Полный текст (1 874 стр.). Показаны 176–215 · переход к 181.
стр. 176
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ أَفَلا تَعْقِلُونَ (٤٤)). [البقرة: ٤٤].
(أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) يقول تعالى: كيف يليق بكم يا معشر أهل الكتاب، وأنتم تأمرون الناس بالبر وهو جماع الخير، أن تنسوا أنفسكم (أي: تتركونها) فلا تأتمروا بما تأمرون الناس به، وأنتم مع ذلك تتلون الكتاب وتعلمون ما فيه على من قصر في أوامر الله؟
قال ابن عباس: نزلت في اليهود، كان الرجل يقول لقرابته من المسلمين في السر: اثبت على ما أنت عليه فإنه حق.
• قال الشوكاني: قوله (وَأَنتُمْ تَتْلُونَ الكتاب) جملة حالية مشتملة على أعظم تقريع، وأشد توبيخ، وأبلغ تبكيت: أي: كيف تتركون البر الذي تأمرون الناس به؟ وأنتم من أهل العلم العارفين بقبح هذا الفعل، وشدّة الوعيد عليه، كما ترونه في الكتاب الذي تتلونه، والآيات التي تقرءونها من التوراة. والتلاوة: القراءة، وهي المراد هنا، وأصلها الإتباع؛ يقال تلوته: إذا تبعته، وسمي القارئ تالياً، والقراءة تلاوة؛ لأنه يتبع بعض الكلام ببعض على النسق الذي هو عليه.
وقوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) استفهام للإنكار عليهم.
• قوله تعالى (وَأَنْتُمْ تَتْلُونَ الْكِتَابَ) المراد بالكتاب هنا التوراة، وهذا قول أكثر العلماء.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) أفلا تعقلون ما أنتم صانعون بأنفسكم، فتنتبهوا من رقدتكم، وتتبصروا من عمايتكم.
• قال الطبري: أي أفلا تفقهون وتفهمون.
• قال الرازي: قوله (أفلا تعقلون) فهو تعجب للعقلاء من أفعالهم ونظيره قوله تعالى: (أف لكم ولما تعبدون من دون الله أفلا تعقلون) وسبب التعجب وجوه:
الأول: أن المقصود من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر إرشاد الغير إلى تحصيل المصلحة وتحذيره عما يوقعه في المفسدة، والإحسان إلى النفس أولى من الإحسان إلى الغير وذلك معلوم بشواهد العقل والنقل فمن وعظ ولم يتعظ فكأنه أتى بفعل
متناقض لا يقبله العقل فلهذا قال (أفلا تعقلون).
стр. 177
الثاني: أن من وعظ الناس وأظهر علمه للخلق ثم لم يتعظ صار ذلك الوعظ سبباً لرغبة الناس في المعصية لأن الناس يقولون أنه مع هذا العلم لولا أنه مطلع على أنه لا أصل لهذه التخويفات وإلا لما أقدم على المعصية فيصير هذا داعياً لهم إلى التهاون بالدين والجراءة على المعصية، فإذا كان غرض الواعظ الزجر عن المعصية ثم أتى بفعل يوجب الجراءة على المعصية فكأنه جمع بين المتناقضين، وذلك لا يليق بأفعال العقلاء، فلهذا قال (أفلا تعقلون).
الثالث: أن من وعظ فلا بد وأن يجتهد في أن يصير وعظه نافذاً في القلوب، والإقدام على المعصية مما ينفر القلوب عن القبول، فمن وعظ كان غرضه أن يصير وعظه مؤثراً في القلوب، ومن عصى كان غرضه أن لا يصير وعظه مؤثراً في القلوب، فالجمع بينهما متناقض غير لائق بالعقلاء، ولهذا قال علي ﵁: قصم ظهري رجلان: عالم متهتك وجاهل متنسك.
• قال السعدي: وسمى العقل عقلا لأنه يعقل به ما ينفعه من الخير، وينعقل به عما يضره، وذلك أن العقل يحث صاحبه أن يكون أول فاعل لما يأمر به، وأول تارك لما ينهى عنه، فمن أمر غيره بالخير ولم يفعله، أو نهاه عن الشر فلم يتركه، دل على عدم عقله وجهله، خصوصاً إذا كان عالماً بذلك، قد قامت عليه الحجة.
• قوله تعالى (وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ) أي: وتتركون أنفسكم، فالنسيان هنا المراد به الترك.
والنسيان في القرآن يطلق على معنيين:
المعنى الأولى: بمعنى الترك: ومنه قوله تعالى (نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ) نسوا الله: أي: تركوه فلم يقوموا بحقه، فنسيهم: تركهم سبحانه فلم يجبهم، ومنه قوله تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ) أي تركوه (فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ) أي: جعلهم ينسونها ويغفلون عنها ويتركونها إذا لم يعطوا الله حقه، ومنه قوله تعالى (وَقِيلَ الْيَوْمَ نَنْسَاكُمْ) أي: نترككم في النار.
المعنى الثاني: الذهول عن الشيء المعلوم، ومنه قوله تعالى (أَحْصَاهُ اللَّهُ وَنَسُوهُ) المراد بالنسيان: الذهول عن شيء معلوم، فالله تعالى أحصاه، لكن هؤلاء نسوه، وهذا المعنى لا يوصف به الله تعالى.
стр. 178
• التوبيخ بالآية بسبب ترك فعل البر لا بسبب الأمر بالبر، فإن الأمر بالمعروف وهو واجب، ولكن الواجب والأولى أن يفعله مع أمرهم به ولا يتخلف عنهم، فكل من الأمر بالمعروف وفعله واجب، لا يسقط أحدهما بترك الآخر على أصح قولي العلماء.
وذهب بعضهم إلى أن مرتكب المعاصي لا ينهى غيره عنها، وهذا ضعيف، قال ابن كثير: والصحيح: أن العالم يأمر بالمعروف وإن لم يفعله، وينهى عن المنكر وإن ارتكبه، قال مالك عن ربيعة: سمعت سعيد بن جبير يقول: لو كان المرء لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر حتى لا يكون فيه شيء ما أمر أحد بمعروف ولا نهى عن منكر. قال مالك: وصدق من ذا الذي ليس فيه شيء؟
قال الحسن لمطرف بن عبد الله: عظ أصحابك، فقال: إني أخاف أن أقول مالا أفعل، قال يرحمك الله، وأينا يفعل ما يقول، ويود الشيطان أنه قد ظفر بهذا فلم يأمر أحد بمعروف ولم ينه عن منكر.
• قال الشوكاني: الهمزة في قوله (أَتَأْمُرُونَ الناس بالبر) للاستفهام مع التوبيخ للمخاطبين، وليس المراد توبيخهم على نفس الأمر بالبر، فإنه فعل حسن مندوب إليه، بل بسبب ترك فعل البر المستفاد من قوله (وَتَنسَوْنَ أَنفُسَكُم).
• قال السعدي: وليس في الآية أن الإنسان إذا لم يقم بما أمر به أنه يترك الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر، لأنها دلت على التوبيخ بالنسبة إلى الواجبين، وإلا فمن المعلوم أن على الإنسان واجبين: أمر غيره ونهيه، وأمر نفسه ونهيها، فترك أحدهما، لا يكون رخصة في ترك الآخر، فإن الكمال أن يقوم الإنسان بالواجبين، والنقص الكامل أن يتركهما، وأما قيامه بأحدهما دون الآخر، فليس في رتبة الأول، وهو دون الأخير، وأيضا فإن النفوس مجبولة على عدم الانقياد لمن يخالف قوله فعله، فاقتداؤهم
بالأفعال أبلغ من اقتدائهم بالأقوال المجردة.
стр. 179
الفوائد:
١ - ذم من يأمر الناس بالطاعة والبر ولا يفعل ذلك.
قال تعالى (كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
عن أسامة. قال: قال رسول الله ﷺ (يجاء بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار فتندلق به أقتابه، فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطيف به أهل النار فيقولون: يا فلان ما أصابك، ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) رواه البخاري ومسلم.
عن أنس بن مالك ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ : (مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، قال: قلت من هؤلاء؟ قالوا: خطباء أمتك من أهل الدنيا ممن كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم وهم يتلون الكتاب أفلا يعقلون) رواه أحمد.
٢ - توبيخ العالم المخالف لما يأمر به.
