← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1576–1615 · переход к 1581.

стр. 1576

(وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) أي: يودون لو تكفرون بما أنزل عليكم أيها المؤمنون، وتتركون ما أنتم عليه من الهدى والعلم النافع. كما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً). وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ). وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ). • قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّواْ السَّبِيلَ) ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ مَعَ اشْتِرَائِهِمُ الضَّلَالَةَ يُرِيدُونَ إِضْلَالَ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا. وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُمْ كَثِيرٌ، وَأَنَّهُمْ يَتَمَنَّوْنَ رِدَّةَ الْمُسْلِمِينَ، وَأَنَّ السَّبَبَ الْحَامِلَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ إِنَّمَا هُوَ الْحَسَدُ وَأَنَّهُمْ مَا صَدَرَ مِنْهُمْ ذَلِكَ إِلَّا بَعْدَ مَعْرِفَتِهِمُ الْحَقَّ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ). وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّ هَذَا الْإِضْلَالَ الَّذِي يَتَمَنَّوْنَهُ لِلْمُسْلِمِينَ لَا يَقَعُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُمْ أَعْنِي الْمُتَمَنِّينَ الضَّلَالَ لِلْمُسْلِمِينَ وَهُوَ قَوْلُهُ (وَدَّتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يُضِلُّونَكُمْ وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُون). • قال الرازي: واعلم أنك لا ترى حالة أسوأ ولا أقبح ممن جمع بين هذين الأمرين أعني الضلال والإضلال. (وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَائِكُمْ) أي: هو يعلم بهم ويحذركم منهم. (وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا) أي: كفى به وليا لمن لجأ إليه. وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا) أي: ونصيراً لمن استنصره. • قال السعدي: ينصرهم على أعدائهم ويبين لهم ما يحذرون منهم ويعينهم عليهم، فولايته تعالى فيها حصول الخير، ونصره فيه زوال الشر. • وقال الشوكاني: فاكتفوا بولايته ونصره، ولا تتولوا غيره، ولا تستنصروه. الفوائد: ١ - أن من الناس من يؤتى الكتاب ويرزق العلم ولكنه لا ينتفع به. ٢ - الاستعاذة من علم لا ينفع. ٣ - أن من لم ينتفع بعلمه فهو شبيه باليهود. ٤ - الحذر من فتن الدنيا وحب المال والرياسة والمنصب. ٥ - التحذير من اليهود وغيرهم من الكفار. ٦ - إثبات علم الله تعالى. ٧ - كمال علم الله تعالى. ٨ - تهديد للمشركين. ٩ - الثناء على الله بالكفاية. (١٤/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1577

(مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ وَرَاعِنَا لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِي الدِّينِ وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (٤٦)). [النساء: ٤٦]. (مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ) في متعلق قوله (مِنَ الذين) وجوه: الأول: أن يكون بياناً للذين أوتوا نصيباً من الكتاب، والتقدير: ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب من الذين هادوا. والثاني: أن يتعلق بقوله (نَصِيراً) والتقدير: وكفى بالله نصيراً من الذين هادوا، وهو كقوله (ونصرناه مِنَ القوم الذين كَذَّبُواْ بآياتنا). والثالث: قيل هي مستأنفة، معناه: من الذين هادُوا مَنْ يُحرِّفون، كقوله تعالى (وما مِنَّا إلا له مقامٌ معلوم) أي: مَنْ له مقام معلوم، يُريدُ: فريق. … (تفسير البغوي، تفسير الرازي). • قال ابن كثير: (من) هذه لبيان الجنس كقوله (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأوْثَانِ). (يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَن مَّوَاضِعِهِ) أي: يتأولون على غير تأويله، ويفسرونه بغير مراد الله ، قصداً منهم وافتراء. • قال البغوي: يعني صفة محمد ﷺ . • اختلف العلماء هل التحريف معنوي أو لفظي؟ والعلماء متفقون على وقوع التحريف من أهل الكتاب في معاني التوراة والإنجيل، فإن تحريفهم المعاني لا ينكر، وإنما النزاع هل حرّفت الألفاظ أم لا؟ فقيل: أنهم كانوا يبدلون اللفظ بلفظ آخر. وهذا نسب لبعض العلماء. وقيل: أن بعض ألفاظ التوراة والإنجيل وليس أكثرها قد أصابها التحريف. قال بهذا: ابن تيمية، وابن القيم، وكثير من علماء المسلمين. • قال ابن تيمية: أما تغيير بعض ألفاظها، ففيه نزاع بين المسلمين، والصواب الذي عليه الجمهور، أنه بدّل بعض ألفاظها. • وقال ابن كثير: وأما ما بأيديهم من التوراة المعربة فلا يشك عاقل في تبديلها وتحريف كثير من ألفاظها، وتغيير القصص والألفاظ والزيادات والنقص البين الواضح، وفيها من الكذب البين والخطأ الفاحش شيء كثير جداً، فأما ما يتلونه بلسانهم ويكتبونه بأقلامهم، فلا اطلاع لنا عليه، والمظنون بهم أنهم كذبة خونة يكثرون الفرية على الله ورسله وكتبه. وقيل: أن ألفاظ التوراة والإنجيل لم تُحرّف، وأن التحريف واقع في المعاني فقط. قال البخاريّ في (صحيحه) يحرفون يزيلون، وليس أحد يزيل لفظ كتاب من كتب الله، ولكنهم يتأولونه على غير تأويله. وهو اختيار الرازيّ أيضاً، وهو ظاهر اختيار ابن عبد البر، ويُنسب لابن عباس، وقد نفى ابن حجر نسبة هذا القول لابن عباس.

стр. 1578

واستدل هؤلاء بما يلي: أ-أن الله أمر نبيه ﷺ أن يأمر اليهود بأن يأتوا بالتوراة، ليحتج عليهم بها، كما في قوله تعالى (قُلْ فَأْتُواْ بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) ولو كانت محرفة لما صح الاحتجاج عليهم بها. ب- ما جاء عن ابْنِ عُمَرَ - رضى الله عنهما - قَالَ (أُتِىَ النَّبِيُّ ﷺ بِرَجُلٍ وَامْرَأَةٍ مِنَ الْيَهُودِ قَدْ زَنَيَا فَقَالَ لِلْيَهُودِ «مَا تَصْنَعُونَ بِهِمَا». قَالُوا نُسَخِّمُ وُجُوهَهُمَا وَنُخْزِيهِمَا. قَالَ «(فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)». فَجَاءُوا فَقَالُوا لِرَجُلٍ مِمَّنْ يَرْضَوْنَ يَا أَعْوَرُ اقْرَأْ. فَقَرَأَ حَتَّى انْتَهَى عَلَى مَوْضِعٍ مِنْهَا فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ. قَالَ «ارْفَعْ يَدَكَ». فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهِ آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إِنَّ عَلَيْهِمَا الرَّجْمَ. وَلَكِنَّا نُكَاتِمُهُ بَيْنَنَا. فَأَمَرَ بِهِمَا فَرُجِمَا، فَرَأَيْتُهُ يُجَانِئُ عَلَيْهَا الْحِجَارَةَ) متفق عليه. قال ابن عبد البر: وفي ذلك دليل على أن التوراة صحيحة بأيديهم، ولولا ذلك، ما سألهم رسول الله ﷺ عنها. ج- قالوا: إذا كان التبديل قد وقع في ألفاظ التوراة والإنجيل قبل مبعث محمد لم يُعلم الحق من الباطل، فسقط الاحتجاج بهما ووجوب العمل بهما على أهل الكتاب، فلا يُذمون حينئذ على ترك اتباعهما، والقرآن قد ذمهم على ترك الحكم بما فيهما، واستشهد بهما في مواضع. (وَيَقُولُونَ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) أي: يقولون سمعنا ما قلته يا محمد ولا نطيعك فيه، هكذا فسره مجاهد وابن زيد، وهو المراد، وهذا أبلغ في عنادهم وكفرهم، أنهم يتولون عن كتاب الله بعد ما عقلوه، وهم يعلمون ما عليهم في ذلك من الإثم والعقوبة. (ابن كثير) • قال السعدي: أي سمعنا قولك، وعصينا أمرك، وهذا غاية الكفر والعناد، والشرود عن الانقياد. • قيل: أنهم يقولون في الظاهر: سمعنا، ويقولون في أنفسهم: وعصينا. وقيل: أنهم كانوا يظهرون قولهم: سمعنا وعصينا، إظهاراً للمخالفة، واستحقاراً للأمر. (وَاسْمَعْ غَيْرَ مُسْمَعٍ) أي: اسمع ما نقول، لا سمعت. وقال مجاهد والحسن: واسمع غير مقبول منك، قال ابن جرير: والأول أصح. وهو كما قال. وهذا استهزاء منهم واستهتار، عليهم لعنة الله. فاليهود - عليهم لعائن الله - يقصدون به الدعاء به على الرسول ﷺ : أي لا أسمعك الله، وهو دعاء بالصمم أو بالموت. (وَرَاعِنَا) أي: ويقولون في أثناء خطابهم: (راعنا) أي: يوهمون أنهم يقولون: راعنا سمعك بقولهم (راعنا) وإنما يريدون الرعونة، وهي الحمق. • لا ينبغي للإنسان أن يتكلم بالعبارات الموهمة. (لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ) أي: فتلاً وتحريفاً عن الحق إلى الباطل. (وَطَعْنًا فِي الدِّينِ) أي: قدحاً في الإسلام. • قال الشوكاني: أي يطعنون في الدين بقولهم: لو كان نبياً لعلم أنا نسبه، فأطلع الله سبحانه نبيه ﷺ على ذلك. • قال ابن عطية: وهذا موجود حتى الآن في اليهود، وقد شاهدناهم يربّون أولادهم الصغار على ذلك، ويحفظونهم ما يخاطبون به المسلمين مما ظاهره التوقير ويريدون به التحقير. (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: اليهود.

