Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1646–1685 · переход к 1651.
стр. 1646
(أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنتُمْ فِي بُرُوجٍ مُّشَيَّدَةٍ وَإِن تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَإِن تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُواْ هَذِهِ مِنْ عِندِكَ قُلْ كُلٌّ مِّنْ عِندِ اللَّهِ فَمَا لِهَؤُلاء الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا (٧٨) مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (٧٩)). [النساء: ٧٨ - ٧٩].
(أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ) أي: أنتم صائرون إلى الموت لا محالة، ولا ينجو منه أحد منكم، في أي زمان، وفي أي مكان.
كما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلاً ولا يباعده:
كما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ … ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
وقال تعالى (قُلْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ لَبَرَزَ الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ إِلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
• قال الشوكاني: وفي هذا حث لمن قعد عن القتال خشية الموت، وبيان لفساد ما خالطه من الجبن وخامره من الخشية.
• قال الرازي: المقصود من هذا الكلام تبكيت من حكى عنهم أنهم عند فرض القتال يخشون الناس كخشية الله أو أشد خشية وقالوا ربنا لم كتبت علينا القتال، فقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُواْ يُدْرِككُّمُ الموت) فبين تعالى أنه لا خلاص لهم من الموت، والجهاد موت مستعقب لسعادة الآخرة، فإذا كان لا بد من الموت، فبأن يقع على وجه يكون مستعقباً للسعادة الأبدية كان أولى من أن لا يكون كذلك، ونظير هذه الآية قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ
قَلِيلاً).
وقال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُون).
(وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) أي: حصون منيعة عالية رفيعة، والمعنى أي: ولو تحصنتم بالحصون المنيعة الرفيعة العالية، فلا يغني حذر وتحصن من الموت.
• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.
• قوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر [قاله القرطبي].
وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبداً للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• فلا مفر من الموت.
стр. 1647
كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ) يخبر تعالى إخبارًا عامًا يعم جميع الخليقة بأن كل نفس ذائقة الموت.
• قال السعدي: هذه الآية الكريمة، فيها التزهيد في الدنيا بفنائها، وعدم بقائها، وأنها متاع الغرور، تفتن بغرورها، وتغر بمحاسنها، ثم هي منتقلة، ومنتقل عنها إلى دار القرار، التي توفى فيها النفوس ما عملت في هذه الدار من خير وشر.
قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالإكْرَامِ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ثُمَّ إِلَيْنَا تُرْجَعُونَ).
وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
وقال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
فهو تعالى وحده هو الحي الذي لا يموت والإنس والجن يموتون، وكذلك الملائكة وحملة العرش، وينفرد الواحد الأحد القهار بالديمومة والبقاء، فيكون آخرًا كما كان أولاً.
كما كان ﷺ يقول (اللَّهُمَّ لَكَ أَسْلَمْتُ، وَبِكَ آمَنْتُ، وَعَليْك تَوَكَّلْتُ، وَإِلَيْكَ أنَبْتُ، وَبِكَ خَاصَمْتُ. اللَّهُمَّ أعُوذُ بعزَّتِكَ؛ لا إلهَ إلاَّ أَنْتَ أنْ تُضلَّني، أَنْتَ الحَيُّ الَّذِي لَا تَمُوتُ، وَالجِنُّ والإنْسُ يَمُوتُون) مُتَّفَقٌ عَلَيه.
كل ابن أنثى وإن طالت سلامته … يوماً على آلة حدباء محمولُ
الموت: لا يرحم صغيراً، ولا يوقر كبيراً، ولا يخاف عظيماً، لا يستأذن على الملوك، ولا يلج من الأبواب.
تزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تبقى إلى الفجر
الموت: يموت الصالحون ويموت الطالحون، ويموت المجاهدون ويموت القاعدون، يموت مريدوا الآخرة، ويموت مريدوا الدنيا.
هو الموت ما منه ملاذ ومهرب … متى حط عن نعشه ذاك يركب
إنه جدير بمن الموت مصرعُه، والتراب مضجعه، والدود أنيسه، ومنكر ونكير جليسه، والقبر مقره، وبطن الأرض مستقره، والقيامة
موعده، والجنة أو النار موعده، أنْ لا يكون له فكر إلا في الموت، ولا ذكر إلا له، ولا استعداد إلا لأجله، ولا تدبير إلا فيه، ولا تطلع إلا إليه، ولا تأهب إلا له.
стр. 1648
قال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلا
قال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده
قال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموت فعد نفسك أحدهم
قال الدّقاق: من أكثر من ذكر الموت أُكرمَ بثلاثة أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القلب، ونشاط العبادة، ومن نسي الموت عوقب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وترك الرضا بالكفاف، والتكاسل في العبادة).
قالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير، ومن عرف أن منطقه من عمله قل كلامه.
وقال ثابت البناني: ما أكثر أحد ذكر الموت إلا رؤي ذلك في عمله.
وقال ابن عجلان: من جعل الموت نصب عينيه لم يبال بضيق الدنيا.
وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.
وقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
وقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.
وقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.
وقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.
وقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سميناً.
وقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً.
وقال بعضُ السَّلف: ما نمتُ نوماً قط، فحدثتُ نفسي أنِّي أستيقظ منه.
وكان حبيبٌ أبو محمد يُوصي كُلَّ يومٍ بما يوصي به المحتضِرُ عند موته من تغسيله ونحوه، وكان يبكي كلَّما أصبح أو أمسى، فسُئِلَت امرأته عن بكائه، فقالت: يخاف - والله - إذا أمسى أنْ لا يُصبح، وإذا أصبح أنْ لا يُمسي.
وكان محمد بن واسع إذا أراد أنْ ينام قال لأهله: أستودعكم الله، فلعلَّها أنْ تكون منيتي التي لا أقوم منها فكان هذا دأبه إذا أراد النوم.
وقال بكر المزني: إنِ استطاع أحدُكم أن لا يبيت إلا وعهدُه عند رأسه مكتوبٌ، فليفعل، فإنَّه لا يدري لعله أنْ يبيتَ في أهلِ الدُّنيا، ويُصبح في أهلِ الآخرة.
стр. 1649
وكان أويسٌ إذا قيل له: كيف الزمانُ عليك؟ قال: كيف الزمانُ على رجل إنْ أمسى ظنَّ أنَّه لا يُصبحُ، وإنْ أصبح ظنَّ أنَّه لا يمسي فيبشر بالجنة أو النار؟
تزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
فمن عاش ألفاً وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر
قال العلماء: تذكر الموت يردع عن المعاصي، ويلين القلب القاسي، ويذهب الفرح بالدنيا، ويهون المصائب فيها
ونظر ابن مطيع ذات يوم إلى داره فأعجبه حسنها، فبكى وقال: والله لولا الموت لكنت بكِ مسروراً.
الموت بابٌ وكلُ الناس داخلُه … يا ليت شعري بعد البابِ ما الدارُ
قال الشاعر:
هو الموتُ ما منه ملاذ ومهرب … متى حط ذا عن نعشه ذاك يركبُ.
وقال الآخر:
الموت بابٌ وكل الناس داخله … ياليت شعري بعد الموت ما الدارُ.
стр. 1650
• لقد دعانا النبي ﷺ إلى الإكثار من ذكر الموت فقال ﷺ : (أكثروا ذكر هاذم اللذات).
لأن الإكثار من ذكره: يزهد في الدنيا، ويرغب في الآخرة، ويحث على العمل والاجتهاد، يرضى بالقليل من الدنيا
يريح القلب من همّ الدنيا، ويقصر الأمل، يهون على العبد مصائب الدنيا، يمنع من الأشر والبطر والتوسع من الدنيا، يحث على التوبة والاستدراك، يرق القلب، يدعو إلى التواضع وترك الكبر والظلم،
قال الحسن: من أكثر من ذكر الموت هانت عليه الدنيا.
• وينبغي الاستعداد للموت بالعمل الصالح
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحاً فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
قال ﷺ (اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وحياتك قبل موتك، وصحتك قبل مرضك، وحياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك) رواه الحاكم.
وقال ابن عمر: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح، وخذ من صحتك لمرضك، ومن حياتك لموتك) رواه البخاري.
لحديث أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (بَادِرُوا بِالأَعْمَالِ سِتًّا طُلُوعَ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا أَوِ الدُّخَانَ أَوِ الدَّجَّالَ أَوِ الدَّابَّةَ أَوْ خَاصَّةَ أَحَدِكُمْ أَوْ أَمْرَ الْعَامَّة) رواه مسلم.
وقد نقل النووي تفسير جملة (أو خاصة أحدكم) بأنها الموت يأتي فيحول بين المرء وبين العمل حتى يتمنى المرء أن يرجع إلى الدنيا ليتمكن من عمل صالح طالما أعرض عنه في دار الدنيا.
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ * لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلَا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ * وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاءَ أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
وقال عونُ بنُ عبد الله: ما أنزل الموتَ كُنْهَ منْزلته مَنْ عدَّ غداً من أجله. كم من مستقبل يوماً لا يستكمِلُه، وكم من مؤمِّل لغدٍ لا يُدرِكُه، إنَّكم لو رأيتم الأجلَ ومسيرَه، لأبْغَضتُم الأمل وغُرورَه، وكان يقولُ: إنَّ من أنفع أيام المؤمن له في الدنيا ما ظن أنَّه
لا يدرك آخره.
стр. 1651
وكانت امرأةٌ متعبدة بمكة إذا أمست قالت: يا نفسُ، الليلةُ ليلتُك، لا ليلةَ لكِ غيرها، فاجتهدت، فإذا أصبحت، قالت: يا نفس اليومُ يومك، لا يومَ لك غيره فاجتهدت.
وقال بكرٌ المزنيُّ: إذا أردت أنْ تنفعَك صلاتُك فقل: لعلِّي لا أُصلِّي غيرها، وهذا مأخوذٌ مما رُوي عن النَّبيِّ ﷺ أنَّه قال (صلِّ صلاة مودِّع).
