Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1611–1650 · переход к 1616.
стр. 1611
(يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) وهو كل من حكم بغير شرع الله فهو طاغوت، والحال أنهم (قد أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ) فكيف يجتمع هذا والإيمان؟ فإن الإيمان يقتضي الانقياد لشرع الله وتحكيمه في كل أمر من الأمور، فمَنْ زعم أنه مؤمن واختار حكم الطاغوت على حكم الله، فهو كاذب في ذلك، وهذا من إضلال الشيطان إياهم.
(وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلالاً بَعِيداً) أي: أن الشيطان يريد أن يصد هؤلاء المتحاكمين إلى الطاغوت عن سبيل الحق والهدى، فيضلهم عنها ضلالاً بعيداً يعني: فيجور بهم عنها جوراً شديداً.
• الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد بالطاغوت هنا: كل ما خالف الشرع.
• قوله تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ) هذا محل التعجب.
• قوله تعالى (بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ) وهو القرآن.
• والطاغوت: ما تجاوز به العبد حده من متبوع أو معبود أو مطاع، كما ذكره ابن القيم، ويدخل في ذلك التحاكم إلى الهيئات والمنظمات التي تحكم بغير شرع الله، وكذلك التحاكم إلى القوانين الوضعية.
(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) الضمير يعود إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إلى الرسول وهم المنافقون من أهل الكتاب.
(تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ) قال الطبري: ألم تر يا محمد إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك من المنافقين، وإلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل من قبلك من أهل الكتاب يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت، وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله، يعني بذلك: وإذا قيل لهم تعالوا هلموا إلى حكم الله الذي أنزله في كتابه، وإلى الرسول ليحكم بيننا رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم: صدوداً.
(رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُوداً) أي: رأيت المنافقين يصدون عنك، يعني بذلك: يمتنعون من المصير إليك لتحكم بينهم، ويمنعون من المصير إليك كذلك غيرهم (صدوداً).
بخلاف أهل الإيمان الذين قال الله فيهم (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُون).
(فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: فكيف بهم إذا ساقتهم المقادير إليك في مصائب تطرقهم بسبب ذنوبهم، واحتاجوا إليك في ذلك.
стр. 1612
(ثُمَّ جَاءُوكَ يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ إِنْ أَرَدْنَا إِلَّا إِحْسَاناً وَتَوْفِيقاً) أي: يتعذرون إليك ويحلفون: ما أردنا بذهابنا إلى غيرك وتحاكمنا إلى عداك إلا الإحسان والتوفيق، أي: المداراة والمصانعة، لا اعتقاداً منا صحة تلك الحكومة.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَكَيْفَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) تفريع على قوله (وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول) لأنّ الصدود عن ذلك يوجب غضب الله عليهم، فيوشك أن يصيبهم الله بمصيبة من غير فعل أحد، مثل انكشاف حالهم للمؤمنين فيعرفوا بالكفر فيصبحوا مهدّدين، أو مصيبة من أمر الله ورسوله والمؤمنين بأن يظهروا لهم العداوة، وأن يقتلوهم لنفاقهم فيجيئوا يعتذرون بأنّهم ما أرادوا بالتحاكم إلى أهل الطاغوت إلاّ قصد الإحسان إليهم وتأليفهم إلى الإيمان والتوفيق بينهم وبين المؤمنين.
(أُولَئِكَ الَّذِينَ يَعْلَمُ اللَّهُ مَا فِي قُلُوبِهِمْ) هذا الضرب من الناس هم المنافقون، والله يعلم ما في قلوبهم وسيجزيهم على ذلك، فإنه لا تخفى عليه خافية، فاكتف به يا محمد فيهم، فإن الله عالم بظواهرهم وبواطنهم، ولهذا قال:
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) يعني عن معاقبتهم، وعن شغل البال بهم، وعن قبول أيمانهم الكاذبة في قوله (يحلفون) وليس بالإعراض الذي هو القطيعة والهجر، فإن قوله (وعظهم) يمنع من ذلك. (تفسير ابن عطية).
(وَعِظْهُمْ) أي: وانههم على ما في قلوبهم من النفاق وسرائر الشر.
(وَقُلْ لَهُمْ فِي أَنْفُسِهِمْ قَوْلاً بَلِيغاً) أي: وانصحهم فيما بينك وبينهم بكلام بليغ رادع لهم.
قيل: أي قل لهم في معنى أنفسهم الخبيثة وقلوبهم المطوية على النفاق قولاً بليغاً، وإن الله يعلم ما في قلوبكم فلا يغني عنكم إخفاؤه، فطهروا قلوبكم من النفاق وإلا أنزل الله بكم ما أنزل بالمجاهرين بالشرك أو شراً من ذلك وأغلظ.
وقيل: قل لهم في أنفسهم خالياً بهم ليس معهم غيرهم على سبيل السر، لأن النصحية على الملأ تقريع وفي السر محض المنفعة.
стр. 1613
• قال الآلوسي: قوله تعالى (وَقُل لَّهُمْ فِى أَنفُسِهِمْ) أي قل لهم خالياً لا يكون معهم أحد، لأنه أدعى إلى قبول النصيحة، ولذا قيل: النصح بين الملأ تقريع، أو قل لهم في شأن أنفسهم ومعناها.
• قال ابن الجوزي: وقد تكلم العلماء في حدّ (البلاغة) فقال بعضهم: البلاغة إيصال المعنى إلى القلب في أحسن صورة من اللفظ، وقيل: البلاغة حسن العبارة مع صحة المعنى وقيل: البلاغة: الإِيجاز مع الإِفهام، والتصرّف من غير إِضجار.
قال خالد بن صفوان: أحسن الكلام ما قلت ألفاظه، وكثرت معانيه، وخيرُ الكلام ما شوّق أوّله إِلى سماع آخره، وقال غيره: إِنما يستحق الكلام اسم البلاغة إِذا سابق لفظه معناه، ومعناه لفظه، ولم يكن لفظه إِلى سمعك أسبق من معناه إلى قلبك.
الفوائد:
١ - ذم النفاق.
٢ - خبث المنافقين.
٣ - وجوب التحاكم إلى شرع الله.
٤ - وجوب الإيمان بما أنزل إلى الرسول.
٥ - إثبات علو الله.
٦ - أن التحاكم إلى غير الله ورسوله تحاكم إلى الطاغوت.
٧ - وجوب الكفر بالطاغوت.
٨ - أن للشيطان إرادة.
٩ - عداوة الشيطان للإنسان.
١٠ - أن الله لا يخفى عليه ما في الصدور.
١١ - التذكير ووعظ المنافقين.
(الأحد: ٢٩/ ٣/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1614
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُواْ أَنفُسَهُمْ جَآؤُوكَ فَاسْتَغْفَرُواْ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُواْ اللَّهَ تَوَّابًا رَّحِيمًا (٦٤)). [النساء: ٦٤].
(وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: فرضت طاعته على من أرسله إليهم.
• واللام للتعليل، فالحكمة من إرسال الرسل طاعتهم، كما قال تعالى (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون).
قال تعالى (من يطع الرسول فقد أطاع الله).
• قال ابن عطية: تنبيه على جلالة الرسل، أي: فأنت يا محمد منهم، تجب طاعتك وتتعين إجابة الدعوة إليك.
• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) قال مجاهد: أي: لا يطيع أحد إلا بإذني، يعني: لا يطيعهم إلا من وفقته لذلك.
• قوله تعالى (بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: بسبب إذنه - سبحانه - في طاعة رسوله، لأنه هو الذي أمر بهذه الطاعة لرسله.
ويجوز أن يراد بقوله بِإِذْنِ اللَّهِ أي بتوفيقه - سبحانه - إلى هذه الطاعة من يشاء توفيقه إليها من عباده.
• قال السعدي: وفي هذا إثبات عصمة الرسل فيما يبلغونه عن الله، وفيما يأمرون به وينهون عنه، لأن الله أمر بطاعتهم مطلقاً، فلولا أنهم معصومون لا يشرعون ما هو خطأ، لما أمر بذلك مطلقاً.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ) هذا إرشاد من الله للمذنبين العاصين إذا وقع منهم الخطأ والعصيان، ووقع بينهم خصومة ونزاع.
(جَاءُوكَ) أي: إلى الرسول ﷺ ، ومن المعلوم أن المراد جاءوك في حال حياتك، ويدل لهذا (واستغفر لهم الرسول)، لأنه بعد موته لا يمكن أن يستغفر لهم.
(فَاسْتَغْفَرُوا اللَّهَ) عما وقع منهم من ظلم.
(وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ) تأكيداً لذلك.
(لَوَجَدُوا اللَّهَ تَوَّاباً) التواب اسم من أسماء الله، يتوب على التائبين مهما عظمت ذنوبهم.
(رَحِيماً) ومن رحمته أن يتوب على التائبين، بل ويفرح بتوبة عبده كما في الحديث (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم سقط على بعيره وقد أضله في أرض فلاة).
الفوائد:
١ - إثبات الحكمة من إرسال الرسل.
٢ - إثبات تعليل أفعال الله.
٣ - ثبوت الإذن لله تعالى.
٤ - أنه يجب على الإنسان أن يبادر إلى التوبة والاستغفار.
٥ - أن من تاب بصدق فإن الله يقبل توبته.
стр. 1615
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا (٦٥)). [النساء: ٦٥].
(فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ … ) أقسم الله تعالى بنفسه الكريمة أن هؤلاء لا يؤمنون حقيقة حتى يجعلوك حكماً فيما وقع بينهم من نزاع في حياتك، ويتحاكموا إلى سنتك بعد مماتك، ثم لا يجدوا في أنفسهم ضيقاً مما انتهى إليه حكمك، وينقادوا مع ذلك انقياداً تاماً، مع الرضا والتسليم.
• قال ابن كثير: يقسم تعالى بنفسه الكريمة المقدسة: أنه لا يؤمن أحد حتى يُحكم الرسول ﷺ في جميع الأمور، فما حكم فهو الحق الذي يجب الانقياد له باطناً وظاهراً، ولهذا قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيماً) أي: إذا حكموك يطيعونك في بواطنهم فلا يجدون في أنفسهم حرجاً مما حكمت به، وينقادون له في الظاهر والباطن، فيسلمون لذلك تسليماً كلياً من غير مانعة ولا مدافعة ولا منازعة.
• وقال ابن القيم: وأقسم سبحانه بأنه لا يؤمن من لم يحكمه في كل ما تنازعه فيه هو وغيره، ثم يرضى بحكمه، ولا يجد في نفسه حرجاً مما حكم به، ثم يسلم له تسليماً، وينقاد له انقياداً، وقال تعالى (وَمَا كَانَ لمؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ).
