← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1541–1580 · переход к 1546.

стр. 1541

رابعاً: شدة الخوف من الوقوع في الشرك الأصغر، وذلك من وجهين: أ-الرسول ﷺ تخوف من وقوعه تخوفاً شديداً. ب-أنه ﷺ تخوف من وقوعه في الصالحين الكاملين فمن دونهم من باب أولى. خامساً: وفيه الخوف من الرياء، وأنه أخوف ما يخاف على الصالحين، لأن النفوس مجبولة على حب الرياسة والمنزلة في قلوب الخلق إلا من سلمه الله وعصمه. سادساً: قوله (الرياء) هذا من باب المثال لا من باب الحصر، إذ الشرك الأصغر أنواعه متعددة كالحلف بغير الله، وإنما اقتصر على الرياء لكثرة وقوعه ومشقة دفعه. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) أي: أحسنوا بالوالدين إحساناً، وهذا هو الحق الثاني في الآية، وهو حق الوالدين، وقد عطفه الله على حقه لعظم حق الوالدين، كما قال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). • قال ابن كثير: ثم أوصى بالإحسان إلى الوالدين، فإن الله سبحانه جعلهما سبباً لخروجك من العدم إلى الوجود. • وقال القرطبي: قال العلماء: فأحق الناس بعد الخالق المنان بالشكر والإحسان والتزامِ البِرّ والطاعةِ له والإذعانِ مَن قَرن الله الإحسان إليه بعبادته وطاعته وشكره بشكره وهما الوالدان؛ فقال تعالى (أَنِ اشكر لِي وَلِوَالِدَيْكَ). وعن عن عبد الله بن عمرو بن العاص قال قال رسول الله ﷺ (رِضَى الرَّبِّ في رضى الوالدَيْن وسُخْطُه في سُخْط الوالدين). • وقال ابن عاشور: قوله تعالى (وبالوالدين إحساناً) اهتمام بشأن الوالدين إذ جعل الأمر بالإحسان إليهما عقب الأمر بالعبادة، كقوله (أن اشكر لى ولوالديك)، وقوله (يا بني لا تشرك بالله إن الشرك لظلم عظيم ووصينا الإنسان بوالديه). • كثيراً ما يقرن الله تعالى بين عبادته والإحسان إلى الوالدين. كما قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ). وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً).

стр. 1542

• وأوصى تعالى بالوالدين إحساناً: قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً). وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ). وعن ابن مسعود قَالَ: (سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ؟ قَالَ: (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا). قُلْتُ: ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ: (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ). قُلْتُ ثُمَّ أَي؟ قَالَ: (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ: حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي) متفق عليه. وعن عبد الله بن عمرو قال (جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه. ولمسلم (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتَهما). ولحديث أبي هريرة. (أن رجلاً قال يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك). كيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل: في حياتهما: بالبر والطاعة والإكرام والتوقير والتواضع لهما. بعد موتهما: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما. • وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول. (قاله السعدي) • ومن الإحسان ألا يجاهد إلا بإذنهما. للحديث السابق. • وقد أثنى الله على يحيي بوصفه براً بوالديه: قال تعالى (وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً).

стр. 1543

• وكذلك عيسى ﵇ فيذكر الله في كتابه قوله: (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً). • نماذج من سلف الأمة: عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي. وعن ابن عون المزني: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين. قال ابن الجوزي: بلغنا عن عمر بن ذر، أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهاراً إلا كان خلفي، ولا ليلاً إلا كان أمامي، ولا رقد على سطح أنا تحته. كان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمِّه فقال: السلام عليك - يا أماه - ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام - يا ولدي - ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحِمَك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً. وعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبرَّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها. (وَبِذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا بذي القربى، وذي بمعنى صاحب، والقربى بمعنى القرابة. • قال الآلوسي: قوله تعالى (وَبِذِي القربى) أي بصاحب القرابة من أخ وعم وخال وأولاد كل ونحو ذلك. (وَالْيَتَامَى) أي: وأحسنوا إلى اليتامى (وسبق ما يتعلق باليتامى). (وَالْمَسَاكِينِ) أي: وأحسنوا إلى المساكين، والمساكين جمع مسكين، وهو المعدم الذي لا يجد شيئاً من المال، أو لا يجد ما يكفيه. • ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلاً منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معاً كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر. • وسمي المعدم مسكيناً، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء. (وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا إلى الجار ذي القربى، والجار هو من كان منزله قريباً من منزلك، وذي القربى: أي: ذي القرابة نسباً، والمعنى: والجار الذي منزله قريب من منزلك، وهو أيضاً قريب منك نسباً.

стр. 1544

(وَالْجَارِ الْجُنُبِ) أي: وأحسنوا إلى الجار الجنب، الجار: هو من منزله بجوار منزلك كما سبق، والجنُب: بمعنى البعيد منك نسباً، أي: الذي ليس بينك وبينه قرابة، والمعنى: أي: الجار القريب منزلاً البعيد نسباً، فله حق الجوار. • قال الطبري: وأولى القولين في ذلك بالصواب، قول من قال: معنى (الجنب) في هذا الموضع: الغريبُ البعيد، مسلمًا كان أو مشركًا، يهوديًا كان أو نصرانيًا، لما بينا قبل من أن (الجار ذي القربى)، هو الجار ذو القرابة والرحم، والواجب أن يكون (الجار ذو الجنابة)، الجار البعيد، ليكون ذلك وصية بجميع أصناف الجيران قريبهم وبعيدهم. وبعد، فإن (الجُنب)، في كلام العرب: البعيد. • وقال ابن عاشور: والجار هو النزيل بقرب منزلك، ويطلق على النزيل بين القبيلة في جوارها، فالمراد بـ (الجار ذي القربى) الجار النسيب من القبيلة، وبـ (الجار الجنب) الجار الغريب الذي نزل بين القوم وليس من القبيلة، فهو جُنُب، أي بعيد، مشتقّ من الجَانب. وقد جاءت الأحاديث في عظم حق الجار. قال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليكرم جاره) متفق عليه. وقال ﷺ (ما زال جبريل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه) متفق عليه. وقال ﷺ (لا يدخل الجنة من لا يأمن جاره بوائقه). والإحسان إلى الجار يكون بأنواع الإحسان، من السلام والزيارة والنصح والإرشاد والمساعدة والهدية والدعوة إلى الطعام وغير ذلك من وجوه الإحسان مع كف الأذى. (وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ) أي: وأحسنوا بالصاحب بالجنب، وهو الذي يصاحبك في جنبك. وقد اختلف فيه: فقيل: هو الزوجة. وقيل: هو الصديق. وقيل: هو الصاحب في السفر، ويمكن حمل الصاحب بالجنب على هذا كله. • قال القرطبي: قوله تعالى (والصاحب بالجنب) أي الرفيق في السفر، وقال عليّ وابن مسعود وابن أبي لَيْلَى (والصاحب بالجنب) الزوجة، وقال ابن جُريج: هو الذي يصحبك ويلزمك رجاءَ نفعك، والأوّل أصح، وقد تتناول الآية الجميع بالعموم. • وقال الطبري: والصواب من القول في تأويل ذلك عندي: أن معنى (الصاحب بالجنب) الصاحب إلى الجنب، كما يقال: فلان بجَنب فلان، وإلى جنبه، وهو من قولهم: جَنَب فلانٌ فلانًا فهو يجنُبُه جَنْبًا، إذا كان لجنبه، ومن ذلك: جَنَب الخيل، إذا قاد بعضها إلى جنب بعض، وقد يدخل في هذا: الرفيقُ في السفر، والمرأة، والمنقطع إلى الرجل الذي يلازمه رجاءَ نفعه، لأن كلهم بجنب الذي هو معه وقريبٌ منه، وقد أوصى الله تعالى بجميعهم، لوجوب حق الصاحب على المصحوب.

стр. 1545

(وَابْنِ السَّبِيلِ) أي: وأحسنوا إلى ابن السبيل، وهو المسافر، وسمي المسافر ابن سبيل لملازمته له. • فابن السبيل له حق على المقيمين أن يحسنوا إليه في سفره بمساعدته بما يحتاج إليه من مال أو دلالة أو تسهيل مهمة. • قال القرطبي: قوله تعالى (وابن السبيل) قال مجاهد: هو الذي يجتاز بك مارّاً. والسبيل الطريق، فنُسِب المسافر إليه لمروره عليه ولزومه إياه، ومن الإحسان إليه إعطاؤه وإرفاقه وهدايته ورشده. • وقال الطبري: اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك. فقال بعضهم: ابن السبيل هو المسافر الذي يجتاز مارًا، وقال آخرون: هو الضيف. والصواب من القول في ذلك: أن (ابن السبيل) هو صاحب الطريق، والسبيل: هو الطريق، وابنه: صاحبه الضاربُ فيه فله الحق على من مرّ به محتاجًا منقطَعًا به، إذا كان سفره في غير معصية الله، أن يعينه إن احتاج إلى معونة، ويضيفه إن احتاج إلى ضيافة، وأن يحمله إن احتاج إلى حُمْلان. • قال ابن عاشور: والوصاية به لأنّه ضعيف الحيلة، قليل النصير، إذ لا يهتدي إلى أحوال قوم غير قومه، وبلد غير بلده. (وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ) أي: وأحسنوا إلى ما ملكت أيمانكم من بني آدم من الأرقاء ومن الحيوان. • قال الرازي: واعلم أن الإحسان إليهم من وجوه: أحدها: أن لا يكلفهم ما لا طاقة لهم به. وثانيها: أن لا يؤذيهم بالكلام الخشن بل يعاشرهم معاشرة حسنة، وثالثها: أن يعطيهم من الطعام والكسوة ما يحتاجون إليه. وكانوا في الجاهلية يسيئون إلى المملوك فيكلفون الإماء البغاء، وهو الكسب بفروجهن وبضوعهن.