وأقام معروفٌ الكرخيّ الصّلاةَ، ثم قال لرجل: تقدَّم فصلِّ بنا، فقال الرجل: إنِّي إنْ صليتُ بكم هذه الصلاة، لم أُصلِّ بكم غيرَها، فقال معروف: وأنتَ تحدِّث نفسك أنّك تُصلِّي صلاةً أخرى؟ نعوذُ بالله من طولِ الأمل، فإنَّه يمنع خيرَ العمل
وطرق بعضُهم بابَ أخٍ له، فسأل عنه، فقيل له: ليس هو في البيت، فقال: متى يرجع؟ فقالت له جارية من البيت: من كانت نفسُه في يد غيره، لا يعلم متى يرجِعُ.
ولأبي العتاهية من جملة أبيات:
وما أدري وإن أَمَّلْتُ عُمراً … لَعَلِّي حِينَ أُصبحُ لَستُ أُمسِي
ألم تَرَ أنَّ كلَّ صباحِ يومٍ … وعُمرُكَ فيه أَقصَرُ مِنهُ أَمسِ
وهذا البيت الثاني أخذه مما روي عن أبي الدرداء والحسن أنَّهما قالا: ابنَ آدم، إنَّك لم تزل في هدم عمرك منذ سقطتَ من بطن أمك، ومما أنشد بعضُ السَّلف:
إنَّا لنفرحُ بالأيَّامِ نقطعُها … وكُلُّ يومٍ مضى يُدني من الأجل
فاعمَلْ لِنَفسِكَ قبلَ الموتِ مُجتهداً … فإنَّما الرِّبْحُ والخُسرانُ في العَمَلِ
قال تعالى (وَأَنِيبُوا إِلَى رَبِّكُمْ وَأَسْلِمُوا لَهُ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ ثُمَّ لا تُنْصَرُونَ وَاتَّبِعُوا أَحْسَنَ مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَكُمُ الْعَذَابُ بَغْتَةً وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللهِ وَإِنْ كُنْتُ لَمِنَ السَّاخِرِينَ أَوْ تَقُولَ لَوْ أَنَّ اللهَ هَدَانِي لَكُنْتُ مِنَ الْمُتَّقِينَ أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ).
نَسيرُ إلى الآجالِ في كلِّ لحظةٍ … وأيّامُنا تُطوى وهُنَّ مَراحِلُ
ولم أرَ مثلَ الموتِ حقاً كأنَّه … إذا ما تخطَّتْه الأمانيُّ باطِلُ
وما أقبحَ التَّفريطَ في زمنِ الصِّبا … فكيف به والشَّيبُ للرَّأس شامِلُ
ترحَّل من الدُّنيا بزادٍ من التُّقى … فعُمْرُكَ أيامٌ وهُنَّ قَلائِلُ
وقال ﷺ (يتبع الميت ثلاثة أهله وماله وعمله، فيرجع اثنان ويبقى واحد، يرجع أهله وماله ويبقى عمله) متفق عليه.
قال رجل يوصي آخر: يا أخي! احذر الموت في هذه الدار من قبل أن تصير إلى دار تتمنى بها الموت فلا تجده.
وقال ابن السماك: إن الموتى لم يبكوا من الموت ولكنهم يبكون من حسرة الفوت، فاتتهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا داراً لم يتزودوا لها.
وقال إبراهيم النخعي: كانوا يشهدون الجنازة فيُرى ذلك أياماً كأن فيهم الفكرة في الموت وفي حال الميت.
стр. 1652
ولذلك لما علم أهل الفضل بأن الموت قريب وأنه آتٍ، عملوا لذلك واستعدوا له قبل وقوعه.
إن لله عباداً فطنا … طلقوا الدنيا وخافوا الفتنا
نظروا إليها فلما علموا … أنها ليست لحي وطنا
جعلوها لجة واتخذوا … صالح الأعمال فيها سفنا
وبمثل هذا أوصى النبي ﷺ ابن عمر فقال له: كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور.
فكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح
فرحم الله امرءاً أخذ من نفسه لنفسه، وأعد العدة لأوان رمسه، وتأهب للرحيل قبل غروب شمسه فما الحياة إلا كان ثم بان
عن البراء بن عازب. قال (كنا مع النبي ﷺ إذ أبصر بجماعة فقال: علام اجتمع هؤلاء؟ قيل: على قبر يحفرونه؟ قال: ففزع رسول الله ﷺ فذهب مسرعاً حتى انتهى إلى القبر، فبكى حتى بل الثرى من دموعه، ثم أقبل علينا فقال: أي إخواني لمثل هذا فأعدوا؟).
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ) أي: خصب ورزق من ثمار وزروع وأولاد ونحو ذلك.
(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: إن تصب هؤلاء المنافقين حسنة، من نصر وغنيمة وشبه ذلك، يقولوا هذه من جهة الله ومن تقديره، لما علم فينا من الخير.
(وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ) أي: قحط وجدب ونقص في الثمار والزروع أو موت أولاد أو نتاج أو غير ذلك.
(يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) أي: من قِبَلِك وبسبب اتباعنا لك واقتدائنا بدينك.
كما قال تعالى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
وقال تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ).
قال ابن كثير: هكذا قال المنافقون الذين دخلوا في الإسلام ظاهراً وهم كارهون له في نفس الأمر.
(قُل كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: الجميع بقضاء الله وقدره، وهو نافذ في البرّ والفاجر، والمؤمن والكافر.
стр. 1653
• ثم قال تعالى منكراً على هؤلاء القائلين هذه المقالة الصادرة عن شك وريب، وقلة فهم وعلم، وكثرة جهل وظلم:
(فَمَالِ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ لا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثاً) أي: ما شأنهم لا يفقهون أن الأشياء كلها بيد الله؟ وهذا توبيخ لهم على قلة الفهم.
(مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ) الخطاب لجنس الإنسان، أي: ما أصابك أيها الإنسان من فضل ورزق وصحة ونعم وغير ذلك من النعم فمن رحمة الله ولطفته كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).
• اختلف في المخطاب بهذه الآية، فقيل: الخطاب للرسول ﷺ ، وقيل: لجنس الإنسان.
(وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ) المراد بالسيئة هنا ضد الحسنة، أي: وما أصابك ما يسؤوك من قدر الله من خسارة أو موت أو نحوها.
(فَمِنْ نَفْسِكَ) أي: فمن قِبَلك، ومن عملك أنت.
كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). قال الحسن: أي: بذنبك.
وقال تعالى (أَوَلَمَّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنَّى هَذَا قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ تَوَلَّوْا مِنْكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ إِنَّمَا اسْتَزَلَّهُمُ الشَّيْطَانُ بِبَعْضِ مَا كَسَبُوا وَلَقَدْ عَفَا اللَّهُ عَنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ).
• قال ابن تيمية: حين سئل عَنْ قَوْلِ عَلِيٍّ ﵁: لَا يَرْجُوَنَّ عَبْدٌ إلَّا رَبَّهُ، وَلَا يَخَافَنَّ إلَّا ذَنْبَهُ مَا مَعْنَى ذَلِكَ؟
فَأَجَابَ:
الْحَمْدُ لِلَّهِ، هَذَا الْكَلَامُ يُؤْثَرُ عَنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ﵁ وَهُوَ مِنْ أَحْسَنِ الْكَلَامِ وَأَبْلَغِهِ وَأَتَمِّهِ؛ فَإِنَّ الرَّجَاءَ يَكُونُ لِلْخَيْرِ وَالْخَوْفَ يَكُونُ مِنْ الشَّرِّ وَالْعَبْدُ إنَّمَا يُصِيبُهُ الشَّرُّ بِذُنُوبِهِ.
كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ).
стр. 1654
وَقَالَ تَعَالَى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ فَمَالِ هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ حَدِيثًا. مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).
وَإِنَّمَا الْحَسَنَاتُ وَالسَّيِّئَاتُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ النِّعَمُ وَالْمَصَائِبُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى (وَبَلَوْنَاهُمْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
وقَوْله تَعَالَى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ).
وقَوْله تَعَالَى (إنْ تَمْسَسْكُمْ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكُمْ سَيِّئَةٌ يَفْرَحُوا بِهَا).
وقَوْله تَعَالَى (وَقِهِمُ السَّيِّئَاتِ) وَنَحْوِ ذَلِكَ. وَهَذَا كَثِيرٌ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ ذَمَّ اللَّهُ بِهَا الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يَنْكُلُونَ عَمَّا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَغَيْرِهِ فَإِذَا نَالَهُمْ رِزْقٌ وَنَصْرٌ وَعَافِيَةٌ قَالُوا (هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وَإِنْ نَالَهُمْ فَقْرٌ وَذُلٌّ وَمَرَضٌ قَالُوا (هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ) - يَا مُحَمَّدُ - بِسَبَبِ الدِّينِ الَّذِي أَمَرْتَنَا بِهِ كَمَا قَالَ قَوْمُ فِرْعَوْنَ لِمُوسَى: وَذَكَرَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ) وَكَمَا قَالَ الْكُفَّارُ لِرُسُلِ عِيسَى (إنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ) فَالْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ إذَا أَصَابَتْهُمْ الْمَصَائِبُ بِذُنُوبِهِمْ تَطَيَّرُوا بِالْمُؤْمِنِينَ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّ الْحَسَنَةَ مِنْ اللَّهِ يُنْعِمُ بِهَا عَلَيْهِمْ وَأَنَّ السَّيِّئَةَ إنَّمَا تُصِيبُهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).
فَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يُعَذِّبُ مُسْتَغْفِرًا؛ لِأَنَّ الِاسْتِغْفَارَ يَمْحُو الذَّنْبَ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْعَذَابِ فَيَنْدَفِعُ الْعَذَابُ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَه عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أنه قال (مَنْ أَكْثَرَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللَّهُ لَهُ مِنْ كُلِّ هَمٍّ فَرَجًا وَمِنْ كُلِّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ)
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى (أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا اللَّهَ إنَّنِي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ).
وقال تعالى (وَأَنِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَهُ).
فَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ وَحَّدَهُ وَاسْتَغْفَرَهُ مَتَّعَهُ مَتَاعًا حَسَنًا إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَمَنْ عَمِلَ بَعْدَ ذَلِكَ خَيْرًا زَادَهُ مِنْ فَضْلِهِ.
وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى (فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ) (فَلَوْلَا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا) أَيْ: فَهَلَّا إذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا، فَحَقُّهُمْ عِنْدَ مَجِيءِ الْبَأْسِ التَّضَرُّعُ وَقَالَ تَعَالَى (وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُمْ بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ).
قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ: مَا نَزَلَ بَلَاءٌ إلَّا بِذَنْبِ وَلَا رُفِعَ إلَّا بِتَوْبَةِ.
فَلِهَذَا قَالَ عَلِيٌّ ﵁ لَا يَخَافَنَّ عَبْدٌ إلَّا ذَنْبَهُ. وَإِنْ سُلِّطَ عَلَيْهِ مَخْلُوقٌ فَمَا سُلِّطَ عَلَيْهِ إلَّا بِذُنُوبِهِ فَلْيَخَفْ اللَّهَ وَلْيَتُبْ مِنْ ذُنُوبِهِ الَّتِي نَالَهُ بِهَا مَا نَالَهُ كَمَا فِي الْأَثَرِ (يَقُولُ اللَّهُ: أَنَا اللَّهُ مَالِكُ الْمُلُوكِ قُلُوبُ الْمُلُوكِ وَنَوَاصِيهِمْ بِيَدِي مَنْ أَطَاعَنِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَمَنْ عَصَانِي جَعَلْتُهُمْ عَلَيْهِ نِقْمَةً فَلَا تَشْتَغِلُوا بِسَبِّ الْمُلُوكِ وَأَطِيعُونِي أُعَطِّفْ قُلُوبَهُمْ عَلَيْكُمْ). (مجموع الفتاوى).
قال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)
قال ﷺ (وما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء).
стр. 1655
(وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولاً) أي: تبلغهم شرائع الله، وما يحبه ويرضاه، وما يكرهه ويأباه.
• فإن قيل: ألا يكفي قوله (وأرسلناك للناس) عن قوله (رسولاً) فالجواب: بلى، لكن كلمة (رسولاً) أبلغ مما لو اقتصر على الفعل، وأيضاً ذكرها يفيد بأنه أهل للرسالة، كما تقول لشخص: وكلتك بائعاً، يعني: لأنك أهل للوكالة لكونك عارفاً بالبيع قادراً عليه.
• وفي هذا البيان لعموم رسالته ﷺ إلى الجميع.
كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ).
وقال تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً).
وقال تعالى (وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ) أَيْ: وَأُنْذِرَ مَنْ بَلَغَهُ.
وَقَال تعالى (وَأَرْسَلْنَاكَ لِلنَّاسِ رَسُولًا وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا).
وَقَالَ تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا).
وَقَالَ ﷺ (أُعْطِيتُ خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي: نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ، … وَأُعْطِيتُ الشَّفَاعَةَ، وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إِلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إِلَى النَّاسِ عَامَّة) متفق عليه.
وقال ﷺ (وأرسلت إلى الخلق كافة) رواه مسلم.
وَقَالَ ﷺ (لَا يَسْمَعُ بِي رَجُلٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ثُمَّ لَا يُؤْمِنُ بِي إِلَّا دَخَلَ النَّار) رواه مسلم.
(وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً) أي: على أنه أرسلك وهو شهيد أيضاً بينك وبينهم، وعالم بما تبلغهم، وبما يردون عليك من الحق كفراً أو عناداً.
стр. 1656
وقد شهد الله لنبيه ﷺ بأنه رسوله حقاً بشهادتين:
شهادة قولية، وشهادة فعلية.
أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً).
وأما الشهادة الفعلية: فهي تمكينه من إبلاغ الرسالة، ونصره على أعدائه.
الفوائد:
١ - أنه لا مفر من الموت.
٢ - الحث والترغيب في الجهاد في سبيل الله.
٣ - أنه يجب على الإنسان أن يستعد للموت.
٤ - أن الحصون ولا غيرها لا تغني عن الموت.
٥ - تلبيس أعداء الرسل على العامة بما يقدر الله من البلاء والامتحان.
٦ - أن الحسنات والسيئات كلها من الله.
٧ - ذم من لا فقه عنده.
٨ - أن ما يصيب الإنسان من النعم فهو فضل من الله.
٩ - عموم رسالة النبي ﷺ للناس.
(الأحد/ ١٤/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1657
(مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَن تَوَلَّى فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظًا (٨٠)). [النساء: ٨٠].
(مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) يخبر تعالى عن عبده ورسوله محمد ﷺ بأنه من أطاعه فقد أطاع الله، ومن عصاه فقد عصى الله، وما ذاك إلا لأنه ما ينطق عن الهوى، إن هو إلا وحي يوحى.
• قال القرطبي: قوله تعالى (منْ يُطِعِ الرسول فَقَدْ أَطَاعَ الله) أعلم الله تعالى أن طاعة رسوله ﷺ طاعةٌ له.
وقد جاء في الحديث قال ﷺ (من أطاعني فقد أطاع الله، ومن عصاني فقد عصى الله) متفق عليه.
وطاعة الرسول ﷺ سبب لمحبة الله كما قال تعالى (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللَّهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللَّهُ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ).
وطاعة الرسول سبب للهداية كما قال تعالى (وَإِنْ تُطِيعُوهُ تَهْتَدُوا).
• قال الشوكاني: فيه أن طاعة الرسول طاعة لله، وفي هذا من النداء بشرف رسول الله ﷺ وعلو شأنه وارتفاع مرتبته ما لا يقادر قدره ولا يبلغ مداه، ووجهه أن الرسول لا يأمر إلا بما أمر الله به، ولا ينهى إلا عما نهى الله عنه.
• وقال السعدي: كل مَنْ أطاع رسول الله في أوامره ونواهيه (فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) تعالى لكونه لا يأمر ولا ينهى إلا بأمر الله وشرعه ووحيه وتنزيله، وفي هذا عصمة الرسول ﷺ ، لأن الله أمر بطاعته مطلقاً، فلولا أنه معصوم في كل ما يُبَلِّغ عن الله لم يأمر بطاعته مطلقاً، ويمدح على ذلك، وهذا من الحقوق المشتركة فإن الحقوق ثلاثة:
حق لله تعالى لا يكون لأحد من الخلق، وهو عبادة الله والرغبة إليه، وتوابع ذلك.
وقسم مختص بالرسول، وهو التعزير والتوقير والنصرة.
وقسم مشترك، وهو الإيمان بالله ورسوله ومحبتهما وطاعتهما، كما جمع الله بين هذه الحقوق في قوله: (لِتُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُعَزِّرُوهُ وَتُوَقِّرُوهُ وَتُسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلا) فمَنْ أطاع الرسول فقد أطاع الله، وله من الثواب والخير ما رتب على طاعة الله.
• قال ابن تيمية: قال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فالطاعة لله ولرسله المبلغين عنه، وأما الخشية والتقوى فلله وحده.
стр. 1658
وقال ﵀: وَذَكَرَ طَاعَةَ الرَّسُولِ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ مَوْضِعًا مِنْ الْقُرْآنِ وَقَالَ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ) وَقَالَ تَعَالَى (فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لَا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا) وَقَالَ تَعَالَى (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) وَقَالَ تَعَالَى (إنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دُعُوا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ) وقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ) فَجَعَلَ الطَّاعَةَ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ وَجَعَلَ الْخَشْيَةَ وَالتَّقْوَى لِلَّهِ وَحْدَهُ. كَمَا قَالَ (فَإِيَّايَ فَارْهَبُونِ) وَقَالَ (وَإِيَّايَ فَاتَّقُونِ) وَقَالَ: (فَلَا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) وَقَالَ (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ) وَقَالَ تَعَالَى (لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) وَقَالَ تَعَالَى: (النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْوَاجُهُ أُمَّهَاتُهُمْ).
وَقَالَ ﷺ (لَا يُؤْمِنُ أَحَدُكُمْ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ وَلَدِهِ وَوَالِدِهِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ).
وَقَالَ لَهُ عُمَرُ: وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ كُلِّ أَحَدٍ إلَّا مِنْ نَفْسِي فَقَالَ: لَا يَا عُمَرُ حَتَّى أَكُونَ أَحَبَّ إلَيْك مِنْ نَفْسِك فَقَالَ: فَأَنْتَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ نَفْسِي قَالَ: الْآنَ يَا عُمَرُ).
فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ حُقُوقَ الرَّسُولِ مِنْ الطَّاعَةِ لَهُ وَمَحَبَّتِهِ وَتَعْزِيرِهِ وَتَوْقِيرِهِ وَنَصْرِهِ وَتَحْكِيمِهِ وَالرِّضَى بِحُكْمِهِ وَالتَّسْلِيمِ لَهُ وَاتِّبَاعِهِ وَالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ عَلَيْهِ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى النَّفْسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ وَرَدِّ مَا يُتَنَازَعُ فِيهِ إلَيْهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحُقُوقِ.
وَأَخْبَرَ أَنَّ طَاعَتَهُ طَاعَتُهُ فَقَالَ (مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ) وَمُبَايَعَتَهُ مُبَايَعَتُهُ فَقَالَ: (إنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ) وَقَرَنَ بَيْنَ اسْمِهِ وَاسْمِهِ فِي الْمَحَبَّةِ فَقَالَ: (أَحَبَّ إلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ). وَفِي الْأَذَى فَقَالَ: (إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَفِي الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَقَالَ: (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ). (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ) وَفِي الرِّضَا فَقَالَ: (وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ) فَهَذَا وَنَحْوُهُ هُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِأَبِي هُوَ وَأُمِّي.
فَأَمَّا الْعِبَادَةُ وَالِاسْتِعَانَةُ فَلِلَّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ كَمَا قَالَ (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا) (إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).
стр. 1659
(وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ) وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي مَوَاضِعَ كَقَوْلِهِ (فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ).؟؟؟ بداية الآية
وَقَوْلِهِ (وَتَوَكَّلْ عَلَى الْحَيِّ الَّذِي لَا يَمُوتُ وَسَبِّحْ بِحَمْدِهِ) وَقَوْلِهِ (عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ).
