← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1681–1720 · переход к 1686.

стр. 1681

(وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا (٨٦)). [النساء: ٨٦]. (وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) أي: إذا سلم عليكم المسلم، فردوا عليه أفضل مما سلم، أو ردوا عليه بمثل ما سلم به، فالزيادة مندوبة، والمماثلة مفروضة. وقد جاء عن عمران بن حصين (أن رجلاً جاء إلى النبي ﷺ فقال: السلام عليكم، فرد عليه ثم جلس فقال: عشر، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله، فرد عليه ثم جلس، فقال: عشرون، ثم جاء آخر فقال: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، فرد عليه ثم جلس، فقال: ثلاثون) رواه أبو داود. • قوله تعالى (بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) (أو) هنا للتنويع. • قال الرازي: واعلم أنه تعالى قال (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا) فقال العلماء: الأحسن هو أن المسلم إذا قال السلام عليك زيد في جوابه الرحمة، وإن ذكر السلام والرحمة في الابتداء زيد في جوابه البركة، وإن ذكر الثلاثة في الابتداء أعادها في الجواب. • قال القرطبي: قوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ) رد الأحسن أن يزيد فيقول: عليك السَّلام ورحمة الله؛ لمن قال: سلام عليك، فإن قال: سلام عليك ورحمة الله؛ زدت في ردّك: وبركاته، وهذا هو النهاية فلا مزيد. قال الله تعالى مخبراً عن البيت الكريم (رَحْمَةُ الله وَبَرَكَاتُهُ). فإن انتهى بالسلام غايته، زدت في ردّك الواو في أول كلامك فقلت: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. والردّ بالمثل أن تقول لمن قال السلام عليك: عليك السَّلام، إلاَّ أنه ينبغي أن يكون السَّلام كلّه بلفظ الجماعة، وإن كان المُسَلّم عليه واحداً. روى الأعمشُ عن إبراهيم النَّخَعيّ قال: إذا سلّمت على الواحد فقل: السَّلام عليكم، فإن معه الملائكة. • قال القرطبي: والصحيح أن التحية هاهنا السلام؛ لقوله تعالى (وَإِذَا جَآءُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ الله) وعلى هذا جماعة المفسرين.

стр. 1682

وإذا ثبت هذا وتقرّر ففِقهُ الآية أن يُقال: أجمع العلماء على أن الابتداء بالسلام سُنّة مرغّب فيها، وردُّه فريضة؛ لقوله تعالى (فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَآ أَوْ رُدُّوهَآ). • قال ابن عاشور: وهذه الآية من آداب الإسلام: علّم الله بها أن يَردّوا على المسلّم بأحسنَ من سلامه أو بما يماثله، ليبطل ما كان بين الجاهلية من تفاوت السادة والدهماء. • مباحث السلام: الأول: فضائله: أولاً: من أسباب المحبة بين المسلمين. قال ﷺ (لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا … ). ثانياً: أنه من خير خصال الإسلام. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو م أَنَّ رَجُلاً سَأَلَ النَّبِيَّ ﷺ أَيُّ الإِسْلَامِ خَيْرٌ قَالَ: (تُطْعِمُ الطَّعَامَ، وَتَقْرَأُ السَّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَمَنْ لَمْ تَعْرِفْ) متفق عليه. قال العلماء: جعل السلام على الجميع لمن يعرف ومن لا يعرف حتى يكون خالصاً لله تعالى، بريئاً من حظ النفس، والتصنع، لأنه شعار الإسلام، فحق كل مسلم فيه شائع. ثالثاً: من أسباب دخول الجنة. قال ﷺ (يا أيها الناس: أفشوا السلام، وأطعموا الطعام، … تدخلوا الجنة بسلام). رواه الترمذي. رابعاً: من علامات الإيمان. قَالَ عَمَّارٌ: ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنَّ فَقَدْ جَمَعَ الإِيمَانَ الإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ، وَبَذْلُ السَّلَامِ لِلْعَالَمِ، وَالإِنْفَاقُ مِنَ الإِقْتَارِ. قال العلامة ابن القيم في شرح هذه الكلمات: وقد تضمنت هذه الكلمات أصول الخير وفروعه: فإن الإنصاف يوجب عليه أداء حقوق الله كاملة موفّرة، وأداء حقوق الناس كذلك، وألا يطالبهم بما ليس له، ويعاملهم بما يحب أن يعاملوا به، ويحكم لهم وعليهم بما يحكم به لنفسه وعليها، ويدخل في هذا: إنصافه نفسه من نفسه، فلا يدعي لها ما ليس لها، ويُنميها ويرفعها بطاعة الله (تعالى) وتوحيده، وحبّه وخوفه.