стр. 1546

• وقد جاءت النصوص بالإحسان إلى المماليك. قال ﷺ عند موته (الصلاة الصلاة وما ملكت أيمانكم) رواه ابن ماجه. وقال ﷺ (للمملوك طعامه وكسوته، ولا يكلف من العمل ما لا يطيق) رواه مسلم. وقال ﷺ (إخوانكم خولكم، جعلهم الله تحت أيديكم، فمن كان أخوه تحت يده فليطعمه مما يأكل، وليلبسه مما يلبس، ولا تكلفوهم من العمل ما يغلبهم، فإن كلفتموهم فأعينوهم عليه) متفق عليه. (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) أي: لا يحب سبحانه من اتصف بالاختيال والفخر. المختال: في هيئته ومشيته معجباً بنفسه متكبراً، والفخور: بلسانه يعدد مناقبه تطاولاً غليهم. والمعنى: أنه لا يحب من كان ذا اختيال على الناس، وتكبر بنفسه بفعله، بهيئته ومشيته. • قال القرطبي: خص هاتين الصفتين بالذكر هنا لأنهما تحملان صاحبيهما على الأنفة من القريب الفقير والجار الفقير وغيرهما ممن ذكر في الآية، فيضيع أمر الله بالإحسان إليهما. وقيل: إنما ختم هذه الآية بقول (إن اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) لئلا يقع في نفس المحسن للأصناف المذكورة زهو واختيال وافتخار بما عمل من هذا الإحسان، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى). الفوائد: ١ - وجوب عبادة الله. ٢ - تحريم الشرك. ٣ - أن الشرك بأنواعه، صغيره وكبيره، خفيه وجليه، كله محرم. ٤ - في الآية معنى (لا إله إلا الله)، لأن التوحيد نفي وإثبات، النفي في قوله (ولا تشركوا) والإثبات في قوله (اعبدوا الله)، ففيه إثبات العبادة لله وحده وبنفي عبادة ما سواه. ٥ - أن أعظم حقوق البشر حق الوالدين. ٦ - تحريم الإساءة للوالدين. ٧ - الأمر بالإحسان إلى القرابة. ٨ - الأمر بالإحسان إلى اليتامى. ٩ - الأمر بالإحسان إلى الجار سواء قريباً أم بعيداً. ١٠ - الأمر بالإحسان إلى الصاحب بالجنب. ١١ - الأمر بالإحسان إلى ابن السبيل. ١٢ - الأمر بالإحسان إلى المماليك. ١٣ - حرص الإسلام على التآلف والتحاب. ١٤ - اهتمام الإسلام بحق الضعفاء. ١٥ - الحث على الإحسان بكل أنواعه. ١٦ - الحث على الكرم وذم البخل. ١٧ - إثبات المحبة لله. ١٨ - تحريم الكبر والخيلاء انتهى شريط/ ٢٣.

стр. 1547

(الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (٣٧)). [النساء: ٣٧]. (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ) البخل: الامتناع من أداء ما أوجب الله. (وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ) أي: ومع ذلك يأمرون غيرهم بالبخل. اختلف في من نزلت هذه الآية: فقيل: نزلت في اليهود، واختاره الطبري، وقال: وإنما قلنا هذا القول أولى التأويل، لأن الله جل ثناؤه وصفهم بأنهم يأمرون الناس بالبخل، ولم يبلغنا عن أمة من الأمم أنها كانت تأمر الناس بالبخل ديانة ولا تخلقاً، بل ترى ذلك قبيحاً وتذم فاعله، .... ولذاك قلنا: إن بخلهم الذي وصفهم الله به، إنما كان بخلاً بالعلم الذي كان آتاهموه فبخلوا بتبييته للناس وكتموه. وقيل: المراد من يبخل بماله عموماً ورجحه ابن كثير وقال: وقد حمل بعض السلف هذه الآية على بخل اليهود بإظهار العلم الذي عندهم من صفة محمد ﷺ ، وكتمانهم ذلك، والظاهر من السياق أن السياق في البخل بالمال، وإن كان البخل بالعلم داخلاً في ذلك بطريق الأولى، فإن سياق الكلام في الإنفاق على الأقارب والضعفاء وكذلك الآية التي بعدها، وهي قوله (والَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) فَذَكر الممسكين المذمومين وهم البخلاء، ثم ذكر الباذلين المرائين الذي يقصدون بإعطائهم السمعة، وأن يُمدَحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله. • وفي الآية ذم البخل، وهو من الصفات القبيحة والمذمومة؟ أولاً: أنه سبب لتعسير أموره. قال تعالى (وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى). ثانياً: أنه من صفات المنافقين. قال تعالى (الْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ). ثالثاً: أن الله لا يحب الله من يبخل. قال تعالى (لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللَّهُ لا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ). رابعاً: أن من وقي شح نفسه فقد أفلح. فقال تعالى (وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).

стр. 1548

خامساً: أن من بخل فقد على نفسه. قال تعالى (فمِنْكُمْ مَنْ يَبْخَلُ وَمَنْ يَبْخَلْ فَإِنَّمَا يَبْخَلُ عَنْ نَفْسِهِ). سادساً: وهو من صفات أهل النار. قال ﷺ (إن أهل النار كل جعظري جواظ مستكبر جماع مناع) رواه أحمد. سابعاً: وهو شر ما في الرجل. قال ﷺ (شر ما في رجل شح هالع وجبن خالع) رواه أحمد. ثامناً: استعاذ النبي ﷺ منه. عن أَنَس بْن مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّى أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَات) رواه مسلم. وعَنْ زَيْد بْن أَرْقَم قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَالْهَرَمِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم. تاسعاً: سماه النبي ﷺ داء. قال رسول الله ﷺ : (من سيدكم يا بني سلمة؟ قلنا: جدُّ بن قيس إلا أنا نُبخِّله، قال: وأي داءٍ أدْوأ من البخل؟ بل سيدكم عمرو بن الجموح) رواه البخاري في الأدب المفرد. عاشراً: الملائكة تدعو على الممسك. قال ﷺ (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا ملكان ينزلان فيقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه. الحادي عشر: هو من تصديق الشيطان. قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلاً). الثاني عشر: هو سبب للظلم. قال ﷺ (اتقوا الظلم … واتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم) متفق عليه. • من كلام الحكماء: الرزق مقسوم، والحريص محروم، والحسود مغموم، والبخيل مذموم. وقال علي ﵁: البخل جلباب المسكنة، وربما دخل السخي بسخائه الجنة. وقال ابن عبد البر: أجمعت الحكماء على أربع كلمات: وهي لا تحمل قلبك ما لا يطيق، ولا تعمل عملاً ليس لك فيه منفعة، ولا تثقن بامرأة، ولا تغتر بمال وإن كثر.

стр. 1549

وقال الماوردي: قد يحدث عن البخل من الأخلاق المذمومة- وإن كان ذريعة إلى كل مذمة- أربعة أخلاق ناهيك بها ذما، وهي: الحرص، والشره، وسوء الظن، ومنع الحقوق، وإذ آل البخيل إلى ما وصفنا من هذه الأخلاق المذمومة و الشيم اللئيمة لم يبق معه خير موجود ولا صلاح مأمول. (أدب الدنيا والدين). وقال محمد بن المنكدر: كان يقال: إذا أراد الله بقومٍ شراً أمَّر عليهم شرارهم وجعل أرزاقهم بأيدي بخلائهم. وقال بعض الحكماء: البخيل ليس له خليل. وقال آخر: البخيل حارس نعمته وخازن ورثته. وقال يحيى بن معاذ: ما في القلب للأسخياء إلا حب ولو كانوا فجاراً، وللبخلاء إلا بغض ولو كانوا أبراراً. (وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) أي: ويكتمون ويخفون نعته ﷺ الموجود في التوراة، وهذا على اختيار الطبري، وعلى القول الثاني: يخفون ما عندهم من المال والغني. • اخفاء وكتم المال يكون بالقول والفعل، بالقول يقول أنا فقير، وليس عندي شيء، وبالفعل: يكون عليه ملابس وآثار المحتاجين. (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) أي: وهيأنا للكافرين - الذين ستروا نعمة الله - عذاباً مؤلماً شديداً. • لأن الكفر باللغة الستر، ومنه سمي الليل كافراً لأنه يستر الكون بظلامه، وسمي الزارع كافراً لأنه يستر الزرع، فالبخيل يستر نعمة الله عليه ويكتمها ويجحدها، فهو كافر لنعم الله. الفوائد: ١ - ذم البخل، وهو أنواع. ٢ - ذم من يكتم ما آتاه الله من فضله. ٣ - فضل الكرم. ٤ - أن النعم من الله. ٥ - إثبات وجود النار. (السبت: ٢٣/ ٢/ ١٤٣٤ هـ) انتهى شريط/ ٢٤.