وَكَذَلِكَ التَّوَكُّلُ كَمَا قَالَ (وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ) وَقَالَ (قُلْ أَفَرَأَيْتُمْ مَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ إنْ أَرَادَنِيَ اللَّهُ بِضُرٍّ هَلْ هُنَّ كَاشِفَاتُ ضُرِّهِ أَوْ أَرَادَنِي بِرَحْمَةٍ هَلْ هُنَّ مُمْسِكَاتُ رَحْمَتِهِ قُلْ حَسْبِيَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَتَوَكَّلُ الْمُتَوَكِّلُونَ).
وَقَالَ (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ). وَالدُّعَاءُ لِلَّهِ وَحْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ دُعَاءَ الْعِبَادَةِ أَوْ دُعَاءَ الْمَسْأَلَةِ وَالِاسْتِعَانَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: (وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا) (وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللَّهِ يَدْعُوهُ كَادُوا يَكُونُونَ عَلَيْهِ لِبَدًا) (قُلْ إنَّمَا أَدْعُو رَبِّي وَلَا أُشْرِكُ بِهِ أَحَدًا) وَقَالَ تَعَالَى: (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ) وَقَالَ: (فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ فَتَكُونَ مِنَ الْمُعَذَّبِينَ) وَقَالَ: (وَلَا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ).
• قال أبو السعود: والتعبيرُ عنه ﵊ بالرسول دون الخطابِ للإيذان بأن مناطَ كونِ طاعتِه ﵊ طاعةً له تعالى ليس خصوصيةَ ذاتِه ﵊ بل من حيثية رسالتِه، وإظهارُ الجلالةِ لتربية المهابةِ وتأكيدِ وجوبِ الطاعةِ بذكر عنوانِ الألوهية.
(وَمَنْ تَوَلَّى) أي: أعرض عن طاعتك.
стр. 1660
(فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً) أي حافظاً تحفظ أعمالهم وأقوالهم، وإنما عليك البلاغ فمن تبعط فقد سعد ونجا، ومن تولى عنك خاب وخسر، وليس عليك من أمره شيء.
كما قال تعالى (إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ) وقال تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ) وقال تعالى (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ).
الفوائد:
١ - وجوب طاعة الرسول.
٢ - أن طاعة الرسول طاعة لله.
٣ - فضل طاعة الرسول.
٤ - الاحتجاج بالسنة.
٥ - تهديد من تولى وأعرض عن طاعة الرسول.
стр. 1661
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ فَإِذَا بَرَزُواْ مِنْ عِندِكَ بَيَّتَ طَآئِفَةٌ مِّنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (٨١)). [النساء: ٨١].
(وَيَقُولُونَ طَاعَةٌ) يخبر تعالى عن المنافقين بأنهم يظهرون الموافقة والطاعة.
• قال القرطبي: وهذا في المنافقين في قول أكثر المفسرين؛ أي يقولون إذا كانوا عندك: أمْرُنا طاعَةٌ، أو نطيع طاعةً.
(فَإِذَا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ) أي: خرجوا وتواروا عنك.
(بَيَّتَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) أي: استسروا ليلاً فيما بينهم بغير ما أظهروه.
• قال البغوي: قال قتادة والكلبي: بيّت، أي: غيّر وبدّل الذي عهِد إليهم النبي ﷺ ، ويكون التبييت بمعنى التبديل.
وقال أبو عبيدة: معناه قالوا وقدروا ليلاً غير ما أعطوك نهاراً، وكل ما قدّر بليل فهو تبييت.
(غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ) قيل: غير الذي تقول أنت يا محمد، أنت أمرهم بالطاعة فهم بيتوا المخالفة والمعصية، وقيل: غير الذي
تقول هذه الطائفة عندك، فهذه الطائفة قالت لك يا محمد طاعة، فإذا خرجوا بيتوا شيئاً غير الذي قالوه.
• وإسناد هذا التبييت إلى طائفة منهم، لبيان أنهم هم المتصدون له بالذات، أما الباقون فتابعون لهم في ذلك، لا أنهم ثابتون على الطاعة.
(وَاللَّهُ يَكْتُبُ مَا يُبَيِّتُونَ) أي: يعلمه ويكتبه عليهم بما يأمر به حفظته الكاتبين، الذين هم موكلون بالعباد، يعلمون ما تفعلون، والمعنى في هذا التهديد، أنه تعالى أخبر بأنه عالم بما يضمرونه ويسرونه فيما بينهم، وما يتفقون عليه ليلاً من مخالفة الرسول وعصيانه، وإن كانوا قد أظهروا له الطاعة والموافقة، وسيجزيهم على ذلك.
• قال الشيخ ابن عثيمين: الجملة هذه خبريه تفيد أمرين:
أولاً: تهديد هؤلاء الذين يبيتون غير ما يقول الرسول ﷺ .
ثانياً: تسلية الرسول ﷺ ، وأن أمرهم لا يخفى على الله، فقد يعاجلهم بالعقوبة وقد يؤخرهم.
(فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ) أي: اصفح عنهم واحلم عنهم ولا تشتغل بهم، لأنه قد طمست قلوبهم، والله يتولى أمرهم.
(وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ) أمر بالتوكل على الله، والتوكل على الله: هو: صدقالاعتماد على الله مع الثقة به مع فعل الأسباب.
стр. 1662
• وهذا من سبل دفع الشر:
منها: الإعراض عنه.
ومنها: التوكل على الله.
ومنها: الصبر على أذاهم.
كما قال تعالى (وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا لا يَضُرُّكُمْ كَيْدُهُمْ شَيْئاً إِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ).
ومنها: الاستعانة بالصلاة والدعاء.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).
قال الإمام ابن رجب: وحقيقة التوكل هو: صدق اعتماد القلب على الله في استجلاب المنافع ودفع المضار من أمور الدنيا والآخرة كلها، وتحقيق الإيمان بأنه لا يعطي ولا يمنع ولا يضر ولا ينفع سواه.
• وقال الشيخ السعدي ﵀: وحقيقة التوكل على الله: أن يعلم أن الأمر كله لله، وأنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وأنه لا حول ولا قوة إلا بالله.
• فضل التوكل على الله وجزاء المتوكلين:
١. أهل التوكل هم أهل محبة الله .
قال تعالى: (فإذا عزمت فتوكل على الله إن الله يحب المتوكلين).
٢. التوكل من شيم أنبياء الله ورسله وأوليائه (فبهداهم اقتده).
قال تعالى في نوح: (يا قوم إن كان كبر عليكم مقامي وتذكيري بآيات الله فعلى الله توكلت).
وقال تعالى عن هود: (إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها).
٣. أهل التوكل هم أهل الإيمان.
قال تعالى: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون)
٤. أهل التوكل هم أهل الجنة يدخلونها بغير حساب ولا عذاب.
قال ﷺ : (يدخل الجنة أقوام أفئدتهم مثل أفئدة الطير). رواه مسلم
حكى النووي في هذا الحديث: أن المراد بهؤلاء القوم هم المتوكلون.
وصح عنه ﷺ أنه يدخل الجنة من أمته سبعون ألفاً بغير حساب ولا عذاب، فلما سئل عن صفة هؤلاء قال: (هم الذين لا يسترقون ولا يكتوون ولا يتطيرون وعلى ربهم يتوكلون).
стр. 1663
٥. التوكل على الله مجلبة للرزق.
عن عمر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (لو أنكم تتوكلون على الله حق توكله لرزقكم كما يرزق الطير تغدو خماصاً وتروح
بطاناً). رواه الترمذي
٦. المتوكلون ليس عليهم للشيطان سبيل.
قال تعالى: (إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون).
٧. المتوكلون الله حسبهم وكافيهم.
قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه).
٨. أهل التوكل على الله هم أهل العزة والاستعلاء.
قال تعالى: (ومن يتوكل على الله فإن الله عزيز حكيم).
قال في الإحياء: " أي عزيز لا يذل من استجار به، ولا يضيع من لاذ بجنابه والتجأ إلى زمامه وحماه، وحكيم لا يقصر عن تدبير أمر من توكل على تدبيره ".
(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) أي: كفى به ولياً وناصراً ومعيناً لمن توكل عليه وأناب إليه.
الفوائد:
١ - ذم النفاق والمنافقين.
٢ - التحذير من النفاق.
٣ - إثبات الملائكة كتب الأعمال.
(الأربعاء: ١٧/ ٤/ ١٤٣٤ هـ).؟؟؟
стр. 1664
(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا (٨٢)). [النساء: ٨٢].
(أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) الهمزة للاستفهام، ومعناه التوبيخ، والتدبر: التأمل والتفكر في الشيء وإطالة النظر فيه إقبالاً وإدباراً
والمعنى: أفلا يتدبرون القرآن، أي: يتأملون ويتفكرون فيه ويتفهمونه ويتبعونه لفظاً ومعنى وعلماً وعملاً.
فإنهم لو تدبروه لدلهم على كل خير، ولحذرهم من كل شر، ولملأ قلوبهم من الإيمان، وأفئدتهم من الإيقان، ولأوصلهم إلى المطالب العالية، والمواهب الغالية، ولبيّن لهم الطريق الموصلة إلى الله، وإلى جنته ومكملاتها ومفسداتها.
• ففي الآية الحث على تدبر كتاب الله.
قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
في هذه الآية بين الله - تعالى - أن الغرض الأساس من إنزال القرآن هو التدبر والتذكر لا مجرد التلاوة على عظم أجرها.
وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
• قال ابن كثير: يقول الله تعالى آمراً عباده بتدبر القرآن وناهياً لهم عن الإعراض عنه وعن تفهم معانيه المحكمة وألفاظه
البليغة: أفلا يتدبرون القرآن، فهذا أمر صريح بالتدبر والأمر للوجوب.
وقال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
وقال تعالى (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).
وقال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ).
قال ابن مسعود: والذي نفسي بيده! إن حق تلاوته أن يحل حلاله ويحرم حرامه ويقرأه كما أنزله الله.
وقال الشوكاني: يتلونه: يعملون بما فيه، ولا يكون العمل به إلا بعد العلم والتدبر.
وقال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً).
قال ابن كثير: وترك تدبره وتفهمه من هجرانه.
стр. 1665
وقال ابن القيم: هجر القرآن أنواع … الرابع: هجر تدبره وتفهمه ومعرفة ما أراد المتكلم به منه.