стр. 1683

وبذل السلام للعالم يتضمن: تواضعه وأنه لا يتكبر على أحد، بل يبذل السلام للصغير والكبير، والشريف والوضيع، ومن يعرفه ومن لا يعرفه … وأما الإنفاق مع الإقتار فلا يصدر إلا عن قوة ثقة بالله، وأن الله يُخلفه ما أنفقه، وعن قوة يقين، وتوكل، ورحمة، وزهد في الدنيا، ووثوق بوعد مَنْ وعده مغفرة منه وفضلاً، وتكذيباً بوعد من يعده الفقر ويأمره بالفحشاء. الثاني: ابتداء السلام سنة. وهذا قول جماهير العلماء، بل حكاه بعضهم إجماعاً. قال ﷺ (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم ستٌّ: إِذَا لَقيتَهُ فَسَلِّمْ عَلَيهِ، وَإِذَا دَعَاكَ فَأجبْهُ، وإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ، وإِذَا عَطَسَ فَحَمِدَ الله فَشَمِّتْهُ، وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ، وَإِذَا مَاتَ فَاتَّبِعْه) رواه مسلم. ونقل ابن مفلح عن شيخ الإسلام ابن تيمية أن ابتداء السلام واجب في أحد القولين في مذهب أحمد، وهو ظاهر ما نقل عن الظاهرية عندالمالكية (في غير المشهور) أن الابتداء بالسلام من الواحد فرض. وعلى قول الجمهور هو سنة على الكفاية فإن كانوا جماعة فسلم واحد منهم كفى عن جميعهم ولو سلم كلهم كان أفضل وأكمل، فعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي ﷺ قال (يجزي عن الجماعة إذا مروا أن يسلم أحدكم ويجزي عن الجلوس أن يرد أحدكم» أخرجه أبو داود. ا لثالث: رد السلام واجب. لهذه الآية (وَإِذَا حُيِّيْتُم بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّواْ بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا). قال ﷺ (حَقُّ المُسْلِم عَلَى المُسْلِم خَمْسٌ: رَدُّ السَّلامِ، وَعِيَادَةُ المَريض، وَاتِّبَاعُ الجَنَائِزِ، وَإجَابَةُ الدَّعْوَة، وتَشْميتُ العَاطِس) متفق عليه. الأمر للوجوب فهو واجب عينًا على المسلَّم عليه إذا كان واحدًا، وواجب على الكفاية إذا كانوا مجموعة، وإن ردوا جميعًا فهو أفضل. الرابع: إذا لم يسمعوا السلام. عن أنسٍ ﵁: أنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ إِذَا تكلم بِكَلِمَةٍ أعَادَهَا ثَلاثَاً حَتَّى تُفهَمَ عَنْهُ، وَإِذَا أتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ سلم عَلَيْهِمْ ثَلَاثاً. رواه البخاري. قال النووي: وهذا مَحْمُولٌ عَلَى مَا إِذَا كَانَ الجَمْعُ كَثِيراً.

стр. 1684

الخامس: يسلم الراكب على الماشي. قال ﷺ (يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى المَاشِي، وَالمَاشِي عَلَى القَاعِدِ، وَالقَليلُ عَلَى الكَثِير) متفقٌ عَلَيْهِ. وفي رواية للبخاري (والصغيرُ عَلَى الكَبير). السادس: يسن السلام على الصبيان. عن أنس ﵁: أنَّهُ مَرَّ عَلَى صِبْيَانٍ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ، وقال: كَانَ رسول الله ﷺ يَفْعَلُهُ. متفقٌ عَلَيْهِ. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيباً) أي: سيحاسب العباد على كل شيء من أعمالهم الصغيرة والكبيرة. والحساب: هو اطلاع الله عباده على أعمالهم، وتقريرهم عليها. • وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى: (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ). وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً). وأما من السنة: فقد كان النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: ( … اللهم حاسبني حساباً يسيراً) فقالت عائشة: (ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه). رواه أحمد، وقال الألباني: " إسناده جيد ". وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة.

стр. 1685

• يستثنى من الذين لا يحاسبون من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. كما جاء في الصحيحين. أن النبي ﷺ قال (عرضت عليّ الأمم .... الحديث وفيه: ورأيت أمتي ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون). • يشمل الحساب حتى الجن. لأنهم مكلفون مأمورون كالإنس. ولذلك الجني الكافر يدخل النار بالاتفاق. كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ … ). وقال تعالى (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ). • وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله). رواه الترمذي • وأول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء. لقوله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). متفق عليه من حديث ابن مسعود. الفوائد: ١ - وجوب رد التحية. ٢ - أن رد التحية يكون على وجهين، مجزئ وأفضل، فالمجزئ مأخوذ من قوله (أو ردوها) والأكمل والأفضل من قوله (بأحسن منها). ٣ - أنه لا يجزئ الرد بغير السلام. ٤ - إثبات الحساب.

стр. 1686

(اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا (٨٧)). [النساء: ٨٧]. (اللَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) إخبار بتوحيده وتفرده بالإلهية لجميع المخلوقات، ونضمن قسماً لقوله: (لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ) خبر وقسم أنه سيجمع الأولين والآخرين في صعيد واحد، فيجازي كل عامل بعمله. • في هذا إثبات الحشر والجمع يوم القيامة. قال تعالى (قُلْ إِنَّ الْأَوَّلِينَ وَالْآخِرِينَ. لَمَجْمُوعُونَ إِلَى مِيقَاتِ يَوْمٍ مَعْلُومٍ). وقال تعالى (وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). وقال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ). وقال تعالى (وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). وقال تعالى (مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). وقال ﷺ : (يحشر الناس يوم القيامة على أرض بيضاء عفْراء كقرصة النقي ليس فيها علم لأحد) متفق عليه. • ويحشر كل شيء حتى البهائم، كما قال تعالى (وَإِذَا الْوُحُوشُ حُشِرَتْ)، وقال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ). • وسمي يوم القيامة بذلك: أولاً: لقيام الناس من قبورهم. كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: لقيام الأشهاد. كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: لقيام الروح والملائكة. كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً). (وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً) الإستفهام للنفي، والمعنى: لا أحد اصدق منه في حديثه وخبره، ووعده ووعيده. الفوائد: ١ - انفراد الله تعالى بالألوهية. ٢ - إثبات يوم القيامة. ٣ - إثبات جمع الناس يوم القيامة. ٤ - وجوب الإيمان باليوم الآخر. ٥ - أن كلام الله وخبره صدق لا كذب فيه. (الأحد: ١٩/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1687

(فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاللَّهُ أَرْكَسَهُم بِمَا كَسَبُواْ أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (٨٨)). [النساء: ٨٨]. (فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ) عن زيد بن ثابت (أن رسول الله ﷺ خرج إلى أحد، فرجع ناس خرجوا معه، فكان أصحابُ رسول الله ﷺ فيهم فرقتين، فرقة تقول: نقاتلهم، وفرقة تقول: لا، فأنزل الله: فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ، فقال ﷺ : إنها طيبة، وإنها تنفي الخَبَث كما تنفي النار خبث الفضة) رواه مسلم. • والمراد بهؤلاء المنافقين: عبدالله بن أبيّ ومن معه، رجعوا بثلث الجيش يوم غزوة أحد. والمعنى: أي مالكم أيها المؤمنون أصبحتم فرقتين في شأن المنافقين، بعضكم يقول نقتلهم وبعضكم يقول: لا نقتلهم، والحال: أنهم منافقون. • والاستفهام لإنكار خلافهم في شأن المنافقين ولوم المؤمنين الذين أحسنوا الظن بالمنافقين مع أن أحوال هؤلاء المنافقين تدعو إلى سوء الظن بهم. والمعنى: لقد سقت لكم - أيها المؤمنون - من أحوال المنافقين ما يكشف عن خبثهم ومكرهم، وبينت لكم من صفاتهم ما يدعو إلى الحذر منهم وسوء الظن بهم، وإذا كان هذا هو حالهم فما الذي سوغ لكم أن تختلفوا في شأنهم إلى فئتين؟ فئة تحسن الظن بهم وتدافع عنهم، وفئة أخرى صادقة الفراسة، سليمة الحكم لأنها عند ما رأت الشر قد استحوذ على المنافقين أعرضت عنهم، واحتقرتهم، وأخذت حذرها منهم، وحكمت عليهم بالحكم الذي رضيه اللّه - تعالى. والآن - أيها المؤمنون - بعد أن ظهر الحق، وانكشف حال أولئك المنافقين، عليكم أن تتركوا الخلاف في شأنهم، وأن تتفقوا جميعا على أنهم قوم بعيدون عن الحق والإيمان ومنغمسون في الضلال والبطلان. • قال ابن عاشور: فتكون الآية لبيان أنّه ما كان ينبغي التردّد في أمرهم. قال القرطبي: والمعنِيّ بالمنافقين هنا عبد الله بن أُبيّ وأصحابه الذين خذلوا رسول الله ﷺ يوم أُحُد ورجعوا بعسكرهم بعد أن خرجوا؛ كما تقدّم في آل عمران. وقال ابن عباس: هم قوم بمكة آمنوا وتركوا الهجرة، قال الضحاك: وقالوا إن ظهر محمد ﷺ فقد عرفنا، وإن ظهر قومنا فهو أحبّ إلينا. فصار المسلمون فيهم فئتين قوم يتولَّوْنهم وقوم يتبرّؤون منهم؛ فقال الله (فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ).

стр. 1688

وذكر أبو سلمة بن عبد الرحمن عن أبيه أنها نزلت في قوم جاءوا إلى المدينة وأظهروا الإسلام، فأصابهم وَباءُ المدينة وحُمَّاها؛ فأرْكِسوا فخرجوا من المدينة، فاستقبلهم نفر من أصحاب النبيّ ﷺ فقالوا: ما لكم رجعتم؟ فقالوا: أصابنا وباء المدينة فاجتويناها؛ فقالوا: ما لكم في رسول الله ﷺ أُسْوَة؟ فقال بعضهم: نافقوا. وقال بعضهم: لم ينافقوا، هم مسلمون؛ فأنزل الله (فَمَا لَكُمْ فِي المنافقين فِئَتَيْنِ والله أَرْكَسَهُمْ بِمَا كسبوا) حتى جاءوا المدينة يزعمون أنهم مهاجرون، ثم ارتدوا بعد ذلك، فاستأذنوا رسول الله ﷺ إلى مكة ليأتوا ببضائع لهم يتَّجرون فيها، فاختلف فيهم المؤمنون فقائل يقول: هم منافقون، وقائل يقول: هم مؤمنون؛ فبيّن الله تعالى نفاقهم وأنزل هذه الآية وأمر بقتلهم. قلت: وهذان القولان يَعْضُدهُما سياق آخر الآية من قوله تعالى (حَتَّى يُهَاجِرُوا) والأوّل أصح نقلاً، وهو اختيار البخاريّ. • قال الطبري: وأولى هذه الأقوال بالصواب في ذلك، قول من قال: نزلت هذه الآية في اختلاف أصحاب رسول الله ﷺ في قوم كانوا ارتدُّوا عن الإسلام بعد إسلامهم من أهل مكة. وإنما قلنا ذلك أولى بالصواب، لأنّ اختلاف أهل التأويل في ذلك إنما هو على قولين: أحدهما: أنهم قوم كانوا من أهل مكة، على ما قد ذكرنا الرواية عنهم، والآخر: أنهم قوم كانوا من أهل المدينة. وفي قول الله تعالى ذكره (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا)، أوضح الدّليل على أنهم كانوا من غير أهل المدينة. لأنّ الهجرة كانت على عهد رسول الله ﷺ إلى داره ومدينته من سائر أرض الكفر. فأما من كان بالمدينة في دار الهجرة مقيمًا من المنافقين وأهل الشرك، فلم يكن عليه فرضُ هجرة، لأنه في دار الهجرة كان وطنُه ومُقامه. (وَاللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا) أي: ردهم وأوقعهم في الخطأ بسبب نفاقهم وعصيانهم. • قال ابن العربي: أَخْبَرَ اللَّهُ أَنَّ اللَّهَ رَدَّ الْمُنَافِقِينَ إلَى الْكُفْرِ، وَهُوَ الْإِرْكَاسُ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ، كَمَا قَالَ فِي الرَّوْثَةِ إنَّهَا رِجْسٌ، أَيْ رَجَعَتْ إلَى حَالَةٍ مَكْرُوهَة. • قال ابن عاشور: وقد جعل الله ردّهم إلى الكفر جزاء لسوء اعتقادهم وقلّة إخلاصهم مع رسوله ﷺ فإنّ الأعمال تتوالد من جنسها، فالعمل الصالح يأتي بزيادة الصالحات، والعمل السيّيء يأتي بمنتهى المعاصي، ولهذا تكرّر في القرآن الإخبار عن كون العمل سبباً في بلوغ الغايات من جنسه.

