهذا لا يكون في الدنيا أصلاً. وجاء في الصحيحين في حديث احتجاج آدم وموسى، (قال موسى لآدم: أخرجتنا ونفسك من الجنة) ولو كانت في الأرض فهم قد خرجوا من بساتين، فلم يخرجوا من الجنة. وهذا القول هو الصحيح. • قال القرطبي: ولا التفات لما ذهبت إليه المعتزلة والقدرية من أنه لم يكن في جنة الخُلْد وإنما كان في جنة بأرض عَدَن. واستدلوا على بدعتهم بأنها لو كانت جنة الخلد لما وصل إليه إبليس، فإن اللَّه يقول (لاَّ لَغْوٌ فِيهَا وَلَا تَأْثِيمٌ) وقال (لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا كِذَّاباً) وقال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سَلَاماً)، وأنه لا يخرج منها أهلها لقوله: (وَمَا هُمْ مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ)، وأيضاً فإن جنة الخُلْد هي دار القُدْس، قُدّست عن الخطايا والمعاصي تطهيراً لها، وقد لَغَا فيها إبليس وكَذَب، وأُخْرِج منها آدم وحواء بمعصيتهما. قالوا: وكيف يجوز على آدم مع مكانه من الله وكمال عقله أن يطلب شجرة الخُلْد وهو في دار الخُلْد والمُلْك الذي لا يبلَى؟ فالجواب: أن الله تعالى عَرّف الجنة بالألف واللام؛ ومن قال: أسأل الله الجنة؛ لم يُفهم منه في تعارف الخلق إلا طلب جنة الخلد. ولا يستحيل في العقل دخول إبليس الجنة لتغرير آدم؛ وقد لَقِي موسى آدم ﵉ فقال له موسى: أنت أشقيتَ ذُرّيتك وأخرجتهم من الجنة؛ فأدخل الألف واللام ليدل على أنها جنة الخلد المعروفة، فلم ينكر ذلك آدم، ولو كانت غيرها لردّ على موسى؛ فلما سكت آدم على ما قَرّره موسى صحّ أن الدار التي أخرجهم الله منها بخلاف الدار التي أُخرجوا إليه. وأما ما احتجوا به من الآي فذلك إنما جعله الله فيها بعد دخول أهلها فيها يوم القيامة، ولا يمتنع أن تكون دار الخلد لمن أراد الله تخليده فيها وقد يخرج منها من قُضي عليه بالفناء.

стр. 151

وقد أجمع أهل التأويل على أن الملائكة يدخلون الجنة على أهل الجنة ويخرجون منها، وقد كان مفاتيحها بيد إبليس ثم انتزعت منه بعد المعصية، وقد دخلها النبيّ ﷺ ليلة الإسراء ثم خرج منها وأخبر بما فيها وأنها جنة الخلد حقاً. (تفسير القرطبي). (وَكُلا مِنْهَا رَغَداً) أي هنيئاً واسعاً طيباً. (حَيْثُ شِئْتُمَا) أي: من أيّ مكان من الجنة أردتما وفي أي زمان. (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي فلا تأكلا منها كما قال تعالى (فدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ). • قال في التسهيل (وَلَا تَقْرَبَا) النهيُ عن القرب يقتضي النهي عن الأكل بطريق الأولى، وإنما نهى عن القرب سدّاً للذريعة، فهذا أصل في سدّ الذرائع. • قال القاسمي: قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) أي: هذه الحاضرة من الشجر، أي: لا تأكلا منها، وإنما علق النهي بالقربان منها، مبالغة في تحريم الأكل، ووجوب الاجتناب عنه، لأن القرب من الشيء مقتضى الألفة. والألفة: داعية للمحبة، ومحبة الشيء تعمي وتصمّ. فلا يرى قبيحاً، ولا يسمع نهياً، فيقع. والسبب الداعي إلى الشر منهيّ عنه، كما أن السبب الموصل إلى الخير مأمور به. وعلى ذلك قوله ﷺ (العينان تزنيان) لما كان النظر داعياً إلى الألفة، والألفة إلى المحبة، وذلك مفضٍ لارتكابه، فصار النظر مبدأ الزنا. وعلى هذا قوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى)، (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). • قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) اختلف العلماء بالمراد بهذه الشجرة: فقيل: هي شجرة الكرم. وقيل: السنبلة. وقيل: شجرة التين، وقيل: غير ذلك. والراجح ما رجحه ابن جرير من عدم تعيين ذلك حيث قال: والصواب في ذلك أن يقال: إن الله جل ثناؤه نهى آدم وزوجته عن أكل شجرة بعينها من أشجار الجنة دون سائر أشجارها، فأكلا منها، ولا علم عندنا بأي شجرة كانت على التعيين، لأن الله لم يضع لعباده دليلاً على ذلك في القرآن ولا في السنة الصحيحة.

стр. 152

• وقال ابن عطية: وليس في شيء من هذا التعيين ما يَعْضُده خبرٌ؛ وإنما الصواب أن يُعتقد أن الله تعالى نهى آدم عن شجرة فخالف هو إليها وعصى في الأكل منها. • فإن قيل: ما وجه الحكمة في تخصيص تلك الشجرة بالنهي؟ فالجواب: أنه ابتلاء من الله تعالى بما أراد. وقال أبو العالية: كان لها ثقل من بين أشجار الجنة، فلما أكل منها: قيل أخرج إلى الدار التي تصلح لما يكون منك (زاد المسير). (فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ) أي فتصيرا من الذين ظلموا أنفسهم بمعصية الله، بمخالفة أمره. • قال الرازي: قوله تعالى (وَلا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ) قال بعض العلماء هذا النهي نهي تحريم ويدل عليه أمور: أحدها: أن قوله تعالى (وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة) كقوله (وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حتى يَطْهُرْنَ) وقوله (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) فكما أن هذا للتحريم فكذا الأول. وثانيها: أنه قال (فَتَكُونَا مِنَ الظالمين) معناه: إن أكلتما منها فقد ظلمتما أنفسكما ألا تراهما لما أكلا (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا). وثالثها: أن هذا النهي لو كان نهي تنزيه لما استحق آدم بفعله الإخراج من الجنة ولما وجبت التوبة عليه (تفسير الرازي). • هل كان آدم ناسياً عند ما أكل من الشجرة؟ قيل: كان ناسياً. لقوله تعالى (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً). ويضعف هذا القول قوله تعالى (وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى).