وفي صحيح مسلم عن حذيفة (أنه صلى مع النبي ﷺ ذات ليلة فكان يقرأ مترسلاً إذا مر بآية فيها تسبيح سبح، وإذا مر بسؤال سأل، وإذا مر بتعوذ تعوذ).
فهذا تطبيق نبوي عملي للتدبر ظهر أثره بالتسبيح والسؤال والتعوذ.
وعن أبي ذر ﵁ قال (صلى رسول الله ﷺ ليلة فقرأ بآية حتى أصبح يركع بها ويسجد بها (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).
فهذا رسول الله ﷺ يقدم التدبر على كثرة التلاوة، فيقرأ آية واحدة فقط في ليلة كاملة
• قال ابن القيم: ليس شيء أنفع للعبد في معاشه ومعاده من تدبر القرآن وجمع الفكر على معاني آياته؛ فإنها تطلع العبد على معالم الخير والشر بحذافيرها وعلى طرقاتهما وأسبابهما وثمراتهما ومآل أهلهما، وتتل في يده مفاتيح كنوز السعادة والعلوم النافعة، وتثبت قواعد الإيمان في قلبه، وتريه صورة الدنيا والآخرة والجنة والنار في قلبه، وتحضره بين الأمم، وتريه أيام الله فيهم، وتبصره مواقع العبر، وتشهده عدل الله وفضله وتعرفه ذاته وأسماءه وصفاته وأفعاله.
• قال السعدي: وكلما ازداد العبد تأملا فيه ازداد علماً وعملاً وبصيرة، لذلك أمر الله بذلك وحث عليه وأخبر أنه هو المقصود بإنزال القرآن، كما قال تعالى (كِتَابٌ أَنزلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الألْبَابِ) وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
ومن فوائد التدبر لكتاب الله: أنه بذلك يصل العبد إلى درجة اليقين والعلم بأنه كلام الله، لأنه يراه يصدق بعضه بعضاً، ويوافق بعضه بعضاً، فترى الحكم والقصة والإخبارات تعاد في القرآن في عدة مواضع، كلها متوافقة متصادقة، لا ينقض بعضها بعضا، فبذلك يعلم كمال القرآن وأنه من عند من أحاط علمه بجميع الأمور، فلذلك قال تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا) أي: فلما كان من عند الله لم يكن فيه اختلاف أصلاً.
• في هذه الآية الحث على تدبر القرآن، والتحذير من عدم تدبره وتفهمه.
стр. 1666
• جاء الأمر بتدبر القرآن في آيات كثيرة:
كقوله تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ).
وقوله تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ).
وقال ﷺ (خيركم من تعلم القرآن وعلمه) رواه البخاري.
دواء القلوب في خمسة أشياء … ، منها: تدبر القرآن.
وقال مالك بن دينار: ما زرع القران في قلوبكم يا أهل القرآن؟ إن القرآن ربيع المؤمن كما أن الغيث ربيع الأرض.
• قال ابن القيم: إذا أردت الانتفاع بالقرآن فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به من تكلم به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله. …
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الشيطان يريد بوساوسه أن يشغل القلب عن الانتفاع بالقرآن، لأن قراءة القرآن على الوجه المأمور به تورث القلب الإيمان العظيم وتزيده يقيناً وطمأنينة وشفاء.
стр. 1667
• أهمية تدبر القرآن تأتي من وجوه:
أولاً: بركة القرآن.
كما قال تعالى (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ وَلِيَتَذَكَّرَ أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: كثير الخير والبركة.
ثانياً: حاجة القلب إلى تدبر القرآن.
إن في القلب حاجة لا يسدها إلا ذكر الله، والتلذذ بكريم خطابه، وإن فيه وحشة لا يزيلها إلا الأنس بكتابه، وإن فيه قلقاً وخوفاً لا يؤمنه إلا السكون إلى ما بشر الله به عباده، وإنه لعلى حيرة واضطراب لا ينجيه منها ويهديه إلى سواء الصراط إلا الاهتداء بنور ربه وبرهان كتابه العزيز (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
وإن العبد المؤمن مهما بلغ من العلم مكانة، ومن التقوى منزلاً، فإنه لا يستغني عن القرآن مثبتاً وهادياً ومعيناً، ولذلك قال ابن تيمية: وحاجة الأمة ماسة إلى فهم القرآن.
فالتدبر حال سماع القلب يزيد القلب نوراً وإيماناً
ثالثاً: الثناء على من تدبر القرآن وتأثر به.
قال تعالى (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ. الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ. أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقّاً لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ).
وقال تعالى (قُلْ آمِنُوا بِهِ أَوْ لا تُؤْمِنُوا إِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مِنْ قَبْلِهِ إِذَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ يَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ سُجَّداً. وَيَقُولُونَ سُبْحَانَ رَبِّنَا إِنْ كَانَ وَعْدُ رَبِّنَا لَمَفْعُولاً. وَيَخِرُّونَ لِلْأَذْقَانِ يَبْكُونَ وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعاً).
رابعاً: ذم من ترك تدبر القرآن.
قال تعالى (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا وَلَّى مُسْتَكْبِراً كَأَنْ لَمْ يَسْمَعْهَا كَأَنَّ فِي أُذُنَيْهِ وَقْراً فَبَشِّرْهُ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
وقال تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
وقال تعالى (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً).
وقال تعالى (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ أَمْ جَاءَهُمْ مَا لَمْ يَأْتِ آبَاءَهُمُ الْأَوَّلِينَ).
وقال تعالى (وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إِنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُوراً).
وفي وصف الخوارج (يقرؤون القرآن لا يجاوز حناجرهم) أي: أنهم يأخذون أنفسهم بقراءة القرآن وإقرائه وهم لا يتفقهون فيه ولا يعرفون مقاصده.
стр. 1668
قال ابن حجر: قال النووي: المراد أنهم ليس لهم فيه حظ إلا مروره على لسانهم، لا يصل إلى حلوقهم فضلاً عن أن يصل إلى قلوبهم، لأن المطلوب تعقله وتدبره بوقوعه في القلب.
• صوارف تحول دون التدبر:
أولاً: أمراض القلوب والإصرار على الذنوب.
قال تعالى (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال ابن كثير أي: سأمنع فهم الحجج.
قال سفيان بن عُيَينة في قوله (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الأرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ) قال: أنزع عنهم فهم القرآن، وأصرفهم عن آياتي.
قال الزركشي: اعلم أنه لا يحصل للناظر فهم معاني الوحي، ولا يظهر له أسراره وفي قلبه بدعة أو كِبْر أو هوى أو حب الدنيا أو هو مصر على ذنب … وهذه كلها حجب وموانع بعضها آكد من بعض.
ثانياً: انشغال القلب.
قال الحسن: يا ابن آدم! كيف يرق قلبك وإنما همتك في آخر السورة.
قال ابن القيم: فاذا حصل المؤثر وهو القرآن والمحل القابل وهو القلب الحي ووجد الشرط وهو الاصغاء وانتفى المانع وهو اشتغال القلب وذهوله عن معنى الخطاب وانصرافه عنه الي شيء آخر حصل الأثر وهو الانتفاع والتذكر.
стр. 1669
أمثلة تطبيقية لتدبر القرآن:
تقول عائشة (ما صلى رسول الله ﷺ بعد أن أنزلت عليه (إذا جاء .. ) إلا يقول: سبحانك ربنا وبحمدك، الهم اغفر لي) متفق عليه.
عن انس قال (كان أبو طلحة أكثر الأنصار مالاً، وكانت أحب أمواله بيرحاء، وكانت مستقبلة المسجد، فلما نزلت الآية (لن تنالوا البر .. ) قام أبو طلحة فقال: يا رسول الله: إن الله يقول (لن تنالوا البر .. ) وان أحب أموالي بيرحاء وإنها صدقة
لله … ) رواه مسلم.
عن عائشة قالت (لما نزل الله براءتي، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مِسْطح شيئاً أبداً، فأنزل الله (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ) قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر لي، فرجع في نفقته على مسطح). رواه البخاري
وردد ابن مسعود - رضي الله تعالى عنه - ( … رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً).
• وردد سيد التابعين سعيد بن جبير قوله تعالى (وَاتَّقُواْ يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ .. ).
• وقال عثمان بن عفان ﵁ لو طهرت قلوبنا ما شبعت من كلام ربنا.
وقتل شهيداً مظلوماً ودمه على مصحفه.
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: والمطلوب من القرآن هو فهم معانيه والعمل به، فإن لم تكن هذه همة حافظه لم يكن من أهل العلم والدين.
• ورحم الله ابن القيّم ما أصدقَ قولَه: إذا قسا القلب؛ قحطت العين.
قال ابن تيمية: وأما كيف يحصل اليقين فبثلاثة أشياء: أحدها: تدبر القرآن. والثاني: تدبر الآيات التي يحدثها الله في الأنفس والآيات التي تبين أنه حق. الثالث: العمل بموجب العلم.
وقال: مَنْ تَدَبَّرَ الْقُرْآنَ طَالِبًا لِلْهُدَى مِنْهُ تَبَيَّنَ لَهُ طَرِيقُ الْحَقِّ.
• قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين:
أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة.
فالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ … ).
стр. 1670
وقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن.
والثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ).
(وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ) أي: لو كان مفتعلاً مختلقاً كما يقوله من يقوله من جهلة المشركين والمنافقين في بواطنهم.
(لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) أي: اضطراباً وتضاداً كثيراً، أي: وهذا سالم من الاختلاف، فهو من عند الله، كما قال تعالى (كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ).
وكما قال تعالى مخبراً عن الراسخين في العلم حيث قالوا (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: محكمه ومتشابهه حق، فلهذا ردوا المتشابه إلى المحكم فاهتدوا، والذين في قلوبهم زيغ ردوا المحكم إلى المتشابه فغووا، ولهذا مدح الراسخين في العلم وذم الزائعين.
• فالمراد بقوله (اخْتِلافاً كَثِيراً) أي: أنه يناقض بعضه بعضاً ويكذب بعضه بعضاً، ونسبه ابن الجوزي للجمهور.