٣ - أن من أمر بمعروف ولم يفعله، أو نهى عن منكر وفعله من هذه الأمة، ففيه شبه من اليهود.
стр. 180
(وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ الَّذِينَ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ (٤٥)). [البقرة: ٤٥].
(وَاسْتَعِينُوا) أي اطلبوا العون على أموركم الدنيوية والأخروية.
(بِالصَّبْرِ) على فعل الطاعات، وبالصبر عن المعاصي، وبالصبر على أقدار الله المؤلمة.
والصبر شرعاً: هو حبس النفس على حكم الله.
وحكم الله نوعان: أحدهما: قدري، والآخر شرعي.
وقيل: الصبر احتمال وثبات على ما لا يلائم.
• قال السعدي: أمرهم الله أن يستعينوا في أمورهم كلها بالصبر بجميع أنواعه، وهو الصبر على طاعة الله حتى يؤديها، والصبر عن معصية الله حتى يتركها، والصبر على أقدار الله المؤلمة فلا يتسخطها، فبالصبر وحبس النفس على ما أمر الله بالصبر عليه معونة عظيمة على كل أمر من الأمور، ومن يتصبر يصبره الله.
فلا نجاح في الدنيا، ولا فلاح في الآخرة إلا بالصبر.
فلولا صبر الزارع على بذره ما حصد، ولولا صبر الغارس على غرسه ما جنى، ولولا صبر الطالب على درسه ما تخرج، ولولا صبر المقاتل في ساح الوغى ما انتصر، وهكذا كل الناجحين في الدنيا إنما حققوا آمالهم بالصبر.
وإذا كان هذا في أمور الدنيا، ففي أمور الآخرة أولى، وخاصة أهل الإيمان، فهم أشد الناس حاجة للصبر لأنهم يتعرضون للأذى والمحن والابتلاءات.
قال تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ).
وقال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).
• قال ابن القيم: هو خُلق فاضل من أخلاق النفس، يمتنع به من فعل ما لا يحسن ولا يجمُل، وهو قوة من قوى النفس التي بها صلاح شأنها وقوام أمرها.
الصبر باعتبار متعلقه أقسام: صبر على الأوامر والطاعات حتى يؤديها، وصبر عن المناهي والمخالفات حتى لا يقع فيها، وصبر على الأقدار والأقضية حتى لا يتسخطها. …
فالصبر سلاح عظيم للحصول على كل خير في الدنيا والنجاة من كل كرب.
كما قال تعالى (وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصَّلاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا).
وقال تعالى (فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ).
стр. 181
وقال تعالى (وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ … ).
وصبر يوسف ﵇ من إجابة امرأة العزيز حين دعته إلى نفسها فصبر وقال (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ وَإِلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أَصْبُ إِلَيْهِنَّ وَأَكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ).
• فمن فضائل الصبر أنه من أعظم المعين على أمور الدنيا والآخرة، وللصبر فضائل كثيرة:
أولاً: معية الله للصابرين.
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
ثانياً: محبة الله لهم.
قال تعالى (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).
ثالثاً: إطلاق البشرى لهم.
قال تعالى (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ).
رابعاً: إيجاب الجزاء على أحسن أعمالهم.
قال تعالى (وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
خامساً: ضمان المدد والنصرة لهم.
قال تعالى (بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةُ مُسَوِّمِينَ).
سادساً: استحقاقهم دخول الجنة وتسليم الملائكة عليهم.
قال تعالى (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً).
وقال تعالى (وَالْمَلائِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ بَابٍ. سَلامٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارِ)
سابعاً: حفظهم من كيد الأعداء.
قال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
ثامناً: سبب للحصول على درجة الإمامة في الدين.
قال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).
قال ابن تيمية: بالصبر واليقين تنال الإمامة في الدين. ثم تلا هذه الآية (وجعلنا منهم أئمة يهدون بأمرنا لما صبروا وكانوا بآياتنا يوقنون).
стр. 182
تاسعاً: أنه من أسباب النصر.
كما في حديث ابن عباس (واعلم أن النصر مع الصبر).
عاشراً: أمر الله به المؤمنين.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
الحادي عشر: الصبر ضياء.
كما في حديث أبي مالك الأشعري. قال: قال ﷺ (والصبر ضياء) رواه مسلم.
الثاني عشر: أنه خير ما أعطي العبد.
قال ﷺ (وما أعطي أحد عطاء خيراً وأوسع من الصبر) رواه مسلم.
• والذي يبعث على الصبر أمور:
أحدها: إجلال الله ﵎ أن يعصى وهو يرى ويسمع.
الثاني: مشهد محبته سبحانه فيترك معصيته محبة له.
الثالث: مشهد النعمة والإحسان فإن الكريم لا يقابل بالإساءة من أحسن إليه.
الرابع: مشهد الغضب والانتقام، فإن الرب إذا تمادى العبد في معصيته غضب.
الخامس: مشهد الفوات وهو ما يفوته بالمعصية من خير الدنيا والآخرة.
السادس: مشهد القهر والظفر، فإن قهر الشهوة والظفر بالشيطان له حلاوة ومسرة وفرحة عند من ذاقه.
стр. 183
(وَالصَّلاةِ) أي استعينوا بالصلاة، فإن الصلاة من أكبر العون على الثبات في الأمر.
كما قال تعالى (وَأَقِمِ الصَّلاةَ إِنَّ الصَّلاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ).
وعن حذيفة. قال (كان رسول الله ﷺ ، إذا حزبه أمر صلى) رواه أبو داود.
• قال القرطبي: خصّ الصلاة بالذكر من بين سائر العبادات تنويهاً بذكرها.
لأن العبد إذا قام بين يدي ربه يناجيه ويتلو كتابه هان عليه كل ما في الدنيا رغبة فيما عند الله ورهبة منه فيتباعد عن كل ما لا يرضي الله فيرزقه الله ويهديه.
• قال ابن القيم: والصلاة مجلبة للرزق، حافظة للصحة، دافعة للأذى، مطردة للأدواء، مقوية للقلب، مبيضة للوجه، مفرحة للنفس، مذهبة للكسل، منشطة للجوارح، ممدة للقوى، شارحة للصدر، منورة للقلب، حافظة للنعمة، دافعة للنقمة، جالبة للبركة، مبعدة من الشيطان، مقربة من الرحمن، وبالجملة: فلها تأثير عجيب في حفظ الصحة والبدن وقواهما، ودفع المواد الرديئة عنهما، وللصلاة تأثير عجيب في دفع شرور الدنيا، ولا سيما إذا أعطيت حقها من التكميل ظاهراً وباطناً، فما استُدفِعتْ شرور الدنيا والآخرة، ولا استُجلبتْ مصالحهما بمثل الصلاة، وسر ذلك: أن الصلاة صلة بالله، وعلى قدر صلة العبد بربه تفتح عليه من الخيرات أبوابها، وتقطع عنه من الشرور أسبابها، وتفيض عليه مواد التوفيق من ربه، والعافية والصحة والغنيمة والغنى، والراحة والنعيم، والأفراح والمسرات كلها محضرة لديه ومسارعة إليه.
• وقال الشنقيطي في بيان سر أن الصلاة معينة على أمور الدنيا والآخرة: لأن العبد إذا وقف بين يدي ربه، يناجي ربه ويتلو كتابه، تذكر ما عند الله من الثواب، وما لديه من العقاب، فهان في عينه كل شيء، وهانت عليه مصائب الدنيا، واستحقر لذاتها، رغبة فيما عند الله، ورهبة مما عند الله.
(وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) أي وإن الصلاة لكبيرة وثقيلة وشاقة.
стр. 184
• قال الشوكاني: (وإنها لكبيرة) والكبيرة التي يكبر أمرها، ويتعاظم شأنها على حاملها؛ لما يجده عند تحملها، والقيام بها من المشقة.
• والضمير في قوله (وإنها لكبيرة) عائد إلى الصلاة، واختار ذلك ابن جرير، لأنها أقرب مذكور.
• وقيل عائد على ما يدل عليه الكلام وهو الوصية بذلك كقوله تعالى (ولا تستوي الحسنة .. ) أي وما يلقى هذه الوصية إلا الذين صبروا، وما يلقاها أي يؤتاها ويلهمها إلا ذو حظ عظيم.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (وإِنها) في المكنى عنها ثلاثة أقوال:
أحدها: أنها الصلاة، قاله ابن عباس والحسن، ومجاهد والجمهور.
