← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1401–1440 · переход к 1406.

стр. 1401

• قوله (ولا تأكلوا أموالهم … ) جاء بلفظ الأكل مع أن النهي عن جميع صور أخذ مال اليتيم، لأن الهدف من جمع المال غالباً هو الأكل، ولذلك في كثير من الآيات عندما ينهى الله عن أخذ المال الحرام، دائماً يذكر ذلك بالأكل، كما قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) وقوله تعالى (كلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ). • قال ابن عاشور: والأكل استعارة للانتفاع المانع من انتفاع الغير وهو الملك التامّ، لأنّ الأكل هو أقوى أحوال الاختصاص بالشيء لأنّه يحرزه في داخل جسده، ولا مطمع في إرجاعه، وضمّن (تأكلوا) معنى تضمّوا فلذلك عدي بإلى أي: لا تأكلوها بأن تضمّوها إلى أموالكم. (إِنَّهُ) أي: أكل مال اليتيم، واستبدال الخبيث بالطيب. (كَانَ حُوباً كَبِيراً) أي: أي ذنباً كبير، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً). • وهذه الجملة تعليلية للنهي في الجملتين السابقتين. • قال السعدي: فيه تنبيه لقبح أكل مالهم بهذه الحالة، التي قد استغنى بها الإنسان بما جعل الله له من الرزق في ماله، فمن تجرأ على هذه الحالة، فقد أتى (حُوبًا كَبِيرًا) أي: إثمًا عظيمًا، ووزرًا جسيمًا. الفوائد: ١ - وجوب حفظ مال اليتيم. ٢ - بيان رحمة الله حيث وصى باليتامى. ٣ - أن اليتيم يملك وملكه تام. ٤ - تحريم ضم مال اليتيم إلى مال الولي إذا كان بقصد إتلافه. ٥ - أن التعدي على مال اليتامى ذنب عظيم ومن كبائر الذنوب. ٦ - ثبوت الولاية على اليتيم. ٧ - جواز إطلاق الخبيث على الرديء على أحد المعنيين. [الاثنين: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٣ هـ].

стр. 1402

(وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ (٣)). [النساء: ٣]. الآية السابقة في أموال اليتامى، وهذه الآية في أبضاع اليتامى. (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى) أي: وإن ظننتم التقصير في العدل لليتيمة فليتركها ولينكح غيرها. • والمراد باليتامى هنا، اليتامى من النساء. • قال بعضهم: معنى (وإن خفتم) أي: علمتم، لكنه قول ضعيف، والصحيح أن المراد بها الخوف وإن لم يعلم، فمتى خاف الإنسان أن لا يقسط في اليتامى، فليفعل ما ذكر الله. (ابن عثيمين). • قال البقاعي: قوله تعالى (وإن خفتم) فعبر بأداة الشك حثاً على الورع. • قوله (ألا تقسطوا) أي: ألا تعدلوا. (فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) أي: فليتركها وجوباً، ولينكح ما طابت به نفوسكم ورغبتم فيه مما أحل الله لكم من ذوات الصفات الطيبة من النساء كالدين والخلق والجمال ونحو ذلك. (مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أسلوب تنويع وتقسيم: أي: انكحوا اثنتين اثنتين، وعلى ثلاث ثلاث، وعلى أربع أربع، وفيه معنى التخيير، أي: منكم من ينكح اثنتين، ومنكم من ينكح ثلاثاً، ومنكم من ينكح أربعاً، قال تعالى في وصف الملائكة (جَاعِلِ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً أُولِي أَجْنِحَةٍ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ) أي: منهم من له جناحان، ومنهم من له ثلاثة، ومنهم من له أربعة. • معنى الآية: إذا كان تحت حجر أحدكم يتيمة وهو وليها، وأراد أن يتزوجها، لكنه يخشى ألا يعطيها مهر مثلها، فليتزوج غيرها، فإنهن كثير، ومنهن من ترضى بالقليل، فلم يُضيّق الله عليك أيها الوصي، فانكح نكاحاً طيباً مثنى إن شئت، أو ثلاث أو أربع ولا تظلم اليتامى.

стр. 1403

سبب النزول: روى البخاري عن عروة بن الزبير (أنه سأل عائشة عن قول الله تعالى: وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى، فقالت: يا ابن أختي، هذه اليتيمة تكون في حجر وليها تشركه في ماله ويعجبه مالها وجمالها، فيريد وليها أن يتزوجها بغير أن يقسط في صداقها، فيعطيها مثل ما يعطيها غيره، فنهوا عن أن ينكحوهن إلا أن يقسطوا لهن ويبلغوا لهن أعلى سُنتهن في الصداق، فأمروا أن ينكحوا ما طاب لهم من النساء سواهن). • صور عدم العدل باليتيمات: أ-عدم إعطائهن مثل غيرهن من المهور والنفقات. ب-أن يمسكها لأجل مالها من غير حاجة بها. ج- أن يمسكها من غير إعطائها حقوقها الزوجية. د-إجبارهن على الزواج منهم وهن كارهات، ونحو ذلك من النكاح من اليتيمات من غير عدل. • في الآية تحريم الجمع أكثر من أربع نساء، وهذا أمر مجمع عليه. • قال ابن كثير: قال الشافعي: وقد دَلَّت سنة رسول الله ﷺ المبينة عن الله أنه لا يجوز لأحد غير رسول الله ﷺ أن يجمع بين أكثر من أربع نسوة، وهذا الذي قاله الشافعي، ﵀، مجمع عليه بين العلماء. • في الآية إباحة التعدد، لكن مشروعيته جاءت في أدلة أخرى. • قال ابن القيم: إباحة التعدد للرجل دون المرأة توافق القياس، وأما قوله: وأنه أباح للرجل أن يتزوج بأربع زوجات ولم يبح للمرأة أن تتزوج بأكثر من زوج واحد، فذلك من كمال حكمة الرب تعالى وإحسانه ورحمته بخلقه ورعاية مصالحهم ويتعالى سبحانه عن خلاف ذلك وينزه شرعه أن يأتي بغير هذا ولو أبيح للمرأة أن تكون عند زوجين فأكثر لفسد العالم وضاعت الأنساب وقتل الأزواج بعضهم بعضاً وعظمت البلية واشتدت الفتنة وقامت سوق الحرب على ساق وكيف يستقيم حال امرأة فيها شركاء متشاكسون وكيف يستقيم حال الشركاء فيها فمجيء الشريعة بما جاءت به من خلاف هذا من أعظم الأدلة على حكمة الشارع ورحمته وعنايته بخلقه.

стр. 1404

فإن قيل: فكيف روعي جانب الرجل وأطلق له أن يهيم طرفه ويقضي وطره وينتقل من واحدة إلى واحدة بحسب شهوته وحاجته وداعي المرأة داعيه وشهوتها شهوته؟ قيل: لما كانت المرأة من عادتها أن تكون مخبأة من وراء الخدور ومحجوبة في كن بيتها وكان مزاجها أبرد من مزاج الرجل وحركتها الظاهرة والباطنة أقل من حركته وكان الرجل قد أعطي من القوة والحرارة التي هي سلطان الشهوة أكثر مما أعطيته المرأة وبلي بما لم تبل به، أطلق له من عدد المنكوحات ما لم يطلق للمرأة وهذا مما خص الله به الرجال وفضلهم به على النساء، كما فضلهم عليهن بالرسالة والنبوة والخلافة والملك والإمارة وولاية الحكم والجهاد وغير ذلك، وجعل الرجال قوامين على النساء ساعين في مصالحهن يدأبون في أسباب معيشتهن ويركبون الأخطار ويجوبون القفار ويعرضون أنفسهم لكل بلية ومحنة في مصالح الزوجات، والرب تعالى شكور حليم، فشكر لهم ذلك وجبرهم بأن مكنهم مما لم يمكن منه الزوجات وأنت إذا قايست بين تعب الرجال وشقائهم وكدهم ونصبهم في مصالح النساء، وبين ما ابتلي به النساء من الغيرة وجدت حظ الرجال أن تحمل ذلك التعب والنصب والدأب أكثر من حظ النساء من تحمل الغيرة فهذا من كمال عدل الله وحكمته ورحمته فله الحمد كما هو أهله. • قال ابن عاشور: وقد شرع الله تعدّد النساء للقادر العادل لِمصالح جمّة: منها: أنّ في ذلك وسيلة إلى تكثير عدد الأمة بازدياد المواليد فيها. ومنها: أنّ ذلك يعين على كفالة النساء اللائي هنّ أكثر من الرجال في كلّ أمّة لأنّ الأنوثة في المواليد أكثر من الذكورة، ولأنّ الرجال يعرض لهم من أسباب الهلاك في الحروب والشدائد ما لا يعرض للنساء، ولأنّ النساء أطول أعماراً من الرجال غالباً، بما فطرهنّ الله عليه. ومنها: أنّ الشريعة قد حرّمت الزنا وضيّقت في تحريمه لمّا يجرّ إليه من الفساد في الأخلاق والأنساب ونظام العائلات، فناسب أن توسّع على الناس في تعدّد النساء لمن كان من الرجال ميّالاً للتعدّد مجبولاً عليه. ومنها: قصد الابتعاد عن الطلاق إلاّ لضرورة. … (تفسير ابن عاشور).

стр. 1405

• فوائد التعدد: أولاً: التعدد سبب لتكثير الأمة، ومعلوم أنه لا تحصل الكثرة إلا بالزواج. وما يحصل من كثرة النسل من جراء تعدد الزوجات أكثر مما يحصل بزوجة واحدة. ومعلوم لدى العقلاء أن زيادة عدد السكان سبب في تقوية الأمة، وزيادة الأيدي العاملة فيها مما يسبب ارتفاع الاقتصاد. ثانياً: تبين من خلال الإحصائيات أن عدد النساء أكثر من الرجال، فلو أن كل رجل تزوج امرأةً واحدة فهذا يعني أن من النساء من ستبقى بلا زوج، مما يعود بالضرر عليها وعلى المجتمع: أما الضرر الذي سيلحقها فهو أنها لن تجد لها زوجاً يقوم على مصالحها، ويوفر لها المسكن والمعاش، ويحصنها من الشهوات المحرمة، وترزق منه بأولاد تقرُّ بهم عينها، مما قد يؤدي بها إلى الانحراف والضياع إلا من رحم ربك. وأما الضرر العائد على المجتمع فمعلوم أن هذه المرأة التي ستجلس بلا زوج، قد تنحرف عن الجادة وتسلك طرق الغواية والرذيلة، فتقع في مستنقع الزنا والدعارة - نسأل الله السلامة - مما يؤدي إلى انتشار الفاحشة فتظهر الأمراض الفتاكة من الإيدز وغيره من الأمراض المستعصية المعدية التي لا يوجد لها علاج، وتتفكك الأسر، ويولد أولاد مجهولي الهوية، لا يَعرفون من أبوهم؟ فلا يجدون يداً حانية تعطف عليهم، ولا عقلاً سديداً يُحسن تربيتهم، فإذا خرجوا إلى الحياة وعرفوا حقيقتهم وأنهم أولاد زنا فينعكس ذلك على سلوكهم، ويكونون عرضة للانحراف والضياع، بل وسينقمون على مجتمعاتهم، ومن يدري فربما يكونون معاول الهدم لبلادهم، وقادة للعصابات المنحرفة، كما هو الحال في كثير من دول العالم. ثالثاً: الرجال عرضة للحوادث التي قد تودي بحياتهم، لأنهم يعملون في المهن الشاقة، وهم جنود المعارك، فاحتمال الوفاة في صفوفهم أكثر منه في صفوف النساء، وهذا من أسباب ارتفاع معدل العنوسة في صفوف النساء، والحل الوحيد للقضاء على هذه المشكلة هو التعدد.

