← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1471–1510 · переход к 1476.

стр. 1471

الحادي عشر: الإنصات للقرآن. قال تعالى (وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). الثاني عشر: إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. قال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). الثالث عشر: الاستغفار. قال تعالى (لَوْلا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ). • والحكمة من قرن توبته برحمته: أولاً: أن الله تعالى رحيم بعباده فلا يعاقبهم بعد التوبة. ثانياً: أنه تعالى لا يخذل ولا يرد من جاء منهم تائباً، ولو بلغت ذنوبه عنان السماء وملء الأرض. ثالثاً: أن قبوله لتوبة عباده تفضل منه عليهم، وهو مقتضى رحمته تعالى بهم. الفوائد: ١ - اعتناء الشريعة بتحريم الفواحش وتطهير النفوس. ٢ - حكمة الشريعة الإسلامية بإقامة الحدود، لأن في ذلك حفظاً للمجتمع وسلامة للأمة وللناس (ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب). ٣ - أن من تاب وأصلح يكف عنه. ٤ - أن من شروط التوبة أن يقارنها إصلاح. ٥ - سعة رحمة الله وقبوله توبة التائبين. (السبت/ ٢٤/ ١/ ١٤٣٣ هـ).

стр. 1472

(إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَئِكَ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً (١٧) وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ أُوْلَئِكَ أَعْتَدْنَا لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٨)). [النساء: ١٧ - ١٨]. (إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللَّهِ) أي: إنما التوبة التي كتب الله على نفسه قبولها. (لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوءَ) أي: للذين يعملون العمل السيئ القبيح، الذي يسوء صاحبه، والسيئات: تكون بارتكاب المنكرات أو بترك الواجبات. • سميت سيئة لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلاً بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه. (بِجَهَالَةٍ) أي: بسفاهة، ولهذا أجمع الصحابة على أن كل ذنب عصيَ الله به فهو جهالة عمداً كان أو جهلاً. • وليس المراد بالجهالة هنا الجهالة التي هي ضد العلم، لأن من يعلم السوء وهو جاهل غير عالم لا يؤاخذ ولا ذنب عليه بل هو معذور. قال الرازي: قال المفسرون: كل من عصى الله سمي جاهلا وسمي فعله جهالة، قال تعالى إخباراً عن يوسف ﵇ (أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُن مّنَ الجاهلين) وقال حكاية عن يوسف ﵇ أنه قال لإخوته (هَلْ عَلِمْتُمْ مَّا فَعَلْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيهِ إِذْ أَنتُمْ جاهلون) وقال تعالى (يا نوح إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالح فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَ الجاهلين) وقال تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا قَالَ أَعُوذُ بالله أَنْ أَكُونَ مِنَ الجاهلين) وقد يقول السيد لعبده حال ما يذمه على فعل: يا جاهل لم فعلت كذا وكذا، والسبب في إطلاق اسم الجاهل على العاصي لربه أنه لو استعمل ما معه من العلم بالثواب والعقاب لما أقدم على المعصية، فلما لم يستعمل ذلك العلم صار كأنه لا علم له، فعلى هذا الطريق سمي العاصي لربه جاهلاً، وعلى هذا الوجه يدخل فيه المعصية سواء أتى بها الإنسان مع العلم بكونها معصية أو مع الجهل بذلك.

стр. 1473

(ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ) أي: قبل الموت، قال ابن القيم: جمهور المفسرين على أن التوبة من قريب: أنها التوبة قبل المعاينة. وروي عن الضحاك أنه قال: كل ما كان قبل الموت فهو قريب. • قال الخازن: وإنما سميت هذه المدة قريبة لأن كل ما هو آت قريب وفيه تنبيه على أن عمر الإنسان وإن طال فهو قليل وأن الإنسان يتوقع في كل ساعة ولحظة نزول الموت به. (فَأُولَئِكَ) إشارة للذين يعملون السوء بجهالة ثم يتوبون من قريب. (يَتُوبُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) تأكيد لتوبته عليهم. (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً) بإخلاص من يتوب. (حَكِيماً) في جميع أحكامه وأوامره. (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ) أي: وليس قبول التوبة ممن ارتكاب السيئات والمنكرات واستمر عليها. (حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ) أي: حتى إذا فأجاهم الموت وحضرت أسبابه وعلاماته وبلغت الحلقوم. (قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ) أي: قال في هذه الحال حضور الموت، واليأس من الحياة، إني تبت الآن، فهؤلاء لا تنفعهم توبتهم في هذه الحال، لأن توبتهم توبة اضطرار لا اختيار كما قال تعالى عن فرعون (حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرائيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) وقال تعالى (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ. فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّتَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ وَخَسِرَ هُنَالِكَ الْكَافِرُونَ). • ذكر الله في هذه الآية شرط من شروط قبول التوبة، وهو أن تكون التوبة في الوقت التي تجوز فيها، وهو أن تكون التوبة قبل الغرغرة.

стр. 1474

والدليل على هذا الشرط هذه الآية. وقوله تعالى (فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إيمانهم لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا). وقال في صفة فرعون (حتى إِذَا أَدْرَكَهُ الغرق قَالَ ءامَنتُ أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذى ءامَنَتْ بِهِ بَنواْ إسراءيل وَأَنَاْ مِنَ المسلمين ءالئَنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ المفسدين) فلم يقبل الله توبته عند مشاهدة العذاب، ولو أنه أتى بذلك الإيمان قبل تلك الساعة بلحظة لكان مقبولاً. وقوله تعالى (حتى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الموت قَالَ رَبّ ارجعون لَعَلّى أَعْمَلُ صالحا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا). وقوله تعالى (وَأَنفِقُواْ مِمَّا رزقناكم مّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الموت فَيَقُولُ رَبّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إلى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مّنَ الصالحين وَلَن يُؤَخِرَ اللهُ نفساً إذا جَاءَ أَجَلها) فأخبر تعالى في هذه الآيات أن التوبة لا تقبل عند حضور الموت. وقوله ﷺ (إن الله يقبل توبة العبد ما لم يغرغر) رواه الترمذي. أي تبلغ روحه رأس حلقه، وذلك وقت المعاينة الذي يرى فيه مقعده من الجنة أو مقعده من النار؛ فالمشاهد لطلوع الشمس من مغربها مثله. وأما قبل ذلك ولول بقليل يجوز: فقد قال ﷺ لعمه (يا عم قل لا إله إلا الله). وعَنْ أَنَسٍ ﵁ (قَالَ كَانَ غُلَامٌ يَهُودِيٌّ يَخْدُمُ النَّبِيَّ ﷺ فَمَرِضَ فَأَتَاهُ النَّبِيُّ ﷺ يَعُودُهُ فَقَعَدَ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقَالَ لَهُ أَسْلِمْ فَنَظَرَ إِلَى أَبِيهِ وَهْوَ عِنْدَهُ فَقَالَ لَهُ أَطِعْ أَبَا الْقَاسِمِ ﷺ فَأَسْلَمَ فَخَرَجَ النَّبِيُّ ﷺ وَهْوَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْقَذَهُ مِنَ النَّارِ). والوقت الثاني الذي لا تقبل فيه التوبة إذا طلعت الشمس من مغربها. لقوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً قُلِ انْتَظِرُوا إِنَّا مُنْتَظِرُونَ)

стр. 1475

قوله (أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ) المراد بذلك: طلوع الشمس من مغربها، كما صحت بذلك الأحاديث عن رسول الله ﷺ . فعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها، فإذا طلعت ورآها الناس آمنوا أجمعون، وذلك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل) متفق عليه. وعن أبي ذر. قال: قال رسول الله ﷺ (أتدري أين تذهب الشمس إذا غربت؟ قلت: لا أدري، قال: إنها تنتهي دون العرش فتخر ساجدة، ثم تقوم حتى يقال لها: ارجعي، يوشك يا أبا ذر! أن يقال لها: ارجعي من حيث جئت، وذلك حين (لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ .. ) متفق عليه. وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من تاب قبل أن تطلع الشمس من مغربها تاب الله عليه) رواه مسلم. وعن أبي موسى قال ﷺ (إن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من معربها) رواه مسلم. (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لا يَنْفَعُ نَفْساً إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ) أي: إذا أنشأ الكافر إيماناً يومئذ لا يقبل منه، فأما من كان مؤمناً قبل ذلك، فإن كان مصلحاً في عمله فهو بخير عظيم، وإن كان مخلّطاً فأحدث توبة حينئذ لم تقبل منه كما جاء بذلك الأحاديث. (أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْراً) أي: ولا ينفع المؤمن المقصر أن يزداد خيره بعد ذلك. • قال ابن الجوزي: وإنما لم ينفع الإيمان والعمل الصالح حينئذ لظهور الآية التي تضطرهم إلى الإيمان. • وقال القرطبي: قال العلماء: وإنما لا ينفع نفساً إيمانُها عند طلوعها من مغربها؛ لأنه خلص إلى قلوبهم من الفزع ما تُخْمَدُ معه كلّ شهوة من شهوات النفس، وتَفْتُر كلّ قوّة من قوى البدن؛ فيصير الناس كلهم لإيقانهم بدُنُو القيامة في حال من حضره الموت في انقطاع الدّواعي إلى أنواع المعاصي عنهم، وبطلانها من أبدانهم؛ فمن تاب في مثل هذه الحال لم تُقبل توبته، كما لا تُقبل توبة من حضره الموت.

стр. 1476

• وقال السعدي: والحكمة في هذا ظاهرة، فإنه إنما كان الإيمان ينفع إذا كان إيماناً بالغيب، وكان اختياراً من العبد، فأما إذا وجدت الآيات صار الأمر شهادة، ولم يبق للإيمان فائدة، لأنه يشبه الإيمان الضروري، كإيمان الغريق والحريق ونحوهما، ممن إذا رأى الموت، أقلع عما هو فيه كما قال تعالى (فَلَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا قَالُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِ مُشْرِكِينَ * فَلَمْ يَكُ يَنْفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْا بَأْسَنَا سُنَّةَ اللَّهِ الَّتِي قَدْ خَلَتْ فِي عِبَادِهِ). وقد تكاثرت الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أن المراد ببعض آيات الله طلوع الشمس من مغربها وأن الناس إذا رأوها آمنوا فلم ينفعهم إيمانهم ويُغلق حينئذ بابُ التوبة. • ومن شروط التوبة: الإقلاع عن المعصية - والندم على فعلها، والعزم على عدم الرجوع عليها. قال ابن القيم: حقيقة التوبة: هي الندم على ما سلف، والإقلاع عنه في الحال، والعزم على أن لا يعاوده في المستقبل. فأما الندم: فإنه لا تتحقق التوبة إلا به، إذ من لم يندم على القبيح فذلك دليل على رضاه وإصراره عليه، وفي المسند (الندم توبة). وأما الإقلاع: فتستحيل التوبة مع مباشرة الذنب. • والتوبة واجبة على الفور. المبادرة إلى التوبة من الذنب فرض على الفور ولا يجوز تأخيرها، ومتى أخرها عصى بالتأخير. ومما يدل على وجوب المبادرة بها من هذه الآية: أن التوبة لا تقبل عند حضور الأجل، والإنسان لا يدري متى يحضره أجله، فالموت يأتي بغتة. • بعض علامات التوبة المقبولة؟ منها: أن يكون بعد التوبة خيراً مما كان قبلها. ومنها: أنه لا يزال الخوف مصاحباً له، لا يأمن مكر الله طرفة عين. ومنها: انخلاع قلبه، وتقطعه ندماً وخوفاً.