стр. 1689

• وفي هذا دليل أن الإنسان يعاقب بمعصيته وجرمه. كما قال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ). وقال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ آتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ ...... فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكَذِبُونَ). (أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ) أي: أتريدون هداية من أضله الله، والإستفهام للإنكار والتوبيخ. • قال الشنقيطي: قوله تعالى (أَتُرِيدُونَ أَن تَهْدُواْ مَنْ أَضَلَّ الله وَمَن يُضْلِلِ الله فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً). أنكر تعالى في هذه الآية الكريمة على من أراد أن يهدي من أضله الله، وصرح فيها بأن من أضله الله لا يوجد سبيل إلى هداه، وأوضح هذا المعنى في آيات كثيرة كقوله (وَمَن يُرِدِ الله فِتْنَتَهُ فَلَن تَمْلِكَ لَهُ مِنَ الله شَيْئاً أولئك الذين لَمْ يُرِدِ الله أَن يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدنيا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخرة عَذَابٌ عَظِيمٌ) وقوله (مَن يُضْلِلِ الله فَلَا هَادِيَ لَهُ) ويؤخذ من هذه الآيات أن العبد ينبغي له كثرة التضرع والابتهال إلى الله تعالى: أن يهديه ولا يضله، فإن من هداه الله لا يضل، ومن أضله لا هادي له، ولذا ذكر عن الراسخين في العلم أنهم يقولون (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا). (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) أي: لا طريق له إلى الهدى ولا مخلص له إليه. • وفي هذا دليل أن المهتدي من هداه الله. قال تعالى (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَآمَنَ مَنْ فِي الْأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعاً أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا). وقال تعالى (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). وقال تعالى (إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ). وقال تعالى (قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ). وقال تعالى عن أهل الإيمان يوم القيامة (وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ).

стр. 1690

وكذلك الإضلال: قال تعالى (فيُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ). وقال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّاً مُرْشِداً). وقال تعالى (وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ). وفي الحديث القدسي (كلكم ضال إلا من هديته). ويقول الرسول ﷺ (والله لولا الله ما اهتدينا ولا تصدقنا ولا صلينا) متفق عليه. الفوائد: ١ - الإنكار على المؤمنين في الاختلاف في المنافقين. ٢ - أن الإنسان يذم ويركس ويُرد على الوجه المذموم بسبب عمله. ٣ - إثبات الأسباب. ٤ - أن الهداية بيد الله. ٥ - أنه لا أحد يستطيع أن يهدي من أراد الله إضلاله. ٦ - الالتجاء والتضرع بسؤال الهداية من الله.

стр. 1691

(وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء فَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ أَوْلِيَاء حَتَّىَ يُهَاجِرُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِن تَوَلَّوْاْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدتَّمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُواْ مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (٨٩) إِلاَّ الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَىَ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُم مِّيثَاقٌ أَوْ جَآؤُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَن يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُواْ قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاء اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْاْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً (٩٠)). [النساء: ٨٩ - ٩٠]. (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) كلام مستأنف مسوق لبيان غلوهم وتماديهم في الكفر وتصديهم لإضلال غيرهم إثر بيان كفرهم وضلالهم في أنفسهم. أي: هم يودون لكم الضلالة لتستووا أنتم وإياهم فيها، وما ذاك إلا لشدة عداوتهم وبغضهم لكم. • قال القرطبي: أي تمنّوا أن تكونوا كَهُم في الكفر والنفاق. • وقال ابن الجوزى: أخبر الله المؤمنين بما في ضمائِر تلك الطائِفة، لئلا يحسنوا الظن بهم، ولا يجادلوا عنهم، وليعتقدوا عداوتهم. • وقال الجصاص: قَوْله تَعَالَى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً) يَعْنِي هَذِهِ الطَّائِفَةُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ عَنْ ضَمَائِرِهِمْ وَاعْتِقَادَاتهمْ لِئَلَّا يُحْسِنَ الْمُؤْمِنُونَ بِهِمْ الظَّنَّ وَلِيَعْتَقِدُوا مُعَادَاتِهِمْ وَالْبَرَاءَةَ مِنْهُمْ. • أهل الكفر والضلال دائماً يريدون إضلال أهل الإيمان. قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مّنْ أَهْلِ الكتاب لَوْ يَرُدُّونَكُم مِن بَعْدِ إيمانكم كُفَّارًا حَسَدًا مّنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) وقوله تعالى (وَدُّواْ لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُواْ فَتَكُونُونَ سَوَاء). وقال تعالى (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ). وقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) وقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً). وقال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ). وقال تعالى (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).