стр. 1406

رابعاً: من الرجال من يكون قوي الشهوة، ولا تكفيه امرأة واحدة، ولو سُدَّ الباب عليه وقيل له لا يُسمح لك إلا بامرأة واحدة لوقع في المشقة الشديدة، وربما صرف شهوته بطريقة محرمة. أضف إلى ذلك أن المرأة تحيض كل شهر وإذا ولدت قعدت أربعين يوماً في دم النفاس فلا يستطيع الرجل جماع زوجته، لأن الجماع في الحيض أو النفاس محرم، وقد ثبت ضرره طبياً. فأُبيح التعدد عند القدرة على العدل. خامساً: التعدد ليس في دين الإسلام فقط بل كان معروفاً عند الأمم السابقة، وكان بعض الأنبياء متزوجاً بأكثر من امرأة، فهذا نبي الله سليمان كان له تسعون امرأة، وقد أسلم في عهد النبي ﷺ رجال بعضهم كان متزوجاً بثمان نساء، وبعضهم بخمس فأمرهم النبي ﷺ بإبقاء أربع نساء وطلاق البقية. سادساً: قد تكون الزوجة عقيمة أو لا تفي بحاجة الزوج أو لا يمكن معاشرتها لمرضها، والزوج يتطلع إلى الذرية وهو تطلع مشروع، ويريد ممارسة الحياة الزوجية الجنسية وهو شيء مباح، ولا سبيل إلا بالزواج بأخرى، فمن العدل والإنصاف والخير للزوجة نفسها أن ترضى بالبقاء زوجة، وأن يسمح للرجل بالزواج بأخرى. سابعاً: وقد تكون المرأة من أقارب الرجل ولا معيل لها، وهي غير متزوجة، أو أرملة مات زوجها، ويرى هذا الرجل أن من أحسن الإحسان لها أن يضمها إلى بيته زوجة مع زوجته الأولى، فيجمع لها بين الإعفاف والإنفاق عليها، وهذا خير لها من تركها وحيدة ويكتفي بالإنفاق عليها. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) واتفق كل من يُعاني العلوم على أن قوله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ) ليس له مفهوم، إذ قد أجمع المسلمون على أن من لم يخف القسط في اليتامى له أن ينكح أكثر من واحدة اثنتين أو ثلاثاً أو أربعاً كمن خاف، فدل على أن الآية نزلت جواباً لمن خاف ذلك وأن حكمها أعم من ذلك. (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) أي: وإن ظننتم عدم العدل مع الزوجات إذا تعددن فاكتفوا بنكاح واحدة.

стр. 1407

• في هذا أن التعدد مشروع بشرطين: الشرط الأول: القدرة، كما في الحديث (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج … ) والباءة القدرة على مؤن النكاح. الشرط الثاني: العدل، لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً). • قال الشنقيطي: قوله تعالى: (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تَعْدِلُوا فَوَاحِدَةً) هذه الآية الكريمة تدل على أن العدل بين الزوجات ممكن وقد جاء في آية أخرى ما يدل على أنه غير ممكن وهي قوله تعالى (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ). والجواب عن هذا: أن العدل بينهن الذي ذكر الله أنه ممكن هو العدل في توفية الحقوق الشرعية، والعدل الذي ذكر أنه غير ممكن هو المساواة في المحبة والميل الطبيعي لأن هذا انفعال لا فعل فليس تحت قدرة البشر، والمقصود من كان أميل بالطبع إلى إحدى الزوجات فليتق الله وليعدل في الحقوق الشرعية كما يدل عليه قوله (فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) الآية. وهذا الجمع روي معناه عن ابن عباس وعبيدة السلماني ومجاهد والحسن البصري والضحاك بن مزاحم نقله عنهم ابن كثير في تفسير قوله (وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ). (أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: أو استمتعوا بما ملكت أيمانكم، من السراري والإماء حيث لا يجب القسْم بينهن. • ليس المعنى: أو انكحوا ما ملكت أيمانكم من الإماء، لأنه يحرم على الرجل أن يتزوج أمته، لأنها تحل له بعقد اليمين، وهو أقوى من عقد النكاح. • أسند الملك لليمين، لأنها مختصة بالمحاسن. (ذَلِكَ) الإشارة إلى مضمون الجملتين السابقتين: وهما ترك نكاح اليتامى عند خوف الإقساط، ونكاح غيرهن من النساء مثنى وثلاث ورباع، والاكتفاء بنكاح واحدة. (أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا) أي: أقرب ألا تجوروا. وذهب بعض العلماء إلى أن معنى (ألا تعولوا) أي: ألا تكثر عيالكم، ذهب إلى ذلك الشافعي وجماعة.

стр. 1408

وجمهور العلماء على القول الأول وهو: ألاّ تجوروا. قال ابن القيم: قال الشافعي: أن لا تكثر عيالكم فدل على أن قلة العيال أولى. قيل: قد قال الشافعي ﵀ ذلك وخالفه جمهور المفسرين من السلف والخلف وقالوا معنى الآية: ذلك أدنى أن لا تجوروا ولا تميلوا، فإنه يقال: عال الرجل يعول عولاً إذا مال وجار، ومنه عول الفرائض لأن سهامها إذا زادت دخلها النقص، ويقال عال يعيل عيلة إذا احتاج. قال تعالى (وإن خفتم عيلة فسوف يغنيكم الله من فضله إن شاء). ثم قال ابن القيم مرجحاً القول الأول (وهو قول الجمهور): لكن يتعين الأول لوجوه: أحدها: أنه المعروف في اللغة الذي لا يكاد يعرف سواه ولا يعرف عال يعول إذا كثر عياله إلا في حكاية الكسائي وسائر أهل اللغة على خلافه. الثاني: أن هذا مروي عن النبي ﷺ ولو كان من الغرائب فانه يصلح للترجيح. الثالث: أنه مروي عن عائشة وابن عباس ولم يعلم لهما مخالف من المفسرين. الرابع: أن الأدلة التي ذكرناها على استحباب تزوج الولود وأخبار النبي ﷺ أنه يكاثر بأمته الأمم يوم القيامة يرد هذا التفسير. الخامس: أن سياق الآية إنما هو في نقلهم مما يخافون الظلم والجور فيه إلى غيره فإنه قال في أولها (وإن خفتم ألا تقسطوا في اليتامى فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع) فدلهم سبحانه على ما يتخلصون به من ظلم اليتامى وهو نكاح ما طاب لهم من النساء البوالغ، وأباح لهم منهن أربعاً، ثم دلهم على ما يتخلصون به من الجور والظلم في عدم التسوية بينهن فقال (فإن خفتم ألا تعدلوا فواحدة أو ما ملكت أيمانكم) ثم أخبر سبحانه أن الواحدة وملك اليمين أدنى إلى عدم الميل والجور وهذا صريح في المقصود. السادس: أنه لا يلتئم قوله (فإن خفتم ألا تعدلوا في الأربع فانكحوا واحدة أو تسروا ما شئتم بملك اليمين، فإن ذلك أقرب إلى أن لا تكثر عيالكم بل هذا أجنبي من الأول فتأمله. السابع: أنه من الممتنع أن يقال لهم إن خفتم أن ألا تعدلوا بين الأربع فلكم أن تتسروا بمائة سرية وأكثر فإنه أدنى أن لا تكثر عيالكم. الثامن: أن قوله (ذلك أدنى ألا تعولوا) تعليل لكل واحد من الحكمين المتقدمين وهما نقلهم من نكاح اليتامى إلى نكاح النساء البوالغ، ومن نكاح الأربع إلى نكاح الواحدة أو ملك اليمين ولا يليق تعليل ذلك بقلة العيال. التاسع: أنه سبحانه قال (فإن خفتم ألا تعدلوا) ولم يقل: وإن خفتم أن تفتقروا أو تحتاجوا ولو كان المراد قلة العيال لكان الأنسب أن يقول ذلك.

стр. 1409

• قال الرازي: نقل عن الشافعي ﵁ أنه قال (ذلك أدنى أن لا تعولوا) معناه: ذلك أدنى أن لا تكثر عيالكم، قال أبو بكر الرازي في أحكام القرآن: وقد خطأه الناس في ذلك من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه لا خلاف بين السلف وكل من روى تفسير هذه الآية: أن معناه: أن لا تميلوا ولا تجوروا. وثانيها: أنه خطأ في اللغة لأنه لو قيل: ذلك أدنى أن لا تعيلوا لكان ذلك مستقيماً، فأما تفسير (تَعُولُواْ) بتعيلوا فإنه خطأ في اللغة. وثالثها: أنه تعالى ذكر الزوجة الواحدة أو ملك اليمين والإماء في العيال بمنزلة النساء، ولا خلاف أن له أن يجمع من العدد من شاء بملك اليمين، فعلمنا أنه ليس المراد كثرة العيال. • قال السعدي: وفي هذا، إن تعرض العبد للأمر الذي يخاف منه الجور والظلم، وعدم القيام بالواجب - ولو كان مباحاً - أنه لا ينبغي له أن يتعرض له، بل يلزم السعة والعافية، فإن العافية خير ما أعطي العبد. الفوائد: ١ - يجب على الأولياء إذا خافوا عدم العدل مع اليتيمات ترك الزواج بهن. ٢ - أنه يجب على الإنسان الاحتياط إذا خاف الوقوع في المحرم. ٣ - أنه يجوز لأولياء اليتامى الزواج بهن إذا لم يخافوا عدم العدل معهن لمفهوم الآية. ٤ - أن الله إذا سد باب حرام فتح باب حلال. ٥ - أنه ينبغي للرجل أن يتزوج من تطيب له من النساء، لأن ذلك أحرى أن يؤدم بينهما. ٦ - إباحة التعدد، ويؤخذ مشروعيته من أدلة أخرى، وهي عموم الأدلة الدالة على فضل النكاح. • وللنكاح حكم عظيمة: الحكمة الأول: طلب النسل، لأنه ليس المقصود من الزواج التلذذ وقضاء الوطر وإنما من مقاصده العظيمة طلب النسل. الحكمة الثانية: الاستمتاع، استمتاع كل واحد من الزوجين بالآخر. الحكمة الثالثة: فمن مقاصد الزواج تحصيل النسل لتكثير الأمة ولا ريب أن تكثير الأمة هو مصدر قوتها وعزتها وهيبتها بين الأمم فهذا مقصد عظيم من مقاصد الزواج وهو تكثير الأمة. الحكمة الرابعة: ومن حكم الزواج حفظ المرأة والإنفاق عليها لأن الزواج يهيئ للمرأة حياة سعيدة كريمة في ظل الزوج. الحكمة الخامسة: ومن حكم النكاح العظيمة تحصين كل من الزوجين الآخر كما قال ﷺ : فإنه أغض للبصر وأحصن لفرج، فما حفظ الفرج وغض البصر بمثل الزواج. ٧ - لا يجوز أن يجمع الرجل في عصمته أكثر من أربع زوجات. ٨ - وجوب العدل بين الزوجات في القسم، وأن عدم العدل حرام ومن الكبائر، لقوله ﷺ (من كان عنده امرأتان فمال إلى إحداهما جاء يوم القيامة وشقه مائل) رواه الترمذي، ولقوله تعالى (وعاشروهن بالمعروف) وليس مع الميل معاشرة بالمعروف. ٩ - أنه لا يجب العدل بين الإماء في الجماع. (السبت: ٣/ ١/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1410

(وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا (٤)). [النساء: ٤]. (وَآتُوا النِّسَاءَ) أي: وأعطوا النساء مهورهن. (والمراد بالنساء المتزوجات). واختلف لمن الخطاب في الآية على قولين: الأول: إن هذا خطاب لأولياء النساء. وذلك لأن العرب كانت في الجاهلية لا تعطي النساء من مهورهن شيئاً، ولذلك كانوا يقولون لمن ولدت له بنت: هنيئاً لك النافجة، ومعناه أنك تأخذ مهرها إبلاً فتضمها إلى إبلك فتنفج مالك أي تعظمه، وقال ابن الأعرابي: النافجة يأخذه الرجل من الحلوان إذا زوج ابنته، فنهى الله تعالى عن ذلك، وأمر بدفع الحق إلى أهله، وهذا قول الكلبي وأبي صالح واختيار الفراء وابن قتيبة. القول الثاني: أن الخطاب للأزواج. أمروا بإيتاء النساء مهورهن، وهذا قول: علقمة والنخعي وقتادة واختيار الزجاج. قال: لأنه لا ذكر للأولياء ههنا، وما قبل هذا خطاب للناكحين وهم الأزواج. ورجحه الطبري وقال: وأولى التأويلات التي ذكرناها في ذلك، التأويل الذي قلناه. وذلك أن الله ﵎ ابتدأ ذكر هذه الآية بخطاب الناكحين النساءَ، ونهاهم عن ظلمهنّ والجور عليهن، وعرّفهم سبيلَ النجاة من ظلمهنّ. ولا دلالة في الآية على أن الخطاب قد صُرِف عنهم إلى غيرهم. فإذْ كان ذلك كذلك، فمعلوم أن الذين قيل لهم: "فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع"، هم الذين قيل لهم: "وآتوا النساء صدقاتهن" وأن معناه: وآتوا من نكحتم من النساء صدقاتهن نحلة، لأنه قال في أوّل الآية (فانكحوا ما طاب لكم من النساء)، ولم يقل (فأنكحوا)، فيكون قوله (وآتوا النساء صدقاتهن) مصروفًا إلى أنه معنيّ به أولياء النساء دون أزواجهن، وهذا أمرٌ من الله أزواجَ النساء المدخول بهن والمسمَّى لهن الصداق، أن يؤتوهن صدُقاتهن، دون المطلقات قبل الدخول ممن لم يسمّ لها في عقد النكاح صداق. • وقال القرطبي: والأوّل أظهر؛ فإن الضمائر واحدة وهي بجملتها للأزواج فهم المراد؛ لأنه قال (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى) إلى قوله (وَآتُواْ النسآء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً) وذلك يوجب تناسق الضمائر وأن يكون الأوّل فيها هو الآخر.

стр. 1411

• وقال ابن عاشور: والمقصود بالخطاب ابتداء هم الأزواج، لكيلا يتذرّعوا بحياء النساء وضعفهنّ وطلبهنّ مرضاتَهم إلى غمص حقوقهنّ في أكل مهورهنّ، أو يجعلوا حاجتهنّ للتزوّج لأجل إيجاد كافل لهنّ ذريعة لإسقاط المهر في النكاح. (صَدُقَاتِهِنَّ) صدقات جمع صدُقَة، وهو المهر، وسمي بذلك لأن بذله دليل على صدق الطالب للمرأة. (نِحْلَةً) أي: عطية طيبة بها نفوسكم. • وللصداق عدة أسماء: فيسمى نِحلة كما في هذه الآية (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). ويسمى فريضة كما قال تعالى (وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً). ويسمى أجراً كما قال تعالى (فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً). ويسمى طوْلاً كما قال تعالى (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ). • قال ابن كثير: إن الرجل يجب عليه دفع الصداق حتماً، وأن يكون طيب النفس بذلك. (فَإِنْ طِبْنَ) أي: النساء. (لَكُمْ) أيها الأزواج. (عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً) أي: شيئاً قليلاً أو كثيراً من المهر. و (منه) أي: الصداق. (فَكُلُوهُ هَنِيئاً) أي: حال الأكل، بكونه مستساغاً طيباً لذيذاً. (مَرِيئاً) أي: بعد الأكل محمود العاقبة، لا تنغيص فيه ولا كدر ولا مشقة، سهل الهضم ينفع ولا يضر. • والمقصود هنا أنه حلال لهم خالص عن الشوائب، وخص الأكل لأنه معظم ما يراد بالمال، وإن كانت سائر الانتفاعات به جائزة كالأكل. • قال الرازي: معنى الآية: فإن وهبن لكم شيئاً من الصداق عن طيبة النفس من غير أن يكون السبب فيه شكاسة أخلاقكم معهن، أو سوء معاشرتكم معهن، فكلوه وأنفقوه، وفي الآية دليل على ضيق المسلك في هذا الباب، ووجوب الاحتياط، حيث بنى الشرط على طيب النفس فقال (فَإِن طِبْنَ) ولم يقل: فإن وهبن أو سمحن، إعلاماً بأن المراعى هو تجافي نفسها عن الموهوب طيبة. • وقال الشوكاني: قوله (فإن طبن) دليل على أن المعتبر في تحليل ذلك منهن لهم إنما هو طيبة النفس.

стр. 1412

• وقال الرازي: الهنيء والمريء: صفتان من هنؤ الطعام ومرؤ، إذا كان سائغاً لا تنغيص فيه، وقيل: الهنيء ما يستلذه الآكل، والمريء ما يحمد عاقبته، وقيل: ما ينساغ في مجراه، وقيل: لمدخل الطعام من الحلقوم إلى فم المعدة: المريء لمروء الطعام فيه وهو انسياغه. • وبالجملة فهو عبارة عن التحليل، والمبالغة في الإباحة وإزالة التبعة. الفوائد: ١ - وجوب الصداق. وهو ما تعطاه المرأة من المال، أو ما يقوم مقامه عوضاً عن عقد النكاح عليها. • الحكمة من الصداق: أن الصداق إظهار لشرف هذا العقد وأهميته. أن فيه إعزاز للمرأة وتشريف لها. أن فيه الدليل على الرغبة في الزوجة. تمكين المرأة من تجهيز نفسها بما أحبت من لباس ونفقة وزينة. • وهو واجب، ونقل ابن عبد البر إجماع أهل العلم على وجوبه. لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). ولأن الله تعالى قيّد الحل بقوله (أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ). ولأن النبي ﷺ لم يعذر الفقير الذي لم يجد خاتماً من حديد حتى ألزمه أن يعلمها من القرآن. ولأن شرط إسقاطه يجعل العقد شبيهاً بالهبة، والزواج بالهبة من خصائص النبي ﷺ . ٢ - أن الصداق ملك للمرأة. ٣ - يجب على الأزواج إيتاء نسائهم صدقاتهن على وجه النحلة طيبة بها نفوسهم من غير منّ ولا أذى أو مماطلة. ٤ - لا يجوز أن يأخذ شيئاً من صداق زوجته، أو يسقطه، وكذلك لا يجوز للولي أن يأخذ شيئاً من صداق موليته. ٥ - إذا أسقطت المرأة شيئاً من صداقها عن زوجها أو وهبته له أو لوليها بطيب نفس منها، فهو حلال لا شائبة فيه بوجه من الوجوه. (الأحد: ٤/ ١/ ١٤٣٣ هـ)

стр. 1413

(وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً). [النساء: ٥]. (وَلا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَاماً) ينهى ﵎ عن إعطاء السفهاء الأموال التي بها تقوم مصالح العباد الدينية والدنيوية، فالدنيوية هي سبيل الحياة والمعاش، والدينية تقوم بها شعائر الدين مثل الزكاة والجهاد. • قال الرازي: في الآية قولان: الأول: أنها خطاب الأولياء فكأنه تعالى قال: أيها الأولياء لا تؤتوا الذين يكونون تحت ولايتكم وكانوا سفهاء أموالهم. والدليل على أنه خطاب الأولياء قوله (وارزقوهم فِيهَا واكسوهم) وأيضاً فعلى هذا القول يحسن تعلق الآية بما قبلها كما قررناه. فإن قيل: فعلى هذا الوجه كان يجب أن يقال: ولا تؤتوا السفهاء أموالهم، فلم قال أموالكم؟ قلنا: في الجواب وجهان: الأول: أنه تعالى أضاف المال إليهم لا لأنهم ملكوه، لكن من حيث ملكوا التصرف فيه، ويكفي في حسن الإضافة أدنى سبب، الثاني: إنما حسنت هذه الإضافة إجراء للوحدة بالنوع مجرى الوحدة بالشخص، ونظيره قوله تعالى (لَقَدْ جَاءكُمْ رَسُولٌ مّنْ أَنفُسِكُمْ) وقوله (وَمَا مَلَكَتْ أيمانكم) وقوله (فاقتلوا أَنفُسَكُمْ) وقوله (ثُمَّ أَنتُمْ هؤلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ) ومعلوم أن الرجل منهم ما كان يقتل نفسه، ولكن كان بعضهم يقتل بعضاً، وكان الكل من نوع واحد، فكذا ههنا المال شيء ينتفع به نوع الإنسان ويحتاج إليه. والقول الثاني: أن هذه الآية خطاب الآباء فنهاهم الله تعالى إذا كان أولادهم سفهاء لا يستقلون بحفظ المال وإصلاحه أن يدفعوا أموالهم أو بعضها إليهم، لما كان في ذلك من الإفساد، فعلى هذا الوجه يكون إضافة الأموال إليهم حقيقة، وعلى هذا القول يكون الغرض من الآية الحث على حفظ المال والسعي في أن لا يضيع ولا يهلك. • السفيه: من لا يحسن التصرف، لقصور في عقله، إما لكونه مجنوناً، أو لكونه صغيراً، أو لكونه غير رشيد، كمن يدفع ماله لشراء خمر أو آلات لهو، أو يدفع ماله في غير نفع ديني ولا دنيوي. • وقد قيل المراد بالسفهاء النساء، وقيل: الصغار، وقيل: النساء والصغار. قال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندنا، أن الله جل ثناؤه عم بقوله: "ولا تؤتوا السفهاء أموالكم"، فلم يخصص سفيهاً دون سفيه. فغير جائز لأحد أن يؤتي سفيهاً ماله، صبيًا صغيرًا كان أو رجلاً كبيرًا، ذكرًا كان أو أنثى. و"السفيه" الذي لا يجوز لوليه أن يؤتِّيه ماله، هو المستحقُّ الحجرَ بتضييعه مالَه وفسادِه وإفسادِه وسوء تدبيره ذلك.