стр. 1477

• وأمر الله بالتوبة توبة نصوحاً فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً). قال ابن القيم: النصح في التوبة يتضمن ثلاثة أشياء: الأول: تعميم جميع الذنوب واستغراقها بها بحيث لا تدع ذنباً إلا تناولته. والثاني: إجماع العزم والصدق بكليته عليها، بحيث لا يبقى عنده تردد، ولا تلوم ولا انتظار. والثالث: تخليصها من الشوائب والعِلَل القادحة في إخلاصها، ووقوعها لمحض الخوف من الله وخشيته، والرغبة فيما لديه. • اتهام التوبة: من اتهامها: ضعف العزيمة، والتفات القلب إلى الذنب الفينة بعد الفينة، وتذكر حلاوة مواقعته. ومنها: طمأنينته ووثوقه من نفسه بأنه تاب، حتى كأنه قد أعطيَ منشوراً بالأمان. ومنها: جمود العين، واستمرار الغفلة، وأن لا يستحدث بعد التوبة أعمالاً صالحة لم تكن له قبل الخطيئة. • هل يشترط لصحة التوبة أن لا يعود إلى الذنب أبداً، أم ليس ذلك بشرط؟ الأكثرون على أن ذلك ليس بشرط، وإنما صحة التوبة تتوقف على الإقلاع عن الذنب، والندم عليه، والعزم على ترك معاودته. (وَلا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) قال ابن كثير: يعني أن الكافر إذا مات على كفره وشركه، لا ينفعه ندمه وتوبته، ولا يقبل منه فدية ولو بملء الأرض.

стр. 1478

كما قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ. بَلْ بَدَا لَهُمْ مَا كَانُوا يُخْفُونَ مِنْ قَبْلُ وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُونَ). وقال تعالى (أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ. أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللَّهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ. أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ). (أُولَئِكَ) الإشارة للذين يموتون وهم كفار، لأن عذابهم محقق، أما من مات على ما دون الكفر من المعاصي فهو تحت مشيئة الله، إن شاء عذبه، وإن شاء عفا عنه وغفر له. (أَعْتَدْنَا لَهُمْ) أي: هيأنا وجهزنا لهم. (عَذَاباً أَلِيماً) أي: مؤلماً موجعاً غاية الإيلام والإيجاع. الفوائد: ١ - بيان فضل الله على عباده بإيجاب التوبة على نفسه. ٢ - أن الله يوجب على نفسه ما شاء، وليس للعباد أن يوجبوا عليه شيئاً. ٣ - الحث على المبادرة بالتوبة. ٤ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العليم والحكيم. ٥ - وجوب مراقبة الله في كل شيء، لأنه سبحانه عليم بكل ما يفعله الإنسان لا يخفى عليه شيء. ٦ - الاقتناع والتسليم لأوامر الله، لأن كل أفعال الله صادرة عن حكمة. ٧ - أن التوبة عند الاحتضار لا تقبل. ٨ - يشترط لصحة التوبة أن تكون في الزمن الذي تقبل فيه التوبة كما سبق في الشرح. ٩ - أن الندم والتحسر والتوبة يوم القيامة لا تنفع. ١٠ - شدة عذاب الذين كفروا يوم القيامة. (الأحد: ٢٥/ ١/ ١٤٣٣ هـ). انتهى الشريط ١٣

стр. 1479

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (١٩)). [النساء: ١٩]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (ابن عثيمين). والمعنى:: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم. • والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. (الشنقيطي). (لا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهاً) معنى الآية يتضح بمعرفة سبب نزولها: قال ابن عباس (كانوا إذا مات الرجل، كان أولياؤه أحق بامرأته، إن شاء بعضهم تزوجها، وإن شاء زوجوها، وإن شاءوا لم يزوجوها، وهم أحق بها من أهلها، فنزلت هذه الآية) رواه البخاري. وفي لفظ لأبي داود (كان الرجل يرث امرأة ذي قرابته فيعضلها حتى يموت أو ترد إليه صداقها). وفي لفظ لابن جرير وابن أبي حاتم (فإن كانت جميلة تزوجها، وإن كانت دميمة حبسها حتى تموت فيرثها). ومعنى الوراثة: قال ابن جرير: إن ذلك ليس من معنى وراثتهن إذا هنّ متن فتركن مالاً، وإنما ذلك أنهم في الجاهلية كانت إحداهن إذا مات زوجها، كان ابنه أو قريبه أولى بها من غيره، ومنها بنفسه، إن شاء نكحها، وإن شاء عضلها فمنعها من غيره ولم يزوجها حتى تموت، فحرم الله تعالى ذلك على عباده. • قوله (لكم) الخطاب لأولياء الزوج، ومعنى (ترثوا النساء) أي تخلفوا أزواجهن عليهن، وتكون لكم الولاية عليهن، وليس المراد أنهم يرثونهن كما يورث المال والمتاع، بل المراد الخلافة عليهن. • قال ابن عاشور: وصيغة (لا يحل) صيغة نهي صريح لأنّ الحلّ هو الإباحة في لسان العرب ولسان الشريعة، فنفيه يرادف معنى التحريم.

стр. 1480

• يجوز للرجل أن يتزوج زوجة أخيه بعد موته إن رضيت هي وأولياؤها بذلك. (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) الخطاب للأزواج، والعضل المنع والحبس، والمعنى: • قال ابن كثير: أي لا تضاروهن في العشرة لتترك لك ما أصدقتها أو بعضه أو حقاً من حقوقها عليك أو شيئاً من ذلك على وجه القهر لها والاضطهاد. • قال الطبري: وأولى هذه الأقوال التي ذكرناها بالصحة في تأويل قوله: (ولا تعضلوهن لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن) قول من قال: نهى الله جل ثناؤه زوج المرأة عن التضييق عليها والإضرار بها، وهو لصحبتها كاره ولفراقها محبّ، لتفتدي منه ببعض ما آتاها من الصَّداق. وإنما قلنا ذلك أولى بالصحة، لأنه لا سبيل لأحد إلى عضل امرأة، إلا لأحد رجلين: إما لزوجها بالتضييق عليها وحبسها على نفسه وهو لها كاره، مضارّة منه لها بذلك، ليأخذ منها ما آتاها بافتدائها منه نفسها بذلك أو لوليها الذي إليه إنكاحها. وإذا كان لا سبيل إلى عضلها لأحدٍ غيرهما، وكان الوليُّ معلومًا أنه ليس ممن أتاها شيئًا فيقال إنْ عضلها عن النكاح: "عَضَلها ليذهب ببعض ما آتاها"، كان معلومًا أن الذي عنى الله ﵎ بنهيه عن عضلها، هو زوجها الذي له السبيلُ إلى عضلها ضرارًا لتفتدي منه. … (تفسير الطبري). • وقال الرازي: أن الرجل منهم قد كان يكره زوجته ويريد مفارقتها، فكان يسيء العشرة معها ويضيق عليها حتى تفتدي منه نفسها بمهرها، وهذا القول اختيار أكثر المفسرين، فكأنه تعالى قال: لا يحل لكم التزوج بهن بالإكراه، وكذلك لا يحل لكم بعد التزوج بهن العضل والحبس لتذهبوا ببعض ما آتيتموهن. • فالمراد هنا الأزواج كما ذهب إليه هؤلاء العلماء، ويدل عليه: أولاً: قوله تعالى (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) وإذا أتت المرأة بفاحشة فليس للولي حبسها حتى يذهب بمالها إجماعاً من الأمة، وإنما ذلك للزوج. ثانياً: دلالة السياق حيث قال بعدها (وعاشروهن بالمعروف) إذ هو خطاب للأزواج اتفاقاً. ثالثاً: قوله تعالى (بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ) ومعلوم أن الزوج هو الذي أعطاها الصداق. (إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ) أي لا يحل لكم أن تعضلوهن بحال من الأحوال إلا في حالة إتياهن بفاحشة مبينة، والفاحشة كل ما فحش وظهر قبحه، واختلف في المراد بالفاحشة هنا: فقيل: المراد الزنا، وهو قول الحسن وأبي قلابة والسدي. وقيل: النشوز.

стр. 1481

وقيل: بذاءة اللسان، واختار الطبري القول بالتعميم، وهو الصحيح. قال الطبري مرجحاً العموم: وأولى ما قيل في تأويل قوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة) أنه معنىٌّ به كل (فاحشة) من بَذاءٍ باللسان على زوجها، وأذى له، وزنًا بفرجها، وذلك أن الله جل ثناؤه عم بقوله (إلا أن يأتين بفاحشة مبينة)، كلَّ فاحشة متبيّنةٍ ظاهرة، فكل زوج امرأة أتت بفاحشة من الفواحش التي هي زنًا أو نشوز، فله عضْلُها على ما بين الله في كتابه، والتضييقُ عليها حتى تفتدي منه، بأيِّ معاني الفواحش أتت، بعد أن تكون ظاهرة مبيِّنة بظاهر كتاب الله ﵎، وصحة الخبر عن رسول الله ﷺ . (وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) المعاشرة الصحبة والمخالطة، والمعنى: ليعاشر كل من الزوجين الآخر بما هو واجب في الشريعة الإسلامية من حسن العشرة قولاً وفعلاً وبذلاً. • قال ابن كثير: أي طيبوا أقوالكم لهن، وحسنوا أفعالكم وهيئاتكم بحسب قدرتكم كما تحب ذلك منها، فافعل أنت بها مثله كما قال تعالى (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ). وقال ﷺ (خيركم خيركم لأهله، وأنا خيركم لأهلي). رواه الترمذي. • قال ابن كثير: وكان من أخلاقه ﷺ أنه جميل العشرة، دائم البشر، يداعب أهله، ويتلطف بهم، ويوسعهم نفقته، ويضاحك نساءه حتى أنه كان يسابق عائشة أم المؤمنين، يتودد إليها بذلك، ويجتمع نساؤه كل ليلة في بيت التي يبيت عندها رسول الله ﷺ ، فيأكل معهن العشاء في بعض الأحيان، بل كان محسناً لخديجة بعد وفاتها، وكان يرسل الأعطيات إلى صديقاتها ويقول: اذهبوا به إلى صديقات خديجة. • ينبغي أن ينوي كل واحد من الزوجين بالمعاشرة بالمعروف استجابة أمر الله. فيجب على كل واحد من الزوجين أن يؤدي حق الآخر ويقوم به مع قدرته على أدائه بلا مماطلة ولا كُرهٍ لأدائه، بل يؤديه ببشر وطلاقة.