• وقال الشوكاني: وفي هذا الوعيد الشديد ما تقشعر له الجلود وترجف له الأفئدة، فإنه أولاً أقسم سبحانه بنفسه مؤكداً لهذا القسم بحرف النفي بأنهم لا يؤمنون، فنفى عنهم الإيمان الذي هو رأس مال صالحي عباد الله حتى تحصل لهم غاية هي تحكيم رسول الله ﷺ ، ثم لم يكتف سبحانه بذلك حتى قال (ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً مِمَّا قَضَيْتَ) فضم إلى التحكيم أمراً آخر، وهو عدم وجود حرج: أي: حرج في صدورهم، فلا يكون مجرد التحكيم والإذعان كافياً حتى يكون من صميم القلب عن رضا واطمئنان وانثلاج قلب وطيب نفس، ثم لم يكتف بهذا كله، بل ضم! إليه قوله (ويسلموا) أي: يذعنوا وينقادوا ظاهراً وباطناً، ثم لم يكتف بذلك، بل ضم إليه المصدر المؤكد فقال (تسليماً) فلا يثبت الإيمان لعبد حتى يقع منه هذا التحكيم، ولا يجد الحرج في صدره بما قضى عليه، ويسلم لحكم الله وشرعه تسليماً لا يخالطه ردّ ولا تشوبه مخالفة.
стр. 1616
• وقال الشنقيطي: أقسم تعالى في هذه الآية الكريمة بنفسه الكريمة المقدسة أنه لا يؤمن أحد حتى يحكم رسوله ﷺ في جميع الأمور، ثم ينقاد لما حكم به ظاهراً وباطناً، ويسلمه تسليماً كلياً من غير ممانعة، ولا مدافعة، ولا منازعة، وبيّن في آية أخرى أن قول المؤمنين محصور في هذا التسليم الكلي، والانقياد التام ظاهراً وباطناً لما حكم به ﷺ وهي قوله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
• وقد قيل في سبب نزولها قصة اليهودي والأنصاري في القصة المتقدمة، واختاره الرازي.
وقيل: نزت في قصة الأنصاري الذي خاصم الزبير في ماء يسقي به النخل … واختاره القرطبي.
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ (أَنَّ رَجُلاً مِنَ الأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فِي شِرَاجِ الْحَرَّةِ الَّتِي يَسْقُونَ بِهَا النَّخْلَ، فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: سَرِّحِ الْمَاءَ يَمُرُّ، فَأَبَى عَلَيْهِمْ، فَاخْتَصَمُوا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِلزُّبَيْرِ «اسْقِ يَا زُبَيْرُ ثُمَّ أَرْسِلِ الْمَاءَ إِلَى جَارِكَ». فَغَضِبَ الأَنْصَارِيُّ، فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ؛ فَتَلَوَّنَ وَجْهُ نَبِيِّ اللَّهِ ﷺ ثُمَّ قَالَ «يَا زُبَيْرُ اسْقِ ثُمَّ احْبِسِ الْمَاءَ حَتَّى يَرْجِعَ إِلَى الْجَدْرِ». فَقَالَ الزُّبَيْرُ: وَاللَّهِ إِنِّي لأَحْسِبُ هَذِهِ الآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجاً) متفق عليه.
واختار الطّبريّ أن يكون نزول الآية في المنافق واليهودي.
• ولذلك كان السلف من الصحابة ومن بعدهم متمسكين بطاعة الرسول ﷺ ويتشددون على من يردها:
عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (لَا تَمْنَعُوا نِسَاءَكُمُ الْمَسَاجِدَ إِذَا اسْتَأْذَنَّكُمْ إِلَيْهَا». قَالَ فَقَالَ بِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ. قَالَ فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ فَسَبَّهُ سَبًّا سَيِّئاً مَا سَمِعْتُهُ سَبَّهُ مِثْلَهُ قَطُّ وَقَالَ أُخْبِرُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَتَقُولُ وَاللَّهِ لَنَمْنَعُهُنَّ.
وعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ (أَنَّ قَرِيباً لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ خَذَفَ - قَالَ - فَنَهَاهُ وَقَالَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنِ الْخَذْفِ وَقَالَ «إِنَّهَا لَا تَصِيدُ صَيْداً وَلَا تَنْكَأُ عَدُوًّا وَلَكِنَّهَا تَكْسِرُ السِّنَّ وَتَفْقَأُ الْعَيْنَ». قَالَ فَعَادَ. فَقَالَ أُحَدِّثُكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ نَهَى عَنْهُ ثُمَّ تَخْذِفُ لَا أُكَلِّمُكَ أَبَداً) متفق عليه.
الفوائد:
١ - وجوب تحكيم الشريعة في كل شيء مع الرضا والتسليم.
٢ - أن المؤمن الحقيقي لا يرضى إلا بشرع الله.
٣ - تحريم تحكيم غير شرع الله.
٤ - وجوب التسليم لأوامر الله تعالى ورسوله.
стр. 1617
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُواْ مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا (٦٦) وَإِذاً لآتَيْنَاهُم مِّن لَّدُنَّا أَجْراً عَظِيمًا (٦٧) وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا (٦٨)). [النساء: ٦٦ - ٦٨].
(وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إِلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ … ) يخبر تعالى أنه لو كتب على عباده الأوامر الشاقة على النفوس من قتل النفوس والخروج من الديار لم يفعله إلا القليل منهم والنادر، فليحمدوا ربهم وليشكروه على تيسير ما أمرهم به من الأوامر التي تسهل على كل أحد، ولا يشق فعلها، وفي هذا إشارة إلى أنه ينبغي أن يلحظ العبد ضد ما هو فيه من المكروهات، لتخف عليه العبادات، ويزداد حمدًا وشكرًا لربه. (السعدي).
• جاء في التفسير الوسيط: فإن الآية الكريمة تدل على أن اللّه تعالى لم يكلف هذه الأمة إلا بما تستطيعه، لأنه سبحانه لو كلف الناس جميعاً بالتكاليف الشاقة، لما استطاع أن يقوم بها إلا عدد قليل منهم، وهذا الدين لم يجيء لهذا العدد القليل من الناس وإنما جاء للناس جميعاً.
والمراد: أننا لم نكتب على الناس قتل أنفسهم أو خروجهم من ديارهم لأننا لو فعلنا ذلك لما استطاعه إلا عدد قليل منهم. وإنما الذي كتبناه عليهم هو طاعة الرسول ﷺ والخضوع لحكمه في الظاهر والباطن والاستجابة لتوجيهاته في السر والعلن.
فالمقصود من الآية الكريمة بيان لمظهر من مظاهر فضل اللّه على هذه الأمة، ورحمته بها، وتحريض الناس على الامتثال لشريعة اللّه تعالى.
• قال الشوكاني: المعنى: أن الله سبحانه لو كتب القتل والخروج من الديار على هؤلاء الموجودين من اليهود ما فعله إلا القليل منهم - ولذلك لإيثارهم الدنيا على الآخرة - أو لو كتب ذلك على المسلمين ما فعله إلا القليل منهم.
• رجح ابن كثير أن الآية في عموم الناس.
• قال ابن كثير: وهذا من علمه ﵎ بما لم يكن لو كان فكيف كان يكون.
(وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ) ثم أخبر أنهم لو فعلوا ما يوعظون به أي: ما وُظِّف عليهم في كل وقت بحسبه، فبذلوا هممهم، ووفروا نفوسهم للقيام به وتكميله، ولم تطمح نفوسهم لما لم يصلوا إليه، ولم يكونوا بصدده، وهذا هو الذي ينبغي للعبد، أن
ينظر إلى الحالة التي يلزمه القيام بها فيكملها، ثم يتدرج شيئًا فشيئًا حتى يصل إلى ما قدر له من العلم والعمل في أمر الدين والدنيا، وهذا بخلاف من طمحت نفسه إلى أمر لم يصل إليه ولم يؤمر به بعد، فإنه لا يكاد يصل إلى ذلك بسبب تفريق الهمة، وحصول الكسل وعدم النشاط.
• قال الشيخ ابن عثيمين: الأحكام الشرعية مواعظ، ولهذا سمى الله القرآن موعظة فقال (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
стр. 1618
(لَكَانَ) ذلك.
(خَيْراً لَهُمْ) في الحال والمآل.
(وَأَشَدَّ تَثْبِيتاً) أي: حصول التثبيت والثبات وزيادته، فإن الله يثبت الذين آمنوا بسبب ما قاموا به من الإيمان، الذي هو القيام بما وعظوا به، فيثبتهم في الحياة الدنيا عند ورود الفتن في الأوامر والنواهي والمصائب، فيحصل لهم ثبات يوفقون لفعل الأوامر وترك الزواجر التي تقتضي النفس فعلها، وعند حلول المصائب التي يكرهها العبد، فيوفق للتثبيت بالتوفيق للصبر أو للرضا أو للشكر، فينزل عليه معونة من الله للقيام بذلك، ويحصل له الثبات على الدين، عند الموت وفي القبر.
وأيضا فإن العبد القائم بما أمر به، لا يزال يتمرن على الأوامر الشرعية حتى يألفها ويشتاق إليها وإلى أمثالها، فيكون ذلك معونة له على الثبات على الطاعات. (تفسير السعدي).
• قال السدي: أي وأشد تصديقاً، وقيل: أشد تثبيتاً لإيمانهم.
• وقال الشوكاني: وأشد تثبيتاً لأقدامهم على الحق فلا يضطربون في أمر دينهم.
(وَإِذاً) لو أنهم فعلوا ما يوعظون به.
(لَآتَيْنَاهُمْ) أي: أعطيناهم.
(مِنْ لَدُنَّا) أي: من عندنا.
(أَجْراً عَظِيماً) أي: ثواباً عظيماً في كميته وفي قدره.
أي: سنعطيهم ثواباً عظيماً لا يقدر عظمته إلا الله، وهو الحنة، وما فيها من النعيم ورؤية العزيز الحكيم، مما لا يقدر عظمته إلا من وصفه بأنه عظيم، كما قال تعالى (فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ، قال رسول الله ﷺ (قال تعالى: أعددت لعبادي الصالحين ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، اقرؤوا إن شئتم: فَلا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) متفق عليه.
• قال السعدي: أي: في العاجل والآجل الذي يكون للروح والقلب والبدن، ومن النعيم المقيم مما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر.
• سمي الثواب أجراً: لأنه سبحانه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير.
стр. 1619
(وَلَهَدَيْنَاهُمْ صِرَاطاً مُسْتَقِيماً) أي: في الدنيا والآخرة، ففي الدنيا: يهديهم لسلوك الطريق المستقيم السالم من الشرك والبدعة، وفي الآخرة: كما في قوله تعالى (وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ … ) فالله يهديهم إلى الصراط وعلى الصراط وعند الحساب وإلى الجنة، وإلى منازلهم في الجنة.
الفوائد:
١ - بيان ضعف الإنسان.
٢ - قال أبو حيان: وفي الآية دليل على صعوبة الخروج من الديار، إذ قرنه الله تعالى بقتل الأنفس، وقد خرج الصحابة
المهاجرون من ديارهم وفارقوا أهاليهم حين أمرهم الله تعالى بالهجرة.