стр. 1414

• في الآية وجوب حفظ المال، وقد جاءت الشريعة بحفظ المال. قال تعالى (ولا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً. إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً). وقال تعالى (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَاماً). وقال تعالى (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ البسط فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَّحْسُوراً). وقال ﷺ (إن الله كره لكم قيل وقال، وكثرة السؤال، وإضاعة المال) متفق عليه. (وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا) الرزق بمعنى العطاء، أي: أعطوهم منها طعاماً وشراباً وسكناً وغير ذلك مما يعطى لغيرهم حسب العرف. (وَاكْسُوهُمْ) الكسوة ما يكسى به البدن من ثوب وقميص وسراويلات وإزار ورداء ونحو ذلك مما يحتاجونه كسوة لأبدانهم حسب العرف. (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) أي: قولوا لهم قولاً ليناً طيباً جميلاً لا غلظة فيه، كأن يقول الولي لمن تحت ولايته من اليتامى ونحوهم: المال لكم وسنحفظه لكم، ونعمل فيه لصالحكم، ثم نرده إليكم. • قوله (وقولوا لهم قولاً معروفاً) جمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وهذا من أجمل أساليب التعامل وأحسنها وأكملها. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً) أراد تليين الخطاب والوعدَ الجميل، واختُلف في القول المعروف؛ فقيل: معناه ادعوا لهم: بارك الله فيكم، وحاطكم وصنع لكم، وأنا ناظر لك، وهذا الاحتياط يرجع نفعه إليك. وقيل: معناه وعِدوهم وَعْداً حسناً؛ أي إن رشدتم دفعنا إليكم أموالكم. ويقول الأب لابنه: مالي إليك مصيره، وأنت إن شاء الله صاحبُه إذا ملكت رشدك وعرفت تصرفك. أ هـ الفوائد: ١ - تحريم إعطاء السفهاء الأموال. ٢ - ذم السفه. ٣ - أن السفه موجب للحجر على الإنسان في ماله. ٤ - حكمة الله في المال وهو أنه قيام للناس ولحاجاتهم، ولذلك هو من الضروريات الخمس التي جاءت الشريعة بحفظها. ٥ - تحريم إضاعة المال. ٦ - تحريم الغلظة بالقول على من ولاه الله على أحد، بل ينبغي أن يقول قولاً طيباً حسناً.

стр. 1415

(وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً وَبِدَاراً أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً). [النساء: ٦]. (وَابْتَلُوا الْيَتَامَى) الخطاب لمن عهد إليهم أمر اليتامى من الأوصياء، ولمن تولى كفالتهم من الأولياء بأمر الوالي الشرعي، أمروا أن يبتلوا اليتامى: أي: يختبرونهم، وذلك عند البلوغ أو قبله بيسير للتعرف على حسن تصرف اليتيم في ماله وحفظه وإصلاحه له، كأن يعطى شيئاً من المال فينظر هل يحسن التصرف، أو توكل إليه نفقة البيت فينظر كيف يتصرف أو غير ذلك، وإذا لم يحسن لا يدفع إليه ماله حتى لو بلغ. • قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما أمر من قبل بدفع مال اليتيم إليه بقوله (وَءاتُواْ اليتامى أموالهم) بين بهذه الآية متى يؤتيهم أموالهم، فذكر هذه الآية وشرط في دفع أموالهم إليهم شرطين: أحدهما: بلوغ النكاح، والثاني: إيناس الرشد، ولا بد من ثبوتهما حتى يجوز دفع مالهم إليهم. أ. هـ • وقال الآلوسي: قوله تعالى (وابتلوا اليتامى) شروع في تعيين وقت تسليم أموال اليتامى إليهم وبيان شرطه بعد الأمر بإيتائها على الإطلاق. • وقال ابن عاشور: والابتلاء هنا: هو اختبار تصرّف اليتيم في المال باتّفاق العلماء. (حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ) أي: بلغوا سن النكاح، وذلك بالاحتلام، وذلك أنه بالاحتلام يبلغ مبلغ الرجال وتجب عليه التكاليف، كما قال ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود، أو بالإنزال يقظة، أو ببلوغ خمسة عشر عاماً، أو بإنبات الشعر الخشن. • قال الرازي: المراد من بلوغ النكاح هو الاحتلام المذكور في قوله (وَإِذَا بَلَغَ الأطفال مِنكُمُ الحلم). (فَإِنْ آنَسْتُمْ) أي: أبصرتم ورأيتم؛ ومنه قوله تعالى (آنس من جانب الطور ناراً) أي: أبصر ورأى. (مِنْهُمْ رُشْداً) أي: من اليتامى رشداً، والرشد: حسن التصرف، وضده السفه. (فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) أي: أعطوا أيها الأوصياء والأولياء اليتامى أموالهم ولا تحبسوها عنهم، وبادروا بإيصالها إليهم إبراء للذمة. • قوله تعالى (فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْداً فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوالَهُمْ) معنى ذلك أنه إذا لم يؤنس منهم الرشد لا تدفع إليهم أموالهم، بل يستمرون تحت ولاية الأولياء عليهم لأنهم لا يزالون سفهاء لم يتبين رشدهم.

стр. 1416

(وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافاً) لما أمر بدفع المال إليهم، نهاهم عن الإسراف فيها، والإسراف: مجاوزة الحد، وهو في كل شيء بحسبه، وهنا: المراد الإسراف في تبذيره واستخدامه في المعاصي، أو المبالغة في المباحات. • قال ابن عاشور: وهو تأكيد للنهي عن أكل أموال اليتامى الذي تقدّم في قوله (ولا تأكلوا أموالهم إلى أموالكم) وتفضيح لحيلة كانوا يحتالونها قبل بلوغ اليتامى أشُدّهم: وهي أن يتعجّل الأولياء استهلاك أموال اليتامى قبل أن يتهّيئوا لمطالبتهم ومحاسبتهم، فيأكلوها بالإسراف في الإنفاق، وذلك أنّ أكثر أموالهم في وقت النزول كانت أعياناً من أنعام وتمر وحبّ وأصواف فلم يكن شأنها ممّا يكتم ويختزن، ولا ممّا يعسر نقل الملك فيه كالعقار، فكان أكلها هو استهلاكها في منافع الأولياء وأهليهم، فإذا وجد الوليّ مال محجوره جَشِع إلى أكله بالتوسّعِ في نفقاته ولباسه ومراكبه وإكرام سمرائه ممّا لم يكن ينفق فيه مال نفسه، وهذا هو المعنى الذي عبّر عنه بالإسراف، فإنّ الإسراف الإفراط في الإنفاق والتوسّع في شؤون اللذات. (وَبِدَاراً) أي: مبادرة واستعجالاً، والمعنى: أي: لا تأكلوا أموال اليتامى مستعجلين في أكلها قبل إعطائها اليتامى، تبادرون كبرهم، لأنهم إذا كبروا في الغالب وبلغوا زال عنهم السفه، فزالت عنهم الولاية، ووجب رد أموالهم إليهم. (أَنْ يَكْبَرُوا) أي: قبل أن يكبروا. • قال ابن كثير: ينهى تعالى عن أكل أموال اليتامى من غير حاجة ضرورية إسرافاً ومبادرة قبل بلوغهم. (وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ) أي: ومن كان من الأولياء والأوصياء على السفهاء من اليتامى وغيرهم غنياً، أي عنده من المال ما يكفيه ولا يحتاج إلى مال من تحت ولايته، فليستعفف وليستغن عن مال اليتيم، وليتنزه عنه، وليقنع بما أعطاه اللّه من رزق وفير إشفاقاً على مال اليتيم. • والاستعفاف عن الشيء تركه. يقال: عف الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك عنه. والعفة: الامتناع عما لا يحل. • جعل الشرع أكل مال اليتيم بالباطل من السبع الموبقات المهلكات - كما قال ﷺ (اجتنبوا السبع الموبقات: … وذكر منها: وأكل مال اليتيم .. ولكونه أمانة عظيمة قد يعجز عنها كثيرون قال النبي ﷺ لأبي ذر - ضمن نصائح له - (ولا تولينَّ مال يتيم) رواه مسلم.

стр. 1417

(وَمَنْ كَانَ فَقِيراً فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: ومن كان من الأولياء والأوصياء فقيراً، ليس عنده شيء، أو عنده شيء يسير لا يكفي لحاجته، فليأخذ من مال اليتيم جزاء عمله على حفظه ورعايته، لكن يأخذ بالمعروف حسب العرف. • واللام في قوله (فليأكل) للإباحة. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَمَنْ كَانَ غَنِيّاً فَلْيَسْتَعْفِفْ) بين الله تعالى ما يحل لهم من أموالهم؛ فأمر الغني بالإمساك وأباح للوصي الفقير أن يأكل من مال ولِيّه بالمعروف. يقال: عفّ الرجل عن الشيء واستعف إذا أمسك. والاستعفاف عن الشيء تركه، ومنه قوله تعالى (وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لَا يَجِدُونَ نِكَاحاً) والعِفّة: الامتناع عما لا يحل ولا يجب فعله. • فإن كان الولي ينفق على اليتيم من ماله (أي من مال الولي) ويدخر مال اليتيم لوقت الشدة، فلا يخلو من حالين: الأولى: أن يكون متبرعاً بالنفقة على اليتيم ولا ينوي أن يستردها في يوم من الأيام، فلا يجوز له أخذ شيء من مال اليتيم على أنه مقابل النفقة التي أنفقها عليه. الثانية: أن ينوي استرداد جزء مما ينفقه على اليتيم إذا احتاج إلى ذلك، فهو على نيته، فإذا احتاج إلى مال فله الأخذ من مال اليتيم، بشرط أن لا يزيد ما أخذه على ما أنفقه عليه. (فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ) أي: إذا دفعتم وأعطيتم أيها الأولياء والأوصياء هؤلاء اليتامى أموالهم، بعد أن يحسنوا التصرف في أموالهم. • كرر الله كلمة (أموالهم) للتأكيد على وجوب حفظ أموال اليتامى ودفعها إليهم كاملة سالمة. • جاء سبحانه بكلمة (دفعتم) بدلاً من (أعطيتم) لأن الدفع يتضمن معنى إعطاء اليتامى أموالهم مباشرة بدون ممانعة أو مماطلة، فلا يكلفهم المطالبة، ولا يسلك الولي والوصي سبيل المماطلة والممانعة، فيتعب اليتيم والسفيه في أخذ ماله، بل يجب أن يدفع إليه ماله مباشرة. (فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ) هذا أمر من الله للأولياء أن يشهدوا على الأيتام إذا بلغوا الحلم وسلموا إليهم أموالهم، لئلا يقع من بعضهم جحود وإنكار لما قبضه وتسلمه. • قال الرازي: اعلم أن الأمة مجمعة على أن الوصي إذا دفع المال إلى اليتيم بعد صيرورته بالغاً، فإن الأولى والأحوط أن يشهد عليه لوجوه: أحدها: أن اليتيم إذا كان عليه بينة بقبض المال كان أبعد من أن يدعي ما ليس له. وثانيها: أن اليتيم إذا أقدم على الدعوى الكاذبة أقام الوصي الشهادة على أنه دفع ماله إليه. ثالثها: أن تظهر أمانة الوصي وبراءة ساحته.

