Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1506–1545 · переход к 1511.
стр. 1506
• وإنما خصت المحصنات - هنا - بالحرائر الأبكار دون الثيبات، لأن الأبكار حدهن الجلد، وهو يتنصف بخلاف الثيبات، فإن حدهن الرجم، والرجم لا يتنصف.
• وعلى هذا فإذا تزوجت الأمَة، وأتت بفاحشة فعليها حداً خمسون جلدة.
• وإنما نقص حد الإماء عن حد الحرائر، لأن العقوبة على قدر النعمة.
(ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ) أي: إنما يباح نكاح الإماء بالشروط المتقدمة لمن خاف على نفسه الوقوع في الزنا، وشق عليه الصبر عن الجماع، وعن بسبب ذلك.
• إذاً يجوز للحر أن يتزوج الأمة بشرطين:
الشرط الأول: لا يجد قدرة على نكاح الحرة.
الشرط الثاني: إذا خاف على نفسه الوقوع في الزنا.
(وَأَنْ تَصْبِرُوا خَيْرٌ لَكُمْ) أي: الصبر على العزبة خير من نكاح الأمة لأنه يفضى إلى إرقاق الولد والغض من النفس والصبر على مكارم الأخلاق أولى من البذالة.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وأن تصبروا خير لكم) أي: إذا استطعتم الصبر مع المشقّة إلى أن يتيسّر له نكاح الحرّة فذلك خير، لئلا يوقع أبناءه في ذلّ العبودية المكروهة للشارع لولا الضرورة، ولئلا يوقع نفسه في مذّلة تصرّف الناس في زوجة.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وختم هذه الآية بهذين الاسمين الكريمين "الغفور والرحيم" لكون هذه الأحكام رحمةً بالعباد وكرمًا وإحسانًا إليهم فلم يضيق عليهم، بل وسع غاية السعة.
ولعل في ذكر المغفرة بعد ذكر الحد إشارة إلى أن الحدود كفارات، يغفر الله بها ذنوب عباده كما ورد بذلك الحديث. وحكم العبد الذكر في الحد المذكور حكم الأمة لعدم الفارق بينهما. (تفسير السعدي).
стр. 1507
الفوائد:
١ - الحث على تزويح الحرائر المؤمنات، لأن الله لم يرخص في الإماء إلا للحاجة والعذر.
٢ - يحرم على الحر أن يتزوج أمة إلا بالشروط التي ذكرها الله: ألا بجد طول حرة مؤمنة، وخوف العنت.
٣ - اختلف العلماء لو قدر على مهر حرة كتابية؟ هل يتزوجها أم يتزوج أمة؟ قيل: أنه يتزوج أمة، لأن هذا هو ظاهر القرآن، وقيل: بل يتزوج حرة كتابية، قالوا: لأن أولاد الحرة الكتابية ينشؤون على أنهم أحرار وأولاد الأمَة المؤمنة ينشؤون على أنهم أرقاء مملوكين، ورجح الشيخ ابن عثيمين الأول.
٤ - نقص مرتبة الرق عن الحرية.
٥ - عموم علم لكل شيء حتى ما كان خافياً بالقلوب.
٦ - اشتراط إذن الأهل في تزويج الإماء.
٧ - لا يجوز للمرأة أن تزوج نفسها.
٨ - جمهور العلماء على أن مهر الأمَة لسيدها.
٩ - تحريم اتخاذ الأخدان، ولذلك نهت الشريعة الإسلامية عن الخلوة بالمرأة، ونهت المرأة أن تخضع بالقول خوفاً من الفتنة.
١٠ - أن الأمة إذا زنت فإنها تحد، نصف حد الحرة.
١١ - أن الصبر على عدم نكاح الأمة أولى.
١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم. (السبت: ٩/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1508
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (٢٦) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَن يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَن تَمِيلُواْ مَيْلاً عَظِيمًا (٢٧) يُرِيدُ اللَّهُ أَن يُخَفِّفَ عَنكُمْ وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا (٢٨)). [النساء: ٢٦ - ٢٨].
(يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: يريد الله كي يبين لكم.
المراد يبين كل ما يحتاجون إليه، ومن ذلك بيان ما أحله لهم وما حرمه عليهم في هذه الآيات وغيرها.
• والله بيّن للعباد الآيات والأحكام، وفصلها لهم غاية البيان والتفصيل لفظاً ومعنى.
• قال القرطبي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: ليبيّن لكم أمرَ دينكم ومصالح أمرِكم، وما يحلّ لكم وما يحرمُ عليكم.
• وقال السعدي: قوله تعالى (يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ) أي: جميع ما تحتاجون إلى بيانه من الحق والباطل، والحلال والحرام
(وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: ويدلكم ويوفقكم (سنن) أي طريقة الذين من قبلكم من الرسل والأنبياء وأتباعهم الصالحين من أهل الكتاب وغيرهم من الأمم الذين أرسل الله إليهم الرسل وأنزل عليهم الكتب.
• والمراد بسننهم: ما كانوا عليه من أصول الشرائع التي تتفق عليها جميع الشرائع.
• قال أبو حيان: اختلفوا في قوله (سنن الذين من قبلكم) هل ذلك على ظاهره من الهداية لسننهم؟ أو على التشبيه؟ أي: سنناً مثل سنن الذين من قبلكم.
فمن قال بالأول أراد أنّ السنن هي ما حرم علينا وعليهم بالنسب والرضاع والمصاهرة.
وقيل: المراد بالسنن ما عنى في قوله تعالى (ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم حنيفاً).
وقيل: المراد بها ما ذكره في قوله تعالى (شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً).
وقيل: طرق من قبلكم إلى الجنة.
وقيل: مناهج من كان قبلكم من الأنبياء والصالحين، والطرق التي سلكوها في دينهم لتقتدوا بهم، وهذا قريب مما قبله.
وعلى هذا القول فيكون الذين من قبلكم المراد به الأنبياء وأهل الخير.
وقيل: المراد بقوله سنن طرق أهل الخير والرشد والغي، ومن كان قبلكم من أهل الحق والباطل، لتجتنبوا الباطل، وتتبعوا الحق
(وَيتوبَ عَلَيْكُمْ) أي: ويريد أن يوفقكم للتوبة، وهي الرجوع من المعصية إلى الطاعة، ويقبلها منكم.
لأن توبة الله على العبد نوعان:
أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.
الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ).
(واللَّهُ عَلِيمٌ) بمصالح عباده في أمر دينهم ودنياهم.
(حَكِيمٌ) في كل أقواله وأحكامه وأفعاله، وحكمته أن شرع هذه الأحكام، وبيّن ما أحل من النساء وما حرم منهن، وأباح نكاح الإماء بشروط.
(واللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ) هذا توكيد لقوله (ويتوب عليكم).
стр. 1509
(ويُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ) أي: ويريد أتباع الشهوات عموماً من أهل الكفر والفسوق والفجور والعصيان.
• قال القرطبي: اختلف في تعيين المتَّبِعين للشهوات؛ فقال مجاهد: هم الزناة.
وقال السّدِّي: هم اليهود والنصارى.
وقالت فرقة: هم اليهود خاصّةً؛ لأنهم أرادوا أن يتبعهم المسلمون في نكاح الأخوات من الأب.
وقال ابن زيد: ذلك على العموم، وهو الأصح. (تفسير القرطبي).
• والشهوات جمع شهوة، وهي ما يغلب على النفس محبته وهواه، والشهوة قد تكون شهوة فرج وبطن تدفع الإنسان إلى استباحة ما حرم الله من الفروج والمآكل، وقد تكون شهوة فكر وقلب تحمل المرء على رد الحق وقبول الباطل.
(أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً) أي: أن تنحرفوا عما يريد الله لكم من الاستقامة على هدى الله وسلوك طريق الحق، وتسلكوا طريق الباطل.
(يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) أي: يريد الله أن يخفف عنكم وييسر عليكم فيما شرعه لكم في أوامره ونواهيه
• التخفيف ضد التشديد والتثقيل، وقد خفف الله عن هذه الأمة فقال تعالى (يرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقال تعالى (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) وقال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
فأباح التيمم عند فقد الماء، وأباح قصر الصلاة في السفر تخفيفاً عليهم، وأباح الفطر في رمضان للمسافر والمريض وغيرها ذلك من التخفيفات.
(وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) أي: ضعيفاً في جسمه، ضعيفاً في علمه، ضعيفاً في عزمه وإرادته، ضعيفاً أمام نوازع النفس وغرائزها، ضعيفاً في كل أموره وأحواله.
• قال ابن القيم: فإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أسرع من السيل في صبب الحدور، فبالاضطرار لا بد له من حافظ معين يقويه ويعينه وينصره ويساعده، فإن تخلى عنه هذا المساعد المعين فإن الهلاك أقرب إليه من نفسه.
قال طاوس (وخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفاً) أي: في أمر النساء، وقال وكيع: يذهب عقله عندهن.
• قال ابن الجوزي: في المراد بـ (ضعْف الإنسان) ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه الضعف في أصل الخلقة، قال الحسن: هو أنه خُلق من ماءٍ مهين.
والثاني: أنه قلة الصبر عن النساء، قاله طاوس، ومقاتل.
والثالث: أنه ضعف العزم عن قهر الهوى، وهذا قول الزجّاج، وابن كيسان. (زاد المسير).
ولكن القاعدة المهمة في تفسير القرآن الكريم أنه كلما كان من الممكن حمل معاني القرآن على العموم والشمول كان أقرب إلى الصواب؛ وأن الأقوال إذا لم تكن متناقضة، وأمكن حمل الآية عليها جميعها كان أوفق في التفسير.
стр. 1510
• وقال ابن عطية: المقصد الظاهر بهذه الآية أنها في تخفيف الله تعالى ترك نكاح الإماء بإباحة ذلك، وأن إخباره عن ضعف الإنسان إنما هو في باب النساء، أي: لمَّا علمنا ضعفكم عن الصبر عن النساء خففنا عنكم بإباحة الإماء، وكذلك قال مجاهد وابن زيد طاوس، ثم بعد هذا المقصد تخرج الآية في مخرج التفضل؛ لأنها تتناول كل ما خفف الله تعالى عن عباده، وجعله الدين يسراً، ويقع الإخبار عن ضعف الإنسان عاماً، حسبما هو في نفسه ضعيف يستميله هواه في الأغلب.
• وقال في التسهيل: قوله تعالى (وَخُلِقَ الْإِنْسانُ ضَعِيفاً) قيل: معناه: لا يصبر على النساء، وذلك مقتضى سياق الكلام، واللفظ أعم من ذلك.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (وَخَلَقَ الإنسان ضَعِيفاً) نصب على الحال؛ والمعنى أن هواه يستميله وشهوته وغضبه يستخفانه، وهذا أشدّ الضعف فاحتاج إلى التخفيف، وقال طاوس: ذلك في أمر النساء خاصة.
وروي عن ابن عباس أنه قرأ (وَخُلِقَ الإنسان ضَعِيفاً) أي: وخلق الله الإنسان ضعيفاً، أي لا يصبر عن النساء.
قال ابن المسيِّب: لقد أتى عليّ ثمانون سنة وذهبت إحدى عينيّ وأنا أَعشُو بِالأُخرى وصاحبي أعمى أصَمّ يعني ذكره وإني أخاف من فتنة النساء. (تفسير القرطبي).