стр. 1482

كأن تقول المرأة: أريد كسوة، فيقول: إن شاء الله، ثم يماطل وتمضي الأيام ولم يأتي لها بشيء. لأن المطل مع القدرة عليه حرام، ولذلك قال النبي ﷺ : (مطل الغني ظلم). • ويجب عليها طاعته للاستمتاع بها، والاستمتاع معناه: الوطء، لأن المقصود من النكاح الاستمتاع. لحديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح) وفي رواية: (حتى ترجع) متفق عليه وعنه قال: قال رسول الله ﷺ : (والذي نفسي بيده ما من رجل يدعو امرأته إلى فراشها فتأبى عليه إلا كان الذي في السماء ساخطاً عليها حتى يرضى عنها) رواه مسلم (فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ) الكراهة ضد المحبة، والمعنى: فإن كرهتموهن (أي: كرهتم صحبتهن) لسبب من الأسباب - من غير ارتكاب فاحشة ولا نشوز - فاصبروا، ثم بين تعالى الحكمة في الصبر: (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً) أي: فعسى أن يجعل الله في صبركم عليهن وإمساككم لهن مع كراهتهن خيراً كثيراً لا تتوقعونه في الدنيا والآخرة. و (عسى) من الله واجبة، فتكون الآية وعداً من الله أن من صبر ابتغاء وجه الله على ما يكرهه، واحتساباً لثواب الله، بأن يجعل الله فيه خيراً كثيراً. قال ابن عباس: هو أن يعطف عليها، فيرزق منها ولداً، ويكون في ذلك الولد خير كثير. • قال القرطبي: قوله تعالى (فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ) أي: لدمامة أو سوء خلق من غير ارتكاب فاحشة أو نُشُوز؛ فهذا يندب فيه إلى الاحتمال، فعسى أن يَؤول الأمر إلى أن يرزق الله منها أولاداً صالحين. • وقال ابن الجوزي: قوله تعالى (فعسى أن تكرهوا شيئاً) قال ابن عباس: ربما رزق الله منهما ولداً، فجعل الله في ولدها خيراً كثيراً. وقد نَدَبت الآية إِلى إِمساكِ المرأة مع الكراهة لها، ونبَّهت على معنيين. أحدهما: أن الإِنسان لا يعلم وُجوهَ الصلاح، فرب مكروهٍ عاد محموداً، ومحمودٍ عاد مذموماً. والثاني: أن الإِنسان لا يكاد يجد محبوباً ليس فيه ما يكره، فليصبِر على ما يكره لما يُحِبُ. (زاد المسير). • وقال السعدي: أي ينبغي لكم -أيها الأزواج- أن تمسكوا زوجاتكم مع الكراهة لهن، فإن في ذلك خيرًا كثيرًا، من ذلك امتثال أمر الله، وقبولُ وصيته التي فيها سعادة الدنيا والآخرة، ومنها أن إجباره نفسَه -مع عدم محبته لها- فيه مجاهدة النفس، والتخلق بالأخلاق الجميلة، وربما أن الكراهة تزول وتخلفها المحبة، كما هو الواقع في ذلك، وربما رزق منها ولداً صالحاً نفع والديه في الدنيا والآخرة، وهذا كله مع الإمكان في الإمساك وعدم المحذور. وفي الحديث قال ﷺ : (لا يَفْرَك مؤمن مؤمنة، إن سخط منها خلقاً رضي منها آخر). رواه مسلم قال النووي في معناه: أَنَّهُ نَهْي، أَيْ: يَنْبَغِي أَنْ لَا يُبْغِضهَا، لِأَنَّهُ إِنْ وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا يُكْرَه وَجَدَ فِيهَا خُلُقًا مَرْضِيًّا بِأَنْ تَكُون شَرِسَة الْخُلُق لَكِنَّهَا دَيِّنَة أَوْ جَمِيلَة أَوْ عَفِيفَة أَوْ رَفِيقَة بِهِ أَوْ نَحْو ذَلِكَ.

стр. 1483

• وقال السعدي: هذا الإرشاد من النبي ﷺ ، للزوج في معاشرة زوجته من أكبر الأسباب والدواعي إلى حسن العشرة بالمعروف، فنهى المؤمن عن سوء عشرته لزوجته، والنهي عن الشيء أمر بضده، وأمره أن يلحظ ما فيها من الأخلاق الجميلة، والأمور التي تناسبه، وأن يجعلها في مقابلة ما كره من أخلاقها، فإن الزوج إذا تأمل ما في زوجته من الأخلاق الجميلة، والمحاسن التي يحبها، ونظر إلى السبب الذي دعاه إلى التضجر منها وسوء عشرتها، رآه شيئاً واحداً أو اثنين مثلاً، وما فيها مما يحب أكثر، فإذا كان منصفاً غض عن مساوئها لاضمحلالها في محاسنها. وبهذا: تدوم الصحبة، وتؤدى الحقوق الواجبة المستحبة. وربما أن ما كره منها تسعى بتعديله أو تبديله. وأما من غض عن المحاسن، ولحظ المساوئ ولو كانت قليلة، فهذا من عدم الإنصاف. ولا يكاد يصفو مع زوجته. وقد قال تعالى: (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ). • وقال ابن عاشور: وهذه حكمة عظيمة، إذ قد تكره النفوس ما في عاقبته خير فبعضه يمكن التوصّل إلى معرفة ما فيه من الخير عند غوص الرأي، وبعضه قد علم الله أنّ فيه خيراً لكنّه لم يظهر للناس. قال سهل بن حنيف، حين مرجعه من صفّين: اتَّهِموا الرأي فلقد رأيتُنا يَوم أبي جندل ولو نستطيع أن نردّ على رسول الله أمْره لردَدْنا، واللَّه ورسولُه أعلم". وقد قال تعالى، في سورة البقرة (وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم)، والمقصود من هذا: الإرشادُ إلى إعماق النظر وتغلغل الرأي في عواقب الأشياء، وعدم الاغترار بالبوارق الظاهرة، ولا بميل الشهوات إلى ما في الأفعال من ملائم، حتّى يسبره بمسبار الرأي، فيتحقّق سلامة حسن الظاهر من سُوء خفايا الباطن. (تفسير ابن عاشور). الفوائد: ١ - تحريم إرث النساء على وجه يكرَهْنَهُ كما كان يجري في الجاهلية. ٢ - تحريم عضل المرأة بغير حق لتفتدي نفسها. ٣ - وجوب المهر بالنكاح. ٤ - أن المهر حق للمرأة. ٥ - أن سوء العشرة مبيح لعضل المرأة لتفتدي نفسها. ٦ - وجوب معاشرة الزوجة بالمعروف. ٧ - الإشارة إلى أنه ينبغي للزوج أن يصبر إذا رأى من زوجته ما يكره. ٨ - أنه لا يعلم عواقب الأمور إلا الله. ٩ - ينبغي دعاء الله والاستخارة عند الإقدام على أمر من الأمور التي لا يعلم عاقبتها، لأنه سبحانه يعلم كل شيء. (الأربعاء: ٢٨/ ١/ ١٣٣٤ هـ). انتهى الشريط: ١٤

стр. 1484

(وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلَا تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِيناً (٢٠) وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا) (٢١)). [النساء: ٢٠ - ٢١]. (وَإِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ) أي: وإن أردتم أيها المؤمنون استبدال زوجة تتزوجونها مكان زوجة تطلقونها. (وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنْطَاراً) أي: والحال أنكم أعطيتموها قنطاراً - وهو المال الكثير -. • قال القرطبي: وفي هذا دليل على جواز المغالاة في المهور، لأن الله تعالى لا يمثّل إلا بمباح. • وقال السعدي: وفي هذه الآية، دلالة على عدم تحريم كثرة المهر، مع أن الأفضل واللائق، الاقتداء بالنبي ﷺ في تخفيف المهر، ووجه الدلالة: أن الله أخبر عن أمر يقع منهم ولم ينكره عليهم، فدل على عدم تحريمه. (فَلا تَأْخُذُوا مِنْهُ شَيْئاً) فلا تأخذوا من هذا المال شيئاً لا قليلاً ولا كثيراً، لأن المهر كله ملك لها بما استحل من فرجها. • اختلف العلماء في مقدار القنطار على أقوال، وحاصلها أنه المال الجزيل. • فلا يجوز للزوج إذا طلق زوجته الرجوع بشيء منه، سواء استبدلها بغيرها أو جلس أعزب بدون زوجة. • قال القرطبي: لما مضى في الآية المتقدّمة حكم الفراق الذي سببه المرأة، وأن للزوج أخذَ المال منها عقَّب ذلك بذكر الفراق الذي سبّبه الزوج، وبيّن أنه إذا أراد الطلاق من غير نُشُوز وسوء عشرة فليس له أن يطلب منها مالاً. (أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً) الهمزة للاستفهام، ومعناه الإنكار والتوبيخ، والبهتان الكذب، أي: أن رجوعكم عليهن بشيء مما أعطيتموهن بدعوى أنه حق لكم هذا بهتان وكذب، لأنكم لا تستحقون شيئاً من ذلك، ولا لكم فيه البتة بعد الإفضاء. (وَإِثْماً مُبِيناً) أي: وذنباً بيناً واضحاً ظاهراً. (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ) الاستفهام للتعجب والإنكار بعد الإنكار لتوكيد التحريم، والمعنى: بأي وجه، أو على أي جهة تأخذون ما أعطيتموهن من العوض وهو المهر، والحال أنكم قد استوفيتم المعوّض عنه، وذلك بأن أفضى بعضكم إلى بعض إفضاء سرياً بما لا ينتهي إليه ولا يستحله إلا الأزواج وهو الجماع. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ) تعليل لمنع الأخذ مع الخلوة. • الإفضاء إلى الشيء: الوصول إلى الشيء مباشرة بلا حائل، ومنه الفضاء. (وَأَخَذْنَ) أي: الزوجات.

стр. 1485

(مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً) أي: عهداً وعقداً شديداً مؤكداً محكماً، وهو عقد النكاح، الذي هو أشد العقود وأخطرها وأعظمها، فمتى تم العقد بالإيجاب والقبول وغيره من شروط النكاح وأركانه وانتفت موانعه، فإن المهر يستقر للزوجة عوضاً عما استحل من فرجها، فلا يجوز الرجوع بشيء من هذا العوض بعد تمام العقد. • وقال القرطبي: قوله تعالى (وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) فيه ثلاثة أقوال. قيل: هو قوله ﷺ (فاتقوا الله في النساء فإنكم أخذتموهنّ بأمانة الله واستحللتم فروجهنّ بكلمة الله) قاله عكرمة والربيع. الثاني: قوله تعالى (فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) قاله الحسن وابن سيرين وقتادة والضحاك والسدي. الثالث: عقدة النكاح قول الرجل: نكحت وملكت عقدة النكاح؛ قاله مجاهد وابن زيد. وقال قوم: الميثاق الغليظ الولد. الفوائد: ١ - جواز الطلاق، والطلاق مباح لكنه مكروه من غير حاجة. ٢ - استدل العلماء بهذه الآية على جواز أن يكون المهر كثيراً، لكن الأفضل أن يكون يسيراً للأسباب التي سبقت بالشرح. ٣ - تحريم أخذ الزوج شيئاً من المهر ولو قليلاً. ٤ - وجوب الوفاء بالعقود. ٥ - أن عقد النكاح من أخطر العقود وأهمها، فيجب الوفاء وبشروطه.