стр. 1579

(قَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) عوضاً عن قولهم: (سمعنا وعصينا). (وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا) عوضاً عن قولهم (غير مسمع وراعناً). (لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ) أي: لكان ذلك القول خيراً لهم عند الله وأعدل وأصوب، وذلك لما تضمنه هذا الكلام من حسن الخطاب والأدب اللائق في مخاطبة الرسول، والدخول تحت طاعة الله والانقياد لأمره، وحسن التلطف في طلبهم العلم بسماع سؤالهم، والاعتناء بأمرهم، فهذا هو الذي ينبغي لهم سلوكه، ولكن لما كانت طبائعهم غير زكية، أعرضوا عن ذلك، وطردهم الله بكفرهم وعنادهم. (تفسير السعدي). (وَلَكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ) أي: ولكن الله أبعدهم عن الهدى وعن رحمته بسبب كفرهم السابق. قال شيخ الإسلام بن تيمية ﵀: الله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب: سلب الهدى والعلم النافع كقوله (وقالوا قلوبنا غلف بل طبع الله عليهم بكفرهم). (فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) قيل: فلا يؤمن منهم إلا قليل، وهم عبد الله بن سلام ومن تبعه، قال القرطبي: وهذا بعيد، وقيل: فلا يؤمنون إلا إيماناً قليلاً. الفوائد: ١ - أن اليهود حرفوا وكتموا صفة النبي ﷺ . ٢ - أن المحرفين للكلم عن مواضعه يشبهون اليهود. ٣ - شدة عناد اليهود. ٤ - شدة حقد اليهود على النبي ﷺ . ٥ - أن الطعن في الدين من صفات اليهود. ٦ - أن الكفر سبب للعن. ٧ - خطر المعاصي. ٨ - قلة إيمان هؤلاء اليهود (منهم المؤمنون وأكثرهم الفاسقون).

стр. 1580

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ آمِنُواْ بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُم مِّن قَبْلِ أَن نَّطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً (٤٧)). [النساء: ٤٧]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا) يقول تعالى - آمراً أهل الكتاب بالإيمان بما نزل على عبده ورسوله محمد ﷺ من الكتاب العظيم - وهو القرآن. • قوله تعالى (نَزَّلْنَا) لأنه نزل شيئاً فشيئاً. (مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ) التصديق لما معهم له معنيان: أولاً: أنه شاهد لها بالصدق، وقد شهد القرآن أن التوراة والإنجيل كليهما من عند الله. ثانياً: أنه جاء مطابقاً لما أخبرت به. (مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الطمس: أصله استئصال أثر الشيء وإزالته بالكلية. • قال السعدي: وهذا جزاء من جنس ما عملوا، كما تركوا الحق، وآثروا الباطل وقلبوا الحقائق، فجعلوا الباطل حقاً والحق باطلاً جوزوا من جنس ذلك بطمس وجوههم كما طمسوا الحق، وردها على أدبارها، بأن تجعل في أقفائهم وهذا أشنع ما يكون. • اختلف العلماء في معنى ذلك: فقيل: هو على حقيقته، فيجعل الوجه كالقفا، فيذهب بالأنف والفم والحاجب والعين. وقيل: هو عبارة عن الضلالة في قلوبهم وسلبهم التوفيق. وعلى القول الأول - وهو الصحيح - فالمراد بقوله (فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) نجعلها قفا، أي: نذهب بآثار الوجه وتخطيطه حتى يصير على هيئة القفا. وقيل: إنه بعد الطمس يردها إلى موضع القفا، والقفا إلى مواضعها، وهذا ألصق بالمعنى الذي يفيده قوله (فنردها على أدبارها). قال الطبري: أي: من قبل أن نطمس أبصارها ونمحو آثارها فنسويها كالأقفاء، فنجعل أبصارها في أدبارها فيمشون القهقرى. • وأصحاب هذا القول: منهم من يرى أن هذه العقوبة تكون في آخر الزمان، ومنهم من يرى هذه العقوبة تكون في الآخرة، ومنهم من قال بأن هذه العقوبة مقيدة بعدم إيمان أحد منهم، وقد آمن بعضهم كعبد اللّه بن سلام وغيره. • وقد ذكر أن كعب الأحبار أسلم حين سمع هذه الآية، فسمع رجلاً من أهلها حزيناً، وهو يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا) الآية. قال كعب: يا رب آمنت، يا رب، أسلمت، مخافة أن تصيبه هذه الآية، ثم رجع فأتى أهله في اليمن، ثم جاء بهم مسلمين. • فإن قيل: لم يؤمنوا ولم يقع الطمس؟ قيل: لما آمن بعضهم رفع الطمس عنهم. (أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ) أي: نطردهم من رحمتنا، ونوقع بهم من النكال والعقوبة ما وقع لأصحاب السبت، والذي وقع لأصحاب السبت هو أنهم قيل لهم (فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) فكانوا وانقلبوا قردة ذليلين حقيرين مطرودين من رحمة الله، لما تحايلوا على الاصطياد يوم السبت، (والحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة). قال تعالى (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).

стр. 1581

وقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). • وقد جاءت القصة مبسوطة في سورة الأعراف، قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). • قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف، أن القرد من أخس الحيوانات. • فالمسخ من أكبر أنواع الطرد والإبعاد، فالمراد باللعن هنا اللعن الخاص وهو مسخهم قردة، وإلا فكل اليهود لعنوا. (وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولاً) أي: إذا أمر بأمر، فإنه لا يُخالَف ولا يُمانَع. الفوائد: ١ - وجوب الإيمان بمحمد ﷺ ، وأن من سمع به ولم يؤمن فهو كافر، وقد قال ﷺ (وَالَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ يَمُوتُ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ إِلاَّ كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّار) رواه مسلم. ٢ - إقامة الحجة على أهل الكتاب، حيث أن الكتاب الذي بأيديهم فيه صفة النبي محمد ﷺ . ٣ - إثبات علو الله لقوله (بما نزلنا) والنزول لا يكون إلا من علو. ٤ - أن القرآن مصدق للكتب السابقة. ٥ - تهديد هؤلاء إن لم يؤمنوا. ٦ - وجوب الحذر من غضب الله ولعنته. ٧ - شدة عقوبة الله للمكذبين، حيث عاقب أصحاب السبت ولعنهم وجعلهم قردة. (الأحد: ١٥/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1582

(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا (٤٨)). [النساء: ٤٨]. (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ) أي: أن الله لا يغفر لعبد لقيه وهو مشرك به. • وسبق أن المغفرة هي: ستر الذنب والتجاوز عنه. • ففي هذه الآية: أن من مات على الشرك الأكبر، فإن الله لا يغفر له: قال تعالى (إنَّهُ مَن يُشْرِكْ بِاللّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللّهُ عَلَيهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ .... ). وقد قال ﷺ (حينما سئل أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه. وعن ابن مسعود ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) متفق عليه. • وعَنْ جَابِرٍ قَالَ (أَتَى النَّبِيَّ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا الْمُوجِبَتَانِ؟ فَقَالَ: (مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاللَّهِ شَيْئًا دَخَلَ النَّارَ) رواه مسلم. • … قال الشوكاني ﵀: لا خلاف بين المسلمين أن المشرك إذا مات على شركه لم يكن من أهل المغفرة التي تفضل الله بها على غير أهل الشرك حسبما تقتضيه مشيئته، وأما غير أهل الشرك من عصاة المسلمين فداخلون تحت المشيئة يغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء. • قال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدِ افترى إِثْماً عَظِيماً). ذكر في هذه الآية الكريمة أنه تعالى لا يغفر الإشراك به وأنه يغفر غير ذلك لمن يشاء، وأن من أشرك به فقد افترى إثماً عظيماً. قال وذكر في مواضع أخر: أن محل كونه لا يغفر الإشراك به إذا لم يتب المشرك من ذلك، فإن تاب غفر له. كقوله (إِلاَّ مَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً) الآية فإن الاستثناء راجع لقوله (وَمَن يَفْعَلْ ذلك يَلْقَ أَثَاماً). وقوله (قُل لِلَّذِينَ كفروا إِن يَنتَهُواْ يُغَفَرْ لَهُمْ مَّا قَدْ سَلَفَ). وذكر في موضع آخر: أن من أشرك بالله فقد ضل ضلالاً بعيداً عن الحق، وهو قوله في هذه السورة الكريمة أيضاً (إِنَّ الله لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذلك لِمَن يَشَآءُ وَمَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيداً). وصرح بأن من أشرك بالله فالجنة عليه حرام ومأواه النار بقوله (إِنَّهُ مَن يُشْرِكْ بالله فَقَدْ حَرَّمَ الله عَلَيهِ الجنة وَمَأْوَاهُ النار). وقوله (ونادى أَصْحَابُ النار أَصْحَابَ الجنة أَنْ أَفِيضُواْ عَلَيْنَا مِنَ المآء أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ الله قالوا إِنَّ الله حَرَّمَهُمَا عَلَى الكافرين). وذكر في موضع آخر: أن المشرك لا يرجى له خلاص، وهو قوله (وَمَن يُشْرِكْ بالله فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السمآء فَتَخْطَفُهُ الطير أَوْ تَهْوِي بِهِ الريح فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ).