والثاني: أنها الكعبة والقبلة، لأنه لما ذكر الصلاة، دلت على القبلة، ذكره الضحاك عن ابن عباس، وبه قال مقاتل.
والثالث: أنها الاستعانة، لأنه لما قال (واستعينوا) دل على الاستعانة.
وقال القرطبي قوله تعالى (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ) اختلف المتأوّلون في عود الضمير من قوله (وإنها):
فقيل: على الصلاة وحدها خاصة.
وقيل: عليهما، ولكنه كَنَى عن الأغلب وهو الصلاة؛ كقوله (والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله)، وقوله (وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْواً انفضوا إِلَيْهَا) فردّ الكناية إلى الفضة؛ لأنها الأغلب والأعم، وإلى التجارة؛ لأنها الأفضل والأهم.
وقيل: إن الصبر لمّا كان داخلاً في الصلاة أعاد عليها؛ كما قال (والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ) ولم يقل: يرضوهما؛ لأن رضا الرسول داخل في رضا الله جل وعز.
стр. 185
(إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) فإنها خفيفة عليهم.
• قال السعدي: أي فإنها سهلة عليهم خفيفة؛ لأن الخشوع وخشية الله ورجاء ما عنده يوجب له فعلها منشرحًا بها صدره، لترقُبه للثواب وخشيته من العقاب. كما أن الخشوع هو العلم الحقيقي.
قال الشوكاني: (إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ) لأنهم لما يعلمونه من تضاعف الأجر، وتوفر الجزاء، والظفر بما وعد الله به من عظيم الثواب، تسهل عليهم تلك المتاعب، ويتذلل لهم ما يرتكبونه من المصاعب، بل يصير ذلك لذة لهم خالصة، وراحة عندهم محضة.
ولذلك قيل: من عرف ما يطلب، هان عليه ما يبذل، ومن أيقن بالخلف، جاد بالعطية.
• وقال ابن القيم: وأجمع العارفون على أن الخشوع محله القلب وثمرته على الجوارح.
• قال ابن الجوزي: والخشوع في اللغة: التطامن والتواضع، وقيل: السكون.
• والخاشع: المنكسر الخاضع لأوامر الله الذليل المصدق بوعده ووعيده.
• قال القرطبي: والخشوع: هيئة في النفس يظهر منها في الجوارح سكون وتواضع.
• قال السعدي: والخشوع هو: خضوع القلب وطمأنينته، وسكونه لله تعالى، وانكساره بين يديه، ذلا وافتقاراً، وإيماناً به وبلقائه.
• وقال ابن عاشور: والمراد بالخاشع هنا الذي ذلل نفسه وكسر سورتها وعودها أن تطمئن إلى أمر الله وتطلب حسن العواقب وأن لا تغتر بما تزينه الشهوة الحاضرة فهذا الذي كانت تلك صفته قد استعدت نفسه لقبول الخير.
• وللخشوع فضائل:
أولاً: يسهل فعل الطاعة.
لهذه الآية (وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ)
ثانياً: من علامات المؤمنين المفلحين.
قال تعالى (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ هُمْ فِي صَلاتِهِمْ خَاشِعُونَ).
стр. 186
ثالثاً: من صفات الأنبياء.
قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
رابعاً: لهم مغفرة وأجراً عظيماً.
قال تعالى (إنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ وَالصَّابِرِينَ وَالصَّابِرَاتِ وَالْخَاشِعِينَ وَالْخَاشِعَاتِ وَالْمُتَصَدِّقِينَ وَالْمُتَصَدِّقَاتِ وَالصَّائِمِينَ وَالصَّائِمَاتِ وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ وَالذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيراً وَالذَّاكِرَاتِ أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً).
خامساً: هو أول ما يرفع.
قال ﷺ (يوشك أن تدخل مسجد جماعة فلا ترى خاشعاً).
سادساً: عاتب الله الصحابة به.
قال تعالى (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ).
سابعاً: حث النبي ﷺ على الخشوع.
قال ﷺ (هل ترون قبلتي ههنا، فوالله ما يخفى علي ركوعكم ولا خشوكم) متفق عليه.
ثامناً: الخشوع من أسباب دخول الجنة.
قال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) متفق عليه.
تاسعاً: أثنى الله على من آمن من أهل الكتاب بخشوعه.
قال تعالى (وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ لا يَشْتَرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً).
عاشراً: الخشوع من أسباب قبول العمل.
قال ﷺ (من توضأ نحو وضوئي هذا، ثن صلى ركعتين لا يحدث فيهما نفسه بشيء إلا غفر له ما تقدم من ذنبه) متفق عليه.
стр. 187
قال سهل: من خشع قلبه لم يقرب منه الشيطان.
وقال أبو يزيد المدني: إن أول ما يرفع من هذه الأمة الخشوع.
وقال الفضيل بن عياض: كان يكره أن يُريَ الرجل من الخشوع أكثر مما في قلبه.
(الَّذِينَ يَظُنُّونَ) هذا من تمام الكلام الذي قبله، أي وإن الصلاة أو الوصاة لثقيلة إلا على الخاشعين الذين يظنون (أي: يوقنون).
• والظن هنا بمعنى اليقين، والظن يطلق على اليقين.
كما في قوله تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً). أي فأيقنوا وكقوله تعالى (إِنِّي ظَنَنْتُ أَنِّي مُلاقٍ حِسَابِيَهْ). وكقوله تعالى عن الجن (وَأَنَّا ظَنَنَّا أَن لَّن نُّعجِزَ اللَّهَ فِي الْأَرْضِ وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً).
(أَنَّهُمْ مُلاقُو رَبِّهِمْ) أي يعلمون أنهم محشورون إليه يوم القيامة معروضون عليه.
(وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أي أمورهم راجعة إلى مشيئته يحكم فيها ما يشاء بعدله، فلهذا لما أيقنوا بالمعاد والجزاء سهل عليهم فعل الطاعات وترك المنكرات.
• قال السعدي (وَأَنَّهُمْ إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) فهذا الذي خفف عليهم العبادات وأوجب لهم التسلي في المصيبات، ونفس عنهم الكربات، وزجرهم عن فعل السيئات، فهؤلاء لهم النعيم المقيم في الغرفات العاليات، وأما من لم يؤمن بلقاء ربه، كانت الصلاة وغيرها من العبادات من أشق شيء عليه.
стр. 188
الفوائد:
١ - إرشاد الله عباده إلى الاستعانة بهذين الأمرين: الصبر والصلاة.
٢ - فضيلة الصبر، وأنه من أسباب التوفيق، في أنواعه الثلاثة: صبر على طاعة الله، وصبر عن معصية الله، وصبر على أقدار الله المؤلمة.
• الصبر نوعان: اختياري واضطراري:
والاختياري أكمل من الاضطراري، فإن الاضطراري يشترك فيه الناس ويتأتى ممن لا يتأتى منه الصبر الاختياري، ولذلك كان صبر يوسف الصديق عن مطاوعة امرأة العزيز وصبره على ما ناله في ذلك من الحبس والمكروه أعظم من صبره على ما ناله من إخوته لمّا ألقوه في الجب، وفرقوا بينه وبين أبيه فباعوه بيع العبد.
٣ - ينبغي على الإنسان معرفة الأسباب التي تعينه على الصبر، وقد ذكرتها قبل قليل.
٤ - فضيلة الصلاة.
٥ - فضيلة الخشوع والخاشعين، وأن الطاعات ثقيلة إلا عليهم.
٦ - الحث والجد في الخشوع والخضوع لله، لأن ذلك مما يسهل الطاعات. …
стр. 189
(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (٤٧)). [البقرة: ٤٧].
(يَا بَنِي إِسْرائيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) سبق شرحها.
• قوله تعالى (اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ) المراد بالذكر هنا: ذكر يحمل على الشكر، ومن شكر تلك النعمة المأمور به: تصديق النبي ﷺ واتباعه فيما جاء به.