стр. 1550

(وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا (٣٨) وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ وَكَانَ اللَّهُ بِهِم عَلِيمًا (٣٩)). [النساء: ٣٨ - ٣٩]. (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ) لما ذكر تعالى في الآية السابقة الممسكين المذمومين، ذكر تعالى الباذلين المرائين الذين يقصدون بإعطائهم وإنفاقهم السمعة وأن يُمدحوا بالكرم، ولا يريدون بذلك وجه الله تعالى. • قال القرطبي: قال الجمهور نزلت في المنافقين لقوله تعالى (رِئَآءَ الناس) والرئاء من النفاق. وقد جاء التهديد في الإنفاق لغير الله. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ صَفْوَانٍ عَلَيْهِ تُرَابٌ فَأَصَابَهُ وَابِلٌ فَتَرَكَهُ صَلْداً لا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِمَّا كَسَبُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْكَافِرِينَ). أي: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى، كما تبطل صدقة من راءى بها الناس، فأظهر لهم أنه يريد وجه الله وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليشكر بين الناس، أو يقال: إنه كريم ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية، مع قطع نظره عن معاملة الله تعالى وابتغاء مرضاته وجزيل ثوابه. • قال ابن الجوزي: وهذا مثل ضربه الله تعالى للمرائي بنفقته، لا يقدر يوم القيامة على ثواب شيء مما أنفق. • قال ابن القيم: وهذا من أبلغ الأمثال وأحسنها، فإنه يتضمن تشبيه قلب هذا المنفق المرائي الذي لم يصدر إنفاقه عن إيمان بالله واليوم الآخر بالحجر لشدته وصلابته وعدم الانتفاع به، وتضمن تشبيه ما علق به من أثر الصدقة بالغبار الذي علق بذلك الحجر والوابل الذي أزال ذلك التراب عن الحجر فأذهبه بالمانع الذي أبطل صدقته وأزالها كما يذهب الوابل التراب الذي على الحجر فيتركه صلداً فلا يقدر المنفق على شيء من ثوابه لبطلانه وزواله، وفيه معنى آخر وهو: أن المنفق لغير الله هو في الظاهر عامل عملا يرتب عليه الأجر ويزكو له كما تزكو الحبة التي إذا بذرت في التراب الطيب أنبتت سبع سنابل في كل سنبلة مائة حبة، ولكن وراء هذا الإنفاق مانع يمنع من نموه وزكائه كما أن تحت التراب حجراً يمنع من نبات ما يبذر من الحب فيه فلا ينبت ولا يخرج شيئاً.

стр. 1551

• قال ﷺ (إن أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم. • في هذه الآية خطر الرياء وأنه محبط للعمل. قال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر. عن جندب عند البخاري مسلم (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَاَئِي اللَّه يُراَئِي بِهِ» متفقٌ عليه وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضاً مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄. • قال النووي (سَمَّعَ) بتَشْدِيدِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً (سَمَّعَ اللَّه بِهِ) أيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَعْنى: «منْ رَاءَى» أيْ: مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ «رَاءَى اللَّه بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ. • التحذير من الرياء وصية ربانية: الله حذرنا من الرياء في الأقوال والأفعال وذلك في كثير من آيات القرآن الكريم، وبين لنا سبحانه أن الرياء يحبط الأعمال الصالحة. قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ). وقال سبحانه (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) قال ابن كثير: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الناس تقية لهم ومصانعة، ولهذا يتخلفون كثيرًا عن الصلاة التي لا يُرون فيها غالبًا كصلاة العشاء في وقت العتمة وصلاة الصبح في وقت الغلس. وهو من صفات المنافقين. قال تعالى في المنافقين (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).

стр. 1552

وقال (قل إنما أنا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فمن كان يرجو لقاء ربه فليعمل عملاً صالحاً ولا يشرك بعبادة ربه أحداً). قال ابن كثير في قوله تعالى (فليعمل عملاً صالحاً) أي: ما كان موافقًا لشرع الله، وقوله (ولا يشرك بعبادة ربه أحداً) وهو الذي يُراد به وجه الله تعالى وحده لا شريك له. وقال جل شأنه (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ). قال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات فإذا هي سيئات. وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم. وقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). وقد تقدم حديث أَبِى هُرَيْرَةَ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِي النَّارِ) رواه مسلم. عن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ : (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم يجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود

стр. 1553

وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، ليوم لا ريب فيه، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه وعن أبي سعيد مرفوعاً (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد. • قال ابن قدامة: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول: أولاً: حب لذة الحمد. ثانياً: الفرار من ألم الذم. ثالثاً: الطمع فيما في أيدي الناس. • من أقوال السلف: عن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية. قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص. وقال ابن القيم: وكل ما لم يكن لله فبركته منزوعة. وكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية. وكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً. وعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه. وقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل. وقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائياً بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته. قال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو ما يعرفه بالكليه … نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.

стр. 1554

قال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص. وقال: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به • قال ابن القيم: قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث: رجل يرائي بعمله مخلوقاً مثله ويترك أن يعمله لله. ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئاً. ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته. وقال ابن قدامة: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات. وقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم. وقال: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال. قال ابن الجوزي في صيد الخاطر: ثم تأملت العلماء والمتعلمين، فرأيت القليل من المتعلمين عليه أمارة النجابة؛ لأن أمارة النجابة طلب العلم للعمل به، وجمهورهم يطلب منه ما يصيره شبكة للكسب إما ليأخذ قضاء مكان، أو ليصير قاضي بلد، أو قدر ما يتميز به عن أبناء جنسه، ثم يكتفي. وقال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع. فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته. وقال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، وإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه فإنها تحب الظهور والثناء.

стр. 1555

وحكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة. قال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة، واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس. وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس. قال الذهبي ﵀ تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟ فيبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه. وقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله. قال عمر بن الخطاب: من خلصت نيته في الحق، ولو على نفسه، كفاه الله ما بينه وبين الناس، ومن تزين بما ليس فيه شانه الله. وكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً. وقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله. وقال: إن كل من أعرض عن شيء من الحق وجحده، وقع في باطل مُقابل لما أعرض عنه من الحق وجحده، حتى في الأعمال، من رغب عن العمل لوجه الله وحده ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لمن ضَره ونفعه وموته وحياته وسعادته بيده، فابتليَ بالعمل لمن لا يملك له شيئاً من ذلك. وكذلك من رغب عن إنفاق ماله في طاعة الله ابتُليَ بإنفاقه لغير الله وهو راغم. وقال: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه. • قال حامد اللفاف: إذا أراد الله هلاك امرئ عاقبه بثلاثة أشياء. أولها: يرزقه العلم ويمنعه عن عمل العلماء. والثانى: يرزقه صحبة الصالحين ويمنعه عن معرفة حقوقهم. والثالث: يفتح عليه باب الطاعة ويمنعه الإخلاص. وإنما يكون ذلك المذكور لخبث نيته وسوء سريرته، لأن النية لو كانت صحيحة لرزقه الله منفعة العلم، ومعرفة حقوقهم وإخلاص العمل. (وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله: معناه التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته مع عمل الجوارح بمقتضى ذلك.

стр. 1556

(وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ) وهو يوم القيامة، فلا يوقنون بلقاء الله. • وسمي اليوم الآخر بهذا الاسم، لأنه بعد انقضاء هذه الدنيا بأيامها ولياليها، فآخر ليلة منها صبيحتها ذلك اليوم الطويل ولا ليل بعده. • وكثيراً ما يقرن الله بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله. وقد روي عن عمر أنه قال (لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى) أي: لتنكّر الناس بعضهم لبعض وتهالكوا في الشرور، واعتدى بعضهم على بعض ونحو ذلك. (وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً) أي: ومن كان الشيطان صاحباً له وخليلاً يعمل بأمره فساء هذا القرين والصاحب • فالذي حملهم على هذا الفعل القبيح وعدولهم عن فعل الطاعة على وجهها الشيطان، فإنه سول لهم وأملى عليهم، وقارنهم فحسن لهم القبائح. • والمراد بالشيطان الجنس، لأن كل واحد من الناس له قرين، فالمراد الشيطان الذي هو القرين السوء. • وقد أخبر تعالى أن ترك ذكر الله قيض له شيطاناً كما قال تعالى (وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَاناً فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ). وقال تعالى (وَقَيَّضْنَا لَهُمْ قُرَنَاءَ فَزَيَّنُوا لَهُمْ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ) ومعنى (قيضنا) هيأنا لهم. فهو يحب أن يحزن المؤمن كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه. وهو يخوف المؤمنين بالأعداء. كما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: يخوفكم بأوليائه. • ويخوف بالفقر.

стр. 1557

كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) فيخوف المسلم من الفقر وذلك لأمور: أولاً: ليُمسك عن الصدقة فيحرمه أجرها وثوابها العظيم. ثانياً: ليصيبه بالقلق والحزن. ثالثاً: ليشك بوعد الله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه). رابعاً: ليقدم على أكل الحرام خوفاً من الفقر كما قال تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين). • ويحث على الرياء في الإنفاق والتبذير. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً). وكما قال تعالى (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً). • ومن أعماله: الدعوة إلى الكفر والارتداد عن الدين. كما قال تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ). وقال تعالى عن الهدهد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ). وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ). • ومن أعماله: زرع العداوة والبغضاء بين الناس. كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ). وقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).