стр. 1692

وقال تعالى (وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ). • قال ابن عطية: الضمير في (ودوا) عائد على المنافقين، وهذا كشف من الله لخبث معتقدهم، وتحذير للمؤمنين منهم. والمعنى تمنوا كفركم، وهي غاية المصائب بكم، وهذا الود منهم يحتمل أن يكون عن حسد منهم لهم على ما يرون للمؤمنين من ظهور في الدنيا، فتجري الآية مع ود كثير من أهل الكتاب لو يردونكم من بعد إيمانكم كفاراً حسداً من عند أنفسهم ويحتمل أمر المنافقين أن يكون أنهم رأوا المؤمنين على غير شيء فودوا رجوعهم إلى عبادة الأصنام، والأول أظهر. (فَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ) يوالونكم وتوالونهم، لأنهم أعداء، والله يقول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ). • وهذا يستلزم عدم محبتهم، ويستلزم أيضاً بغضهم وعداونهم. (حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) (حتى) هنا للغاية، يعني استمروا في عداوتهم حتى يهاجروا في سبيل الله. إن قيل: كيف قال: حتى يهاجروا في سبيل الله، وعبد الله بن أبي بن سلول كان بالمدينة، ومن المعلوم أنه لا هجرة في المدينة؟ قيل: أن المراد بالهجرة هنا هجرة أخرى، وهي هجرة صحيحة تحقق إيمانهم، وذلك بالخروج مع رسول الله ﷺ للقتال في سبيل الله مخلصين صابرين محتسبين. وقيل: أن الآية في طوائف من المنافقين ممن كانوا خارج المدينة ولم يهاجروا إليها، وقد تعالى (وَمِمَّنْ حَوْلَكُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ مُنَافِقُونَ وَمِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَرَدُوا عَلَى النِّفَاقِ لا تَعْلَمُهُمْ نَحْنُ نَعْلَمُهُمْ). • قال ابن عاشور: وعليه فقوله (فلا تتخذوا منهم أولياء حتى يهاجروا في سبيل الله) إن حمل على ظاهر المهاجرة لا يناسب إلاّ ما تقدّم في سبب النزول عن مجاهد وابن عباس، ولا يناسب ما في (الصحيح) عن زيد بن ثابت، فتعيّن تأويل المهاجرة بالجهاد في سبيل الله، فالله نهى المسلمين عن ولايتهم إلى أن يخرجوا في سبيل الله في غزوة تقع بعد نزول الآية لأنّ غزوة أُحد، التي انخزل عنها عبد الله بن أبَيّ وأصحابه، قد مضت قبل نزول هذه السورة.

стр. 1693

• فالهجرة أنواع: هجرة المعاصي والذنوب. لحديث عبد الله بن عمرو. قال: قال ﷺ ( … والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه) رواه البخاري. ومن ذلك الهجرة من النفاق إلى الإيمان. هجرة الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام، وهجرة من النفاق إلى الإيمان. وكانت مفروضة من مكة قبل فتحها. • قوله (في سبيل الله) تنبيه لخطر الهجرة لغرض دنيوي، وفي الحديث (إنما الأعمال بالنيات … ). • قال القرطبي: والهجرة أنواع: منها الهجرة إلى المدينة لنُصرة النبيّ ﷺ ، وكانت هذه واجبة أوّل الإسلام حتى قال: " لا هجرة بعد الفتح " وكذلك هجرة المنافقين مع النبيّ ﷺ في الغزوات، وهجرة من أسلم في دار الحرب فإنها واجبة. وهجرة المسلم ما حرّم الله عليه؛ كما قال ﷺ (والمهاجر من هجر ما حرم الله عليه) وهاتان الهجرتان ثابتتان الآن. وهجرة أهل المعاصي حتى يرجعوا تأديباً لهم فلا يُكَلَّمون ولا يخالَطون حتى يتوبوا؛ كما فعل النبيّ ﷺ مع كعب وصاحبيْه. (فَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الهجرة في سبيل الله والإيمان بالله ورسوله. (فَخُذُوهُمْ) أي: أسرى. (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) أي: فخذوهم أيها المؤمنون واقتلوهم حيث وجدتموهم. (وَلا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) أي: لا توالوهم وتستنصروا بهم على الأعداء ما داموا كذلك.

стр. 1694

• ثم استثنى الله سبحانه من هؤلاء فقال: (إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: إلا الذين لجؤوا وتحيزوا إلى قوم بينكم وبينهم مهادنة أو عقد ذمة، فاجعلوا حكمهم كحكمهم. • قال البغوي: هذا الاستثناء راجع للقتل، لا إلى الموالاة، لأن موالاة الكفار والمنافقين لا تجوز بحال. • فالله قد استثنى من هؤلاء الذين أمركم بأخذهم وقتلهم أناسا التجأوا واستندوا إلى قوم بينكم وبينهم عهد أمان، لأنهم بهذا الالتجاء قد صار حكمهم كحكم من لجئوا إليهم من حيث الأمان وعدم الاعتداء. • قال القرطبي: (إِلاَّ الذين يَصِلُونَ) أي يتَّصلون بهم ويدخلون فيما بينهم من الجوار والحلف؛ المعنى: فلا تقتلوا قوماً بينهم وبين مَن بينكم وبينهم عهدٌ فإنهم على عهدهم ثم انتسخت العهود فانتسخ هذا. هذا قول مجاهد وابن زيد وغيرهم، وهو أصح ما قيل في معنى الآية. (أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء قوم آخرون من المسْتثْنيْن عن الأمر بقتالهم، وهم الذين يجيئون إلى المصاف وهم حصرة صدورهم، أي: ضيقة صدورهم مبغضين أن يقاتلوكم، ولا يهون عليهم أيضاً أن يقاتلوا قومهم معكم، بل هم لا لكم ولا عليكم. • … (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) معنى حصرت: ضاقت وانقبضت. • قال الرازي: قوله تعالى (حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ) معناه ضاقت صدورهم عن المقاتلة فلا يريدون قتالكم لأنكم مسلمون، ولا يريدون قتالهم لأنهم أقاربهم. • فأنت ترى أن الاستثناء في قوله إِلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إِلى قَوْمٍ قد أخرج من الأخذ والقتل فريقين من الناس: الفريق الأول: هو الذي ترك المحاربين من الأعداء، والتجأ إلى القوم الذين بينهم وبين المسلمين عهد أمان، فإنه بهذا الالتجاء قد صار حكمه كحكم من التجأ إليهم في الأمان. والفريق الثاني: هو الذي جاء إلى المؤمنين، مسالماً وترك قومه، إلا أنه في الوقت نفسه يكره أن يقاتل المسلمين لحبه لهم، ويكره أن يقاتل قومه لأنهم قومه وعشيرته وأهله أو لأنه لو قاتلهم للحقه الضرر في ماله أو ذريته. (وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) قال الطبري: أي: ولو شاء الله لسلط هؤلاء الذين يصلون إلى قوم بينكم وبينهم ميثاق فيدخلون في جوارهم، والذين يجيئوكم قد حصرت صدورهم عن قتالكم وقتال قومهم عليكم، أيها المؤمنون، فقاتلوكم مع أعدائكم من المشركين ولكن الله كفّهم عنكم.