стр. 153

وقيل: إنه كان عامداً وأنه طمع في جنة الخلد كما في قول إبليس له (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى). والله أعلم. • ورجح القرطبي الأول، وقال: قلت: وهو الصحيح لإخبار الله تعالى في كتابه بذلك حَتْماً وجَزْماً فقال (وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً)، ولكن لما كان الأنبياء ﵈ يلزمهم من التحفظ والتيقّظ لكثرة معارفهم وعُلُوّ منازلهم ما لا يلزم غيرهم كان تشاغله عن تذكّر النّهي تضييعاً صار به عاصياً؛ أي مخالفاً. • قال في التسهيل: اختلفوا في أكل آدم الشجرة: فالأظهر أنه كان على وجه النسيان، لقوله تعالى (فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْماً). وقيل: سكر من خمر الجنة فحينئذٍ أكل منها، وهذا باطل؛ لأن خمر الجنة لا تسكر. وقيل: أكل عمداً وهي معصية صغرى، وهذا عند من أجاز على الأنبياء الصغائر. وقيل: تأوّل آدم أن النهي: كان عن شجرة معينة فأكل من غيرها من جنسها. وقيل: لما حلف له إبليس صدقه؛ لأنه ظنّ أنه لا يحلف أحد كذباً. (فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ) أي استزلهما، وأوقعهما في الزلل وهو الخطأ. • قوله تعالى (عَنْهَا) قيل المراد (عن الجنة) ويكون المعنى: نحاهما الشيطان عن الجنة، وقيل: (عن الشجرة) ويكون المعنى: أزلهما الشيطان بسببها، أي بسبب أكلهما منها. • قال في التسهيل: (عَنْهَا) الضمير عائد على الجنة، أو على الشجرة فتكون عن سببية على هذا. • وقد بين تعالى في موضع آخر كيف أزلهما وذلك بالقسم والإغواء. كما قال تعالى (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى). وقال تعالى (وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ). وقال تعالى عنه (وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ). • قال القرطبي: ولا خلاف بين أهل التأويل وغيرهم أن إبليس كان متولّي إغواء آدم؛ واختلف في الكيفية: فقال ابن مسعود وابن عباس وجمهور العلماء: أغواهما مشافهة؛ ودليل ذلك قوله تعالى (وَقَاسَمَهُمَآ إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ الناصحين) والمقاسمة ظاهرها المشافهة. • الحذر من مكايد الشيطان، فإنه كاد للأبوين بالأيمان الكاذبة أنه ناصح لهما وأنه إنما يريد خلودهما في الجنة. ومن مكايده: التخويف بالفقر، وتخويفه للمؤمنين من أوليائه فلا يجاهدونهم ولا يأمرونهم بالمعروف ولا ينهونهم عن المنكر كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) وقال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَه) المعنى: يخوفكم بأوليائه.

стр. 154

• قال ابن عاشور: وتفيد الآية إثارة الحسرة في نفوس بني آدم على ما أصاب آدم من جراء عدم امتثاله لوصاية الله تعالى وموعظة تُنبِّهُ بوجوب الوقوف عند الأمر والنهي والترغيب في السعي إلى ما يعيدهم إلى هذه الجنة التي كانت لأبيهم وتربيةِ العداوة بينهم وبين الشيطان وجنده إذ كان سبباً في جر هذه المصيبة لأبيهم حتى يكونوا أبداً ثأراً لأبيهم مُعادين للشيطان ووسوسته مسيئين الظنون بإغرائه كما أشار إليه قوله تعالى (يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة) وقوله هنا (بعضكم لبعض عدو). وهذا أصل عظيم في تربية العامة ولأجله كان قادة الأمم يذكرون لهم سوابق عداوات منافسيهم ومَن غلبهم في الحروب ليكون ذلك باعثاً على أخذ الثأر. • كيف وسوس إبليس لهما؟. قيل: أنه دخل في فم الحية. وقيل: أنه مُنع من دخولها مكرماً، أما على وجه الإهانة فلا يمتنع. وقيل: أنه وسوس لهما وهو بالأرض. وقيل: أنه وسوس إلى آدم وهو خارج باب الجنة. والله أعلم بالصواب. • شاركت حواء بالأكل كما قال تعالى (فأكلا منها). (فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ) أي من نعيم الجنة من اللباس والمنزل الرحب والرزق الهنيء والراحة. (وَقُلْنَا اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ) هذا الخطاب لآدم وحواء وإبليس، وهذه العداوة بين آدم وذريته وبين الشيطان، كما قال تعالى (إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدواً). وأما ما ورد في قوله بالتثنية (اهبطا منها) قيل المراد آدم وحواء، وقيل: آدم وإبليس وحواء تبع لآدم وهذا الصحيح. • قال الرازي: اعلم أن في هذه الآيات تحذيراً عظيماً عن كل المعاصي من وجوه: أحدها: أن من تصور ما جرى على آدم ﵇ بسبب إقدامه على هذه الزلة الصغيرة كان على وجل شديد من المعاصي. وثانيها: التحذير عن الاستكبار والحسد والحرص. وثالثها: أنه بين العداوة الشديدة بين ذرية آدم وإبليس، وهذا تنبيه عظيم على وجوب الحذر.