стр. 1583

وصرح في موضع آخر: بأن الإشراك ظلم عظيم بقوله عن لقمان مقرراً له (إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وذكر في موضع آخر: أن الأمن التام والاهتداء، إنما هما لمن لم يلبس إيمانه بشرك، وهو قوله (الذين آمَنُواْ وَلَمْ يلبسوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أولئك لَهُمُ الأمن وَهُمْ مُّهْتَدُونَ) وقد صح عنه ﷺ أن معنى بظلم بشرك. (أضواء البيان). • والشرك ينقسم إلى قسمين: أكبر وأصغر. (وقد تقدمت مباحث ذلك). • والشرك: هو تسوية غير الله بالله فيما هو من خصائص الله تعالى. قال الذهبي: وهو أن تجعل لله نداً وهو خلقك، وتعبد معه غيره من حجر أو بشر أو شمس أو قمر أو نبي أو شيخ أو غير ذلك. وهو أعظم ذنب عصي الله به،، وأي ذنب أعظم من أن يجعل مع الله شريك في ألوهيته أو ربوبيته أو أسمائه وصفاته، وهو هضم للربوبية وتنقص للألوهية، وسوء ظن برب العالمين، وهو أقبح المعاصي، لأنه تسوية المخلوق الناقص بالخالق الكامل من جميع الوجوه. (وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ) أي: من الذنوب. • المراد بقوله (ما دون ذلك) أي: ما هو أقل من الشرك، وليس: ما سوى الشرك. (لِمَنْ يَشَاءُ) من عباده. • قال السعدي: فالذنوب التي دون الشرك قد جعل الله لمغفرتها أسباباً كثيرة، كالحسنات الماحية والمصائب المكفرة في الدنيا، والبرزخ ويوم القيامة، وكدعاء المؤمنين بعضهم لبعض، وبشفاعة الشافعين. ومن فوق ذلك كله رحمته التي أحق بها أهل الإيمان والتوحيد. • قال ابن الجوزي: في قوله (لمن يشاء) نعمة عظيمة من وجهين: أحدهما: أنها تقتضي أن كل ميّت على ذنب دون الشرك لا يقطع عليه بالعذاب، وإِن مات مصراً. والثاني: أن تعليقه بالمشيئة فيه نفع للمسلمين، وهو أن يكونوا على خوف وطمع. • قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة.

стр. 1584

(وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْماً عَظِيماً) أي: ومن أشرك بالله فقد اختلق إثماً عظيماً. • قال السعدي: أي افترى جرماً كبيراً، وأي ظلم أعظم ممن سوى المخلوق -من تراب الناقص من جميع الوجوه الفقير بذاته من كل وجه الذي لا يملك لنفسه- فضلاً عمن عبده -نفعًا ولا ضرًّا ولا موتًا ولا حياة ولا نشورًا- بالخالق لكل شيء، الكامل من جميع الوجوه، الغني بذاته عن جميع مخلوقاته، الذي بيده النفع والضر والعطاء والمنع، الذي ما من نعمة بالمخلوقين إلا فمنه تعالى فهل أعظم من هذا الظلم شيء؟ ولهذا حتم على صاحبه بالخلود بالعذاب وحرمان الثواب (إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ). • وقال الطبري: (وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا) يعني بذلك جل ثناؤه: "ومن يشرك بالله" في عبادته غيره من خلقه "فقد افترى إثما عظيما"، يقول: فقد اختلق إثما عظيمًا، وإنما جعله الله تعالى ذكره (مفتريًا) لأنه قال زورًا وإفكًا بجحوده وحدانية الله، وإقراره بأن لله شريكًا من خلقه وصاحبة أو ولداً. الفوائد: ١ - عظم الشرك. ٢ - أن ما دون الشرك تحت المشيئة. ٣ - وجوب توحيد الله. ٤ - أن المشرك مفترٍ على الله.

стр. 1585

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٤٩) انظر كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْمًا مُّبِينًا (٥٠)). [النساء: ٤٩ - ٥٠]. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنْفُسَهُمْ) نزلت هذه الآية في اليهود، حيث زكوا أنفسهم ومدحوها: بقولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). وقولهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ). وقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً). • قال القرطبي: التزكية: التطهير والتبرية من الذنوب. • قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ … ) الاستفهام للتعجب والإنكار، والخطاب للرسول ﷺ ولكل من يصح خطابه. • فلا يجوز للإنسان أن يزكي نفسه لقوله تعالى (فَلا تُزَكُّوا أَنْفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى) فمن زكى نفسه ومدحها فقد تشبه باليهود. (بَلِ اللَّهُ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ) أي: المرجع في ذلك إلى الله ، لأنه عالم بحقائق الأمور وغوامِضها. • قال الشوكاني: قوله تعالى (بَلِ الله يُزَكّى مَن يَشَاء) أي: ذلك إليه سبحانه، فهو العالم بمن يستحق التزكية من عباده، ومن لا يستحقها، فليدع العباد تزكية أنفسهم، ويفوضوا أمر ذلك إلى الله سبحانه، فإن تزكيتهم لأنفسهم مجرد دعاوى فاسدة تحمل عليها محبة النفس، وطلب العلوّ والترفع والتفاخر ومثل هذه الآية قوله تعالى (فَلَا تُزَكُّواْ أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتقى). (وَلا يُظْلَمُونَ فَتِيلاً) أي: لا يُترك لأحد من الأجر ما يوازن مقدار الفتيل. • الفتيل: ما يكون في شق النواة، وقيل: هو ما فتلت بين أصابعك. • والمراد من الآية أن الله لا يظلم أحداً شيئاً، وضرب المثل بالفتيل للقلة. • فالله لا يظلم أحداً لكمال عدله، والقاعدة: أن النفي إذا جاء منفياً عن الله فلا بد من إثبات ضده، وإلا فالنفي المحض لا كمال فيه. كقوله تعالى (ولا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً) لكمال عدله. وقوله سبحانه (لا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلا نَوْمٌ) لكمال حياته وقيوميته. (انْظُرْ كَيْفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ) هذا تعجب من افترائهم وكذبهم، أي: انظر يا محمد كيف يختلقون الكذب في تزكيتهم أنفسهم ودعواهم أنهم أبناء الله وأحباؤه. (وكفى به) أي: وكفى بهذا الافتراء. (إثماً مبيناً) ذنباً وافتراء ظاهراً. الفوائد: ١ - الإنكار على من يزكي نفسه. ٢ - النهي عن تزكية النفس، لأن الله تعالى أنكر ذلك (فلا تزكوا أنفسكم). ٣ - أن الأمر إلى الله في تزكية الإنسان. ٤ - أنه يجب على الإنسان أن يلجأ إلى الله في طلب التزكية. ٥ - نفي الظلم عن الله تعالى. ٦ - تعظيم الكذب على الله. (الأربعاء: ١٨/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1586

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ وَيَقُولُونَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ هَؤُلاء أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ سَبِيلاً (٥١) أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ وَمَن يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ نَصِيرًا (٥٢)) [النساء: ٥١ - ٥٢]. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ) الاستفهام للتعجب والمراد بهم أيضاً اليهود أعْطوا حظاً من التوراة. • قال ابن عاشور: أعيد التعجيب من اليهود، الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، بما هو أعجب من حالهم التي مرّ ذكرها في قوله (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة) فإنّ إيمانهم بالجبت والطاغوت وتصويبهم للمشركين تباعد منهم عن أصول شرعهم بمراحل شاسعة، لأنّ أوّل قواعد التوراة وأولى كلماتها العشر هي (لا يكن لك آلهة أخرى أمامي، لا تصنع لك تمثالاً منحُوتاً، لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ). (يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ) أي: يعتقدون صدقهما. (ابن تيمية). وقد اختلف العلماء في معناهما: قال عمر بن الخطاب: الجبت: هو السحر، وقيل: الشيطان، وقيل: الصنم، والصحيح أنه عام لكل صنم أو سحر أو كهانة أو ما أشبه ذلك. وَالطَّاغُوتِ: قيل هو الشيطان، والصحيح أنه ما تجاوز به العبد حده من معبود أو متبوع أو مطاع. واختار ابن جرير اسمان لكل ما يعبد ويعظم من دون الله تعالى. فقال ﵀: والصواب من القول في تأويل يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ أن يقال: يصدقون بمعبودين من دون اللّه، ويتخذونهما إلهين، وذلك أن الجبت والطاغوت اسمان لكل معظم بعبادة من دون اللّه أو طاعة أو خضوع له، كائنا ما كان ذلك المعظم من حجر أو إنسان أو شيطان. • قال في التسهيل: (يُؤْمِنُونَ بالجبت والطاغوت) قال ابن عباس: الجبت هو حيي بن أخطب، والطاغوت كعب بن الأشرف، وقال عمر بن الخطاب: الجبت السحر، والطاغوت الشيطان، وقيل الجبت الكاهن، والطاغوت الساحر، وبالجملة هما كل ما عبد وأطيع من دون الله (وَيَقُولُونَ) أي: اليهود. (لِلَّذِينَ كَفَرُوا) من كفار قريش. (هَؤُلاءِ أَهْدَى مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا سَبِيلاً) أي: أنتم أهدى سبيلاً من محمد وأصحابه. • قال ابن كثير: يفضلون الكفار على المسلمين بجهلهم وقلة دينهم وكفرهم بكتاب الله الذي بأيديهم. عن ابن عباس قال: لما قدم كعب بن الأشرف مكة قالت قريش: ألا ترى هذا الصنبور المنبتر من قومه؟ يزعم أنه خير منا، ونحن أهل الحجيج، وأهل السدانة، وأهل السقاية! قال: أنتم خير، قال فنزلت (إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبْتَرُ) ونزل: (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِنَ الْكِتَابِ) إلى (نَصِيرًا) رواه أحمد. (أُولَئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ) أي: الذين طردهم وأبعدهم من رحمته. (وَمَنْ يَلْعَنِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ نَصِيراً) أي: ومن يطرده الله من رحمته فلا ناصر له من عذاب الله، لأن الله إذا أراد بقوم سوءاً فلا مرد له. الفوائد: ١ - التعجب من حال هؤلاء الذين أوتوا نصيباً من الكتاب، ومع ذلك ينكرون ما دل عليه الكتاب. ٢ - بيان قبح صنيعهم. ٣ - بيان حقد اليهود على المؤمنين. ٤ - الإشارة إلى أن السحر متلقى من اليهود. ٥ - أن اليهود أهل حسد. ٦ - اللعنة على اليهود. ٧ - أن من لعنه الله فلا ناصر له. ٨ - التحذير من التعرض للعنة الله.