стр. 1418

• فهذا الإشهاد: أبعد عن التهمة، وأنفى للخصومة، وأدخل في الأمانة وبراءة الساحة. (وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيباً) أي: ما أعظم كفاية الله في محاسبته لعباده، ومعنى حسيباً: أي: محاسباً وشهيداً ورقيباً على العباد وأعمالهم، ومجازياً لهم عليها. • قال ابن كثير: أي وكفى بالله محاسباً وشهيداً على الأولياء في حال نظرهم للأيتام، وحال تسليمهم للأموال، هل هي كاملة موفرة، أو منقوصة مبخوسة مدخلة مروج حسابها مدلس أمورها؟ الله عالم بذلك كله، ولهذا ثبت في صحيح مسلم أن رسول الله ﷺ قال: يا أبا ذر! إني أراك ضعيفاً، وإني أحب لك ما أحب لنفسي، لا تأمّرنّ على اثنين، ولا تلينّ مال يتيم. رواه مسلم • قال السعدي: الحسيب: هو العليم بعباده، كافي المتوكلين، المجازي لعباده بالخير والشر، بحسب حكمته وعلمه بدقيق أعمالهم وجليلها. • ففي الآية تهديد للأولياء والأوصياء وتحذير لهم من الخيانة. • من أسماء الله الحسيب، المحاسب الذي أحصى كل شيء على عباده ويوم القيامة يحاسبهم ويجازيهم على أعمالهم. وهذا يثمر في قلب المؤمن الخوف والوجل من الله، ومحاسبة النفس، والاستعداد لهذا الحساب بالطاعات واجتناب المحرمات ومظالم العباد، لأنه سيقف بين يدي الحكم العدل الذي قال عن نفسه سبحانه (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ). وقال تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ). وقال تعالى (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).

стр. 1419

وويل لمن نسي الحساب ولم يعمل له؛ قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بِمَا نَسُوا يَوْمَ الْحِسَابِ). ومن لا يؤمن بالحساب يتكبر؛ قال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ مِنْ كُلِّ مُتَكَبِّرٍ لا يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ). وهناك أناس لا يصيبهم أهوال وشدائد يوم القيامة؛ قال ﷺ (سبعة في ظل الله يوم لا ظل إلا ظله: … ). الفوائد: ١ - وجوب اختبار اليتامى قبل دفع الأموال لهم. ٢ - أن المال يدفع لليتيم بشرطين: إذا بلغ، وإذا رشد. ٣ - عناية الله تعالى بالأيتام. ٤ - أنه يجب على الولي والوصي على مال اليتيم أن يحفظه. ٥ - أهمية المال في الشريعة الإسلامية، ولذلك حرمت إضاعته. ٦ - أن المال به تقوم مصالح الناس الدنيوية والدينية، ولذلك هو من الضرورات الخمس التي جاءت الشريعة الإسلامية بحفظها. ٧ - في الآية إشارة إلى وجوب المسارعة في رد المال لليتامى. ٨ - في الآية إشارة إلى أن بعض الأولياء يتعجلون في أكل أموال اليتامى قبل البلوغ. ٩ - يجب على من كان غنياً من الأولياء أن يتعفف عن أموال اليتامى. ١٠ - الأمر بالإشهاد عند دفع الأموال لليتامى. ١١ - حرص الشريعة في إبعاد المسلم عن كل ما يؤدي إلى النزاع والشقاق. (الثلاثاء: ٦/ ١/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1420

(لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (٧)). [النساء: ٧]. (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) قال ابن زيد: كان النساء لا يورَّثن في الجاهلية من الآباء، وكان الكبير يرث، ولا يرث الصغير وإن كان ذكراً، فقال الله ﵎: (للرجال نصيب مما ترك … ) الخ. • قال ابن الجوزي: المراد بالرجال: الذكور، وبالنساء: الإناث صغاراً كانوا أو كباراً. • قال ابن كثير في معنى الآية: أي الجميع فيه سواء في حكم الله تعالى، يستوون في أصل الوراثة، وإن تفاوتوا بحسب ما فرض الله لكل منهم، بما يدلي به إلى الميت من قرابة أو زوجية أو ولاء. • قوله (نصيب) أي حظ، ولم يبينه هنا، ولكن بينّه في آيات ستأتي، والإجمال ثم التفصيل من البلاغة التامة، لأن الشيء إذا أجمِل بقيت النفوس تتطلع إلى تفصيله، فيأتي التفصيل والنفوس متطلعة إليه. • وإنما جاءت الآية على هذا الوجه من الإطناب والتنصيص على نصيب النساء بمفردهن، كما نص على نصيب الرجال ولم يقل (للرجال وللنساء نصيب مما ترك الوالدان والأقربون) مع أن هذا أخصر وأوجز، لأن الغرض من ذلك توكيد نصيب النساء في الميراث وأصالتهن في ذلك، لأنهم كانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصبيان.

стр. 1421

(مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ) أي: لكل من الرجال والنساء نصيب مما خلف الميت من الميراث قليلاً كان هذا الميراث أو كثيراً، فلا يقال: لا نصيب للنساء أو لا نصيب للصغار إذا كان الميراث قليلاً. (نَصِيباً) أي: قسمة. (مَفْرُوضاً) أي: مقطوعاً به واجباً. • قال القرطبي: قال علماؤنا: في هذه الآية فوائد ثلاث: إحداها: بيان علة الميراث وهي القرابة. الثانية: عموم القرابة كيفما تصرّفت من قريب أو بعيد. الثالثة: إجمال النصيب المفروض. وذلك مبين في آية المواريث؛ فكان في هذه الآية توطئة للحكم، وإبطال لذلك الرأي الفاسد حتى وقع البيان الشافي. • سؤال: فإن قيل: لما قال (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) دخل فيه القليل والكثير، فما فائدة قوله (مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ)؟ قلنا: إنما قال ذلك على جهة التأكيد والإعلام أن كل تركة يجب قسمتها لئلا يتهاون بالقليل من التركات ويحتقر فلا يقسم وينفرد به بعض الورثة. (تفسير الرازي). الفوائد: ١ - أن لكل من الرجال والنساء نصيب من الميراث. ٢ - إبطال ما كان عليه أهل الجاهلية من عدم توريث المرأة. ٣ - بيان أن الإسلام هو الذي كرم المرأة فعلاً. ٤ - تأكيد نصيب النساء في الميراث. ٥ - وجوب قسمة ما تركه الميت من الميراث بين الوارثين من الرجال والنساء. ٦ - لا يجوز التهاون بشيء مما خلفه الميت قليلاً أو كثيراً.

стр. 1422

(وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا (٨)). [النساء: ٨]. (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ) أي: وإذا حضر قسمة الميراث. • قال الرازي: اعلم أن قوله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ القسمة) ليس فيه بيان أي قسمة هي، فلهذا المعنى حصل للمفسرين فيه أقوال: الأول: أنه تعالى لما ذكر في الآية الأولى أن النساء أسوة الرجال في أن لهن حظاً من الميراث، وعلم تعالى أن في الأقارب من يرث ومن لا يرث، وأن الذين لا يرثون إذا حضروا وقت القسمة، فإن تركوا محرومين بالكلية ثقل ذلك عليهم، فلا جرم أمر الله تعالى أن يدفع إليهم شيء عند القسمة حتى يحصل الأدب الجميل وحسن العشرة. • وقال ابن الجوزي: قوله تعالى (وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ … ) في هذه القسمة قولان: أحدهما: قسمة الميراث بعد موت الموروث، فعلى هذا يكون الخطاب للوارثين، وبهذا قال الأكثرون. والثانية: أنها وصية الميت قبل موته، فيكون مأموراً بأن يعيّن لمن لا يرثه شيئاً. (أُوْلُواْ الْقُرْبَى) أي: قرابة الميت وقرابة الورثة، والمراد منهم: من ليس بوارث منهم، لأن الوارثين هم المقسوم عليهم، ولكل منهم نصيب مفروض مقدر. • قال البقاعي: (وإذا حضر القسمة أولوا القربى) أي ممن لا يرث صغاراً أو كباراً. • وقال ابن الجوزي: والمراد بأولي القربى، الذين لا يرثون. • قدم (أولي القربى) على اليتامى والمساكين، لأن الصدقة لأولي القربى أولى، كما قال تعالى (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ). وقال ﷺ لأبي طلحة في شأن صدقته (اجعلها في قرابتك) وقال ﷺ (الصدقة على المسكين صدقة، وعلى ذي القربى صدقة وصلة). (وَالْيَتَامَى) واليتيم تقدم وهو من مات أبوه وهو لم يبلغ.