стр. 1558

وقال تعالى عن يعقوب (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً). • ومن تزيينه تسمية المعاصي بأسماء محببة لكي يخفي خبثها. كما قال لآدم (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى). قال ابن القيم: وقد ورّث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تُحِبُ النفوسُ مسمياتها، فسموا الخمر بأم الأفراح. وفي عصرنا يسمون الربا بالفائدة، والتبرج الفاضح بحرية المرأة، والمغنية الفاسقة بالفنانة. (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ) أي: وأي شيء يكرثُهم هؤلاء الذين ينفقون أموالهم رئاء الناس ولا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر. (لَوْ آمَنُوا بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) لو صدقوا بأن الله واحد لا شريك له، وأخلصوا له التوحيد، وأيقنوا بالعبث بعد الموت (وَأَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ) أي: وأنفقوا أموالهم في الوجه التي يحبها الله ويرضهاها، ولم ينفقوها رئاء الناس، التماس الذكر والفخر والمحمدة عند الناس. (وَكَانَ اللَّهُ) بهؤلاء الذين وصف صفتهم. (بِهِمْ عَلِيماً) أي: ذا علم بهم وبأعمالهم، وما يقصدون ويريدون بإنفاقهم ما ينفقون من أموالهم، وأنهم يريدون بذلك الرياء والسمعة والمحمدة عند الناس، وهو حافظ عليهم أعمالهم، لا يخفى عليه شيء منها، حتى يجازيهم بها جزاءهم عند معادهم إليه. • قال ابن الجوزي: تهديد لهم على سوء مقصدهم. الفوائد: ١ - تحريم الرياء. ٢ - خطر الرياء على النفوس، ولذلك خافه النبي ﷺ على الصحابة. ٣ - أن الذين يبخلون بما آتاهم الله من فضله بإنفاق المال على وجه لا خير فيه، فمن عدل عن المشروع ابتلي بالممنوع. ٤ - أن سبب الرياء نقص في الإيمان بالله وباليوم الآخر. ٥ - وجوب الإخلاص في الإنفاق. ٦ - الحذر من مقارنة الشيطان. ٧ - توبيخ من لم يؤمن بالله واليوم الآخر. ٨ - فضيلة الإنفاق في سبيل الله. ٩ - إثبات علم الله بأحوال عباده. ١٠ - الحذر من أمراض القلوب لأن الله مطلع عليها. (الأحد: ٢٤/ ٢/ ١٤٣٤ هـ) انتهى شريط ٢٥.

стр. 1559

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا (٤٠)). [النساء: ٤٠]. (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: إن الله لا يبخس أحداً من ثواب عمله ولا يزيد في عقابه شيئاً مقدار ذرة. كما قال تعالى (ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ) فلا ينقص من ثوابهم شيئاً، ولا يزاد في عذابهم، ولا يعاقبون بجريرة غيرهم. وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً) ظلماً: أي: زيادة في السيئات (ولا هضماً) أي نقصاً في الحسنات. وقال تعالى (الْيَوْمَ تُجْزَى كُلُّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ لَا ظُلْمَ الْيَوْمَ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ). • فالله لا يظلم أحداً لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم. • والذرة النملة الصغيرة، وهذا مثل ضربه الله تعالى لأقل الأشياء، والمعنى: أن الله تعالى لا يظلم أحداً شيئاً قليلاً ولا كثيراً. • قوله تعالى (مِثْقَالَ ذَرَّةٍ) أي: زنة ذرة، والذرة يضرب بها المثل في التحقير، وإلا فإن الله لا يظلم مثقال ذرة ولا دونها، [وما جيء به على سبيل التحقير أو التكثير فلا مفهوم له]. وقد جاءت آيات كثيرة في معنى هذه الآية: قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ). وقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) وقال تعالى (وَكُلُّ شَيْءٍ فَعَلُوهُ فِي الزُّبُرِ. وَكُلُّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ مُسْتَطَرٌ). (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً) أي: وإن تك الفعلة التي يفعلها الإنسان حسنة. (يُضَاعِفْهَا) أي: يجزي أكثر منها. • والمضاعفة قد تكون إلى عشر أضعاف، وقد يكون إلى سبعمائة ضعف، وأحياناً أكثر من ذلك. فالتضعيف إلى عشرة أضعاف فلقوله تعالى (مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا). والتضعيف إلى سبعمائة ضعف فلقوله تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ). (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: حسب إخلاصه. • وفي هذا سعة رحمة الله، وأن رحمته سبقت غضبه.

стр. 1560

(وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ) أي: من عنده. (أَجْراً) أي: ثواباً. (عَظِيماً) ذا عظمة كثيرة لا يتصورها الإنسان، وهو الجنة وما فيها من النعيم ورؤية العزيز الحكيم، مما لا يقدر قدر عظمته إلا من وصفه بأنه عظيم، كما قال تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وعن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (قال الله: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، فاقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). الفوائد: ١ - تنزيه الله عن الظلم لكمال عدله. ٢ - إثبات علم الله تعالى الكامل. ٣ - أن الله تعالى يضاعف الحسنات. ٤ - أن رحمة الله سبقت غضبه.

стр. 1561

(فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا (٤١) يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الأَرْضُ وَلَا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثًا (٤٢)). [النساء: ٤١ - ٤٢]. (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ) الاستفهام للتعجب والتوبيخ، أي: يخبر تعالى عن هول يوم القيامة وشدة أمره وشأنه، فكيف يكون الأمر والحال يوم القيامة حين يجيء من كل أمة بشهيد - يعني الأنبياء ﵈؟ كما قال تعالى (وَأَشْرَقَتِ الْأَرْضُ بِنُورِ رَبِّهَا وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ وَقُضِيَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ). وقال تعالى (وَيَوْمَ نَبْعَثُ مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ شَهِيداً ثُمَّ لا يُؤْذَنُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا وَلا هُمْ يُسْتَعْتَبُونَ). فالرسول ﷺ يشهد على أمته بأنه بلغ رسالة ربه. • وهناك شهادة عامة، وهي شهادة هذه الأمة على من قبلها من الأمم، كما قال تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً). • قوله تعالى (من كل أمة) الأمة تطلق في القرآن على أربع معان: الأمة بمعنى جماعة من الناس، كقوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). والأمة بمعنى الملة والدين، كما قال تعالى (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ). والأمة بمعنى الإمامة في الدين، كقوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). والأمة بمعنى الزمن، كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِ). (وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاءِ شَهِيداً) أي: وجئنا بك يا محمد شهيداً على أمتك. قيل: المراد كفار قريش، وقيل: هذه الأمة، وهذا الصحيح، لقوله قبل ذلك (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء … ). أمة الدعوة. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اقْرَأْ عَلَيَّ الْقُرْآنَ، قَالَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ قَالَ «إِنِّي أَشْتَهِي أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي». فَقَرَأْتُ النِّسَاءَ حَتَّى إِذَا بَلَغْتُ (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيداً) رَفَعْتُ رَأْسِي أَوْ غَمَزَنِي رَجُلٌ إِلَى جَنْبِي فَرَفَعْتُ رَأْسِي فَرَأَيْتُ دُمُوعَهُ تَسِيلُ) متفق عليه. (يَوْمَئِذٍ) أي: في ذلك اليوم الرهيب العظيم، يوم نأتي من كل أمة بشهيد، وبك شهيدً على هؤلاء.

стр. 1562

(يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: جحدوا ما وجب الإيمان به والإقرار به. (وَعَصَوُا الرَّسُولَ) أي: خالفوا أمره، فلم يمتثلوا الأمر، ولم يجتنبوا النهي، لأن المعصية تشمل: التفريط في الأمر وفعل النهي. (لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) أي: لو انشقت وبلعتهم، مما يرون من أهوال الموقف، وما يحل بهم من الخزي والفضيحة والتوبيخ. • قال الرازي: ذكروا في تفسير قوله (لوْ تسوى بِهِمُ الأرض) وجوهاً: الأول: لو يدفنون فتسوى بهم الأرض كما تسوى بالموتى. والثاني: يودون أنهم لم يبعثوا وأنهم كانوا والأرض سواء. الثالث: تصير البهائم ترابا فيودون حالها كقوله (يا ليتني كُنتُ تراباً). • قال القرطبي: المعنى لو يسوّي الله بهم الأرض، أي يجعلهم والأرضَ سواء. ومعنى آخر: تَمنّوا لو لم يبعثهم الله وكانت الأرض مستوية عليهم؛ لأنهم من التراب نقلوا. • وقال الشنقيطي: قوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَعَصَوُا الرَّسُولَ لَوْ تُسَوَّى بِهِمُ الْأَرْضُ) عَلَى الْقِرَاءَاتِ الثَّلَاثِ مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ أَنَّ يَسْتُوُوا بِالْأَرْضِ، فَيَكُونُوا تُرَابًا مِثْلَهَا عَلَى أَظْهَرِ الْأَقْوَالِ، وَيُوَضِّحُ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى (يَوْمَ يَنْظُرُ الْمَرْءُ مَا قَدَّمَتْ يَدَاهُ وَيَقُولُ الْكَافِرُ يَالَيْتَنِي كُنْتُ تُرَابًا). (وَلا يَكْتُمُونَ اللَّهَ حَدِيثاً) قال ابن كثير: أخبر تعالى بأنهم يعترفون بجميع ما فعلوه، ولا يكتمون منه شيئاً. قيل: المعنى يودّ لو أن الأرض سوّيت بهم وأنهم لم يكتموا الله حديثاً؛ لأنه ظهر كذبهم. وقيل: أن قوله (ولا يكتمون الله حديثاً) كلام مستأنف لا يتعلق بقوله: لو تسوى بهم الأرض، هذا قول الفرّاء، والزجاج، ومعنى: لا يكتمون الله حديثاً: لا يقدرون على كتمانه، لأنه ظاهر عند الله.