стр. 1587

(أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّنَ الْمُلْكِ فَإِذًا لاَّ يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيرًا (٥٣) أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَآ آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُم مُّلْكًا عَظِيمًا (٥٤) فَمِنْهُم مَّنْ آمَنَ بِهِ وَمِنْهُم مَّن صَدَّ عَنْهُ وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيرًا (٥٥)). [النساء: ٥٣ - ٥٥]. (أَمْ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنَ الْمُلْكِ) هذا استفهام إنكار، أي: ليس لهم نصيب من الملك. • (أم) ههنا منقطعة وغير متصلة بما قبلها ألبتة، كأنه لما تم الكلام الأول قال: بل لهم نصيب من الملك، وهذا الاستفهام استفهام بمعنى الإنكار، يعني ليس لهم شيء من الملك ألبتة. ثم وصفهم بالبخل فقال: (فَإِذاً) يعني: لو كان لهم نصيب من الملك. (لا يُؤْتُونَ النَّاسَ نَقِيراً) أي: لو كان لهم نصيب من الملك فإذاً لا يؤتون أحداً مقدار نقير لفرط جهلهم، ولا سيما محمد ﷺ شيئاً، ولا ما يملأ النقير، وهو النقطة التي تكون في النواة. • فاليهود من أشد الناس بخلاً، وأشدهم طمعاً وحرصاً على المال. وهذا كقوله تعالى (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذاً لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ) أي: خوف أن يذهب ما بأيديكم، مع أنه لا يتصور نفاده، وإنما هو من بخلكم وشحكم ولهذا قال (وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُوراً) أي: بخيلاً. • قال في التسهيل: النقير هي النقرة في ظهر النواة وهو تمثيل، وعبارة عن أقل الأشياء، والمراد وصف اليهود بالبخل لو كان لهم نصيب من الملك، وأنهم حينئذٍ يبخلون بالنقير الذي هو أقل الأشياء، ويبخلون بما هو أكثر منه من باب أولى. • والنقير: النقرة التي على ظهر النواة، يضرب بها المثل للقلة. (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ) قال ابن عباس: حسدوا النبي ﷺ على النبوة، وحسدوا أصحابه على الإيمان، والمعنى: أبل يحسدون النبي ﷺ والمؤمنين على النبوة التي فضّل الله بها محمداً وشرّف بها العرب ويحسدون المؤمنين على ازدياد العز والتمكين؟ • قال في التسهيل: والمقصود بالآية الردّ على اليهود في حسدهم لسيدنا محمد ﷺ ، ومعناها إلزام لهم بما عرفوه من فضل الله تعالى على آل إبراهيم، فلأي شيء تخصون محمداً ﷺ بالحسد دون غيره ممن أنعم الله عليهم. • فالمراد بالناس هنا محمد ﷺ وأصحابه، وعليه فهذا عام مخصوص. • قال الرازي: في المراد بلفظ (الناس) قولان: الأول: وهو قول ابن عباس والأكثرين إنه محمد ﷺ ، وإنما جاز أن يقع عليه لفظ الجمع وهو واحد لأنه اجتمع عنده من خصال الخير ما لا يحصل إلا متفرقا في الجمع العظيم، ومن هذا يقال: فلان أمة وحده، أي يقوم مقام أمة، قال تعالى (إِنَّ إبراهيم كَانَ أُمَّةً قانتاً). والقول الثاني: المراد ههنا هو الرسول ومن معه من المؤمنين، وقال من ذهب إلى هذا القول: إن لفظ الناس جمع، فحمله على الجمع أولى من حمله على المفرد

стр. 1588

• والمراد بالفضل هنا النبوة، وهذا قول الأكثر. • قال الطبري: وأولى التأويلين في ذلك بالصواب، قولُ قتادة وابن جريج الذي ذكرناه قبل: أن معنى (الفضل) في هذا الموضع: النبوّة التي فضل الله بها محمدًا، وشرّف بها العرب، إذ آتاها رجلاً منهم دون غيرهم لما ذكرنا من أن دلالة ظاهر هذه الآية، تدلّ على أنها تقريظٌ للنبي ﷺ وأصحابه رحمة الله عليهم، على ما قد بينا قبل. وليس النكاح وتزويجُ النساء وإن كان من فضْل الله جل ثناؤهُ الذي آتاه عباده بتقريظ لهم ومدح. • وحسدهم للنبي ﷺ لكونه من العرب وليس من بني إسرائيل. • والحسد: تمني زوال نعمة الله على الغير، وهذا قول الأكثر، واختار ابن تيمية ﵀ أن الحسد كراهة ما أنعم الله به على غيره. (وهذا القول أعم من الأول). • قال الرازي: … ووصفهم (أي: اليهود) في هذه الآية بالبخل والحسد، فالبخل هو أن لا يدفع لأحد شيئاً مما آتاه الله من النعمة، والحسد هو أن يتمنى أن لا يعطي الله غيره شيئاً من النعم، فالبخل والحسد يشتركان في أن صاحبه يريد منع النعمة من الغير، فأما البخيل فيمنع نعمة نفسه عن الغير، وأما الحاسد فيريد أن يمنع نعمة الله من عبادة. (فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ) أي: فقد جعلنا في أسباط بني إسرائيل - الذين هم من ذرية إبراهيم - النبوة، وأنزلنا عليهم الكتب. • فالمراد بالكتب هنا عموم الكتب التي نزلت على آل إبراهيم قبل نبينا محمد ﷺ كصحف إبراهيم، وكصحف موسى ومنها التوراة والإنجيل، وكذلك الزبور والإنجيل. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (فقد آتينا آل إِبراهيم الكتاب) يعني: التوراة، والإِنجيل، والزبور، كله، كان في آل إِبراهيم، وهذا النبي من أولاد إِبراهيم. (وَالْحِكْمَةَ) أي: وحكموا فيهم بالسنن - وهي الحكمة -. • والحكمة: ما أوحاه الله إلى أنبيائه من آل إبراهيم ولم يكن كتاباً مقروءاً، وأيضاً هي وضع الأمور في مواضعها. وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكاً عَظِيماً) وجعلنا فيهم الملوك، فقد كان داود ﵇ ملكاً، وكان سليمان ﵇ قد أعطي ملكاً عظيماً. • والمراد من الآية الرد على اليهود في حسدهم للنبي ﷺ وإلزامهم لهم بما عرفوه من فضل الله على آل إبراهيم. • قال القرطبي: والحسد مذموم وصاحبه مغموم، وهو يأكل الحسنات كما تأكل النار الحطب.

стр. 1589

مباحث الحسد: أولاً: تعريف الحسد: هو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود. ثانياً: خطر الحسد: الأول: أنه من صفات اليهود. كما في هذا الآية ( … حسداً من عند أنفسهم). وكما في قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). الثاني: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً). الثالث: أن النبي ﷺ نهى عنه. قال ﷺ (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا) متفق عليه. الرابع: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره. ثالثاً: فضل السلامة من الحسد: الأول: أن تركه من علامة كمال الإيمان. فقد سئل رسول الله ﷺ : أي المؤمنين أفضل؟ قال (المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد) رواه ابن ماجه. الثاني: أن الله أثنى على الأنصار بذلك. قال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أوتوا). رابعاً: من أقوال السلف في الحسد: قال علي ﵁: الحاسد مغتاظ على من لا ذنب له. وقيل: الحسود غضبان على القدر. ويقال: ثلاثة لا يهنأ لصاحبها عيش: الحقد، والحسد، وسوء الخلق. وقيل لبعضهم: ما بال فلان يبغضك؟ قال: لأنه شقيقي في النسب، وجاري في البلد، وشريكي في الصناعة، فذكر جميع دواعي الحسد. وقال أعرابي: الحسد داء منصف، يفعل في الحاسد أكثر من فعله في المحسود، قاتل الله الحسد ما أعدله، بدأ بصاحبه فقتله. قال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك. فقال: تركتُ الحسد فبقيت. وقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم، ونفس متتابع. قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ. وقال لابنه: يا بني! إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك.

стр. 1590

وعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم. وقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك، أنسيت إخوة يوسف، لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه. وقال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. قال الشاعر: كل العداواة قد تُرجَى إماتتها … إلا عداوةَ من عاداك من حسدِ. وقال الخليل بن أحمد: لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً، يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. وقال عون بن عبد الله: إياك والكبْر، فإن أول ذنب عصيَ الله به ثم قرأ (وإذ قلنا للملائكة … )، وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة ثم قرأ (اهبطوا منها)، وإياك والحسد، فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق). قال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره، والثاني: سخط لقسمته كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟، والثالث: أنه ضن بفضله، يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، والرابع: خذل ولي الله، لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه، والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله.