стр. 1486

(وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلاً (٢٢)). [النساء: ٢٢]. (وَلا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النِّسَاءِ) يحرّمُ تعالى نكاح زوجات الآباء تكرمةً لهم، واحتراماً أن توطأ من بعدهِ، حتى إنها لتحرم على الابن بمجرد العقد عليها، وهذا أمر مجمع عليه. قال ابن عباس: كل امرأة تزوجها أبوك أو ابنك دخل بها أو لم يدخل فهي عليك حرام. • قوله (مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) يشمل الأب الأقرب، والجد وإن علا من أي جهة كان. واختار ابن جرير أن المعنى ولا تنكحوا نكاح آبائكم .. ) ويكون المنهي عنه هنا طريقة الآباء في النكاح في الجاهلية. والصحيح أن (ما) موصولة بمعنى الذي. • قال القرطبي: والأوّل أصح، وتكون (ما) بمعنى (الذي) و (من) والدليل عليه أن الصحابة تلقّت الآية على ذلك المعنى؛ ومنه استدلت على منع نكاح الأبناء حلائل الآباء. • قال الشنقيطي: قال بعض العلماء إن لفظة (مَا) من قوله (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) مصدرية وعليه فقوله (مِّنَ النسآء) متعلق بقوله (تنْكِحُوا) لا بقوله (نَكَحَ) وتقرير المعنى على هذا القول ولا تنكحوا من النساء نكاح آبائكم أي: لا تفعلوا ما كان يفعله آباؤكم من النكاح الفاسد، وهذا القول هو اختيار ابن جرير. والذي يظهر وجزم به غير واحد من المحققين أن (مَا) موصولة واقعة على النساء التي نكحها الآباء، كقوله تعالى (فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء) وقد قدمنا وجه ذلك، لأنهم كانوا ينكحون نساء آبائهم كما يدل له سبب النزول، فقد نقل ابن كثير عن أبي حاتم: أن سبب نزولها، أنه لما توفي أبو قيس بن الأسلت خطب ابنه امرأته، فاستأذنت رسول الله ﷺ في ذلك، فقال: ارجعي إلى بيتك فنزلت (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ) الآية. قال مقيده - عفا الله عنه - نكاح زوجات الآباء كان معروفاً عند العرب. (أضواء البيان). • قال الآلوسي: قوله تعالى (وَلَا تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ ءابَاؤُكُمْ) شروع في بيان من يحرم نكاحها من النساء ومن لا يحرم بعد بيان كيفية معاشرة الأزواج، وهو عند بعض مرتبط بقوله سبحانه (لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النساء كَرْهاً) وإنما خص هذا النكاح بالنهي ولم ينظم في سلك نكاح المحرمات الآتية مبالغة في الزجر عنه حيث كان ذلك ديدناً لهم في الجاهلية. (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) (إلا) أداة استدراك بمعنى (لكن) والمعنى: لكن الذي قد مضى وانتهى مما حصل من نكاح زوجات الآباء قبل تقرير هذا الحكم فلا حرج فيه ولا إثم فقد عفا الله عنه. • قال الشنقيطي: وأظهر الأقوال: في قوله تعالى (إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ) أن الاستثناء منقطع، أي لكن ما مضى من ارتكاب هذا الفعل قبل التحريم فهو معفو عنه كما تقدم، والعلم عند الله تعالى.

стр. 1487

• وجاء استدراك ما قد سلف واستثناؤه علماً أنهم قبل التحريم على البراءة الأصلية - والله أعلم - لئلا يقع في قلوبهم شيء مما حصل منهم قبل نزول الآية، نظراً لشدة حرمة نكاح المحارم، فطمأنهم الله، وليس المعنى إقرار ما كان من عقود هذا النكاح التي عقدت قبل نزول الآية وما زالت قائمة بعد نزول الآية، بل يجب فسخها والتفريق بين الرجل وبين من تزوج من زوجات أبيه. (إِنَّهُ) أي: نكاحكم ما نكح آباؤكم. (كَانَ فَاحِشَةً) والفاحشة: ما فحش من قول أو عمل في الشرع وفي عرف المسلمين، أي: إن هذا العمل هو نكاح زوجات الآباء عمل سيئ قبيح في نفسه مستفحش شرعاً وعقلاً وعرفاً. (وَمَقْتاً) المقت: أشد البغض، فهو مقت عند الله، ومقت عند الخلق. • قال ابن كثير: فإنه يؤدي إلى مقت الابن أباه بعد أن يتزوج بامرأته، فإن الغالب أن من تزوج بامرأة يبغض من كان زوجها قبله، ولهذا حرمت أمهات المؤمنين على الأمة، لأنهن أمهات، لكونهن زوجات النبي ﷺ ، وهو كالأب للأمة. (وَسَاءَ سَبِيلاً) أي: وبئس طريقاً لمن سلكه من الناس. فوصف الله نكاح ما نكح الآباء بثلاثة أوصاف كلها في غاية الشدة تنفيراً منه وهي: كونه فاحشة، ومقتاً، وساء سبيلاً، وهو أغلظ من الزنا، لأن الله قال في الزنا (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً) الفوائد: ١ - تحريم نكاح زوجة الأب، وزوجة الأب تحرم بمجرد العقد. ٢ - أن الإنسان لا إثم عليه إذا فعل خطيئة قبل العلم، فالشرائع لا تلزم قبل العلم. ٣ - سعة رحمة الله. ٤ - أن نكاح المحارم أشد من الزنا لقوله (إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتاً وَسَاءَ سَبِيلاً). ٥ - قبح هذا الأمر، وهو نكاح زوجات الآباء. (السبت: ٢/ ٢/ ١٤٣٤ هـ). انتهى الشريط: ١٥

стр. 1488

(حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ أُمَّهَاتُكُمْ وَبَنَاتُكُمْ وَأَخَوَاتُكُمْ وَعَمَّاتُكُمْ وَخَالَاتُكُمْ وَبَنَاتُ الأَخِ وَبَنَاتُ الأُخْتِ وَأُمَّهَاتُكُمُ اللاَّتِي أَرْضَعْنَكُمْ وَأَخَوَاتُكُم مِّنَ الرَّضَاعَةِ وَأُمَّهَاتُ نِسَآئِكُمْ وَرَبَائِبُكُمُ اللاَّتِي فِي حُجُورِكُم مِّن نِّسَآئِكُمُ اللاَّتِي دَخَلْتُم بِهِنَّ فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُم بِهِنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ وَأَن تَجْمَعُواْ بَيْنَ الأُخْتَيْنِ إَلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (٢٣)). [النساء: ٢٣]. هذه الآية الكريمة هي آية تحريم المحارم من النسب، وما يتبعه من الرضاع والمحارم بالصهر. والمحرمات التي يحرم على الإنسان التزوج بهن قسمان: القسم الأول: محرمات إلى الأبد. فلا تحل أبداً. القسم الثاني: محرمات إلى أمد. أي إلى غاية، فمتى زال المانع فإنها تحل له. (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ) المحرّم هو الله تعالى، والتحريم لغة: المنع والحظر. (أُمَّهَاتُكُمْ) أي: حرم عليكم نكاح أمهاتكم، ويدخل فيهن: الأم والجدات، سواء كن من جهة الأب أو من جهة الأم. (وَبَنَاتُكُمْ) أي: وحرم عليكم أيضاً نكاح بناتكم، ويدخل فيهن: وبنات الأبناء، وبنات البنات وإن نزلن. • قال ابن كثير: ويشمل أيضاً البنت من الزنا على قول الجمهور، لأنها خلقت من مائه، وإن كانت لا تنسب إليه شرعاً لقوله ﷺ (الولد للفراش وللعاهر الحجر). وَأَخَوَاتُكُمْ) شقيقة كانت، أو لأب، أو لأم. (وَعَمَّاتُكُمْ) وهي كل أخت لأبيك. • وعمة الرجل عمة لأولاده وأولاد أولاده وإن نزلوا. (وَخَالاتُكُمْ) وهي أخت الأم. (وَبَنَاتُ الْأَخِ) ويدخل فيهن: بنات الأخ الشقيق، وبنات الأخ لأب، وبنات الأخ لأم، وبنات أبنائهم، وبنات بناتهن وإن نزلن. (وَبَنَاتُ الْأُخْتِ) ويدخل فيهن: بنات الأخت الشقيقة، وبنات الأخت لأب، وبنات الأخت من الأم، وبنات أبنائهن وبنات بناتهن وإن نزلن.

стр. 1489

• هؤلاء هن المحرمات من النسب، وهن سبع. قال ابن جرير (فكل هؤلاء اللواتي سماهن الله تعالى وبيّن تحريمهن محرمات غير جائز نكاحهن لمن حرّم الله ذلك عليه من الرجال بإجماع جميع الأمة لا اختلاف بينهم). (وممن حكى الإجماع القرطبي والطحاوي وابن تيمية). • أما بنات العمات والأعمام، وبنات الخالات والأخوال فلا يحرمن لقوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَحْلَلْنَا لَكَ أَزْوَاجَكَ اللَّاتِي آتَيْتَ أُجُورَهُنَّ وَمَا مَلَكَتْ يَمِينُكَ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكَ وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ اللَّاتِي هَاجَرْنَ مَعَكَ … ) وحكم الأمَّة حكمه ﷺ ما لم يدل دليل على تخصيصه. قاعدة: قال السعدي في كتابة (نور البصائر): فالقرابات كلهن حرام، إلا بنات العم وبنات العمات، وبنات الأخوال، وبنات الخالات. • ثم ذكر تعالى المحرمات بالرضاع فقال: - (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ) أي: وحرمت عليكم أمهاتكم اللاتي أرضعنكم. • الرضاع: اصطلاحاً: هو مص طفل صغير لبن امرأة أو شربه ونحوه. • والتحريم بالرضاع ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ … ) ذكرهما في جملة المحرمات. وعن عائشة. أن النبي ﷺ قال (يحرم من الرضاعة ما يحرم من الولادة) متفق عليه. وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب) متفق عليه. معنى الحديث: ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب: من سببية والتقدير: ويحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النكاح. وأجمع العلماء على التحريم بالرضاع. قاله في المغني. • ظاهر الآية أن الرضاع محرّم مطلقاً، لكن جاءت بتقييد ذلك، وقد اختلف العلماء في عدد الرضعات المحرمة على أقوال: القول الأول: أن قليل الرضاع وكثيره محرِّم. وهذا مذهب جمهور العلماء. واستدلوا بالعمومات، كقوله تعالى (وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ … ) ففي هذه الآية علقت التحريم على مطلق الإرضاع، فحيث وجد وجد حكمه. وعموم قوله ﷺ (يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب).