стр. 1423

(وَالْمَسَاكِينُ) جمع مسكين، وهو من لا يجد تمام كفايته، سموا بذلك، لأن الفقر أذله وأسكنه، وقد استعاذ النبي ﷺ من الفقر والجوع، فعن أبي هريرة. أن النبي ﷺ كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع) رواه أبو داود، وفي حديث أبي بكرة. أن النبي ﷺ كان يقول دبر كل صلاة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر). رواه النسائي قال الرازي: إنما قدم اليتامى على المساكين لأن ضعف اليتامى أكثر، وحاجتهم أشد، فكان وضع الصدقات فيهم أفضل وأعظم في الأجر. (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) أي: من المال الموروث المقسوم بحضرتهم، تطييباً لخاطرهم ولنفوسهم، فإن النفوس تتوق للمال إذا رأته يوزع على هذا وعلى هذا وهم لا نصيب لهم. و (من) للتبعيض. • قال الشوكاني: قوله تعالى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) شرع الله سبحانه أنهم إذا حضروا قسمة التركة كان لهم منها رزق، فيرضخ لهم المتقاسمون شيئاً منها. وقد ذهب قوم إلى أن الآية محكمة، وأن الأمر للندب. وذهب آخرون إلى أنها منسوخة بقوله تعالى (يُوصِيكُمُ الله فِي أولادكم) والأوّل أرجح، لأن المذكور في الآية للقرابة غير الوارثين ليس هو من جملة الميراث حتى يقال إنها منسوخة بآية المواريث. • واختلف العلماء في الأمر في قوله (فارزقوهم) هل هو للوجوب أو الاستحباب، فقيل: للوجوب لظاهر الآية، وقيل: للاستحباب، وهذا أرجح. • قال ابن عاشور: والأمر في قوله (فارزقوهم منه) محمول عند جمهور أهل العلم على الندب من أوّل الأمر، إذ ليس في الصدقات الواجبة غير الزكاة، لأنّ النبي ﷺ قال للأعرابي لمّا قال له: هل عليّ غيرها؟ لا إلاّ أنّ تطَّوّع، وبهذا قال مالك وأبو حنيفة وفقهاء الأمصار. • قال السعدي: قوله تعالى (فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ) أي: أعطوهم ما تيسر من هذا المال الذي جاءكم بغير كد ولا تعب، ولا عناء ولا نَصَب، فإن نفوسهم متشوفة إليه، وقلوبهم متطلعة، فاجبروا خواطرهم بما لا يضركم وهو نافعهم. ويؤخذ من المعنى أن كل من له تطلع وتشوف إلى ما حضر بين يدي الإنسان، ينبغي له أن يعطيه منه ما تيسر، كما كان النبي ﷺ يقول (إذا جاء أحدَكم خادمُه بطعامه فليجلسه معه، فإن لم يجلسه معه، فليناوله لقمة أو لقمتين) أو كما قال.

стр. 1424

وكان الصحابة ﵃ إذا بدأت باكورة أشجارهم- أتوا بها رسول الله ﷺ فبرَّك عليها، ونظر إلى أصغر وليد عنده فأعطاه ذلك، علماً منه بشدة تشوفه لذلك. • وتطييب الخواطر أمر جاءت به الشريعة: أ-كما في هذه الآية. ب-وجاء في حديث البراء: لما اعتمر النبي ﷺ … الحديث وفيه: فخرج النبي ﷺ فتبعته ابنة حمزة تنادي: يا عم يا عم، فتناولها عليّ فأخذ بيدها، وقال لفاطمة: دونك ابنة عمك فحملها، فاختصم فيها علي وزيد وجعفر، … فقضى بها النبي ﷺ لخالتها، وقال لعلي: أنت مني وأنا منك، وقال لزيد: أنت أخونا ومولانا. رواه البخاري. ج- وقال تعالى (وللمطلقات متاع بالمعروف … ). د-ومن ذلك: (أن أمَة سوداء أتت النبي ﷺ ورجع من بعض مغازيه، فقالت: إني نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب عندك بالدف، فقالت: إن كنتِ فعلت فافعلي، وإن كنت لم تفعلي فلا تفعلي) رواه الترمذي. (وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلاً مَعْرُوفاً) أي: قولوا لمن حضر قسمة الميراث قولاً معروفاً لا ينكره الشرع، بل ليناً طيباً تطيب به نفوسهم، لكي يجمع بين الإحسان الفعلي والإحسان القولي، وهذا غاية المطلوب في حقهم. • قال الرازي: الأشبه هو أن المراد بالقول المعروف أن لا يتبع العطية المن والأذى بالقول أو يكون المراد الوعد بالزيادة والاعتذار لمن لم يعطه شيئاً. الفوائد: ١ - مشروعية إعطاء من حضر قسمة الميراث من الأقارب غير الوارثين واليتامى والمساكين. ٢ - جواز قسمة الميراث بحضور آخرين ليسوا وارثين. ٣ - استحباب جبر الخواطر وعدم كسرها. ٤ - فضل الإحسان إلى الأقارب واليتامى والمساكين. ٥ - مراعاة الإسلام للمشاعر. (السبت: ١٠/ ١/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1425

(وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا (٩)). [النساء: ٩]. (وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافاً خَافُوا عَلَيْهِمْ) قيل: نزلت في الأوصياء كما ذهب إليه طائفة من المفسرين، وفيه وعظ لهم بأن يفعلوا باليتامى الذين في حجورهم ما يحبون أن يفعل بأولادهم من بعدهم. • قال ابن كثير: وقيل المراد بقوله ( … فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) في مباشرة أموال اليتامى (ولا تأكلوها إسرافاً وبداراً أن يكبروا) حكاه ابن جرير عن ابن عباس، وهو قول حسن، يتأيد بما بعده من التهديد في أكل أموال اليتامى ظلماً، أي: كما تحب أن تعامل ذريتك من بعدك، فعامل الناس في ذرياتهم إذا وليتهم. • وقال الرازي لما ذكر الأقوال في الآية: … القول الرابع: أن هذا أمر لأولياء اليتيم، فكأنه تعالى قال: وليخش من يخاف على ولده بعد موته أن يضيع مال اليتيم الضعيف الذي هو ذرية غيره إذا كان في حجره، والمقصود من الآية على هذا الوجه أن يبعثه على حفظ ماله، وأن يترك نفسه في حفظه والاحتياط في ذلك بمنزلة ما يحبه من غيره في ذريته لو خلفهم وخلف لهم مالاً. • قال القاضي: وهذا أليق بما تقدم وتأخر من الآيات الواردة في باب الأيتام، فجعل تعالى آخر ما دعاهم إلى حفظ مال اليتيم أن ينبههم على حال أنفسهم وذريتهم إذا تصوروها، ولا شك أنه من أقوى الدواعي والبواعث في هذا المقصود. وقال آخرون: إن المراد بهم من يحضر الميت عند موته، أمروا بتقوى الله، وبأن يقولوا للمحتضر قولاً سديداً من إرشادهم إلى التخلص عن حقوق الله وحقوق بني آدم، وإلى الوصية بالقرب المقربة إلى الله سبحانه، وإلى ترك التبذير بماله وإحرام ورثته، كما يخشون على ورثتهم من بعدهم لو تركوهم فقراء عالة يتكففون الناس [قاله الشوكاني]. • وقال الآلوسي: قيل: إنه أمر لمن حضر المريض من العوّاد عند الإيصاء بأن يخشوا ربهم أو يخشوا أولاد المريض ويشفقوا عليهم شفقتهم على أولادهم فلا يتركوه أن يضرّ بهم بصرف المال عنهم، ونسب نحو هذا إلى الحسن وقتادة ومجاهد وسعيد بن جبير.

стр. 1426

(فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه، وأداء ما يجب عليهم من حقوق لليتامى والمساكين والورثة وغيرهم من أصحاب الحقوق، وأن يحذروا من الجور والظلم. • قال الرازي: لا شك أن قوله (وَلْيَخْشَ الذين لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرّيَّةً ضعافا خَافُواْ عَلَيْهِمْ) يوجب الاحتياط للذرية الضعاف. (وَلْيَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً) القول السديد هو القول الصواب العدل الموافق للشريعة. سمي سديداً لأنه يسد مكانه، فيناسب الحال والمقام، فأحياناً يكون القول اللين هو السديد، وأحياناً يكون القول الشديد هو السديد، فلكل مقام مقال. وقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيداً. يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزاً عَظِيماً). • قال الآلوسي: قوله تعالى (وَلِيَقُولُواْ) لليتامى أو للمريض أو لحاضري القسمة، أو ليقولوا في الوصية (قَوْلاً سَدِيداً) فيقول الوصي لليتيم ما يقول لولده من القول الجميل الهادي له إلى حسن الآداب ومحاسن الأفعال، ويقول عائد المريض ما يذكره التوبة والنطق بكلمة الشهادة وحسن الظن بالله، وما يصده عن الإشراف بالوصية وتضييع الورثة، ويقول الوارث لحاضر القسمة ما يزيل وحشته، أو يزيد مسرته ويقول الموصي في إيصائه ما لا يؤدي إلى تجاوز الثلث. الفوائد: ١ - التحذير من أكل أموال اليتامى ظلماً، وتذكير من يفعل ذلك بأنه قد يحصل مثل ذلك لأولادهم. ٢ - يجب على الإنسان أن يعامل الناس بما يحب أن يعاملوه، فكما يحب أن يعامل أولاده بعد موته معاملة طيبة، فكذلك يجب عليه هو أن يعامل أولاد الناس معاملة طيبة، وفي الحديث (وليأت إلى الناس الذي يحب أن يؤتى إليه). ٣ - وجوب تقوى الله، وإعطاء كل ذي حق حقه. ٤ - أن من علامات التقوى الحرص على أداء الحقوق. ٥ - من علامات ضعف التقوى التهاون في أداء الحقوق. ٦ - ينبغي على المسلم أن يختار لقوله: أن يكون سديداً. ٧ - التحذير من الكلام غير السديد. ٨ - أن الكلام الطيب السديد له تأثير في القلوب. ٩ - التذكير بقوله ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت). متفق عليه

стр. 1427

(إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (١٠)). [النساء: ١٠]. (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً) أي: يتلفونها بأي طريقة كانت، سواء بسرقة أو عبث بها أو التصرف فيها لنفسه. • خص الأكل بالذكر، لأنه أعم وجوه الانتفاع بالمال وأهمها، وهو كسوة البطن، وأهم ما يجمع المال من أجله. (إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً) قيل: ما يأكلون في بطونهم إلا ما يوجب لهم النار ويؤول بهم إليها، وقيل: ما يأكلون إلا ناراً تشتعل وتتأجج في بطونهم، وهذا أصح، لأن الجزاء من جنس العمل. • وذكر البطون مع أن الأكل لا يكون إلا فيها للتوكيد والمبالغة. كقوله تعالى (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ)، وكقوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ) وكما يقال: أبصرت بعيني. • قال أبو حيان: وعرض بذكر البطون لخستهم وسقوط هممهم والعرب تذم بذلك. (وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) أي: سيدخلون نار متوقدة مشتعلة ويحرقون فيها ويقاسون حرها، قال ابن كثير في قوله تعالى (سأصليه سقر) أي: سأغمره فيها من جميع جهاته. • قوله (سعيراً) بمعنى مسعورة متوقدة مشتعلة، والمراد شدة حر جهنم. • والآية دليل على أن أكل مال اليتيم من كبائر الذنوب. كما قال تعالى (وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً). وقال تعالى في هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً). وقال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ). وقال ﷺ (اجتنبوا السبع الموبقات: … وذكر منها: وأكل مال اليتيم) متفق عليه. وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (أحرّج مال الضعيفين: المرأة واليتيم) أي: أوصيكم باجتناب مالهما. • قال الرازي: وذلك كله رحمة من الله تعالى باليتامى، لأنهم لكمال ضعفهم وعجزهم استحقوا من الله مزيد العناية والكرامة، وما أشد دلالة هذا الوعيد على سعة رحمته وكثرة عفوه وفضله، لأن اليتامى لما بلغوا في الضعف إلى الغاية القصوى بلغت عناية الله بهم إلى الغاية القصوى.

