Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1436–1475 · переход к 1441.
стр. 1436
• إذاً ميراث الأم إما أن يكون الثلث أو السدس؟
• ترث الثلث بشرطين:
الشرط الأول: عدم الفرع الوارث ذكراً أو أنثى، واحداً أو متعدداً.
لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلِأُمِّهِ الثُّلُثُ). فهذه الآية اعتبرت لإرث الأم الثلث عدم الولد، فلا تستحقه مع وجوده.
الشرط الثاني: عدم الجمع من الإخوة، اثنان فأكثر سواء كانوا أشقاء، أم لأب أم لأم أم محتلفين.
لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).
• وترت السدس بشرطين:
الشرط الأول: وجود الفرع الوارث، الشرط الثاني: أو وجود جمع من الإخوة.
لقوله تعالى (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ) ودليل اشتراط عدم الجمع من الإخوة قوله تعالى (فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلِأُمِّهِ السُّدُسُ).
• ميراث الأب:
يرث السدس بشرط واحد وهو وجود الفرع الوارث، لهذه الآية (وَلِأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ)، فإن كان الفرع وارث ذكراً فقط ليس للأب إلا السدس، وإن كان أنثى ورث السدس والباقي تعصيباً.
فإن لم يوجد فرع وارث مطلقاً ورث الباقي، كهالك عن أم وأب وأخوين شقيقين، للأم السدس لوجود جمع من الإخوة، وللأب الباقي، والإخوة يسقطون بالأب.
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا) أي: تستحقون ذلك الإرث بعد الوصية، أي أن الوصية مقدمة على الإرث
• والوصية هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت.
قوله (بعد الموت) احترازاً من الهبة، فإنها تبرع في حال الحياة.
مثال تبرع بمال: قال أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) ريال.
مثال التصرف: وصيي على أولادي الصغار فلان.
стр. 1437
• والوصية مشروعة بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى (من بعد وصية يوصي بها أو دين).
قال تعالى (كُتِبَ عَلَيكُم إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ المَوتُ إِن تَرَكَ خَيرًا الوَصِيَّةُ لِلوَالِدَينِ وَالأَقرَبِينَ بِالمَعرُوفِ).
وعن ابن عمر - الذي ذكره المصنف - (ما حق امرئ مسلم له شيء يوصي به يبيت ليلة أو ليلتين إلا ووصيته مكتوبة عنده) متفق عليه.
وقد أجمع العلماء في جميع الأمصار والأعصار على جواز الوصية [قاله ابن قدامة]
• والوصية تجري فيها الأحكام التكليفية الخمسة:
تستحب: لمن ترك خيراً وهو المال الكثير، كما سبق.
وتحرم: بأكثر من الثلث لغير وارث لحديث سعد (الثلث والثلث كثير).
وإنما مُنع الموصي من الزيادة على الثلث لأمرين:
الأمر الأول: أن النبي ﷺ لم يأذن لسعد إلا بالثلث، فدل على أن الثلث هو النهاية وما زاد فهو ممنوع منه.
الأمر الثاني: أن ما زاد على الثلث داخل في المضارة التي قال الله فيها (من بعد وصية يوصي بها أو دين غير مضار).
وتحرم أيضاً: لوارث بشيء. لقوله ﷺ (إن الله أعطى كل ذي حق حقه، فلا وصية لوارث).
تكره: وصية فقير وورثته محتاجون، لأن هذا يضر بالورثة.
стр. 1438
لقوله ﷺ لسعد ( .. إنك أن تذر ورثتك أغنياء خير من أن تذرهم عالة يتكففون الناس).
تجب: على من عليه دين، وفي ذمته حقوق ولديه أمانات وعهد، فإنه يجب أن يوضح ذلك كله بالكتابة الواضحة الجلية، التي تحدد الديون إن كانت حالة أو مؤجلة.
تجوز: بكل ماله، لمن لا وارث له، وهذا مذهب جمهور العلماء.
وهذا يفهم من حديث سعد، لأن النبي ﷺ منع من الزيادة على الثلث لحق الورثة، فدل على أن من ليس له ورثة، فلا مانع أن يزيد على الثلث، بل لا مانع أن يوصي بماله كله، لزوال المانع.
• قوله (من بعد وصية) الوصية هنا مطلقة من حيث مقدارها، ولمن تكون، وقد دلت السنة على عدم جواز الزيادة على الثلث، كما قال ﷺ لسعد بن أبي وقاص لما استشار النبي ﷺ في وصيته قال (الثلث والثلث كثير) متفق عليه.
وأيضاً دلت الأدلة على أنها لا تجوز لوارث بشيء لقوله ﷺ (لا وصية لوارث).
• والحكمة من تحريم الوصية لوارث:
ما جاء في الحديث عن أبي أمامة ﵁ أن النبي ﷺ قال: (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ، فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) وصححه الألباني في صحيح أبي داود.
ورواه الدارقطني من حديث ابن عباس ﵄ بلفظ (لا تجوز الوصية لوارث إلا أن يشاء الورثة) وحسنه الحافظ ابن حجر في بلوغ المرام.
قال ابن قدامة: إذا وصى لوارثه بوصية، فلم يُجزها سائر الورثة، لم تصح، بغير خلاف بين العلماء.
قال ابن المنذر، وابن عبد البر: أجمع أهل العلم على هذا. وجاءت الأخبار عن رسول الله ﷺ بذلك فروى أبو أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى كُلَّ ذِي حَقٍّ حَقَّهُ فَلَا وَصِيَّةَ لِوَارِثٍ) رواه أبو داود. وابن ماجه، والترمذي … وإن أجازها، جازت، في قول الجمهور من العلماء. (المغني).
стр. 1439
وقد أشار الحديث إلى الحكمة من منع الوصية للوارث، وهي: أنه يأخذ بذلك أكثر من الحق الذي جعله الله له في الميراث، فكان في الوصية للوارث زيادة على ما شرعه الله.
وذكر ابن قدامة ﵀ في (المغني) حكمة أخرى، حاصلها: أن هذا التفضيل لبعض الورثة سيكون على حساب سائر الورثة، مما قد يكون سبباً لإيقاع العداوة والحسد بينهم.
وقال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: منع الإسلام الوصية للوارث لأنه من تعدي حدود الله ، فإن الله حدد الفرائض والمواريث بحدود قال فيها: (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ * وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).
فإذا كان للإنسان بنت وأخت شقيقة مثلاً فإن من المعلوم أن للبنت النصف فرضاً، وللأخت الشقيقة الباقي تعصباً، ولو أوصى للبنت في مثل هذه الحال بثلث ماله مثلاً لكان معنى ذلك أن البنت ستأخذ الثلثين، والأخت ستأخذ الثلث فقط، وهذا تعدي لحدود الله.
وكذلك لو كان ابنان، فإن من المعلوم أن المال بينهما نصفان، فلو أوصى لأحدهما بالثلث مثلاً صار المال بينهما أثلاثاً، وهذا من تعدي حدود الله، فلذلك كانت حراماً؛ لأنها لو أجيزت ما كان لتحديد المواريث فائدة، ولكان الناس يتلاعبون، وكُلٌّ يوصي لمن شاء فيزداد نصيبه من التركة ويَحْرِم من يشاء فينقص نصيبه.
стр. 1440
• الحكمة من تحريم الوصية بأكثر من الثلث:
منع الرسول ﷺ سعد بن أبي وقاص ﵁ من الوصية بأكثر من الثلث، فقال ﵇: (إِنَّكَ أَنْ تَذَرَ وَرَثَتَكَ أَغْنِيَاءَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ تَذَرَهُمْ عَالَةً يَتَكَفَّفُونَ النَّاسَ) رواه البخاري ومسلم.
وقد أشار الرسول ﷺ في الحديث إلى الحكمة من هذا المنع، وهي أن يترك المال للورثة، فلا يحتاجون معه لسؤال الناس، وأن هذا خير له من أن يوصي ثم يترك ورثته فقراء.
فأراد الرسول ﷺ بذلك: تحقيق العدل بين الوصية وبين حق الورثة في المال، وإذا كان الموصي يريد بالوصية الثواب، فإن تركه المال لورثته الفقراء المحتاجين إليه أكثر ثواباً، فإن إعطاء القريب الفقير أفضل من إعطاء من ليس قريباً.
ولهذا يستحب لمن كان ورثته فقراء، وكان ماله قليلاً بحيث لا يغني الورثة، يستحب له أن لا يوصي، ويترك المال لورثته.
(أَوْ دَيْنٍ) أي: وبعد الدين، فلا تقسم التركة إلا بعد الوصية والدين.
• قال الرازي: إنه تعالى لما ذكر أنصباء الأولاد والوالدين، قال (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) أي هذه الأنصباء إنما تدفع إلى هؤلاء إذا فضل عن الوصية والديْن، وذلك لأن أول ما يخرج من التركة الدين، حتى لو استغرق الدين كل مال الميت لم يكن للورثة فيه حق، فأما إذا لم يكن دين، أو كان إلا أنه قضى وفضل بعده شيء، فإن أوصى الميت بوصية أخرجت الوصية من ثلث ما فضل، ثم قسم الباقي ميراثاً على فرائض الله.