• وقال ابن القيم ﵀ بعد أن ذكر بعض أقوال السلف في تفسير الآية: والصواب أَن ضعفه يعم هذا كله، وضعفه أَعظم من هذا وأَكثر: فَإنه ضعيف البنية، ضعيف القوة، ضعيف الإرادة، ضعيف العلم، ضعيف الصبر، والآفات إليه مع هذا الضعف أَسرع من السيل في الحدور.
• ومن هذا نستفيد:
أولاً: أن يعرف الإنسان قدر نفسه فلا يتكبر.
ثانياً: أن يطلب الإنسان القوة من القوي العزيز ﵎، بالاعتصام بحبله، والالتجاء إليه، والتوكل إليه.
ثالثاً: الالتجاء إلى الله، وسؤاله الثبات.
رابعاً: الابتعاد عن مواطن الفتن، فمن عرض نفسه للفتن وقع فيها، وفي الحديث (من سمع بالدجال فلينأ عنه).
فمن عرف ضعف نفسه هرب من الفتن خوف الوقوع فيها.
стр. 1511
الفوائد:
١ - سعة رحمة الله لعباده حيث أراد أن يبين لهم ما يحتاجونه.
٢ - كمال هذه الشريعة.
٣ - إن الله يحب التوابين.
٤ - كرم الله، حيث يحثنا على التوبة.
٥ - إثبات عموم علم الله لكل شيء.
٦ - على الإنسان أن يقتنع بأحكام الله، لأنها صادرة عن علم وحكمة.
٧ - علم الله بما في القلوب لقوله تعالى (ويريد الذين يتبعون الشهوات).
٨ - الحذر من الذين يتبعون الشهوات.
٩ - أن أهل الكفر والمعاصي يعملون كل ما في وسعهم لإضلال العباد.
١٠ - خطر الشهوات على المجتمع.
١١ - في الآية تحذير لمن يبيع المجلات الهابطة وأشرطة الأغاني وغيرها من آلات اللهو.
١٢ - أن الله يريد التخفيف على العباد.
١٣ - أن الله يحب أن تؤتى رخصه.
١٤ - ضعف الإنسان، ويتفرع على هذه الفائدة الالتجاء إلى الله والاعتماد عليه، وعدم تعرضه للفتن. (الأحد: ١٠/ ٢/ ١٤٣٤ هـ)
стр. 1512
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (٢٩) وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ عُدْوَانًا وَظُلْمًا فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرًا (٣٠)) [النساء: ٢٩ - ٣٠].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) سبق فائدة تصدير الخطاب بهذا.
(لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) ينهى ﵎ عباده المؤمنين عن أن يأكلوا أموال بعضهم بعضاً بالباطل: أي: بأنواع المكاسب التي هي غير شرعية، كأنواع الربا والقمار، والغش، والكذب، والنجش، والتدليس، وسائر المعاملات المخالفة للشرع.
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ (أَنَّ رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ مَرَّ عَلَى صُبْرَةِ طَعَامٍ، فَأَدْخَلَ يَدَهُ فِيهَا، فَنَالَتْ أَصَابِعُهُ بَلَلًا، فَقَالَ: " مَا هَذَا يَا صَاحِبَ اَلطَّعَامِ? " قَالَ: أَصَابَتْهُ اَلسَّمَاءُ يَا رَسُولَ اَللَّهِ. فَقَالَ: أَفَلَا جَعَلْتَهُ فَوْقَ اَلطَّعَامِ; كَيْ يَرَاهُ اَلنَّاسُ? مَنْ غَشَّ فَلَيْسَ مِنِّي - رَوَاهُ مُسْلِمٌ وفي الرواية الأخرى (من غشنا) واللفظ الأول أعم، والغش: المراد به هنا: كتم عيب المبيع أو الثمن.
وَعَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرِوٍ ﵄ قَالَ (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ اَلرَّاشِي وَالْمُرْتَشِيَ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ.
(الراشي) هو دافع الرشوة (والمرتشي) هو آخذها.
مفاسد الرشوة:
أولاً: أن فيها فساد الخلق.
ثانياً: أنها سبب لتغيير حكم الله .
ثالثاً: أن فيها ظلماً وجَوراً.
رابعاً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل.
خامساً: أن فيها ضياع الأمانات.
وكذلك النجش:
عَنْ ابن عمر (نَهَى ﷺ عَنِ النَّجْشِ) مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ.
وكذلك الربا:
قال الله تعالى (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا لا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ).
وقال (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).
وقال (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللَّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ، فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لا تَظْلِمُونَ وَلا تُظْلَمُونَ).
وعَنْ جَابِرٍ ﵁ قَالَ: (لَعَنَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ آكِلَ اَلرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَكَاتِبَهُ، وَشَاهِدَيْهِ، وَقَالَ: " هُمْ سَوَاءٌ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
وحديث أبي جحيفة رواه البخاري ولفظه (إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْ ثَمَنِ الدَّمِ، وَثَمَنِ الْكَلْبِ، وَكَسْبِ الأَمَةِ، وَلَعَنَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ، وَآكِلَ الرِّبَا، وَمُوكِلَهُ، وَلَعَنَ الْمُصَوِّرَ).
стр. 1513
• قوله تعالى (لَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ) أضاف الأموال إلى الجميع ولم يقل: لا يأكل بعضكم مال بعض، تنبيهاً على وجوب تكافل المؤمنين في حقوقهم ومصالحهم.
كما قال تعالى (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْإِثْمِ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ).
• قوله تعالى (لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) خص الأكل بالنهي - مع أن أخذ الأموال بالطرق المحرمة لأي غرض كان من وجوه الانتفاع بها كله باطل - لأن الأكل هو كسوة البطن، وهو الهدف الأهم.
• قال الرازي: إنه تعالى خص الأكل ههنا بالذكر وإن كانت سائر التصرفات الواقعة على الوجه الباطل محرمة، لما أن المقصود الأعظم من الأموال: الأكل، ونظيره قوله تعالى (إِنَّ الذين يَأْكُلُونَ أموال اليتامى ظُلْماً).
(إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) قال ابن كثير: هو استثناء منقطع كأنه يقول: لا تتعاطوا الأسباب المحرمة في اكتساب الأموال، لكن المتاجر المشروعة التي تكون عن تراض من البائع والمشتري فافعلوها وتسببوا بها في تحصيل الأموال. (عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ) أي: صادرة عن تراض من البائع والمشتري.
(وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) لما نهى عن أكل المال بالباطل صيانة للأموال أتبع ذلك بالنهي عن القتل صيانة للأنفس والأبدان فقال (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يقتل أحدكم نفسه، لأن النفس وديعة عند الإنسان، يجب أن يوردها مورد السلامة، ويجنبها موارد الهلاك والعطب في دينها ودنياها.
وأيضاً لا يقتل بعضكم بعضاً، لأن قتل المسلم لأخيه بمثابة قتله لنفسه، كقوله تعالى (فَإِذَا دَخَلْتُمْ بُيُوتاً فَسَلِّمُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: ليسلك بعضكم على بعض. وكقوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضاً.
وأيضاً لا تقتلوا أنفسكم بارتكاب محارم الله وتعاطي معاصيه وأكل أموالكم بينكم بالباطل.
• قال القرطبي: وأجمع أهل التأويل على أن المراد بهذه الآية النهي أن يقتل بعض الناس بعضاً.
فقتل الإنسان لنفسه كبيرة من الكبائر:
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنَ قَتَلَ نَفْسَهُ بِحَدِيدَةٍ فَحَدِيدَتُهُ فِي يَدِهِ يَتَوَجَّأُ بِهَا فِي بَطْنِهِ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ شَرِبَ سَمًّا فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَحَسَّاهُ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا وَمَنْ تَرَدَّى مِنْ جَبَلٍ فَقَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ يَتَرَدَّى فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدًا مُخَلَّدًا فِيهَا أَبَدًا) متفق عليه.
وعَنْ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (لَيْسَ عَلَى رَجُلٍ نَذْرٌ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَعْنُ الْمُؤْمِنِ كَقَتْلِهِ وَمَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ بِشَيْءٍ فِى الدُّنْيَا عُذِّبَ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَنِ ادَّعَى دَعْوَى كَاذِبَةً لِيَتَكَثَّرَ بِهَا لَمْ يَزِدْهُ اللَّهُ إِلاَّ قِلَّةً وَمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينِ صَبْرٍ فَاجِرَةٍ، مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الإِسْلَامِ كَاذِباً فَهُوَ كَمَا قَالَ) متفق عليه.
стр. 1514
وعن جندب. قال: قال ﷺ («إِنَّ رَجُلاً مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ خَرَجَتْ بِهِ قَرْحَةٌ فَلَمَّا آذَتْهُ انْتَزَعَ سَهْماً مِنْ كِنَانَتِهِ فَنَكَأَهَا فَلَمْ يَرْقَأ الدَّمُ حَتَّى مَاتَ. قَالَ رَبُّكُمْ قَدْ حَرَّمْتُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ) متفق عليه. وفي رواية البخاري (قال الله : بادرني عبدي بنفسه).
• وكذلك قتل الغير بغير حق كبيرة من الكبائر:
قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً).
وقال تعالى (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّي يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو قال: قال رسول الله (أكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس، واليمين الغموس) رواه البخاري.
وعن بريدة قال: قال رسول الله (لقتل مؤمن أعظم عند الله من زوال الدنيا) رواه النسائي.
وكذلك ارتكاب معاصي الله وترك أوامره قتل لنفس لأنه عرضها لغضب الله.
كما قال تعالى (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال حذيفة وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى: لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة.
وأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان عن أبي أيوب الأنصار قال (نزلت الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله يرد علينا … ).
стр. 1515
فكانت التهلكة الإقامة على أموالنا وصلاحها وتركنا الغزو.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (ولا تقتلوا أنفسكم) فيه خمسة أقوال:
أحدها: على ظاهره، وأن الله حرم على العبد قتل نفسه، وهذا الظاهر.
والثاني: أن معناه: لا يقتل بعضكم بعضاً، وهذا قول ابن عباس والحسن وسعيد بن جبير.
• ثم ذكر الأقوال وقال:
الخامس: لا تقتلوها بارتكاب المعاصي.
• قال الشوكاني: قوله (وَلَا تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم أيها المسلمون بعضاً إلا بسبب أثبته الشرع، أو لا تقتلوا أنفسكم باقتراف المعاصي، أو المراد النهي عن أن يقتل الإنسان نفسه حقيقة، ولا مانع من حمل الآية على جميع هذه المعاني، ومما يدل على ذلك احتجاج عمرو بن العاص بها حين لم يغتسل بالماء البارد حين أجنب في غزاة ذات السلاسل، فقرّر النبي ﷺ احتجاجه، وهو في مسند أحمد، وسنن أبي داود وغيرهما.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) الجملة تعليل للنهي عن أكل الأموال بالباطل وقتل الأنفس، قال الطبري: ومن رحمته بكم كفّ بعضكم عن قتل بعض أيها المؤمنون بتحريم دماء بعضكم على بعض إلا بحقها.
• وقال ابن كثير: قوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً) فيما أمركم به ونهاكم عنه.