стр. 1428

• قال السعدي: قوله تعالى (ظلماً) أي: بغير حق، وهذا القيد يخرج به ما تقدم من جواز الأكل للفقير بالمعروف، ومن جواز خلط طعامهم بطعام اليتامى. • وقال الرازي: دلت هذه الآية على أن مال اليتيم قد يؤكل غير ظلم، وإلا لم يكن لهذا التخصيص فائدة، وذلك ما ذكرناه فيما تقدم أن للولي المحتاج أن يأكل من ماله بالمعروف. • بعض الأسباب التي تكون سبباً في دخول النار: أولاً: أكل مال اليتيم. كما في هذه الآية. ثانياً: الشرك بالله تعالى. قال تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ). وقال ﷺ (من مات وهو يدعو الله نداً دخل النار) رواه البخاري. ثالثاً: الكذب على رسول الله ﷺ -. قال رسول الله ﷺ (من كذب علي متعمداً فليتبوأ مقعده من النار) متفق عليه. رابعاً: الكلمة من سخط الله. قال رسول الله ﷺ (إن العبد ليتكلم بالكلمة من سخط الله لا يلقي لها بالاً تهوي به في النار سبعين خريفاً) متفق عليه. خامساً: تعذيب الحيوان. قال ﷺ (عُذِّبَتِ امْرَأَةٌ فِي هِرَّةٍ سَجَنَتْهَا حَتَّى مَاتَتْ فَدَخَلَتْ فِيهَا النَّارَ لَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَسَقَتْهَا إِذْ هِيَ حَبَسَتْهَا وَلَا هِيَ تَرَكَتْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الأَرْض) متفق عليه. سادساً: غش الرعية. قال ﷺ (أيما راعٍ غش رعيته فهو في النار) رواه الأمام أحمد.

стр. 1429

سابعاً: التبرج والسفور. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (صِنْفَانِ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَمْ أَرَهُمَا قَوْمٌ مَعَهُمْ سِيَاطٌ كَأَذْنَابِ الْبَقَرِ يَضْرِبُونَ بِهَا النَّاسَ وَنِسَاءٌ كَاسِيَاتٌ عَارِيَاتٌ مُمِيلَاتٌ مَائِلَاتٌ رُءُوسُهُنَّ كَأَسْنِمَةِ الْبُخْتِ الْمَائِلَةِ لَا يَدْخُلْنَ الْجَنَّةَ وَلَا يَجِدْنَ رِيحَهَا وَإِنَّ رِيحَهَا لَتُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ كَذَا وَكَذَا). رواه مسلم ثامناً: الهجر والتقاطع. قال ﷺ (لا يحل لمسلم أن يهجر أخاه فوق ثلاث فمن هجر أخاه فوق ثلاث فمات دخل النار) رواه أبو داود. تاسعاً: اللعن وكفران العشير. قال النبي ﷺ للنساء (يا معشر النساء تصدقنَ فإني رأيتكن أكثر أهل النار، فقالت امرأة: لما يا رسول الله؟ قال: تكثرن اللعن وتكفرن العشير) رواه البخاري. معنى العشير: الزوج. عاشراً: الجسم الذي نبت بالحرام. قال ﷺ (أيما جسم نبت على سحت فالنار أولى به) رواه أحمد. الحادي عشر: ظلم الناس بأخذ حقوقهم. قال ﷺ (من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة و إن كان قضيباً من أراك) متفق عليه. الثاني عشر: الفجور قال ﷺ ( … وإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وإن الرجل ليكذب ويتحرى الكذب حتى يكتب عند الله كذاباً) متفق عليه. الثالث عشر: قتل النفس وهو الانتحار والعياذ بالله. قال النبي ﷺ (من قتل نفسه بحديدة فحديدته في يده يتوجأ فيها في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن قتل نفسه بسم فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً) متفق عليه.

стр. 1430

الرابع عشر: القاضي الذي يعرف الحق ولا يقضي به. قال ﷺ (القضاة ثلاثة: اثنان في النار وواحد في الجنة، رجل عرف الحق فقضى به فهو بالجنة، ورجل عرف الحق ولم يقض به وجار في الحكم فهو في النار، ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس جهلاً فهو في النار). رواه أبو داود الخامس عشر: المكر والخداع. قال ﷺ (المكر والخديعة في النار). الفوائد: ١ - تحريم أكل أموال اليتامى وأنه من الكبائر. ٢ - حرص الشريعة على الضعفاء والاهتمام بأمورهم. ٣ - إثبات النار. ٤ - إثبات شدة عذاب النار. ٥ - أن أهل النار ليسوا على درجة واحدة في العذاب. ٦ - بيان سبب من أسباب دخول النار وهو أكل أموال اليتامى ظلماً. (الأحد: ١١/ ١/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1431

(يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً). [النساء: ١١]. سبب النزول: عن جابر قال (خرجنا مع رسول الله ﷺ حتى جئنا امرأة من الأنصار في الأسواف [اسم لحرم المدينة] فجاءت امرأة بابنتين لها فقالت: يا رسول الله! هاتان بنتا ثابت بن قيس قتل معك يوم أحد، وقد استفاء عمهما مالهما وميراثهما كله، فلم يدع لهما مالاً إلا أخذه، فما ترى يا رسول الله؟ فوالله لا تُنكحان أبداً إلا ولهما مال، فقال رسول الله ﷺ : يقضي الله في ذلك، قال: ونزلت سورة النساء: يوصيكم الله في أولادكم .. ، فقال رسول الله ﷺ : ادعوا لي المرأة وصاحبها، فقال لعمهما: أعطهما الثلثين، وأعط أمهما الثمن، وما بقي فلك) رواه أبوداود. (يوصِيكُمُ اللَّهُ) أي: يأمركم ويعهد إليكم أيها المسلمون، والوصية هي العهد بأمر هام. • الوصية: العهد بالشيء والأمر به ولفظ الإيصاء أبلغ وأدل على الاهتمام من لفظ الأمر، لأنه طلب الحرص على الشيء والتمسك به. • قال القرطبي: قوله تعالى (يُوصِيكُمُ الله في أَوْلَادِكُمْ) بيّن تعالى في هذه الآية ما أجمله في قوله (لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ) (وَلِلنِّسَآءِ نَصِيبٌ) فدلّ هذا على جواز تأخير البيان عن وقت السؤال. وهذه الآية ركن من أركان الدين، وعمدة من عمد الأحكام، وأُمّ من أُمّهات الآيات؛ فإن الفرائض عظيمة القدر حتى أنها ثُلث العلم، وروي نصفُ العلم، وهو أوّل علم يُنزع من الناس ويُنسى.

стр. 1432

• قال الرازي: اعلم أنه تعالى بدأ بذكر ميراث الأولاد وإنما فعل ذلك لأن تعلق الإنسان بولده أشد التعلقات، ولذلك قال ﵊ (فاطمة بضعة مني) فلهذا السبب قدم الله ذكر ميراثهم. واعلم أن للأولاد حال انفراد، وحال اجتماع مع الوالدين: أما حال الانفراد فثلاثة، وذلك لأن الميت إما أن يخلف الذكور والإناث معاً، وإما أن يخلف الإناث فقط، أو الذكور فقط. القسم الأول: ما إذا خلف الذكران والإناث معاً، وقد بين الله الحكم فيه بقوله (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِ الأنثيين):؟؟؟ (فِي أَوْلادِكُمْ) أي: يعهد إليكم في أولادكم أنفسكم. • والأولاد جمع ولد، يشمل الذكور والإناث بدليل قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين). • قال ابن كثير: قوله تعالى (يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأنْثَيَيْنِ) أي: يأمركم بالعدل فيهم، فإن أهل الجاهلية كانوا يجعلون جميع الميراث للذكور دون الإناث، فأمر الله تعالى بالتسوية بينهم في أصل الميراث، وفاوت بين الصنفين، فجعل للذكر مثل حظ الأنثيين، وذلك لاحتياج الرجل إلى مؤنة النفقة والكلفة ومعاناة التجارة والتكسب وتجشُّم المشقة، فناسب أن يُعْطَى ضعْفَيْ ما تأخذه الأنثى. (لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أي: للذكر منهم كبيراً كان أو صغيراً، غنياً كان أو فقيراً، مثل حظ الأنثيين: أي: مثل نصيب الأنثيين، والمراد حال اجتماع الذكور والإناث. • مثال: إنسان توفي وخلف ولدين فقط (ذكراً وأنثى) وترك ميراثاً لهما مقداره ثلاثة آلاف ريال، فعلى ضوء الشريعة الإسلامية، تأخذ الأنثى (١٠٠٠) ويأخذ الذكر (٢٠٠٠).

стр. 1433

• قال ابن كثير: استنبط بعض الأذكياء من قوله (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ) أنه تعالى أرحم بخلقه من الوالد بولده، حيث أوصى الوالدين بأولادهم، فعلم أنه أرحم بهم منهم، كما في الحديث وقد رأى رسول الله ﷺ امرأة من السبي تدور على ولدها، فلما وجدته أخذته فألصقته بصدرها قال: فوالله لله أرحم بعباده من هذه بولدها. • لماذا جاء التعبير (للذكر مثل حظ الأنثيين) ولم يقل (للأنثى نصف حظ الذكر)؟ مراعاة لأمرين: الأول: تقديماً للذكر على الأنثى، لأنه أفضل من حيث العموم، لما له من القوامة في النفقة وغير ذلك. الثاني: إيثاراً للتعبير بالأحسن، لأن الحظ والنصيب فضل وزيادة، وأما النصف فنقص، فلا يكون إشعاراً بنقص حق الأنثى. • قوله (للذكر مثل حظ الأنثيين) قال القاسمي: إيثار اسمي (الذكر والأنثى) على ما ذكر أولاً من الرجال والنساء للتنصيص على استواء الكبار والصغار من الفريقين في الاستحقاق من غير دخل للبلوغ والكبر في ذلك أصلاً، كما هو زعم أهل الجاهلية حيث كانوا لا يورثون الأطفال والنساء. • قوله (يوصيكم الله في أولادكم .. ) يستثنى: الابن الكافر فلا يرث، لقوله ﷺ (لا يرث المسلم الكافر، ولا الكافر المسلم) متفق عليه. فلو هلك هالك عن ابن مسلم وابن كافر، فالميرات للابن المسلم. وكذلك الابن القاتل عمداً فلا يرث. • لماذا أعطيت المرأة نصف نصيب الرجل؟ الجواب: أن الشريعة الإسلامية قد فرقت بينهما في الإرث لحِكَم كثيرة منها: أولاً: أن المرأة مكْفِيّة المؤونة والحاجة، فنفقتها واجبة على ابنها أو أبيها أو أخيها أو غيرهم من الأقارب. ثانياً: المرأة لا تُكلّف بالإنفاق على أحد، بخلاف الرجل فإنه مكلّف بالأهل على الأهل والأقرباء، وغيرهم ممن تجب عليه نفقته. ثالثاً: نفقات الرجل أكثر، والتزاماته المالية أضخم، فحاجته إلى المال أكبر من حاجة المرأة.