стр. 1695

• قال القرطبي: قوله تعالى (وَلَوْ شَآءَ الله لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ) تسليط الله تعالى المشركين على المؤمنين هو بأن يُقدرهم على ذلك ويقوّيهم إمّا عقوبةً ونقمة عند إذاعة المنكر وظهور المعاصي، وإما ابتلاء واختباراً كما قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حتى نَعْلَمَ المجاهدين مِنكُمْ والصابرين وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وإما تمحيصاً للذنوب كما قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ الله الذين آمَنُواْ). ولله أن يفعل ما يشاء ويسلط من يشاء على من يشاء إذا شاء. (فَإِنِ اعْتَزَلُوكُمْ) فسرها بقوله: (فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ) فلم يتعرضوا لكم بقتال. (وَأَلْقَوْا إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: المسالمة. (فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلاً) أي: فليس لكم أن تقتلوهم مادامت حالهم كذلك، وهؤلاء كالجماعة الذين خرجوا يوم بدر من بني هاشم مع المشركين، فحضروا القتال وهم كارهون، كالعباس ونحوه، ولهذا نهى النبي ﷺ عن قتل العباس وأمر بأسره. الفوائد: ١ - شدة عداوة الكفار وبغضهم للمسلمين. ٢ - محبة الكفار لإضلال المسلمين. ٣ - التحذير من موالاة الكفار. ٤ - أن من لم يهاجر في سبيل الله فهذا دليل على نقص إيمانه. ٥ - الإشارة إلى الإخلاص. ٦ - تمام وفاء الإسلام بالعهد. ٧ - إثبات مشيئة الله. ٨ - أن من ألقى السلام وجب الكف عنه.

стр. 1696

(سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (٩١)). [النساء: ٩١]. (سَتَجِدُونَ آخَرِينَ يُرِيدُونَ أَن يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُواْ قَوْمَهُمْ كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: ستجدون قوماً آخرين من المنافقين يريدون أن يأمنوكم بإظهار الإيمان، ويأمنوا قومهم بإظهار الكفر إذا رجعوا إليهم (كُلَّ مَا رُدُّوَاْ إِلَى الْفِتْنِةِ أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: كلما دعوا إلى الكفر أو قتال المسلمين عادوا إليه وقُلبوا فيه على أسوأ شكل، فهم شر من كل عدو شرير. • قال ابن كثير: هؤلاء في الصورة الظاهرة كمن تقدمهم، ولكن نية هؤلاء غير نية أولئك، فإن هؤلاء منافقون يظهرون للنبي ﷺ ولأصحابه الإسلام، ليأمنوا بذلك عندهم على دمائهم وأموالهم وذراريهم ويصانعون الكفار في الباطن، فيعبدون معهم ما يعبدون، ليأمنوا بذلك عندهم، وهم في الباطن مع أولئك، كما قال تعالى (وَإِذَا خَلَوْا إِلَى شَيَاطِينِهِمْ قَالُوا إِنَّا مَعَكُمْ إِنَّمَا نَحْنُ مُسْتَهْزِئُونَ) وقال هاهنا (كُلَّمَا رُدُّوا إِلَى الْفِتْنَةِ أُرْكِسُوا فِيهَا) أي: انهمكوا فيها. وقال السدّي: الفتنة هاهنا: الشرك. وحكى ابن جرير، عن مجاهد: أنها نزلت في قوم من أهل مكة، كانوا يأتون النبي صلى الله عليه وسلم فيسلمون رياء، ثم يرجعون إلى قريش فيرتكسون في الأوثان، يبتغون بذلك أن يأمنوا هاهنا وهاهنا، فأمر بقتالهم إن لم يعتزلوا ويصلحوا. (تفسير ابن كثير). • وقال السعدي: وهؤلاء في الصورة، كالفرقة الثانية، وفي الحقيقة مخالفة لها، فإن الفرقة الثانية، تركوا قتال المؤمنين، احتراماً لهم، لا خوفاً على أنفسهم، وأما هذه الفرقة فتركوه خوفاً لا احتراماً، بل لو وجدوا فرصة في قتال المؤمنين، فإنهم سيقدمون لانتهازها. • قال الرازي: قال المفسرون: هم قوم من أسد وغطفان، كانوا إذا أتوا المدينة أسلموا وعاهدوا، وغرضهم أن يأمنوا المسلمين، فإذا رجعوا إلى قومهم كفروا ونكثوا عهودهم (كُلَّمَا رُدُّواْ إِلَى الفتنة) كلما دعاهم قومهم إلى قتال المسلمين (أُرْكِسُواْ فِيِهَا) أي: ردوا مغلوبين منكوسين فيها، وهذا استعارة لشدة إصرارهم على الكفر وعداوة المسلمين لأن من وقع في شيء منكوساً يتعذر خروجه منه.