٣ - أن الناجي من العباد قليل.
٤ - رحمة الله بعباده.
٥ - أن طاعة الله سبب لكل خير.
٦ - أن الأحكام الشرعية مواعظ.
٧ - أن الإنسان بحاجة إلى دعاء الله ليثبته.
стр. 1620
(وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاء وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا (٦٩) ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنَ اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (٧٠)). [النساء: ٦٩ - ٧٠].
(وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ) كلام مستأنف لبيان فضل طاعة الله ورسوله.
• وطاعة الله ورسوله: العمل بما أمر الله به ورسوله، وترك ما نهى عنه الله ورسوله.
• قال الشيخ ابن عثيمين: الطاعة موافقة الأمر تركاً للمنهي وفعلاً للمأمور.
• قوله تعالى (والرسول) يحتمل أن (أل) في الرسول للعهد، والمراد به محمد ﷺ ، ويحتمل أن المراد الجنس، أي: الرسول الذي أرسله سواء كان محمداً أم غيره.
(فَأُولَئِكَ) الإشارة إلى المطيعين.
(مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ) بدخول الجنة، والوصول إلى ما أعد الله لهم.
• قال ابن كثير: فإن الله يسكنه دار كرامته، ويجعله مرافقاً لهؤلاء الصفوة.
• وقال القرطبى: أي هم معهم في دار واحدة ونعيم واحد يستمتعون برؤيتهم والحضور معهم، لا أنهم يساوونهم في الدّرجة؛ فإنهم يتفاوتون لكنهم يتزاورون للاتباع في الدّنيا والاقتداء، وكلّ مَن فيها قد رزق الرضا بحاله، وقد ذهب عنه اعتقاد أنه مفضول، قال الله تعالى (وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِم مِّنْ غِلٍّ).
(مِنَ النَّبِيِّينَ) ويشمل الرسل، لأن كل رسول نبي، فإذا قيل (من النبيين) دخل فيهم بالأولى الرسل.
• والنبي: جمع نبي، وهو من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه (وهذا قول الجمهور).
• والجمهور على أن الرسول من أوحي إليه بشرع وأمر بتبليغه والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بالتبيلغ.
• وهذه المرتبة أعلى المراتب وهي اصطفاء (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
• خصهم الله تعالى بالوحي (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ).
(وَالصِّدِّيقِينَ) جمع صديق، وهي صيغة مبالغة، وهو من كمُل تصديقه، كثير الصدق.
• والصدق يكون:
في الأقوال: ومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها.
وفي الأعمال: ومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد.
وفي الأحوال: ومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص.
стр. 1621
• قال القرطبي: والصدِّيق فعيل، المبالغ في الصدق أو في التصديق، والصدّيق هو الذي يحقق بفعله ما يقوله بلسانه.
وقيل: هم فضلاء أتباع الأنبياء الذين يسبقونهم إلى التصديق كأبي بكر الصدّيق.
• قال ابن القيم ﵀: فالصديق هو الذي صدق في قوله وفعله، وصدق الحق بقوله وعمله، فقد انجذبت قواه كلها للانقياد لله ولرسوله.
• قال ابن القيم: فأما مراتب الكمال فأربع: النبوة والصديقية والشهادة والولاية.
وقد ذكرها الله سبحانه في قوله (ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليماً) … والمقصود أنه ذكر فيها المراتب الأربعة الرسالة والصديقية والشهادة والولاية فأعلى هذه المراتب النبوة والرسالة، ويليها الصديقية، فالصديقون هم أئمة اتباع الرسل ودرجتهم أعلى الدرجات بعدالنبوة.
• قال ابن تيمية: فالصدق أصل كل خير، … وَلِهَذَا يُذْكَرُ أَنَّ بَعْضَ الْمَشَايِخِ أَرَادَ أَنْ يُؤَدِّبَ بَعْضَ أَصْحَابِهِ الَّذِينَ لَهُمْ ذُنُوبٌ كَثِيرَةٌ فَقَالَ: يَا بُنَيَّ: أَنَا آمُرُك بِخَصْلَةِ وَاحِدَةٍ فَاحْفَظْهَا لِي؛ وَلَا آمُرُك السَّاعَةَ بِغَيْرِهَا الْتَزِمْ الصِّدْقَ وَإِيَّاكَ وَالْكَذِبَ وَتَوَعَّدَهُ عَلَى الْكَذِبِ بِوَعِيدِ شَدِيدٍ فَلَمَّا الْتَزَمَ ذَلِكَ الصِّدْقَ دَعَاهُ إلَى بَقِيَّةِ الْخَيْرِ وَنَهَاهُ عَمَّا كَانَ عَلَيْهِ فَإِنَّ الْفَاجِرَ لَا حَدَّ لَهُ فِي الْكَذِبِ. … (مجموع الفتاوى: ١٥/ ٢٤٦).
• وقال ابن القيم: فكل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤة الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤة الكذب والله تعالى يعاقب الكذاب بأن ويقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه ويثيب الصادق بأن يوفقه للقيام بمصالح دنياه وآخرته فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدها ومضارهما بمثل الكذب قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
وقال ﵀: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع.
• وقال ابن تيمية: الصديقية: كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً. (ابن تيمية).
وقال ابن تيمية: الصِّدْقُ أَسَاسُ الْحَسَنَاتِ وَجِمَاعُهَا وَالْكَذِبُ أَسَاسُ السَّيِّئَاتِ وَنِظَامُهَا وَيَظْهَرُ ذَلِكَ مِنْ وُجُوهٍ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الْإِنْسَانَ هُوَ حَيٌّ نَاطِقٌ فَالْوَصْفُ الْمُقَوِّمُ لَهُ الْفَاصِلُ لَهُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الدَّوَابِّ هُوَ الْمَنْطِقُ وَالْمَنْطِقُ قِسْمَانِ: خَبَرٌ وَإِنْشَاءٌ وَالْخَبَرُ صِحَّتُهُ بِالصِّدْقِ وَفَسَادُهُ بِالْكَذِبِ فَالْكَاذِبُ أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ.
الثَّانِي: أَنَّ الصِّفَةَ الْمُمَيِّزَةَ بَيْنَ النَّبِيِّ وَالْمُتَنَبِّئِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ، فَإِنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ الصَّادِقُ الْأَمِينُ وَمُسَيْلِمَةَ الْكَذَّابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إذْ جَاءَهُ أَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوًى لِلْكَافِرِينَ. وَالَّذِي جَاء بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ).
стр. 1622
الثَّالِثُ: أَنَّ الصِّفَةَ الْفَارِقَةَ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ هُوَ الصِّدْقُ فَإِنَّ أَسَاسَ النِّفَاقِ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الْكَذِبُ وَعَلَى كُلِّ خُلُقٍ يُطْبَعُ الْمُؤْمِنُ لَيْسَ الْخِيَانَةَ وَالْكَذِبَ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثٌ مَنْ كُنَّ فِيهِ كَانَ مُنَافِقًا إذَا حَدَّثَ كَذَبَ وَإِذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا اُؤْتُمِنَ خَانَ).
الرَّابِعُ: أَنَّ الصِّدْقَ هُوَ أَصْلُ الْبِرِّ وَالْكَذِبَ أَصْلُ الْفُجُورِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (عَلَيْكُمْ بِالصِّدْقِ فَإِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إلَى الْبِرِّ وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إلَى الْجَنَّةِ وَلَا يَزَالُ الرَّجُلُ يَصْدُقُ وَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ صِدِّيقًا وَإِيَّاكُمْ وَالْكَذِبَ … ).
الْخَامِسُ: أَنَّ الصَّادِقَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الْمَلَائِكَةُ وَالْكَاذِبَ تَنْزِلُ عَلَيْهِ الشَّيَاطِينُ كَمَا قَالَ تَعَالَى (هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَنْ تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ. تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ. يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ).
السَّادِسُ: أَنَّ الْفَارِقَ بَيْنَ الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَبَيْنَ الْمُتَشَبَّهِ بِهِمْ مِنْ الْمُرَائِينَ وَالْمُسْمِعِينَ وَالْمُبْلِسِينَ هُوَ الصِّدْقُ وَالْكَذِبُ.
السابع: أَنَّ الْمَشَايِخَ الْعَارِفِينَ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ أَسَاسَ الطَّرِيقِ إلَى اللَّهِ هُوَ الصِّدْقُ وَالْإِخْلَاصُ كَمَا جَمَعَ اللَّهُ بَيْنَهُمَا فِي قَوْلِهِ (وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ) وَنُصُوصُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ دَالٌّ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوَاضِعَ:
• من أراد أن يصل لهذه الدرجة فليجتهد في الصدق ويتحراه.
قال ﷺ (ولا يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق حتى يكتب عند الله صديقاً).
• وقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم.
• الصدق فضله عظيم ومنزلته عالية، وأنها سبب لرفعة العمل وعلوه.
قال ﷺ (من سأل الشهادة بصدق بلغه الله منازل الشهداء وإن مات على فراشه).
ذكر للإمام أحمد الصدق والإخلاص، فقال: بها ارتفع القوم.
стр. 1623
(وَالشُّهَدَاءِ) جمع شهيد، وهو من قتل شهيداً في المعركة مع الكفار.
• هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة:
أولاً: من أسباب دخول الجنة.
كما قال ﷺ (انْتَدَبَ اللَّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِى سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إِلاَّ إِيمَانٌ بِى وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِى أَنْ أُرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ، أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَلَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِى مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ، وَلَوَدِدْتُ أَنِّى أُقْتَلُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا، ثُمَّ أُقْتَل) متفق عليه
وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).
وعن جابر. قال (قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه
ثانياً: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة.
قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون).
وقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).
ثالثاً: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات.
قال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
وقال ﷺ (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم.
وقال ﷺ (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه .... ) رواه الترمذي.
رابعاً: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات.
عن أنس. قال: قال ﷺ (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما
يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه.
стр. 1624
خامساً: الشهيد في الفردوس الأعلى.
وعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه.
سادساً: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها.
عن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو - أو أخت عمرو - فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها). متفق عليه
سابعاً: الشهداء لا يفتنون في قبورهم:
عن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله ﷺ (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي.
وقال ﷺ لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي.
قال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيماناً به وتصديقاً بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحاناً لإيمانه واختباراً له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب
ثامناً: الشهيد لا يشعر بألم القتل.
عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي.