стр. 1434

رابعاً: الرجل يدفع مهراً للزوجة، ويكلف بنفقة السكنى، وبالمطعم والملبس للزوجة والأولاد. خامساً: أجور التعليم للأولاد، وتكاليف العلاج والدواء للزوجة والأبناء، يدفعها الرجل دون المرأة. • قال الشنقيطي: لأن القائم على غيره المنفق ماله عليه مترقب للنقص دائماً، والمقوم عليه المنفق عليه المال مترقب للزيادة دائماً، والحكمة في إيثار مترقب النقص على مترقب الزيادة جبراً لنقصه المترقب ظاهرة جداً. • هناك أمور تكون الأنثى على النصف من الذكر وهي: العتق، والدية، والإرث، والعقيقة، والشهادة. (فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ) أي: وإن كن الوارثات إناثاً فقط اثنتين فأكثر. (فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ) أي: فللبنتين فأكثر ثلثا التركة. (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ) أي: وإن كانت الوارثة بنتاً واحدة (بلا معصب وهو أخوها ولا مشارك وهو أختها) فلها النصف، أي: نصف ما ترك أبوها أو أمها. • إذاً ميرات البنات كالتالي: إذا كانت واحدة فلها النصف بشرطين: الشرط الأول: عدم المشاركة وهي أختها أو أخواتها لقوله تعالى (وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ). الشرط الثاني: عدم المعصب، وهو أخوها، فإن وجد فقد قال تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). • وإذا كن أكثر من واحدة فلهن الثلثان بشرطين: الشرط الأول: عدم المعصب، وهو أخوهن، لقوله تعالى (يوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ). الشرط الثاني: تعددهن، ودليل ذلك حديث سعد بن الربيع، أن النبي ﷺ أعطى ابنتي سعد الثلثين. (وَلِأَبَوَيْه) أي: أبوي الميت. (لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) أي: للأم السدس، وللأب السدس. (مِمَّا تَرَكَ) أي: مما تركه الميت. (إِنْ كَانَ لَهُ) أي: للميت. (وَلَدٌ) أي: إن وجد للميت ابن أو بنت، لأن الولد يطلق على الذكر والأنثى. • فيشترط لإرث الأب السدس شرط واحد وجودي، وهو وجود الفرع الوارث لهذه الآية. وكذلك الأم ترث السدس إذا وجد فرع وارث للميت. • ذكر هنا ميراث الأصول (الأب والأم). (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ) أي: فإن لم يكن للميت ولد، أي: لم يكن له فرع وارث مطلقاً، لا أولاد ولا أولاد بنين لا ذكور ولا إناث.

стр. 1435

(وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ) أي: فللأم ثلث التركة، ولم يذكر الأب هنا، لأن ميراثه بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد. • يشترط لإرث الأم الثلث عدم وجود الفرع الوارث ذكراً أو أنثى، واحداً أو متعدداً. (فَإِنْ كَانَ لَهُ) أي: للميت. (إِخْوَةٌ) سواء كانوا أشقاء أو لأب أو لأم، وسواء كانوا ذكوراً أو إناثاً أو مختلطين، وارثين أو غير وارثين (فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ) أي: فنصيب الأم يكون سدس ما خلفه. • وترث الأم السدس إذا وجد جمع من الإخوة لهذه الآية. • مثال: هلك هالك عن أم وأب وأخوين شقيقين: للأم السدس [لوجود جمع من الإخوة]، والباقي للأب، والإخوة يسقطون. • هلك هالك عن أم وابن، فللأم السدس والابن الباقي.

стр. 1436

• إذاً ميراث الأم إما أن يكون الثلث أو السدس؟ • ترث الثلث بشرطين: الشرط الأول: عدم الفرع الوارث ذكراً أو أنثى، واحداً أو متعدداً. لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ). فهذه الآية اعتبرت لإرث الأم الثلث عدم الولد، فلا تستحقه مع وجوده. الشرط الثاني: عدم الجمع من الإخوة، اثنان فأكثر سواء كانوا أشقاء، أم لأب أم لأم أم محتلفين. لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ). • وترت السدس بشرطين: الشرط الأول: وجود الفرع الوارث، الشرط الثاني: أو وجود جمع من الإخوة. لقوله تعالى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ودليل اشتراط عدم الجمع من الإخوة قوله تعالى (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ). • ميراث الأب: يرث السدس بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث، لهذه الآية (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ)، فإن كان الفرع وارث ذكراً فقط ليس للأب إلا السدس، وإن كان أنثى ورث السدس والباقي تعصيباً. فإن لم يوجد فرع وارث مطلقاً ورث الباقي، كهالك عن أم وأب وأخوين شقيقين، للأم السدس لوجود جمع من الإخوة، وللأب الباقي، والإخوة يسقطون بالأب. (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا) أي: تستحقون ذلك الإرث بعد الوصية، أي أن الوصية مقدمة على الإرث • والوصية هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت. قوله (بعد الموت) احترازاً من الهبة، فإنها تبرع في حال الحياة. مثال تبرع بمال: قال أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) ريال. مثال التصرف: وصيي على أولادي الصغار فلان.

стр. 1437

• والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين). قال تعالى (كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ). وعن ابن عمر - الذي ذكره المصنف - (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه. وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية [قاله ابن قدامة] • والوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة: تستحب: لمن ترك خيراً وهو المال الكثير، كما سبق. وتحرم: بأكثر من الثلث لغير وارث لحديث سعد (الثلث والثلث كثير). وإنما مُنع الموصي من الزيادة على الثلث لأمرين: الأمر الأول: أن النبي ﷺ لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية وما زاد فهو ممنوع منه. الأمر الثاني: أن ما زاد على الثلث داخل في المضارة التي قال الله فيها (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار). وتحرم أيضاً: لوارث بشيء. لقوله ﷺ (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث). تكره: وصية فقير وورثته محتاجون، لأن هذا يضر بالورثة.

стр. 1438

لقوله ﷺ لسعد ( .. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس). تجب: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة. تجوز: بكل ماله، لمن لا وارث له، وهذا مذهب جمهور العلماء. وهذا يفهم من حديث سعد، لأن النبي ﷺ منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، فدل على أن من ليس له ورثة، فلا مانع أن يزيد على الثلث، بل لا مانع أن يوصي بماله كله، لزوال المانع. • قوله (من بعد وصية) الوصية هنا مطلقة من حيث مقدارها، ولمن تكون، وقد دلت السنة على عدم جواز الزيادة على الثلث، كما قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما استشار النبي ﷺ في وصيته قال (الثلث والثلث كثير) متفق عليه. وأيضاً دلت الأدلة على أنها لا تجوز لوارث بشيء لقوله ﷺ (لا وصية لوارث). • والحكمة من تحريم الوصية لوارث: ما جاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود. ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ (لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة) وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام. قال ابن قدامة: إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء. قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا. وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك فروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) رواه أبو داود. وابن ماجه، والترمذي … وإن أجازها، جازت، في قول الجمهور من العلماء. (المغني).

стр. 1439

وقد أشار الحديث إلى الحكمة من منع الوصية للوارث، وهي: أنه يأخذ بذلك أكثر من الحق الذي جعله الله له في الميراث، فكان في الوصية للوارث زيادة على ما شرعه الله. وذكر ابن قدامة ﵀ في (المغني) حكمة أخرى، حاصلها: أن هذا التفضيل لبعض الورثة سيكون على حساب سائر الورثة، مما قد يكون سبباً لإيقاع العداوة والحسد بينهم. وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: منع الإسلام الوصية للوارث لأنه من تعدي حدود الله ، فإن الله حدد الفرائض والمواريث بحدود قال فيها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ). فإذا كان للإنسان بنت وأخت شقيقة مثلاً فإن من المعلوم أن للبنت النصف فرضاً، وللأخت الشقيقة الباقي تعصباً، ولو أوصى للبنت في مثل هذه الحال بثلث ماله مثلاً لكان معنى ذلك أن البنت ستأخذ الثلثين، والأخت ستأخذ الثلث فقط، وهذا تعدي لحدود الله. وكذلك لو كان ابنان، فإن من المعلوم أن المال بينهما نصفان، فلو أوصى لأحدهما بالثلث مثلاً صار المال بينهما أثلاثاً، وهذا من تعدي حدود الله، فلذلك كانت حراماً؛ لأنها لو أجيزت ما كان لتحديد المواريث فائدة، ولكان الناس يتلاعبون، وكُلٌّ يوصي لمن شاء فيزداد نصيبه من التركة ويَحْرِم من يشاء فينقص نصيبه.

стр. 1440

• الحكمة من تحريم الوصية بأكثر من الثلث: منع الرسول ﷺ سعد بن أبي وقاص ﵁ من الوصية بأكثر من الثلث، فقال ﵇: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) رواه البخاري ومسلم. وقد أشار الرسول ﷺ في الحديث إلى الحكمة من هذا المنع، وهي أن يترك المال للورثة، فلا يحتاجون معه لسؤال الناس، وأن هذا خير له من أن يوصي ثم يترك ورثته فقراء. فأراد الرسول ﷺ بذلك: تحقيق العدل بين الوصية وبين حق الورثة في المال، وإذا كان الموصي يريد بالوصية الثواب، فإن تركه المال لورثته الفقراء المحتاجين إليه أكثر ثواباً، فإن إعطاء القريب الفقير أفضل من إعطاء من ليس قريباً. ولهذا يستحب لمن كان ورثته فقراء، وكان ماله قليلاً بحيث لا يغني الورثة، يستحب له أن لا يوصي، ويترك المال لورثته. (أَوْ دَيْنٍ) أي: وبعد الدين، فلا تقسم التركة إلا بعد الوصية والدين. • قال الرازي: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين، قال (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والديْن، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق، فأما إذا لم يكن دين، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله. • والدين كل ما ثبت في الذمة من قرض أو أجرة أو ثمن مبيع أو نحوها. • والمعنى: أن الميراث يقسم بين الورثة بعد إخراج ما يوجد من وصية شرعية أوصى بها الميت، أو دين كان عليه لله أو للآدميين، أو إخراجهما معاً إن وجدا جميعاً. • قوله (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) قدم الله الوصية على الدين، وقد أجمع العلماء على أن الدين مقدم على الوصية. مثال: مات شخص وخلف (٣٠) ألف ريال، وعليه دين (٣٠) ألف وعنده وصية ألف ريال، فهنا نعطي المال لصاحب الدين وتسقط الوصية والورثة، لأن الدين استغرق التركة.
следующие страницы →