стр. 155

• فإن قيل ما الحكمة من إهباط آدم من الجنة؟ ذكر ابن القيم ﵀ عدة حكم: فقال: ليعود إليها على أحسن أحواله، فأراد سبحانه أن سيذيقه وولده من نصب الدنيا وغمومها وهمومها ما يُعظّم به عندهم مقدار دخولهم إليها في الدار، فإن الضد يظهر حسنه الضد، ولو تربوا في دار النعيم لم يعرفوا قدرها. وأيضاً، فإنه سبحانه أراد أن يتخذ منهم أنبياء ورسلاً وأولياء وشهداء يحبهم ويحبونه، فخلّى بينهم وبين أعدائه، وامتحنهم بهم، فلما آثروه وبذلوا نفوسهم وأموالهم في مرضاته ومحابه، نالوا من محبته ورضوانه والقرب منه ما لم يكن ليُنال بدون ذلك أصلاً، فدرجة الرسالة والنبوة والشهادة والحب فيه والبغض فيه وموالاة أوليائه ومعاداة أعدائه عنده من أفضل الدرجات، ولم يكن يُنال هذا إلا على الوجه الذي قدّره وقضاه من إهباطه إلى الأرض. وأيضاً، فإنه سبحانه له الأسماء الحسنى، فمن أسمائه: الغفور، والرحيم، والحليم، والخافض، الرافع .. ولابد من ظهور آثار هذه الأسماء، فاقتضت حكمته سبحانه أن ينزل آدم وذريته دار يظهر عليهم فيها أثر أسمائه الحسنى، فيغفر لمن يشاء، ويرحم من يشاء، ويخفض من يشاء، ويرفع من يشاء، ويعز من يشاء، ويذل من يشاء. وأيضاً، فإنه سبحانه الملِك الحق المبين، والملك هو الذي يأمر وينهى، ويثيب ويُعاقب، ويهين ويكرم، ويعز ويذل، فاقتضى ملكه سبحانه أن ينزِل آدم وذريته داراً تجري عليهم فيها أحكام الملك، ثم ينقلهم إلى دار يُتم عليهم فيها ذلك. وأيضاً، فإنه - سبحانه - أنزلهم إلى دار يكون إيمانهم فيها بالغيب هو الإيمان النافع، وأما الإيمان بالشهادة فكل أحد يؤمن يوم القيامة، يوم لا ينفع نفساً إلا إيمانها في الدنيا، فلو خلقوا في دار النعيم لم ينالوا درجة الإيمان بالغيب، واللذة والكرامة الحاصلة بذلك لا تحصل بدونه.

стр. 156

وأيضاً، فإنه سبحانه لما كان يحب الصابرين، ويحب المحسنين، ويحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً، ويحب التوابين، ويحب المتطهرين، ويحب الشاكرين، وكانت محبته أعلى أنواع الكرامات، اقتضت حكمته أن أسكن آدم وبنيه داراً يأتون فيها بهذه الصفات التي ينالون بها أعلى الكرامات من محبته، فكان إنزالهم إلى الأرض من أعظم النعم عليهم. وأيضاً، فإنه سبحانه جعل عبوديته أفضل درجاتهم - وذكر نبيه باسم العبودية في أعلى الدرجات - اقتضت حكمته أن أسكن آدم وذريته داراً ينالون فيها هذه الدرجة بكمال طاعتهم لله، وتقربهم إليه بمحابه، وترك مألوفاتهم من أجله. وأيضاً: فإنه سبحانه إنما خلق الخلق لعبادته، ومعلوم أن كمال العبودية المطلوب من الخلق لا يحصل بدار النعيم والبقاء، إنما يحصل في دار المحنة والابتلاء، وأما دار البقاء فدار لذة ونعيم، لا دار ابتلاء وامتحان وتكليف. [مفتاح دار السعادة]. (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ) أي لكم في الأرض موضع استقرار بالإقامة فيها. • قال الرازي: الأكثرون حملوا قوله تعالى (وَلَكُمْ فِي الأرض مُسْتَقَرٌّ) على المكان، والمعنى أنها مستقركم حالتي الحياة والموت. (وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ) أي تمتع بنعيمها إلى وقت انقضاء آجالكم وهو الموت، وهذا قول من يقول المستقر هو المقام في الدنيا. وقيل: إلى قيام الساعة، وهذا قول من يقول: المستقر هو في القبور. • فإن الله كتب الموت على كل نفس: قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).

стр. 157

الفوائد: ١ - إثبات القول لله تعالى. ٢ - أن الجنة موجودة. ٣ - حكمة الله في نهيهما عن الأكل من هذه الشجرة. ٤ - أن الله قد يمتحن العبد، فينهاه عن شيء يحبه. ٥ - أن معصية الله ظلم للنفس. ٤ - إثبات عداوة الشيطان وأنه سبب كل شر، كما قال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ) وقال تعالى (وَلا يَصُدَّنَّكُمُ الشَّيْطَانُ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). ٥ - إثبات عداوة الشيطان لنا، فإنه هو الذي أخرج الأبوين من الجنة. ٦ - إثبات علو الله لقوله (اهبطوا) والهبوط يكون من أعلى إلى أسفل. ٧ - يجب أن نتخذ الشيطان عدواً لنا، فنحذر من خطواته وتزيينه ومكره وخداعه. ٨ - أنه لا دوام لبني آدم في الدنيا لقوله (وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ ومتاع إلى حين).

стр. 158

(فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٣٧)). [البقرة: ٣٧]. (فَتَلَقَّى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) أي استقبل آدم دعوات من ربه وألهمه إياها فدعاه بها فتاب عليه. • وهذه الكلمات هي المفسرة بقوله تعالى (قَالا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ) • قال السعدي (فَتَلَقَّى آدَمُ) أي: تلقف وتلقن، وألهمه الله (مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ) وهي قوله (رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا) الآية، فاعترف بذنبه وسأل الله مغفرته (فَتَابَ) الله (عَلَيْهِ) ورحمه. (فَتَابَ عَلَيْهِ) أي رزقه التوبة من خطيئته. • قال القرطبي: إن قيل: لم قال (عليه) ولم يقل عليهما، وحواء مشاركة له في الذنب بإجماع، وقد قال (وَلَا تَقْرَبَا هذه الشجرة) و (قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَآ أَنفُسَنَا) فالجواب: أولاً: أن آدم ﵇ لما خوطب في أوّل القصة بقوله (اسكن) خصّه بالذكر في التلقّي؛ فلذلك كملت القصة بذكره وحده. وثانياً: فلأن المرأة حُرمة ومستورة فأراد الله السّتر لها؛ ولذلك لم يذكرها في المعصية في قوله (وعصى ءَادَمُ رَبَّهُ فغوى) وثالثاً: لما كانت المرأة تابعة للرجل في غالب الأمر لم تُذكر؛ كما لم يذكر فَتَى موسى مع موسى في قوله (أَلَمْ أَقُلْ لَّكَ). • وقال الماوردي: فإن قيل: فِلمَ قال: (فَتَابَ عَلَيْهِ)، ولم يقُلْ: (فتابَ علَيْهِما) والتوبة قد توجهت إليهما؟ قيل: عنه جوابان: أحدهما: لما ذكر آدم وحده بقوله: (فَتَلَّقى آدَمُ مِنْ رَبِّهِ كَلِمَاتٍ)، ذكر بعده قبول توبته، ولم يذكر توبة حوَّاء - وإن كانت مقبولة التوبة - لأنه لم يتقدم ذكرها. والثاني: أن الاثنين إذا كان معنى فعلهما واحداً، جاز أن يذكرَ أحدهما، ويكونَ المعنى لهما، كما قال تعالى (وَإذَا رَأَوا تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انْفَضُّوا إِلَيْهَا)، وكما قال (وَاللهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ). (إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ) اسم من أسماء الله، والتواب صيغة مبالغة لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم. معناه: التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه. • قال السعدي: هو التائب على التائبين أولاً: بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد توبتهم قبولاً لها وعفواً عن خطاياهم. • ووصف نفسه سبحانه بالتواب - وهي صيغة مبالغة - لكثرة من يتوب عليهم، ولكثرة توبته على العبد