стр. 1591

قال بعض العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: أولها: غم لا ينقطع. والثاني: مصيبة لا يؤجر عليها. والثالث: مذمة لا يحمد عليها. والرابع: يسخط عليه الرب. والخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق. وقال عبد الله بن مسعود: لا تُعادُوا نِعم الله، قيل له: ومَن يعادي نِعم الله؟ قال: الذين يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله. يقول الله تعالى في بعض الكتب: الحسود عدوّ نعمتي، متسخط لقضائي، غيرُ راضٍ بقسمتي. ولمنصور الفقيه: ألَا قُلْ لمن ظَلّ لي حاسداً … أتدرِي على مَن أسأتَ الأدَبْ أسأتَ على اللَّه في حكمه … إذا أنتَ لم ترض لي ما وَهَبْ ولقد أحسن من قال: اصبر على حسدِ الحسود … فإن صبرك قاتلُه فالنار تأكل بعضها … إن لم تجد ما تأكُله. قال بعض الحكماء: الحاسدُ يضرُّ نفسه ثلاث مضرات: إحداها: اكتساب الذنوب؛ لأن الحسد حرام. الثانية: سوء الأدب مع الله تعالى فإنَّ حقيقة الحسد: كراهية إنعام الله على غيره، واعتراض على الله في فعله. الثالثة: تألم قلبه وكثرة همه وغمه. (فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ بِهِ) قيل: بمحمد ﷺ ، وقيل: بهذا الإيتاء وهذا الإنعام وهذا أصح. (وَمِنْهُمْ مَنْ صَدَّ عَنْهُ) أي: كفر به وأعرض عنه، أي: ومع ذلك - ومع ما أعطيناهم من الملك والنعم - فقد كذب فريق من ذرياتهم وأممهم ولم يشكروا نعمة الله عليهم إذ جعل النبوة في أجدادهم، بل كفروا النعمة وعصوا الرب. • قال الرازي: اختلفوا في معنى (به) فقال بعضهم: بمحمد ﷺ ، والمراد أن هؤلاء القوم الذين أوتوا نصيباً من الكتاب آمن بعضهم وبقي بعضهم على الكفر والإنكار.

стр. 1592

وقال آخرون: المراد من تقدم من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، والمعنى أن أولئك الأنبياء مع ما خصصتهم به من النبوة والملك، جرت عادة أممهم فيهم أن بعضهم آمن به وبعضهم بقوا على الكفر، فأنت يا محمد لا تتعجب مما عليه هؤلاء القوم، فإن أحوال جميع الأمم مع جميع الأنبياء هكذا كانت، وذلك تسلية من الله ليكون أشد صبراً على ما ينال من قبلهم. (وَكَفَى بِجَهَنَّمَ سَعِيراً) أي: وكفى بالنار عقوبة لهم على كفرهم وعنادهم ومخالفتهم كتب الله ورسله. • قال الطبري: ويعني بقوله (وكفى بجهنم سعيرًا) وحسبكم، أيها المكذبون بما أنزلت على محمد نبيي ورسولي (بجهنم سعيراً) يعني: بنار جهنم، تُسعَر عليكم أي: تُوقدُ عليكم. أ • وقال الطبري: وفي هذه الآية دلالة على أن الذين صدّوا عما أنزل الله على محمد ﷺ ، من يهود بني إسرائيل الذين كانوا حوالَيْ مُهاجَر رسول الله ﷺ ، إنما رَفعَ عنهم وعيدَ الله الذي توعِّدهم به في قوله: (آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولا) في الدنيا، وأخرت عقوبتهم إلى يوم القيامة، لإيمان من آمن منهم، وأن الوعيدَ لهم من الله بتعجيل العقوبة في الدنيا، إنما كان على مقام جميعهم على الكفر بما أنزل على نبيه محمد ﷺ . فلما آمن بَعضُهم، خرجوا من الوعيد الذي توعَّده في عاجل الدنيا، وأخرت عقوبةُ المقيمين على التكذيب إلى الآخرة، فقال لهم: كفاكم بجهنم سعيرًا. الفوائد: ١ - بيان ما كان عليه اليهود من الحسد. ٢ - إنكار الحسد. ٣ - بيان ما منّ الله به على آل إبراهيم من الكتاب والحكمة والملك العظيم. ٤ - أن الناس ينقسمون فيما يعطيهم الله إلى قسمين. ٥ - تعظيم إحراق النار. (الأحد: ٢٢/ ٣/ ١٤٣٤ هـ)

стр. 1593

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا (٥٦)). [النساء: ٥٦]. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا) أي: أنكروها وجحدوها، والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية، ويشمل أيضاً الآيات الكونية [وسبق معنى الكفر بالآيات الكونية والشرعية]. (سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَاراً) أي: سوف ندخلهم نار جهنم ونجعلهم يصلونها حتى تحرقهم. • قال الرازي: قوله تعالى (نُصْلِيهِمْ) أي ندخلهم النار، لكن قوله (نُصْلِيهِمْ) فيه زيادة على ذلك فإنه بمنزلة شويته بالنار، يقال شاة مصلية أي مشوية. • ثم ذكر تعالى نوعاً من أنواع عذابهم: (كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُوداً غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ) أي: كلما أحرقت جلودهم بُدلوا جلوداً غيرها ليدوم ألم العذاب. • اختلف العلماء في المراد بتبديل الجلود هنا على أقوال: قيل: المراد بتبديل الجلود في الآخرة أنها تبدل جلوداً أخرى. روي هذا عن معاذ، وابن مسعود، وكعب الأحبار. وبه قال الحسن، وقتادة، وهو قول جمهور المفسرين. وقيل: المراد بذلك: أي أعدْنا الجلد الأول بعينه جديداً على صورة أخرى، فتكون الغيرية عائدة على الصفة لا إلى الذات. وبهذا قال السمرقندي، والواحدي، والرازي. وقيل: المراد بتبديل الجلود استعارة عن دوام العذاب وعدم انقطاعه. والراجح مذهب الجمهور. لقوله تعالى (غيرها) والغيرية تقتضي أن يكون الجلد المبدل غير الأول. ولأن التبديل يقتضي المغايرة، ولا صارف للفظ عن حقيقته فيبقى معناه.

стр. 1594

• قال القرطبي: والمعنى في الآية: تبدّل الجلود جلوداً أُخر. فإن قال من يطعن في القرآن من الزنادقة: كيف جاز أن يعذّب جلداً لم يَعصِه؟ قيل له: ليس الجلد بمعذّب ولا معاقب، وإنما الألم واقع على النفوس؛ لأنها هي التي تُحس وتعرف فتبديل الجلود زيادة في عذاب النفوس. يدل عليه قوله تعالى (لِيَذُوقُواْ العذاب) وقوله تعالى (كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً). (تفسير القرطبي). فالمقصود تعذيب الأبدان وإيلام الأرواح. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزاً) لا يغالب ويمتنع أن يمسه أحد بسوء. (حَكِيماً) في شرعه وأفعاله وفي جميع تصرفاته، ومن ذلك تعذيب من يعذبه. • قال ابن عطية: وحسن الاتصاف بعد هذه المقدمات بالعزة والإحكام، لأن الله لا يغالبه مغالب إلا غلبه الله، ولا يفعل شيئاً إلا بحكمة وإصابة، لا إله إلا هو ﵎. • في هذه الآية نوع من أنواع عذاب الكفار في النار، ومن عذابهم: قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ. وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أَخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحاً غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ). وقال تعالى (وَنَادَوْا يَا مَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ قَالَ إِنَّكُمْ مَاكِثُونَ. لَقَدْ جِئْنَاكُمْ بِالْحَقِّ وَلَكِنَّ أَكْثَرَكُمْ لِلْحَقِّ كَارِهُون). وقال تعالى (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَاراً وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ). وقال تعالى (يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلَى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ). وقال تعالى (كَلَّا إِنَّهَا لَظَى. نَزَّاعَةً لِلشَّوَى. تَدْعُو مَنْ أَدْبَرَ وَتَوَلَّى). وقال تعالى (تَلْفَحُ وُجُوهَهُمُ النَّارُ وَهُمْ فِيهَا كَالِحُونَ). وقال تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ فِي النَّارِ لِخَزَنَةِ جَهَنَّمَ ادْعُوا رَبَّكُمْ يُخَفِّفْ عَنَّا يَوْماً مِنَ الْعَذَابِ. قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُمْ بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاءُ الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلالٍ).

стр. 1595

وقال تعالى (إِذَا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً. وَإِذَا أُلْقُوا مِنْهَا مَكَاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنَالِكَ ثُبُوراً. لا تَدْعُوا الْيَوْمَ ثُبُوراً وَاحِداً وَادْعُوا ثُبُوراً كَثِيراً). وقال تعالى (وَسُقُوا مَاءً حَمِيماً فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ). وقال تعالى (إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَاراً أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِنْ يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاءٍ كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءَتْ مُرْتَفَقاً). وقال تعالى (لَيْسَ لَهُمْ طَعَامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. لا يُسْمِنُ وَلا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ). وقال تعالى (كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ. ثُمَّ إِنَّهُمْ لَصَالُوا الْجَحِيمِ). وقال ﷺ (يُؤْتَى بِأَنْعَمِ أَهْلِ الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُصْبَغُ فِى النَّارِ صَبْغَةً ثُمَّ يُقَالُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ خَيْراً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ نَعِيمٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ. وَيُؤْتَى بِأَشَدِّ النَّاسِ بُؤْساً فِى الدُّنْيَا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيُصْبَغُ صَبْغَةً فِى الْجَنَّةِ فَيُقَالُ لَهُ يَا ابْنَ آدَمَ هَلْ رَأَيْتَ بُؤْساً قَطُّ هَلْ مَرَّ بِكَ شِدَّةٌ قَطُّ فَيَقُولُ لَا وَاللَّهِ يَا رَبِّ مَا مَرَّ بِي بُؤُسٌ قَطُّ وَلَا رَأَيْتُ شِدَّةً قَطُّ). وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ إِذْ سَمِعَ وَجْبَةً فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «تَدْرُونَ مَا هَذَا». قَالَ قُلْنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. قَالَ (هَذَا حَجَرٌ رُمِىَ بِهِ فِي النَّارِ مُنْذُ سَبْعِينَ خَرِيفاً فَهُوَ يَهْوِى فِي النَّارِ الآنَ حَتَّى انْتَهَى إِلَى قَعْرِهَا). وعَنْ سَمُرَةَ أَنَّهُ سَمِعَ نَبِيَّ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ مِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ النَّارُ إِلَى كَعْبَيْهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى حُجْزَتِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ تَأْخُذُهُ إِلَى عُنُقِهِ) رواه مسلم. وقال ﷺ (إِنَّ أَهْوَنَ أَهْلِ النَّارِ عَذَاباً مَنْ لَهُ نَعْلَانِ وَشِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ يَغْلِى مِنْهُمَا دِمَاغُهُ كَمَا يَغْلِى الْمِرْجَلُ مَا يَرَى أَنَّ أَحَداً أَشَدُّ مِنْهُ عَذَاباً وَإِنَّهُ لأَهْوَنُهُمْ عَذَاباً) متفق عليه. وقال ﷺ (يُرْسَلُ الْبُكَاءُ عَلَى أَهْلِ النَّارِ، فَيَبْكُونَ حَتَّى يَنْقَطِعَ الدُّمُوعُ، ثُمَّ يَبْكُونَ الدَّمَ حَتَّى يَصِيرَ فِي وُجُوهِهِمْ كَهَيْئَةِ الأُخْدُودِ، لَوْ أُرْسِلَتْ فِيهِ السُّفُنُ لَجَرَتْ) رواه ابن ماجه. الفوائد: ١ - الوعيد لمن كفر بالله تعالى. ٢ - أن النار مأوى للكافرين. ٣ - تمام قدرة الله تعالى. ٤ - شدة عذاب أهل النار فيها. ٥ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.