стр. 1563

• فإن قيل: كيف الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِين)؟ فالجواب: قيل: إن عدم الكتم المذكور هو باعتبار إخبار أيديهم وأرجلهم بكل ما عملوا عند الختم على أفواههم، كما قال تعالى (الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَى أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وقيل: إن مواطن القيامة كثيرة، فموطن لا يتكلمون فيه وهو قوله (فَلا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْساً) وموطن يتكلمون فيه كقولهم (واللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ) فيكذبون في موطن، وفي مواطن أخرى يعترفون على أنفسهم بالكفر ويسألون الرجعة وهو قولهم (يَا لَيْتَنَا نُرَدُّ وَلا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). الفوائد: ١ - بيان عظمة هذه الشهادة. ٢ - أن الناس يوم القيامة تقام عليهم الأشهاد. ٣ - أن كل رسول يشهد على قومه بأنه بلغهم. ٤ - بيان حال ما تؤول إليه حال الكفرة العاصين للرسول ﷺ . ٥ - الحذر من معصية الرسول. ٦ - شدة حسرة أولئك الكفار يوم القيامة. (الثلاثاء: ٢٧/ ٢/ ١٤٣٤ هـ) … انتهى الشريط/ ٢٦ …

стр. 1564

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلاَّ عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّىَ تَغْتَسِلُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا (٤٣)). [النساء: ٤٣]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تقدم فائدة تصدير النداء بهذا. (لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) قال ابن كثير: ينهى الله تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر الذي لا يدري معه المصلي ما يقول، وعن قربان محلها وهي المساجد للجنب. • فالمراد بالصلاة عند كثير من العلماء: الهيئة المخصوصة من قراءة وقيام وركوع وسجود، والمراد بقربها: القيام إليها والتلبس بها، إلا أنه - سبحانه - نهى عن القرب منها مبالغة في النهى عن غشيانها وهم بحالة تتنافى مع جلالها والخشوع فيها، ومن العلماء من يرى أن المراد بالصلاة هنا: مواضعها وهي المساجد. • قال الرازي: قوله تعالى (لَا تَقْرَبُواْ الصَّلَاةَ) في لفظ الصلاة قولان: أحدهما: المراد منه المسجد، وهو قول ابن عباس وابن مسعود والحسن، وإليه ذهب الشافعي. واعلم أن إطلاق لفظ الصلاة على المسجد محتمل، ويدل عليه وجهان: الأول: أنه يكون من باب حذف المضاف، أي لا تقربوا موضع الصلاة، وحذف المضاف مجاز شائع، والثاني: قوله: (لَّهُدّمَتْ صوامع وَبِيَعٌ وصلوات) والمراد بالصلوات مواضع الصلوات، فثبت أن إطلاق لفظ الصلاة والمراد به المسجد جائز. والقول الثاني: وعليه الأكثرون: أن المراد بالصلاة في هذه الآية نفس الصلاة، أي لا تصلوا إذا كنتم سكارى. • قال (لا تقربوا) ولم يقل (لا تصلوا وأنتم سكارى) مبالغة في النهي. • الصلاة يشمل فرضها ونفلها. • السكارى جمع سكران وهو: من زال عقله بالخمر على سبيل اللذة والنشوة والطرب، وقيل: سكارى من النوم، وهذا قول ضعيف. • قال القرطبي: والجمهور من العلماء وجماعة الفقهاء على أن المراد بالسكر سكر الخمر؛ إلا الضحاك فإنه قال: المراد سكر النوم؛ لقوله ﷺ (إذا نعس أحدكم في الصلاة فلْيرقُدْ حتى يذهب عنه النوم، فإنه لا يدري لعلّه يستغفر فيَسبّ نفسه)

стр. 1565

وقال عَبيدة السّلمانِيّ (وَأَنْتُمْ سُكَارَى) يعني إذا كنت حاقناً؛ لقوله ﷺ (لا يصلِّيَنَّ أحدكم وهو حاقن) في رواية (وهو ضام بين فخذيه). قلت: وقول الضحاك وعَبيدة صحيح المعنى؛ فإن المطلوب من المصلِّي الإقبالُ على الله تعالى بقلبه وترك الالتفات إلى غيره، والخلُّو عن كل ما يشوِّش عليه من نوم وحُقنة وجوع، وكل ما يشغَل البال ويغيّر الحال، قال ﷺ (إذا حضر العَشاء وأُقيمت الصلاة فابدئوا بالعَشاء) فراعى ﷺ زوال كلِّ مشوّش يتعلّق به الخاطر، حتى يُقبل على عبادة ربّه بفراغ قلبه وخالص لُبِّه، فيخشع في صلاته. • قال الرازي: المراد من (وَأَنتُمْ سُكَارَى) السكر من الخمر وهو نقيض الصحو، وهو قول الجمهور من الصحابة والتابعين، … ثم قال بعد أن ذكر القول الثاني، واعلم أن الصحيح هو القول الأول، ويدل عليه وجهان: الأول: أن لفظ السكر حقيقة في السكر من شرب الخمر، والأصل في الكلام الحقيقة، فأما حمله على السكر من العشق، أو من الغضب أو من الخوف، أو من النوم، فكل ذلك مجاز، وإنما يستعمل مقيداً. الثاني: أن جميع المفسرين اتفقوا على أن هذه الآية إنما نزلت في شرب الخمر وقد ثبت في أصول الفقه أن الآية إذا نزلت في واقعة معينة ولأجل سبب معين، امتنع أن لا يكون ذلك السبب مراداً بتلك الآية. (حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) (حنى) للغاية والتعليل. للغاية: أي: لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى إلى أن تصحوا وتعلموا ما تقولون. وللتعليل: أي: لأجل أن تعلموا ما تقولون. فلا يجوز للسكران أن يقرب الصلاة حتى يصحو، ولأجل أن يعلم ما يقول. • الخطاب في الآية للصاحين لا للسكارى، وهذا قبل نزول تحريم الخمر. • هذه الآية تمثل مرحلة من مراحل التشريع الإسلامي في التدرج في تحريم الخمر، فكان التحريم فيها مؤقتاً بوقت الصلاة، وكانوا يشربونها في غير أوقات الصلاة، ثم نزل بعد ذلك التحريم النهائي والقطعي للخمر.

стр. 1566

قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه وألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعاً باتاً، فنزل في شأنه أولا قوله تعالى: (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا)، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه، حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئاً إثمه أكبر من نفعه. ثم نزل ثانياً قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ)، فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات، وهي أوقات الصلوات. ثم نزل ثالثاً قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ. وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ). فكان في هذه الآيات المنع من الخمر منعاً باتاً في جميع الأوقات، بعد أن هيئت النفوس، ثم مرنت على المنع منه في بعض الأوقات. • قال السعدي: ويؤخذ من المعنى منع الدخول في الصلاة في حال النعاس المفرط، الذي لا يشعر صاحبه بما يقول ويفعل، بل لعل فيه إشارة إلى أنه ينبغي لمن أراد الصلاة أن يقطع عنه كل شاغل يشغل فكره، كمدافعة الأخبثين والتوق لطعام ونحوه كما ورد في ذلك الحديث الصحيح. وقد جاء في الحديث عن عائشة. قال: قال رسول الله ﷺ (إِذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُصَلِّي فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّومُ، فإِنَّ أحدكم إِذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لا يَدْرِي لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَه) متفق عليه.

стр. 1567

(وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا) الواو عاطفة، أي: ولا تقربوها - مواضع الصلاة - وأنتم جنب إلا في حال كونكم مجتازين مارين بها مروراً دون اللبث (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) أي: إلى أن تغتسلوا. • قال ابن جرير: … ولا تقربوها أيضاً - أي المساجد - جنباً حتى تغتسلوا، إلا عابري سبيل. • وقال ابن كثير: ينهى تعالى عباده المؤمنين عن فعل الصلاة في حال السكر … وعن قربان محلها وهي المساجد للجنب إلا أن يكون مجتازاً من باب إلى باب من غير مكث. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى: (وَلا جُنُباً إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ) فيه قولان: أحدهما: أن المعنى: لا تقربوا الصلاة وأنتم جنب إِلا أن تكونوا مسافرين غير واجدين للماء فتتيمموا، وتُصلُّوا. وهذا المعنى مروي عن علي ﵁، ومجاهد، والحكم، وقتادة، وابن زيد، ومقاتل، والفراء، والزجاج. والثاني: لا تقربوا مواضع الصلاة وهي المساجد وأنتم جنب إِلا مجتازين، ولا تقعدوا. وهذا المعنى مروي عن ابن مسعود، وأنس بن مالك، والحسن، وسعيد بن المسيّب، وعكرمة، وعطاء الخراساني، والزهري، وعمرو بن دينار، وأبي الضحى، وأحمد، والشافعي، وابن قتيبة. وعن ابن عباس، وسعيد ابن جبير، كالقولين. فعلى القول الأول: (عابر السبيل) المسافر، و (قربان الصلاة) فعلها، وعلى الثاني: (عابر السبيل) المجتاز في المسجد، و (قربان الصلاة) دخول المسجد الذي تفعل فيه الصلاة. • والجنب: من وجب عليه غسل بإحتلام أو جماع، وسمي بذلك: لأن الماء (المني) انتقل من محله، وقيل: لأن الجنب يجتنب العبادات من صلاة وقراءة قرآن وغيرها. • والاغتسال: صب الماء على الجسد. • قال ابن كثير: قوله تعالى (حَتَّى تَغْتَسِلُوا) دليل لما ذهب إليه الأئمة الثلاثة: أبو حنيفة ومالك والشافعي: أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد حتى يغتسل أو يتيمم إن عدم الماء. • ثم ذكر تعالى الحالات التي لا يجب فيها الغسل، بل يغني عنه التيمم. (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى) والمريض: من به علة، وأطلق الله هنا المرض، والمراد به المرض الذي يخاف من استعمال الماء معه التلف على نفسه، أو تلف عضو من أعضائه، أو يخاف باستعمال الماء زيادة المرض أو تأخر البرء، فكل مريض يضره استعمال الماء جاز له التيمم.