• وقال أبو حيان: قوله تعالى (إن الله كان بكم رحيماً) حيث نهاكم عن إتلاف النفوس، وعن أكل الحرام، وبين لكم جهة الحل التي ينبغي أن يكون قوام الأنفس، وحياتها بما يكتسب منها، لأنّ طيب الكسب ينبني عليه صلاح العبادات وقبولها.
• وقال السعدي: ومن رحمته، أن صان نفوسكم وأموالكم، ونهاكم عن إضاعتها وإتلافها، ورتب على ذلك ما رتبه من الحدود.
عن عمرو بن العاص. قال (احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد فأشفقت إن اغتسلت أن أهلك، فتيممت ثم صليت بأصحابي صلاة الصبح، قال: فلما قدمتُ على رسول الله ﷺ ذكرت ذلك له، فقال: يا عمرو صَلَّيت بأصحابك وأنت جُنُبٌ! قال: قلت يا رسول الله إني احتلمت في ليلة باردة شديدة البرد، فأشفقت إن اغتسلت أن أهلكَ، فذكرت قول الله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا) فتيممت ثم صليت. فضحك رسول الله ﷺ ولم يقل شيئاً) رواه أبو داود.
стр. 1516
• في قصة عمرو بن العاص فوائد:
أ- جواز التيمم إذا خاف الإنسان من شدة البرد إذا استعمل الماء، ويدل على ذلك أيضاً:
قوله تعالى (ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة) وقوله سبحانه (ولا تقتلوا أنفسكم).
ب- جواز إمامة المتيمم بالمتوضئين، وهذا مذهب الجمهور.
ج-أن إقرار النبي ﷺ دليل يعمل به.
د-أنه لا يلزمه الإعادة فيما بعد، لأن النبي ﷺ لم يأمره بالإعادة، لأنه أتى بما أمر به.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ) الإشارة إلى ما نهى عنه في الآية السابقة من أكل الأموال بالباطل وقتل الأنفس.
• اختلفوا في قوله تعالى (وَمَن يَفْعَلْ ذلك) إلى ماذا يعود؟
فقيل: إنه خاص في قتل النفس المحرمة، لأن الضمير يجب عوده إلى أقرب المذكورات.
وقيل: قال الزجاج: إنه عائد إلى قتل النفس وأكل المال بالباطل لأنهما مذكوران في آية واحدة.
(عُدْوَاناً) أي: تجاوزاً لما حده الله، واعتداء على الآخرين عن قصد وعمد بأكل أموالهم أو قتلهم.
(وَظُلْماً) لنفسه بهذا التعدي على الغير، أو ظلماً لها خاصة.
(فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَاراً) أي: فسوف ندخله ناراً نغمره فيها من جميع جهاته، تحرقه ويصلاه حرها.
(وَكَانَ ذَلِكَ) أي: إصلاؤه النار.
(عَلَى اللَّهِ يَسِيراً) أي: سهلاً، لأن الله لا يعجزه شيء كما قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ).
الفوائد:
١ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل من ربا أو رشوة أو غش أو غيرها.
٢ - أن أكل أموال الناس بالباطل من علامات نقص الإيمان.
٣ - أن عدم أكل أموال الناس بالباطل من علامات قوة الإيمان.
٤ - جواز التجارة.
٥ - من شروط البيع التراضي بين الطرفين.
٦ - حرص الإسلام على حفظ حقوق أموال الناس.
٧ - تحريم قتل الإنسان نفسه، وأنه كبيرة من الكبائر.
٨ - تحريم قتل المسلم وأنه من الكبائر كما سيأتي إن شاء الله.
٩ - إثبات صفة الرحمة لله تعالى.
١٠ - أن فعل هذه المنهيات من كبائر الذنوب، لأن الله توعد عليها بالنار.
стр. 1517
(إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُم مُّدْخَلاً كَرِيمًا (٣١)). [النساء: ٣١].
(إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ) أي: إذا اجتنبتم كبائر الآثام التي نهيتم عنها.
(نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) أي: إذا اجتنبتم الكبائر فإن الله يستر ويكفّر عنكم الصغائر ويسترها ويمحوها ويتجاوز عنها.
(وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلاً كَرِيماً) أي: وندخلكم إدخالاً كريماً، وهي الجنة دار السلام، ومعنى كريماً: أي كثير الخير والفضل والإحسان طيباً حسناً مرضياً خالياً من الآفات والعاهات والهموم والأحزان والأكدار.
• قوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا) الاجتناب: ترك الشيء جانباً والابتعاد عنه.
• وقوله تعالى (إِنْ تَجْتَنِبُوا) أبلغ من قول (حرمت عليكم الكبائر) لأن معنى اجتناب الشيء، البعد عنه وعما يؤدي إليه، كما قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى) أي: ابتعدوا عن الزنا وما يؤدي إليه من النظر المحرّم والخلوة بالأجنبية ونحو ذلك.
• قوله تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) دليل على أن الذنوب تنقسم إلى كبائر وصغائر.
وهذا بنص القرآن والسنة وإجماع السلف [قاله ابن القيم].
قال تعالى (إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَآئِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).
وقال تعالى (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ).
والجمهور على أن المراد بـ (اللمم) ما دون الكبائر وهي صغائر الذنوب.
عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ (الصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن إذا اجتنبت الكبائر) رواه مسلم.
• قوله تعالى (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) جمع سيئة، والمراد بالسيئة هنا الصغيرة، والدليل على ذلك، أنها جاءت في مقابلة الكبائر، وإلا فالأصل أن السيئة عامة للكبيرة وللصغيرة.
• من بلاغة القرآن أن يعرف معنى الكلمة بذكر ما يقابلها، ومن ذلك قوله تعالى (فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا) فمعنى ثبات: فرادى، والدليل أنه قوبل بقوله (أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا). (الشيخ ابن عثيمين).
стр. 1518
• قوله تعالى (نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فبه أن اجتناب الكبائر مكفرة للصغائر.
فمن اتقى الكبائر والموبقات، غفر الله له ما بين ذلك من اللمم.
قال الله تعالى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا).
وقال سبحانه (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ).
قال الحافظ ابن حجر ﵀: قَالَ الْخَطَّابِيُّ: الْمُرَاد بِاللَّمَمِ مَا ذَكَرَهُ اللَّه فِي قَوْله تَعَالَى: (الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إِلَّا اللَّمَمَ) وَهُوَ الْمَعْفُوُّ عَنْهُ. وَقَالَ فِي الْآيَة الْأُخْرَى: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ) فَيُؤْخَذ مِنْ الْآيَتَيْنِ أَنَّ اللَّمَم مِنْ الصَّغَائِر وَأَنَّهُ يُكَفَّر بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِر.
وذكر النووي ﵀ كلام الخطابي ثم قال: هَذَا هُوَ الصَّحِيح فِي تَفْسِير اللَّمَم، وَقِيلَ: أَنْ يُلِمّ بِالشَّيْءِ وَلا يَفْعَلهُ، وَقِيلَ: الْمَيْل إِلَى الذَّنْب. وَلا يُصِرّ عَلَيْهِ، وَقِيلَ غَيْر ذَلِكَ مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ. وَأَصْل اللَّمَم وَالإِلْمَام الْمَيْل إِلَى الشَّيْء وَطَلَبَهُ مِنْ غَيْر مُدَاوَمَة.
قال في تحفة الأحوذي: اخْتَلَفَت أَقْوَالُ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَفْسِيرِ اللَّمَمِ، فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ صَغَائِرُ الذُّنُوبِ … وَهو الظَّاهِرُ الرَّاجِحُ.
وقال القرطبي ﵀: (إلا اللمم) وهي الصغائر التي لا يسلم من الوقوع فيها إلا من عصمه الله وحفظه.
• اختلف في تحديد الكبيرة على أقوال.
فقيل: الكبيرة كل ما نص على أنها من الكبائر.
كقوله في أكل أموال اليتامى (إِنَّهُ كَانَ حُوباً كَبِيراً) وقوله ﷺ (ألا أنبئكم بأكبر الكبائر: الإشراك بالله، وعقوق الوالدين .. ) واختاره الطبري.
وقيل: الكبيرة: ما ترتب عليه عقوبة خاصة دينية أو دنيوية أو أخروية، وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀.
فالعقوبة الدينية كقوله ﷺ (ليس منا من لطم الخدود .. ) وقوله (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).
стр. 1519
العقوبة الدنيوية: كقتل القاتل، ورجم الزاني المحصن، وجلد الزاني غير المحصن، وقطع السارق.
وقيل: ما فيه حد، وهذا ضعيف، لأن بعض الكبائر _ كالربا _ لا حد فيها.
وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه. وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن شرب الخمر والفرار من الزحف والتزوج ببعض المحارم ليس من الكبائر.
وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة، وهذا ضعيف، لأنه يقتضي أن الذنوب لا تنقسم إلى صغائر وكبائر.
وقيل: سبعة عشر.
وقيل: ما ترتب عليه حد، أو تُوُعد عليه بالنار أو اللعنة، ويرجح هذا القول أمور:
أ - أنه المأثور عن السلف.
ب - أن هذا الضابط يمكن التفريق به بين الكبائر والصغائر.
ج- أن الله تعالى قال (إن تجتنبوا كبائر ما تنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم … ) فلا يستحق هذا الوعد الكريم من أوعد بغضب الله ولعنته وناره.
ذ- أن هذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره.
• قال الرازي: من الناس من قال: جميع الذنوب والمعاصي كبائر، … واعلم أن هذا القول ضعيف لوجوه:
الحجة الأولى: هذه الآية، فإن الذنوب لو كانت بأسرها كبائر لم يصح الفصل بين ما يكفر باجتناب الكبائر وبين الكبائر.
الحجة الثانية: قوله تعالى (وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُّسْتَطَرٌ) وقوله (لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا).
الحجة الثالثة: ان الرسول ﷺ نص على ذنوب بأعيانها أنها كبائر، كقوله (الكبائر: الإشراك بالله واليمين الغموس وعقوق الوالدين وقتل النفس) وذلك يدل على أن منها ما ليس من الكبائر.
стр. 1520
الحجة الرابعة: قوله تعالى (وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الكفر والفسوق والعصيان) وهذا صريح في أن المنهيات أقسام ثلاثة: أولها: الكفر، وثانيها: الفسوق، وثالثها: العصيان، فلا بد من فرق بين الفسوق وبين العصيان ليصح العطف، وما ذاك إلا لما ذكرنا من الفرق بين الصغائر وبين الكبائر، فالكبائر هي الفسوق، والصغائر هي العصيان.
• قال ابن الجوزي: وقيل كلُّ ما عُصي الله به، روي عن ابن عباس، وعبيدة، وهو قول ضعيف.
• وها هنا ثلاثة أمور ينبغي الالتفات إليها والتفطن لها:
أولها: أن الإصرار على الصغيرة قد يجعلها كبيرة.
قال ابن القيم ﵀: الإصرار على الصغيرة قد يساوي إثمه إثم الكبيرة أو يربى عليها.
وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: إذا أصر الإنسان على الصغيرة وصار هذا ديدنه صارت كبيرة بالإصرار لا بالفعل، مكالمة المرأة على وجه التلذذ حرام وليس بكبيرة، ولكن إذا أصر الإنسان عليه وصار ليس له هم إلا أن يشغل الهاتف على هؤلاء النساء ويتحدث إليهن صار كبيرة، فالإصرار على الصغيرة يجعلها كبيرة من حيث الإصرار؛ لأن إصراره على الصغيرة يدل على تهاونه بالله ، وأنه غير مبال بما حرم الله.