• والدين كل ما ثبت في الذمة من قرض أو أجرة أو ثمن مبيع أو نحوها.
• والمعنى: أن الميراث يقسم بين الورثة بعد إخراج ما يوجد من وصية شرعية أوصى بها الميت، أو دين كان عليه لله أو للآدميين، أو إخراجهما معاً إن وجدا جميعاً.
• قوله (مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ) قدم الله الوصية على الدين، وقد أجمع العلماء على أن الدين مقدم على الوصية.
مثال: مات شخص وخلف (٣٠) ألف ريال، وعليه دين (٣٠) ألف وعنده وصية ألف ريال، فهنا نعطي المال لصاحب الدين وتسقط الوصية والورثة، لأن الدين استغرق التركة.
стр. 1441
• فلماذا قدم الله الوصية هنا مع أن الدين مقدم بالإجماع؟
للعناية بها والاهتمام، ولأن إخراج الوصية قد يكون شاقاً على الورثة وربما تساهلوا فيه، فبدأ الله بها، ولأن صاحب الدين غالباً يكون قوياً مطالباً لأنه يطالب بحق.
• قال الرازي: واعلم أن الحكمة في تقديم الوصية على الدين في اللفظ من وجهين:
الأول: أن الوصية مال يؤخذ بغير عوض فكان إخراجها شاقاً على الورثة، فكان أداؤها مظنة للتفريط بخلاف الدين، فإن نفوس الورثة مطمئنة إلى أدائه، فلهذا السبب قدم الله ذكر الوصية على ذكر الدين في اللفظ بعثا على أدائها وترغيباً في إخراجها
، ثم أكد في ذلك الترغيب بإدخال كلمة (أو) على الوصية والدين، تنبيها على أنهما في وجوب الإخراج على السوية.
• قال أبو السعود: وتقديمُ الوصيةِ على الديْن ذكراً مع تأخّرها عنه حُكماً لإظهار كمالِ العنايةِ بتنفيذها لكونها مظِنةً للتفريط في أدائها ولاطّرادها بخلاف الدَّين.
• ترتيب الحقوق المتعلقة بالتركة:
أولاً: مؤونة التجهيز للميت من كفن وأجرة مغسل وأجرة حافر قبر ونحو ذلك.
لقول ﷺ في الرجل الذي وقصته ناقته (اغسلوه بماء وسدر) ولم يقل: هل عليه ديْن أو وصية، فدل على أن التجهيز مقدم على الوصية والدين.
ثانياً: الدين الذي على الميت، وعليه فلو أن الدين استغرق جميع التركة، فإنه لا يبقى للورثة شيء.
ثالثاً: الوصية.
رابعاً: الميراث.
стр. 1442
(آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) آباؤكم وأبناؤكم، لا تدرون أيهم الأقرب لكم نفعاً في الدنيا والآخرة، أهم الآباء أم الأبناء، وهل الأنفع لكم الآباء الأدنون أم الأجداد، أو الأبناء الكبار أم الصغار أم مَن بينهم.
• قال القرطبي: قوله تعالى (لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعاً) قيل: في الدنيا بالدعاء والصدقة؛ كما جاء في الأثر: إن الرجل ليُرفع بدعاء ولده من بعده، وفي الحديث الصحيح (إذا مات الرجل انقطع عمله إلا من ثلاث فذكر أو ولد صالح يدعو له)، وقيل: في الآخرة؛ فقد يكون الابن أفضلَ فيشفع في أبيه؛ عن ابن عباس والحسن.
وقال بعض المفسرين: إن الابن إذا كان أرفَع من درجة أبيه في الآخرة سأل الله فَرفع إليه أباه، وكذلك الأب إذا كان أرفعَ من ابنه، وقيل: في الدنيا والآخرة؛ قاله ابن زيد، واللفظ يقتضي ذلك
• وفي هذا إشارة إلى أنه قسم المواريث على الوجه الأكمل، وأنه لو وكل ذلك إلى الناس ما عرفوا وجه الصواب في ذلك لعدم معرفتهم الأقرب نفعاً.
(فريضَةً) أي: فرض الله ذلك فريضة، والفريضة شرعاً: ما أمر الله به على وجه الإلزام.
(منَ اللَّهِ) أي: هذه الفريضة صادرة من الله لا من غيره، فهو الذي فرض هذه الفرائض وأوجبها، وقدرها بنفسه سبحانه، ولم يتول فرضها أحد سواه.
(إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً) يعلم كل شيء، يعلم المستحق وغير المستحق، وعليم بمقدار ما يستحق كل شخص، فكل فعله سبحانه ناتج عن علم.
• مباحث علم الله تعالى:
أولاً: فالله تعالى يعلم كل شيء، يشمل الجزئيات والكليات.
قال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً).
وقال تعالى (عَالِمِ الْغَيْبِ لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ وَلا أَصْغَرُ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرُ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ).
ثانياً: يعلم سبحانه الماضي والمستقبل.
قال تعالى (يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ).
(ما بين أيديهم) الحاضر والمستقبل (وما خلفهم) الماضي.
ثالثاً: الله يعلم الخفايا وما في الصدور:
كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). وقال تعالى (قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ).
стр. 1443
رابعاً: وليس شيء يصل إلى الأرض أو يصعد من الأرض إلى السماء إلا قد أحاط الله به علماً.
قال تعالى (يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمَا يَنْزِلُ مِنَ السَّمَاءِ وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ الرَّحِيمُ الْغَفُورُ).
خامساً: ويعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.
كما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ).
وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ).
والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبداً، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).
سادساً: ويستوي في علم الله السر والعلانية، والصغير والكبير والغيب والشهادة.
قال تعالى (وَمَا يَعْزُبُ عَنْ رَبِّكَ مِنْ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ وَلا أَصْغَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْبَرَ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ)
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (قُلْ أَنْزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً).
اللَّهُ يَعْلَمُ مَا تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثَى وَمَا تَغِيضُ الْأَرْحَامُ وَمَا تَزْدَادُ وَكُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدَارٍ. عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ. سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
سابعاً: وعلم الله لم يسبقه جهل ولا يلحقه نسيان.
قال تعالى ( … قَالَ عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لا يَضِلُّ رَبِّي وَلا يَنْسَى).
وقال تعالى ( … وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً).
أما علم ابن آدم فمسبوق بجهل ويلحقه نسيان كما قال تعالى (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لا تَعْلَمُونَ شَيْئاً).
ثامناً: علمنا قليل بالنسبة لعلم الله.
стр. 1444
قال تعالى (وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلاً).
• الآثار المترتبة من علمنا بأن الله عليم بكل شيء.
أولاً: الخوف من الله وخشيته، ومراقبته في السر والعلن، لأن العبد إذا أيقن أن الله تعالى عالم بحاله مطلع على باطنه وظاهره، فإن ذلك يدفعه إلى الاستقامة على أمر الله ظاهراً وباطناً.
ثانياً: اليقين بشمول علم الله تعالى لكل شيء في السماوات والأرض، وللبواطن والظواهر، يثمر في قلب العبد تعظيم الله تعالى وإجلاله والحياء منه، كما يعين على التخلص من الآفات القلبية التي تخفى على الناس ولكنها لا تخفى على الله كآفة الرياء، والحسد، والغل، والعجب، والكبر.
قال ابن القيم: فإن قلت: فما السبيل إلى حفظ الخواطر، قلت: أسباب عدة، أحدها: العلم الجازم باطلاع الرب سبحانه ونظره إلى قلبك، وعلمه بتفصيل خواطرك، والثاني: حياؤك منه، والثالث: إجلالك له أن يرى مثل تلك الخواطر في بيته
الذي خلق لمعرفته ومحبته.
ثالثاً: إن يقين العبد بعلم الله تعالى الشامل لكل شيء، ومن ذلك علمه سبحانه بحال عبده المصاب وما يقاسيه من الآلام، إن ذلك يثمر في القلب الرجاء والأنس بالله ويدفع اليأس والقنوط من القلب.
رابعاً: ونستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: وجوب مراقبة الله، لأن العاقل إذا علم أن الله يعلم كل شيء، فسوف يراقب ربه، بلسانه وجنانه وأركانه، فبلسانه: لا ينطق بما حرم الله، وبجنانه: لا يعتقد بقلبه خلاف الحق، وبجوارحه: لا يستعملها في المحرمات، فيستعمل العين في النظر إلى الحرام، ويستعمل اليد في البطش الحرام، ويستعمل الآذان في السماع الحرام.
وأيضاً نستفيد من معرفتنا أن الله عليم بكل شيء: الرغبة والنشاط والرجاء، لأن الإنسان يعلم أن الله يعلم بكل أعماله الصالحة، وأنه لن يضيع منها شيء.
стр. 1445
(حَكِيماً) اسم من أسماء الله، ومعناه: الذي يضع الأمور في مواضعها، فكل فعل يفعله فهو لحكمة،
• قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل.
• وقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله.