стр. 1568

(أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي: مسافرين، والسفر: هو الضرب في الأرض والسير فيها، وسمي بذلك، لأنه خروج من البلد إلى حيث السفر والنور، فسمي السفر بذلك، لأن الناس ينكشفون عن أماكنهم، وقيل: لأنه يسفر عن أخلاق الرجال. • والسفر هنا مطلق، لكنه مقيد بعدم وجود الماء لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا). • فذكر السفر في الآية الكريمة مبني على الغالب، أن السفر مظنة فقد الماء، أما السفر نفسه فليس عذراً يبيح التيمم. (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (أو) بمعنى الواو، والتقدير: وإن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط، لأن المجيء من الغائط ليس قسيماً للمرض والسفر، ولا نوعاً منهما. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ) (أو) بمعنى الواو، لأنها لو لم تكن كذلك، لكان وجوب الطهارة على المريض والمسافر غير متعلق بالحدث. • وقال القرطبي: و (أو) بمعنى الواو، أي: إن كنتم مرضى أو على سفر، وجاء أحد منكم من الغائط فتيمموا، فالسبب الموجب للتيمم على هذا هو الحدث لا المرض والسفر. • والغائط المكان المنخفض من الأرض، عبر به عن الخارج المستقذر من البول والغائط، لأن الناس فيما سبق كانوا يقصدون هذه الأماكن لقضاء الحاجة تستراً عن أعين الناس، فسميَ به الخارج من الإنسان من تسمية الشيء باسم مكانه. • في الآية أن البول والغائط من نواقض الوضوء. لهذه الآية (أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ). ولحديث صفوان بن عسال (أمرنا رسول الله ﷺ إذا كنا سفراً أن لا ننزع خفافنا إلا من جنابة، ولكن من بول وغائط ونوم) رواه الترمذي. وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ). متفق عليه قال ابن قدامة: الخارج من السبيلين على ضربين: معتاد كالبول والغائط والمني والمذي والودي والريح، فهذا ينقض الوضوء إجماعاً. (أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ) اختلف العلماء في المراد بالملامسة هنا على قولين: القول الأول: أنه مجرد اللمس باليد. القول الثاني: أنه الجماع. وهذا قول قابن عباس، واختاره ابن جرير في تفسيره. وقد ورد في القرآن الكريم التعبير عن الجماع بالمس في غير ما آية:

стр. 1569

قال تعالى (لاَّ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاء مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً). وقال تعالى: (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ). وقال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتِّعُوهُنَّ وَسَرِّحُوهُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا). ثم الآية عند التأمل تدل على هذا القول (أن المراد بالملامسة فيها الجماع) وبيان ذلك: أن الله تعالى قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ) فهذه طهارة بالماء أصليّة صغرى. ثم قال (وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا) فقوله (فَتَيَمَّمُواْ) هذا البدل، وقوله (أَوْ جَاء أَحَدٌ مِّنكُم مِّن الْغَآئِطِ) هذا بيان سبب الصغرى، قوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) هذا بيان سبب الكبرى، ولو حملناه على المس الذي هو الجسُّ باليد، كانت الآية الكريمة ذكر الله فيها سببين للطهارة الصغرى، وسكت الله عن سبب الطهارة الكبرى، مع أنه قال (وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ) وهذا خلاف البلاغة القرآنية، وعليه فتكون الآية دالة على أن المراد بقوله (أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاء) أي: جامعتم ليكون الله تعالى ذكر السببين الموجبين للطهارة. (الشرح الممتع) • في هذا أن الجنب إذا لم يجد الماء يتيم، ويدل ذلك حديث عمران بن حصين (أن رسول الله ﷺ رأى رجلاً معتزلاً لم يصلّ في القوم، فقال: يا فلان، ما منعك أن تصلي في القوم؟ قال: يا رسول الله، أصابتني جنابة ولا ماء، فقال: عليك بالصعيد فإنه يكفيك) متفق عليه • قال النووي: ولم يخالف فيه أحد من الخلف ولا أحد من السلف إلا ما جاء عن عمر وعبد الله بن مسعود، وحكي مثله عن إبراهيم النخعي التابعي، وقيل إن عمر وعبد الله رجعا عنه.

стр. 1570

(فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) أي: فلم تجدوا الذي تتطهرون به، وذلك بعد طلبه. • قال ابن تيمية: فقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) يتعلق بقوله تعالى (على سفر) لا بالمرض، والمريض يتيمم وإن وجد الماء، والمسافر إنما يتيمم إذا لم يجد الماء. (فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً) أي: اقصدوا عند عدم وجود الماء التراب الطاهر فتطهروا به. والتيمم لغة: القصد، قال تعالى (وَلا تَيَمَّمُوا الْخَبِيثَ مِنْهُ تُنْفِقُونَ) أي: ولا تقصدوا الرديء منه تنفقون. وشرعاً: ضرب اليدين بوجه الأرض ومسح الوجه واليدين بهما. • قال السعدي: الحاصل، أن الله تعالى أباح التيمم في حالتين، حال عدم الماء، وهذا مطلقاً في الحضر والسفر، وحال المشقة باستعماله بمرض ونحوه. (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) هذه صفة التيمم، أي: فامسحوا وجوهكم وأيديكم بذلك التراب. • قوله تعالى (صَعِيداً) الصعيد وجه الأرض، لأنه صاعد ظاهر، سواء كان تراباً أو رملاً أو حجارة أو غير ذلك. • قوله تعالى (طَيِّباً) قيل: طاهراً، وقيل: حلالاً، وقيل: غير ذلك، والصحيح الأول. مباحث التيمم: أولاً: فيه مشروعية التيمم عند فقد الماء. فإذا كان غير واجد للماء لا في بيته، ولا في رحله إن كان مسافراً، ولا ما قرب منه؛ فإنه يشرع له التيمم لهذه الآية. عن حُذَيْفَةَ. قال: قال ﷺ (وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا، إِذَا لَمْ نَجِدِ اَلْمَاءَ) رواه مسلم. وَعَنْ عَلِيٍّ. قال: قال ﷺ (وَجُعِلَ اَلتُّرَابُ لِي طَهُورًا) رواه أحمد. وعن أبي ذر. قال: قال ﷺ (إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم يجد الماء عشر سنين فإذا وجد الماء فليمسه بشرته فإن ذلك خير) رواه الترمذي. ثانياً: وهو من خصائص هذه الأمة. عن جَابِر بْن عَبْدِ اللَّه أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ قَالَ (أُعْطِيتُ خَمْساً لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، وَجُعِلَتْ لِيَ الأَرْضُ مَسْجِداً وَطَهُوراً، فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِى أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ، وَأُحِلَّتْ لِيَ الْمَغَانِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لأَحَدٍ قَبْلِي، وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً، وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه.

стр. 1571

ثالثاً: وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. لهذه الآية التي معنا. وللأحاديث السابقة. وأجمعت الأمة على جواز التيمم من حيث الجملة. (نقل الإجماع النووي وابن قدامة). رابعاً: وجوب طلب الماء. فيجب عليه قبل التيمم أن يبحث ويطلب الماء، في رحله وبقربه وبدلالة. لقوله تعالى (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا) ولا يقال: لم يجد الماء إلا بعد الطلب. خامساً: أنه إذا وجد الماء بطل التيمم. • ووجود الماء للمتيمم له أحوال: الحالة الأولى: أن يجد الماء قبل الصلاة، ففي هذه الحالة يجب عليه أن يتوضأ ويبطل تيممه. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم كما أمر، ثم وجد الماء قبل دخوله في الصلاة، أن طهارته تنتقض وعليه أن يعيد الطهارة ويصلي. الحالة الثانية: أن يجد الماء بعد خروج وقت الصلاة، فلا إعادة عليه بالإجماع. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أن من تيمم وصلى، ثم وجد الماء بعد خروج الوقت، أن لا إعادة عليه. الحالة الثالثة: أن يجد الماء بعد الصلاة وقبل خروج الوقت، فلا إعادة عليه عند جماهير العلماء. لحديث أَبِي سَعِيدٍ اَلْخُدْرِيِّ ﵁ قَالَ (خَرَجَ رَجُلَانِ فِي سَفَرٍ، فَحَضَرَتْ اَلصَّلَاةَ -وَلَيْسَ مَعَهُمَا مَاءٌ- فَتَيَمَّمَا صَعِيدًا طَيِّبًا، فَصَلَّيَا، ثُمَّ وَجَدَا اَلْمَاءَ فِي اَلْوَقْتِ. فَأَعَادَ أَحَدُهُمَا اَلصَّلَاةَ وَالْوُضُوءَ، وَلَمْ يُعِدِ اَلْآخَرُ، ثُمَّ أَتَيَا رَسُولَ اَللَّهِ ﷺ فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ، فَقَالَ لِلَّذِي لَمْ يُعِدْ: "أَصَبْتَ اَلسُّنَّةَ وَأَجْزَأَتْكَ صَلَاتُكَ" وَقَالَ لِلْآخَرِ: "لَكَ اَلْأَجْرُ مَرَّتَيْنِ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ والنَّسَائِيّ. وقال عطاء والقاسم بن محمد ومكحول وابن سيرين والزهري: يعيد الصلاة. الحالة الرابعة: أن يجد الماء أثناء الصلاة، فهذه موضع خلاف بين العلماء: القول الأول: أنه يبطل تيممه، ويجب أن يتوضأ ويعيد الصلاة. وبهذا قال أبو حنيفة والإمام أحمد وبه قال الثوري واختاره ابن عبد البر. أ-لقوله تعالى (فلم تجدوا ماءً فتيمموا … ) وهذا وجد الماء. ب-ولحديث ( … فَإِذَا وَجَدَ اَلْمَاءَ فَلْيَتَّقِ اَللَّهَ، وَلْيُمِسَّهُ بَشَرَتَهُ) وهذا وجد الماء. ج - ولأن من وجد الماء في أثنائها قد قدر على استعمال الماء فبطل تيممه كالخارج من الصلاة.