ثانيها: أن الاستهانة بالصغائر مهلكة.
فقد روى أحمد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ﵁ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ ضَرَبَ لَهُنَّ مَثَلًا: كَمَثَلِ قَوْمٍ نَزَلُوا أَرْضَ فَلَاةٍ فَحَضَرَ صَنِيعُ الْقَوْمِ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَنْطَلِقُ فَيَجِيءُ بِالْعُودِ وَالرَّجُلُ يَجِيءُ بِالْعُودِ حَتَّى جَمَعُوا سَوَادًا فَأَجَّجُوا نَارًا وَأَنْضَجُوا مَا قَذَفُوا فِيهَا).
• والسيئة سميت بذلك: لأنها سيئة بنفسها وقبيحة، ولأنها تسوء صاحبها حالاً ومآلاً.
الفوائد:
١ - وجوب اجتناب الكبائر والابتعاد عنها وعن كل سبب يؤدي إليها.
٢ - أن الصغائر تقع مكفّرة إذا اجتنبت الكبائر.
٣ - سعة فضل الله ورحمته.
стр. 1521
(وَلَا تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا (٣٢)). [النساء: ٣٢].
عن أم سلمة قالت (يا رسول الله! تغزو الرجال ولا نغزو، وإنما لنا نصف الميراث، فنزلت (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) رواه الترمذي.
(وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) أي: لا تطمعوا فيما زاد الله به بعضكم على بعض من الأمور الدينية والدنيوية، سواء كان ذلك في الأمور المتعذرة وغير الممكنة كأن تتمنى النساء شيئاً من خصائص الرجال التي فضلهم الله بها كالجهاد ومضاعفة الميراث ونحو ذلك، أو في الأمور الممكنة التي يتعسر نيلها كأن يتمنى البعض ما فضل الله به البعض الآخر عليه من العلم والمال ونحو ذلك.
قال ابن عباس: لا يتمنى الرجل فيقول: ليت لو أن لي مال فلان وأهله، فنهي الله عن ذلك، ولكن ليسأل الله من فضله.
• قال ابن رجب: قوله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) فقد فُسِّرَ ذلك بالحسد، وهو تمنِّي الرجل نفس ما أُعطي أخوه من أهلٍ ومال، وأنْ ينتقل ذلك إليه، وفُسِّرَ بتمني ما هو ممتنع شرعاً أو قدراً، كتمني النِّساءِ أنْ يكنَّ رجالاً، أو يكون لهن مثلُ ما للرجالِ من الفضائلِ الدينية كالجهاد، والدنيوية كالميراثِ والعقلِ والشهادةِ ونحو ذلك، وقيل: إنَّ الآية تشمل ذلك كُلَّه.
ومع هذا كُلِّه، فينبغي للمؤمن أنْ يحزنَ لفواتِ الفضائل الدينية، ولهذا أُمِرَ أنْ ينظر في الدين إلى مَنْ فوقَه، وأنْ يُنافِسَ في طلب ذلك جهده وطاقته، كما قال تعالى (وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمتَنَافِسُونَ).
• قال السعدي: قوله تعالى (وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) ينهى تعالى المؤمنين عن أن يتمنى بعضهم ما فضل الله به غيره من الأمور الممكنة وغير الممكنة، فلا تتمنى النساء خصائص الرجال التي بها فضلهم على النساء، ولا صاحب الفقر والنقص حالة الغنى والكمال تمنيا مجرداً لأن هذا هو الحسد بعينه، تمني نعمة الله على غيرك أن تكون لك ويسلب إياها، ولأنه يقتضي السخط على قدر الله والإخلاد إلى الكسل والأماني الباطلة التي لا يقترن بها عمل ولا كسب، وإنما المحمود أمران:
أن يسعى العبد على حسب قدرته بما ينفعه من مصالحه الدينية والدنيوية، ويسأل الله تعالى من فضله، فلا يتكل على نفسه ولا على غير ربه.
стр. 1522
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وَلَا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) عطف على جملة (لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل ولا تقتلوا أنفسكم) والمناسبة بين الجملتين المتعاطفتين: أنّ التمنّي يحبّب للمُتمنّي الشيء الذي تمنّاه، فإذا أحبّه أتْبَعَه نفسه فرام تحصيله وافتُتن به، فربما بعثه ذلك الافتتان إلى تدبير الحيل لتحصيله إن لم يكن بيده، وإلى الاستئثار به عن صاحب الحقّ فيغمض عينه عن ملاحظة الواجب من إعطاء الحقّ صاحبه وعن مناهي الشريعة التي تضمّنتها الجمل المعطوف عليها.
فالنهي عن التمنّي وتطلّع النفوس إلى ما ليس لها جاء في هذه الآية عامّا، فكان كالتذييل للأحكام السابقة لسدّ ذرائعها وذرائع غيرها، فكان من جوامع الكلم في درء الشرور.
وقد كان التمنّي من أعظم وسائل الجرائم، فإنّه يفضي إلى الحسد، وقد كان أوّل جرم حصل في الأرض نشأ عن الحسد.
ولقد كثر ما انتهبت أموال، وقتلت نفوس للرغبة في بسطة رزق، أو فتنة نساء، أو نوال مُلك، والتاريخ طافح بحوادث من هذا القبيل.
والذي يبدو أنّ هذا التمنّي هو تمنّي أموال المثرين، وتمنّي أنصباء الوارثين، وتمنّي الاستئثار بأموال اليتامى ذكورهم وإناثهم، وتمنّي حرمان النساء من الميراث ليناسب ما سبق من إيتاء اليتامى أموالهم.
وإنصاف النساء في مُهورهنّ، وترك مضارّتهنّ إلجاء إلى إسقاط. (تفسير ابن عاشور).
• وهذا النهي للتحريم.
• والتمني: هو الطمع في طلب ما يعلم عدم حصوله لتعذره واستحالته، أو ما يغلب على الظن عدم حصوله لتعسره، فمن الأول قول الشاعر:
ألا ليت الشباب يعود يوماً … فأخبره بما فعل المشيب.
ومن الثاني: قول الفقير: ليتني غنياً، وقول الجاهل: ليتني عالماً.
• قال ابن عاشور: التمنّي هو طلب حصول ما يعسر حصوله للطالب.
• قوله تعالى (مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ) التفضيل الزيادة.
• وإنما نهى تعالى عن تمني ما فضل الله به البعض على البعض الآخر، لأن هذا هو الحسد المذموم، وفي الحسد مفاسد كثيرة من الاعتراض على قضاء الله وقدره وحكمته فيما قسم بين عباده.
• قال ابن كثير: ولا يرد على هذا ما ثبت في الصحيح (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً فسلطه على هلكته في الحق، فيقول رجل: لو أن لي مثل ما لفلان لعملتُ مثله، فهما في الأجر سواء) فإن هذا شيء غير ما نهت عنه الآية، وذلك أن الحديث حضّ على تمني مثل نعمة هذا، والآية نهت عن تمني عين نعمة هذا.
стр. 1523
(لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبْنَ) أي: كل له جزاء على عمله بحسبه، إن خيراً فخير، وإن شراً فشر.
وقيل: لكل من الرجال والنساء حظ ونصيب مما قسمه الله من الميراث، ولكل منهم حظ مما قدره الله وخصه به من الأعمال، فللرجال الجهاد والجمع والجماعات والولاية ونحو ذلك، وللنساء حفظ البيوت وتربية الأولاد وطاعة الزوج وخدمته، ولكل منهم حظ من جزاء وثمرة سعيه وما قدم من عمل ديني أو دنيوي.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا اكْتَسَبُوا وَلِلنِّسَاءِ … ) وهذه الجملة مسوقة مساق التعليل للنهي عن التمنّي قطعاً لعذر المُتمَنّين، وتأنيساً بالنهي.
(وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ) أي: لا تتمنوا ما فضل الله به بعضكم على بعض، وعليكم السعي والاكتساب، واسألوا الله يعطكم
من فضله ما فيه صلاح أمركم ودنياكم.
• ففيه الأمر بسؤال الله تعالى والنهي عن سؤال الخلق.
كما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ).
وقال ﷺ (سلوا الله من فضله، فإن الله يحب أن يسأل).
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ (كُنْت خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ يَوْمًا، فَقَالَ: يَا غُلَامِ! إنِّي أُعَلِّمُك كَلِمَاتٍ: احْفَظْ اللَّهَ يَحْفَظْك، احْفَظْ اللَّهَ تَجِدْهُ تُجَاهَك، إذَا سَأَلْت فَاسْأَلْ اللَّهَ … ) رواه الترمذي.
وفي الترمذي عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من لم يسأل الله يغضب عليه).
واستحق الغضب لأمرين:
الأول: لأنه ترك محبوباً لله، فإن الله يحب أن يسأل، ذكر ذلك المناوي.
والثاني: لأن ترْك الدعاء دليل على الاستغناء عن الله، ذكر ذلك المباركفوي.
وفي النهي عن سؤال المخلوق أحاديث كثيرة أيضاً، وقد بايع النبي ﷺ جماعة من أصحابه على أن لا يسألوا الناس شيئاً منهم: أبو بكر، وأبو ذر، وثوبان، وكان أحدهم يسقط سوطه أو خطام ناقته فلا يسأل أحداً أن يناوله.
• واعلم أن سؤال الله تعالى دون خلقه هو المتعين عقلاً وشرعاً وذلك من وجوه متعددة:
منها: أن السؤال فيه بذل لماء الوجه وذلة للسائل، وذلك لا يصلح إلا لله وحده، وهذا هو حقيقة العبادة الني يختص بها الإله الحق.
стр. 1524
كان الإمام أحمد يقول في دعائه: اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك فصنه عن المسألة لغيرك.
ولهذا كان عقوبة من أكثر المسألة بغير حاجة أن يأتي يوم القيامة وليس على وجهه مزعة لحم كما ثبت في الصحيحين، لأنه أذهب عز وجهه وصيانته وماءه في الدنيا، فأذهب الله من وجهه في الآخرة جماله وبهاءه الحسي، فيصير عظماً بغير لحم، ويذهب جماله وبهاؤه المعنوي، فلا يبقى له عند الله وجاهة.
ومنها: أن في سؤال الله عبودية عظيمة، لأنها إظهار للافتقار إليه، واعتراف بقدرته على قضاء الحوائج، وفي سؤال المخلوق ظلم، لأن المخلوق عاجز عن جلب النفع لنفسه ودفع الضر عنها، فكيف يقدر على ذلك لغيره.
قال بعض السلف: إني لأستحي من الله أن أسأله الدنيا وهو يملكها فكيف أسألها ممن لا يملكها؟ يعني المخلوق.
ومنها: أن الله يحب أن يُسأل، ويغضب على من لا يسأل، فإنه سبحانه يريد من عباده أن يرغبوا إليه ويسألوه ويدعوه ويفتقروا إليه، ويحب الملحين في الدعاء، والمخلوق غالباً يكره أن يُسأل لفقره وعجزه.
قال أبو العتاهية:
الله يغضب إن تركتَ سؤاله … وبُنيّ آدم حين يسأل يغضب
فاجعل سؤالك للإله فإنما … في فضل نعمة ربنا نتقلب
قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك: ويحك، تأتي من يُغلقُ عنك بابَه، ويُظهر لك فقره، ويواري عنك غناه، وتدع من يفتح لك بابه بنصف الليل ونصف النهار، ويظهر لك غناه ويقول: ادعني أستجب لك.