стр. 159

• وتوبة الله على العبد نوعان: أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا. الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين]. • أثر الإيمان بهذا الاسم: أولاً: أن الله يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، مهما كثرت وعظمت. قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ). ثانياً: إفراد الله بالتوبة وطلب العفو وغفران الذنوب، لأنه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا الله وحده كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ). ثالثاً: الحياء من الله، البر الرحيم التواب الغفور، الذي يفرح بتوبة عبده، وهذا الحياء إذا تمكن من القلب أثمر تعظيماً لله وحياء منه، ومبادرة إلى طاعته وترك معاصيه قدر الجهد والاستطاعة. رابعاً: عدم اليأس من رحمة الله، والقوة في رجائه. (الرَّحِيمُ) اسم من أسماء الله دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى، كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).

стр. 160

والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان: الأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه، يجب إثباتها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ). الثاني: رحمة مخلوقة أنزل الله منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة. كما قال ﷺ (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم، ومن ذلك ما جاء في قوله ﷺ (إن الله قال عن الجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء … ) وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي من أثر رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية. • ورحمة الله تعالى لعباده نوعان: الأولى: رحمة عامة. وهي لجميع الخلائق بإيجادهم، وتربيتهم، ورزقهم، وإمدادهم بالنعم والعطايا، وتصحيح أبدانهم، وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد في طعامهم وشرابهم، ومساكنهم، ولباسهم، وحركاتهم، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى الثانية: رحمة خاصة. وهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين فيرحمهم الله في الدنيا بتوفيقهم إلى الهداية والصراط المستقيم، ويثبتهم عليه، ويدافع عنهم وينصرهم على الكافرين ويرزقهم الحياة الطيبة ويبارك لهم فيها، ويمدهم بالصبر واليقين عند المصائب، ويغفر لهم ذنوبهم، ويكفرها بالمصائب، ويرحمهم في الآخرة بالعفو عن سيئاتهم والرضا عنهم والإنعام عليهم بدخول الجنة، كما قال تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً). قال الشيخ ابن عثيمين: فهي رحمة إيمانية دينية دنيوية. • ومن أعظم آثار رحمة الله تعالى إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجاً لهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقال تعالى (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).

стр. 161

• ومن رحمته: سبحانه مغفرته لذنوب عباده بالصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوب لهم، كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). • ينبغي على العبد أن يتصف بصفة الرحمة، فقد مدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، ومن أسمائه ﷺ (نبي الرحمة) ومدح الصحابة بقوله (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وخص أبو بكر من بينهم بقوله (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر). • الآثار المرتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: محبة الله المحبة العظيمة، وذلك حينما يفكر العبد وينظر في آثار رحمة الله في الآفاق وفي النفس والتي لا تعد ولا تحصى، وهذا يثمر تجريد المحبة لله والعبودية الصادقة له سبحانه وتقديم محبته على النفس والأهل والمال والناس جميعاً. ثانياً: عبودية الرجاء والتعلق برحمة الله وعدم اليأس من رحمة الله تعالى، فإن الله قد وسعت رحمته كل شيء، وحسن الظن بالله وانتظار الفرج بعد الشدة من أجل العبادات. ثالثاً: اتصاف العبد بالرحمة وبذلها لعباد الله ﵎، وقد حض الله عباده على التخلق بها، ومدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ومن أسمائه ﷺ أنه نبي الرحمة، ومدح الصحابة بقوله (رحماء بينهم) وخُص أبو بكر بينهم بالكمال البشري في الرحمة بعد الرسل حيث قال ﷺ فيه (أرحم أمتي أبو بكر) رواه أحمد. رابعاً: التعرض لرحمة الله بفعل أسبابها.

стр. 162

• وإذا كان الله رحيماً فينبغي أن يعمل ب الأسباب التي تنال بها الرحمة: أولاً: رحمة الناس. قال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود. وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء). وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله). ثانياً: الإحسان. قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). ثالثاً: طاعة الرسول ﷺ -. قال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ) رابعاً: السماحة في البيع والشراء. قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري. خامساً: عيادة المريض. قال رسول الله ﷺ (من عاد مريضاً خاض في الرحمة). سادساً: قيام الليل وإيقاظ الأهل. قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وايقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود. سابعاً: الحلق في النسك. قال رسول الله ﷺ (اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً) متفق عليه. ثامناً: مجالس الذكر. قال رسول الله ﷺ (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة) رواه مسلم. تاسعاً: الجلوس في المسجد. قال رسول الله ﷺ (إن الملائكة تستغر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) متفق عليه.

стр. 163

عاشراً: سماع حديث الرسول وتبليغه. قال رسول الله ﷺ (رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان. الحادي عشر: الإنصات للقرآن. قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). الثاني عشر: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. قال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). الثالث عشر: الاستغفار. قال تعالى (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). • والحكمة من قرن توبته برحمته: أولاً: أن الله تعالى رحيم بعباده فلا يعاقبهم بعد التوبة. ثانياً: أنه تعالى لا يخذل ولا يرد من جاء منهم تائباً، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء وملء الأرض. ثالثاً: أن قبوله لتوبة عباده تفضل منه عليهم، وهو مقتضى رحمته تعالى بهم. الفوائد: ١ - منّة الله تعالى على أبينا آدم حيث وفقه لهذه الكلمات التي كانت بها توبته. ٢ - سعة رحمة الله حيث يقبل توبة التائبين. ٣ - إثبات القول لله تعالى. ٤ - إثبات هذين الاسمين الكريمين (التواب) و (الرحيم). ٥ - أن التوبة واجبة على كل أحد، وأن التائب قد يرجع بعد توبته إلى حال أحسن من قبل.