• قوله تعالى (نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ) سبق ذكر بعض هذه النعم: كالإنجاء من فرعون، وإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام وغيرها، وقد جرت العادة في القرآن أن الله يمتن على الموجودين في زمن النبي ﷺ بالنعم التي أنعمها على أسلافهم الماضين، وكذلك يعيبهم بالمعائب التي صدرت من أسلافهم الماضين، لأنهم أمة واحدة، ولأن الأبناء يتشرفون بفضائل الآباء، فكأنهم شيء واحد، ولذلك كان جل وعلا يمتن على هؤلاء بنعمه على الأسلاف، وكذلك يعيبهم بما صدر من الأسلاف لأنهم جماعة واحدة.
• قال الآلوسي: (يا بَنِي إسرائيل اذكروا نِعْمَتِيَ التي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُم) كرر التذكير للتأكيد والإيذان بكمال غفلتهم عن القيام بحقوق النعمة، وليربط ما بعده من الوعد الشديد به لتتم الدعوة بالترغيب والترهيب، فكأنه قال سبحانه: إن لم تطيعوني لأجل سوابق نعمتي، فأطيعوني للخوف من لواحق عقابي، ولتذكير التفضيل الذي هو أجل النعم، فإنه لذلك يستحق أن يتعلق به التذكير بخصوصه مع التنبيه على أجليته بتكرير النعمة التي هي فرد من أفرادها.
(وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) ظاهر هذه الآية أن بني إسرائيل هم أفضل العالمين، بينما المعروف أن محمد ﷺ هي أفضل الأمم على الإطلاق، والجواب عن هذه الآية:
الجواب الأول: أن الله فضل بني إسرائيل على عالم زمانهم، بينما الأمة المحمدية مفضلة على سائر الأمم.
وهذا قول جمهور المفسرين.
قال أبوة العالية: بما أعطوا من الملك والرسل والكتب على عالم من كان في ذلك الزمان، فإن لكل زمان عالماً.
стр. 190
قال ابن كثير: ويجب الحمل على هذا، لأن هذه الأمة أفضل منهم.
لقوله تعالى، خطاباً لهذه الأمة (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ).
ولقوله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً).
وقال رسول الله ﷺ (أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله) رواه أحمد.
ولقوله ﷺ (أعطيت ما لم يعط أحد من الأنبياء، … وسميت أحمد، وجعلت أمتي خير الأمم) رواه أحمد.
ولقوله ﷺ (يدخل الجنة من أمتي زمرة وهم سبعون ألفاً، تضيء وجوههم إضاءة القمر ليلة البدر) رواه البخاري.
ومن الآيات المبينة لفضل أمة محمد ﷺ على أمة موسى أنه قال في أمة موسى (مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ) فجعل أعلى مراتبهم الفئة المقتصدة، بخلاف أمة محمد ﷺ فقسمهم إلى ثلاث طوائف، وجعل فيهم طائفة أكمل من الطائفة المقتصدة وذلك في قوله في فاطر (فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ) فجعل فيهم سابقاً بالخيرات، وهو أعلى من المقتصد، ووعد الجميع بظالمهم ومقتصدهم وسابقهم بجنات عدن في قوله (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أَسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤاً وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ).
الجواب الثاني: أن بني إسرائيل أفضل من العالمين بما جعل فيهم من الأنبياء، وإلى هذا أشار الرازي والقرطبي والشوكاني.
• قال ابن كثير: وفيه نظر، لأن العالمين عام يشمل من قبلهم ومن بعدهم من الأنبياء، فإبراهيم الخليل قبلهم وهو أفضل من سائر أنبيائهم، ومحمد بعدهم وهو أفضل من جميع الخلق وسيد ولد آدم في الدنيا والَاخرة، صلوات الله وسلامه عليه.
الجواب الثالث: أن المراد بالعالم الجمع الكثير من الناس، فيكون المعنى: فضلتكم على الكثير من الناس لا الكل، وهذا قول الزمخشري في الكشاف، وضعفه الرازي، والصحيح الأول.
стр. 191
الفوائد:
١ - أنه يجب على بني إسرائيل أن يذكرون نعم الله عليكم.
٢ - أن الفضل والنعمة من الله، كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).
٣ - أن كثرة النعم توجب مزيد الشكر، ولذلك كان النبي ﷺ يقوم الليل حتى تتفطر قدماه ويقول: أفلا أكون عبداً شكوراً.
٤ - أن بني إسرائيل هم أفضل الأمم في زمانهم.
стр. 192
(وَاتَّقُوا يَوْماً لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٤٨)). [البقرة: ٤٨].
(وَاتَّقُوا يَوْماً) لما ذكرهم تعالى بنعمه أولاً، عطف على ذلك التحذير من طول نقمه بهم يوم القيامة، فقال (وَاتَّقُوا يَوْماً) يعني يوم القيامة من أهواله وشدائده، واتقاء يوم القيامة يكون بالاستعداد له.
وهذا كثير في القرآن.
قال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).
وقال تعالى (فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إِنْ كَفَرْتُمْ يَوْماً يَجْعَلُ الْوِلْدَانَ شِيباً).
• قال ابن عاشور: عَطَفَ التحذير على التذكير، فإنه لما ذكرهم بالنعمة وخاصة تفضيلهم على العالمين في زمانهم وكان ذلك منشأ غرورهم بأنه تفضيل ذاتي فتوهموا أن التقصير في العمل الصالح لا يضرهم فعقب بالتحذير من ذلك، والمراد بالتقوى هنا معناها المتعارف في اللغة لا المعنى الشرعي.
• قال الرازي: اعلم أن اتقاء اليوم اتقاء لما يحصل في ذلك اليوم من العقاب والشدائد لأن نفس اليوم لا يتقى ولا بد من أن يرده أهل الجنة والنار جميعاً.
• وأسباب النجاة من كرب يوم القيامة كثيرة:
منها: التنفيس عن المسلمين.
لحديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من نَفَّس عن مؤمن كُرْبة منْ كُرب الدُّنْيا، نفَّس اللَّه عنْه كُرْبة منْ كُرَب يومِ الْقِيامَةِ، ومنْ يسَّرَ على مُعْسرٍ يسَّرَ اللَّه عليْه في الدُّنْيَا والآخِرةِ) رواه مسلم.
ومنها: إنظار المعسر أو الوضع عنه.
стр. 193
قال ﷺ (مَنْ سَرَّهُ أَنْ يُنَجِّيَهُ اللَّه مِنْ كُرَبِ يَوْمِ القِيَامَةِ، فَلْيُنَفِّسْ عَنْ مُعْسِرٍ أوْ يَضَعْ عَنْهُ) رواه مسلم
ومنها: الوفاء بالنذر، وإطعام الطعام لله.
قال تعالى (يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً. وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاء وَلَا شُكُوراً. إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً. فَوَقَاهُمُ اللَّهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّاهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً).
(لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئاً) أي لا يغني أحد عن أحد.
قال السعدي: (لا تَجْزِي) أي: لا تغني (نَفْسٌ) ولو كانت من الأنفس الكريمة كالأنبياء والصالحين (عَنْ نَفْسٍ) ولو كانت من العشيرة الأقربين (شَيْئًا) لا كبيراً ولا صغيراً وإنما ينفع الإنسان عمله الذي قدمه.
كما قال تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى).
وقال تعالى (لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ يَوْمَئِذٍ شَأْنٌ يُغْنِيهِ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْماً لا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئاً) فهذا أبلغ المقامات أن كلاً من الوالد وولده لا يغني أحدهما عن الآخر شيئاً.
(وَلا يُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ) يعني من الكافرين كما قال (فما تنفعهم شفاعة الشافعين) وكما قال عن أهل النار (فما لنا من شافعين ولا صديق حميم).
• ظاهر الآية عدم قبول الشفاعة مطلقاً يوم القيامة لكنه بين في مواضع أخرى أن الشفاعة المنفية هي الشفاعة للكفار، والشفاعة لغيرهم بدون إذن رب السموات والأرض، أما الشفاعة للمؤمنين بإذنه فهي ثابتة بالكتاب والسنة والإجماع، والشفاعة لا تكون إلا بشرطين:
الشرط الأول: أن يأذن الله بها.
والشرط الثاني: أن يكون راضياً عمن شفع وعمن شفع له.
كما قال تعالى (منْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلَّا بِإِذْنِهِ) وقال تعالى (يَوْمَئِذٍ لا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلاً).
(وَلا يُؤْخَذُ مِنْهَا عَدْلٌ) أي لا يقبل منها فداء، والعدل بمعنى: المعادل المكافئ.
كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ أَحَدِهِمْ مِلءُ الْأَرْضِ ذَهَباً وَلَوِ افْتَدَى بِهِ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ أَنَّ لَهُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ لِيَفْتَدُوا بِهِ مِنْ عَذَابِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا تُقُبِّلَ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
стр. 194
وقال تعالى (وإِنْ تَعْدِلْ كُلَّ عَدْلٍ لا يُؤْخَذْ مِنْهَا).
وقال تعالى (فَالْيَوْمَ لا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْوَاكُمُ النَّارُ).
(وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي ولا أحد يغضب لهم فينصرهم وينقذهم من عذاب الله، كما تقدم من أنه لا يعطف عليهم ذو قرابة ولا ذو جاه، ولا يقبل منهم فداء.
• وأصل النصر في لغة العرب: هو إعانة المظلوم.
• قال السعدي: فنفى الانتفاع من الخلق بوجه من الوجوه، فقوله (لا تَجْزِي نَفْسٌ عَنْ نَفْسٍ شَيْئًا) هذا في تحصيل المنافع، (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) هذا في دفع المضار، فهذا النفي للأمر المستقل به النافع.
стр. 195
الفوائد:
١ - التحذير من يوم القيامة.
٢ - وجوب الاستعداد ليوم القيامة.
٣ - أن يوم القيامة لا ينفع الإنسان إلا عمله.
٤ - أن يوم القيامة لا ينفع لا مال ولا ولد ولا ملك، وإنما الذي ينفع العمل الصالح.
٥ - أن في الآية أعظم تحذير عن المعاصي وأقوى ترغيب في تلافي الإنسان ما يكون منه من المعصية بالتوبة لأنه إذا تصور أنه ليس بعد الموت استدراك ولا شفاعة ولا نصرة ولا فدية علم أنه لا خلاص له إلا بالطاعة، فإذا كان لا يأمن كل ساعة من التقصير في العبادة، ومن فوت التوبة من حيث إنه لا يقين له في البقاء صار حذراً خائفاً في كل حال، والآية وإن كانت في بني إسرائيل فهي في المعنى مخاطبة للكل لأن الوصف الذي ذكر فيها وصف لليوم وذلك يعم كل من يحضر في ذلك اليوم. (قاله الرازي).
٦ - أن يوم القيامة ليس فيه فداء، وأيضاً لا أحد ينصر أحد، فلا الآلهة والأسياد ولا غيرهم يستطيعون نصر أحد.
стр. 196
(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ (٤٩) وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٠)). [٤٩ - ٥٠].
(وَإِذْ نَجَّيْنَاكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) يقول تعالى: اذكروا يا بني إسرائيل نعمتي عليكم إذ نجيناكم من آل فرعون (يَسُومُونَكُمْ سُوءَ الْعَذَابِ) أي: خلصتكم منهم، وأنقذتكم من أيديهم صحبة موسى ﵇، وقد كانوا يسومونكم أي يوردونكم ويذيقونكم ويولونكم سوء العذاب وأشده وأفظعه.
• يسومونكم: يذيقونكم ويلزمونكم إياه، وقيل: يديمون عذابكم.
• سبب ذلك: قيل أن فرعون لعنه الله كان قد رأى رؤيا هالته، رأى ناراً خرجت من بيت المقدس فدخلت بيوت القبط ببلاد مصر إلا بيوت بني إسرائيل، مضمونها أن زوال ملكه يكون على يدي رجل من بني إسرائيل، ويقال بعد تحدث سماره عنده بأن بني إسرائيل يتوقعون خروج رجل منهم يكون لهم به دولة ورفعة، فعند ذلك أمر فرعون لعنه الله بقتل كل ذكر يولد بعد ذلك من بني إسرائيل وأن تترك البنات، وأمر باستعمال بني إسرائيل في مشاق الأعمال وأرذلها.
• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما قدم ذكر نعمه على بني إسرائيل إجمالاً بين بعد ذلك أقسام تلك النعم على سبيل التفصيل ليكون أبلغ في التذكير وأعظم في الحجة.
• الإنجاء هو الإنقاذ من المكروه.
• والخطاب للموجودين، والمراد من سلف من الآباء، وقيل: إنما قال نجيناكم، لأن نجاة الآباء كانت سبباً لنجاة هؤلاء الموجودين.
• فرعون: عَلَمٌ على من ملَك مصر كافراً.
(يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) أي يذبحون الذكور دون الإناث.
وعبر بالتشديد (يذبّحون) دلالة على الكثرة، لأنهم ذبحوا كثيراً من أبنائهم.
• قال الرازي: قال بعض العلماء: إن المراد بقوله (يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءَكُمْ) الرجال دون الأطفال ليكون في مقابلة النساء، وأكثر المفسرين على أن المراد بالآية الأطفال دون البالغين، وهذا هو الأولى لوجوه:
الأول: حملاً للفظ الأبناء على ظاهره.
الثاني: أنه كان يتعذر قتل جميع الرجال على كثرتهم.
الثالث: أنهم كانوا محتاجين إليهم في استعمالهم في الصنائع الشاقة.
الرابع: أنه لو كان كذلك لم يكن لإلقاء موسى ﵇ في التابوت حال صغره معنى.
• وقال الرازي ﵀: إن ذبح الذكور دون الإناث مضرة من وجوه:
أحدها: أن ذبح الأبناء يقتضي فناء الرجال، وذلك يقتضي انقطاع النسل، لأن النساء إذا انفردن فلا تأثير لهن البتة في ذلك، وذلك يقضي آخر الأمر إلى هلاك الرجال والنساء.
وثانيها: أن هلاك الرجال يقتضي فساد مصالح النساء في أمر المعيشة، فإن المرأة لتتمنى وقد انقطع عنها تعهد الرجال وقيامهم بأمرها الموت، لما قد يقع إليها من نكد العيش بالانفراد فصارت هذه الخصلة عظيمة في المحن، والنجاة منها في العظم تكون بحسبها.
стр. 197
وثالثها: أن قتل الولد عقيب الحمل الطويل وتحمل الكد والرجاء القوي في الانتفاع بالمولود من أعظم العذاب، لأن قتله والحالة هذه أشد من قتل من بقي المدة الطويلة مستمتعاً به مسروراً بأحواله، فنعمة الله من التخليص لهم من ذلك بحسب شدة المحنة فيه.
ورابعها: أن الأبناء أحب إلى الوالدين من البنات، ولذلك فإن أكثر الناس يستثقلون البنات ويكرهونهن وإن كثر ذكرانهم، ولذلك قال تعالى (وَإِذَا بُشّرَ أَحَدُهُمْ بالأنثى ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدّا وَهُوَ كَظِيمٌ يتوارى مِنَ القوم مِن سُوء مَا بُشّرَ بِهِ) الآية، ولذلك نهى العرب عن الوأد بقوله (وَلَا تَقْتُلُواْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إملاق) وإنما كانوا يئدون الإناث دون الذكور.
وخامسها: أن بقاء النسوان بدون الذكران يوجب صيرورتهن مستفرشات الأعداء وذلك نهاية الذل والهوان.
(وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءَكُمْ) أي يستبقون الإناث على قيد الحياة، للخدمة.
• فإن قال قائل: إن بقاء البنت حية أفضل من موتها، فما وجه جعل ذلك من إهانتهم؟
إبقاء الإناث يعتبر عار وتعذيب، لأن موت البنت أرحم من بقائها عند عدو يذلها ويهينها.
• قال الشنقيطي: … فبقاؤهن [أي الإناث] تحت يد العدو يفعل بهن ما يشاء من الفاحشة والعار ويستخدمهن في الأعمال الشاقة نوع من العذاب، وموتهن راحة من هذا العذاب وقد كان العرب يتمنون موت الإناث خوفاً من مثل هذا.
(وَفِي ذَلِكُمْ بَلاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) قال ابن جرير: وفي الذي فعلنا بكم من إنجائنا آباءكم مما كنتم فيه من عذاب آل فرعون بلاء لكم من ربكم عظيم، أي نعمة عظيمة عليكم في ذلك.
• وأصل البلاء الاختبار، وقد يكون بالخير والشر، كما قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ) وقال تعالى (وبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
• وقيل المراد بقوله (وفي ذلكم بلاء) إشارة إلى ما كانوا فيه من العذاب المهين من ذبح الأبناء، واستحياء النساء، قال القرطبي: وهذا قول الجمهور.
(وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنْجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ) أي: وبعد أن أنقذناكم من آل فرعون وخرجتم مع موسى ﵇، خرج فرعون في طلبكم ففرقنا بكم البحر كما أخبر تعالى عن ذلك مفصلاً في سورة الشعراء (فأنجيناكم) أي خلصناكم منهم وحجزنا بينكم وبينهم وأغرقناهم.
стр. 198
• قوله تعالى (وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ) الباء للسببية أي: أي: فصلنا بعض أجزاء البحر عن بعض بسبب دخولكم فيه، ليمكنكم المرور سالكين بين أجزائه، وقيل إن (الباء) بمعنى (اللام) والمعنى: فرقنا بكم أي: أي فرقنا لكم، وهو عائد للمعنى الأول، لأن اللام للتعليل، والباء للسبب، فالمعنى متقارب.
• فرقنا: أصل الفرق الفصل، ومنه الفرقان لأنه يفرق بين الحق والباطل، أي يفصل ومنه قوله تعالى (فالفارقات فرقاً) يعني الملائكة تنزل بالفرق بين الحق والباطل.
(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) بأبصاركم، ليكون ذلك أشفى لصدوركم وأبلغ في إهانة عدوكم.
• قال ابن عاشور: وهذا الحال زيادة في تقرير النعمة وتعظيمها فإن مشاهدة المنعم عليه للنعمة لذة عظيمة لا سيما ومشاهدة إغراق العدو أيضاً نعمة زائدة كما أن مشاهدة فرق البحر نعمة عظيمة لما فيها من مشاهدة معجزة تزيدهم إيماناً وحادث لا تتأتى مشاهدته لأحد.
• البحر: معروف سمي بذلك لاتساعه.
• ذكر الله تعالى الإنجاء والإغراق ولم يذكر اليوم الذي كان ذلك فيه، لكن ثبت في الصحيح أنه كان يوم عاشوراء.
فعن ابن عباس (أن رسول الله ﷺ قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم عاشوراء، فقال لهم رسول الله ﷺ : ما هذا اليوم الذي تصومونه؟ فقالوا: هذا يوم عظيم، أنجى الله فيه موسى وقومه، وأغرق فرعون وقومه، فصامه موسى شكراً فنحن نصومه، فقال رسول الله ﷺ : فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله ﷺ وأمر بصيامه).
• لم يبين هنا كيفية فرق البحر بهم، لكنه بين ذلك في مواضع:
كقوله تعالى (فَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ).
وقوله (وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي الْبَحْرِ يَبَساً لا تَخَافُ دَرَكاً وَلا تَخْشَى).
стр. 199
الفوائد:
١ - عظم نعمة الله على بني إسرائيل إذ نجاهم من آل فرعون، حيث تضمن هذا التذكير حصول المطلوب وذلك بنجاتهم، وزوال المكروه بإهلاك عدوهم.
٢ - أن الإنجاء من العدو من أعظم النعم.
٣ - شدة عذاب فرعون لبني إسرائيل.
٤ - شدة قوة الله حيث أهلك فرعون.
٥ - بيان قدرة الله على كل شيء.
٦ - أن إهلاك عدو الإنسان وهو ينظر من نعمة الله عليه.
٧ - قال السمرقندي: وكان في قصة فرعون وغيره علامة نبوة محمد ﷺ لأنه لا يعرف ذلك إلا بالوحي، فلما أخبرهم بذلك
من غير أن يقرأ كتاباً، كان ذلك دليلاً أنه قاله بالوحي، وفيه أيضاً تهديد للكفار ليؤمنوا حتى لا يصيبهم مثل ما أصاب أولئك، وفيه أيضاً تنبيه للمؤمنين وعظة لهم ليزجرهم ذلك عن المعاصي.
стр. 200
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ (٥١) ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٢) وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (٥٣)). [البقرة ٥١ - ٥٣].
(وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ) يقول تعالى: واذكروا نعمتي عليكم في عفوي عنكم، لما عبدتم العجل بعد ذهاب موسى لميقات ربه عند انقضاء أمد المواعدة، وكانت أربعين يوماً وهي المذكورة في الأعراف في قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ) قيل إنها: ذو القعدة بكماله وعشر من ذي الحجة، وكان ذلك بعد خلاصهم من فرعون وإنجائهم من البحر.
• في هاتين الآيتين يذكر الله بني إسرائيل بنعمته عليهم بهذا العفو العظيم، وذلك أن الله واعد موسى ثلاثين ليلة فأتمها بعشر فصارت أربعين ليلة، وكان ذلك بعد أن جاوز البحر وسأله قومه أن يأتيهم بكتاب من عند الله، فخرج إلى الطور في سبعين من خيار بني إسرائيل، وصعدوا الجبل وواعدهم إلى تمام أربعين ليلة، فلما تأخر موسى عن الموعد الذي ذكره لبني إسرائيل فتنوا بعبادة العجل، وقال لهم السامري (هذا إلهكم وإله موسى فنسي) فاطمأنوا إلى قوله ونهاهم هارون وقال (وَلَقَدْ قَالَ لَهُمْ هَارُونُ مِنْ قَبْلُ يَا قَوْمِ إِنَّمَا فُتِنْتُمْ بِهِ وَإِنَّ رَبَّكُمُ الرَّحْمَنُ فَاتَّبِعُونِي وَأَطِيعُوا أَمْرِي قَالُوا لَنْ نَبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَى) فلم يتبع هارون ولم يطعه في ترك عبادة العجل إلا اثنا عشر ألفاً فيما روي في الخبر، وتهافت في عبادته سائرهم، فلما رجع موسى ووجدهم على تلك الحال ألقى الألواح وأحرق العجل وذره في البحر، وقال (يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل فتوبوا إلى … ) فجعل الله من توبتهم أن يقتل بعضهم بعضاً.
• قوله تعالى (مِنْ بَعْدِهِ) أي: من بعد ذهاب موسى إلى ميقات ربه.
(وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) أي: بعبادتكم العجل، فإن الشرك ظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك.
كما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم).
وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم).
стр. 201
وقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذا من الظالمين) أي: من المشركين.
ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كِلْتَا الْجَنَّتَيْنِ آتَتْ أُكُلَهَا وَلَمْ تَظْلِمْ مِنْهُ شَيْئاً) أي ولم تنقص.
• وقد يطلق الظلم على ظلم الإنسان نفسه ببعض المعاصي التي لا تبلغ الكفر، ومنه قوله تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ) بدليل قوله في الجميع (جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا)، لأن هذا أطاع الشيطان وعصى ربه فقد وضع الطاعة في غير موضعها.
• قوله: وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة، لم يبين هل واعده إياها مجتمعة أو متفرقة، ولكنه بيّن في سورة الأعراف أنها متفرقة،
وأنه واعده أولاً ثلاثين ثم أتمها بعشر، وذلك في قوله تعالى (وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً).
(ثُمَّ عَفَوْنَا عَنْكُمْ) فالعفو: مَحْوُ الذنب؛ أي محوْنا ذنوبكم وتجاوزنا عنكم.
(مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد عبادتكم العجل، والعجل ولد البقرة.
قال القرطبي: وسُمِّيَ العجل عجلاً لاستعجالهم عبادته.
(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لأجل أن تقوموا بشكره.
стр. 202
• قال بعض العلماء: أن كل (لعل) في القرآن هي بمعنى التعليل إلا التي في سورة الشعراء (وَتَتَّخِذُونَ مَصَانِعَ لَعَلَّكُمْ تَخْلُدُونَ) قالوا: هي بمعنى: كأنكم تخلدون.
• والشكر: هو القيام بطاعة المنعم اعترافاً بالقلب، وثناء باللسان، وطاعة بالأركان.
وفي ذلك يقول الشاعر:
أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً … يدي ولساني والضمير المحجبا
فنعمة العين: أن لا ينظر بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة اليد أن لا يبطش بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة الرجِل أن لا يمشي بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة المال: أن لا يستعين به ويصرفه إلا فيما يرضي الله
• كيف يتحقق الشكر؟
أولاً: سؤال الله ذلك.
كما قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).