• قال ابن تيمية: سؤال المخلوقين فيه ثلاث مفاسد:
الأولى: مفسدة الافتقار إلى غير الله وهي نوع من الشرك.
والثانية: مفسدة إيذاء المسؤول وهي نوع من ظلم الخلق.
والثالثة: فيه ذل لغير الله وهو ظلم للنفس، فهو مشتمل على أنواع الظلم الثلاثة.
стр. 1525
• قال السعدي في قوله ﷺ (ومن يستعفف يعفه الله، ومن يستغن يغنه الله).
وهاتان الجملتان متلازمتان، فإن كمال العبد في إخلاصه لله رغبة ورهبة وتعلقا به دون المخلوقين. فعليه أن يسعى لتحقيق هذا الكمال، ويعمل كل سبب يوصله إلى ذلك، حتى يكون عبدا لله حقا حرا من رق المخلوقين، وذلك بأن يجاهد نفسه على أمرين: انصرافها عن التعلق بالمخلوقين بالاستعفاف عما في أيديهم، فلا يطلبه بمقاله ولا بلسان حاله، ولهذا قال ﷺ لعمر: «ما أتاك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل فخذه، وما لا فلا تتبعه نفسك» فقطع الإشراف في القلب والسؤال باللسان، تعففا وترفعا عن منن الخلق، وعن تعلق القلب بهم، سبب قوي لحصول العفة.
وتمام ذلك: أن يجاهد نفسه على الأمر الثاني: وهو الاستغناء بالله والثقة بكفايته، فإنه من يتوكل على الله فهو حسبه، وهذا هو المقصود، والأول وسيلة إلى هذا، فإن من استعف عما في أيدي الناس وعما يناله منهم، أوجب له ذلك أن يقوى تعلقه بالله، ورجاؤه وطمعه في فضل الله وإحسانه، ويحسن ظنه وثقته بربه، والله تعالى عند حسن ظن عبده به، إن ظن خيراً فله، وإن ظن غيره فله، وكل واحد من الأمرين يمد الآخر فيقويه، فكلما قوي تعلقه بالله ضعف تعلقه بالمخلوقين وبالعكس.
ومن دعاء النبي ﷺ (اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف والغنى) فجمع الخير كله في هذا الدعاء، فالهدى: هو العلم النافع، والتقى: هو العمل الصالح، وترك المحرمات كلها، هذا صلاح الدين.
وتمام ذلك بصلاح القلب، وطمأنينته بالعفاف عن الخلق، والغنى بالله، ومن كان غنيا بالله فهو الغني حقا، وإن قلت حواصله، فليس الغنى عن كثرة العرض، إنما الغنى غنى القلب، وبالعفاف والغنى يتم للعبد الحياة الطيبة، والنعيم الدنيوي، والقناعة بما آتاه الله.
• وقال ابن رجب ﵀: وقد تكاثرت الأحاديث عن النبي ﷺ بالأمر بالاستعفاف عن مسألة الناس والاستغناء عنهم، فمن سأل الناس ما بأيديهم، كرهوه وأبغضوه، لأن المال محبوب لنفوس بني آدم، فمن طلب منهم ما يحبونه، كرهوه لذلك.
وكان عمر يقول في خطبته: إن الطمع فقر، وإن اليأس غنى، وإن الإنسان إذا أيس من الشيء استغنى عنه.
• وقال ابن تيمية: سبحانه أكرم ما تكون عليه أحوج ما تكون إليه،
• وقال ابن القيم: يستعين الإنسان على التجرد من الطمع والفزع؟ بالتوحيد والتوكل والثقة بالله، وعلمك بأنه لا يأتي بالحسنات إلا هو، ولا يذهب بالسيئات إلا هو، وأن الأمر كله لله، ليس لأحد مع الله شيء.
قال أعرابيٌّ لأهل البصرة: من سيِّدُ أهل هذه القرية؟ قالوا: الحسن. قال: بما سادهم؟ قالوا: احتاجَ الناسُ إلى علمه، واستغنى هو عن دنياهم.
стр. 1526
وقال ابن القيم: أعظم الناس خذلاناً من تعلق بغير الله، فإن ما فاته من مصالحه وسعادته وفلاحه أعظم مما حصل له ممن تعلق به، وهو معرض للزوال والفوات، ومثل المتعلق بغير الله كمثل المستظل من الحر والبرد ببيت العنكبوت أوهن البيوت.
وقال الحسن ﵀: لا تزالُ كريماً على الناس ما لم تَعاطَ ما في أيديهم، فإذا فعلتَ ذلك استخفُّوا بكَ، وكرهوا حديثك، وأبغضوك.
• قال حكيم: إذا أراد الله بعبد خيرا ألهمه الطاعة وألزمه القناعة وأكساه العفاف.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ) من الأشياء صغرت أو عظمت.
(عَلِيماً) به، لا يخفي عليه شيء ولا يغيب عنه مثقال ذرة،
• قال ابن كثير: أي هو عليم بمن يستحق الدنيا فيعطيه منها، وبمن يستحق الفقر فيفقره، وعليم بمن يستحق الآخرة فيقيضه لأعمالها، وبمن يستحق الخذلان فيخذله عن تعاطي الخير وأسبابه.
• وقال ابن جرير: يعني جل ثناؤه: أن الله كان بما يصلح عباده فيما قسم لهم من خير، ورفع بعضهم فوق بعض درجات في الدين والدنيا وبغير ذلك من قضائه وأحكامه فيهم (عليماً) ذا علم، فلا تتمنوا غير الذي قضى لكم، ولكن عليكم بطاعته والتسليم لأمره، والرضى بقضائه ومسألته من فضله.
الفوائد:
١ - تحريم أن يتمنى الإنسان ما فضل الله به غيره عليه.
٢ - التحذير من الحسد.
٣ - حكمة الله في العطاء والمنع، فعطاؤه ومنعه كله صادر عن علم وحكمة.
٤ - لا بأس للإنسان أن يتمنى ما فضل الله به غيره عليه.
٥ - عظم كرم الله، حيث يفرح بسؤال عباده له.
٦ - فضل الدعاء.
٧ - حكمة الله وسعة علمه في التفريق بين الجنسين، فلكل جنس ما يناسبه ويلائمه.
٨ - وجوب مراقبة الله، لأنه سبحانه عليم بكل شيء، فلا يخفى عليه شيء، فعلى المسلم أن يضمر الخير. انتهى شريط: ٢١
стр. 1527
(وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدًا (٣٣)). [النساء: ٣٣].
(وَلِكُلٍّ) أي: ولكل إنسان.
(جَعَلْنَا مَوَالِيَ) أي: جعلنا ورثة يلون تركته من بعده.
• كلمة (موالي) تطلق على معان:
منها: الناصر، كقوله تعالى (وَإِن تَظَاهَرَا عَلَيْهِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ مَوْلاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ).
ومنها: الذي يتولى على غيره، كقوله تعالى (وَإِن تَوَلَّوْاْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).
ومنها: العتيق: كقوله ﷺ (مولى القوم من أنفسهم).
ومنها: الوارث، كما في هذه الآية.
(مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ) أي: مما تركه والداه وأقربوه، وعلى هذا يكون الوالدان والأقربون مورِّثين
• قال ابن كثير: ويعني بقوله (مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأقْرَبُونَ) من تركة والديه وأقربيه من الميراث، فتأويل الكلام: ولكلكم -أيها الناس-جعلنا عصبة يرثونه مما ترك والداه وأقربوه من ميراثهم له.
ويحتمل: أن يكون (الوالدان) خبراً لمبتدأ محذوف (والأقربون) معطوف عليه، والتقدير: هم الوالدان والأقربون، ويكون الوقف على قوله (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ) والتقدير: ولكل جعلنا موالي يرثون مما تركه، هم الوالدان والأقربون، وعلى هذا يكون الوالدان والأقربون وارثين.
(وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: والذين تعاهدتم وتحالفتم وإياهم بالأيْمان والمواثيق المؤكدة، وقد كانوا في الجاهلية يتعاقدون،
كما قال ابن عباس: كان الرجل يعاقد الرجل أيهما مات ورثه الآخر.
عن ابن عباس (ولكل جعلنا موالي) قال: ورثة (والذين عقدت أيمانكم) قال: كان المهاجرون لما قدموا المدينة يرث المهاجر الأنصاري دون ذوي رحمه، للأخوة التي آخى النبي ﷺ بينهم، فلما نزلت (ولكل جعلنا موالي) نسخت، ثم قال (والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم) من النصر والرفادة والنصيحة، وقد ذهب الميراث ويوصى له. رواه البخاري.
• المراد بالعقد العهد، وسمي العهد عقداً لما فيه من التوثيق والتوكيد.
• أيمانكم: جمع يمين وهو الحلف.
стр. 1528
(فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أي: فأعطوهم نصيبهم من الميراث حسب ما اتفقتم عليه في عقد اليمين.
لأن هذا من الوفاء بالعهد، وقد قال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً).
• وهذا الحكم منسوخ، قال ابن كثير: وكان هذا في ابتداء الإسلام، ثم نسخ بعد ذلك، وأمروا أن يوفوا لمن عاقدوا ولا ينشئوا بعد نزول هذه الآية معاقدة.
• قال القرطبي: بيّن تعالى أن لكل إنسان ورثةً وَموالي؛ فلينتَفِع كلُّ واحدٍ بما قسَم الله له من الميراث، ولا يتمنى مالَ غيره.
وروى البخاري في كتاب الفرائض من رواية سعيد بن جُبير عن ابن عباس (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ مِمَّا تَرَكَ الوالدان والأقربون والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قال: كان المهاجرون حين قدِموا المدينة يرث الأنصاري المهاجريُّ دون ذوي رحِمِه؛ للأخوة التي آخى رسول الله ﷺ بينهم، فلما نزلت (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قال: نسختها (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ).
قال أبو الحسن بن بطّال: وقع في جميع النسخ (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) قال: نسختها (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ).
والصواب أن الآية الناسخة (وَلِكُلٍّ جَعَلْنَا مَوَالِيَ) والمنسوخة (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ)، وكذا رواه الطبري في روايته.
وروي عن جمهور السلف أن الآية الناسخة لقوله (والذين عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) قوله تعالى في "الأنفال" (وَأْوْلُواْ الأرحام بَعْضُهُمْ أولى بِبَعْضٍ).
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) هذه الآية تدل على أن إرث الحلفاء من حلفائهم، وقد جاءت آية أخرى تدل على خلاف ذلك وهي قوله تعالى (وَأُولُوا الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ).
والجواب أن هذه الآية ناسخة لقوله (وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ) الآية، ونسخها لها هو الحق خلافاً لأبي حنيفة ومن وافقه في القول بإرث الحلفاء اليوم إن لم يكن له وارث.
وقد أجاب بعضهم بأن معنى (فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ) أن من الموالاة والنصرة وعليه فلا تعارض بينهما والعلم عند الله.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيداً) أي: أن الله على كل شيء صغيراً كان أو كبيراً، ظاهراً أو خفياً مطلع مراقب.
وفي الآية تهديد لمن لم يف بالعهد.
الفوائد:
١ - إثبات الإرث.
٢ - كمال الشريعة بإيجاب الوفاء بالعهود والعقود.