стр. 164

(قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٣٨) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٣٩)). [البقرة: ٣٨ - ٣٩]. (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً) يقول تعالى مخبراً عما أنذر به آدم وزوجته وإبليس حين أهبطهم من الجنة، والمراد الذرية، أنه سينزل الكتب ويبعث الأنبياء والرسل كما قال أبو العالية: الهدى: الأنبياء والرسل والبينات والبيان. • قوله تعالى (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا) كرّر الأمر بالهبوط: قيل: كرّره على جهة التغليظ وتأكيده؛ كما تقول لرجل: قُمْ قُمْ. وقيل: كرّر الأمر لما علّق بكل أمر منهما حُكماً غيرَ حُكم الآخر؛ فعلّق بالأوّل العداوة، وبالثاني إتيان الهدى (فإن الأول دل على أن هبوطهم إلى دار بلية يتعادون فيها ولا يخلدون، والثاني أشعر بأنهم أهبطوا للتكليف، فمن اهتدى الهدى نجا ومن ضله هلك). (وهذا اقرب الأقوال والله أعلم) ورجحه ابن كثير ﵀. وقيل: الهبوط الأوّل من الجنة إلى السماء، والثاني من السماء إلى الأرض. ويضعف هذا الوجه قوله في الهبوط الأول (ولكم في الأرض مستقر). (فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ) أي من أقبل على ما أنزلت به الكتب وأرسلت به الرسل. • قال ابن القيم: أيَّ وقتٍ وأيَّ حين أتاكم مني هدى. (فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي فيما يستقبلونه من أمر الآخرة. (وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) على ما فاتهم من أمور الدنيا، فهم في سرور دائم، لا يعرض لهم حزن على ما فات. كما قال في سورة طه (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى) قال ابن عباس: فلا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة (وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). • قال ابن القيم: إن الله سبحانه جعل اتباع هداه وعهده الذي عهده إلى آدم سبباً ومقتضياً لعدم الخوف والأمن والضلال والشقاء، وهذا الجزاء ثابت بثبوت الشرط، منتف بانتفائه. ونفي الخوف والحُزن عن متبع الهدى نفيٌ لجميع أنواع الشرور، فإن المكروه الذي ينزل بالعبد متى علِم بحصوله فهو خائف منه أن يقع به، وإذا وقع به فهو حزين على ما أصابه منه، فهو دائماً في خوف وحزن، فكل خائف حزين، وكل حزين خائف. • قال ابن عباس: تكفل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه أن لا يضل في الدنيا ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ: (فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى).

стр. 165

• قال السعدي: رتب على اتباع هداه أربعة أشياء: نفي الخوف والحزن والفرق بينهما، أن المكروه إن كان قد مضى، أحدث الحزن، وإن كان منتظراً، أحدث الخوف، فنفاهما عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا، حصل ضدهما، وهو الأمن التام، وكذلك نفي الضلال والشقاء عمن اتبع هداه، وإذا انتفيا ثبت ضدهما، وهو الهدى والسعادة، فمن اتبع هداه، حصل له الأمن والسعادة الدنيوية والأخروية والهدى، وانتفى عنه كل مكروه، من الخوف، والحزن، والضلال، والشقاء، فحصل له المرغوب، واندفع عنه المرهوب، وهذا عكس من لم يتبع هداه، فكفر به، وكذب بآياته. (وَالَّذِينَ كَفَرُوا) ولم يؤمنوا بالله ولا برسوله (وسبق تعريف الكفر). (وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) أي: الآيات الشرعية، وهي الوحي المنزل من الله. وآيات الله تنقسم إلى قسمين: الآيات الكونية القدرية. (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها). وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة. قال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده. الآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله). ومنه قوله تعالى (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ).

стр. 166

وسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها. الكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها غير الله، أو أن يعتقد أن له شريكاً في خلقه، أو أن له معيناً في خلقه. والكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها، أو بتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها ملازمة الصاحب لصاحبه، والغريم لغريمه، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة. والنار هي الدار التي أعدها الله للكافرين. • قوله تعالى (أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) وهذا الأسلوب يطلق على الذين يخلدون فيها، فالمؤمن العاصي - وإن كان يستحق العذاب بالنار - فإنه لا يسمى من أصحاب النار، لأن الأصل في الصحبة طول الملازمة. (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها، ولا يفتر عنهم العذاب ولا هم ينصرون. • وقد ذكر الله تأبيده لأهل النار في ثلاث آيات من القرآن الكريم. في سورة النساء: قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً). وفي سورة الأحزاب: قال تعالى (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً لا يَجِدُونَ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً). وفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).

стр. 167

الفوائد: ١ - إثبات علو الله. ٢ - الحكمة في إنزال آدم من الجنة. ٣ - أن الهدى من الله. ٤ - وجوب اتباع هدى الله الذي أنزله على رسله وبكتبه. ٥ - إثبات الأمن وعدم الخوف لمن اتبع هدى الله. ٦ - الخوف والحزن والقلق لكل من لم يتبع هدى الله. ٧ - أن النار دار للكفار ملازمين لها لا يخرجون منها. ٨ - إثبات الخلود المؤبد للكفار في النار.

стр. 168

(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَوْفُوا بِعَهْدِي أُوفِ بِعَهْدِكُمْ وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ (٤٠) وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ (٤١)). [البقرة: ٤٠ - ٤١]. (يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) يقول تعالى آمراً بني إسرائيل بالدخول في الإسلام، ومتابعة محمد عليه من الله أفضل الصلاة والسلام، ومهيجاً لهم بذكر أبيهم إسرائيل وهو نبي الله يعقوب ﵇، وتقديره يا بني العبد الصالح المطيع لله، كونوا مثل أبيكم في متابعة الحق (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) أي اذكروا نعمي عليكم الكثيرة كالإنجاء من فرعون، وإغراق فرعون وقومه، وجعل منهم الأنبياء والمرسلين وغيرها. كما قال تعالى (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى). وقال تعالى (وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ). وقال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكاً وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعَالَمِينَ). • قوله (نعمتي) والنعمة هنا اسم جنس، فهي مفردة بمعنى الجمع، قال الله تعالى (وَإِن تَعُدُّواْ نِعْمَةَ الله لَا تُحْصُوهَا) أي نِعمَه. • قوله (اذكروا نعمتي) أي اذكروها بقلوبكم واذكروها بألسنتكم لتقوموا بشكرها. • والضمير في (عليكم) يراد به على آبائكم كما تقول العرب ألم نهزمكم يوم كذا لوقعه كانت بين الآباء والأجداد. • إسرائيل: لقب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل. • قال الرازي: واعلم أنه إنما ذكرهم بهذه النعم لوجوه: أحدها: أن في جملة النعم ما يشهد بصدق محمد ﷺ وهو التوراة والإنجيل والزبور. وثانيها: أن كثرة النعم توجب عظم المعصية فذكرهم تلك النعم لكي يحذروا مخالفة ما دعوا إليه من الإيمان بمحمد ﷺ وبالقرآن.