• قال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل.
• وقال السعدي: فالله لا يخلق شيئاً عبثاً، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه، والحكمة: وضع الأشياء مواضعها، وتنزيلها منازلها.
• فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ) وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبداً.
• قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة.
وتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً).
• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ). ولم يخلقهم عبثاً وباطلاً كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ).
ثانياً: أن خلق الله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).
стр. 1446
ثالثاً: ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينياً اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة.
رابعاً: الرضا بالقضاء والقدر.
- ومناسبة ختم هذه الآية بهذين الاسمين: فيه دليل على أن هذه الأحكام التي فيها ناتج عن علم وحكمة.
- وبالعلم والحكمة تتم الأمور، لأن تخلف الأمور سببه أحد أمرين: إما الجهل وإما السفه، فإذا وجد العلم ارتفع الجهل، وإذا وجدت الحكمة ارتفع السفه.
الفوائد:
١ - أن الله أرحم بالأولاد من والديهم.
٢ - فضل علم الفرائض حيث تولى الله قسمتها بنفسه.
٣ - بيان ميراث الفروع والأصول.
٤ - حكمة الشرع في جعل للذكر مثل حظ الأنثيين.
٥ - إثبات أنواع الإرث وهي نوعان:
الأول: الإرث بالفرض.
الثاني: الإرث بالتعصيب.
فالفرض: نصيب مقدر شرعاً.
والتعصيب: كل من يرث بلا فرض.
٦ - بيان الفروض المقدرة في كتاب الله وهي: النصف، والربع، والثمن، والثلثان، والثلث، والسدس.
٧ - مشروعية الوصية لقوله (من بعد وصية).
٩ - أن الإنسان لا يدري من الأقرب له نفعاً.
١٠ - وجوب إعطاء كل وارث نصيبه من الميراث.
١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم - الحكيم. (الثلاثاء: ١٣/ ١/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1447
(ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً أَوِ امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَارٍّ وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ). [النساء: ١٢]
(ولَكُمْ) الخطاب للرجال الأزواج.
• واللام للتمليك، فلا يرث الزوج إلا إذا كان حراً.
(نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ) أي: نصف ما ترك أزواجكم من المال، لكن بشرط هو:
(إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) أي: إن لم يوجد لهن ولد.
• والولد يشمل الذكر والأنثى، ويشمل الواحد والمتعدد.
• قوله تعالى (إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ) مفهوم إن كان لها ولد فلا يرث الزوج النصف، بل له نصيب سيذكره الله.
(فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ) أي: فإن كان لأزواجكم ولد فلكم الربع مما تركن بعد وفاتهن.
• قوله تعالى (لهن ولد) سواء كان الولد من هذا الزوج أو من زوج سابق.
• إذاً ميرات الزوج: يكون بالنصف والربع: يستحق النصف بشرط واحد: وهو عدم وجود الفرع الوارث لهذه الآية (ولَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُنَّ وَلَدٌ).
ويستحق الربع إن كان للزوجة ولد، لهذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ).
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) تقدم.
(وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ) أي: ولزوجاتكم واحدة فأكثر الربع مما تركتم من الميراث إن لم يكن لكم ولد منهن أو من غيرهن.
(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ) أي: فإن لكم أيها الأزواج ولد فلزوجاتكم الثمن مما تركتم بعد وفاتكم.
• والربع والثمن للزوجات، سواء كن واحدة أو متعددات، لأن الله لم يفرق بينهن.
• إذاً ميرث الزوجة: إما الربع أو الثمن، تستحق الربع إذا لم يكن للزوج ولد، لهذه الآية (وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِنْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَلَدٌ).
стр. 1448
وتستحق الثمن إذا كان للزوج ولد، لهذه الآية (فَإِنْ كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُمْ).
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ … ) الخطاب للرجال، والولد هنا بنو الصُّلب وبنو بنيهم وإن سَفَلوا، ذُكراناً وإناثاً واحداً فما زاد بإجماع.
وأجمع العلماء على أن للزَّوج النصفَ مع عدم الولد أو ولد الولد، وله مع وجوده الربع.
وترث المرأة من زوجها الرّبعَ مع فقد الولد، والثمن مع وجوده.
وأجمعوا على أن حكم الواحدة من الأزواج والثنتين والثلاث والأربع في الربع إن لم يكن له ولد، وفي الثمن إن كان له ولد واحد، وأنهنّ شركاء في ذلك؛ لأن الله لم يفرق بين حكم الواحدة منهنّ وبين حكم الجميع، كما فرق بين حكم الواحدة من البنات والواحدة من الأخوات وبين حكم الجميع منهن.
• نستفيد أن من أسباب الميرات النكاح، وأسباب الإرث ثلاثة، قال الناظم:
أسبابُ ميراثِ الورَى ثلاثهْ كل يفيدُ ربّه الوراثهْ
وهي نكاحٌ وولاءٌ ونسبْ ما بعدَهن للمواريثِ سببْ
ويحصل الإرث بمجرد العقد، فلو عقد عليها ثم مات فإنه ترثه.
عَنْ عَلْقَمَةَ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ تَزَوَّجَ اِمْرَأَةً، وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا، وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتَّى مَاتَ، فَقَالَ اِبْنُ مَسْعُودٍ: لَهَا مِثْلُ صَدَاقِ نِسَائِهَا، لَا وَكْسَ، وَلَا شَطَطَ، وَعَلَيْهَا اَلْعِدَّةُ، وَلَهَا اَلْمِيرَاثُ، فَقَامَ مَعْقِلُ بْنُ سِنَانٍ الْأَشْجَعِيُّ فَقَالَ: قَضَى رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ فِي بِرْوَعَ بِنْتِ وَاشِقٍ - اِمْرَأَةٍ مِنَّا - مِثْلَ مَا قَضَيْتَ، فَفَرِحَ بِهَا اِبْنُ مَسْعُودٍ - رَوَاهُ أَحْمَدُ، وَالْأَرْبَعَةُ، وَصَحَّحَهُ اَلتِّرْمِذِيُّ.
هذا الحديث فيه ثلاث مسائل:
الأولى: أن من مات عنها زوجها وقد عقد عليها، فعليها العدة (أربعة أشهر وعشرة أيام).
وهذا مجمع عليه، لعموم الأدلة، كقوله تعالى (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) فهذه عامة في المدخول بها وغير المدخول بها.
الثانية: أن لها الميراث من زوجها الذي عقد عليها ثم مات، لأنها زوجة، والإرث يثبت بمجرد العقد، إذ هو سببه وليس الوطء، وهذا أيضاً مجمع عليه.
الثالثة: أن المرأة إذا مات زوجها ولم يفرض لها صداقاً (قبل الدخول) فإنها تستحق الصداق كاملاً، وذلك بأن يفرض لها مثل صداق نسائها.
стр. 1449
• الحكم لو طلق زوجته:
المطلقة لا تخلو من ثلاث حالات:
أولاً: أن يكون الطلاق رجعياً، كالطلقة الأولى أو الثانية.
فإن مات زوجها وهي في العدة فإنها ترثه بإجماع العلماء، وذلك لأن المطلقة الرجعية لا تزال زوجته ما دامت في العدة، فإن انقضت عدتها فلا ترث، لأنها صارت أجنبية من الزوج المطلق.
ثانياً: أن يكون الطلاق بائناً كالطلقة الثالثة، ويكون الطلاق في حال صحة الزوج.
فإن مات زوجها فإنها لا ترثه بإجماع العلماء، لانقطاع الصلة بينها وبين زوجها المطلق.
ثالثاً: أن يكون الطلاق بائناً كالطلقة الثالثة، ويكون الطلاق في حال مرض الزوج مرض موت، ويكون الزوج متهماً بقصد حرمانها من الميراث، فقد اختلف العلماء في توريثها منه.
فذهب الإمام الشافعي إلى أنها لا ترث، وذهب الإمام أبو حنيفة إلى أنها ترث ما دامت في العدة، وذهب الإمام أحمد إلى أنها ترث ما لم تتزوج زوجاً آخر، معاملةً للزوج بنقيض قصده. (المغني).
وقد اختار مذهب الإمام أحمد في هذا، جماعة من علمائنا المعاصرين، منهم سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز، والشيخ محمد بن عثيمين، والشيخ صالح بن فوزان الفوزان.
وقد سئل فضيلة الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: هل ترث المرأة المطلقة التي توفي عنها زوجها وهي في فترة العدة أو بعد انقضاء العدة؟
فأجاب: المرأة المطلقة إذا مات زوجها وهي في العدة فإما أن يكون الطلاق رجعياً أو غير رجعي:
فإذا كان الطلاق رجعياً فهي في حكم الزوجة وتنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة، والطلاق الرجعي هو أن تكون المرأة طلقت بعد الدخول بها بغير عوض وكان الطلاق لأول مرة أو ثاني مرة، فإذا مات زوجها فإنها ترثه، لقول الله تعالى: (وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ)، وقوله تعالى: (يا أيها النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا).