وقال ﷺ لمعاذ: (يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). رواه أبو داود
ثانياً: أن يعلم الإنسان أن النعم إذا شكرت قرت وزادت.
قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).
ثالثاً: أن يعلم الإنسان أن الله سيسأله يوم القيامة عن شكر نعمه.
قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ).
قال ابن كثير: أي ثم لتسألن عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما ذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة.
رابعاً: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا، فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله.
قال ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم).
الشكر يكون من الله لعبده ومن العبد لربه.
стр. 203
فشكر العبد لربه كقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ). وقوله تعالى (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ).
وتعريفه كما سبق وهو أن يستعمل نعمه في طاعة الله.
وشكر الله لعبده كقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردّه عليه أضعافاً مضاعفة.
لما عقر سليمان الخيل غضباً له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.
ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.
ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
• فضائل الشكر:
أولاً: الله أمر به.
قال تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
ثانياً: التوبيخ على عدم الشكر.
قال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ).
стр. 204
ثالثاً: الثناء على الشاكرين وأنه سبل الرسل.
قال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً).
رابعاً: الشكر نفع للشاكر نفسه.
قال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ).
خامساً: أن الشكر إذا صدر من المؤمنين فهو مانع من نزول العذاب.
قال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ).
سادساً: أن الشكر سبب لزيادة النعم.
قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ).
سابعاً: أن الصفوة من عباد الله يسألون الله أن يوزعهم شكر نعمته.
قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).
ثامناً: أن الشاكرين قليلون.
قال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ).
وقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).
وهذا يدل على أنهم هم خواص الله.
(وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي وأعطينا موسى الكتاب وهو التوراة.
• قال ابن عاشور: هذا تذكير بنعمة نزول الشريعة التي بها صلاح أمورهم وانتظام حياتهم وتأليف جماعتهم مع الإشارة إلى تمام النعمة وهم يعدونها شعار مجدهم وشرفهم لسعة الشريعة المنزلة لهم حتى كانت كتاباً فكانوا به أهل كتاب أي أهل علم تشريع.
стр. 205
• وموسى هو ابن عمران، أفضل أنبياء بني إسرائيل، وأحد أولي العزم من الرسل، وهو كليم الرحمن.
(وَالْفُرْقَانَ) أي وأعطيناه الفرقان، وقد اختلف العلماء في المراد فيه:
فقيل: الفرقان انفراق البحر له حتى صار فرقاً فعبروا، وهذا بعيد.
وقيل: إن الواو زائدة، والمعنى: آتينا موسى الكتاب الفرقان.
وقيل: الفرقان هو الكتاب (التوراة)، عطف عليه وإن كان المعنى واحداً، ويكون ذلك من قبيل عطف الأوصاف والموصوف واحداً، كما في قوله تعالى (سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى. الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى. وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى).
وقيل: إن الفرقان الذي آتاه موسى هو الكتاب الذي فرق به بين الحق والباطل، وهو نعت للتوراة وصفة لها، فيكون تأويل
الآية حينئذ: وإذا آتينا موسى التوراة التي كتبناها له في الألواح وفرقنا بها بين الحق والباطل، ورجحه الطبري.
وقيل: في الآية مضمر، ومعناه: وآتينا موسى الكتاب يعني التوراة، وأعطينا محمداً الفرقان، فكأنه خاطبهم فقال: قد أعطيناكم علم موسى وعلم محمد ﷺ وعلم سائر الأنبياء.
(لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي لكي تهتدوا بالتدبر فيها والعمل بما فيها من أحكام.
стр. 206
الفوائد:
١ - حكمة الله في تقديره، حيث واعد موسى أربعين ليلة لينزّل عليه فيها التوراة.
٢ - عظمة الله لقوله (آتينا).
٣ - سفه هؤلاء الذين اتخذوا العجل إلهاً، حيث هم الذي صنعوه.
٤ - أن الشرك أعظم الظلم.
٥ - أن المستحق للعبادة هو الله الخالق.
٦ - سعة رحمة الله بعفوه عمن ظلم.
٧ - وجوب شكر الله، لأنه عفا وصفح.
٨ - نعمة الله العظيمة بإنزال الكتب.
٩ - إثبات رسالة موسى.
١٠ - أن الكتب التي ينزلها تكون فرقاناً بين الحق والباطل.
стр. 207
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (٥٤)). [البقرة: ٥٤].
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ) أي واذكروا إذ قال موسى لقومه بعدما رجع من الموعد الذي وعده ربه فرآهم قد اتخذوا العجل.
(يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ) وأي ظلم أعظم وأشد من أن يتخذ الإنسان مع بارئه وخالقه إلهاً يعبده، فإن هذا أظلم الظلم كما قال تعالى (نَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
قوله تعالى (بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ): أي إلهاً.
(فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) أي خالقكم، والتوبة الرجوع من المعصية إلى الطاعة، مع الإقلاع والندم.
• قوله تعالى (إِلَى بَارِئِكُمْ) قال ابن كثير: في هذا تنبيه على عظم جرمهم، أي فتوبوا إلى الذي خلقكم وقد عبدتم معه غيره.
والله ينبه كثيراً على هذا المعنى، ويذكر المشركين بذلك، وأن الخالق هو المستحق للعبادة:
قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ضُرِبَ مَثَلٌ فَاسْتَمِعُوا لَهُ إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَاباً وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ).
وقال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ).
وقال تعالى (أَفَمَنْ يَخْلُقُ كَمَنْ لا يَخْلُقُ أَفَلا تَذَكَّرُونَ).
وقال تعالى (هَذَا خَلْقُ اللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِنْ دُونِهِ بَلِ الظَّالِمُونَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).
وكما قال تعالى عن إبراهيم ﵇ (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاء مِّمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي) ولم يقل إلا الله لفائدتين:
الأولى: الإشارة إلى علة إفراد الله بالعبادة، لأنه كما أنه متفرد بالخلق، فيجب أن ينفرد بالعبادة.
والثانية: الإشارة إلى بطلان عبادة الأصنام، ولأنها لم تفطركم حتى تعبدوها، ففيها تعليل للتوحيد الجامع بين النفي والإثبات.
стр. 208
قال بعض العلماء: إنما نص الله تعالى على صفة الخلق دون غيرها من الصفات، لأن المشركين كانوا يعترفون أن الله خالقهم، كما قال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ) وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ خَلَقَهُنَّ الْعَزِيزُ الْعَلِيمُ).
وقيل: ليذكرهم بذلك نعمته عليهم.
(فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي ليقتل بعضكم بعضاً، وإنما عبر بقتل النفس، لأن المؤمن أخو المؤمن فكأنه هو نفسه، فالأمة الواحدة المجتمعة على شيء ينزلون منزلة النفس الواحدة.
كقوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: على من في البيت.
وقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضاً.
وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) أي: ظنوا بإخوانهِم خيراً.
وقوله تعالى (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) أي: إخوانكم.
عن ابن عباس ( … فقال الله ﵎ إن توبتهم أن يقتل كل رجل منهم كل من لقي من والد أو ولدٍ فيقتله بالسيف ولا يبالي من قتل في ذلك الموطن، فتاب أولئك الذين كان قد خفي على موسى وهارون ما اطلع الله من ذنوبهم فاعترفوا بها وفعلوا ما أمروا به فغفر الله للقاتل والمقتول.
قيل: فاجتلد القوم فكان من قتل من الفريقين سبعون ألفاً، حتى دعا موسى وهارون: ربنا أهلكت بني إسرائيل، ربنا البقية البقية، فأمرهم أن يضعوا السلاح فتاب عليهم، وقيل: أصابتهم ظلمة فأصبح بعضهم يقتل بعض، فانجلت الظلمة عنهم وقد أجلوا عن سبعين ألف قتيل، وقيل: بل إن القتل وقع جهراً بلا ظلمة، وهذا أصح، لأنه أبلغ في الدلالة على صدق توبتهم.
(ذَلِكُمْ) أي القتل.
(خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ) أي رضاكم بحكم الله ونزولكم عند أمره خير لكم عند الخالق العظيم.
قال الشنقيطي: أن هذا القتل بهذه التوبة يقطع حياتهم الدنيوية، ولكنه يكسبهم حياة أخروية، وهذه الحياة الأخروية خير من الحياة الدنيوية.