стр. 169

وثالثها: أن تذكير النعم الكثيرة يوجب الحياء عن إظهار المخالفة. • قال ابن عاشور: والمراد بالنعمة هنا جميع ما أنعم الله به على المخاطبين مباشرة أو بواسطة الإنعام على أسلافهم فإن النعمة على الأسلاف نعمة على الأبناء لأنها سمعة لهم، وقدوة يقتدون بها، وبركة تعود عليهم منها، وصلاح حالهم الحاضر كان بسببها، وبعض النعم يكون فيما فطر الله عليه الإنسان من فطنة وسلامة ضمير وتلك قد تورث في الأبناء، ولولا تلك النعم لهلك سلفهم أو لساءت حالهم فجاء أبناؤهم في شر حال. (وَأَوْفُوا بِعَهْدِي) أي أدوا ما عهد إليكم من الإيمان بالنبي محمد ﷺ إذا بعث. • وهذا العهد ذكره الله في موضع آخر فقال سبحانه (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً). (أُوفِ بِعَهْدِكُمْ) وهو قوله تعالى (لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ). (وَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) أي فاخشون، قال ابن كثير: وقال ابن عباس في قوله تعالى (وإياي فارهبون) أي إن نزل بكم ما أنزلت بمن كان قبلكم من آبائكم من النقمات التي قد عرفتم من المسخ وغيره. • قال ابن كثير: وهذا انتقال من الترغيب إلى الترهيب فدعاهم إليه بالرغبة والرهبة لعلهم يرجعون إلى الحق واتباع الرسول ﷺ والاتعاظ بالقرآن وزواجره وامتثال أوامره وتصديق أخباره والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم. • الرهبة: أشد الخوف. • والخوف ثلاثة أنواع: الأول: خوف طبيعي كخوف الإنسان من السبع والنار والغرق، وهذا لا يلام عليه العبد، قال تعالى عن موسى (فَأَصْبَحَ فِي الْمَدِينَةِ خَائِفاً يَتَرَقَّبُ). الثاني: خوف العبادة، أن يخاف أحداً يتعبد بالخوف له فهذا لا يكون إلا لله، وصرفه لغير الله شرك أكبر. الثالث: خوف السر، كأن يخاف صاحب القبر، أو ولياً بعيداً عنه لا يؤثر فيه، لكنه يخافه مخافة سر، فهذا ذكره العلماء من الشرك.

стр. 170

(وَآمِنُوا بِمَا أَنْزَلْتُ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) يعني بالقرآن الذي أنزل على محمد ﷺ النبي الأمي العربي بشيراً ونذيراً وسراجاً منيراً مشتملاً على الحق من الله تعالى مصدقاً لما بين يديه من التوراة والإنجيل. • قال أبو العالية ﵀ في قوله تعالى (وآمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم) يقول: يا معشر أهل الكتاب آمنوا بما أنزلت مصدقاً لما معكم، يقول لأنهم يجدون محمداً ﷺ مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل. • قال الرازي: اعلم أن المخاطبين بقوله (وَءامِنُواْ) هم بنو إسرائيل ويدل عليه وجهان: الأول: أنه معطوف على قوله (اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) كأنه قيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم وأوفوا بعهدي وآمنوا بما أنزلت. الثاني: أن قوله تعالى: (مُصَدّقاً لّمَا مَعَكُمْ) يدل على ذلك. • قوله تعالى (مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان: أولاً: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله. ثانياً: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت به. (وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) أي: ولا تكونوا أول كافر به وعندكم فيه من العلم ما ليس عند غيركم. فالضمير في قوله (به) عائد إلى القرآن والمعنى: ولا تكونوا أول من كفر بالقرآن وحقكم أن تؤمنوا به. • فإن قيل: كيف قال (أَوَّلَ كَافِرٍ بِهِ) مع أن كفار قريش بمكة قد كفروا قبلهم؟ الجواب: قال ابن كثير: يعني (به) أول من كفر به من بني إسرائيل، لأنه قد تقدمهم من كفار قريش وغيرهم من العرب بشر كثير، وإنما المراد أول من كفر به من بني إسرائيل مباشرة، فإن يهود المدينة أول بني إسرائيل خوطبوا بالقرآن فكفْرهم به يستلزم أنهم أول من كفر به من جنسهم.

стр. 171

• اختار ابن جرير أن الضمير في قوله (به) عائد على محمد ﷺ ، وكلا القولين صحيح لأنهما متلازمان. (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قَلِيلاً) أي لا تعتاضوا عن الإيمان بآياتي وتصديق رسولي بالدنيا وشهواتها، فإنها قليلة فانية، فإنهم يعتقدون أن هذه المناصب - كالرياسة والمال والجاه والمآكل - تنقطع إذا آمنوا بالله ورسوله. • قال ابن عاشور: عطف على النهي الذي قبله وهذا النهي موجَّه إلى علماء بني إسرائيل وهم القدوة لقومهم، والمناسبة أن الذي صدهم عن قبول دعوة الإسلام هو خشيتهم أن تزول رئاستهم في قومهم فكانوا يتظاهرون بإنكار القرآن ليلتف حولهم عامة قومهم فتبقى رئاستهم عليهم، قال النبي ﷺ : لو آمن بي عشرة من اليهود لآمَن بي اليهودُ كلهم. وقال ﵀: ووجه المشابهة بين إعراضهم وبين الاشتراء، أن إعراضهم عن آيات القرآن لأجل استبقاء السيادة، والنفع في الدنيا يشبه استبدال المشترِي في أنه يعطي ما لا حاجة له به ويأخذ ما إليه احتياجه وله فيه منفعته. وقال ﵀: (ثمناً قليلاً) وقد أجمل العوض الذي استبدلوا به الآيات فلم يبين أهو الرئاسة أو الرشى التي يأخذونها ليشمل ذلك اختلاف أحوالهم فإنهم متفاوتون في المقاصد التي تصدهم عن اتباع الإسلام على حسب اختلاف همهم. • قال القرطبي: وهذه الآية وإن كانت خاصة ببني إسرائيل فهي تتناول مَن فعل فعلهم. سئل الحسن البصري عن قوله تعالى (ثَمَناً قَلِيلاً) قال: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. • فالثمن القليل: يشمل المال والمنصب والجاه والشهرة والرفعة، فإن أحبار اليهود لو آمنوا بمحمد ﷺ لذهبت عنهم بعض ما هم فيه من المكانة والمنزلة والرفعة. وقد صدق من قال من السلف: من أحب أن يعرف ذهب دينه. قال الحسن ﵀: عقوبة العالم موت القلب، قيل له: وما موت القلب؟ قال: طلب الدنيا بعمل الآخرة (جامع بيان العلم وفضله). قال محمد بن عمر الأسلمي - توفي سنة (٢٠٧ هـ) ﵀: لقد كان الرجلان يتقاولان بالمدينة في أول الزمان، فيقول أحدهما لصاحبه: لأنت أفلس من القاضي، فصار القضاة اليوم ولاة وجبابرة وملوكاً وأصحاب غلات وضياع وتجارات وأموال! (الطبقات الكبرى).