• قال القرطبي: قوله تعالى (لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) أي: تفاوتاً وتناقضاً.
• قال البيضاوي: قوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله) أي ولو كان من كلام البشر كما تزعم الكفار (لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً) من تناقض المعنى وتفاوت النظم، وكان بعضه فصيحاً وبعضه ركيكاً، وبعضه يصعب معارضته وبعضه يسهل، ومطابقة بعض أخباره المستقبلة للواقع دون بعض، وموافقة العقل لبعض أحكامه دون بعض، على ما دل عليه الاستقراء لنقصان القوة البشرية، ولعل ذكره ها هنا للتنبيه على أن اختلاف ما سبق من الأحكام ليس لتناقض في الحكم بل لاختلاف الأحوال في الحكم والمصالح.
الفوائد:
١ - الحث على تدبر القرآن.
٢ - توبيخ من لم يتدبر القرآن.
٣ - عظمة القرآن الكريم، حيث لا اختلاف فيه ولا تناقض.
٤ - إثبات أن القرآن كلام الله.
стр. 1671
(وَإِذَا جَاءهُمْ أَمْرٌ مِّنَ الأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُواْ بِهِ وَلَوْ رَدُّوهُ إِلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُوْلِي الأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنبِطُونَهُ مِنْهُمْ وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلاَّ قَلِيلاً (٨٣)). [السناء: ٨٣].
(وَإِذَا جَاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ أَوِ الْخَوْفِ أَذَاعُوا بِهِ) قال ابن كثير: إنكار على من يبادر إلى الأمور قبل تحققها، فيخبر بها ويفشيها وينشرها، وقد لا يكون لها صحة.
• قال السعدي: هذا تأديب من الله لعباده عن فعلهم هذا غير اللائق. وأنه ينبغي لهم إذا جاءهم أمر من الأمور المهمة والمصالح العامة ما يتعلق بالأمن وسرور المؤمنين، أو بالخوف الذي فيه مصيبة عليهم أن يتثبتوا ولا يستعجلوا بإشاعة ذلك الخبر، بل يردونه إلى الرسول وإلى أولي الأمر منهم، أهلِ الرأي والعلم والنصح والعقل والرزانة، الذين يعرفون الأمور ويعرفون المصالح وضدها. فإن رأوا في إذاعته مصلحة ونشاطا للمؤمنين وسرورا لهم وتحرزا من أعدائهم فعلوا ذلك. وإن رأوا أنه ليس فيه مصلحة أو فيه مصلحة ولكن مضرته تزيد على مصلحته، لم يذيعوه،
• والمراد بالأمر هنا: الخبر الذي يكون له أثر إذا أشيع وأذيع.
والمعنى: أن هؤلاء الذين في قلوبهم مرض إذا سمعوا شيئاً من الأخبار التي تتعلق بأمن المسلمين أو خوفهم أذاعوها وأظهروها قبل
أن يقفوا على حقيقتها.
• قال الآلوسي: والكلام مسوق لبيان جناية أخرى من جنايات المنافقين، أو لبيان جناية الضعفاء أثر بيان جناية المنافقين، وذلك أنهم كانوا إذا غزت سرية من المسلمين قالوا عنها:
أصاب المسلمون من عدوهم كذا، وأصاب العدو من المسلمين كذا وكذا من غير أن يكون النبي ﷺ هو الذي يخبرهم به، وقيل: كان الضعفاء يسمعون من أفواه المنافقين شيئاً من الخبر عن السرايا مظنون غير معلوم الصحة فيذيعونه قبل أن يحققوه فيعود ذلك وبالاً على المؤمنين.
• قال القرطبي: قوله تعالى (أَذَاعُواْ بِهِ) أي: أفشوه وأظهروه وتحدثوا به قبل أن يقفوا على حقيقته.
• قال الآلوسى: (وَإِذَا جَاءهُمْ) أي: المنافقين كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والضحاك وأبي معاذ، أو ضعفاء المسلمين كما روي عن الحسن وذهب إليه غالب المفسرين أو الطائفتين كما نقله ابن عطية.
• وقال ابن عطية: قوله تعالى: (وإذا جاءهم أمر من الأمن) الآية، قال جمهور المفسرين: الآية في المنافقين حسبما تقدم من ذكرهم، والآية نازلة في سرايا رسول الله ﷺ وبعوثه، والمعنى: أن المنافقين كانوا يشرهون إلى سماع ما يسوء النبي في سراياه، فإذا طرأت لهم شبهة أمن للمسلمين أو فتح عليهم، حقروها وصغروا شأنها وأذاعوا بذلك التحقير والتصغير، وإذا طرأت لهم شبهة خوف المسلمين أو مصيبة عظموها وأذاعوا ذلك التعظيم، و (أذاعوا به) معناه: أفشوه، وهو فعل يتعدى بحرف جر وبنفسه أحياناً، تقول أذاعت كذا وأذعت به.
وفي الحديث قال ﷺ (كفى بالمرء كذباً أن يُحدث بكل ما سمع) رواه مسلم في المقدمة.
وعن المغيرة. (أن رسول الله ﷺ نهى عن قيل وقال) متفق عليه، قال ابن كثير: أي: الذي يكثر من الحديث عما يقول الناس من غير تثبت ولا تدبر ولا تبيّن.
стр. 1672
(وَلَوْ رَدُّوهُ) أي: ذلك الأمر الذي جاءهم.
(إِلَى الرَّسُولِ) ﷺ .
(وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ) المراد بأولى الأمر: كبار الصحابة البصراء بالأمور. وقيل المراد بهم: الولاة وأمراء السرايا.
أي: وسكتوا فلم يذيعوا ما جاءهم من الخبر، حتى يكون رسول الله ﷺ أو ذوو أمرهم، هم الذين يتولون الخبر عن ذلك، بعد أن تثبت عندهم صحته أو بطوله، فيصححونه إن كان صحيحاً أو يبطلوه إن كان باطلاً.
(لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ) أي: لعلموا ما ينبغي أن يفشى منه وما ينبغي أن يكتم.
والمعنى: لو أنهم فعلوا ذلك لعلموا من جهة الرسول ومن جهة كبار أصحابه حقيقة تلك الأخبار، وما يجب عليهم نحوها من كتمان أو إذاعة.
• وفيه أنه يجب التثبت بالأخبار.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا).
• آثار عدم التثبت أو عدم التبين:
أولاً: اتهام الأبرياء من الناس زوراً وبهتاناً.
فقد اتهمت أم المؤمنين عائشة زوراً وبهتاناً بما لم يقع منها في الجاهلية فكيف بعد أن أعزها بالإسلام.
وكان سبب هذا الاتهام هو عدم التثبت، حتى قال: (لَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُوا هَذَا إِفْكٌ
مُّبِينٌ).
وقال تعالى: (أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ).
ثانياً: الحسرة والندم.
فإن بعض الصحابة الذين خاضوا في الإفك وطاروا به من غير تثبت ولا تبين، أصابتهم الحسرة والندم لما نزل الوحي من السماء ببراءة عائشة.
стр. 1673
ثالثاً: التعرض للغضب الإلهي.
فمن تجرد من التثبت أو التبين، كثرت أخطاؤه وتضاعفت عثراته، ومن ثَمَّ يستوجب غضب الله وسخطه.
رابعاً: فقد ثقة الناس مع النفور والكراهية.
فمن عرف عنه العجلة في الرأي والحكم، أو عدم التثبت أو التبين ينظر إليه الناس على أنه أرعن أحمق، ومثل هذا يسحب الناس ثقتهم به، بل وينفرون منه.
• وقد عدد الفخر الرازي المضار التي تعود على الأمة بسبب إذاعة الأخبار بدون تثبت فقال:
وكان سبب الضرر من إذاعة هذه الأخبار من وجوه:
الأول: أن مثل هذه الإرجافات لا تنفك عن الكذب الكثير.
الثاني: أنه إذا كان ذلك الخبر في جانب الأمن زادوا فيه زيادات كثيرة. فإذا لم توجد فيه تلك الزيادات، أورث ذلك شبهة للضعفاء في صدق الرسول ﷺ لأن المنافقين كانوا يروون هذه الإرجافات عن الرسول ﷺ .
وإن كان ذلك في جانب الخوف تشوش الأمر بسببه على ضعفاء المسلمين، ووقعوا عنده في الحيرة والاضطراب، فكانت تلك الإرجافات سببا للفتنة من هذا الوجه.
الثالث: أن الإرجاف سبب لتوفير الدواعي على البحث الشديد والاستقصاء التام. وذلك سبب لظهور الأسرار. وذلك مما لا يوافق المصلحة.
الرابع: أن العداوة الشديدة كانت قائمة بين المسلمين والكفار. فكل ما كان أمناً لأحد الفريقين كان خوفاً للفريق الثاني. فإن وقع خبر الأمن للمسلمين وحصول العسكر وآلات الحرب لهم. أرجف المنافقون بذلك، فوصل الخبر إلى الكفار فأخذوا في التحصن من المسلمين. وإن وقع خبر الخوف للمسلمين بالغوا في ذلك وزادوا فيه. فظهر من ذلك أن ذلك الإرجاف كان منشأ للفتن والآفات من كل الوجوه. ولما كان الأمر كذلك ذم اللّه - تعالى - تلك الإذاعة وذلك التشهير ومنعهم منه.
• فإن قيل: إذا كان الذين أمرهم الله برد هذه الأخبار إلى الرسول وإلى أولي الأمر هم المنافقون، فكيف جعل أولي الأمر منهم في قوله (وإلى أُوْلِى الأمر مِنْهُمْ)؟
قلنا: إنما جعل أولي الأمر منهم على حسب الظاهر، لأن المنافقين يظهرون من أنفسهم أنهم يؤمنون، ونظيره قوله تعالى (وَإِنَّ مِنْكُمْ لَمَن لَّيُبَطّئَنَّ) وقوله (مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مّنْهُمْ).
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَاتَّبَعْتُمُ الشَّيْطَانَ إِلَّا قَلِيلاً) أي: لولا ما تفضل الله به عليكم من إرسال رسوله، وإنزال كتابه لاتبعتم الشيطان، فبقيتم على كفركم إلا قليلاً منكم، أو إلا اتباعاً قليلاً منكم.