стр. 209
(فَتَابَ عَلَيْكُمْ) في الكلام حذف تقديره: ففعلتم فتاب عليكم، أي فقبل توبتكم وتجاوز عنكم.
(إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) الذي يتوب على التائبين، فمن رحمته أنه يقبل توبة التائبين مهما عظمت ذنوبهم.
الفوائد:
١ - أن الشرك من أعظم الظلم، لأنه وضع للعبادة في غير موضعها.
٢ - خطورة الشرك.
٣ - تذكير العاصي بمن يستحق الطاعة والعبادة لقوله (فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ) فالذي خلقكم هو من يستحق العبادة.
٤ - أن الذي لا يخلق لا يستحق أن يعبد.
٥ - أن العاجز لا يستحق أن يكون إلهاً.
٦ - وجوب التوبة.
٧ - الإخلاص في التوبة.
٨ - ما وضع الله على بني إسرائيل من الأغلال والآصار، حيث كانت توبتهم من عبادة العجل أن يقتل بعضهم بعضاً.
٩ - أن الأمة كنفس واحدة.
١٠ - رحمة الله بهذه الأمة ورفع الآصار عنها.
١١ - تفاضل الأعمال.
١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله: التواب والرحيم.
стр. 210
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (٥٥) ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (٥٦)). [البقرة: ٥٥ - ٥٦].
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين خرجتم مع موسى لتعتذروا إلى الله من عبادة العجل.
(لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ) أي لن نصدق لك بأن ما نسمعه كلام الله، وبأن الله أمرك ونهاك.
(حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) علانية (رؤية بصرية)، وقيل المعنى (جهرة) أنه صفة لقولهم، أي: جهروا بذلك القول.
قال ابن كثير: والمراد السبعون المختارون منهم ولم يحك كثير من المفسرين سواه.
في القائلين لموسى ذلك قولان:
القول الأول: أنهم السبعون المختارون، فلما صار يكلم موسى ربه ويكلمه الله، قالوا (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).
القول الثاني: أنه لما رجع موسى من ميقات الله، وأنزل عليه التوراة، وجاء بها قالوا: ليست من عند الله (لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً).
• قال ابن عطية: واختلف في وقت اختيارهم، فحكى أكثر المفسرين أن ذلك بعد عبادة العجل، اختارهم ليستغفروا لبني إسرائيل، وحكى النقاش وغيره أنه اختارهم حين خرج من البحر وطلب بالميعاد، والأول أصح.
(فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ) أي فأهلكهم الله بالصاعقة، عقاباً لمقالتهم هذه الشنعاء.
• قال ابن جرير: الصاعقة كل أمرٍ هائل رآه المرء أو عاينه أو أصابه حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب، وإلى ذهاب عقل وغمور فهم أو فقد بعض آلات الجسم صوتاً كان ذلك أو زلزلة أو رجفاً.
الصاعقة: بمعنى الشيء الهائل العظيم إذا عاينه الإنسان فإنه يموت لهوله أو يحترق أو يفقد شيئاً من حواسه.
وصعق هؤلاء بالموت فماتوا وهذا هو ظاهر القرآن، وأما صعق موسى في قوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) فهو إغماء.
(وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) قيل: ينظر بعضهم إلى بعض يقع ميتاً حتى ماتوا عن آخرهم، وهذا اختيار ابن جرير، وقيل: صعق بعضهم والبعض الآخر ينظر، ثم بعث الذين صعقوا، وصعق الآخرون.
(ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) أي أحييناكم، وفي هذا دليل على أن صعقهم كان موتاً حقيقياً.
стр. 211
• قال ابن الجوزي: ومن الدليل على أنهم ماتوا قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) هذا قول الأكثرين، وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك (فلما أفاق) وقال هاهنا (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت.
• وفي هذا إثبات البعث. (وسأذكر مباحث البعث في قصة القتيل إن شاء الله).
• وهذه قصة من خمس قصص مذكورة في سورة البقرة في إثبات البعث.
(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لتشكروا الله على إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت. (وسبقت مباحث الشكر).
الفوائد:
١ - إثبات البعث، وهذه إحدى القصص الخمس التي تدل على البعث في سورة البقرة.
٢ - قدرة الله .
٣ - تذكير الله بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
٤ - أن ألم العقوبة ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها تكون أشد.
٥ - وجوب شكر الله على نعمه.
٦ - أن من شكر فإنما يشكر لنفسه.
стр. 212
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)). [البقرة ٥٧].
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم - أيضاً - بما أسبغ عليهم من النعم فقال (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغُم السماء، أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التِّيهِ ليقيَهم حر الشمس.
• وكان ذلك لما كانوا في التيه، واشتكوا الحر، دعا نبي الله موسى لهم، فظلل الله عليهم الغمام، وهو غمام أبيض رقيق يُظلهم من الشمس.
• قال الشيخ السبت (الغمام) إن ما ورد من تحديده أنه سحاب أبيض فهو مما أخِذ من بني إسرائيل، وإلا فإن كل ما سترك فإنه يقال له غَمام، وجاء في الحديث (كأنهما غمامتان).
• قال الشوكاني: وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر، والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين.
• قال الرازي: قال المفسرون (وَظَلَّلْنَا) وجعلنا الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس.
• قال ابن الجوزي: (الغمام) السحاب، سمي غماماً، لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل شيء غطيته فقد غممته، وهذا كان في التيه.
• وصيغة الجمع في قوله (وَظَلَّلْنَا) للتعظيم.
(وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) اختلفت عبارات المفسرين فيه، فقيل: صمغة حلوة، وهذا قول مجاهد. وقيل: أنه كان ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاء، كأنه العسل، قاله الشيخ ابن عثيمين.
وقيل: هو العسل، وهذا قول الشعبي.
стр. 213
قال الماوردي: قوله (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ .... ) فيه سبعة أقاويل:
أحدها: أن المنَّ ما سقط على الشجر فيأكله الناس، وهو قول ابن عباس.
والثاني: أن المنَّ صمغة، وهو قول مجاهد.
والثالث: أن المنَّ شرابٌ، كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجِهِ بالماء، وهو قول الربيع بن أنس.
والرابع: أن المنَّ عسل، كان ينزل عليهم، وهو قول ابن زيدٍ.
والخامس: أن المن الخبز الرقاق، وهو قول وهب.
والسادس: أنه الزنجبيل، وهو قول السدي.
والسابع: أنه الترنجين.
قال ابن كثير: والله أعلم أنه أكل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس فيه عمل ولا كد، وفي الحديث قال ﷺ (الكمأة من المن) أي: من جنس ما منّ الله به على بني إسرائيل، حيث إنه يوجد - فضلاً من الله - من غير تعب.
стр. 214
(وَالسَّلْوَى) عامة المفسرين على أن السلوى طائر حلو اللحم، وهو السُّمَانَى.
قال ابن عطية: السلوى طائر بإجماع المفسرين.
(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم كهذا المنّ والسلوى.
وهما طيبان حساً ومعنى، للذاذة طعمهما وحلِّيتهما شرعاً، لأنهما منّ وفضل من الله جل وعلا.
فالطيّبْ هنا شامل لطيب الإباحة وطيب اللذاذة، لأن الطيبْ يطلق إطلاقين: يطلق طيباً من جهة الإباحة وعدم الشبهة، ويطلق طيباً من جهة اللذاذة وحسن المأكل، وهو جامع لهما هنا.
(وَمَا ظَلَمُونَا) أي: ما نقصونا شيئاً، لأن الله لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين.
(وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدونا فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، فظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ومقابلة النعم بالمعاصي.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ).
وفي الحديث القدسي ( … يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني … ).
• قال ابن كثير: ومن هنا يتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، ولم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلاً على النبي ﷺ .
стр. 215
الفوائد:
١ - بيان شيء من نعم الله على بني إسرائيل.
٢ - أن الغمام يسير بأمر الله تعالى.
٣ - أن لحوم الطيور من أفضل اللحوم.
٤ - الأكل من الطيبات.
٥ - تحريم الأكل من الخبائث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته، وخبيث لكسبه.
فالخبيث لذاته: كالميتة، والخنزير، والخبيث لكسبه: كالغش والربا.
٦ - أن الله لا تضره معصية العاصين.
٧ - أن الذنوب والمعاصي ظلم للنفس.
٨ - أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة.
следующие страницы →