стр. 172

قال يوسف بن زكريا ﵀: كان محمد بن يوسف، لا يشتري من خباز واحد، ولا من بقال واحد، وقال: لعلهم يعرفوني فيحابوني، فأكون ممن أعيش بديني؟ (حلية الأولياء). جلس الحسن ﵀ يُحَدّث فأُهدِيَ له فردَّه، وقال: إن من جلس هذا المجلس ثم قَبِل، فليس له عند الله خلاق، أو قال: فليس له خلاق (الزهد لأحمد). قال وهب بن منبه - توفي سنة (١١٤ هـ) ﵀: كان العلماء من قبلنا قد استغنوا بعلمهم عن دنيا غيرهم، فكانوا لا يلتفتون إليها، وكان أهل الدنيا يبذلون دنياهم في علمهم، فأصبح أهل العلم يبذلون لأهل الدنيا عِلمَهُم رغبة في دنياهم، وأصبح أهل الدنيا قد زهدوا في علمهم، لما رأوا من سوء موضعه عندهم. (حلية الأولياء). قال أبو حازم ﵀ لا تكون عالماً حتى تكون فيك خصال: لا تبغ على من فوقك ولا تحقر من دونك ولا تأخذ على علمك دنيا. (المداراة). قال مطرف بن عبد الله ﵀ إن أقبحَ ما طُلبت به الدنيا عملُ الآخرة. (حلية الأولياء). قال شميط بن عجلان ﵀ يعمد أحدهم فيقرأ القرآن ويطلب العلم، حتى إذا علمه أخذ الدنيا فضمها إلى صدره، وحملها على رأسه، فنظر إليه ثلاثة ضعفاء: امرأة ضعيفة، وأعرابي جاهل، وأعجمي، فقالوا: هذا أعلم بالله منا، لو لم ير في الدنيا ذخيرة ما فعل هذا، فرغبوا في الدنيا وجمعوها. وكان أبي يقول: فمثله كمثل الذي قال الله (ومن أوزار الذين يضلونهم بغير علم) (حلية الأولياء). قال خالد بن دُرَيك ﵀: خرج ابن محيريز إلى بزاز يشتري منه ثوباً والبزاز لا يعرفه قال: وعنده رجل يعرفه فقال: بكم هذا الثوب قال الرجل: بكذا وكذا فقال الرجل الذي يعرفه: أحسن إلى ابن محيريز، فقال ابن محيريز: إنما جئت أشتري بمالي ولم أجئ أشتري بديني فقام ولم يشتر. (حلية الأولياء). قال ابن المبارك ﵀ إنما الناس العلماء والملوك والزهاد، والسفلة الذين يأكلون بدينهم أموال الناس بالباطل ثم قرأ (يا أيها الذين آمنوا إن كثيراً من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل). قال (يأكلون الدنيا بالدين، قال: فبكى فضيل بن عياض بكاءاً شديداً ثم قال: كذب من قال: إنه لا يأكل بدينه أنا - والله - آكل بديني. (شعب الإيمان). • وقد ذكر العلامة المعلمي أن المنزلة والجاه من موانع الهداية فقال ﵀ بعد أن ذكر الوجه الأول: الوجه الثاني: أن يكون قد صار له في الباطل جاه وشهرة و معيشة، فيشق عليه أن يعترف بأنه باطل فتذهب تلك الفوائد. (وَإِيَّايَ) أي: لا غيري. (فَاتَّقُونِ) هذا أمر لهم بالتقوى، أي اتقون وخافون دون غيري.

стр. 173

• التقوى: أن تجعل بينك وبين عذاب الله وقاية بفعل أوامره واجتناب نواهيه. وقد عرفها بعضهم بقوله: أن تعمل بطاعة الله، على نور من الله، ترجو ثواب الله، وأن تترك معصية الله، على نور من الله، تخاف عقاب الله. وقال ابن مسعود (اتقوا الله حق تقاته) قال: أن يُطاع فلا يُعصى، ويُذكر فلا ينسى، وأن يشكر فلا يُكفر. الفوائد: ١ - وجوب ذكر نعمة الله على العبد. ٢ - أن ذكر نعمة الله موجب للشكر والانقياد. ٣ - أن من أساليب الدعوة تذكير العبد بنعم الله عليه. ٤ - أن من وفى الله بعهد وفى الله له. ٥ - وجوب الوفاء بالعهد. ٦ - أن الجزاء من جنس العمل. ٧ - وجوب الخوف من الله لا من غيره. ٨ - يجب على كل الناس الإيمان بمحمد ﷺ . ٩ - ذم من قدم الدنيا على الآخرة، واختار المتاع الزائل على الآخرة الباقية. ١٠ - أن من اشترى بآيات الله ثمناً قليلاً ففيه شبه من اليهود، فمن يطلب العلم للدنيا والمنصب، ففيه شبه من اليهود، وقد قال سفيان: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ١١ - أن متاع الدنيا - مهما كثر وتنوع وعظم - فهو قليل بالنسبة للآخرة، لأنه يزول، ومنغص بالأكدار والمصائب، قال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً). ١٢ - وجوب تقوى الله.