قال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش
стр. 1625
قال ابن تيمية: وَهَذَا بَابٌ وَاسِعٌ لَمْ يَرِدْ فِي ثَوَابِ الْأَعْمَالِ وَفَضْلِهَا مِثْلُ مَا وَرَدَ فِيهِ. وَهُوَ ظَاهِرٌ عِنْدَ الِاعْتِبَارِ فَإِنَّ نَفْعَ الْجِهَادِ عَامٌّ لِفَاعِلِهِ وَلِغَيْرِهِ فِي الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَمُشْتَمِلٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْعِبَادَاتِ الْبَاطِنَةِ وَالظَّاهِرَةِ فَإِنَّهُ مُشْتَمِلٌ مِنْ مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِخْلَاصِ لَهُ وَالتَّوَكُّلِ عَلَيْهِ وَتَسْلِيمِ النَّفْسِ وَالْمَالِ لَهُ وَالصَّبْرِ وَالزُّهْدِ وَذِكْرِ اللَّهِ وَسَائِرِ أَنْوَاعِ الْأَعْمَالِ: عَلَى مَا لَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عَمَلٌ آخَرُ. وَالْقَائِمُ بِهِ مِنْ الشَّخْصِ وَالْأُمَّةِ بَيْنَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ دَائِمًا. إمَّا النَّصْرُ وَالظَّفَرُ وَإِمَّا الشَّهَادَةُ وَالْجَنَّةُ. فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا بُدَّ لَهُمْ مِنْ مَحْيَا وَمَمَاتٍ فَفِيهِ اسْتِعْمَالُ مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتِهِمْ فِي غَايَةِ سَعَادَتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِي تَرْكِهِ ذَهَابُ السَّعَادَتَيْنِ أَوْ نَقْصُهُمَا؛ فَإِنَّ مِنْ النَّاسِ مَنْ يَرْغَبُ فِي الْأَعْمَالِ الشَّدِيدَةِ فِي الدِّينِ أَوْ الدُّنْيَا مَعَ قِلَّةِ مَنْفَعَتِهَا فَالْجِهَادُ أَنْفَعُ فِيهِمَا مِنْ كُلِّ عَمَلٍ شَدِيدٍ وَقَدْ يَرْغَبُ فِي تَرْفِيهِ نَفْسِهِ حَتَّى يُصَادِفَهُ الْمَوْتُ، فَمَوْتُ الشَّهِيدِ أَيْسَرُ مِنْ كُلِّ مِيتَةٍ وَهِيَ أَفْضَلُ الْمِيتَاتِ.
تاسعاً: دم الشهيد أحب شيء إلى الله.
عن أبي أمامة. قال: قال رسول الله ﷺ (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي.
عاشراً: الشهيد يشفع في أهل بيته.
عن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي.
الحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة.
عن البراء بن عازب قال (أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ : عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري.
فائدة: سمي الشهيد بذلك:
قال النووي: " قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة ".
وقال ابن الأنباري: " إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة ".
وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة.
وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه.
وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله.
وقيل: لأن عليه شاهداً بكونه شهيداً وهو الدم.
стр. 1626
(وَالصَّالِحِينَ) جمع صالح، وهو الذي أدى حق الله وحق الناس.
• قال ابن الجوزي: وأما الصالحون فهم اسم لكل من صلحت سريرته وعلانيته.
• قال ابن تيمية: وهذه الأربعة هي مراتب العباد: أفضلهم الأنبياء، ثم الصديقون، ثم الشهداء، ثم الصالحون.
(وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً) أي: ونعمت رفقة هؤلاء وصحبتهم، وحسن رفيق أولئك الأبرار، عن عائشة ﵂ قالت: سمعت النبي ﷺ في شكواه التي قبض فيها يقول (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين) فعلمت أنه خير.
(ذَلِكَ الْفَضْلُ) الذي نالوه.
(مِنَ اللَّهِ) لا من غيره، فهو الذي وفقهم لذلك، وأعانهم عليه، وأعطاهم من الثواب ما لا تبلغه أعمالهم.
• قال القرطبي: قوله تعالى (ذلك الفضل مِنَ الله) أخبر تعالى أنهم لم ينالوا الدرجة بطاعتهم بل نالوها بفضل الله تعالى وكرمه.
• سؤال: فإن قال قائل: أو ليس بالطاعة وصلوا إلى ما وصلوا إليه من فضله؟
قيل له: إنهم لم يطيعوه في الدنيا إلا بفضله الذي تفضل به عليهم، فهداهم به لطاعته، فكل ذلك فضل منه تعالى ذكره. (تفسير الطبري)
كما قال ﷺ (قَارِبُوا وَسَدِّدُوا، وَاعْلَمُوا أَنَّهُ لَنْ يَنْجُوَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بعَمَلِهِ)) قالُوا: وَلا أَنْتَ يَا رَسُول الله؟ قَالَ: ((وَلَا أنا إلاَّ أنْ يَتَغَمَّدَني الله برَحمَةٍ مِنهُ وَفَضْل) متفق عليه.
وزكريا لما دخل على مريم ( … وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقاً قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ. هُنَالِكَ دَعَا زَكَرِيَّا رَبَّهُ قَالَ رَبِّ هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ. فَنَادَتْهُ الْمَلائِكَةُ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي فِي الْمِحْرَابِ أَنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكَ بِيَحْيَى مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَسَيِّداً وَحَصُوراً وَنَبِيّاً مِنَ الصَّالِحِينَ).
(وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيماً) يعلم أحوال عباده، ومَنْ يستحق منهم الثواب الجزيل، بما قام به من الأعمال الصالحة، التي تواطأ عليها القلب والجوارح. [تفسير السعدي].
الفوائد:
١ - الحث على طاعة الله ورسوله.
٢ - أن طاعة الرسول من طاعة الله.
٣ - أن النبي أفضل من الصديق، والصديق أفضل من الشهيد، والشهيد أفضل من الصالح.
٤ - الثناء على هؤلاء الأصناف الأربعة.
٥ - بيان نعمة الله على هؤلاء الأصناف.
٦ - أن ما يحصل للإنسان من فضل فهو من الله.
٧ - بيان سعة علم الله تعالى.
(الأحد: ٧/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1627
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ خُذُواْ حِذْرَكُمْ فَانفِرُواْ ثُبَاتٍ أَوِ انفِرُواْ جَمِيعًا (٧١)). [النساء: ٧١].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ) يأمر تعالى عباد المؤمنين بأخذ الحذر من أعدائهم الكافرين.
• قال السعدي: وهذا يشمل الأخذ بجميع الأسباب التي بها يستعان على قتالهم، ويستدفع مكرهم وقوتهم، من استعمال الحصون والخنادق، وتعلم الرمي والركوب، وتعلم الصناعات التي تعين على ذلك، وما به يعرف مداخلهم ومخارجهم، ومكرهم.
قال ابن عاشور: والحذْرُ: هو توقّي المكروه.
(فَانْفِرُوا) النفير: الخروج إلى الجهاد.
(ثُبَاتٍ) أي: أخرجوا إلى قتال عدوكم متفرقين.
(أَوِ انْفِرُوا جَمِيعاً) أي: أخرجوا إلى قتالهم مجتمعين.
• والكلمة يعرف معناها بضدها، فعلمنا أن معنى (ثباتٍ) متفرقين من قوله (أو انفروا جميعاً) حيث قوبلت بهذا.
• قال السعدي في الآية: كل هذا تبع للمصلحة والنكاية والراحة للمسلمين في دينهم.
الفوائد:
١ - وجوب أخذ الحذر من الأعداء.
٢ - أنه يجب على الإنسان أن يكون كيساً فطناً.
٣ - وجوب الجهاد.
стр. 1628
(وَإِنَّ مِنكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ فَإِنْ أَصَابَتْكُم مُّصِيبَةٌ قَالَ قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُن مَّعَهُمْ شَهِيدًا (٧٢) وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِّنَ الله لَيَقُولَنَّ كَأَن لَّمْ تَكُن بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ يَا لَيتَنِي كُنتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزًا عَظِيمًا (٧٣)). [النساء: ٧٢ - ٧٣].
(وَإِنَّ مِنْكُمْ) (من) للتبعيض، والمراد بهم المنافقون، جعلوا من المؤمنين باعتبار زعمهم وباعتبار الظاهر
• قال البغوي: وإنما قال (مِنْكُم) لاجتماعهم مع أهل الإيمان في الجنسية والنسبِ وإظهارِ الإسلام، لا في حقيقة الإيمان
• قال ابن عاشور: قوله (وإنَّ مِنكم لمن ليبطّئنّ) أي: من جماعتكم وعدادكم، والخبر الوارد فيهم ظاهر منه أنَّهم ليسوا بمؤمنين في خلوتهم، لأنّ المؤمن إن أبطأ عن الجهاد لا يقول (قد أنعم الله عليَّ إذ لم أكن معهم شهيداً)، فهؤلاء منافقون، وقد أخبر الله عنهم بمثل هذا صراحة في آخر هذه السورة بقوله (بشّر المنافقين بأنّ لهم عذاباً أليماً) إلى قوله (الذين يتربّصون بكم فإن كان لكم فتح من الله قالوا ألم نكن معكم وإن كان للكافرين نصيب قالوا ألم نستحوذ عليكم ونمنعكم من المؤمنين).
وقيل: أريد بهم ضعفة المؤمنين يتثاقلون عن الخروج إلى أن يتّضح أمر النصر، قال الرازي: وهذا اختيار جماعة من المفسرين.
وقيل: المراد بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) بعض المؤمنين؛ لأن الله خاطبهم بقوله (وَإِنَّ مِنْكُمْ) وقد فرَق الله تعالى بين المؤمنين والمنافقين بقوله (وَمَا هُم مِّنكُمْ) وهذا يأباه مسَاق الكلام وظاهره.
وإنما جمع بينهم في الخطاب من جهة الجنس والنسب كما بيّنا لا من جهة الإيمان، هذا قول الجمهور وهو الصحيح إن شاء الله تعالى، ويدلّ عليه قوله (فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُّصِيبَةٌ) أي قَتْلٌ وهزيمة (قَالَ قَدْ أَنْعَمَ الله عَلَيَّ) يعني بالقعود، وهذا لا يصدر إلا من منافق؛ لا سيّما في ذلك الزمان الكريم، بعيد أن يقوله مؤمن.
(لَمَنْ لَيُبَطِّئَنَّ) أي: ليتخلفن عن الجهاد.
قال ابن كثير: ويحتمل أن يكون المراد أنه يتبأطأ هو بنفسه، ويبطئ غيره عن الجهاد، كما كان عبد الله بن أبيّ بن سلول - قبحه الله - يفعل، يتأخر عن الجهاد، ويثبّط الناس عن الخروج فيه.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطِّئَنَّ) يعني المنافقين، والتّبطِئة والإبطاء التأخّر، تقول: ما أبطأك عنا؛ فهو لازم، ويجوز بطأت فلاناً عن كذا أي أخرته؛ فهو متعد، والمعنيان مراد في الآية، فكانوا يقعدون عن الخروج ويُقعِدون غيرهم، والمعنى إن من دخلائكم وجنسكم وممن أظهر إيمانه لكم، فالمنافقون في ظاهر الحال من أعداد المسلمين بإجراء أحكام المسلمين عليهم.