٣ - وقوع النسخ في الشريعة.
٤ - التحذير من مخالفة الله، لأن الله شاهد عليه مطلع.
стр. 1529
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللَّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلَا تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)). [النساء: ٣٤].
(الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) أي: الرجل قيّم على المرأة، وهو رئيسها وكبيرها والحاكم عليها، ومؤدبها إذا اعوجت.
• قال القرطبي: دّلت هذه الآية على تأديب الرجال نساءَهم، فإذا حفظن حقوق الرجال فلا ينبغي أن يسيء الرّجل عِشرتها.
و (قَوّام) فعّال للمبالغة؛ من القيام على الشيء والاستبداد بالنظر فيه وحفظه بالاجتهاد.
فقيام الرّجال على النساء هو على هذا الحد؛ وهو أن يقوم بتدبيرها وتأديبها وإمساكها في بيتها ومنعها من البروز وأنْ عليها طاعته وقبول أمره ما لم تكن معصية؛ وتعليل ذلك بالفضيلة والنفقة والعقل والقوّة في أمر الجهاد والميراث والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
(بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) الباء سببية، أي: بسبب الذي فضل الله به بعضهم على بعض.
• قال ابن الجوزي: … وفضل الرجل على المرأة بزيادة العقل، وتوفير الحظ في الميراث، والغنيمة، والجمعة، والجماعات، والخلافة، والإمارة، والجهاد، وجعل الطلاق إليه إلى غير ذلك.
• فبسبب ما زاد الله به الرجال على النساء من القوى الظاهرة والباطنة، فالظاهرة: كقوة البدن، ومن القوة الباطنة: العقل، والذكاء، والشجاعة، والحزم، والصبر، والتحمل، ولهذا خصهم الله وفضلهم بأن جعل الرسالة والنبوة والولاية فيهم، وخصهم بكثير من العبادات كالجهاد والأعياد والجمع والجماعات، وبكون شهادة الرجل بشهادة امرأتين، وميراثه مثل نصيب الأنثيين إلى غير ذلك من الخصائص التي هي تابعة لكمال استعدادهم الفطري.
• وفي قوله (بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ) دون أن يقول: بما فضلهم الله عليهن تنبيهاً على أن الرجل من المرأة والمرأة من الرجل، وأن كل واحد منهما بالنسبة للآخر كأعضاء الجسد، فلا ينبغي أن يتكبر أحدهما على الآخر، وإن كان بعض الأعضاء أفضل من بعض.
كما أن فيه تنبيهاً على أن التفضيل إنما هو بالنسبة للجنس، أي: جنس الرجال أفضل من جنس النساء، لا بالنسبة للأفراد، فكم من امرأة خير من زوجها، بل من عشرات الرجال في العلم والدين والخلق.
(وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ) الباء سببية، أي: وبسبب إنفاقهم من أموالهم، من المهور والنفقات التي أوجبها الله للنساء على الرجال في الكتاب والسنة.
• قال ابن كثير: فالرجل أفضل من المرأة في نفسه، وله الفضل عليها والإفضال، فناسب أن يكون قيماً عليها، كما قال تعالى (وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ).
стр. 1530
• جعل الله القوامة للرجال على النساء لسببين:
الأول: وهبي وهبهم الله إياه، وهو تفضيلهم عليهن.
الثاني: كسبي اكتسبوه وهو إفضالهم عليهن بالإنفاق.
• قال ابن عاشور: قوله (وبما أنفقوا) جيء بصيغة الماضي للإيماء إلى أنّ ذلك أمر قد تقرّر في المجتمعات الإنسانية منذ القدم، فالرجال هم العائلون لنساء العائلة من أزواج وبنات، وأضيفت الأموال إلى ضمير الرجال لأنّ الاكتساب من شأن الرجال، فقد كان في عصور البداوة بالصيد وبالغارة وبالغنائم والحرث، وذلك من عمل الرجال،
• قال القرطبي: فَهِم العلماء من قوله تعالى (وَبِمَآ أَنْفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ) أنه متى عجز عن نفقتها لم يكن قوّاماً عليها، وإذا لم يكن قَوّاماً عليها كان لها فسخ العقد؛ لزوال المقصود الذي شُرع لأجله النكاح.
وفيه دلالة واضحةٌ من هذا الوجه على ثبوت فسخ النكاح عند الإعسار بالنفقة والكسوة؛ وهو مذهب مالك والشافعي.
وقال أبو حنيفة؛ لا يفسخ؛ لقوله تعالى (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إلى مَيْسَرَةٍ) وقد تقدّم القول في هذا في هذه السورة.
(فَالصَّالِحَاتُ) أي: فالنساء الصالحات، والصالحات: هن اللاتي قمن بحقوق الله وحقوق أزواجهن.
وفي الحديث (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة).
(قَانِتَاتٌ) أي: مطيعات مداومات على طاعة الله، والقنوت: دوام الطاعة.
(حَافِظَاتٌ لِلْغَيْبِ) أي: حافظات لما يجب حفظه في غياب أزواجهن من حفظ أنفسهن وحفظ بيوتهم وأموالهم، وأيضاً: حافظات لما غاب عن الناس مما يكون في بيوتهن من أمور وأحوال، وما يجري بينهن وبين أزواجهن.
وفي الحديث (خير النساء امرأة إذا نظرت إليها سرتك، وإذا أمرتها أطاعتك، وإذا غبت عنها حفظتك في نفسها ومالك).
(بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) أي: حافظات للغيب بحفظ الله لهن وتوفيقه وعونه وتيسيره، وقيل: حافظات للغيب بما حفظ الله: أي: بما حفظ الله لهن من حقوق على أزواجهن وقيل: بما حفظ لهن من الثواب العظيم إذا هنّ حفظن غيب أزواجهن.
• قال السعدي: قوله تعالى (بِمَا حَفِظَ اللَّهُ) لهن وتوفيقه لهن، لا من أنفسهن، فإن النفس أمارة بالسوء، ولكن من توكل على الله، كفاه ما أهمه من أمر دينه ودنياه.
• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (بما حفظ الله) قرأ الجمهور برفع اسم «الله» وفي معنى الكلام على قراءتهم ثلاثة أقوال:
أحدها: بحفظ الله إِياهن، قاله ابن عباس، ومجاهد، وعطاء، ومقاتل.
والثاني: بما حفظ الله لهن مهورهن، وإيجاب نفقتهن، قاله الزجاج.
والثالث: أن معناه: حافظات للغيب بالشيء الذي يحفظ به أمر الله، حكاه الزجاج. وقرأ أبو جعفر بنصب اسم الله. والمعنى: بحفظهن الله في طاعته.
стр. 1531
• ثم ذكر تعالى القسم الثاني من النساء فقال:
(وَاللَّاتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ) أي: والنساء اللاتي تتخوفون أن ينشزن على أزواجهن.
• والنشوز لغة: مأخوذ من النشز وهو المكان المرتفع من الأرض، واصطلاحاً: معصية الزوجة الزوج فيما فرض الله عليها من طاعته.
• ذكر الله تعالى علاج المرأة الناشز فقال:
(فَعِظُوهُنَّ) بأن يذكرها بما يلين قلبها، ويصلح عملها من ثواب وعقاب، يخوفها بالله وأليم عقابه، ويذكرها بما أعد الله للمرأة العاصية لزوجها من أليم عقابه:
مثل قوله ﷺ (إذا دعا الرجل زوجته إلى فراشه فأبت لعنتها الملائكة حتى تصبح) رواه مسلم.
ومثل: قوله ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها) رواه أبو داود.
فإذا لم ينفع هذا العلاج ينتقل إلى الأمر الثاني وهو:
(وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ) هذا العلاج الثاني من علاج نشوز المرأة، وهو هجرها في المضجع.
لقوله تعالى (وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ).
• وتركها في المضجع على ثلاثة أوجه:
أولاً: أن لا ينام في حجرتها، وهذا أشد شيء.
ثانياً: أن لا ينام على الفراش معها، وهذا أهون من الأول.
ثالثاً: أن ينامع معها في الفراش، ولكن يلقيها ظهره ولا يحدثها، وهذا أهونها.
ويبدأ بالأهون فالأهون، لأن ما كان المقصود به المدافعة فالواجب البداءة بالأسهل فالأسهل.
• ويهجرها ماء شاء حتى ترتدع وترجع.
(وَاضْرِبُوهُنَّ) أي: فإن لم ترتدع ولم ينفع معها الوعظ والهجر، ضربها.
• و هذا الضرب يشترط أن يكون غير مبرح أي: غير شديد.
لقوله ﷺ (إن لكم عليهن أن لا يُوطِئنَ فُرُشكم أحداً تكرهونه، فإن فعلنَ فاضربوهن ضرباً غير مبرح) رواه مسلم.
لأن المقصود التأديب والزجر والإصلاح، لا الإيذاء والضرر والانتقام، ويتقي الوجه والمقاتل.
• هذه المراتب إذا كان الزوج قائماً بالحقوق، أما إذا لم يقم بحقوق الزوجة فلا يحل له أن يسلك هذه المراتب.
(فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ) أي: فإذا أطاعت المرأة زوجها في جميع ما يريد منها، مما أباحه الله له منها.
• قال الرازي: أي إذا رجعن عن النشوز إلى الطاعة عند هذا التأديب.
стр. 1532
(فَلا تَبْغُوا عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً) أي: فلا تطلبوا وتلتمسوا عليهن طريقاً لإيذائهن لا بقول ولا بفعل، ولا بهجر ولا ضرب ولا غير ذلك، فمادمن أطعن، وتركن النشوز، فلا ينبغي معاتبتهن على الأمور الماضية، والتنقيب عنها، بل ينبغي ترك ما مضى وتناسيه كأنه لم يكن، لأن التذكير بذلك يؤدي إلى استمرار النشوز والمعصية.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً) أي: له العلو المطلق بجميع الوجوه والاعتبارات، علو الذات وعلو القدر وعلو القهر الكبير الذي لا أكبر منه ولا أجل ولا أعظم، كبير الذات والصفات.
• العلي اسم من أسماء الله تعالى، يدل على إثبات صفة العلو لله، فهو سبحانه عال بذاته فوق جميع مخلوقاته، وعليّ القدر، وعلي القهر.
• وعلو الله ينقسم إلى ثلاثة أقسم:
علو ذات (أن الله فوق سمواته مستو على عرشه بائن من خلقه)، وعلو القدر (أي قدره وشأنه عال)، وعلو القهر والغلبة والسلطان.
علو القهر والقدر: متفق عليه بين أهل السنة وأهل البدعة (فكلهم يؤمنون بأن الله تعالى عال علواً معنوياً).
وأما العلو الذاتي، فيثبته أهل السنة والجماعة، ولا يثبته أهل البدع، والحق مذهب أهل السنة وأن الله عال بذاته والأدلة كثيرة جداً على علوه ، من الكتاب والسنة والعقل والفطرة والإجماع.
أما أدلة الكتاب والسنة فقد تنوعت دلالتهما بطرق كثيرة:
أحدها: التصريح بالفوقية.
كقوله تعالى (يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ).
وكقوله تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).
الثاني: التصريح بالعروج إليه.
كقوله تعالى (تَعْرُجُ الْمَلائِكَةُ وَالرُّوحُ إِلَيْهِ).
وقوله ﷺ (يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم.).