стр. 174

(وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٤٢) وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)). [البقرة: ٤٢ - ٤٣]. (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ) يقول تعالى ناهياً لليهود عما كانوا يتعمدونه من تلبيس الحق بالباطل، وتمويهه به، وكتمانهم الحق، وإظهارهم الباطل (وَلا تَلْبِسُوا الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ). • قال الشنقيطي: الحق الذي لبسوه بالباطل هو إيمانهم ببعض ما في التوراة، والباطل الذي لبسوا به الحق هو كفرهم ببعض ما في التوراة وجحدهم له كصفات رسول الله ﷺ وغيرها مما كتموه وجحدوه، وهذا بينه قوله تعالى (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). • قال القرطبي: اللَّبْس: الخلط، لَبَست عليه الأمر ألبِسه، إذا مزجتَ بيّنه بمُشْكله وحقَّه بباطله، قال الله تعالى (وَلَلَبَسْنا عَلَيْهِمْ مَا يَلْبِسُونَ) وفي الأمر لُبْسة؛ أي ليس بواضح. (وَتَكْتُمُوا الْحَقَّ) أي لا تكتموا ما عندكم من المعرفة برسولي وبما جاء به. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي: وأنتم تجدونه مكتوباً عندكم فيما تعلمون من الكتب التي بأيديكم. • قال ابن عاشور: (وأنتم تعلمون) حال وهو أبلغ في النهي لأن صدور ذلك من العالم أشد، فمفعول (تعلمون) محذوف دل عليه ما تقدم، أي وأنتم تعلمون ذلك أي لَبسكم الحق بالباطل. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: أدوها على وجه المطلوب، بخشوعها وواجباتها وسننها. • وفي هذا أن الصلاة موجودة في الأمم السابقة كما قال تعالى (يَا مَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ). (وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي أعطوا الزكاة الواجبة عليكم لمستحقيها. • الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).

стр. 175

• الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة. وسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء. (وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ) أي وكونوا مع المؤمنين في أحسن أعمالهم، ومن أخص ذلك وأكمله الصلاة. الفوائد: ١ - وجوب بيان الحق. ٢ - تحريم كتمان الحق أو تلبيسه. ٣ - أن كتم الحق من صفات اليهود. ٤ - الحذر من التشبه بصفات اليهود، ومن أبرزها: كتم العلم، والحسد، والبخل. ٥ - وجوب إقامة الصلاة على أكمل وجه. ٦ - أن الصلاة مشروعة في الأمم الماضية. ٧ - وجوب إيتاء الزكاة إذا توفرت شروطها.

стр. 176

(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)). [البقرة: ٤٤]. (أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم (أي: تتركونها) فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟ قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق. • قال الشوكاني: قوله (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت: أي: كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدّة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع؛ يقال تلوته: إذا تبعته، وسمي القارئ تالياً، والقراءة تلاوة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه. وقوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) استفهام للإنكار عليهم. • قوله تعالى (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) المراد بالكتاب هنا التوراة، وهذا قول أكثر العلماء. (أَفَلا تَعْقِلُونَ) أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم. • قال الطبري: أي أفلا تفقهون وتفهمون. • قال الرازي: قوله (أفلا تعقلون) فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) وسبب التعجب وجوه: الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال (أفلا تعقلون).

стр. 177

الثاني: أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال (أفلا تعقلون). الثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب، والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثراً في القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً في القلوب، فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي ﵁: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك. • قال السعدي: وسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصاً إذا كان عالماً بذلك، قد قامت عليه الحجة. • قوله تعالى (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أي: وتتركون أنفسكم، فالنسيان هنا المراد به الترك. والنسيان في القرآن يطلق على معنيين: المعنى الأولى: بمعنى الترك: ومنه قوله تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) نسوا الله: أي: تركوه فلم يقوموا بحقه، فنسيهم: تركهم سبحانه فلم يجبهم، ومنه قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أي تركوه (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أي: جعلهم ينسونها ويغفلون عنها ويتركونها إذا لم يعطوا الله حقه، ومنه قوله تعالى (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي: نترككم في النار. المعنى الثاني: الذهول عن الشيء المعلوم، ومنه قوله تعالى (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) المراد بالنسيان: الذهول عن شيء معلوم، فالله تعالى أحصاه، لكن هؤلاء نسوه، وهذا المعنى لا يوصف به الله تعالى.

стр. 178

• التوبيخ بالآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، فإن الأمر بالمعروف وهو واجب، ولكن الواجب والأولى أن يفعله مع أمرهم به ولا يتخلف عنهم، فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء. وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، قال ابن كثير: والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال مالك عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟ قال الحسن لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول مالا أفعل، قال يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر. • قال الشوكاني: الهمزة في قوله (أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر) للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر، فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم). • قال السعدي: وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.

стр. 179

الفوائد: ١ - ذم من يأمر الناس بالطاعة والبر ولا يفعل ذلك. قال تعالى (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ). عن أسامة. قال: قال رسول الله ﷺ (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما أصابك، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) رواه البخاري ومسلم. عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) رواه أحمد. ٢ - توبيخ العالم المخالف لما يأمر به. ٣ - أن من أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه من اليهود.

стр. 180

(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٥)). [البقرة: ٤٥]. (وَاسْتَعِينُوا) أي اطلبوا العون على أموركم الدنيوية والأخروية. (بِالصَّبْرِ) على فعل الطاعات، وبالصبر عن المعاصي، وبالصبر على أقدار الله المؤلمة. والصبر شرعاً: هو حبس النفس على حكم الله. وحكم الله نوعان: أحدهما: قدري، والآخر شرعي. وقيل: الصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم. • قال السعدي: أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله. فلا نجاح في الدنيا، ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر. فلولا صبر الزارع على بذره ما حصد، ولولا صبر الغارس على غرسه ما جنى، ولولا صبر الطالب على درسه ما تخرج، ولولا صبر المقاتل في ساح الوغى ما انتصر، وهكذا كل الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر. وإذا كان هذا في أمور الدنيا، ففي أمور الآخرة أولى، وخاصة أهل الإيمان، فهم أشد الناس حاجة للصبر لأنهم يتعرضون للأذى والمحن والابتلاءات. قال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ). وقال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ). • قال ابن القيم: هو خُلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمُل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها. الصبر باعتبار متعلقه أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها. … فالصبر سلاح عظيم للحصول على كل خير في الدنيا والنجاة من كل كرب. كما قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا). وقال تعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ).
следующие страницы →