• قال ابن تيمية: الإعراض عن الجهاد، فإنه من خصال المنافقين، قال النبي ﷺ : "من مات ولم يغزُ ولم يحدّث نفسه بالغزو مات على شعبة من نفاق "رواه مسلم. وقد أنزل الله " سورة براءة " التي تسمى الفاضحة، لأنها فضحت المنافقين.
стр. 1629
ولهذا أخبر تعالى عن المنافق أنه يقول إذا تأخر عن الجهاد:
(فَإِنْ أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ) أي: قتل وشهادة وغلب العدو لكم، لما لله في ذلك الحكمة.
(قال) ذلك المتخلف.
(قَدْ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيَّ إِذْ لَمْ أَكُنْ مَعَهُمْ شَهِيداً) أي: قد تفضل الله عليّ إذ لم أشهد الحرب معهم فأُقتل ضمن من قتلوا.
• قال ابن كثير: يعد ذلك من نعم الله عليه، ولم يدر ما فاته من الأجر في الصبر، أو الشهادة إذا قتل.
• قال السعدي: رأى من ضعف عقله وإيمانه أن التقاعد عن الجهاد الذي فيه تلك المصيبة نعمة، ولم يدر أن النعمة الحقيقية هي التوفيق لهذه الطاعة الكبيرة، التي بها يقوى الإيمان، ويسلم بها العبد من العقوبة والخسران، ويحصل له فيها عظيم الثواب، ورضا الكريم الوهاب، وأما القعود فإنه وإن استراح قليلاً، فإنه يعقبه تعب طويل وآلام عظيمة، ويفوته ما يحصل للمجاهدين.
• قال تعالى عن قوم مؤمنين (لَيْسَ عَلَى الضُّعَفَاءِ وَلا عَلَى الْمَرْضَى وَلا عَلَى الَّذِينَ لا يَجِدُونَ مَا يُنْفِقُونَ حَرَجٌ إِذَا نَصَحُوا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ مَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ. وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُون) فهؤلاء بكوا لأنهم لم يقدروا عن الجهاد.
(وَلَئِنْ أَصَابَكُمْ فَضْلٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وظفر وغنيمة.
(لَيَقُولَنَّ) هذا المتخلف.
(كَأَنْ لَمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ مَوَدَّةٌ) أي: كأنه ليس من أهل دينكم.
(يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَعَهُمْ فَأَفُوزَ فَوْزاً عَظِيماً) أي: بأن يضرب لي بسهم معهم فأحصل عليه، وهو أكبر قصده وغاية مراده
الفوائد:
١ - أن التكاسل عن الخير والتباطؤ فيه من أسباب النفاق.
قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً)
وقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلَّا أَنَّهُمْ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).
وقال ﷺ (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً) متفق عليه.
٢ - ذم النفاق.
٣ - أن المنافق لا يؤمن بوعد الله ولقائه، ولذلك يتحسر على فوات الدنيا، ويفرح بقدوم الدنيا عليه.
стр. 1630
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (٧٤)). [النساء: ٧٤].
(فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا أمر بالجهاد في سبيل الله.
وفي هذا التنبيه على أن يكون الجهاد في سبيل الله ولتكون كلمة الله هي العليا.
عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ عَنِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ شَجَاعَةً وَيُقَاتِلُ حَمِيَّةً وَيُقَاتِلُ رِيَاءً أَىُّ ذَلِكَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِىَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِى سَبِيلِ اللَّه) متفق عليه.
(الَّذِينَ يَشْرُونَ) أي: يبيعون.
(الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) أي: يبيعون الدنيا رغبة عنها بالآخرة رغبة فيها.
• قال ابن عطية: هذا أمر من الله للمؤمنين الذين وصفهم بالجهاد في سبيل الله، و (يشرون) معناه: يبيعون في هذا الموضع، وإن جاء في مواضع: يشترون، فالمعنى هاهنا يدل على أنه بمعنى " يبيعون " ثم وصف الله ثواب المقاتل في سبيل الله، فذكر غايتي حالتيه، واكتفى بالغايتين عما بينهما، وذلك أن غاية المغلوب في القتال أن يقتل، وغاية الذي يقتل ويغنم أن يتصف بأنه غالب على الإطلاق.
(وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) بأن يكون جهاداً قد أمر الله به ورسوله، ويكون العبد مخلصاً لله فيه، قاصداً وجه الله.
(فَيُقْتَلْ) أي: يستشهد.
(أَوْ يَغْلِبْ) أي: ينتصر
• قال البيضاوي: وإنما قال (فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ) تنبيهاً على أن المجاهد ينبغي أن يثبت في المعركة حتى يعز نفسه بالشهادة أو الدين، بالظفر والغلبة وأن لا يكون قصده بالذات إلى القتل، بل إلى إعلاء الحق وإعزاز الدين.
(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) فهو غانم في كل حال، إن قُتِل قُتل شهيداً، وإن غلب غلب سعيداً كما قال تعالى (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَا إِلَّا إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ) وهما إما الشهادة أو النصر والغلبة (وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَنْ يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ أَوْ بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُوا إِنَّا مَعَكُمْ مُتَرَبِّصُونَ).
عن أبي هريرةَ ﵁ أن رسولَ الله ﷺ قال (تكفّل الله تعالى لمن جاهد في سبيله لا يُخرِجُه إلا جهادٌ في سبيله وتصديقُ كلمتِه أن يُدخِلَه الجنةَ أو يُرجِعَه إلى مسكنه الذي خرج منه مع ما نال من أجر وغنيمة) متفق عليه.
• قال ابن تيمية: القائم به من الشخص أو الأمّة بين إحدى الحسنيين دائماً، إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة
من كلمات ابن تيمية في الجهاد وفضله:
стр. 1631
وقال: الجهاد في سبيل الله مقصوده أن يكون الدين كلّه لله، وأن تكون كلمة الله هي العليا.
وقال: نفع الجهاد عامٌ لفاعله ولغيره في الدين والدنيا، ومشتمل على جميع أنواع العبادات الباطنة والظاهرة، فإنه مشتملٌ من محبة الله تعالى، والإخلاص له، والتوكل عليه، وتسليم النفس والمال له، والصبر والزهد، وذكر الله، وسائر أنواع العمل: على ما لا يشتمل عليه عملٌ آخر.
وقال: .... ولمّا كان صلاح بني آدم لا يتم في دينهم ودنياهم إلاّ بالشجاعة والكرم: بيّن سبحانه أن من تولى عن الجهاد بنفسه أبدل الله به من يقوم بذلك، فقال (يا أيها الذين آمنوا! ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الأرض؟ أرضيتم بالحياة الدنيا من الآخرة؟ فما متاع الحياة الدنيا في الآخرة إلاّ قليل. إلاّ تنفروا يعذبكم عذاباً أليماً ويستبدل قوماً غيركم ولا تضرّوه شيئاً، والله على كلّ شيء قدير). وقال تعالى (ها أنتم هؤلاء تدعون لتنفقوا في سبيل الله فمنكم من يبخل ومن يبخل فإنما يبخل عن نفسه والله الغني وأنتم لفقراء وإن تتولوا يستبدل قوماً غيركم ثم لا يكونوا أمثالكم). وبالشجاعة والكرم في سبيل الله فضل السابقين، فقال (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعد وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى). وقد ذكر الجهاد بالنفس والمال في سبيله، ومدحه في غير آية من كتابه، وذلك هو الشجاعة والسماحة في طاعته سبحانه، فقال (كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله والله مع الصابرين).
وقال: الأمر بالجهاد، وذكر فضائله في الكتاب والسنة: أكثر من أن يحصر. ولهذا كان أفضل ما تطوع به الإنسان، وكان باتفاق العلماء أفضل من الحج والعمرة، ومن الصلاة التطوع، والصوم التطوع، كما دلّ عليه الكتاب والسنة.
وقال: لم يرد في ثواب الأعمال وفضلها مثل ما ورد فيه.
وقال ﵀: الجهاد فيه خير الدنيا والآخرة، وفي تركه خسارة الدنيا والآخرة، قال الله تعالى في كتابه (قل هل تربصون بنا إلاّ إحدى الحسنيين) يعني: إمّا النصر والظفر، وإمّا الشهادة والجنة. فمن عاش من المجاهدين كان كريماً له ثواب الدنيا، وحسن ثواب الآخرة، ومن مات منهم أو قتل فإلى الجنة.
стр. 1632
• فضائل الجهاد في سبيل الله:
أولاً: أن الروحة في سبيل الله خير من الدنيا بما فيها.
لقوله ﷺ (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها).
ثانياً: أنه من أفضل الأعمال.
عن أبي ذر قال: (قلت يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: الإيمان بالله، والجهاد في سبيل الله). متفق عليه
ثالثاً: أن المجاهد أفضل الناس.
عن أبي سعيد الخدري قال: (أتى رجل رسول الله ﷺ فقال: أي الناس أفضل؟ قال: مؤمن يجاهد بنفسه وماله في سبيل الله). متفق عليه
رابعاً: الجهاد لا يعدله شيء.
عن أبي هريرة ﵁ قال: (قيل: يا رسول الله، ما يعدل الجهاد في سبيل الله؟ قال: لا تستطيعونه، فأعادوا عليه مرتين أو ثلاثاً كل ذلك يقول: لا تستطيعونه، ثم قال: مثل المجاهد في سبيل الله كمثل الصائم القائم، القانت بآيات الله، لا يفتر من صيام ولا صلاة حتى يرجع المجاهد في سبيل الله). متفق عليه
خامساً: للمجاهدين مائة درجة في الجنة.
قال ﷺ : (إن في الجنة مائة درجة أعدها الله للمجاهدين في سبيل الله، ما بين الدرجتين كما بين السماء والأرض) رواه البخاري
سادساً: الجهاد سبب للنجاة من النار.
قال ﷺ : (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري
قال الحافظ ابن حجر: وفي ذلك إشارة إلى عظم قدر التصرف في سبيل الله، فإذا كان مجرد مسّ الغبار للقدم يحرم عليها النار، فكيف بمن سعى وبذل جهده واستنفذ وسعه؟
стр. 1633
سابعاً: من أسباب دخول الجنة.
قال تعالى: (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ).
وقال ﷺ (إن الجنة تحت ظلال السيوف) متفق عليه.
ثامناً: المجاهد يكون الله في عونه.
قال ﷺ : (ثلاثة حق على الله عونهم: المجاهد في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف). رواه أحمد
تاسعاً: الجهاد ذروة سنام الإسلام.
قال ﷺ : (وذروة سنام الإسلام الجهاد في سبيل الله). رواه الترمذي
ذروة الشيء: أعلاه.
عاشراً: نفى سبحانه التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين.
قال تعالى: (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً).
الحادي عشر: أن الجهاد سبب لمغفرة الذنوب.
قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنجِيكُم مِّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ (١٠) تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١١) يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). (الثلاثاء: ٩/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).
الفوائد:
١ - الأمر بالجهاد في سبيل الله.
٢ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد في سبيل الله.
٣ - أن الإنسا إذا آمن بوعد الله وبجنته قاده ذلك للجهاد والتضحية في سبيل الله.
٤ - أن من يرغب بالدنيا ومتاعها الزائل فإنه يتكاسل عن الجهاد.
٥ - أن المقاتل في سبيل الله ناجح على كل حال.
стр. 1634
(وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا (٧٥)). [النساء: ٧٥].
(وَمَا لَكُمْ لا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) تحريض على الجهاد في سبيل الله، وهو يتضمن تخليص المستضعفين من أيدي الكفرة
المشركين الذين يسومونهم سوء العذاب، وسيفتنونهم عن الدين، فأوجب تعالى الجهاد لإعلاء كلمته وإظهار دينه واستنقاذ المؤمنين الضعفاء من عباده. [قاله القرطبي].
• الاستفهام للحث والتحريض على الجهاد.
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ) عطف على اسم الله والمعنى، ومالكم لا تقاتلون في سبيل الله، وفي سبيل استنقاذ المستضعفين من الأسر، ويحتمل: أن يكون منصوباً على الاختصاص، أي: ما لكم لا تقاتلون في سبيل الله وأخص المستضعفين فإنهم من أعظم ما يصدق عليهم سبيل الله، وعلى هذا القول يكون استنقاذ المستضعفين أحد الأسباب التي من أجلها يقوم الجهاد.
• قال القرطبي: قوله تعالى (والمستضعفين) عطف على اسم الله ، أي وفي سبيل المستضعفين، فإن خلاص المستضعفين من سبيل الله، وهذا اختيار الزَجّاج وقاله الزُّهري.
وقال محمد بن يزيد: أختارُ أن يكون المعنى وفي المستضعفين فيكون عطفا على السبيل؛ أي وفي المستضعفين لاستنقاذهم؛ فالسبيلان مختلفان.
• قال القرطبي: ويعني بالمستضعفين من كان بمكة من المؤمنين تحت إذلال كفرة قريش وأذاهم، قال ابن عباس: كنت أنا وأمي من المستضعفين.
• وقال ابن عاشور: و (المستضعفون) الذين يعدّهم الناس ضعفاء، وأراد بهم من بقي من المؤمنين بمكة من الرجال الذين منعهم المشركون من الهجرة بمقتضى الصلح الذي انعقد بين الرسول ﷺ وبين سفير قريش سهيل بن عمرو؛ إذ كان من الشروط التي انعقد عليها الصلح: أنّ من جاء إلى مكة من المسلمين مرتداً عن الإسلام لا يردّ إلى المسلمين، ومن جاء إلى المدينة فارّاً من مكة مؤمناً يردّ إلى مكة، ومن المستضعفين الوليد بن الوليد، وسلمة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة.
стр. 1635
وأمّا النساء فهنّ ذوات الأزواج أو ولايى الأولياء المشركين اللائي يمنعهنّ أزواجهنّ وأولياؤهنّ من الهجرة: مثل أمّ كلثوم بنت عقبة بن أبي مُعَيط، وأمّ الفضل لبابَة بنت الحارث زوج العباس، فقد كنّ يؤذَيْن ويحقَّرْن.
وأمّا الوِلدَانُ فهم الصغار من أولاد المؤمنين والمؤمنات، فإنّهم كانوا يألَمون من مشاهدة تعذيب آبائهم وذويهم وإيذاء أمّهاتهم وحاضناتهم، وعن ابن عباس أنّه قال: كنتُ أنا وأميّ من المستضعفين.
والقتال في سبيل هؤلاء ظاهر، لإنقاذهم من فتنة المشركين، وإنقاذ الولدان من أن يشبّوا على أحوال الكفر أو جهل الإيمان.
(الَّذِينَ يَقُولُونَ) أي: الذين يدعون ربهم لكشف الضر عنهم قائلين:
(رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا) القرية هنا مكة بإجماع [قاله القرطبي]. والمراد بظلم أهل مكة، إشراكهم بالله تعالى، والعدوان على هؤلاء المستضعفين.
• قال الرازي: أجمعوا على أن المراد امن هذه القرية الظالم أهلها مكة، وكون أهلها موصوفين بالظلم يحتمل أن يكون لأنهم كانوا مشركين قال تعالى (إِنَّ الشرك لَظُلْمٌ عَظِيمٌ) وأن يكون لأجل أنهم كانوا يؤذون المسلمين ويوصلون إليهم أنواع المكاره.
(وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيّاً) أي: ويقولون أيضاً: اجعل لنا من لدنك ولياً، أي من عندك ولياً، يعني يتولانا ويتولى أمورنا.
(وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيراً) أي: ناصراً ينصرنا على عدونا.
• قال الشيخ ابن عثيمين: اعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير في دفع ما يضر، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر.
الفوائد:
١ - الحث والتحريض على القتال في سبيل الله.
٢ - توبيخ من تكاسل عن الجهاد.
٢ - وجوب تخليص الأسير المسلم من أسره وقد قال ﷺ (فكوا العاني).
٤ - وجوب الدفاع عن المستضعفين من المسلمين.
стр. 1636
(الَّذِينَ آمَنُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ فَقَاتِلُواْ أَوْلِيَاء الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا (٧٦)). [النساء: ٧٦].
(الَّذِينَ آمَنُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا ترغيب للمؤمنين وتنشيط لهم بأن قتالهم لهذا المقصد لا لغيره.
• في سبيل الله: في طاعته وشرعه لإعلاء كلمة الله، لا من أجل التراب أو الوطن أو القبيلة.
(وَالَّذِينَ كَفَرُوا يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الطَّاغُوتِ) أي: وأما الكافرون بالله فيقاتلون في سبيل الطاغوت.
• قيل: المراد بالطاغوت هنا الشيطان.
• قال أبو حيان: والطاغوت هنا الشيطان لقوله (فقاتلوا أولياء الشيطان).
وقد يقال إن الطاغوت هنا كل من قاتل في غير سبيل الله، لأنه في مقابلة من يقاتل في سبيل الله.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وقد ذكرنا قاعدة مفيدة: أن الشيء قد يعرف بمعرفة مقابله.
• قال السعدي: في سبيل الطاغوت: الذي هو الشيطان، وفي ضمن ذلك عدة فوائد:
منها: أنه بحسب إيمان العبد يكون جهاده في سبيل الله وإخلاصه ومتابعته.
ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله ينبغي له ويحسن منه الصبر والجلد ما لا يقوم به غيره، فإذا كان أولياء الشيطان يصبرون ويقاتلون وهم على باطل، فأهل الحق أولى بذلك كما قال تعالى في هذا المعنى (إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ).
ومنها: أن الذي يقاتل في سبيل الله معتمد على ركن وثيق، وهو الحق، والتوكل على الله، فصاحب القوة والركن الوثيق يطلب منه من الصبر والثبات والنشاط ما لا يطلب ممن يقاتل عن الباطل، الذي لا حقيقة له ولا عاقبة حميدة.
(فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ) أي: يا من تقاتلون في سبيل الله، قاتلوا أولياء الشيطان وهم كل من أطاعه واتبعه، وهم الذين يقاتلون لا لتكون كلمة الله هي العليا.
(إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفاً) الكيد: سلوك الطرق الخفية في ضرر العدو، فالشيطان وإن بلغ مكره مهما بلغ، فإنه في غاية الضعف، الذي لا يقوم لأدنى شيء من الحق، ولا لكيد الله لعباده المؤمنين. [قاله السعدي].
• قال ابن عاشور: والمراد بكيد الشيطان تدبيره، وهو ما يظهر على أنصاره من الكيد للمسلمين والتدبير لتأليب الناس عليهم، وأكّد الجملة بمؤكّدين (إنّ) (وكان) الزائدة الدالة على تقرّر وصف الضعف لكيد الشيطان.
• قال ابن عطية: هذه الآية تقتضي تقوية قلوب المؤمنين وتحريضهم، و (الطاغوت) كل ما عبد واتبع من دون الله، وتدل قرينة ذكر الشيطان بعد ذلك على أن المراد ب (الطاغوت) هنا الشيطان، وإعلامه تعالى بضعف (كيد الشيطان) تقوية لقلوب المؤمنين، وتجرئة لهم على مقارعة الكيد الضعيف، فإن العزم والحزم الذي يكون على حقائق الإيمان يكسره ويهده، ودخلت كان دالة على لزوم الصفة.
стр. 1637
• العقبات التي يريد الشبيطان أن يوقع بها بني آدم:
العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله وبدينه ولقائه، وبصفات كماله.
فإن نجا منها ببصيرة الهداية طلبه على:
العقبة الثانية: وهي عقبة البدعة.
فإن قطع هذه العقبة، وخلص منها بنور السنة.
العقبة الثالثة: وهي عقبة الكبائر.
فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله، أو بتوبة نصوح تنجيه منها طلبه على:
العقبة الرابعة: وهي عقبة الصغائر.
العقبة الخامسة: وهي عقبة المباحات التي لا حرج على فاعلها، فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده.
فإن نجا من هذه العقبة طلبه العدو على:
العقبة السادسة: وهي عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات، فأمره بها، وحسنها في عينه، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها وأعظم كسباً وربحاً، لأنه لما عجز عن تخسيره أصل الثواب، طمع في تخسيره كماله وفضله، ودرجاته العالية.
وقال في موضع آخر في المرتبة السادسة: وهو أن يشغله بالعمل المفضول عما هو أفضل منه ليزيح عنه الفضيلة، ويفوته ثواب العمل الفاضل، فيأمره بفعل الخير المفضول ويحضه عليه ويحسنه له، إذا تضمن ترك ما هو أفضل وأعلى منه، وقَلّ من يتنبه لهذا من الناس، فإنه إذا رأى فيه داعياً قوياً ومحركاً إلى نوع من الطاعة لا يشك أنه طاعة وقربة فإنه لا يكاد يقول إن هذا الداعي من الشيطان، فإن الشيطان لا يأمر بخير ويرى أن هذا خير فيقول هذا الداعي من الله وهو معذور، ولم يصل علمه إلى أن الشيطان يأمر بسبعين باباً من أبواب الخير، إما ليتوصل بها إلى باب واحد من الشر، وإما ليفوّت بها خيراً أعظم من تلك السبعين باباً وأجل وأفضل.
وهذا لا يتوصل إلى معرفته إلا بنور من الله يقذفه في قلب العبد يكون سببه تجريد متابعة الرسول وشدة عنايته بمراتب الأعمال عند الله وأحبها إليه وأرضاها له وأنفعها للعبد وأعمها نصيحة لله تعالى ولرسوله
ولكن أين أصحاب هذه العقبة؟ فهم الأفراد في العالم، والأكثرون قد ظفر بهم في العقبات الأول.