الثالث: التصريح بالصعود إليه.
كقوله تعالى (إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ).
الرابع: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه.
كقوله تعالى (بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ).
وقوله تعالى (يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ).
الخامس: التصريح بالعلو المطلق الدال على جميع مراتب العلو.
كقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
وقوله تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ).
وقوله تعالى (إِنَّهُ عَلِيٌّ حَكِيمٌ).
وقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كبيراً).
السادس: التصريح بنزيل الكتاب منه.
كقوله تعالى (تَنْزِيلُ الْكِتَابِ مِنَ اللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَكِيم).
وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ).
وقوله تعالى (تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ).
وقوله تعالى (قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِنْ رَبِّكَ بِالْحَقِّ).
وقوله تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةٍ مُبَارَكَةٍ).
стр. 1533
السابع: التصريح بأن الله تعالى في السماء.
كقوله تعالى (أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ).
وقال الرسول ﷺ (ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء) رواه أبو داود.
الثامن: التصريح بالاستواء على العرش.
كقوله تعالى (الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى).
التاسع: التصريح برفع الأيدي إلى الله تعالى.
كقوله ﷺ : (إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً).
والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة، وهذا يجده من نفسه كل داع.
العاشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى السماء الدنيا، والنزول المعقول عند جميع الأمم، إنما يكون من علو إلى أسفل.
الحادي عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم به وبما يجب له، لما كان بالجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم، في المكان الأعظم، قال لهم: (أنتم مسؤولون عني، فما ذا أنتم قائلون؟ قالوا: نشهد أنك قد
بلغت وأديت ونصحت. فرفع إصبعه الكريمة إلى السماء، رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء، قائلاً: اللهم اشهد).
الثاني عشر: التصريح بلفظ (الأين) كقول أعلم الخلق به، وأنصحهم لأمته، وأفصحهم بياناً عن المعنى الصحيح، بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه: (أين الله).
الثالث عشر: شهادته ﷺ لمن قال: إن ربه بالسماء بالإيمان.
الرابع عشر: إخباره تعالى عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء ليطلع إلى إله موسى، فيكذبه فيما أخبره من أنه سبحانه فوق السموات، فقال: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً) فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني، ومن أثبتها فهو موسوي محمدي.
الخامس عشر: إخباره ﷺ أنه تردد بين موسى ﵇ وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة.
من العقل:
أن العلو صفة كمال والسفل صفة نقص، فوجب لله تعالى صفة العلو وتنزيهه عن ضده.
وأما الفطرة:
قال شارح الطحاوية: وأما ثبوته بالفطرة فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء، ويقصدون جهة العلو بقلوبهم عند التضرع إلى الله.
وأما الإجماع:
فقد أجمع الصحابة والتابعون والأئمة على أن الله فوق سمواته مستو على عرشه.
стр. 1534
(كَبِيراً) الكبير اسم من أسماء الله يدل على أنه تعالى كبير الذات والصفات كما قال تعالى (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) وأن له الكبرياء والعظمة كما قال تعالى (وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ).
• قال ابن القيم: فالله سبحانه أكبر من كل شيء ذاتاً وقدراً وعزة وجلالة، فهو أكبر من كل شيء في ذاته وصفاته وأفعاله.
• قال ابن كثير: (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيّاً كبيراً) تهديد للرجال إذا بغوا على النساء من غير سبب، فإن الله العلي الكبير وليهن، وهو ممن ظلمهن وبغى عليهن.
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (إن الله كان علياً كبيراً) تذييل للتهديد، أي إنّ الله عليٌّ عليكم، حاكم فيكم، فهو يعدل بينكم، وهو كبير، أي قويّ قادر، فبوصف العلوّ يتعيّن امتثال أمره ونهيه، وبوصف القدرة يُحذر بطشه عند عصيان أمره ونهيه.
الفوائد:
١ - فضل الرجال على النساء، حيث جعلهم قوامين على النساء.
٢ - فضل الإنفاق، وأن المنفِق له فضل على المنفَق عليه.
٣ - لا يجوز للمرأة أن تتولى على الرجال لا بإمارة ولا قضاء.
٤ - فضل المرأة الصالحة وفي الحديث (الدنيا متاع وخير متاعها المرأة الصالحة).
٥ - الثناء على المرأة التي تحفظ زوجها في غيبته.
٦ - يحرم على المرأة أن تفشي سر زوجها وبيتها.
٧ - تحريم نشوز المرأة على زوجها وتكرهها لخدمته.
٨ - بيان عقوبة المرأة الناشز.
٩ - التدرج في التأديب.
١٠ - المكافأة بالمثل لقوله (فإن أطعنكم … ).
١١ - التغاضي عما مضى.
١٢ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العلي والكبير .... انتهى الشريط/ ٢٢ …
стр. 1535
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُواْ حَكَمًا مِّنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِّنْ أَهْلِهَا إِن يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا (٣٥)). [النساء: ٣٥].
(وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا) أي: وإذا أيقنتم وعلمتم استمرا الشقاق بين الزوجين، والشقاق: هو الخلاف والعداوة.
• قال القرطبي: الجمهور من العلماء على أن المخاطب بقوله: "وَإنْ خِفْتُمْ" الحُكّامُ والأُمراء.
وقيل: الخطاب للأولياء.
(فَابْعَثُوا) أي: أرسلوا، والخطاب للحكام (القضاة).
(حَكَماً مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَماً مِنْ أَهْلِهَا) أي: فالحاكم حينئذ يقيم حكمين أحدهما من أقارب الزوج والآخر من أقارب الزوجة.
• والسر في اختيار كل واحد من الحكمين من أقارب الآخر: لأنهما أدرى بحالهما وأعلم ببواطن الأمور، لأن الزوجين يفشيان لأقاربهما ما لا يفشيان لغيرهم.
• قال الآلوسي: وخص الأهل لأنهم أطلب للصلاح وأعرف بباطن الحال وتسكن إليهم النفس فيطلعون على ما في ضمير كلّ من حب وبغض وإرادة صحبة أو فرقة.
• اختلف العلماء في الرجلين المبعوثين هل هما حكمان أم وكيلان للزوجين على قولين:
أحدهما: أنهما وكيلان. والثاني: أنهما حكمان، وهذا هو الصحيح.
ورجح هذا القول بان القيم وقال: العجب كل العجب ممن يقول: هما وكيلان لا حاكمان، والله تعالى قد نصبهما حكمين.
وعلى هذا القول فإنها يلزمان الزوج بدون إذنهما ما يريان فيه المصلحة من طلاق أو خلع.
لأن الله سمى كلاً منهما حكماً، والحكم هو الحاكم، ومن شأن الحاكم أن يلزم بالحكم، وقد روى ابن أبي شيبة هذا القول عن عثمان، وعلي، وابن عباس، والشعبي، وسعيد بن جبير، وهو قول مالك، واختار ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وقال: إنه الأصح، لأن الوكيل ليس بحَكَم، ولا يحتاج فيه إلى أمر الأئمة، ولا يشترط أن يكون من الأهل.
والله تعالى قال (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) والوكيلان لا إرادة لهما، وإنما يتصرفان بإذن موكليها، ولأن الوكيل لا يسمى حكماً في لغة القرآن ولا في لسان العرب.
• وعلى الحكمين المذكورين تقوى الله والنظر فيما يصلح شأنهما ودراسة قضيتهما من جميع الجوانب، وبعد ذلك يقرران ما يريانه من جمع أو تفريق.
(إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) الضمير في قوله (يريدا) يعود للحكمين - وهذا قول الجمهور - وقيل: على الزوجين، والأول أصح، لأن الحكمين هما اللذان يريدان أن يحكما، فنية الإصلاح تكون منهما، أما الزوجان فالخلاف قائم بينهما، وكل واحد يريد الانتصار لنفسه.
стр. 1536
• قال القرطبي: قوله تعالى (إِن يُرِيدَآ إِصْلَاحاً يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ) يعني الحكمين؛ في قول ابن عباس ومجاهد وغيرهما.
أي إن يرد الحكمان إصلاحاً يُوفّق الله بين الزوجين.
وقيل: المراد الزوجان؛ أي إن يرد الزوجان إصلاحاً وصِدقاً فيما أخبرا به الحكمين (يُوَفِّقِ الله بَيْنَهُمَآ).
• قوله تعالى (إِنْ يُرِيدَا إِصْلاحاً) وجوب الإخلاص والنية السليمة في نية الإصلاح.
(يُوَفِّقِ اللَّهُ بَيْنَهُمَا) أي: يوفق الله بين الحكمين، فإذا أراد كل من الحكمين وأحب الإصلاح بنية سليمة فإن الله يوفقهما بالوصل لحل يكون فيه إزالة الشقاق والخلاف بين الزوجين.
• فعلى الحكمين أن يقصدا الإصلاح ويخلصا النية.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً) بكل شيء، بالظاهر والباطن، وبما ينفع وبما يضر.
(خَبِيراً) اسم من أسماء الله ومعناه: المطلع على بواطن الأمور.
• وإذا اجتمع العليم والخبير كما في هذه الآية، حمل (العليم) على العلم بالظواهر، و (الخبير) على العلم بالبواطن.
• قال الرازي: المراد منه الوعيد للزوجين وللحكمين في سلوك ما يخالف طريق الحق.
الفوائد:
١ - وجوب عناية ولاة الأمور بالمجتمع.
٢ - أن المبعوثين حكمان وليسا وكيلين.
٣ - الإشارة إلى أنه ينبغي أن يكون الحاكم عالماً بأحوال من يحكم فيهم.
٤ - أهمية حسن النية في الحكم.
٥ - أن النية الطيبة سبب لصلاح العمل.
٦ - إثبات صفتي العلم والخبرة.
стр. 1537
(وَاعْبُدُواْ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا (٣٦)). [النساء: ٣٦].
(واعْبُدُوا اللَّهَ) أي: اخضعوا وذلوا لله .
• وأصل العبادة في لغة العرب: الذل والخضوع، وقيل للعبد (عبد) لذله وخضوعه لسيده، فالعبادة: الذل والخضوع على وجه المحبة خاصة، فلا تكفي المحبة دون الذل والخضوع، ولا يكفي الذل والخضوع دون المحبة، لأن الإنسان إذا كان ذله متجرداً عن محبة الله يُبغض الذي هو يذل له، ومن أبغض ربه هلك، وإذا كانت محبةً خالصة لا خوف معها، فإن المُحب الذي لا يُداخله خوف يحمله الدلال على أن يسيء الأدب، ويرتكب أموراً لا تنبغي، والله لا يليق به شيء من ذلك (قاله الشنقيطي).
• فالعبادة تطلق على معنيين: احدهما: التعبد: يعني التذلل لله، كما سبق.
وتطلق على المتعبد به (بالنسبة لأفعال العباد) وهي: اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال والأعمال الباطنة والظاهرة القلبية والجوارحية. (ذكر ذلك ابن تيمية).
• في هذه الآية وجوب عبادة الله ، وقد جاءت النصوص الآمرة بذلك:
قال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (فَاسْجُدُوا لِلَّهِ وَاعْبُدُوا).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ).
وقال تعالى (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ).
وأمر تعالى بعبادته حتى الموت. فقال تعالى (وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ).
بل الناس ما خلقوا إلا لعبادة الله تعالى كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ).