стр. 1490

وعَنْ عُقْبَةَ بْنِ الْحَارِثِ ﵁ (أَنَّهُ تَزَوَّجَ أُمَّ يَحْيَى بِنْتَ أَبِي إهَابٍ، فَجَاءَتْ أَمَةٌ سَوْدَاءُ، فَقَالَتْ: قَدْ أَرْضَعْتُكُمَا، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ ﷺ قَالَ: فَأَعْرَضَ عَنِّي. قَالَ: فَتَنَحَّيْت، فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ. قَالَ: كَيْفَ؟ وَقَدْ زَعَمَتْ أَنْ قَدْ أَرْضَعَتْكُمَا). وجه الدلالة: أن النبي ﷺ أمر الزوج أن يترك زوجته لمجرد علمه بأنهما رضعا من ثدي واحد دون أن يسأل عن عدد الرضعات، فدل ذلك على أن مطلق الإرضاع يثبت به التحريم. وعموم قوله ﷺ : (إنما الرضاعة من المجاعة). متفق عليه القول الثاني: أن المحرم ثلاث رضعات. وهو قول داود، وأبي ثور، وابن المنذر. لحديث عَائِشَة قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَا تُحَرِّمُ الْمَصَّةُ وَالْمَصَّتَانِ) رواه مسلم. وجه الدلالة: أن النبي ﷺ صرح فيها أن المصة والمصتان لا تحرمان، فيكون ما فوقهما مُحرِّم، وهو الثلاث، لأن ذلك لو لم يكن محرماً لبينه النبي ﷺ . القول الثالث: أن المحرم خمس رضعات. قال ابن قدامة: هذا هو الصحيح في المذهب، وروي هذا عن عائشة وابن الزبير وابن مسعود وعطاء وطاووس. ورجحه الصنعاني والشوكاني. عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ (كَانَ فِيمَا أُنْزِلَ مِنَ الْقُرْآنِ عَشْرُ رَضَعَاتٍ مَعْلُومَاتٍ يُحَرِّمْنَ. ثُمَّ نُسِخْنَ بِخَمْسٍ مَعْلُومَاتٍ فَتُوُفِّىَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَهُنَّ فِيمَا يُقْرَأُ مِنَ الْقُرْآنِ) رواه مسلم. وهذا القول هو الصحيح. أما أدلة القول الأول: فهي عمومات، وقد قيدت بالسنة بعدد معين من الرضاعة، كما في حديث عائشة

стр. 1491

• ويشترط في الرضاع المحرّم أن يكون في الوقت المحدد للرضاع، وقد اختلف العلماء فيه على أقوال: وجمهور العلماء أن الرضاع المحرّم ما كان في الحولين لقوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ). قال ابن كثير (هذا إرشاد من الله للوالدات أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك، ولهذا قال [لمن أراد أن يتم الرضاعة] وذهب أكثر الإئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاع إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقها لم يحرم. ولحديث عَائِشَةُ قالت (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ فَقَالَ «انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ) متفق عليه. فهذا دليل على أن الرضاعة المعتبرة التي يثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته. ومثله حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) رواه الترمذي وصححه. … قوله (الثدي) أي وقت الحاجة إلى الثدي، أي في الحولين. وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم). رواه أبو داود وذهب بعض العلماء إلى أن رضاع الكبير يُحَرّم. وهذا قول عائشة ونصره ابن حزم. لحديث عائشة قالت: (جاءت سهلة بنت سهيل إلى النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله، إني أرى في وجه حذيفة من دخول سالم (وهو حليفه) فقال النبي ﷺ : أرضعيه، قالت: وكيف أرضعه وهو رجل كبير، فتبسم رسول الله ﷺ وقال: علمت أنه رجل كبير). رواه مسلم

стр. 1492

قال النووي: قالت عائشة وداود: تثبت حرمة الرضاع برضاع البالغ، كما تثبت برضاع الطفل، لهذا الحديث. والراجح مذهب الجمهور، وهو أن رضاع الكبير غير مؤثر. وأما الجواب عن حديث سهلة، فقد أجاب العلماء بأجوبة: أولاً: أن هذه الحادثة رخصة خاصة بسالم، فلا يتعداه إلى غيره، ولذلك فإن أمهات المؤمنين سوى عائشة، أبَيْن أن يعملن بهذه الحادثة، لأنهن كنا يرين أن ذلك رخصة لسالم. ثانياً: أنه حكم منسوخ، وبه جزم المحب الطبري في أحكامه، وقرره بعضهم بأن قصة سالم كانت في أوائل الهجرة، والأحاديث الدالة على اعتبار الحولين من رواية أحداث الصحابة، فدل على تأخرها، وهو مستند ضعيف، إذ لا يلزم من تأخر إسلام الراوي، ولا صغره، أن لا يكون ما رواه متقدماً. [قاله في الفتح] ثالثاً: قول الشوكاني، حيث قال: إن الرضاع يعتبر فيه الصغر إلا فيما دعت إليه الحاجة، كرضاع الكبير الذي لا يستغنى عن دخوله على المرأة، ويشق احتجابها منه، وإليه ذهب شيخ الإسلام ابن تيمية، وهذا هو الراجح عندي، وبه يحصل الجمع بين الأحاديث، وذلك بأن تجعل قصة سالم المذكورة مخصصة لعموم: (إنما الرضاع من المجاعة) (ولا رضاع إلا في الحولين) (ولا رضاع إلا ما فتق الأمعاء). (وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرَّضَاعَةِ) سواء كن شقائق أو لأب أو لأم. • فأختك الشقيقة من الرضاع: هي التي رضعتْ من أمك من لبن أبيك، أو رضعتَ من أمها من لبن أبيها وأختك من الرضاع لأب هي التي رضعتْ من لبن أبيك من زوجة غير أمك، أو رضعتَ من لبن أبيها من زوجة غير أمها. وأختك من الرضاع لأمك، هي التي رضعت من أمك من لبن زوج غير أبيك أو رضعتَ من أمها من لبن زوج غير أبيها.

стр. 1493

• لم تذكر الآية من المحرمات بالرضاع سوى (الأمهات والأخوات) وقد وضحت السنة النبوية أن المحرمات بالرضاع سبع كما هو الحال في النسب في قوله ﷺ (يحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب). معنى الحديث: ويحرم من الرضاعة ما يحرم من النسب: من سببية والتقدير: ويحرم النكاح بسبب الرضاعة كما يحرم بسبب النكاح. فتحرم عليك أمك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وبنتك من الرضاع، وأختك من الرضاع، وعمتك من الرضاع، وخالتك من الرضاع. (وَأُمَّهَاتُ نِسَائِكُمْ) أي: وحرمت عليكم أمهات نسائكم .. • ومما يحرم أبداً، المحرمات بالصهر، وهن أربع، ثلاث بمجرد العقد الصحيح. • الصهر هو الاتصال بين إنسانين بسبب عقد النكاح، فليس هناك قرابة ولا رضاع ولكن سببه عقد النكاح. • فيحرم نكاح أم الزوجة سواء دخل بالزوجة أو لم يدخل، لأن مجرد العقد على البنت يحرّم الأم. (وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) أي: وحرم عليكم بنات أزواجكم من غيركم. • الربائب جمع ربيبة وهي بنت الزوجة من آخر، سميت بذلك لأنه غالباً يربيها في حجره. • قوله تعالى (اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ) هذا الوصف ليس شرطاً في تحريم الربيبة، وإنما هو لبيان الواقع - غالباً - فلا مفهوم له، كما في قوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ) لأن الغالب أنهم لم يكونوا يقتلونهم إلا من خشية الفقر، لكن هذا ليس قيداً للنهي، فلو قتلهم بسبب آخر كان محرماً أيضاً. • قال ابن كثير: وأما قوله (وَرَبَائِبُكُمُ اللاتِي فِي حُجُورِكُمْ) فجمهور الأئمة على أن الربيبة حرام سواء كانت في حجر الرجل أو لم تكن في حجره، قالوا: وهذا الخطاب خرج مخرج الغالب، فلا مفهوم له كقوله تعالى (وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا).

стр. 1494

(اللَّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) أي: من زوجاتكم اللاتي جامعتموهن، فالمراد بالدخول هنا الجماع، وهذا قول الجمهور، بل حكى الطبري الإجماع على أن المراد بالدخول هنا الإجماع. مثال: لو كان لك زوجة ولها بنت من رجل آخر، فهذه البنت حرام عليك. لكن لا يقع التحريم إلا بالدخول وهو الجماع، فإن حصل الفراق قبل الجماع فلا تحرم. • فالربيبة تحرم بالدخول بالزوجة (وهو الجماع) فلا تحرم بمجرد العقد، ولهذا قال تعالى: (فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا دَخَلْتُمْ بِهِنَّ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) أي: فإن لم تكونوا دخلتم بهن وفارقتموهن قبل الجماع، فلا جناح عليكم ولا حرج في نكاح الربيبة. • قال القرطبي: قوله تعالى (فَإِن لَّمْ تَكُونُواْ دَخَلْتُمْ بِهِنَّ) يعني بالأُمهات (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ) يعني في نكاح بناتهنّ إذا طلقتموهنّ أو متْنَ عنكم. وأجمع العلماء على أن الرجل إذا تزوّج المرأة ثم طلقها أو ماتت قبل أن يدخل بها حلّ له نكاحُ ابنتها. (تفسير القرطبي). (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) أي: وحرّم عليكم نكاح زوجات أبنائكم الذين ولدتموهم من أصلابكم. • قوله تعالى (وَحَلائِلُ أَبْنَائِكُمُ) جمع حليلة وهي الزوجة سميت بذلك لأنها تحل للزوجة والمعنى: حرم عليكم زوجات أبنائكم. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ) الحلائِل جمع حَلِيلة، وهي الزوجة، سُميت حليلة لأنها تَحِل مع الزوج حيث حلّ؛ فهي فعيلة بمعنى فاعلة، وذهب الزجاج وقوم إلى أنها من لفظة الحلال؛ فهي حليلة بمعنى محلّلة، وقيل: لأن كل واحد منهما يَحُل إزار صاحبه. • وزوجة الابن حرام على الأب بمجرد عقد الابن عليها، سواء دخل بها أو لم يدخل بها. • قوله تعالى (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) هذا القيد لإخراج الأدعياء الذين كانوا يتبنونهم في الجاهلية، كما تبنى النبي ﷺ قبل بعثته زيد بن حارثة فكان يقال: زيد بن محمد حتى أبطل الإسلام التبني، وعليه: فنكاح زوجات أبناء التبني حلال. وذهب بعض العلماء إلى أن القيد (الَّذِينَ مِنْ أَصْلابِكُمْ) لإخراج الأبناء من الرضاع، فلا تحرم زوجاتهم على آبائهم من الرضاع، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، ووجه هذا القول: أن التبني قد أبطله الإسلام وانتهى حكمه، فلم يرد الاحتراز منه، ولأن ابن التبني ليس ابناً لمن تبناه لا حقيقة ولا شرعاً ولا عرفاً. (وَأَنْ تَجْمَعُوا بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ) أي: وحرّم عليكم الجمع بين الأختين، سواء كن شقيقتين أو لأم أو مختلفتين من النسب أو الرضاع. • قال ابن جرير: معناه: وحرم عليكم أن تجمعوا بين الأختين عندكم بنكاح. • قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء من الصحابة والتابعين والأئمة قديماً وحديثاً على أنه يحرم الجمع بين الأختين في النكاح. • قال الحافظ ابن حجر: والجمع بين الأختين في التزويج حرام بالإجماع، سواء كانت شقيقتين أم من أب أم من أم، وسواء البنت من الرضاع.