стр. 1596

(وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً (٥٧)). [النساء: ٥٧]. (وَالَّذِينَ آمَنُواْ) بقلوبهم. • الإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وبكل ما يجب الإيمان به. (وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ) أي: وعملوا الأعمال الصالحات من واجبات ومستحبات، والعمل الصالح لا يكون صالحاً إلا بشرطين: الشرط الأول: أن يكون خالصاً لله، قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه. الشرط الثاني: أن يكون متابعاً للنبي ﷺ ، لقوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد) رواه مسلم. فمن عمل عملاً أشرك به مع الله غيره ولو يسير الرياء كان عمله غير صالح، ومن أخلص لله لكن على غير شريعة رسول الله ﷺ كان عمله غير صالح. • قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته. • ودائماً يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحاً. قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ). وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً .... ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً). وقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى).

стр. 1597

(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ) أي: يكون جزاؤهم دخول الجنان. • أن الإيمان والعمل الصالح سبب لدخول الجنة، وقد جاء في آيات كثيرة. قال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَأَخْبَتُوا إِلَى رَبِّهِمْ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) وقال تعالى (وَأُدْخِلَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ تَحِيَّتُهُمْ فِيهَا سَلامٌ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) • والجنات جمع جنة، والجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ). وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. - قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع، كما قال تعالى (ولمن خاف مقام ربه جنتان) ثم قال تعالى (ومن دونهما جنتان) وقال ﷺ (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما). • قال الشيخ ابن عثيمين: (جنات) بالجمع، وأحياناً يقال بالإفراد (جنة)، فإذا كانت بالإفراد فالمراد بها مطلق الجنس، وإذا قيلت بالجمع فالمراد بها أنواع الجنات. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي من تحت أشجارها، قال ابن الجوزي: أي من تحت شجرها لا من تحت أرضها. • قال ابن عاشور: وأكمل محاسن الجنات جريان المياه في خلالها وذلك شيء اجتمع البشر كلهم على أنه من أنفس المناظر لأن في الماء طبيعة الحياة، ولأن الناظر يرى منظراً بديعاً وشيئاً لذيذاً. • قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا. • وهذه الأنهار جاء تسميتها في قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً).

стр. 1598

• وهذه الأنهار لا تنضب ولا تنقص، وتجري من غير أخدود. قال ابن القيم في النونية: أنهارها في غير أخدود جرت … سبحان ممسكها عن الفيضانِ (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها. • قال النسفي: الخلد والخلود البقاء الدائم الذي لا ينقطع. • وقال ابن الجوزي: والخلود: البقاء الدائم الذي لا انقطاع له. • قال ابن عاشور: وقوله (وهم فيها خالدون) احتراس مِن تَوَهُّم الانقطاع بما تعودوا من انقطاع اللذات في الدنيا لأن جميع اللذات في الدنيا معرضة للزوال وذلك ينغصها عند المنعم عليه كما قال أبو طيب: أشدُّ الغم عندي في سرور … تحقَّقَ عنه صاحبُه انتقالاً. • وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً، كما قال بعض الشعراء: أحب ليالي الهجر لا فرحاً بها عسى الدهر يأتي بعدها بوصال وأبغضُ أيام الوصال لأنني أرى كل وصل معقباً بزوالِ فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعميم فتتكدر غبطتهم. • وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة: فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم. وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم.

стр. 1599

وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه. (لَّهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ) الأزواج جمع زوج، وهو شامل للأزواج من الحور العين، ومن نساء الدنيا. (مُّطَهَّرَةٌ) يشمل طهارة الظاهر وطهارة الباطن، فهي مطهرة من الأذى، ومن القذر، لا بول ولا غائط ولا حيض ولا نفاس، مطهرة من كل شيء حسي، مطهرة أيضاً من الأقذار الباطنة، كالغل، والحسد، والكراهية، والبغضاء وغير ذلك. • في هذا إثبات الزوجات في الجنة وأنهن مطهرات من كل دنس، من صفات نساء الجنة: أولاً: مطهرات. كما في هذه الآية. ثانياً: كواعب أتراباً. قال تعالى (إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازاً. حَدَائِقَ وَأَعْنَاباً. وَكَوَاعِبَ أَتْرَاباً). الكاعب: المرأة الجميلة التي برز ثديها، والأتراب: المتقاربات في السن. ثالثاً: أبكاراً. قال تعالى (إِنَّا أَنشَأْنَاهُنَّ إِنشَاء. فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً. عُرُباً أَتْرَاباً). أبكاراً: يعني أنه لم ينكحهن قبلهم أحد، العرب: المتحببات لأزواجهن. رابعاً: جميلات غاية الجمال. قال تعالى (وَحُورٌ عِينٌ. كَأَمْثَالِ اللُّؤْلُؤِ الْمَكْنُونِ). وقال ﷺ (ولو أن امرأة من أهل الجنة اطلعت إلى أهل الأرض لأضاءت ما بينهما، ولملأته ريحاً، ولنصيفها على رأسها خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري. حور: جمع حوراء، وهي التي يكون بياض عينها شديد البياض وسواده شديد السواد. عين: جمع عيناء، وهي واسعة العين، المكنون: المخفي المصان، النصيف: الخمار. خامساً: قاصرات الطرف. قال تعالى (حُورٌ مَّقْصُورَاتٌ فِي الْخِيَامِ). وقال تعالى (فِيهِنَّ قَاصِرَاتُ الطَّرْفِ لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنسٌ قَبْلَهُمْ وَلَا جَانٌّ). وقاصرات الطرف: هن اللواتي قصرن بصرهن على أزواجهن، فلم تطمح أنظارهن لغير أزواجهن. (وَنُدْخِلُهُمْ ظِلاًّ ظَلِيلاً) أي: ظلاً دائماً لا تنسخه الشمس ولا حر فيه ولا برد. • قال ابن كثير: أي: ظلاً عميقاً كثيراً غزيراً طيباً أنيقاً. • قال الشنقيطي: وصف في هذه الآية الكريمة ظل الجنة بأنه ظليل، ووصفه في آية أخرى بأنه دائم، وهي قوله (أُكُلُهَا دَآئِمٌ وِظِلُّهَا) ووصفه في آية أخرى بأنه ممدود وهي قوله (وَظِلٍّ مَّمْدُودٍ) وبين في موضع آخر أنها ظلال متعددة وهو قوله (إِنَّ المتقين فِي ظِلَالٍ وَعُيُونٍ). • وقال أبو عبد الله الرازي: وإنما قال ظل ظليلاً لأن بلاد العرب في غاية الحرارة، فكان الظل عندهم من أعظم أسباب الراحة، ولهذا المعنى جعل كناية عن الراحة ووصفه بالظليل مبالغة في الراحة.

стр. 1600

• قال ابن الجوزي: سؤال: فإن قيل: أفي الجنة برد أو حر يحتاجون معه إلى ظل؟ فالجواب: لا، وإنما خاطبهم بما يعقلون مثله، كقوله (ولهم رزقهم فيها بكرة وعشياً). وجواب آخر: وهو أنه إِشارة إِلى كمال وصفها، وتمكين بنائِها، فلو كان البرد أو الحرّ يتسلط عليها، لكان في أبنيتها وشجرها ظل ظليل. الفوائد: ١ - أنه لا يتم دخول الجنة إلا بالإيمان. ٢ - أن العمل لا ينفع إلا إذا كان صالحاً. ٣ - تعظيم الله تعالى. ٤ - بيان شيء من نعيم الجنة. ٥ - أن الجنة أنواع وليست نوعاً واحداً. ٦ - الثناء على الأزواج في الجنة. (الثلاثاء: ٢٤/ ٣/ ١٤٣٤ هـ)