وأمر الله بها جميع رسله:
كما قال نوح لقومه (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ)، وكذلك قال هود، وصالح، وشعيب، وغيرهم.
وأخبر الله أنه أرسل في كل أمة رسولاً لهذا الغرض.
قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ).
стр. 1538
ووصف ملائكته بذلك:
فقال تعالى (وَلَهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ عِنْدَهُ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَلا يَسْتَحْسِرُونَ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: لكن العبادة المأمور بها تتضمن معنى الذل ومعنى الحب، فهي تتضمن غاية الذل لله تعالى بغاية المحبة له، ومن خضع لإنسان مع بغضه له لا يكون عابداً له، ولو أحب شيئاً ولم يخضع له لم يكن عابداً له، ولهذا لا يكفي أحدهما في عبادة الله تعالى، بل يجب أن يكون الله أحب إلى العبد من كل شيء، وأن يكون الله أعظم عنده من كل شيء، بل لا يستحق المحبة والخضوع التام إلا الله تعالى.
(وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) نهي عن الشرك وهو نهي تحريم بالاتفاق.
• والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله.
• قوله تعالى (شَيْئاً) نكرة في سياق النهي فتعم كل شيء: أي: لا تشركوا به شيئاً من الأشياء، صغيراً كان أو كبيراً.
• قوله تعالى (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) فيه أن الإثبات المحض لا يدل على التوحيد، لأن الله لما أمر بالعبادة (واعبدوا الله) قال (وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً) فلا بد من إثبات ونفي.
• خطر الشرك:
أولاً: المشرك حرام عليه الجنة.
قال تعالى (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
عن ابن مسعود ﵁ أن رسول الله ﷺ قال (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) رواه البخاري.
ولمسلم عن جابر ﵁، أن رسول الله ﷺ قال (من لقي الله لا يشرك به شيئاً دخل الجنة، ومن لقيه يشرك به شيئاً دخل النار).
ثانياً: الشرط سبب لحبوط العمل.
قال تعالى (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ أُوحِيَ إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
ثالثاً: هو أعظم الظلم.
قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
والظلم وضع الشيء في غير موضعه، فمن عبد غير الله فقد وضع العبادة في غير موضعها، وصرفها لغير مستحقها وذلك أعظم الظلم.
стр. 1539
• لأن الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام:
الأول: الشرك.
وهو أعظم الظلم وأشده.
كما قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
وقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين.
قال ابن رجب: فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون كما قال الله تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
والثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي.
كما قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ).
والثالث: ظلم العبد لغيره.
كما في الحديث (قال الله تعالى: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم.
وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه.
وعن ابن عمر. قال: قال ﷺ (الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه.
رابعاً: هو أعظم الذنوب.
قال ﷺ لما سئل أي الذنب أعظم؟ - قال (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه.
• فالشرك أعظم الذنوب، وإنما كان كذلك:
أولاً: لأن مضمونه تنقيص رب العالمين، وصرف خالص حقه لغيره.
وثانياً: ولأن الشرك تشبيه للمخلوق بالخالق تعالى في خصائص الإلهية من ملك الضر والنفع، والعطاء والمنع.
خامساً: لا يغفر الله لصاحبه إذا مات من غير توبة.
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً).
سادساً: هو أكبر الكبائر.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الذَّنْبِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ (أَنْ تَجْعَلَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ). قَالَ: قُلْتُ: ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ). قَالَ: قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ: (ثُمَّ أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ) متفق عليه.
وعن أبي بكرة قَالَ (كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَلَا أُنَبِّئُكُمْ بِأَكْبَرِ الْكَبَائِرِ - ثَلَاثاً - الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَشَهَادَةُ الزُّورِ أَوْ قَوْلُ الزُّورِ». وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مُتَّكِئاً فَجَلَسَ فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا حَتَّى قُلْنَا لَيْتَهُ سَكَتَ) متفق عليه.
стр. 1540
وعَنْ أَنَسٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ فِي الْكَبَائِرِ قَالَ (الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ وَقَتْلُ النَّفْسِ وَقَوْلُ الزُّورِ) رواه البخاري.
• وقد أثنى الله على الأنبياء بتوحيدهم وسلامتهم من الشرك:
قال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (والذين هم بربهم لا يشركون).
فائدة: جاء في الحديث (أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر)، فسئل عنه فقال: (الرياء). (رواه أحمد بسند حسن عن محمود بن لبِيد).
• هذا الحديث فيه مسائل:
أولاً: أن الشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر.
الأكبر: هو أن يسوي غير الله بالله في ما هو من خصائص الله.
والأصغر: هو ما أتى في النصوص أنه شرك ولم يصل إلى حد الأكبر.
وقيل: هو جعل شيء من حقوق الله لغيره لا يخرج به العبد من الملة.
وقيل: هو كل وسيلة تكون ذريعة إلى الشرك الأكبر، قاله السعدي.
وقيل: ما ثبت شرعاً إطلاق اسم الشرك أو الكفر عليه، وعُلم من دلالات الشرع عدم خروج صاحبه من الدين.
ثانياً: فيه التصريح بالخوف من الشرك.
ثالثاً: قوله (الشرك الأصغر) قد يفهم بعض الناس أنه سُميَ بذلك لقلة أهميته، وليس كذلك، ولكن لما كان بمقابل الأكبر سُميَ أصغر، وإلا فهو أعظم من الكبائر.
стр. 1541
رابعاً: شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر، وذلك من وجهين:
أ-الرسول ﷺ تخوف من وقوعه تخوفاً شديداً.
ب-أنه ﷺ تخوف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى.
خامساً: وفيه الخوف من الرياء، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، لأن النفوس مجبولة على حب الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلمه الله وعصمه.
سادساً: قوله (الرياء) هذا من باب المثال لا من باب الحصر، إذ الشرك الأصغر أنواعه متعددة كالحلف بغير الله، وإنما اقتصر على الرياء لكثرة وقوعه ومشقة دفعه.
(وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) أي: أحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا هو الحق الثاني في الآية، وهو حق الوالدين، وقد عطفه الله على حقه لعظم حق الوالدين، كما قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
• قال ابن كثير: ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود.
• وقال القرطبي: قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزامِ البِرّ والطاعةِ له والإذعانِ مَن قَرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان؛ فقال تعالى (أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ).
وعن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ (رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالدَيْن وسُخْطُه في سُخْط الوالدين).
• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (وبالوالدين إحساناً) اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة، كقوله (أن اشكر لى ولوالديك)، وقوله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه).
• كثيراً ما يقرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين.
كما قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).
стр. 1542
• وأوصى تعالى بالوالدين إحساناً:
قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً).
وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ).
وعن ابن مسعود قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ). قُلْتُ ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) متفق عليه.
وعن عبد الله بن عمرو قال (جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه.
ولمسلم (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتَهما).
ولحديث أبي هريرة. (أن رجلاً قال يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك).
كيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل:
في حياتهما: بالبر والطاعة والإكرام والتوقير والتواضع لهما.
بعد موتهما: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما.
• وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول. (قاله السعدي)
• ومن الإحسان ألا يجاهد إلا بإذنهما.
للحديث السابق.
• وقد أثنى الله على يحيي بوصفه براً بوالديه:
قال تعالى (وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً).
стр. 1543
• وكذلك عيسى ﵇ فيذكر الله في كتابه قوله:
(وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً).
• نماذج من سلف الأمة:
عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي.
وعن ابن عون المزني: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين.
قال ابن الجوزي: بلغنا عن عمر بن ذر، أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهاراً إلا كان خلفي، ولا ليلاً إلا كان أمامي، ولا رقد على سطح أنا تحته.
كان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمِّه فقال: السلام عليك - يا أماه - ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام - يا ولدي - ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحِمَك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً.
وعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبرَّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها.
(وَبِذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة.
• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَبِذِي القربى) أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك.
(وَالْيَتَامَى) أي: وأحسنوا إلى اليتامى (وسبق ما يتعلق باليتامى).
(وَالْمَسَاكِينِ) أي: وأحسنوا إلى المساكين، والمساكين جمع مسكين، وهو المعدم الذي لا يجد شيئاً من المال، أو لا يجد ما يكفيه.
• ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلاً منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معاً كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر.
• وسمي المعدم مسكيناً، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء.
(وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا إلى الجار ذي القربى، والجار هو من كان منزله قريباً من منزلك، وذي القربى: أي: ذي القرابة نسباً، والمعنى: والجار الذي منزله قريب من منزلك، وهو أيضاً قريب منك نسباً.
стр. 1544
(وَالْجَارِ الْجُنُبِ) أي: وأحسنوا إلى الجار الجنب، الجار: هو من منزله بجوار منزلك كما سبق، والجنُب: بمعنى البعيد منك نسباً، أي: الذي ليس بينك وبينه قرابة، والمعنى: أي: الجار القريب منزلاً البعيد نسباً، فله حق الجوار.
• قال الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى (الجنب) في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا، لما بينا قبل من أن (الجار ذي القربى)، هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون (الجار ذو الجنابة)، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم.
وبعد، فإن (الجُنب)، في كلام العرب: البعيد.
• وقال ابن عاشور: والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد بـ (الجار ذي القربى) الجار النسيب من القبيلة، وبـ (الجار الجنب) الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب.
وقد جاءت الأحاديث في عظم حق الجار.
قال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) متفق عليه.
وقال ﷺ (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه.
وقال ﷺ (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه).
والإحسان إلى الجار يكون بأنواع الإحسان، من السلام والزيارة والنصح والإرشاد والمساعدة والهدية والدعوة إلى الطعام وغير ذلك من وجوه الإحسان مع كف الأذى.
(وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أي: وأحسنوا بالصاحب بالجنب، وهو الذي يصاحبك في جنبك.
وقد اختلف فيه:
فقيل: هو الزوجة.
وقيل: هو الصديق.
وقيل: هو الصاحب في السفر، ويمكن حمل الصاحب بالجنب على هذا كله.
• قال القرطبي: قوله تعالى (والصاحب بالجنب) أي الرفيق في السفر، وقال عليّ وابن مسعود وابن أبي لَيْلَى (والصاحب بالجنب) الزوجة، وقال ابن جُريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاءَ نفعك، والأوّل أصح، وقد تتناول الآية الجميع بالعموم.
• وقال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى (الصاحب بالجنب) الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض، وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه، وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب.
стр. 1545
(وَابْنِ السَّبِيلِ) أي: وأحسنوا إلى ابن السبيل، وهو المسافر، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له.
• فابن السبيل له حق على المقيمين أن يحسنوا إليه في سفره بمساعدته بما يحتاج إليه من مال أو دلالة أو تسهيل مهمة.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وابن السبيل) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّاً.
والسبيل الطريق، فنُسِب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه، ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده.
• وقال الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك.
فقال بعضهم: ابن السبيل هو المسافر الذي يجتاز مارًا، وقال آخرون: هو الضيف.
والصواب من القول في ذلك: أن (ابن السبيل) هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان.
• قال ابن عاشور: والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة، قليل النصير، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه، وبلد غير بلده.
(وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم من بني آدم من الأرقاء ومن الحيوان.
• قال الرازي: واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه:
أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به.
وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة،
وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه.
وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن.
следующие страницы →