стр. 1495

ومن الأدلة على التحريم: حديث أُمِّ حَبِيبَة بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ قَالَتْ (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقُلْتُ لَهُ هَلْ لَكَ فِي أُخْتِي بِنْتِ أَبِى سُفْيَانَ فَقَالَ «أَفْعَلُ مَاذَا». قُلْتُ تَنْكِحُهَا. قَالَ «أَوَتُحِبِّينَ ذَلِكَ». قُلْتُ لَسْتُ لَكَ بِمُخْلِيَةٍ وَأَحَبُّ مَنْ شَرِكَنِي فِي الْخَيْرِ أُخْتِي. قَالَ «فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِي». قُلْتُ فَإِنِّي أُخْبِرْتُ أَنَّكَ تَخْطُبُ دُرَّةَ بِنْتَ أَبِى سَلَمَةَ. قَالَ «بِنْتَ أُمِّ سَلَمَةَ». قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ «لَوْ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ رَبِيبَتِي فِي حَجْرِي مَا حَلَّتْ لِي إِنَّهَا ابْنَةُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ أَرْضَعَتْنِي وَأَبَاهَا ثُوَيْبَةُ فَلَا تَعْرِضْنَ عَلَىَّ بَنَاتِكُنَّ وَلَا أَخَوَاتِكُنَّ) رواه مسلم. ومما يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها. قال ﷺ (لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمَّتِهَا وَلَا بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا). قال النووي: في هذا دليل لمذهب العلماء كافة أنه يحرم الجمع بين المرأة وعمتها، وبينها وبين خالتها. • فإن جمع بينهما: • إن كان بعقد واحد بطلا. • وإن كان كل واحدة بعقد، فنكاح الثاني مفسوخ باطل. • وقد بين ﷺ الحكمة من ذلك، فقال ﷺ : (إنكم إذا فعلتم ذلك قطعتم أرحامكم) رواه ابن حبان، وذلك لما يكون بين الضرائر من الغيرة. فإذا طلقت المرأة وانتهت عدتها، حلت أختها وعمتها وخالتها، لانتفاء الضرر. • ومثل ذلك الرضاع فأخت زوجتك من الرضاع لا تجمعها مع زوجتك. كذلك عمة زوجتك من الرضاع لا يجوز، وكذلك خالة زوجتك من الرضاع لا يجوز. (إِلَّا مَا قَدْ سَلَفَ) إلا ما قد مضى وسلف وانتهى من نكاح شيء منهن قبل نزول الآية وقبل التحريم فهو معفو عنه. والحكمة - والله أعلم - في هذا الاستدراك لئلا يقع في قلوبهم شيء مما حصل منهم من نكاح شيء من هذه المحرمات قبل نزول الآية، وليس المعنى إقرار ما كان من عقود على شيء من هذه المحرمات قبل نزول الآية ما زالت موجودة بعد نزول الآية، بل يجب التفريق بين الرجل وبين كل من نكحها أو وطئها من هذه المحرمات. إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب.

стр. 1496

قال ابن القيم: وهو الغفور فلو أتى بقرابها … من غير شرك بل من العصيان لأتاه بالغفران ملء قرابها … سبحانه هو واسع الغفران والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم. ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام. • فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة). وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى). بل من فضله وجوده وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً). • الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم. ثانياً: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).

стр. 1497

ثالثاً: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى). رابعاً: أن كونه سبحانه غفوراً وغفاراً للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً). خامساً: سؤال الله بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه. سادساً: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). (رَحِيماً) تقدم. الفوائد: ١ - تحريم نكاح هؤلاء السبع من النسب. ٢ - تحريم التحريم بالرضاع، والمحرمات من الرضاع سبع كالمحرمات من النسب. ٣ - أن الأم عند الإطلاق لا يدخل فيها الأم من الرضاع، لأنها لو كانت تدخل عند الإطلاق ما احتيج إلى قوله ((وَأُمَّهَاتُكُمُ اللَّاتِي أَرْضَعْنَكُمْ). ٤ - تحريم أم الزوجة، وهي تحرم بمجرد العقد. ٥ - تحريم الربيبة - وهي بنت الزوجة - لكن بشرط وهو الدخول بأمها وهو الجماع. ٦ - تحريم زوجات الأبناء، وزوجة الابن تحرم بمجرد العقد. ٧ - تحريم الجمع بين الأختين. ٨ - أنه لو عقد عليهما جميعا بعقد واحد بطل العقد، فإن تزوج المرأة ثم عقد على أختها، فالعقد الثاني باطل. ٩ - أن الإنسان لا يؤاخذ بما فعل قبل العلم. ١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم. (الأحد: ٣/ ٢/ ١٤٣٤ هـ). انتهى الشريط: ١٦

стр. 1498

(وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَأُحِلَّ لَكُم مَّا وَرَاء ذَلِكُمْ أَن تَبْتَغُواْ بِأَمْوَالِكُم مُّحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ فَمَا اسْتَمْتَعْتُم بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ فَرِيضَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُم بِهِ مِن بَعْدِ الْفَرِيضَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا (٢٤)). [النساء: ٢٤]. (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ) أي: وحرّم عليكم نكاح المتزوجات من النساء. • قال القرطبي: قوله تعالى (والمحصنات) عطف على المحرّمات والمذكورات قبلُ. والتّحَصُّن: التمنّع؛ ومنه الحِصْن لأنه يُمتنع فيه؛ ومنه قوله تعالى (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِّن بَأْسِكُمْ) أي: لتمنعكم؛ ومنه الحصان للفرس (بكسر الحاء) لأنه يمنع صاحبه من الهلاك، فالمراد بالمحصنَات هاهنا ذوات الأزواج؛ يُقال: امرأة مُحْصنة أي متزوّجة. • قوله تعالى (وَالْمُحْصَناتُ) من الإحصان وهو في اللغة بمعنى المنع. يقال: هذه درع حصينة، أي مانعة صاحبها من الجراحة. ويقال: هذا موضع حصين، أي مانع من يريده بسوء. ويقال امرأة حصينة أي مانعة نفسها من كل فاحشة بسبب عفتها أو حريتها أو زواجها. قال الراغب: ويقال حصان للمرأة العفيفة ولذات الحرمة. قال تعالى: (وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَها) وقال تعالى: (فَإِذا أُحْصِنَّ) أي تزوجن. وأحصن زوجن. والحصان في الجملة: المرأة المحصنة إما بعفتها أو بتزوجها أو بمانع من شرفها وحريتها» والمراد بالمحصنات هنا: ذوات الأزواج من النساء. (التفسير الوسيط). • قال في التسهيل: قوله تعالى (والمحصنات مِنَ النسآء) المراد هنا ذوات الأزواج، وهو معطوف على المحرمات المذكورة قبله، والمعنى: أنه لا يحل نكاح المرأة إذا كانت في عصمة الرجل. • فالمراد بالمحصنات هنا المتزوجات، لأن لفظ (المحصنات) أطلق في القرآن ثلاثة إطلاقات: الأول: المحصنات العفائف، ومنه قوله تعالى (محصنات غير مسافحات) أي: عفائف غير زانيات. الثاني: المحصنات الحرائر، ومنه قوله تعالى (فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: على الإماء نصف ما على الحرائر، ومنه قوله تعالى (وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ). الثالث: أن يراد بالإحصان التزوج، وهو المراد بهذه الآية على القول الصحيح.

стр. 1499

ويؤيده سبب النزول: فعن أبي سعيد (أن رسول الله ﷺ يوم حنين بعث جيشاً إلى أوطاس، فلقوا عدوهم فقاتلوا فظهروا عليهم وأصابوا لهم سبابا، فكأن ناساً من أصحاب رسول الله ﷺ تحرجوا من غشيانهم من أجل أزواجهن المشركين، فأنزل الله في ذلك (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النِّسَاءِ إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) رواه مسلم. • وسمي الزواج إحصاناً، لأن كلاً من الزوجين يحصن صاحبه، كما قال ﷺ (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة … فإنه أحصن للفرج). (إِلَّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: حرمت عليكم المحصنات من النساء وهن زوجات الغير أو معتداتهم إلا اللائي ملكتموهن بطريق السبي من الكفار، فإنه ينفسخ نكاحهن من أزواجهن الكفار، ويحل لكم وطؤهن بعد استبراهن. • قوله تعالى (إِلَّا ما مَلَكَتْ أَيْمانُكُمْ) استثناء من تحريم نكاح ذوات الأزواج والمراد به: النساء المسبيات اللاتي أصابهن السبي ولهن أزواج في دار الحرب، فانه يحل لمالكهن وطؤهن بعد الاستبراء، لارتفاع النكاح بينهن وبين أزواجهن بمجرد السبي، أو بسبيهن وحدهن دون أزواجهن. أي: وحرم اللّه تعالى عليكم نكاح ذوات الأزواج من النساء، إلا ما ملكتموهن بسبي، فسباؤكم لهن هادم لنكاحهن السابق في دار الكفر، ومبيح لكم نكاحهن بعد استبرائهن. • قال في التسهيل: قوله تعالى (إِلاَّ مَا مَلَكْتَ أيمانكم) يريد السبايا في أشهر الأقوال، والاستثناء متصل، والمعنى: أن المرأة الكافرة إذا كان لها زوج، ثم سبيت: جاز لمن ملكها من المسلمين أن يطأها، وسبب ذلك أن رسول الله ﷺ بعث جيشاً إلى أوطاس، فأصابوا سبايا من العدوّ لهنّ أزواج من المشركين، فتأثم المسلمون من غشيانهنّ، فنزلت الآية مبيحة لذلك. (كِتَابَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) أي: هذا التحريم كتاب كتبه الله عليكم، فالزموا كتابه. (وَأُحِلَّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ) أي: وأحل لكم نكاح ما سوى المحرمات السابقة. • معنى (ما وراء) أي سوى وعدا. (ذلكم) الإشارة للمحرمات السابقة. • ويخص من هذا العموم الجمع بين المرأة وعمتها، وبين المرأة وخالتها.