стр. 1697

• وقال ابن عاشور: قوله تعالى (سَتَجِدُونَ آَخَرِينَ يُرِيدُونَ أَنْ يَأْمَنُوكُمْ وَيَأْمَنُوا قَوْمَهُمْ) هؤلاء فريق آخر لا سَعْيَ لهم إلاّ في خُوَيْصْتِهِم، ولا يعبأون بغيرهم، فهم يظهرون المودّة للمسلمين ليأمنوا غزوهم، ويظهرون الودّ لقومهم ليأمنوا غائلتهم، وما هم بمخلصين الودّ لأحد الفريقين، ولذلك وصفوا بإرادة أن يأمنوا من المؤمنين ومن قومهم، فلا هَمّ لهم إلاّ حظوظ أنفسهم، يلتحقون بالمسلمين في قضاء لبانات لهم فيظهرون الإيمانَ، ثم يرجعون إلى قومهم فيرتدّون إلى الكفر، وهو معنى قوله (كُلَّما رُدّوا إلى الفتنة أُرْكسُوا فيها). وقد مر بيان معنى (أركسوا) قريباً. (فَإِن لَّمْ يَعْتَزِلُوكُمْ) أي: فإن لم يجتنبوكم. (وَيُلْقُواْ إِلَيْكُمُ السَّلَمَ) أي: يستسلموا إليكم. (وَيَكُفُّوَاْ أَيْدِيَهُمْ) أي: عن القتال. (فَخُذُوهُمْ) أسراء (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثِقِفْتُمُوهُمْ) أي: أين لقيتموهم. (وَأُوْلَئِكُمْ جَعَلْنَا لَكُمْ عَلَيْهِمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا) أي: جعلنا لكم على أخذهم وقتلهم حجة واضحة وبرهاناً بيّناً بسبب غدرهم وخيانتهم. الفوائد: ١ - علم الله بالغيب. ٢ - أنه لا يمكن الجمع بين الولاية والعداوة. ٣ - التحذير من الوقوع في الفتن. ٤ - وجوب قتال من قاتلنا. ٥ - أن المنافقين أنواع. (السبت: ٢٥/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1698

(وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (٩٢)). [سورة النساء: ٩٢]. (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِناً) قال ابن كثير: يقول تعالى: ليس لمؤمن أن يقتل أخاه المؤمن بوجه من الوجوه. • قوله (مؤمن) نكرة في سياق النفي، يعم كل مؤمن، سواء كان قوي الإيمان أو ناقص الإيمان. • المراد بالمؤمن هنا يشمل حتى المسلم، لأنه إذا انفرد لأحدهما فإنه يراد به كلا المعنيين. • والقتل: هو إزهاق الروح بأي وسيلة كانت، وبأي نوع من أنواع القتل. (إِلَّا خَطَأً) هذا إستثناء منقطع، والتقدير: ما كان له أن يقتله البتة، لكن إن قتله خطاً فعليه كذا وكذا. • ونظيره في القرآن كثير: قال تعالى (لَا تَأْكُلُواْ أموالكم بَيْنَكُمْ بالباطل إِلاَّ أَن تَكُونَ تجارة) وقال (الذين يَجْتَنِبُونَ كبائر الإثم والفواحش إِلاَّ اللمم). وقال (لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً وَلَا تَأْثِيماً إِلاَّ قِيلاً سلاما سلاما). • قال ابن عطية: قال جمهور المفسرين: معنى هذه الآية: وما كان في إذن الله وفي أمره للمؤمن أن يقتل مؤمناً بوجه، ثم استثنى منقطعاً ليس من الأول، وهو الذي تكون فيه إلا بمعنى لكن، والتقدير لكن الخطأ قد يقع. • فيه أن القتل ينقسم إلى ثلاثة أقسام: قتل عمد، وقتل شبه عمد، وقتل خطأ. وعلى هذا التقسيم أكثر العلماء. العمد: أن يقصد من يعلمه آدمياً معصوماً فيقتله بما يغلب على الظن موته به. • من صور القتل العمد: أن يضربه بمحدد: وهو ما يقطع ويدخل في البدن كالسيف والسكين. أن يضربه بحجر كبير ونحوه: أي بمثقل، لا بحجر صغير، لأن الحجر الصغير لا يقتل غالباً. أن يلقيه من شاهق أو في نار أو يلقي عليه حائط. أن يخنقه بحبل. أو يقتله بسحر يقتل غالباً، قال في المغني (فيلزمه القود لأنه قتله بما يقتل غالباً فاشبه ما لو قتله بسكين). أن يقتله بسم: بأن يطعمه السم. قتل شبه العد: أن يقصد جناية لا تقتل غالباً في غير مقتل. كمن ضربه في غير مقتل بسوط أو عصا صغيرة. • قلنا (في غير مقتَل) لأن الضرب بمقتل ولو كان بشيء صغير حقير فإنه يعتبر قتل عمد كالقلب أو من النخاع. • سمي بذلك: لتردده بين هذين النوعين (الخطأ والعمد).

стр. 1699

• فالفرق بين القتل العمد وشبه العمد: أنهما يشتركان في قصد الجناية، ويختلفان في الآلة التي حصلت الجناية بها. قتل الخطأ وهو: أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله. بمباشرة: كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً. بسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان. • ثم بين تعالى حكم من قتل مؤمناً خطأ: (وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِناً) سواء كان كبيراً أم صغيراً، ذكراً أو أنثى، عاقلاً أو مجنوناً. (خَطَأً) أي: قتْلاً خطأ. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة. • معنى (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ) أي: تخليص رقبة مؤمنة من الرق. • والمراد بالرقبة في الآية النفس الكاملة، وإنما عبر عن النفس بالرقبة، لأن الجسد لا يمكن أن يقوم بدونها، ولو قطعت رقبته لمات. • (مؤمنة) فيشترط أن تكون الرقبة مؤمنة. (وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) الواو حرف عطف، أي: وعليه دية (مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: مؤداة مدفوعة إلى ورثته الذين يرثون ما خلف، ومن ذلك ديته. • والدية: ما يعطى عوضاً عن دم القتيل إلى أوليائه جبراً لقلوبهم، وعوضاً عما فاتهم من قريبهم. (إِلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا) أي: يعفوا عن الدية فتسقط. • وإنما سمي العفو عن الدية وإسقاطها تصدقاً ترغيباً فيه. • قال الآلوسى: قوله تعالى (إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ) أي: يتصدق أهله عليه، وسمي العفو عنها صدقة حثا عليه.