وقيل: المعنى: أذاعوا به إلا قليلاً منهم، فإنه لم يذع ولم يفش. قاله الكسائي، والأخفش، والفراء، وأبو عبيدة، وأبو حاتم، وابن جرير.
стр. 1674
وقيل: المعنى لعلمه الذين يستنبطونه إلا قليلاً منهم، قاله الزجاج.
قال الطبري: ولولا إنعام الله عليكم أيها المؤمنون، بفضله ورحمته وتوفيقه، فأنقذكم مما ابتلى به هؤلاء المنافقين الذين يقولون لرسول الله ﷺ إذا أمرهم بأمر (طاعة) فإذا برزوا من عنده بيت طائفة منهم غير الذي يقول، لكنتم مثلهم، فاتبعتم الشيطان إلا قليلاً كما اتبعه هؤلاء الذين وصف صفتهم.
فالطبري اختار أن القليل مستثنى من الإذاعة، أي: لأذعتموه إلا قليلاً منكم لم يذع هذا الأمر.
وقيل: إن هذا من المقدم والمؤخر، فالمعنى: وإذا جاءهم أمر من الأمن أو الخوف أذاعوا به إلا قليلاً منهم، ولو فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان كلكم ولم ينج منكم قليل ولا كثير.
• قال السعدي: وفي هذا دليل لقاعدة أدبية وهي أنه إذا حصل بحث في أمر من الأمور ينبغي أن يولَّى مَنْ هو أهل لذلك ويجعل إلى أهله، ولا يتقدم بين أيديهم، فإنه أقرب إلى الصواب وأحرى للسلامة من الخطأ، وفيه النهي عن العجلة والتسرع لنشر الأمور من حين سماعها، والأمر بالتأمل قبل الكلام والنظر فيه، هل هو مصلحة، فيُقْدِم عليه الإنسان؟ أم لا فيحجم عنه.
الفوائد:
١ - الحرص على عدم إذاعة الشيء إلا بعد التيقن من معناه.
٢ - أن الله إذا نهى عن شيء بيّن شيئاً مباحاً.
٣ - التحذير من التعجل في نشر الخير.
٤ - التعمق في التثبت.
٥ - اللجوء إلى الله في طلب الفضل.
٦ - ذم من اتبع الشيطان.
(السبت: ٤/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1675
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إِلاَّ نَفْسَكَ وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَن يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنكِيلاً (٨٤)). [النساء: ٨٤].
(فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ) يأمر تعالى عبده ورسوله محمداً ﷺ أن يباشر القتال بنفسه، ومن نكل عليه فلا عليه منه، ولهذا قال: لا تُكَلَّفُ إِلَّا نَفْسَكَ.
• قال القرطبي: لا تدع جهاد العدو والاستنصار عليهم للمستضعفين من المؤمنين ولو لوحدك، لأنه وعد بالنصر.
(وَحَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: على القتال ورغبهم فيه وشجعهم عنده،
كما قال رسولُ الله ﷺ يوم بدر ((قُومُوا إِلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ)) قَالَ: يَقُولُ عُمَيْرُ بن الحُمَامِ الأنْصَارِيُّ ﵁: يَا رسولَ اللهِ، جَنَّةٌ عَرْضُهَا السَّماوَاتُ وَالأرْضُ؟ قَالَ: ((نَعَمْ)) قَالَ: بَخٍ بَخٍ؟ فَقَالَ رسولُ الله ﷺ : ((مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَولِكَ بَخٍ بَخٍ؟)) قَالَ: لَا وَاللهِ يَا رَسُولَ اللهِ إِلاَّ رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أهْلِهَا، قَالَ: ((فَإنَّكَ مِنْ أهْلِهَا)) فَأخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ، فَجَعَلَ يَأكُلُ مِنْهُنَّ، ثُمَّ قَالَ: لَئِنْ أَنَا حَييتُ حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هذِهِ إنّهَا لَحَياةٌ طَوِيلَةٌ، فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ التَّمْرِ، ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ)). رواه مسلم
وقد ورد أحاديث كثيرة في الترغيب في الجهاد سبقت.
قال ﷺ (لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا).
وقال ﷺ (إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ).
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ ﷺ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) متفق عليه.
(عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بتحريضك إياهم على القتال تنبعث هممهم على مناجزة الأعداء، ومدافعتهم عن حوزة الإسلام وأهله، ومقاومتهم ومصابرتهم.
• وعسى من الله واجبة، وقد تحقق ذلك يوم بدر وفي فتح مكة.
стр. 1676
• قال الشيخ ابن عثيمين: (عسى) من الله واجبة، فليست للترجي، لأن الله تعالى لا يترجى، إذ إن الرجاء في مقابل الشيء الصعب، والله على كل شيء قدير، ولهذا قيل: (عسى) من الله واجبة، أي: واقعاً حتماً، لكن الله يجعلها على هذه الصيغة حتى لا يأمن الإنسان مكر الله.
(وَاللَّهُ أَشَدُّ بَأْساً وَأَشَدُّ تَنْكِيلاً) أي: والله أشد قوة وسطوة، وأعظم عقوبة وعذاباً.
الفوائد:
١ - وجوب القتال في سبيل الله.
٢ - وجوب الإخلاص في الجهاد.
٣ - أنه لا يُكلف أحد على هداية أحد.
٤ - تحريض المؤمنين على الجهاد في بيان فضائله وعظم منزلته.
стр. 1677
(مَّن يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُن لَّهُ نَصِيبٌ مِّنْهَا وَمَن يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُن لَّهُ كِفْلٌ مِّنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقِيتًا (٨٥)). [النساء: ٨٥].
(مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) أي: من سعى في أمر فترتب عليه خير كان له نصيب من ذلك.
• قال القاسمي: أي يتوسط في أمر فيترتب عليه خير من دفع ضر، أو جلب نفع، ابتغاء لوجه الله تعالى، ومنه حمل المؤمنين على قتال الكفار.
• قال ابن عاشور: والمقصود مع ذلك الترغيب في التوسّط في الخير والترهيب من ضدّه.
والشفاعة: الوساطة في إيصال خير أو دفع شرّ، سواء كانت بطلب من المنتفع أم لا، وفي الحديث (اشفعوا فلْتؤجروا).
وما ذكره ابن كثير هو أحد الأقوال في المسألة، لأن العلماء اختلفوا في معنى (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا).
• قال القرطبي: واختلف المتأوّلون في هذه الآية؛ فقال مجاهد والحسن وابن زيد وغيرهم هي في شفاعات الناس بينهم في حوائجهم؛ فمن يشفع لينفع فله نصيب، ومن يشفع ليضر فله كِفْل.
وقيل: الشفاعة الحسنة هي في البر والطاعة، والسيئة في المعاصي.
فمن شَفَع شفاعة حسنة ليصلح بين اثنين استوجب الأجر، ومن سعى بالنميمة والغِيبة أثم، وهذا قريب من الأوّل.
وقيل: يعني بالشفاعة الحسنة الدعاءَ للمسلمين، والسيئةِ الدعاءَ عليهم.
وقيل: المعنى من يكن شَفْعاً لصاحبه في الجهاد يكن له نصيبه من الأجر، ومن يكن شفعاً لآخرَ في باطل يكن له نصيبه من
الوِزر. (تفسير القرطبي)
وقال ابن العربي: اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ (مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً) عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ:
الْأَوَّلُ: مَنْ يَزِيدُ عَمَلًا إلَى عَمَلٍ.
الثَّانِي: مَنْ يُعِينُ أَخَاهُ بِكَلِمَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ.
قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا، وَلْيَقْضِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ).
الثَّالِثُ: قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي مَعْنَاهُ: مَنْ يَكُنْ يَا مُحَمَّدُ شَفِيعًا لِوِتْرِ أَصْحَابِكَ فِي الْجِهَادِ لِلْعَدُوِّ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْأَجْرِ.
وَمَنْ يَشْفَعْ وِتْرًا مِنْ الْكُفَّارِ فِي جِهَادِكَ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْإِثْمِ.
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَقَدْ تَكُونُ الشَّفَاعَةُ غَيْرَ جَائِزَةٍ، وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ سَعْيًا فِي إثْمٍ أَوْ فِي إسْقَاطِ حَدٍّ بَعْدَ وُجُوبِهِ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَفَاعَةً سَيِّئَةً. (أحكام القرآن).
واختار هذا القول ابن جرير حيث قال: من يَصِر يا محمد شفعاً لوتر أصحابك، فيشفع في جهاد عدوهم وقتالهم في سبيل الله، وهو الشفاعة الحسنة (يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا) يكن له من شفاعته تلك نصيب، وهو الحظ من ثواب الله وجزيل كرامته.
стр. 1678
• في الآية فضل الشفاعة في الخير:
عَنْ أَبِى مُوسَى قَالَ (كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ إِذَا أَتَاهُ طَالِبُ حَاجَةٍ أَقْبَلَ عَلَى جُلَسَائِهِ فَقَالَ «اشْفَعُوا فَلْتُؤْجَرُوا وَلْيَقْضِ اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ مَا أَحَب) متفق عليه.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ زَوْجَ بَرِيرَةَ كَانَ عَبْداً يُقَالُ لَهُ مُغِيثٌ كَأَنِّى أَنْظُرُ إِلَيْهِ يَطُوفُ خَلْفَهَا يَبْكِى، وَدُمُوعُهُ تَسِيلُ عَلَى لِحْيَتِهِ، فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ لِعَبَّاسٍ «يَا عَبَّاسُ أَلَا تَعْجَبُ مِنْ حُبِّ مُغِيثٍ بَرِيرَةَ، وَمِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثاً». فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ «لَوْ رَاجَعْتِهِ». قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْمُرُنِى قَالَ «إِنَّمَا أَنَا أَشْفَعُ». قَالَتْ لَا حَاجَةَ لِى فِيه) رواه البخاري.