стр. 1500

(أَنْ تَبْتَغُوا بِأَمْوَالِكُمْ) أي: أن تطلبوا نكاح من وقع نظركم واختياركم عليهن من النساء اللتي أحلهن الله لكم بما تدفعون من المهور. • وفي هذا دليل على وجوب المهر وأنه لا يجوز للمرأة أن تهب نفسها. (مُحْصِنِينَ) أي: والحال أنكم متزوجين الزواج الشرعي الذي يحصن فروجكم وفروج زوجاتكم، متعففين به عن الزنا. (غَيْرَ مُسَافِحِينَ) أي: غير زانين، وسمي الزنا سفاحاً والزاني مسافحاً، لأن قصد الزاني هو سفح الماء ودفقه ونيل اللذة والشهوة دون المقاصد الشريفة للنكاح الشرعي. • والمعنى: بين لكم - سبحانه - ما حرم عليكم من النساء، وأحل لكم ما وراء ذلكم، من أجل أن تطلبوا الزواج من النساء اللائي أحلهن اللّه لكم أشد الطلب، عن طريق ما تقدمونه لهن من أموالكم كمهور، وبذلك تكونون قد أحصنتم أنفسكم ومنعتموها عن السفاح والفجور والزنا. (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ فَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: فما استمتعتم به منهن بالنكاح الشرعي الصحيح فأعطوهن مهورهن. • فالمراد بالاستمتاع هنا الاستمتاع الشرعي (الزواج) وليس نكاح المتعة ويدل عليه حديث (وإن استمتعت بها استمتعت بها وفيها عوج). • والاستمتاع: طلب المتعة والتلذذ بما فيه منفعة ولذة، والمراد بقوله أُجُورَهُنَّ أي: مهورهن لأنها في مقابلة الاستمتاع فسميت أجراً. • قال ابن كثير: وقد استدل بعموم هذه الآية على نكاح المتعة، ولا شك أنه كان مشروعاً في ابتداء الإسلام ثم نسخ بعد ذلك، وقد روى عن ابن عباس وطائفة من الصحابة القول بإباحتها للضرورة، ولكن الجمهور على خلاف ذلك، والعمدة ما ثبت في الصحيحين عن أمير المؤمنين على بن أبى طالب قال: نهى رسول اللّه ﷺ عن نكاح المتعة وعن لحوم الحمر الأهلية يوم خيبر، وفي صحيح مسلم عن الربيع بن سبرة الجهني عن أبيه أنه كان مع رسول اللّه ﷺ (يا أيها الناس إني كنت أذنت لكم في الاستمتاع من النساء، وإن اللّه قد حرم ذلك إلى يوم القيامة، فمن كانت عنده منهن شيء فليخل سبيله، ولا تأخذوا مما آتيتموهن شيئاً).

стр. 1501

• قال الشنقيطي: وهذا المعنى تدل عليه آيات من كتاب الله. كقوله تعالى (وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ) فإفضاء بعضهم إلى بعض المصرح بأنه سبب لاستحقاق الصداق كاملاً هو بعينه الاستمتاع المذكور هنا في قوله (فَمَا اسْتَمْتَعْتُمْ بِهِ مِنْهُنَّ). وكقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً). • فإن قيل: التعبير بلفظ الأجور يدل على أن المقصود الأجرة في نكاح المتعة، لأن الصداق لا يسمى أجراً. فالجواب: أن القرآن جاء فيه تسمية الصداق أجراً كما في قوله تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: مهورهن بلا نزاع. ومثله قوله تعالى (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ) أي: في مهورهن. • استدل بالآية من قال بإباحة نكاح المتعة، قالوا: إن التعبير بالاستمتاع، ولفظ الأجور يدل على أن المراد نكاح المتعة، وهذا استدلال باطل من وجوه ثلاثة: الأول: أن لفظ الأجور جاء في الصداق، قال تعالى (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: مهورهن بلا نزاع. الثاني: أن الأدلة قاطعة بتحريم نكاح المتعة إلى يوم القيامة، وهي أصرح بكثير من هذا الفهم. عن الرَّبِيعُ بْنُ سَبْرَةَ الْجُهَنِيُّ أَنَّ أَبَاهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي قَدْ كُنْتُ أَذِنْتُ لَكُمْ فِي الاِسْتِمْتَاعِ مِنَ النِّسَاءِ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ ذَلِكَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنَّ شَيْءٌ فَلْيُخَلِّ سَبِيلَهُ وَلَا تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) رواه مسلم الثالث: لو سلمنا جدلاً أن الآية في نكاح المتعة، فإنها منسوخة. • والأجر هو المهر، وسمي المهر أجراً لأنه في مقابل الاستمتاع بمنفعة البضع. (فَرِيضَةً) أي: مفروضة. (وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا تَرَاضَيْتُمْ بِهِ مِنْ بَعْدِ الْفَرِيضَةِ) أي: لا حرج عليكم ولا إثم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة من زيادة في المهر بعد تسميته وفرضه، أو نقص منه، فللزوج أن يزيد في المهر إذا كان ذلك عن رضى منه، وللزوجة أن تعفو عن شيء من المهر بعد فرضه، وتبرئ الزوج منه، أو تهبه له أو بعضه، أو تأذن له بتأخيره إذا كان عن رضى منها وطيب نفس.

стр. 1502

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) وقد ذيل - سبحانه - الآية الكريمة بقوله إِنَّ اللَّهَ كانَ عَلِيماً حَكِيماً لبيان أن ما شرعه هو بمقتضى علمه الذي أحاط بكل شيء، وبمقتضى حكمته التي تضع كل شيء في موضعه. الفوائد: ١ - تحريم نكاح المرأة المتزوجة، كأن يتزوجها وهي في عدة الغير. ٢ - أن النساء المسبيات يكنّ أرقاء بمجرد السبي. ٣ - إثبات الرق. ٤ - وجوب الالتزام بما فرض الله. ٥ - أن المحللات أكثر من المحرمات. ٦ - وجوب المال في النكاح لقوله (بأموالكم) فاشترط المال للنكاح. ٧ - تسمية المهر أجراً. ٨ - وجوب إتيان النساء مهورهن. ٩ - إذا تراضى الزوج والزوجة على زيادة أو نقص أو إسقاط فلا حرج. (الثلاثاء: ٥/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1503

(وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٥)). [النساء: ٢٥]. (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً) أي: من لم يستطع منكم أيها المسلمون - والمراد الأحرار - طولاً: أي: غنى وسعة وزيادة (أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: من لم يستطع أن ينكح المحصنات المؤمنات، والمراد بالمحصنات الحرائر بقرينة قوله تعالى (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ). • وسميت الحرائر محصنات، لأنهن أحصن بالحرية عما تكون عليه الأمة من كونها خرّاجة ولاّجة متبذلة ونحو ذلك، أما الحرة فإنها مصونة محصنة. • قال الرازي: المراد بالمحصنات في قوله (وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ المحصنات) هو الحرائر، ويدل عليه أنه تعالى أثبت عند تعذر نكاح المحصنات نكاح الإماء، فلا بد وأن يكون المراد من المحصنات من يكون كالضد للاماء، والوجه في تسمية الحرائر بالمحصنات على قراءة من قرأ بفتح الصاد: أنهن أحصن بحريتهن عن الأحوال التي تقدم عليها الإماء، فإن الظاهر أن الأمة تكون خراجة ولاجة ممتهنة مبتذلة، والحرة مصونة محصنة من هذه النقصانات، وأما على قراءة من قرأ بكسر الصاد، فالمعنى أنهن أحصن أنفسهن بحريتهن. أ هـ (فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: فلينكح التي ملكت أيمانكم وهي الإماء، والمراد أمَةَ غيرهِ، لأنه لا يجوز للمالك أن يتزوج أمة نفسه (مملوكته) لأن مملوكة الرجل تحل له بعقد الملكية، وهو أقوى من عقد الزواج. • قال القرطبي: قوله تعالى (فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم) أي فَلْيَتَزَوّج بأَمَة الغير، ولا خلاف بين العلماء أنه لا يجوز له أن يتزوّج أَمَةَ نفسه؛ لتعارض الحقوق واختلافها. (مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ) أي: فلابد أن تكون الأمَة مؤمنة، فالكافرة في هذا المقام ولو يهودية أو نصرانية لا يصح. • قال الرازي: الآية دالة على التحذير من نكاح الإماء، وأنه لا يجوز الإقدام عليه إلا عند الضرورة، والسبب فيه وجوه: الأول: أن الولد يتبع الأم في الرق والحرية، فإذا كانت الأم رقيقة علق الولد رقيقا، وذلك يوجب النقص في حق ذلك الإنسان وفي حق ولده. والثاني: أن الأمة قد تكون تعودت الخروج والبروز والمخالطة بالرجال وصارت في غاية الوقاحة، وربما تعودت الفجور، وكل ذلك ضرر على الأزواج. الثالث: أن حق المولى عليها أعظم من حق الزوج، فمثل هذه الزوجة لا تخلص للزوج كخلوص الحرة، فربما احتاج الزوج إليها جداً ولا يجد إليها سبيلاً لأن السيد يمنعها ويحبسها.

стр. 1504

الرابع: أن المولى قد يبيعها من إنسان آخر، فعلى قول من يقول: بيع الأمة طلاقها، تصير مطلقة شاء الزوج أم أبى، وعلى قول من لا يرى ذلك فقد يسافر المولى الثاني بها وبولدها، وذلك من أعظم المضار. الخامس: أن مهرها ملك لمولاها، فهي لا تقدر على هبة مهرها من زوجها، ولا على إبرائه عنه، بخلاف الحرة، فلهذه الوجه ما أذن الله في نكاح الأمة إلا على سبيل الرخصة. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ) أي: ليس لكم إلا الظاهر، أما الباطن فعلمه إلى الله تعالى، فإذا كانت الأمة مؤمنة في الظاهر جاز نكاحها، وباطنها إلى الله تعالى. • قال القرطبي: المعنى أن الله عليم ببواطن الأُمور ولكم ظواهرها، وكلّكم بنو آدم وأكرمكم عند الله أتقاكم، فلا تستنكِفُوا من التزوّج بالإماء عند الضرورة، وإن كانت حديثةَ عهدٍ بِسِباء، أو كانت خرساء وما أشبه ذلك. ففي اللفظ تنبيه على أنه ربّما كان إيمان أَمَة أفضل من إيمان بعض الحرائر. (تفسير القرطبي). (بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ) أي: كلكم سواء في البشرية والإنسانية الأحرار والأرقاء، وكلكم من آدم وآدم من تراب كما قال تعالى (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ). • قال القرطبي: قوله تعالى (بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ) ابتداء وخبر؛ كقولك زيد في الدار. والمعنى أنتم بنو آدم، وقيل: أنتم مؤمنون. وقيل: في الكلام تقديم وتأخير؛ المعنى: ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصناتِ المؤمناتِ فلْينكِح بعضُكم من بعض: هذا فتاة هذا، وهذا فتاة هذا. فبعضكم على هذا التقدير مرفوع بفعله وهو فلينكح. والمقصود بهذا الكلام تَوْطِئة نفوس العرب التي كانت تستهجن ولد الأَمَة وتُعيّره وتُسمِّيه الهَجِين، فلما جاء الشرع بجواز نكاحها علموا أن ذلك التهجين لا معنى له، وإنما انحطت الأَمَة فلم يجز للحرّ التزوّج بها إلا عند الضرورة؛ لأنه تسبب إلى إرقاق الولد، وأن الأَمَة لا تَفرُغ للزّوج على الدوام، لأنها مشغولة بخدمة المَوْلَى. (فَانْكِحُوهُنَّ) الخطاب لمن لم يجد الطوْل لنكاح الحرائر. (بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) أي: برضى مالكيهن وأسيادهن، لأن ولي الأمَة هو مالكها وسيدها، فهو الذي يملكها ويملك منافعها، وليس لأحد عليها ولاية سواه، لا أبوها ولا غيره.