стр. 1450
فقد أمر الله الزوجة المطلقة أن تبقى في بيت زوجها في فترة العدة، وقال: (لَا تُخْرِجُوهُنَّ مِنْ بُيُوتِهِنَّ وَلَا يَخْرُجْنَ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ لَا تَدْرِي لَعَلَّ اللَّهَ يُحْدِثُ بَعْدَ ذَلِكَ أَمْرًا) يعني به الرجعة.
أما إذا كانت المطلقة التي مات زوجها فجأة مطلقة طلاقاً بائناً مثل الطلقة الثالثة، أو أعطت الزوج عوضاً ليطلقها، أو كانت
في عدة فسخ لا عدة طلاق، فإنها لا ترث ولا تنتقل من عدة الطلاق إلى عدة الوفاة.
ولكن هناك حالة ترث فيها المطلقة طلاقاً بائناً مثل إذا طلقها الزوج في مرض موته متهماً حرمانها فإنها في هذه الحالة ترث منه ولو انتهت العدة ما لم تتزوج، فإنها إن تزوجت فلا إرث لها.
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ) تقدم.
(وَإِنْ كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلالَةً) أي: وإن كان رجل يورث كلالة أي: لا والد له ولا ولد، وورثه الحواشي.
• الحواشي: هم الإخوة وبنوهم، والأعمام وبنوهم سموا كلالة لأنهم أحاطوا بالميت حين فقد قرابة الولادة والنسب.
(أَوِ امْرَأَةٌ) عطف على رجل والمعنى: أو امرأة تورث كلالة.
(وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) الضمير في (وله) يعود على الرجل الذي يورث كلالة، والمرأة التي تورث كلالة، أي وله (أَخٌ أَوْ أُخْتٌ) أي من أم، وقد أجمع العلماء على أن المراد بالإخوة هنا الإخوة لأم.
• قال الرازي: أجمع المفسرون ههنا على أن المراد من الأخ والأخت: الأخ والأخت من الأم.
• وقال ابن قدامة: والمراد بهذه الآية الأخ والأخت من الأم، بإجماع أهل العلم. وفي قراءة سعد بن أبي وقاص (وله أخ أو أخت من أم) والكلالة في قول الجمهور: من ليس له ولد، ولا والد، فشرط في توريثهم عدم الولد والوالد، والولد يشمل الذكر والأنثى، والوالد يشمل الأب والجد. (المغني).
стр. 1451
(فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ) أي: فللأخ من الأم السدس، وللأخت للأم السدس أيضاً.
(فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ) أي: فإن كانوا أكثر من أخ، وأكثر من أخت، أي: فإن كان الإخوة لأم اثنين فأكثر ذكوراً كانوا أو إناثاً أو ذكوراً وإناثاً مجتمعين.
(فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ) أي: فهم شركاء في الثلث، أي: يقتسمون الثلث بينهم بالسوية ذكورهم وإناثهم في الميراث سواء.
• إذاً ميراث الإخوة من الأم:
الأخ من الأم يرث السدس بشروط:
الشرط الأول: عدم الفرع الوارث، لأنه يسقط به.
الشرط الثاني: عدم الأصل الوارث من الذكور لأنه يسقطه.
الشرط الثالث: أن يكون منفرداً، لقوله تعالى في هذه الآية (فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ).
ويستحقون الثلث بشروط:
الشرط الأول: عدم الفرع الوارث.
الشرط الثاني: عدم الأصل الوارث من الذكور لأنه يسقطه.
الشرط الثالث: أن يكونوا اثنين فأكثر، لقوله تعالى في هذه الآية (فَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ).
• أحكام خاصة بالإخوة لأم:
أولاً: أن ذكرهم كأنثاهم حال الانفراد، فمن انفرد منهم أخذ السدس ذكراً أو أنثى بخلاف غيرهم.
ثانياً: أن ذكرهم كأنثاهم حال الاجتماع فلا يفضل الذكر عن الأنثى.
ثالثاً: أنهم يحجبون من أدلوا به نقصاناً، فيحجبون الأم من الثلث إلى السدس وقد أدلوا بها.
رابعاً: أنهم يرثون مع من أدلوا به، فيرثون مع الأم وهم يدلون بها، أما غيرهم فيحجبه من أدلى به.
(مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ) أي: بعد إخراج الوصية إن كان هناك وصية، وبعد قضاء الدين إن كان هناك دين على الميت، وهذا توكيد لما سبق.
стр. 1452
(غَيْرَ مُضَارٍّ) أي: بشرط ألا تكون الوصية والدين مقصوداً بهما أو بأحدهما المضارة للورثة، بأي وجه من أوجه الضرر.
كأن يوصي لوارث، أو بأكثر من الثلث، أو بالثلث فأقل لكن بقصد الإضرار بالورثة والتضييق عليهم وتقليل نصيبهم، وكأن يستدين المريض ديناً يضر بالورثة، أو يقر بشيء ليس عليه.
(وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ) أي: عهداً مؤكداً من الله.
(وَاللَّهُ عَلِيمٌ) بكل شيء، شامل لجميع الأشياء، يعلم السر وأخفى، ويعلم ما في الصدور، ويعلم النيات.
• قال الرازي: أي عليم بمن جار أو عدل في وصيته.
(حَلِيمٌ) اسم من أسماء الله، ومعناه: الذي لا يعاجل بالعقوبة.
• قال الطبري: ذو حلم على خلقه، وذو أناة في تركه معاجلتهم بالعقوبة على ظلم بعضهم بعضاً.
• وقال ابن كثير: (حليم غفور) أن يرى عباده وهم يكفرون به ويعصونه، وهو يحلم فيؤخِّر ويُنظِر، ويُؤجّل ولا يَعجل، ويستر آخرين ويغفر.
• وقال السعدي: والحليم الذي يدر على خلقه النعم الظاهرة، والباطنة مع معاصيهم، وكثرة زلاتهم، فيحلم عن مقابلة العاصين بعصيانهم، ويمهلهم كي ينيبوا.
• قال ابن القيم:
هو الحليم فلا يعاجل عبده … بعقوبة ليتوب من عصيان.
• الآثار المترتبة على الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: محبة الله تعالى، حيث إن حلمه العظيم اقتضى الصبر على عباده العصاة، وعدم الاستعجال.
قال تعالى (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ).
وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ لَوْ يُؤَاخِذُهُمْ بِمَا كَسَبُوا لَعَجَّلَ لَهُمُ الْعَذَابَ بَلْ لَهُمْ مَوْعِدٌ لَنْ يَجِدُوا مِنْ دُونِهِ مَوْئِلاً).
ثانياً: فتح باب الرجاء وعدم اليأس من رحمة الله، والمبادرة إلى التوبة والإنابة عن الذنوب مهما عظمت، لأنه سبحانه ما أخّر العقوبة على الذنب إلا للإنابة والتوبة.
ثالثاً: من آثار حلمه ، أنه لا يستجيب لاستعجال عباده بإنزال العقوبة بالكافرين.
قال تعالى (وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ وَعْدَهُ وَإِنَّ يَوْماً عِنْدَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِمَّا تَعُدُّونَ).
رابعاً: مجاهدة النفس بالتخلق بهذا الخلق الكريم ألا وهو صفة الحلم، فهو سبحانه حليم يحب من عباده الحلماء.
وقد أثنى الله على خليله ونبيه إبراهيم بقوله (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ).
стр. 1453
وجعل من صفات نبيه إسماعيل الحلم، وذلك بقوله (فَبَشَّرْنَاهُ بِغُلامٍ حَلِيمٍ).
والحلم من الصفات التي يحبها الله، قال ﷺ للأشج أشج عبد قيس (إن فيك خصلتين يحبها الله: الحلم والأناة).
والحِلْم: ضبط النَّفس والطَّبع عن هيجان الغضب.
قال ﷺ (من كظم غيظاً وهو قادر على أن ينفذه دعاه الله على رؤوس الخلائق يوم القيامة حتى يخيره من الحور العين ما شاء الله) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (التَّأنِّي مِن اللَّه، والعجلة مِن الشَّيطان، وما أحدٌ أكثر معاذير مِن اللَّه، وما مِن شيءٍ أحبُّ إلى اللَّه مِن الحِلْم).
وقال رسول الله ﷺ (إنَّما العلم بالتَّعلم، وإنَّما الحِلْم بالتَّحلُّم، مَن يتحرَّى الخير يُعْطَه، ومَن يتَّق الشَّرَّ يُوقَه).
وقال ﷺ (ليس الشَّديد بالصَّرَعَة، إنَّما الشَّديد الذي يملك نفسه عند الغضب).
• قال ابن عبد البر: في هذا الحديث مِن الفقه: فضل الحِلْم. وفيه دليلٌ على أنَّ الحِلْم: كتمان الغيظ. وأنَّ العاقل مَن مَلَك نفسه عند الغضب؛ لأنَّ العقل -في اللُّغة-: ضبط الشَّيء وحبسه منه.