الفوائد:
١ - بيان أن الإيمان يحمل على الإخلاص.
٢ - بيان أن من قاتل في غير سبيل الله فيه خصلة من خصال الكفر.
٣ - أن الكفار المحاربين من أولياء الشيطان.
٤ - بيان ضعف كيد الشيطان.
٥ - أن الشيطان يكيد للإنسان.
(الإربعاء: ١٠/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1638
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّواْ أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُواْ رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدَّنْيَا قَلِيلٌ وَالآخِرَةُ خَيْرٌ لِّمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً (٧٧)). [النساء: ٧٧].
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصلاة .... ) اختلف العلماء في هذه الآية.
فقيل: هم جماعة من الصحابة أمروا بترك القتال في مكة بعد أن تسرعوا إليه، فلما كتب عليهم بالمدينة تثبطوا عن القتال من غير شك في الدين بل خوفاً من الموت وفرقاً من هول القتل.
وقيل: إنها نزلت في اليهود.
وقيل: في المنافقين أسلموا قبل فرض القتال، فلما فرض كرهوه ورجح هذا القرطبي وقال:
وهذا أشبه بسياق الآية لقوله (وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال … ) ومعاذ الله أن يصدر هذا القول عن صحابي كريم يعلم أن الآجال محدودة والأرزاق مقسومة، بل كانوا لأوامر الله ممتثلين سامعين طائعين، يرون الوصول إلى الدار الآجلة خيراً من المقام في الدار العاجلة، ثم قال ﵀: اللهم إلا أن يكون قائله ممن لم يرسخ في الإيمان قدمه، ولا انشرح بالإسلام جنانه، فإن أهل الإيمان متفاضلون فمنهم الكامل ومنهم الناقص.
- قال الرازي: واحتج الذاهبون إلى هذا القول بأن الآية مشتملة على أمور تدل على أنها مختصة بالمنافقين.
فالأول: أنه تعالى قال في وصفهم (يَخْشَوْنَ الناس كَخَشْيَةِ الله أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) ومعلوم أن هذا الوصف لا يليق إلا بالمنافق، لأن المؤمن لا يجوز أن يكون خوفه من الناس أزيد من خوفه من الله تعالى.
والثاني: أنه تعالى حكى عنهم أنهم قالوا (ربنا لم كتبت علينا القتال) والاعتراض على الله ليس إلا من صفة الكفار والمنافقين.
الثالث: أنه تعالى قال للرسول (قُلْ متاع الدنيا قَلِيلٌ والآخرة خَيْرٌ لّمَنِ اتقى) وهذا الكلام يذكر مع من كانت رغبته في الدنيا أكثر من رغبته في الآخرة، وذلك من صفات المنافقين. (تفسير الرازي).
والذي يظهر أنها في طائفة من المؤمنين تشوفوا للجهاد.
стр. 1639
• قال ابن كثير: كان المؤمنون في ابتداء الإسلام -وهم بمكة -مأمورين بالصلاة والزكاة وإن لم تكن ذات النُّصُب، لكن كانوا مأمورين بمواساة الفقراء منهم، وكانوا مأمورين بالصفح والعفو عن المشركين والصبر إلى حين، وكانوا يتحرقون ويودون لو أمروا بالقتال ليشتفوا من أعدائهم، ولم يكن الحال إذ ذاك مناسباً لأسباب كثيرة، منها: قلة عددهم بالنسبة إلى كثرة عدد عدوهم، ومنها كونهم كانوا في بلدهم وهو بلد حرام وأشرف بقاع الأرض، فلم يكن الأمر بالقتال فيه ابتداء لائقا. فلهذا لم يؤمر بالجهاد إلا بالمدينة، لما صارت لهم دار ومنعة وأنصار، ومع هذا لما أمروا بما كانوا يودونه جَزع بعضهم منه وخافوا من مواجهة الناس خوفا شديداً (وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: لو ما أخرت فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويُتْم الأبناء، وتأيّم النساء، وهذه الآية في معنى قوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نزلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنزلَتْ سُورَةُ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونُ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فِإِذَا عَزَمَ الأمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ).
وذكره السعدي في تفسيره وقال: كان المسلمون - إذ كانوا بمكة - مأمورين بالصلاة والزكاة، أي: مواساة الفقراء، لا الزكاة المعروفة ذات النصب والشروط، فإنها لم تفرض إلا بالمدينة، ولم يؤمروا بجهاد الأعداء لعدة فوائد:
منها: أن من حكمة الباري أن يشرع لعباده الشرائع على وجه لا يشق عليهم، ويبدأ بالأهم فالأهم والأسهل فالأسهل.
ومنها: أنه لو فرض عليهم القتال - مع قلة عددهم وعُدَدهم وكثرة أعدائهم - لأدى ذلك إلى اضمحلال الإسلام، فروهي جانب المصلحة العظمى على ما دونها، ولغير ذلك من الحكم.
(كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ) أي: عن القتال.
(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: أدوها على وجه مستقيم بشروطها وأركانها ومستحباتها كما جاء عن رسول الله ﷺ .
• قال الشيخ السعدي: لم يقل: يفعلون الصلاة، أو يأتون الصلاة، لأنه لا يكفي فيها مجرد الإتيان بصورتها الظاهرة، فإقام الصلاة، إقامتها ظاهراً بإتمام أركانها وواجباتها وشروطها، وإقامتها باطناً بإقامة روحها، وهو حضور القلب فيها، وتدبر ما يقوله ويفعله منها.
стр. 1640
• لم يأمر الله بالصلاة إلا بلفظ الإقامة، كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة) وقوله تعالى (والمقيمين الصلاة).
• إقامة الصلاة ليس مجرد أداؤها، وإنما المراد إقامتها بإدائها بتدبر وحضور قلب وخشوع، وهذه هي الصلاة التي قال الله عنها (وأقم الصلاة إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر).
فإن الله في هذه الآية علق حكم نهي الصلاة عن الفحشاء والمنكر بشرط إقامتها وليس فقط أداؤها، (والحكم المعلق بوصف يزيد بزيادته وينقص بنقصه) فعلى قدر إقامة العبد لصلاته على قدر ما تؤثر فيه فتنهاه عن الفحشاء والمنكر، وبهذا يزول الإشكال الذي يورده البعض: وهو أن كثير من المصلين لا تنهاهم صلاتهم عن الفحشاء والمنكر.
• قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) يشمل صلاة الفرض والنفل.
• قوله تعالى (ويقيمون الصلاة) فيه دليل على أهمية الصلاة وعظيم منزلتها وأنها من أعظم صفات المتقين، ومما يدل على عظيم منزلتها:
أنها فرضت في أعلى مكان (في السماء ليلة الإسراء والمعراج).
وفرضت خمس صلوات في اليوم والليلة، وأول ما فرضت خمسين ثم خففت إلى خمس في العدد، وهذا يدل على محبة الله لها، وعنايته بها سبحانه.
أن تاركها كافر يحشر مع فرعون وقارون وأبي بن خلف، وأعظم العبادات بعد الشهادتين، وهي عمود الدين
(وَآتُوا الزَّكَاةَ) أي: وأعطوا الزكاة لمستحقيها.
• الإيتاء: هو الإعطاء قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ).
• الزكاة: هي: قدر واجب في مال مخصوص، لطائفة أو جهة مخصوصة.
وسميت بذلك: لأنها تزكي المال، وتزكي صاحب المال، كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ)، بل وتزكي المجتمع كله، فتنتشر المحبة والوئام والإخاء.
• قوله تعالى (وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ) كثيراً ما يقرن الله ﵎ بين الصلاة والإنفاق [الزكاة] كقوله تعالى (وأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة).
قيل: إن الصلاة حق الله وعبادته وهي مشتملة على توحيده والثناء عليه وتمجيده، والإنفاق هو من الإحسان إلى المخلوقين بالنفع المتعدي إليهم، وسعادة العبد دائرة بين الأمرين: إخلاصه لمعبوده، وسعيه في نفع الخلق.
وقيل: الصلاة رأس العبادات البدنية، والزكاة رأس العبادات المالية.
وقيل: الصلاة طهارة للنفس والبدن، والزكاة طهارة للمال.
стр. 1641
(فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ) أي: فرض عليها القتال بالمدينة.
(إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ) أي: طائفة من المؤمنين (على القول بأنها في طائفة من المؤمنين).
(يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ) أي: يخافون من الناس كخشتهم لله.
(أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً) قالت فرقة (أو) بمعنى الواو، وفرقة: هي بمعنى (بل) وفرقة: هي للتخيير، وفرقة: على بابها في الشك في حق المخاطب، وفرقة: هي على جهة الإبهام على المخاطب.
(وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ) أي: قالوا جزعاً من الموت ربنا لم فرضت علينا القتال، وفي هذا تضجر واعتراض على الله، وكان الذي ينبغي عكس ذلك، وهو التسليم لأمر الله، والصبر على أوامره.
• قال ابن عاشور: إنّما هو قولهم في نفوسهم على معنى عدم الاهتداء لحكمة تعليل الأمر بالقتال وظنِّهم أنّ ذلك بلوى.
• كتبت: الكتب الفرض.
(لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: لوما أخرتَ فرضه إلى مدة أخرى، فإن فيه سفك الدماء، ويتم الأبناء، وتأيم النساء.
وهذه الآية كقوله تعالى (وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا لَوْلا نُزِّلَتْ سُورَةٌ فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ. كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لا تَفْعَلُونَ).
• قال السعدي: قوله تعالى (لَوْلا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) أي: هلا أخرت فرض القتال مدة متأخرة عن الوقت الحاضر، وهذه الحال كثيرًا ما تعرض لمن هو غير رزين واستعجل في الأمور قبل وقتها، فالغالب عليه أنه لا يصبر عليها وقت حلولها ولا ينوء بحملها، بل يكون قليل الصبر.
стр. 1642
• قال ابن عاشور: (والأجلُ القريب) مدّة متأخّرة ريثما يتمّ استعدادهم، مثل قوله (فيقول ربّ لولا أخّرتني إلى أجل قريب فأصدّق)، وقيل: المراد من (الأجل) العمر.