стр. 1601

(إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا (٥٨)). [النساء: ٥٨]. (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا) هذا خطاب لجميع المكلفين، والمعنى: يأمركم الله أيها المؤمنون بأداء الأمانات إلى أربابها. • قال ابن كثير: يأمر تعالى بأداء الأمانات إلى أهلها وهو يعم جميع الأمانات الواجبة على الإنسان من حقوق الله تعالى على عباده من الصلاة والزكاة والصيام، ومن حقوق العباد بعضهم على بعض كالودائع وغيرها. • قال القرطبي: قوله تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأمانات) هذه الآية من أمّهات الأحكام تضمنّت جميع الدَّين والشرع وقد اختُلِف مَن المخاطب بها؛ فقال علي بن أبي طالب وزيد بن أسلم: هذا خطاب لولاة المسلمين خاصَّة، فهي للنبي ﷺ وأُمَرائه، ثم تتناول من بعدهم. وقال ابن عباس: الآية في الولاة خاصة في أن يعظوا النساء في النشوز ونحوه ويردُوهن إلى الأزواج. والأظهر في الآية أنها عامة في جميع الناس فهي تتناول الولاة فيما إليهم من الأمانات في قسمة الأموال، ورد الظلامات والعدل في الحكومات، وهذا اختيار الطبري. وتتناول مَن دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرّز في الشهادات وغير ذلك، كالرجل يحكم في نازلة مّا ونحوه؛ والصلاةُ والزكاةُ وسائرُ العبادات أمانة الله تعالى. وممن قال إن الآية عامة في الجميع البراء بن عازب، وابن مسعود، وابن عباس، وأبي بن كعب قالوا: الأمانة في كل شيء في الوضوء والصلاة والزكاة والجنابة والصوم والكيل والوزن والودائع، وقال ابن عباس: لم يرخّص الله لمعسر ولا لموسر أن يمسك الأمانة. قلت: وهذا إجماع. وأجمعوا على أن الأمانات مردودة إلى أربابها الأبرارِ منهم والفجار؛ قاله ابن المنذر. (تفسير القرطبي). • وقال ابن عاشور: واعلم أن معاملة الإنسان إما أن تكون مع ربه أو مع سائر العباد، أو مع نفسه، ولا بد من رعاية الأمانة في جميع هذه الأقسام الثلاثة. وقال ﵀: وجملة (إنّ الله يأمركم) صريحة في الأمر والوجوب، مثل صراحة النهي في قوله في الحديث (إنّ الله ينهاكم أن تحلفوا بآبائكم).

стр. 1602

(وإنّ) فيها لمجرد الاهتمام بالخبَر لظهور أنّ مثل هذا الخبر لا يقبل الشكّ حتّى يؤكّد لأنّه إخبار عن إيجاد شيء لا عن وجوده، فهو والإنشاء سواء. والخطاب لكلّ من يصلح لتلقّي هذا الخطاب والعمل به من كلّ مؤتمن على شيء، ومن كلّ من تولّى الحكم بين الناس في الحقوق. … (التحرير والتنوير). (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ) هذا أمر من الله تعالى بالحكم بالعدل بين الناس، في الحكام وغيرهم. • قال القرطبي: وهذا خطاب للولاة والأمراء والحكام، ويدخل في ذلك بالمعنى جميعُ الخلق كما ذكرنا في أداء الأمانات. ومن الأدلة على وجوب العدل: قوله تعالى (إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان). وقال (وَإِذَا قُلْتُمْ فاعدلوا وَلَوْ كَانَ ذَا قربى). وقال (ياداوود إِنَّا جعلناك خَلِيفَةً في الأرض فاحكم بَيْنَ الناس بالحق). وعن الحسن قال: ان الله أخذ على الحكام ثلاثا: أن لا يتبعوا الهوى، وأن يخشوه ولا يخشوا الناس، ولا يشتروا بآياته ثمنا قليلا. ومما يدل على وجوب العدل الآيات الواردة في مذمة الظلم: كقوله تعالى (احشروا الذين ظَلَمُواْ وأزواجهم). وقال تعالى (وَلَا تَحْسَبَنَّ الله غافلا عَمَّا يَعْمَلُ الظالمون). وقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُواْ). • فضائل العدل: أولاً: أن الله أمر به. فقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ .... ). ثانياً: أن الله يحب أهله. قال سبحانه (وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ). ثالثاً: على منابر من نور. قال ﷺ (إن المقسطين عند الله على منابر من نور الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا) رواه مسلم رابعاً: في ظل الله يوم القيامة. قال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: إمام عادل … ) متفق عليه. (إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ) أي: نِعم الشيء الذي يعظكم به.

стр. 1603

(إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعاً) لأقوالكم. • وسمع الله ينقسم إلى قسمين: أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر. قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ). هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة. وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء). وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك. ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه. ومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده. ومنه كقوله ﷺ (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب. • آثار الإيمان بهذا الاسم: أولاً: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة. ثانياً: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه. وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم: فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).

стр. 1604

وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ). ودعا يوسف ﵇ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (بَصِيراً) بأفعالكم. والبصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر، قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع. قال ابن القيم: وهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ … سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ ويرى مجاري القوت في أعضائها … ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ ويرى خيانات العيون بِلْحظِها … ويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ • وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ). وقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً). • والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).

стр. 1605

• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً). • ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تن تراه فإنه يراك). الفوائد: ١ - عظمة الله. ٢ - وجوب حفظ الأمانات. ٣ - سمو الشريعة الإسلامية. ٤ - أنه يجب على المؤتمن أن يؤديها إلى أهلها. ٥ - وجوب الحكم بين الناس بالعدل. ٦ - التعبير بالعدل دون المساواة. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والبصير.

стр. 1606

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً (٥٩)). [النساء: ٥٩]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ) يأمر الله تعالى بطاعته، والطاعة فعل الأمر واجتناب النهي. (وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ) أي: خذوا بسنته. • قال القرطبي: وحقيقة الطاعة امتثال الأمر، كما أن المعصية ضدّها وهي مخالفة الأمر، والطاعة مأخوذة من أطاع إذا انقاد، والمعصية مأخوذة من عصى إذا اشتد. • قال ﷺ (ما أمرتكم به فأتوا منه ما استطعتم، وما نهيتكم عنه فاجتنبوه) متفق عليه. • الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة للرسول بعد الأمر بطاعته سبحانه؟ قيل: أن الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة مع أن المطاع في الحقيقة هو الله، تأكيد لوجوب طاعة الرسول ﷺ . وبه قال الطبري، والسعدي. وقيل: إن الفائدة من تكرار الأمر بالطاعة للرسول ﷺ لبيان الدلالتين، فالكتاب يدل على أمر الله تعالى، والسنة تدل على أمر الرسول ﷺ ، فكأن المعنى: أطيعوا الله فيما قضى عليكم في القرآن، وأطيعوا الرسول فيما بيّن لكم من القرآن، وما ينصه عليكم من السنة. وبه قال الرازي، وابن حجر. قال ابن حجر: وَالنُّكْتَة فِي إِعَادَة الْعَامِل فِي الرَّسُول دُونَ أُولِي الْأَمْر مَعَ أَنَّ الْمُطَاع فِي الْحَقِيقَة هُوَ اللَّه تَعَالَى كَوْن الَّذِي يُعْرَف بِهِ مَا يَقَع بِهِ التَّكْلِيف هُمَا الْقُرْآن وَالسُّنَّة، فَكَأَنَّ التَّقْدِير أَطِيعُوا اللَّه فِيمَا نَصَّ عَلَيْكُمْ فِي الْقُرْآن، وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِيمَا بَيَّنَ لَكُمْ مِنْ الْقُرْآن وَمَا يَنُصّهُ عَلَيْكُمْ مِنْ السُّنَّة، أَوْ الْمَعْنَى أَطِيعُوا اللَّه فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْي الْمُتَعَبَّد بِتِلَاوَتِهِ، وَأَطِيعُوا الرَّسُول فِيمَا يَأْمُركُمْ بِهِ مِنْ الْوَحْي الَّذِي لَيْسَ بِقُرْآنٍ. وقيل: إن الفائدة من تكرار الطاعة الرسول ﷺ اعتناء بشأنه وقطعاً لتوهم أنه لا يجب امتثال ما ليس في القرآن.

стр. 1607

(وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) فيما يأمروكم به في غير معصية الله، وقد اختلف في المراد بهم على قولين: القول الأول: أنهم الأمراء. القول الثاني: العلماء. • قال ابن القيم: والقولان ثابتان عن الصحابة في تفسير الآية، والصحيح أنها متناولة للصنفين جميعاً، فإن العلماء والأمراء ولاة الأمر الذي بعث الله به رسوله، فان العلماء ولاته حفظاً وبياناً وذباً عنه، ورداً على من ألحد فيه وزاغ عنه، وقد وكلهم الله بذلك فقال تعالى (فإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين) فيالها من وكالة أوجبت طاعتهم والانتهاء إلى أمرهم وكون الناس تبعاً لهم، والأمراء ولاته قياماً وعناية وجهاداً وإلزاماً للناس به، وأخذهم على يد من خرج عنه، وهذان الصنفان هما الناس وسائر النوع الإنساني تبع لها ورعية. • قال ابن كثير: والظاهر - والله أعلم - أن الآية عامة في جميع أولي الأمر من الأمراء والعلماء. • وقد جاءت الأدلة الكثيرة في وجوب طاعة ولي الأمر في غير معصية الله: عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله، ومن أطاع أميري فقد أطاعني، ومن عصى أميري فقد عصاني) متفق عليه. وعن ابن عمر. قال: قال رسول الله ﷺ (السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره ما لم يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة) متفق عليه. وعن أبي ذر. قال: قال رسول الله ﷺ (إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف) رواه مسلم، وعند البخاري (ولو لحبشي كأن رأسه زبيبة). وعن ابن عباس. قال: قال رسول الله ﷺ (من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر، فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات فميتته جاهلية) متفق عليه. وعن عوف بن مالك. قال: قال رسول الله ﷺ (خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، فقلنا يا رسول الله! أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: لا، ما أقاموا الصلاة فيكم، ألا من وليَ عليه والٍ، فرآه يأتي شيئاً من معصيته فليكره ما يأتي من معصية الله ولا ينزعن يداً من طاعة) رواه مسلم. • قوله تعالى (وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ) ولم يقل (وأطيعوا أولي الأمر … ) وأعاده في الرسول، إشارة إلى استقلال الرسول بالطاعة، وأما ولاة الأمر فلا يطاعون استقلالاً، وإنما يطاعون تبعاً لطاعة الله، ولذلك إذا أمروا بمعصية فلا يطاعون. (فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ) هذا أمر من الله بأن كل شيء تنازع الناس فيه من أصول الدين وفروعه أن يرد التنازع في ذلك إلى الكتاب والسنة كما قال تعالى (وَمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ فَحُكْمُهُ إِلَى اللَّهِ)، فما حكم به كتاب الله وسنة رسوله وشهدا له بالصحة فهو الحق، وماذا بعد الحق إلا الضلال.