стр. 1572

القول الثاني: أنه يكمل صلاته ولا يقطعها. وبهذا قال مالك، والشافعي، وداود الظاهري، ورجحه ابن المنذر. لقوله تعالى (ولا تبطلوا أعمالكم). والراجح القول الأول. سادساً: أنه لابد للتيمم من النية. لقوله (فتيمموا). قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية. سابعاً: ما الحكم إذا وجد الماء لكن بثمن زائد؟ قيل: يعدل إلى التيمم ولو معه قيمته. وعللوا ذلك بأن هذه الزيادة تجعله في حكم المعدوم. وقيل: إن كان قادراً على شرائه لوجود ثمنه عنده؛ فإنه يشتريه إذا لم يكن عليه ضرر. لأن الله يقول (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً) والماء هنا موجود، وهذا القول هو الصحيح. ثامناً: ما الحكم لو وجد ماء يكفي بعض طهره؟ (مثال: إنسان عنده ماء يكفي لغسل الوجه واليدين فقط). فقيل: يجب أن يستعمل الماء أولاً ثم يتيمم. لقوله تعالى (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا). ولقوله ﷺ (إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم) متفق عليه. وليصدق عليه أنه عادم للماء إذا استعمله قبل التيمم. وقيل: يتيمم ولا يلزم استعماله، والأول أرجح. تاسعاً: صفة التيمم. هو أن تضرب بيديك الأرض ضربة واحدة بلا تفريج للأصابع وتمسح وجهك بكفيك، ثم تمسح الكفين بعضهما ببعض. قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: كيفية التيمم: أن يضرب الأرض الطاهرة بيديه ضربة واحدة يمسح بهما جميع وجهه، ثم يمسح كفيه بعضهما ببعض. عاشراً: هل التيمم يكون إلى الكوع أو إلى المرفقين؟ اختلف العلماء في هذه المسألة على أقوال، والصحيح أن المسح يكون إلى الكوع. وهذا مذهب مكحول وعطاء والأوزاعي وأحمد، قال ابن المنذر: وبه أقول. وحكاه الخطابي عن عامة أصحاب الحديث. لحديث عمار (وفيه … إِنَّمَا كَانَ يَكْفِيكَ أَنْ تَقُولَ بِيَدَيْكَ هَكَذَا" ثُمَّ ضَرَبَ بِيَدَيْهِ اَلْأَرْضَ ضَرْبَةً وَاحِدَةً، ثُمَّ مَسَحَ اَلشِّمَالَ عَلَى اَلْيَمِينِ، وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَوَجْهَه) متفق عليه.

стр. 1573

الحادي عشر: فروض التيمم. أولاً: النية. قال ابن قدامة: لا نعلم خلافاً في أن التيمم لا يصح إلا بنية. ثانياً: مسح الوجه واليدين. لقوله تعالى (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ). ولحديث الباب (وَضَرَبَ بِكَفَّيْهِ اَلْأَرْضَ، وَنَفَخَ فِيهِمَا، ثُمَّ مَسَحَ بِهِمَا وَجْهَهُ وَكَفَّيْه). الثاني عشر: حكم الترتيب في التيمم في الحدث الأصغر؟ الراجح أنه واجب، وهو أن يبدأ بالوجه ثم باليدين. أ-لقوله تعالى: (فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ) فبدأ بالوجه قبل اليدين، وقد قال النبي ﷺ : (أبدأ بما بدأ الله به) ب- ولحديث عمار السابق، حيث فعل التيمم مرتباً. ج-ولأن التيمم مبني على الطهارة بالماء، والترتيب فرض فيها (وقد تقدم أن الترتيب واجب في الوضوء). (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً) العفو سم من أسماء الله تعالى، يدل على إثبات صفة العفو الواسع لله ومعناه: المتجاوز عن ذنوب عباده، فيمحوها ولا يعاقبهم عليها. قال ابن القيم: وهو العفو بعفوه وسع الورى لولا غار الأرض بالسكان. وعفوه عفو كامل مع القدرة على العقوبة، بخلاف عفو المخلوق فقد يكون عن ضعف وعدم قدرة، ولهذا قرن الله عفوه بالقدرة فقال (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً). ومن كمال عفوه سبحانه، أنه مهما أسرف العبد على نفسه ثم تاب ورجع غفَرَ له جميع جرمه كما قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه سبحانه ما ترك على الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرُف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ). وقد حث سبحانه عباده على العفو والصفح وقبول الأعذار من رعاياهم وأصدقائهم مرة بعد مرة كما قال تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وقد نزلت في الصديق حين حلف ألا يُنفق على مِسْطَح وهو من ذوي رحمه، بعد أن خاض مع الخائضين في حديث الإفك، ونزل القرآن ببراءة الصّدّيقة.

стр. 1574

وقال تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). وقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). وقال سبحانه مخاطباً نبيه ﷺ (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ). ومدح بذلك عباده المؤمنين فقال (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وقال ﷺ ( … وما زاد الله عبداً بعفوٍ إلا عزاً) رواه مسلم (غَفُوراً) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته. وإذا اجتمع العفو مع الغفور - كما في هذه الآية - حمل العفو على العفو عن ترك الواجب، والغفور عن ارتكاب المحرم، وإذا انفرد العفو عن الغفور كما في قوله تعالى (فإن الله كان عفواً قديراً) أو انفرد الغفور عن العفو كما في قوله (وربك الغفور ذو الرحمة) حمل كل منهما على التجاوز عن الذنوب كلها من ترك واجب أو فعل محرّم. الفوائد: ١ - الحث على الاتصاف بوصف الإيمان. ٢ - أن الخمر حين نزول الآية كان حلالاً. ٣ - أن حد السكر أن لا يعلم ما يقول. ٤ - تحريم الصلاة مع السكر، وأنها لا تصح. ٥ - ينبغي للمصلي الخشوع والإقبال على الله. ٦ - أنه يحرم على الجنب المكث في المسجد. ٧ - أنه يجوز للجنب للمرور والاجتياز بالمسجد. ٨ - أنه إذا اغتسل الجنب جاز له اللبث في المسجد. ٩ - جواز التيمم للمريض الذي يشق عليه استعمال الماء. ١٠ - جواز التيمم للمسافر إذا لم يجد الماء. ١١ - أن البول والغائط ناقضان من نواقض الوضوء. ١٢ - أن الجماع موجب للغسل. ١٣ - أن التيمم يشرع عند فقد الماء. ١٤ - وجوب طلب الماء والبحث عنه قبل التيمم. ١٥ - أن وجوب الماء مبطل للتيمم. ١٦ - اشتراط النية للتيمم. ١٧ - أنه لا يصح التيمم بالصعيد النجس. ١٨ - إثبات هذين الاسمين لله تعالى وهما: العفو والغفور. (السبت: ٣٠/ ٢/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1575