قال ابن القيم: هذه شفاعة من سيد الشفعاء لمحب إلى محبوبه وهي من أفضل الشفاعات وأعظمها أجرا عند الله فإنها تتضمن اجتماع محبوبين على ما يحبه الله ورسوله ولهذا كان أحب ما لإبليس وجنوده التفريق بين هذين المحبوبين وتأمل قوله تعالى في الشفاعة الحسنة (يكن له نصيب منها) وفي السيئة (يكن له كفل منها) فإن لفظ الكفل يشعر بالحمل والثقل ولفظ النصيب يشعر بالحظ الذي ينصب طالبه في تحصيله وإن كان كل منهما يستعمل في الأمرين عند الانفراد ولكن لما قرن بينهما حسن اختصاص حظ الخيز بالنصيب وحظ الشر بالكفل.
كان ابن عباس ﵄ معتكفاً في مسجد رسول الله ﷺ فجاءه رجل يستعين به على حاجة له، فخرج معه، وقال: " سمعتُ صاحب هذا القبر ﷺ يقول: من مشى في حاجة أخيه وبلغ فيها كان خيراً من اعتكاف عشر سنين، ومن اعتكف يوماً ابتغاءَ وجه الله جعلَ الله بينه وبين النار ثلاثة خنادق، كل خندق أبعد مما بين الخافقين).
وقال سفيان بن عيينة: ليس أقول لكم إلا ما سمعت: قيل لابن المنكدر: أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن.
وقيل: أي الدنيا أحب إليك؟ قال: الإفضال على الإخوان.
وقال الحسن البصري ﵀: لأنْ أقضي حاجةً لأخ أحبُّ إليَّ من أن أعتكف سنة.
وفي الأثر: صنائع المعروف تقي ميتة السوء.
وقال جعفر بن محمد: إن الحاجة تعرض للرجل قِبَلي فأبادر بقضائها مخافةَ أن يستغني عنها، أو تأتيه وقد استبطأها، فلا يكون لها عنده موقع.
وقال البيجاني ﵀: وإذا أراد الله بعبد خيراً جعل قضاء الحوائج على يديه.
стр. 1679
• الشافع مأجور قُبِلت شفاعته أم لم تُقبَل:
فعلى الشافع أن يُحسن نيته، ويبتغي بذلك الأجرَ والثواب من رب الأرباب، وليتأسَّ بمَن مَدَحهم الله بقوله (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لَا نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَاءً وَلَا شُكُوراً).
فالأعمال بالنيات؛ وبقدر صِدْق المرء وإخلاصه واتِّباعه للسنة، وبقدْرِ نَصَبه وعنائه في أي أمر من الأمور الحسنة؛ يكون أجره وثوابه، فكذلك الأمر للشافع.
(وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا) أي: ومن يشفع شفاعة مخالفة للشرع يكن له نصيب من الوزر بسببها.
الكفل: الحمل الثقيل - والنصيب: ما يعمل من أجله ويحصله.
قال ابن عادل: والكفل: النَّصِيب، إلا أنَّ استعماله في الشَّرِّ أكثر، عكس النصيب، وإنْ كان قد استُعْمِل الكِفْلُ في الخَيْرِ، قال تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) وأصلُه قالوا: مُسْتَعَارٌ مِنْ كِفْلِ البَعير، وهو كساء يُدَارُ حَوْلَ سِنَامِهِ ليُرْكَبَ، سُمِّي بِذَلِك؛ لأنَّه لم يَعُمَّ ظهرهَ كُلَّه بل نَصِيباً منه، ولغلبةِ استِعْمَالِه في الشَّرِّ، واستعمال النَّصِيب في الخير، غاير بَيْنَهُمَا في هذه الآيَة الكَريمة؛ إذ أتى بالكِفْل مع السَّيِّئَة، والنَّصِيب مع الحَسَنة
مثال: كمن يشفع لأناس قد وجب عليهم الحد أن لا يقام عليهم، قال تعالى (وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان).
عن عائشة ﵂: أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا وَمَنْ يَجْتَرِئُ عَلَيْهِ إِلا أُسَامَةُ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ فَاخْتَطَبَ فَقَالَ أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُمْ كَانُوا إِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ وَايْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا
стр. 1680
• قال بعض العلماء: فالتعبير بالنصيب في الشفاعة الحسنة، وبالكفل في الشفاعة السيئة للتفنن.
وفرق بينهما بعض المحققين بأن النصيب يشمل الزيادة، والكفل هو المثل المساوي، فاختيار النصيب أولاً لأن جزاء الحسنة يضاعف؛ والكفل ثانياً لأن من جاء بالسيئة لا يجزى إلا مثلها، ففي الآية إشارة إلى لطف الله تعالى بعباده.
وقال بعضهم: إن الكفل وإن كان بمعنى النصيب إلا أنه غلب في الشر وندر في غيره كقوله تعالى (يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ) فلذا خص بالسيئة تطرية وهرباً من التكرار.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتاً) قيل: حسيباً، وقيل: حفيظاً، وقيل: شهيداً، وقيل: مقتدراً ورجحه ابن جرير.
الفوائد:
١ - الحث على الشفاعة الحسنة.
٢ - الحث على التعاون على البر والتقوى.
٣ - التحذير من الشفاعة السيئة.
٤ - أن من شارك في عمل سيء كان له نصيب منه.
٥ - قدرة الله تعالى.
стр. 1681
(وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)). [النساء: ٨٦].
(وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أي: إذا سلم عليكم المسلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم به، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة.
وقد جاء عن عمران بن حصين (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس فقال: عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ثم جلس، فقال: ثلاثون) رواه أبو داود.
• قوله تعالى (بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (أو) هنا للتنويع.
• قال الرازي: واعلم أنه تعالى قال (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب.
• قال القرطبي: قوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ) رد الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السَّلام ورحمة الله؛ لمن قال: سلام عليك، فإن قال: سلام عليك ورحمة الله؛ زدت في ردّك: وبركاته، وهذا هو النهاية فلا مزيد.
قال الله تعالى مخبراً عن البيت الكريم (رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ).
فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردّك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته.
والردّ بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السَّلام، إلاَّ أنه ينبغي أن يكون السَّلام كلّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلّم عليه واحداً.
روى الأعمشُ عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: إذا سلّمت على الواحد فقل: السَّلام عليكم، فإن معه الملائكة.
• قال القرطبي: والصحيح أن التحية هاهنا السلام؛ لقوله تعالى (وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله) وعلى هذا جماعة المفسرين.
стр. 1682
وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ).
• قال ابن عاشور: وهذه الآية من آداب الإسلام: علّم الله بها أن يَردّوا على المسلّم بأحسنَ من سلامه أو بما يماثله، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء.
• مباحث السلام:
الأول: فضائله:
أولاً: من أسباب المحبة بين المسلمين.
قال ﷺ (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا … ).
ثانياً: أنه من خير خصال الإسلام.
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو م أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه.
قال العلماء: جعل السلام على الجميع لمن يعرف ومن لا يعرف حتى يكون خالصاً لله تعالى، بريئاً من حظ النفس، والتصنع، لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع.
ثالثاً: من أسباب دخول الجنة.
قال ﷺ (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، … تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي.
رابعاً: من علامات الإيمان.
قَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ.
قال العلامة ابن القيم في شرح هذه الكلمات:
وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه:
فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وألا يطالبهم بما ليس له، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوا به، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا: إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ويُنميها ويرفعها بطاعة الله (تعالى) وتوحيده، وحبّه وخوفه.
стр. 1683
وبذل السلام للعالم يتضمن: تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه …
وأما الإنفاق مع الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يُخلفه ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرة منه وفضلاً، وتكذيباً بوعد من يعده الفقر ويأمره بالفحشاء.
الثاني: ابتداء السلام سنة.
وهذا قول جماهير العلماء، بل حكاه بعضهم إجماعاً.
قال ﷺ (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْه) رواه مسلم.
ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد، وهو ظاهر ما نقل عن الظاهرية عندالمالكية (في غير المشهور) أن الابتداء بالسلام من الواحد فرض.
وعلى قول الجمهور هو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن جميعهم ولو سلم كلهم كان أفضل وأكمل، فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدكم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدكم» أخرجه أبو داود.
ا لثالث: رد السلام واجب.
لهذه الآية (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا).
قال ﷺ (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَريض، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة، وتَشْميتُ العَاطِس) متفق عليه.
الأمر للوجوب فهو واجب عينًا على المسلَّم عليه إذا كان واحدًا، وواجب على الكفاية إذا كانوا مجموعة، وإن ردوا جميعًا فهو أفضل.
الرابع: إذا لم يسمعوا السلام.
عن أنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثَاً حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً. رواه البخاري.
قال النووي: وهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيراً.
стр. 1684
الخامس: يسلم الراكب على الماشي.
قال ﷺ (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِير) متفقٌ عَلَيْهِ.
وفي رواية للبخاري (والصغيرُ عَلَى الكَبير).
السادس: يسن السلام على الصبيان.
عن أنس ﵁: أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله ﷺ يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي: سيحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة.
والحساب: هو اطلاع الله عباده على أعمالهم، وتقريرهم عليها.
• وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع.
قال تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).
وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً).
وأما من السنة:
فقد كان النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: ( … اللهم حاسبني حساباً يسيراً) فقالت عائشة: (ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه). رواه أحمد، وقال الألباني: " إسناده جيد ".
وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.
стр. 1685
• يستثنى من الذين لا يحاسبون من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب.
كما جاء في الصحيحين. أن النبي ﷺ قال (عرضت عليّ الأمم .... الحديث وفيه: ورأيت أمتي ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون).
• يشمل الحساب حتى الجن.
لأنهم مكلفون مأمورون كالإنس.
ولذلك الجني الكافر يدخل النار بالاتفاق.
كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ … ).
وقال تعالى (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ).
• وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله). رواه الترمذي
• وأول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء.
لقوله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). متفق عليه من حديث ابن مسعود.
الفوائد:
١ - وجوب رد التحية.
٢ - أن رد التحية يكون على وجهين، مجزئ وأفضل، فالمجزئ مأخوذ من قوله (أو ردوها) والأكمل والأفضل من قوله
(بأحسن منها).
٣ - أنه لا يجزئ الرد بغير السلام.
٤ - إثبات الحساب.
следующие страницы →