• قال ابن تيمية: وَإِنَّمَا هُوَ عَزْمٌ عَلَى الرِّضَا وَإِنَّمَا الرِّضَا مَا يَكُونُ بَعْدَ الْقَضَاءِ وَإِنْ كَانَ هَذَا عَزْمًا فَالْعَزْمُ قَدْ يَدُومُ وَقَدْ يَنْفَسِخُ وَمَا أَكْثَرُ انْفِسَاخِ الْعَزَائِمِ خُصُوصًا عَزَائِمَ الصُّوفِيَّةِ؛ وَلِهَذَا قِيلَ لِبَعْضِهِمْ: بِمَاذَا عَرَفْت رَبَّك؟ قَالَ: بِفَسْخِ الْعَزَائِمِ وَنَقْضِ الْهِمَمِ. وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمَشَايِخِ: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) وَقَالَ تَعَالَى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لا تَفْعَلُونَ) (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ أَنْ تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ) (إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِهِ صَفًّا كَأَنَّهُمْ بُنْيَانٌ مَرْصُوصٌ) وَفِي التِّرْمِذِيِّ (أَنَّ بَعْضَ الصَّحَابَةِ قَالُوا لِلنَّبِيِّ ﷺ لَوْ عَلِمْنَا أَيَّ الْعَمَلِ أَحَبّ إلَى اللَّهِ لَعَمِلْنَاهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ) وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ) الْآيَةَ. فَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَانُوا قَدْ عَزَمُوا عَلَى الْجِهَادِ وَأَحَبُّوهُ لَمَّا اُبْتُلُوا بِهِ كَرِهُوهُ وَفَرُّوا مِنْهُ؟
وَمِثْلُ هَذَا مَا يَذْكُرُونَهُ عَنْ سمنون الْمُحِبِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ:
وَلَيْسَ لِي فِي سِوَاك حَظٌّ … فَكَيْفَمَا شِئْت فَاخْتَبِرْنِي
فَأَخَذَهُ الْعُسْرُ مِنْ سَاعَتِهِ: أَيْ حَصَرَهُ بَوْلُهُ؛ فَكَانَ يَدُورُ عَلَى الْمَكَاتِبِ وَيُفَرِّقُ الْجَوْزَ عَلَى الصِّبْيَانِ وَيَقُولُ: اُدْعُوا لِعَمِّكُمْ الْكَذَّابِ.
(قُلْ) أي تزهيداً لهم فيما يؤملونه بالقعود عن القتال والتأخير إلى الأجل المقدر من المتاع الفاني وترغيباً فيما ينالونه بالقتال من النعيم الباقي.
(مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ) المتاع: ما يتمتع به ويزول، فمتاع هذه الدنيا قليل من حيث نوعه ومن حيث مدته، فمتاع الدنيا يزول، أو أنت تزول عنه، وكذلك نعيمه فهو قليل بالنسبة لنعيم الآخرة.
стр. 1643
• قال ابن عاشور: والجواب بقوله (قل متاع الدنيا قليل) جواب عن قولهم (لولا أخرتنا إلى أجل قريب) سواء كان قولهم
لسانياً وهو بيّن، أم كان نفسياً، ليعلموا أنّ الله أطْلَع رسوله على ما تضمره نفوسهم، أي أنّ التأخير لا يفيد والتعلُّق بالتأخير لاستبقاء الحياة لا يوازي حظّ الآخرة، وبذلك يبطل ما أرَادوا من الفتنة بقولهم (لولا أخرتنا إلى أجل قريب).
• قال القرطبي: وسماه قليلاً لأنه لا بقاء له.
• قوله تعالى (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هي هذه الحيلة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين:
السبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن.
السبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) رواه الترمذي، وقال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.
• ففي هذه الآية حقارة الدنيا وخستها.
كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
وقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً).
وقال عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ).
وقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود.
قال ابن رجب: وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى.
فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد ﵁ يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.
стр. 1644
وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه … ) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم.
وقال ﷺ (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي.
وقال النبي ﷺ (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم
قال النووي ﵀: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر.
وقال ﷺ لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور).
هذه وصية النبي ﷺ لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده ﵁ وأرضاه، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال الإمام النووي ﵀ في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا،
ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه).
من أقوال السلف:
وقال موسى ﵇: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها.
وقال عيسى ﵇ لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار داراً تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً.
وقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله.
وقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد.
وقال أبو داود وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت الإمام أحمد بن حنبل ذكر الدنيا.
وقال ابن القيم: لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة.
وقال: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح.
قال ﷺ (مَثَلي ومثَلُ الدنيا كراكبٍ قال قَيْلُولة تحت شجرة ثم راح وتركها).
قال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
وقال تعالى (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا).
وقال تعالى (أَفَرَأَيْتَ إِنْ مَتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ. ثُمَّ جَاءَهُمْ مَا كَانُوا يُوعَدُونَ. مَا أَغْنَى عَنْهُمْ مَا كَانُوا يُمَتَّعُونَ).
(وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى) أي: آخرة المتقي خير من دنياه. كما قال تعالى (بل تؤثرون الحياة الدنيا والآخرة خير وأبقى).
стр. 1645
• قال الآلوسي (وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ) من ذلك المتاع القليل لكثرته وعدم انقطاعه وصفائه عن الكدورات، وفي اختلاف الأسلوب ما لا يخفى.
• وقال ﵀: وإنما قال سبحانه (لِمَنِ اتقى) حثاً لهم وترغيباً على الاتقاء والإخلال بموجب التكليف.
• وقال الشيخ ابن عثيمين: قوله (لمن اتقى) قيد لابد منه، لأن الآخرة ليست خيراً لغير المتقين، بل هي شر
• قال الرازي: وإنما قلنا: إن الآخرة خير لوجوه:
الأول: أن نعم الدنيا قليلة، ونعم الآخرة كثيرة.
والثاني: أن نعم الدنيا منقطعة ونعم الآخرة مؤبدة.
والثالث: أن نعم الدنيا مشوبة بالهموم والغموم والمكاره، ونعم الآخرة صافية عن الكدرات.
والرابع: أن نعم الدنيا مشكوكة فإن أعظم الناس تنعما لا يعرف أنه كيف يكون عاقبته في اليوم الثاني، ونعم الآخرة يقينية، وكل هذه الوجوه تجب رجحان الآخرة على الدنيا، إلا أن هذه الخيرية إنما تحصل للمؤمنين المتقين، فلهذا المعنى ذكر تعالى هذا الشرط وهو قوله: ﴿لِمَنِ اتقى﴾ وهذا هو المراد من قوله ﷺ (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر).
(وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً) أي: من أعمالكم، بل توفونها أتم الجزاء، والفتيل: هو الخيط الذي يكون في بطن النواة.
• والإنسان يوم القيامة لا يظلم شيئاً، فلا ينقص من حسناته ولا يزاد عليه من سيئات غيره.
قال تعالى (وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً).
وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً).
• قال ابن كثير: وهذه تسلية لهم عن الدنيا، وترغيب لهم في الآخرة، وتحريض لهم على الجهاد.
• قال الشوكاني: وإذا كنتم توفرون أجوركم ولا تنقصون شيئاً منها، فكيف ترغبون عن ذلك وتشغلون بمتاع الدنيا مع قلته وانقطاعه.
الفوائد:
١ - أن الإنسان قد يتعجل الشيء، فإذا نزل به نكص عنه.
٢ - ينبيغي على الإنسان أن يلتجأ إلى الله أن يثبته في جميع أموره.
٣ - خطر باب الدعاوى.
٤ - وجوب إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة.
٥ - ذم من يخشى الناس كخشية الله.
٦ - وجوب خشية الله وحده.
٧ - وجوب الجهاد، والأصل فيه أنه فرض كفاية، ويتأكد في مواضع ذكرها العلماء.
٨ - ذم من اعترض على قضاء الله.
٩ - التزهيد في الدنيا.
(السبت: ١٣/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1646
(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)). [النساء: ٧٨ - ٧٩].
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، في أي زمان، وفي أي مكان.
كما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلاً ولا يباعده:
كما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ … ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
وقال تعالى (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
• قال الشوكاني: وفي هذا حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية.
• قال الرازي: المقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت) فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ
قَلِيلاً).
وقال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون).
(وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) أي: حصون منيعة عالية رفيعة، والمعنى أي: ولو تحصنتم بالحصون المنيعة الرفيعة العالية، فلا يغني حذر وتحصن من الموت.
• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.
• قوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر [قاله القرطبي].
وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبداً للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• فلا مفر من الموت.
стр. 1647
كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت.
• قال السعدي: هذه الآية الكريمة، فيها التزهيد في الدنيا بفنائها، وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر.
قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولاً.
كما كان ﷺ يقول (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَليْك تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ، وَالجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُون) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوماً على آلة حدباء محمولُ
الموت: لا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يخاف عظيماً، لا يستأذن على الملوك، ولا يلج من الأبواب.
تزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر
الموت: يموت الصالحون ويموت الطالحون، ويموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت مريدوا الآخرة، ويموت مريدوا الدنيا.
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب … متى حط عن نعشه ذاك يركب
إنه جدير بمن الموت مصرعُه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة
موعده، والجنة أو النار موعده، أنْ لا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تأهب إلا له.
стр. 1648
قال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلا
قال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده
قال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموت فعد نفسك أحدهم
قال الدّقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرمَ بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة).
قالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه.
وقال ثابت البناني: ما أكثر أحد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله.
وقال ابن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا.
وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.
وقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
وقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.
وقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.
وقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.
وقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سميناً.
وقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً.
وقال بعضُ السَّلف: ما نمتُ نوماً قط، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه.
وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.
وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.
وقال بكر المزني: إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ، فليفعل، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا، ويُصبح في أهلِ الآخرة.
стр. 1649
وكان أويسٌ إذا قيل له: كيف الزمانُ عليك؟ قال: كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار؟
تزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
فمن عاش ألفاً وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر
قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب فيها
ونظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها، فبكى وقال: والله لولا الموت لكنت بكِ مسروراً.
الموت بابٌ وكلُ الناس داخلُه … يا ليت شعري بعد البابِ ما الدارُ
قال الشاعر:
هو الموتُ ما منه ملاذ ومهرب … متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ.
وقال الآخر:
الموت بابٌ وكل الناس داخله … ياليت شعري بعد الموت ما الدارُ.
стр. 1650
• لقد دعانا النبي ﷺ إلى الإكثار من ذكر الموت فقال ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات).
لأن الإكثار من ذكره: يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، ويحث على العمل والاجتهاد، يرضى بالقليل من الدنيا
يريح القلب من همّ الدنيا، ويقصر الأمل، يهون على العبد مصائب الدنيا، يمنع من الأشر والبطر والتوسع من الدنيا، يحث على التوبة والاستدراك، يرق القلب، يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم،
قال الحسن: من أكثر من ذكر الموت هانت عليه الدنيا.
• وينبغي الاستعداد للموت بالعمل الصالح
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
قال ﷺ (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) رواه الحاكم.
وقال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم.
وقد نقل النووي تفسير جملة (أو خاصة أحدكم) بأنها الموت يأتي فيحول بين المرء وبين العمل حتى يتمنى المرء أن يرجع إلى الدنيا ليتمكن من عمل صالح طالما أعرض عنه في دار الدنيا.
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقال عونُ بنُ عبد الله: ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غداً من أجله. كم من مستقبل يوماً لا يستكمِلُه، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه، وكان يقولُ: إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه
لا يدرك آخره.
следующие страницы →