стр. 1454
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (والله عليم حليم) تذييل، وذكر وصف العلم والحلم هنا لمناسبة أنّ الأحكام المتقدّمة إبطال لكثير من أحكام الجاهلية، وقد كانوا شرعوا مواريثهم تشريعاً مثاره الجهل والقساوة، فإنّ حرمان البنت والأخ للأمّ من الإرث جهل بأنّ صلة النسبة من جانب الأمّ مماثلة لصلة نسبة جانب الأب، فهذا ونحوه جهل، وحرمانهم الصغار من الميراث قساوة منهم.
الفوائد:
١ - ثبوت التوارت بسبب الزوجية.
٢ - أن التوارث بالزوجية يكون من الجانبين.
٣ - أن المرأة تكون زوجة بمجرد العقد، فلو مات زوجها بعد العقد فإنها ترث منه وكذلك العكس.
٤ - فيه بيات ميراث الزوجان.
٥ - أن الزوجة حرة في التصرف في مالها.
٦ - عناية الإسلام بالمرأة حيث جعل لها نصيباً من الميراث.
٧ - بيان ميراث الإخوة من الأم.
٨ - تحريم المضار بالوصية.
٩ - أن الوصية المضار بها باطلة لا اعتبار لها.
١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله: العليم - الحليم.
١١ - أن الله لا يعاجل من عصاه، بل يمهل ولا يهمل.
١٢ - تحذير من خالف أمر الله في المواريث بأن الله عليم به. (السبت: ١٧/ ١/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1455
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٣) وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُّهِينٌ (١٤)). [النساء: ١٣ - ١٤].
(تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: هذه الفرائض والمقادير التي جعلها الله للورثة بحسب قربهم من الميت واحتياجهم إليه وفقدهم له عند عدمه، هي حدود الله فلا تعتدوها ولا تجاوزوها.
• قال الرازي: قوله تعالى (تِلْكَ) إشارة إلى ماذا؟ فيه قولان:
الأول: إنه إشارة إلى أحوال المواريث.
القول الثاني: إنه إشارة إلى كل ما ذكره من أول السورة إلى ههنا من بيان أموال الأيتام وأحكام الأنكحة وأحوال المواريث وهو قول الأصم.
حجة القول الأول: أن الضمير يعود إلى أقرب المذكورات.
وحجة القول الثاني: أن عوده إلى الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد مانع يوجب عوده إلى الكل.
• حدود الله تنقسم إلى قسمين: حدود واجبات، وحدود محرمات، أما حدود الواجبات فهي ما أوجبه الله على عباده بشروطها وأركانها وواجباتها، وأما حدود النواهي فهي ما حرمه الله على عباده كالزنا واللواط وشرب الخمور وقتل النفس، فإذا قال الله (تلك حدود الله فلا تعتدوها) فهي من حدود الأوامر، وإذا قال (تلك حدود الله فلا تقربوها) فهي من حدود النواهي.
• قال الآلوسي: وأطلقت عليها الحدود لشبهها بها من حيث إن المكلف لا يجوز له أن يتجاوزها إلى غيرها.
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) أي: ومن يطع الله ورسوله بفعل ما أمر الله به واجتناب ما نهى الله عنه في كل شيء، ومن ذلك ما ورد ما أحكام الميراث في الآيات السابقة، فلم يزد بعض الورثة ولم ينقص بعضاً بحيلة ووسيلة، بل تركهم على حكم الله وفريضته وقسمته.
• قوله (ورسوله) محمد ﷺ ، لأن القرآن نزل عليه، ولا رسول بعده، وإنما عطف اسم الرسول ﷺ أو وصفه على اسمه بالواو، لأن طاعة الرسول طاعة لله، كما قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).
(يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤه دخول الجنان.
стр. 1456
• والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ).
وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.
• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال ﷺ (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما).
• قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحياناً يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات.
(تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها.
• قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها.
• قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر، لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً.
• قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور:
أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.
• وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).
• قال ابن القيم: فذكر سبحانه هذه الأجناس الأربعة ونفى عن كل واحد منها الآفة التي تعرض له في الدنيا.
فآفة الماء أن يأسن ويأجن من طول مكثه، وآفة اللبن أن يتغير طعمه إلى الحموضة وأن يصير قارصاً، وآفة الخمر كراهة
مذاقها المنافي للذة شربها، وآفة العسل عدم تصفيته، وهذا من آيات الرب أن تجري أنهار من أجناس لم تجر العادة في الدنيا بإجرائها، ويجريها في غير أخدود، وينفي عنها الآفات التي تمنع كمال اللذة بها، كما ينفي عن خمر الجنة جميع آفات خمر الدنيا من الصداع والغول واللغو.
стр. 1457
• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود.
قال ابن القيم في النونية:
أنهارها في غير أخدود جرت … سبحان ممسكها عن الفيضانِ
(خَالِدِينَ فِيهَا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها. -قال النسفى: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع.
• وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له.
• قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه.
• وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً، كما قال بعض الشعراء:
أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصالِ
وأبغضُ أيام الوصال لأنني أرى كل وصلٍ معقباً بزوالِ
فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم.
وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة:
فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً)
وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم.
وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه.
стр. 1458
• فضائل طاعة الله ورسوله:
أولاً: سبب للرحمة.
قال تعالى: (وَأَطِيعُواْ اللّهَ وَالرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
وقال تعالى (وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ) (التوبة: ٧١)
ثانياً: مع الذين أنعم الله عليهم.
قال تعالى: (وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ).
ثالثاً: سبب للحياة الحقيقية.
قال تعالى: (اسْتَجِيبُواْ لِلّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُم لِمَا يُحْيِيكُمْ).
رابعاً: سبب للهداية.
قال تعالى: (وَإِن تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
خامساً: من علامات الإيمان.
قال تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
سادساً: سبب لدخول الجنة.
كما في هذه الآية.
وقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَنْ يَتَوَلَّ يُعَذِّبْهُ عَذَاباً أَلِيماً).
стр. 1459
• ومن أسباب دخول الجنة؟
أولاً: صلاة الفجر والعصر.
قال ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
ثانياً: التلفظ بالشهادتين مع العمل بمقتضاها.
قال ﷺ ( … أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنِّى رَسُولُ اللَّهِ لَا يَلْقَى اللَّهَ بِهِمَا عَبْدٌ غَيْرَ شَاكٍّ فِيهِمَا إِلاَّ دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.
وفي حديث أبي هريرة الطويل وفيه (قال أبو هريرة، فَقَالَ ﷺ : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ! وَأَعْطَانِي نَعْلَيْهِ قَالَ: اذْهَبْ بِنَعْلَيَّ هَاتَيْنِ فَمَنْ لَقِيتَ مِنْ وَرَاءِ هَذَا الْحَائِطِ يَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ مُسْتَيْقِناً بِهَا قَلْبُهُ فَبَشِّرْهُ بِالْجَنَّة) متفق عليه.
ثالثاً: إحصاء أسماء الله.
قال ﷺ (إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْماً مِائَةً إِلاَّ وَاحِداً مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ) متفق عليه.
رابعاً: قراءة آية الكرسي بعد الفريضة.
قال ﷺ (من قرأ آية الكرسي في دبر كل صلاة مكتوبة لم يمنعه من دخول الجنة إلا الموت) رواه النسائي.
خامساً: الذكر بعد الوضوء.
قال ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ فَيُبْلِغُ - أَوْ فَيُسْبِغُ - الْوُضُوءَ ثُمَّ يَقُولُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّداً عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ إِلاَّ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاء) رواه مسلم.
سادساً: لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال ﷺ (لا حول ولا قوة إلا بالله كنز من كنوز الجنة) متفق عليه.
سابعاً: سؤال الله الجنة.
قال ﷺ (من سأل الله الجنة ثلاث مرات، قالت الجنة: اللهم أدخله الجنة) رواه الترمذي.
стр. 1460
ثامناً: طلب العلم ابتغاء مرضات الله.
قال ﷺ (من سلك طريقاً يلتمس فيه علماً سهل الله له به طريقاً إلى الجنة) رواه مسلم.
تاسعاً: السنن الرواتب.
قال ﷺ (مَا مِنْ عَبْدٍ مُسْلِمٍ يُصَلِّى لِلَّهِ كُلَّ يَوْمٍ ثِنْتَىْ عَشْرَةَ رَكْعَةً تَطَوُّعاً غَيْرَ فَرِيضَةٍ إِلاَّ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتاً فِى الْجَنَّةِ أَوْ إِلاَّ بُنِىَ لَهُ بَيْتٌ فِى الْجَنَّة) رواه مسلم.
عاشراً: الحج المبرور.
قال ﷺ (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.
(وَذَلِكَ) أي: ما سبق من دخول الجنة والنعيم فيها والخلود.
(الْفَوْزُ الْعَظِيمُ) أي: الربح والظفر الموصوف بالعظمة، فهو عظيم كيفية من حيث كبره وضخامته وجلالته وتنوعه، وكمية من حيث كثرة عدده ودوامه.
كما قال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ).
(وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) المعصية مخالفة الأمر أو الوقوع في المعصية، والمعنى: ومن يعص الله ورسوله بترك واجب أو فعل محرم، ومن ذلك معصية الله في ترك العمل على مراد الله في قسمة الفرائض.
(وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ) أي: ويتجاوز حدود الله، والمراد أوامره بترك الواجب أو الغلو فيه.
(يديْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا) أي: يكون جزاؤه أن يدخله الله في نار جهنم، وهي الدار التي أعدها للكافرين.
(خَالِداً فِيهَا) المراد بالخلود هنا الإقامة الأبدية الدائمة، التي لا تحول ولا تزول.
• فأهل النار الذين هم الكفار مخلدون في نار جهنم لا يخرجون منها ولا تفنى على الصحيح من أقوال أهل العلم.
وقد ذكر الله أبديتها في القرآن في ثلاثة مواضع:
في سورة النساء. قال تعالى (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً).
وفي سورة الأحزاب. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً).
стр. 1461
وفي سورة الجن. قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً).
• أما إذا احتملت المعصية في الآية وتعدي حدود الله على ما دون الكفر فالمراد بالخلود الإقامة الطويلة دون الإقامة الأبدية.
(وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ) أي: ولهذا الذي يعص الله ورسوله له عذاب ونكال يهينه ويذله، لأنه استهان بربه وعصاه.
• قال ابن كثير: أي: لكونه غيّر ما حكم الله به، وضاد الله في حكمه، وهذا إنما يصدر عن عدم الرضا بما قسم الله وحكم به، ولهذا يجازيه بالإهانة في العذاب الأليم المقيم.
الفوائد:
١ - أن لله حدوداً يجب معرفتها والعمل بمقتضاها.
٢ - وجوب طاعة الله ورسوله.
٣ - أن طاعة الله ورسوله سبب لدخول الجنة.
٤ - أن المواريث من حدود الله.
٥ - إثبات الجزاء يوم القيامة.
٦ - عظم نعيم الجنة.
٧ - دوام نعيم الجنة.
٨ - أن دخول الجنة من أعظم الفوز.
٩ - أن معصية الله سبب لدخول النار.
١٠ - التحذير من تعدي حدود الله.
١١ - إثبات النار.
١٢ - إثبات دوام النار خلافاً لمن قال بفنائها.
١٣ - أن عذاب النار فيه الإهانة والذل. (انتهى الشريط ١١)
стр. 1462
(وَاللاَّتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِن نِّسَآئِكُمْ فَاسْتَشْهِدُواْ عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّىَ يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً (١٥)). [النساء: ١٥].
(وَاللَّاتِي يَأْتِينَ الْفَاحِشَةَ مِنْ نِسَائِكُمْ) أي: واللاتي يفعلن الفاحشة ويرتكبنها من نسائكم، سواء كن زوجات أو بنات أو أخوات أو غيرهن من نسائكم.
• وأجمعوا على أن الفاحشة ههنا الزنا، وإنما أطلق على الزنا اسم الفاحشة لزيادتها في القبح على كثير من القبائح.
• قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) والفاحشة كل ما تناهي وظهر قبحه في الشرع.
• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما ذكر في الآيات المتقدمة الأمر بالإحسان إلى النساء ومعاشرتهن بالجميل، وما يتصل بهذا الباب، ضم إلى ذلك التغليظ عليهن فيما يأتينه من الفاحشة، فإن ذلك في الحقيقة إحسان إليهن ونظر لهن في أمر آخرتهن، وأيضا ففيه فائدة أخرى: وهو أن لا يجعل أمر الله الرجال بالإحسان إليهن سببا لترك إقامة الحدود عليهن، فيصير ذلك سبباً لوقوعهن في أنواع المفاسد والمهالك، وأيضا فيه فائدة ثالثة، وهي بيان أن الله تعالى كما يستوفي لخلقه فكذلك يستوفي عليهم، وأنه ليس في أحكامه محاباة ولا بينه وبين أحد قرابة، وأن مدار هذا الشرع الإنصاف والاحتراز في كل باب عن طرفي الإفراط والتفريط، فقال (واللاتى يَأْتِينَ الفاحشة مِن نّسَائِكُمْ).
• قال أبو بكر ابن العربي: قوله تعالى (مِنْ نِسَائِكُمْ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْأَكْثَرُ مِنْ الصَّحَابَةِ: إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْأَزْوَاجُ.
وَقَالَ آخَرُونَ: الْمُرَادُ الْجِنْسُ مِنْ النِّسَاءِ، وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ: إنَّهُنَّ الْأَزْوَاجُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) وَقَوْلِهِ (الَّذِينَ يُظَاهِرُونَ مِنْكُمْ مِنْ نِسَائِهِمْ) وَأَرَادَ الْأَزْوَاجَ فِي الْآيَتَيْنِ، فَكَذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الثَّالِثَةِ، وَإِذَا كَانَ إضَافَةُ زَوْجِيَّةٍ فَلَا فَائِدَةَ فِيهَا إلَّا اعْتِبَارُ الثُّيُوبَةِ؛ قَالُوا: وَلِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ عُقُوبَتَيْنِ: إحْدَاهُمَا أَكْبَرُ مِنْ الْأُخْرَى، وَكَانَتْ الْأَكْبَرُ لِلثَّيِّبِ، وَالْأَصْغَرُ لِلْبِكْرِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ النِّسَاءِ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقُ اللَّفْظِ الَّذِي يَقْتَضِي ذَلِكَ وَعُمُومَهُ، فَأَمَّا الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ مِنْ آيَةِ الْإِيلَاءِ وَالظِّهَارِ فَإِنَّمَا أَوْقَفْنَاهُ عَلَى الْأَزْوَاجِ؛ لِأَنَّ الظِّهَارَ وَالْإِيلَاءَ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْإِيلَاءَ لَمَّا كَانَ مُجَرَّدًا عَنْ النِّكَاحِ بِأَنْ يَحْلِفَ أَلَّا يَطَأَ امْرَأَةً أَجْنَبِيَّةً فَوَطِئَهَا يَحْنَثُ إذَا وَطِئَهَا إذَا تَزَوَّجَهَا، وَإِنَّمَا وَقَفَ عَلَى الْأَجَلِ فِي الزَّوْجَةِ رَفْعًا لِلضَّرَرِ.
стр. 1463
(فَاسْتَشْهِدُوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعَةً مِنْكُمْ) أي: اطلبوا عليهن أربعة رجال ذكور يشهدون بأنهن أتين فاحشة الزنا، فلابد لثبوت الزنا
أربعة شهود من الرجال.
• قال القرطبي: فجعل الله الشهادة على الزنا خاصة أربعةً تغليظاً على المدّعِي وستراً على العباد.
(فَإِنْ شَهِدُوا) أي: هؤلاء الأربعة بأنهن أتين فاحشة.
(فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ حَتَّى يَتَوَفَّاهُنَّ الْمَوْتُ) أي: احبسوهن في البيوت وامنعوهن عن الخروج، حتى لا يخرجن فيفتن الرجال، ويفتتن الرجال، ففي حبسهن درءاً لأسباب الفتنة.
• والخطاب لولاة الأمر من القضاة والأمر.؟؟؟
• وهذا الحكم كان في ابتداء الإسلام، أن المرأة إذا زنت فثبت زناها بالبينة العادلة، حُبست في بيت فلا تُمكن من الخروج منه إلى أن تموت، ثم نسخ هذا الحكم.
• قال بعض العلماء: خص تعالى الحبس في البيت بالمرأة وخص الإيذاء بالرجل، والسبب فيه: أن المرأة إنما تقع في الزنا عند الخروج والبروز، فإذا حبست في البيت انقطعت مادة هذه المعصية، وأما الرجل فإنه لا يمكن حبسه في البيت، لأنه يحتاج إلى الخروج في إصلاح معاشه وترتيب مهماته واكتساب قوت عياله.
ولذلك شرع للنساء القرار في البيوت:
قال الله تعالى (وَقَرْنَ فِي بُيُوتِكُنَّ).
وقال ﷺ (المرأة عورة، فإذا خرجت استشرفها الشيطان) رواه الترمذي.
стр. 1464
وانظر إلى جميل الاعتذار الذي اعتذرت به هاتان المرأتان وهما تجيبان موسى إذ سألهما (قالَ مَا خَطْبُكُمَا) (قَالَتَا لا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ) فذكرتا عذرهما في الخروج وأوضحتا السبب الذي كان من أجله هذا الخروج.
وقال ﷺ (لا تمنعوا نساءكم مساجدكم، وبيوتهن خير لهن) رواه أبوداود.
(أَوْ يَجْعَلَ اللَّهُ لَهُنَّ سَبِيلاً) أي: أو يجعل الله لهن حكماً شرعياً آخر يكون طريقاً ومخرجاً من هذا الإمساك، وقد جعل الله سبيلاً ومخرجاً بما شرعه من جلد غير المحصن وتغريبه، ورجم المحصن.
قال تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).
وعن عبادة بن الصامت. قال: قال ﷺ (خذوا عني خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلاً: البكر بالبكر جلد مائة وتغريب عام، والثيب بالثيب جلد مائة والرجم) رواه مسلم.