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ (٤٤) وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (٤٥)). [النساء: ٤٤ - ٤٥]. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) يخبر تعالى عن اليهود عليهم لعائن الله المتتابعة إلى يوم القيامة، أنهم يشترون الضلالة بالهدى ويعرضون عما أنزل الله على رسوله ﷺ ويتركون ما بأيديهم من العلم عن الأنبياء الأولين في صفة محمد ﷺ ليشتروا به ثمناً قليلاً من حطام الدنيا. • قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ .. ) الاستفهام هنا للتقرير، أي: يقرر الله سبحانه ذلك على وجه المشاهدة، والخطاب يحتمل أن يكون للرسول ﷺ ، ويحتمل أن يكون لكل من يتوجه الخطاب إليه. • قال الرازي: الذين أوتوا نصيباً من الكتاب: هم اليهود، ويدل عليه وجوه: الأول: أن قوله بعد هذه الآية (منَ الذين هَادُواْ) متعلق بهذه الآية. الثاني: روى ابن عباس أن هذه الآية نزلت في حبرين من أحبار اليهود، كانا يأتيان رأس المنافقان عبد الله بن أبي ورهطه فيثبطونهم عن الإسلام. الثالث: أن عداوة اليهود كانت أكثر من عداوة النصارى بنص القرآن، فكانت إحالة هذا المعنى على اليهود أولى. • وقد وصفهم - سبحانه - بأنهم أوتوا نصيباً من الكتاب، ولم يؤتوا الكتاب كله، لأنهم نسوا حظاً كبيراً مما ذكروا به، ولم يبق عندهم من علم الكتاب إلا القليل، وهذا القليل لم يعملوا به بل حرفوه وبدلوه وأخضعوا تفسيره لأهوائهم وشهواتهم. (يَشْتَرُونَ الضَّلَالَةَ) أي: بالهدى، كما قال تعالى في آية أخرى (أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى فَمَا رَبِحَتْ تِجَارَتُهُمْ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). أي: يختارون (الضَّلالَةَ) وهي هنا كتمان العلم، وهو تكذيب النبي ﷺ وكتم صفته التي في كتبهم (بِالْهُدَى) وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به واتباعه وتصديقه. فمعنى (يشترون) يختارون، ولكنه عبر بهذا، لأن المشتري طالب راغب في السلعة، فكان هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري. • قال السعدي: قوله تعالى (يَشْتَرُونَ الضَّلالَةَ) أي: يحبونها محبة عظيمة ويؤثرونها إيثار من يبذل المال الكثير في طلب ما يحبه، فيؤثرون الضلال على الهدى، والكفر على الإيمان، والشقاء على السعادة. • قال الشوكاني: قوله تعالى (يَشْتَرُونَ) جملة حالية، والمراد بالاشتراء: الاستبدال، وقد تقدم تحقيق معناه. والمعنى: أن اليهود استبدلوا الضلالة، وهي: البقاء على اليهودية، بعد وضوح الحجة على صحة نبوّة نبينا محمد ﷺ .

стр. 1576

(وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع. كما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً). وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ). وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ). • قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ مَعَ اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ يُرِيدُونَ إِضْلَالَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ كَثِيرٌ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ رِدَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ السَّبَبَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْحَسَدُ وَأَنَّهُمْ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمُ الْحَقَّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ). وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْإِضْلَالَ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَقَعُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُمْ أَعْنِي الْمُتَمَنِّينَ الضَّلَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون). • قال الرازي: واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم. (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا) أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه. وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أي: ونصيراً لمن استنصره. • قال السعدي: ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم، فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر. • وقال الشوكاني: فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه. الفوائد: ١ - أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم ولكنه لا ينتفع به. ٢ - الاستعاذة من علم لا ينفع. ٣ - أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه باليهود. ٤ - الحذر من فتن الدنيا وحب المال والرياسة والمنصب. ٥ - التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار. ٦ - إثبات علم الله تعالى. ٧ - كمال علم الله تعالى. ٨ - تهديد للمشركين. ٩ - الثناء على الله بالكفاية. (١٤/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1577

(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦)). [النساء: ٤٦]. (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ) في متعلق قوله (مِنَ الذين) وجوه: الأول: أن يكون بياناً للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا. والثاني: أن يتعلق بقوله (نَصِيراً) والتقدير: وكفى بالله نصيراً من الذين هادوا، وهو كقوله (ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا). والثالث: قيل هي مستأنفة، معناه: من الذين هادُوا مَنْ يُحرِّفون، كقوله تعالى (وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم) أي: مَنْ له مقام معلوم، يُريدُ: فريق. … (تفسير البغوي، تفسير الرازي). • قال ابن كثير: (من) هذه لبيان الجنس كقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ). (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ، قصداً منهم وافتراء. • قال البغوي: يعني صفة محمد ﷺ . • اختلف العلماء هل التحريف معنوي أو لفظي؟ والعلماء متفقون على وقوع التحريف من أهل الكتاب في معاني التوراة والإنجيل، فإن تحريفهم المعاني لا ينكر، وإنما النزاع هل حرّفت الألفاظ أم لا؟ فقيل: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. وهذا نسب لبعض العلماء. وقيل: أن بعض ألفاظ التوراة والإنجيل وليس أكثرها قد أصابها التحريف. قال بهذا: ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من علماء المسلمين. • قال ابن تيمية: أما تغيير بعض ألفاظها، ففيه نزاع بين المسلمين، والصواب الذي عليه الجمهور، أنه بدّل بعض ألفاظها. • وقال ابن كثير: وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها، وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح، وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جداً، فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم، فلا اطلاع لنا عليه، والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه. وقيل: أن ألفاظ التوراة والإنجيل لم تُحرّف، وأن التحريف واقع في المعاني فقط. قال البخاريّ في (صحيحه) يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله. وهو اختيار الرازيّ أيضاً، وهو ظاهر اختيار ابن عبد البر، ويُنسب لابن عباس، وقد نفى ابن حجر نسبة هذا القول لابن عباس.

стр. 1578

واستدل هؤلاء بما يلي: أ-أن الله أمر نبيه ﷺ أن يأمر اليهود بأن يأتوا بالتوراة، ليحتج عليهم بها، كما في قوله تعالى (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ولو كانت محرفة لما صح الاحتجاج عليهم بها. ب- ما جاء عن ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ (أُتِىَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا». قَالُوا نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ «(فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)». فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ. فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ «ارْفَعْ يَدَكَ». فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ. وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه. قال ابن عبد البر: وفي ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم، ولولا ذلك، ما سألهم رسول الله ﷺ عنها. ج- قالوا: إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة والإنجيل قبل مبعث محمد لم يُعلم الحق من الباطل، فسقط الاحتجاج بهما ووجوب العمل بهما على أهل الكتاب، فلا يُذمون حينئذ على ترك اتباعهما، والقرآن قد ذمهم على ترك الحكم بما فيهما، واستشهد بهما في مواضع. (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) أي: يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم، أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. (ابن كثير) • قال السعدي: أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد، والشرود عن الانقياد. • قيل: أنهم يقولون في الظاهر: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: وعصينا. وقيل: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهاراً للمخالفة، واستحقاراً للأمر. (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع ما نقول، لا سمعت. وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله. فاليهود - عليهم لعائن الله - يقصدون به الدعاء به على الرسول ﷺ : أي لا أسمعك الله، وهو دعاء بالصمم أو بالموت. (وَرَاعِنَا) أي: ويقولون في أثناء خطابهم: (راعنا) أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم (راعنا) وإنما يريدون الرعونة، وهي الحمق. • لا ينبغي للإنسان أن يتكلم بالعبارات الموهمة. (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي: فتلاً وتحريفاً عن الحق إلى الباطل. (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي: قدحاً في الإسلام. • قال الشوكاني: أي يطعنون في الدين بقولهم: لو كان نبياً لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على ذلك. • قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربّون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير. (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: اليهود.

стр. 1579

(قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) عوضاً عن قولهم: (سمعنا وعصينا). (وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا) عوضاً عن قولهم (غير مسمع وراعناً). (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ) أي: لكان ذلك القول خيراً لهم عند الله وأعدل وأصوب، وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه، ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم. (تفسير السعدي). (وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: ولكن الله أبعدهم عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق. قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: الله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب: سلب الهدى والعلم النافع كقوله (وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليهم بكفرهم). (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) قيل: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام ومن تبعه، قال القرطبي: وهذا بعيد، وقيل: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً. الفوائد: ١ - أن اليهود حرفوا وكتموا صفة النبي ﷺ . ٢ - أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود. ٣ - شدة عناد اليهود. ٤ - شدة حقد اليهود على النبي ﷺ . ٥ - أن الطعن في الدين من صفات اليهود. ٦ - أن الكفر سبب للعن. ٧ - خطر المعاصي. ٨ - قلة إيمان هؤلاء اليهود (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون).

стр. 1580

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧)). [النساء: ٤٧]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا) يقول تعالى - آمراً أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم - وهو القرآن. • قوله تعالى (نَزَّلْنَا) لأنه نزل شيئاً فشيئاً. (مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان: أولاً: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله. ثانياً: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت به. (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الطمس: أصله استئصال أثر الشيء وإزالته بالكلية. • قال السعدي: وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون. • اختلف العلماء في معنى ذلك: فقيل: هو على حقيقته، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. وقيل: هو عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق. وعلى القول الأول - وهو الصحيح - فالمراد بقوله (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) نجعلها قفا، أي: نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا. وقيل: إنه بعد الطمس يردها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله (فنردها على أدبارها). قال الطبري: أي: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسويها كالأقفاء، فنجعل أبصارها في أدبارها فيمشون القهقرى. • وأصحاب هذا القول: منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون في آخر الزمان، ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون في الآخرة، ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم، وقد آمن بعضهم كعبد اللّه بن سلام وغيره. • وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، فسمع رجلاً من أهلها حزيناً، وهو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الآية. قال كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين. • فإن قيل: لم يؤمنوا ولم يقع الطمس؟ قيل: لما آمن بعضهم رفع الطمس عنهم. (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) أي: نطردهم من رحمتنا، ونوقع بهم من النكال والعقوبة ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فكانوا وانقلبوا قردة ذليلين حقيرين مطرودين من رحمة الله، لما تحايلوا على الاصطياد يوم السبت، (والحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة). قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
следующие страницы →