стр. 1608

• قوله (إِلَى اللَّهِ) أي: إلى شريعته. • قوله (ورسوله) إن كان حياً فإلى شخصه، وأما بعد موته إلى سنته. • قال القرطبي: قوله تعالى (فَرُدُّوهُ إِلَى الله والرسول) أي: رُدّوا ذلك الحكم إلى كتاب الله أو إلى رسوله بالسؤال في حياته، أو بالنظر في سنته بعد وفاته ﷺ ؛ هذا قول مجاهد والأعمش وقَتادة، وهو الصحيح. (إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر فردوا الأمر إلى الله ورسوله. • والغرض من هذا الحض والحث على التمسك بالكتاب والسنة.، كما يقول القائل: إن كنت ابني فلا تخالفني. • والإيمان بالله: معناه التصديق بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته مع عمل الجوارح بمقتضى ذلك. • واليوم الآخر: هو يوم القيامة، ومعناه: الإيمان بما بعد الموت من البعث والحساب والجزاء على الأعمال على الأعمال وما في ذلك من الأهوال والجنة والنار وغير ذلك. • وسمي اليوم الآخر بهذا الاسم، لأنه بعد انقضاء هذه الدنيا بأيامها ولياليها.

стр. 1609

• وكثيراً ما يقرن الله بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل، وهو أعظم رادع عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله تعالى. (ذَلِكَ) أي: الرجوع إلى الكتاب والسنة. (خَيْرٌ) لكم في الحال والحاضر. (وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: وأحسن مآلاً وعاقبة ومرجعاً، فعاقبته حميدة، لأن الناس إذا رجعوا إلى كتاب الله وسنة رسوله حصل خير عظيم، وانتشر العدل بينهم. • قال ابن القيم: ثم قال تعالى (ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) أي: هذا الذي أمرتكم به من طاعتي وطاعة رسولي وأولياء الأمر ورد ما تنازعتم فيه إلىَّ وإلى رسولي خير لكم في معاشكم ومعادَكم، وهو سعادتكم في الدارين، فهو خير لكم وأحسن عاقبة، فدل هذا على أن طاعة الله ورسوله وتحكيم الله ورسوله هو سبب السعادة عاجلا وآجلاً، ومن تدبر العالم والشرور الواقعة فيه، علم أن كل شر في العالم سببه مخالفة الرسول والخروج عن طاعته، وكل خير في العالم فانه بسبب طاعة الرسول. الفوائد: ١ - وجوب طاعة الله. ٢ - وجوب طاعة الرسول استقلالاً. ٣ - الرد على من كفر بالسنة. ٤ - وجوب طاعة ولي الأمر. ٥ - أن طاعة ولي الأمر من طاعة الله. (السبت: ٢٨/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1610

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُواْ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَن يَتَحَاكَمُواْ إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُواْ أَن يَكْفُرُواْ بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُضِلَّهُمْ ضَلَالاً بَعِيدًا (٦٠) وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْاْ إِلَى مَا أَنزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنكَ صُدُودًا (٦١) فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ ثُمَّ جَآؤُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلاَّ إِحْسَانًا وَتَوْفِيقًا (٦٢) أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَعِظْهُمْ وَقُل لَّهُمْ فِي أَنفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغًا (٦٣)). [النساء: ٦٠ - ٦٣]. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا إنكار من الله، على من يدعي الإيمان بما أنزل الله على رسوله وعلى الأنبياء الأقدمين، وهو مع ذلك يريد التحاكم في فصل الخصومات إلى غير كتاب الله وسنة رسوله، كما ذكر في سبب نزول هذه الآية: أنها في رجل من الأنصار ورجل من اليهود تخاصما، فجعل اليهودي يقول: بيني وبينك محمد، وذاك يقول: بيني وبينك كعب بن الأشرف، وقيل: في جماعة من المنافقين، ممن أظهروا الإسلام، أرادوا أن يتحاكموا إلى حكام الجاهلية، وقيل غير ذلك، والآية أعم من ذلك كله، فإنها ذامة لمن عدل عن الكتاب والسنة وتحاكموا إلى ما سواهما من الباطل، وهو المراد بالطاغوت هاهنا، ولهذا قال (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ). (تفسير ابن كثير). • قال الرازي: قال كثير من المفسرين: نازع رجل من المنافقين رجلاً من اليهود فقال اليهودي: بيني وبينك أبو القاسم، وقال المنافق: بيني وبينك كعب بن الأشرف، والسبب في ذلك أن الرسول ﷺ كان يقضي بالحق ولا يلتفت إلى الرشوة، وكعب بن الأشرف كان شديد الرغبة في الرشوة، واليهودي كان محقاً، والمنافق كان مبطلاً، فلهذا المعنى كان اليهودي يريد التحاكم إلى الرسول، والمنافق كان يريد كعب بن الأشرف. • قال السعدي: يعجب تعالى عباده من حالة المنافقين (الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ) مؤمنون بما جاء به الرسول وبما قبله، ومع هذا.

стр. 1611

(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت، والحال أنهم (قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك، وهذا من إضلال الشيطان إياهم. (وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) أي: أن الشيطان يريد أن يصد هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالاً بعيداً يعني: فيجور بهم عنها جوراً شديداً. • الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد بالطاغوت هنا: كل ما خالف الشرع. • قوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا محل التعجب. • قوله تعالى (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن. • والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع، كما ذكره ابن القيم، ويدخل في ذلك التحاكم إلى الهيئات والمنظمات التي تحكم بغير شرع الله، وكذلك التحاكم إلى القوانين الوضعية. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) الضمير يعود إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وهم المنافقون من أهل الكتاب. (تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) قال الطبري: ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله، يعني بذلك: وإذا قيل لهم تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم: صدوداً. (رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) أي: رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم (صدوداً). بخلاف أهل الإيمان الذين قال الله فيهم (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون). (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك.

стр. 1612

(ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) أي: يتعذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) تفريع على قوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله ورسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة، وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين. (أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال: (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله (يحلفون) وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله (وعظهم) يمنع من ذلك. (تفسير ابن عطية). (وَعِظْهُمْ) أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر. (وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم. قيل: أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ. وقيل: قل لهم في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.

стр. 1613

• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ) أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها. • قال ابن الجوزي: وقد تكلم العلماء في حدّ (البلاغة) فقال بعضهم: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل: البلاغة: الإِيجاز مع الإِفهام، والتصرّف من غير إِضجار. قال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخيرُ الكلام ما شوّق أوّله إِلى سماع آخره، وقال غيره: إِنما يستحق الكلام اسم البلاغة إِذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إِلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك. الفوائد: ١ - ذم النفاق. ٢ - خبث المنافقين. ٣ - وجوب التحاكم إلى شرع الله. ٤ - وجوب الإيمان بما أنزل إلى الرسول. ٥ - إثبات علو الله. ٦ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت. ٧ - وجوب الكفر بالطاغوت. ٨ - أن للشيطان إرادة. ٩ - عداوة الشيطان للإنسان. ١٠ - أن الله لا يخفى عليه ما في الصدور. ١١ - التذكير ووعظ المنافقين. (الأحد: ٢٩/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1614

(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (٦٤)). [النساء: ٦٤]. (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم. • واللام للتعليل، فالحكمة من إرسال الرسل طاعتهم، كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون). قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله). • قال ابن عطية: تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك. • قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك. • قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بسبب إذنه - سبحانه - في طاعة رسوله، لأنه هو الذي أمر بهذه الطاعة لرسله. ويجوز أن يراد بقوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده. • قال السعدي: وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه، لأن الله أمر بطاعتهم مطلقاً، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقاً. (وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) هذا إرشاد من الله للمذنبين العاصين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان، ووقع بينهم خصومة ونزاع. (جَاءُوكَ) أي: إلى الرسول ﷺ ، ومن المعلوم أن المراد جاءوك في حال حياتك، ويدل لهذا (واستغفر لهم الرسول)، لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم. (فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) عما وقع منهم من ظلم. (وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) تأكيداً لذلك. (لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً) التواب اسم من أسماء الله، يتوب على التائبين مهما عظمت ذنوبهم. (رَحِيماً) ومن رحمته أن يتوب على التائبين، بل ويفرح بتوبة عبده كما في الحديث (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة). الفوائد: ١ - إثبات الحكمة من إرسال الرسل. ٢ - إثبات تعليل أفعال الله. ٣ - ثبوت الإذن لله تعالى. ٤ - أنه يجب على الإنسان أن يبادر إلى التوبة والاستغفار. ٥ - أن من تاب بصدق فإن الله يقبل توبته.

стр. 1615

(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (٦٥)). [النساء: ٦٥]. (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ … ) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكماً فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقياداً تاماً، مع الرضا والتسليم. • قال ابن كثير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير مانعة ولا مدافعة ولا منازعة. • وقال ابن القيم: وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكمه في كل ما تنازعه فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يسلم له تسليماً، وينقاد له انقياداً، وقال تعالى (وَمَا كَانَ لمؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ). • وقال الشوكاني: وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود وترجف له الأفئدة، فإنه أولاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله ﷺ ، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) فضم إلى التحكيم أمراً آخر، وهو عدم وجود حرج: أي: حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم! إليه قوله (ويسلموا) أي: يذعنوا وينقادوا ظاهراً وباطناً، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال (تسليماً) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليماً لا يخالطه ردّ ولا تشوبه مخالفة.
следующие страницы →