الفوائد:
١ - حرص الإسلام على حفظ الأعراض.
٢ - أن الزنا من أعظم الذنوب.
٣ - لابد من بيّنة الزنا من شهادة أربعة رجال كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَة … ).
٤ - لابد أن يكون الشهود على الزنا من المسلمين وأن يكونوا عدولاً.
٥ - حبس الزانية حتى تتوب عقوبة لها، ومنعاً لأسباب الفتنة، وكان هذا حكم الزانية في أول الإسلام
٦ - الإشارة إلى أن بيوت النساء خير لهن وأسلم وفي الحديث (وبيوتهن خير لهن).
٧ - أن قرار المرأة في بيتها أفضل وأبعد من الفتنة.
стр. 1465
(وَاللَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنكُمْ فَآذُوهُمَا فَإِن تَابَا وَأَصْلَحَا فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (١٦)). [النساء: ١٦].
(وَالَّذَانِ يَأْتِيَانِهَا مِنْكُمْ) الضمير يعود إلى الفاحشة.
وقد اختلف في المراد بها هنا:
فقيل: أنّ المرادَ بها اللاَّئِطَانِ، فهي في فاحشةِ اللِّوَاطِ.
ولهذا ذكرهما بلفظ التثنية في قوله (واللذان) وفي قوله (يأتيانها) أي: الفاعل والمفعول.
وهذا مَرْويٌّ عن مُجاهد، وقالَ بهِ أبو مسلم الأصفهاني، والنحاس.
وقيل: المراد بالفاحشة هنا الزنا، وتكون الفاحشة في الآية الأولى في الزانيات من النساء مطلقاً محصنات وغير محصنات، والآية الثانية في الزناة من الرجال المحصن وغير المحصن.
• قال القرطبي: واختلف العلماء في تأويل قوله تعالى: (وَاللاَّتِي) وقوله: (وَاللَّذَانِ) فقال مجاهد وغيره: الآية الأُولى في النساء عامّة محصناتٍ وغير محصناتٍ، والآية الثانية في الرجال خاصة.
وبيّن لفظ التثنية صنفي الرجال من أحْصَن ومن لم يُحصن؛ فعقوبة النساء الحبسُ، وعقوبة الرجال الأذَى.
وهذا قول يقتضيه اللفظ، ويستوفي نصُّ الكلام أصناف الزناة.
ويؤيّده من جهة اللفظ قوله في الأُولى: (مِنْ نِسَائِكُمْ) وفي الثانية (مِنْكُمْ) واختاره النحاس ورواه عن ابن عباس.
وقيل: قال السدي وقتادة وغيرهما: الأُولى في النساء المحصنات، يريد: ودخل معهنّ من أحصِن من الرجال بالمعنى، والثانية في الرجل والمرأة البِكرين.
• قال ابن عطية: ومعنى هذا القول تام إلا أن لفظ الآية يقلق عنه.
وقد رجّحه الطبري، وأباه النحاس وقال: تغليب المؤنث على المذكر بعيد؛ لأنه لا يخرج الشيء إلى المجاز ومعناه صحيح في الحقيقة.
стр. 1466
وقيل أقوال أخرى، والله أعلم.
• قال ابن عاشور: (واللاّتي يأتين الفاحشة) ولا شكّ أنّ المراد بـ (اللذان) صنفان من الرجال: وهما صنف المحصنين، وصنف غير المحصنين منهم، وبذلك فسّره ابن عباس في رواية مجاهد، وهو الوجه في تفسير الآية، وبه يتقوّم معنى بيِّن غير متداخل ولا مُكَرّر.
ووجه الإشعار بصنفي الزناة من الرجال التحرّز من التماس العذر فيه لغير المحصنين.
ويجوز أن يكون أطلق على صنفين مختلفين أي الرجال والنساء على طريقة التغليب الذي يكثر في مثله، وهو تفسير السدّي وقتادة، فعلى الوجه الأول تكون الآية قد جعلت للنساء عقوبة واحدة على الزنى وهي عقوبة الحبس في البيوت، وللرجال عقوبة على الزنى، هي الأذى سواء كانوا محصنين بزوجات أم غير محصنين، وهم الأعزبون.
وعلى الوجه الثاني: تكون قد جعلت للنساء عقوبتين: عقوبة خاصّة بهنّ وهي الحبس، وعقوبة لهنّ كعقوبة الرجال وهي الأذى، فيكون الحبس لهنّ مع عقوبة الأذى.
(فَآذُوهُمَا) أي: افعلوا معهما وقولوا لهما ما يكون فيه أذية لهما بالقول بالسب والتعيير والتوبيخ وبالفعل بالضرب باليد والنعال ونحو ذلك.
(فَإِنْ تَابَا) أي: أقلعا ونزعا عما كانا عليه.
(وَأَصْلَحَا) أي: صلحت أعمالهما وحسنت.
(فَأَعْرِضُوا عَنْهُمَا) أي: كفوا عنهما واتركوهما ولا تتعرضوا لهما بأذى، لا بقول ولا فعل.
• وهذه الآية غير معمول فيها بالاتفاق.
• قال القرطبي: وإنما كان هذا قبل نزول الحدود، فلما نزلت الحدود نسخت هذه الآية.
• وقال ابن عاشور: واتّفق العلماء على أنّ هذا حكم منسوخ بالجلد المذكور في سورة النور، وبما ثبت في السنّة من رجم المحصنين.
• قال السمرقندي: ثم نسخ الحبس والأذى بالرجم والجلد، وإنما كان التعيير في ذلك الزمان لأن التعيير حل محل الجلد، وأما اليوم فلا ينفعهم التعيير.
стр. 1467
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ تَوَّاباً) اسم من أسماء الله، وتواباً صيغة مبالغة لكثرة توبته وكثرة من يتوب عليهم.
فالتواب: اسم من أسماء الله، معناه: التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه.
• قال السعدي: هو التائب على التائبين أولاً: بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد توبتهم قبولاً لها وعفواً عن خطاياهم.
• ووصف نفسه سبحانه بالتواب - وهي صيغة مبالغة - لكثرة من يتوب عليهم، ولكثرة توبته على العبد.
• وتوبة الله على العبد نوعان:
أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.
الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• أثر الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: أن الله يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، مهما كثرت وعظمت.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ).
وقال تعالى في حق من اتهموه بأعظم النفس (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ … ) قال في الآية بعدها (أفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ وَيَسْتَغْفِرُونَهُ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
ثانياً: إفراد الله بالتوبة وطلب العفو وغفران الذنوب، لأنه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا الله وحده كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
ثالثاً: الحياء من الله، البر الرحيم التواب الغفور، الذي يفرح بتوبة عبده، وهذا الحياء إذا تمكن من القلب أثمر تعظيماً لله وحياء منه، ومبادرة إلى طاعته وترك معاصيه قدر الجهد والاستطاعة.
رابعاً: عدم اليأس من رحمة الله، والقوة في رجائه.
(رَحِيماً) اسم من أسماء الله دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى.
كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
стр. 1468
• والرحمة المضافة إلى الله تعالى نوعان:
الأول: رحمة ذاتية موصوف بها سبحانه على الوجه اللائق به سبحانه، يجب إثباتها من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه، كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ).
الثاني: رحمة مخلوقة أنزل الله منها رحمة واحدة يتراحم بها الخلائق وأمسك عنده تسعاً وتسعين رحمة يرحم الله بها عباده يوم القيامة.
كما قال ﷺ (إن لله مائة رحمة، أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام فبها يتعاطفون، وبها يتراحمون، وبها تعطف الوحش على ولدها، وأخر الله تسعاً وتسعين رحمة يرحم بها عباده يوم القيامة) رواه مسلم.
ومن ذلك ما جاء في قوله ﷺ (إن الله قال عن الجنة: أنتِ رحمتي أرحم بك من أشاء ..... ) وهذه الرحمة ليست صفة لله تعالى، بل هي من أثر رحمته التي هي صفته الذاتية الفعلية.
• ورحمة الله تعالى لعباده نوعان:
الأولى: رحمة عامة.
وهي لجميع الخلائق بإيجادهم، وتربيتهم، ورزقهم، وإمدادهم بالنعم والعطايا، وتصحيح أبدانهم، وتسخير المخلوقات من نبات وحيوان وجماد في طعامهم وشرابهم، ومساكنهم، ولباسهم، وحركاتهم، وغير ذلك من النعم التي لا تعد ولا تحصى
الثانية: رحمة خاصة.
وهذه الرحمة لا تكون إلا للمؤمنين فيرحمهم الله في الدنيا بتوفيقهم إلى الهداية والصراط المستقيم، ويثبتهم عليه، ويدافع عنهم، وينصرهم على الكافرين، ويرزقهم الحياة الطيبة ويبارك لهم فيها، ويمدهم بالصبر واليقين عند المصائب، ويغفر لهم ذنوبهم، ويكفرها بالمصائب، ويرحمهم في الآخرة بالعفو عن سيئاتهم والرضا عنهم والإنعام عليهم بدخول الجنة، كما قال تعالى (وَكَانَ بِالْمُؤْمِنِينَ رَحِيماً).