стр. 1505

• قال الرازي: اتفقوا على أن نكاح الأمة بدون إذن سيدها باطل، ويدل عليه القرآن والقياس. أما القرآن فهو هذه الآية فإن قوله تعالى (فانكحوهن بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) يقتضي كون الإذن شرطا في جواز النكاح، وإن لم يكن النكاح واجبا. وأما القياس: فهو أن الأمة ملك للسيد، وبعد التزوج يبطل عليه أكثر منافعها، فوجب أن لا يجوز ذلك إلا بإذنه. (وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: وأعطوهن مهورهن، وسمي المهر أجراً، لأنه في مقابلة منفعة البضع • والمهر إنما يعطى لسيد الأمة، وإنما أضيف إليهن إضافة اختصاص لا إضافة تمليك، كما يقال: سرج الدابة، أو لأنهن السبب في حصول هذه المهور لأسيادهن، لأن الأمَة لا تملك. • قوله تعالى (بالمعروف) عادة عند الناس من حيث كونه مثل مهر أمثالهن من الإماء، وعن طيب نفس منكم من غير منٍّ ولا مماطلة أو بخس منه، استهانة بهن لكونهن إماءً مملوكات، فتقول هذه أمَة فتماطل بمهرها أو تمنَّ به عليها. (محْصَنَاتٍ) أي: متعففات بالزواج الشرعي عن الزنا، لأن الله ذكر مقابل هذا (غير مسافحات) وذكر قبله (فَانْكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ) فصح حمل معنى (محصنات) على المعنيين العفة والزواج الشرعي. (غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ) أي: غير زانيات، وسبق لماذا سمي الزنا سفاحاً. (وَلا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ) أي: ولا حال كونهن متخذات أخدان (متخذات) أي: جاعلات (أخدان) جمع خِدْن، وهو الصديق والخليل والصاحب في السر، تتخذه المرأة يزني بها سراً دون غيره. (فَإِذَا أُحْصِنَّ) الصحيح من أقوال أهل العلم أن معنى (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: تزوجن، فحصنّ أنفسهن وحصنهن أزواجهن بذلك، وقيل: بمعنى (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: أسلمن. • قال ابن كثير: والأظهر - والله أعلم - أن المراد بالإحصان ههنا التزويج، لأن سياق الآية يدل عليه حيث يقول (وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلاً أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ)، والآية الكريمة سياقها كلها في الفتيات المؤمنات، فتعين أن المراد بقوله (فَإِذَا أُحْصِنَّ) أي: تزوجن كما فسره ابن عباس ومن تبعه. (فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ) أي: ارتكبن وفعلن الفاحشة، والمراد بها هنا الزنا، لأنه مما يستفحش شرعاً وعرفاً عند المسلمين، والقرينة الدالة على أن المراد بالفاحشة هنا الزنا قوله تعالى (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ). (فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ) أي: فعيهن نصف ما على الحرائر الأبكار من العذاب وهو الحلد حداً وهو مائة جلدة لقوله تعالى (الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ).

стр. 1506

• وإنما خصت المحصنات - هنا - بالحرائر الأبكار دون الثيبات، لأن الأبكار حدهن الجلد، وهو يتنصف بخلاف الثيبات، فإن حدهن الرجم، والرجم لا يتنصف. • وعلى هذا فإذا تزوجت الأمَة، وأتت بفاحشة فعليها حداً خمسون جلدة. • وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر، لأن العقوبة على قدر النعمة. (ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعن بسبب ذلك. • إذاً يجوز للحر أن يتزوج الأمة بشرطين: الشرط الأول: لا يجد قدرة على نكاح الحرة. الشرط الثاني: إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا. (وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضى إلى إرقاق الولد والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (وأن تصبروا خير لكم) أي: إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذّلة تصرّف الناس في زوجة. (وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة. ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما. (تفسير السعدي).

стр. 1507

الفوائد: ١ - الحث على تزويح الحرائر المؤمنات، لأن الله لم يرخص في الإماء إلا للحاجة والعذر. ٢ - يحرم على الحر أن يتزوج أمة إلا بالشروط التي ذكرها الله: ألا بجد طول حرة مؤمنة، وخوف العنت. ٣ - اختلف العلماء لو قدر على مهر حرة كتابية؟ هل يتزوجها أم يتزوج أمة؟ قيل: أنه يتزوج أمة، لأن هذا هو ظاهر القرآن، وقيل: بل يتزوج حرة كتابية، قالوا: لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار وأولاد الأمَة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكين، ورجح الشيخ ابن عثيمين الأول. ٤ - نقص مرتبة الرق عن الحرية. ٥ - عموم علم لكل شيء حتى ما كان خافياً بالقلوب. ٦ - اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء. ٧ - لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها. ٨ - جمهور العلماء على أن مهر الأمَة لسيدها. ٩ - تحريم اتخاذ الأخدان، ولذلك نهت الشريعة الإسلامية عن الخلوة بالمرأة، ونهت المرأة أن تخضع بالقول خوفاً من الفتنة. ١٠ - أن الأمة إذا زنت فإنها تحد، نصف حد الحرة. ١١ - أن الصبر على عدم نكاح الأمة أولى. ١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم. (السبت: ٩/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1508

(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)). [النساء: ٢٦ - ٢٨]. (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: يريد الله كي يبين لكم. المراد يبين كل ما يحتاجون إليه، ومن ذلك بيان ما أحله لهم وما حرمه عليهم في هذه الآيات وغيرها. • والله بيّن للعباد الآيات والأحكام، وفصلها لهم غاية البيان والتفصيل لفظاً ومعنى. • قال القرطبي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: ليبيّن لكم أمرَ دينكم ومصالح أمرِكم، وما يحلّ لكم وما يحرمُ عليكم. • وقال السعدي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام (وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: ويدلكم ويوفقكم (سنن) أي طريقة الذين من قبلكم من الرسل والأنبياء وأتباعهم الصالحين من أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب. • والمراد بسننهم: ما كانوا عليه من أصول الشرائع التي تتفق عليها جميع الشرائع. • قال أبو حيان: اختلفوا في قوله (سنن الذين من قبلكم) هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم؟ أو على التشبيه؟ أي: سنناً مثل سنن الذين من قبلكم. فمن قال بالأول أراد أنّ السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة. وقيل: المراد بالسنن ما عنى في قوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً). وقيل: المراد بها ما ذكره في قوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً). وقيل: طرق من قبلكم إلى الجنة. وقيل: مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم، وهذا قريب مما قبله. وعلى هذا القول فيكون الذين من قبلكم المراد به الأنبياء وأهل الخير. وقيل: المراد بقوله سنن طرق أهل الخير والرشد والغي، ومن كان قبلكم من أهل الحق والباطل، لتجتنبوا الباطل، وتتبعوا الحق (وَيتوبَ عَلَيْكُمْ) أي: ويريد أن يوفقكم للتوبة، وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، ويقبلها منكم. لأن توبة الله على العبد نوعان: أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا. الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). (واللَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم. (حَكِيمٌ) في كل أقواله وأحكامه وأفعاله، وحكمته أن شرع هذه الأحكام، وبيّن ما أحل من النساء وما حرم منهن، وأباح نكاح الإماء بشروط. (واللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) هذا توكيد لقوله (ويتوب عليكم).

стр. 1509

(ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) أي: ويريد أتباع الشهوات عموماً من أهل الكفر والفسوق والفجور والعصيان. • قال القرطبي: اختلف في تعيين المتَّبِعين للشهوات؛ فقال مجاهد: هم الزناة. وقال السّدِّي: هم اليهود والنصارى. وقالت فرقة: هم اليهود خاصّةً؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب. وقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. (تفسير القرطبي). • والشهوات جمع شهوة، وهي ما يغلب على النفس محبته وهواه، والشهوة قد تكون شهوة فرج وبطن تدفع الإنسان إلى استباحة ما حرم الله من الفروج والمآكل، وقد تكون شهوة فكر وقلب تحمل المرء على رد الحق وقبول الباطل. (أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) أي: أن تنحرفوا عما يريد الله لكم من الاستقامة على هدى الله وسلوك طريق الحق، وتسلكوا طريق الباطل. (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي: يريد الله أن يخفف عنكم وييسر عليكم فيما شرعه لكم في أوامره ونواهيه • التخفيف ضد التشديد والتثقيل، وقد خفف الله عن هذه الأمة فقال تعالى (يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا). فأباح التيمم عند فقد الماء، وأباح قصر الصلاة في السفر تخفيفاً عليهم، وأباح الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغيرها ذلك من التخفيفات. (وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) أي: ضعيفاً في جسمه، ضعيفاً في علمه، ضعيفاً في عزمه وإرادته، ضعيفاً أمام نوازع النفس وغرائزها، ضعيفاً في كل أموره وأحواله. • قال ابن القيم: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صبب الحدور، فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فإن الهلاك أقرب إليه من نفسه. قال طاوس (وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن. • قال ابن الجوزي: في المراد بـ (ضعْف الإنسان) ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة، قال الحسن: هو أنه خُلق من ماءٍ مهين. والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل. والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجّاج، وابن كيسان. (زاد المسير). ولكن القاعدة المهمة في تفسير القرآن الكريم أنه كلما كان من الممكن حمل معاني القرآن على العموم والشمول كان أقرب إلى الصواب؛ وأن الأقوال إذا لم تكن متناقضة، وأمكن حمل الآية عليها جميعها كان أوفق في التفسير.

стр. 1510

• وقال ابن عطية: المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي: لمَّا علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد طاوس، ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل؛ لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسراً، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاماً، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب. • وقال في التسهيل: قوله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) قيل: معناه: لا يصبر على النساء، وذلك مقتضى سياق الكلام، واللفظ أعم من ذلك. • وقال القرطبي: قوله تعالى (وَخَلَقَ الإنسان ضَعِيفاً) نصب على الحال؛ والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشدّ الضعف فاحتاج إلى التخفيف، وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة. وروي عن ابن عباس أنه قرأ (وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً) أي: وخلق الله الإنسان ضعيفاً، أي لا يصبر عن النساء. قال ابن المسيِّب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أَعشُو بِالأُخرى وصاحبي أعمى أصَمّ يعني ذكره وإني أخاف من فتنة النساء. (تفسير القرطبي). • وقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في تفسير الآية: والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور. • ومن هذا نستفيد: أولاً: أن يعرف الإنسان قدر نفسه فلا يتكبر. ثانياً: أن يطلب الإنسان القوة من القوي العزيز ﵎، بالاعتصام بحبله، والالتجاء إليه، والتوكل إليه. ثالثاً: الالتجاء إلى الله، وسؤاله الثبات. رابعاً: الابتعاد عن مواطن الفتن، فمن عرض نفسه للفتن وقع فيها، وفي الحديث (من سمع بالدجال فلينأ عنه). فمن عرف ضعف نفسه هرب من الفتن خوف الوقوع فيها.
следующие страницы →