стр. 1469
قال الشيخ ابن عثيمين: فهي رحمة إيمانية دينية دنيوية.
• ومن أعظم آثار رحمة الله تعالى إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجاً لهم من الظلمات إلى النور، كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ) وقال تعالى (ونَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَاناً لِكُلِّ شَيْءٍ وَهُدىً وَرَحْمَةً وَبُشْرَى لِلْمُسْلِمِينَ).
• ومن رحمته: سبحانه مغفرته لذنوب عباده بالصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوب لهم، كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
• ينبغي على العبد أن يتصف بصفة الرحمة، فقد مدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ)، ومن أسمائه ﷺ (نبي الرحمة) ومدح الصحابة بقوله (رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ)، وخص أبو بكر من بينهم بقوله (أرحم أمتي بأمتي أبو بكر).
• الآثار المرتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: محبة الله المحبة العظيمة، وذلك حينما يفكر العبد وينظر في آثار رحمة الله في الآفاق وفي النفس والتي لا تعد ولا تحصى، وهذا يثمر تجريد المحبة لله والعبودية الصادقة له سبحانه، وتقديم محبته على النفس والأهل والمال والناس جميعاً.
ثانياً: عبودية الرجاء والتعلق برحمة الله وعدم اليأس من رحمة الله تعالى، فإن الله قد وسعت رحمته كل شيء، وحسن الظن بالله وانتظار الفرج بعد الشدة من أجل العبادات.
ثالثاً: اتصاف العبد بالرحمة وبذلها لعباد الله ﵎، وقد حض الله عباده على التخلق بها، ومدح بها أشرف رسله فقال (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ) ومن أسمائه ﷺ أنه نبي الرحمة، ومدح الصحابة بقوله (رحماء بينهم) وخُص أبو بكر بينهم بالكمال البشري في الرحمة بعد الرسل حيث قال ﷺ فيه (أرحم أمتي أبو بكر) رواه أحمد.
رابعاً: التعرض لرحمة الله بفعل أسبابها.
стр. 1470
• وإذا كان الله رحيماً فينبغي أن يعمل بالأسباب التي تنال بها الرحمة:
أولاً: رحمة الناس.
قال ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (إنما يرحم الله من عباده الرحماء) متفق عليه.
وقال ﷺ (والشاة إن رحمتها رحمك الله) رواه أحمد.
ثانياً: الإحسان.
قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
ثالثاً: طاعة الرسول ﷺ .
قال تعالى (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ)
رابعاً: السماحة في البيع والشراء.
قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى). رواه البخاري.
خامساً: عيادة المريض.
قال رسول الله ﷺ (من عاد مريضاً خاض في الرحمة) رواه مسلم.
سادساً: قيام الليل وإيقاظ الأهل.
قال رسول الله ﷺ (رحم الله رجلا قام من الليل فصلى وايقظ امرأته، فإن أبت نضح في وجهها الماء) رواه أبو داود.
سابعاً: الحلق في النسك.
قال رسول الله ﷺ (اللهم ارحم المحلقين ثلاثاً) متفق عليه.
ثامناً: مجالس الذكر.
قال رسول الله ﷺ (لا يقعد قوم يذكرون الله إلا حفتهم الملائكة وغشيتهم الرحمة) رواه مسلم.
تاسعاً: الجلوس في المسجد.
قال رسول الله ﷺ (إن الملائكة تستغر للمصلي مادام في مصلاه تقول: اللهم اغفر له اللهم ارحمه) متفق عليه.
عاشراً: سماع حديث الرسول وتبليغه.
قال رسول الله ﷺ (رحم الله من سمع مني حديثاً فبلغه كما سمعه، فرب مبلغ أوعى من سامع) رواه ابن حبان.
стр. 1471
الحادي عشر: الإنصات للقرآن.
قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
الثاني عشر: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
قال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
الثالث عشر: الاستغفار.
قال تعالى (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ).
• والحكمة من قرن توبته برحمته:
أولاً: أن الله تعالى رحيم بعباده فلا يعاقبهم بعد التوبة.
ثانياً: أنه تعالى لا يخذل ولا يرد من جاء منهم تائباً، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء وملء الأرض.
ثالثاً: أن قبوله لتوبة عباده تفضل منه عليهم، وهو مقتضى رحمته تعالى بهم.
الفوائد:
١ - اعتناء الشريعة بتحريم الفواحش وتطهير النفوس.
٢ - حكمة الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود، لأن في ذلك حفظاً للمجتمع وسلامة للأمة وللناس (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب).
٣ - أن من تاب وأصلح يكف عنه.
٤ - أن من شروط التوبة أن يقارنها إصلاح.
٥ - سعة رحمة الله وقبوله توبة التائبين. (السبت/ ٢٤/ ١/ ١٤٣٣ هـ).
стр. 1472
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)). [النساء: ١٧ - ١٨].
(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي: إنما التوبة التي كتب الله على نفسه قبولها.
(لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ) أي: للذين يعملون العمل السيئ القبيح، الذي يسوء صاحبه، والسيئات: تكون بارتكاب المنكرات أو بترك الواجبات.
• سميت سيئة لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلاً بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه.
(بِجَهَالَةٍ) أي: بسفاهة، ولهذا أجمع الصحابة على أن كل ذنب عصيَ الله به فهو جهالة عمداً كان أو جهلاً.
• وليس المراد بالجهالة هنا الجهالة التي هي ضد العلم، لأن من يعلم السوء وهو جاهل غير عالم لا يؤاخذ ولا ذنب عليه بل هو معذور.
قال الرازي: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخباراً عن يوسف ﵇ (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين) وقال حكاية عن يوسف ﵇ أنه قال لإخوته (هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون) وقال تعالى (يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين) وقال تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين) وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: يا جاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلاً، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك.
стр. 1473
(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) أي: قبل الموت، قال ابن القيم: جمهور المفسرين على أن التوبة من قريب: أنها التوبة قبل المعاينة.
وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت فهو قريب.
• قال الخازن: وإنما سميت هذه المدة قريبة لأن كل ما هو آت قريب وفيه تنبيه على أن عمر الإنسان وإن طال فهو قليل وأن الإنسان يتوقع في كل ساعة ولحظة نزول الموت به.
(فَأُولَئِكَ) إشارة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب.
(يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) تأكيد لتوبته عليهم.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً) بإخلاص من يتوب.
(حَكِيماً) في جميع أحكامه وأوامره.
(وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: وليس قبول التوبة ممن ارتكاب السيئات والمنكرات واستمر عليها.
(حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) أي: حتى إذا فأجاهم الموت وحضرت أسبابه وعلاماته وبلغت الحلقوم.
(قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) أي: قال في هذه الحال حضور الموت، واليأس من الحياة، إني تبت الآن، فهؤلاء لا تنفعهم توبتهم في هذه الحال، لأن توبتهم توبة اضطرار لا اختيار كما قال تعالى عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) وقال تعالى (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ).
• ذكر الله في هذه الآية شرط من شروط قبول التوبة، وهو أن تكون التوبة في الوقت التي تجوز فيها، وهو أن تكون التوبة قبل الغرغرة.
стр. 1474
والدليل على هذا الشرط هذه الآية.
وقوله تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا).
وقال في صفة فرعون (حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل وَأَنَاْ مِنَ المسلمين ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين) فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولاً.
وقوله تعالى (حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبّ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا).
وقوله تعالى (وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين وَلَن يُؤَخِرَ اللهُ نفساً إذا جَاءَ أَجَلها) فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت.
وقوله ﷺ (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) رواه الترمذي.
أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله.
وأما قبل ذلك ولول بقليل يجوز:
فقد قال ﷺ لعمه (يا عم قل لا إله إلا الله).
وعَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ).
والوقت الثاني الذي لا تقبل فيه التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها.
لقوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ
نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)
стр. 1475
قوله (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) المراد بذلك: طلوع الشمس من مغربها، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ .
فعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) متفق عليه.
وعن أبي ذر. قال: قال رسول الله ﷺ (أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قلت: لا أدري، قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي، يوشك يا أبا ذر! أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ .. ) متفق عليه.
وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) رواه مسلم.
وعن أبي موسى قال ﷺ (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من معربها) رواه مسلم.
(يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) أي: إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك، فإن كان مصلحاً في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلّطاً فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه كما جاء بذلك الأحاديث.
(أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) أي: ولا ينفع المؤمن المقصر أن يزداد خيره بعد ذلك.
• قال ابن الجوزي: وإنما لم ينفع الإيمان والعمل الصالح حينئذ لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان.
• وقال القرطبي: قال العلماء: وإنما لا ينفع نفساً إيمانُها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تُخْمَدُ معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتَفْتُر كلّ قوّة من قوى البدن؛ فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدُنُو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدّواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تُقبل توبته، كما لا تُقبل توبة من حضره الموت.
следующие страницы →