стр. 1700

• مباحث قتل الخطأ: تعريفه: هو أن يفعل ماله فعله، مثل أن يرمي صيداً أو هدفاً فيصيب آدمياً معصوماً لم يقصده فيقتله. بمباشرة: كأن يرمي صيداً فيصيب آدمياً. بسبب: كأن يحفر حفرة في طريق الناس فيقع فيها إنسان. • القتل الخطأ يوجب أمران: الأول: الكفارة على القاتل. الثاني: الدية وتكون على عاقلته. • الكفارة: هي عتق رقبة مؤمنة، فإن لم يجدها أو لم يجد ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين. • يشترط أن تكون الرقبة مؤمنة، لأن الآية نص في ذلك. • هذه الكفارة على الترتيب. • الراجح من أقوال العلماء: أنه إذا لم يجد عتق رقبة، ولم يستطع صيام شهرين متتابعين، فإنه لا يطعم، لأن ذلك لم يذكر في الآية. • مما يجب في قتل الخطأ الدية، وتكون على عاقلة القاتل بالإجماع. ولأن الخطأ يكثر وقوعه، فلو أوجبنا الدية على الجاني لأجحف ذلك في ماله. والعاقلة: وهم عصبته والمراد بالعصبة بالنفس، فيدخل فيهم: آباؤه وأبناؤه وإخوته وعمومتهم وبنوهم. وسميت بذلك: لأن الإبل تجمع فتعقل بفناء أولياء المقتول لتسلم إليهم، ثم كثر الاستعمال حتى أطلق العقل على الدية، إبلاً أو نقداً، وقيل سموا عاقلة لأنهم يمنعون عن القاتل من أن يعتيد عليه أحد. • ويشمل القريب والبعيد منهم، فكلهم يشتركون في العقْل. • وحاضرهم وغائبهم. • ولا عقل على رقيق: أولاً: لأنه ليس من أهل النصرة، ثانياً: أنه لا مال له، لأن مال المملوك لسيده. • ولا على غير مكلف كالصغير والمجنون. لقوله ﷺ (رفع القلم عن ثلاثة: عن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى يفيق) رواه أبو داود. ولأنهما ليسا من أهل النصرة. • ولا على فقير. لأنه ليس عنده مال. • ولا على أنثى. لأنها ليست من أهل النصرة.

стр. 1701

• ويجتهد الحاكم في تحميل كل منهم ما يناسبه، فيحمل الأقرب أكثر من الأبعد، والغني أكثر ممن دونه وهكذا، ولو اتفقت العاقلة فيما بينهم على تقدير معين جاز، لأن الأمر راجع إليهم. والمذهب: أن الجاني ليس عليه شيء من الدية ولو كان غنياً، والقول الآخر في المذهب: أنه يحمل مع العاقلة، لأنهم حملوا بسببه، ولا ينافي ذلك أن الشارع جعل الدية على العاقلة، فإنها من باب التحمل، وهذا اختيار الشيخ السعدي ﵀. (فَإِنْ كَانَ) المقتول. (مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ) أي: من قوم أعداء لكم، وهم الكفار المحاربون. (وَهُوَ مُؤْمِنٌ) أي: والحال أنه مؤمن. (فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) أي: فعليه تحرير رقبة مؤمنة. والمعنى: وإذا كان القتيل من قوم كفار محاربين فعلى قاتله عتق رقبة مؤمنة فقط، ولم يذكر الدية هنا، لأنه لا دية على القاتل، لأن أهل المقتول كفار محاربون، لا عهد لهم ولا ذمة. • إن كان أولياء القتيل كفار فلا يصح أن تدفع إليهم لأمرين: الأمر الأول: أنهم قد يتقوون بها على حرب المسلمين. الأمر الثاني: أنه هو مؤمن وهم كفار، والكافر لا يرث المؤمن. (وَإِنْ كَانَ) المقتول. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ) هذا في الذمِّي والمعاهد يقتل خطأ فتجب الدية والكفارة؛ قاله ابن عباس والشَّعْبِيّ والنَّخَغِيّ والشافعيّ. واختاره الطبريّ قال: إلا أن الله أبهمه ولم يقل وهو مؤمن، كما قال في القتيل من المؤمنين ومن أهل الحرب. وإطلاقه ما قيّد قبلُ يدلّ على أنه خلافه. (مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ) أي: بينكم أيها المؤمنون (وبينهم) أي: هؤلاء الكفار (ميثاق) أي: عهد موثق. • وسمي العهد ميثاقاً، لأنه بمنزلة الحبل، يوثق به المأسور ويربط به. (فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ) أي: فعلى القاتل دية مسلمة إلى أهل المقتول. • ولم يقل هنا (إلا أن يصدقوا) لأن الصدقة إنما هي معتبرة من أهل الإيمان، وأيضاً فإنه لا ينبغي أن يذل المؤمن ويكون عليه منّة من أهل الكفر، فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين، لكن لو عفا أهل المقتول فلهم ذلك. (وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ) وتحرير وتخليص رقبة بشرط أن تكون مؤمنة.

стр. 1702

(فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي: لم يجد الرقبة، بأن تكون معدومة، وإما أن يكون ثمنها معدوماً. (فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ) أي: فعليه صيام شهرين متتابعين بحيث لا يفطر بينهما ولا يقطعهما بإفطار يوم أو اكثر في اثنائها من غير عذر شرعي. • وسواء بدأ الصيام من أول الشهر أو من وسطه أو من آخره ويحسب شهرين متتابعين، فإن أفطر بينهما من غير عذر شرعي استأنف. (تَوْبَةً مِنَ اللَّهِ) قال الطبري: أي: تجاوزاً من الله لكم إلى التيسير عليكم بتخفيفه عنكم ما خفف عنكم من تحرير الرقبة المؤمنة إذا أعسرتم بها بإيجابه عليكم صوم شهرين متتابعين. • والتوبة: الرجوع إلى الله من المعصية إلى الطاعة. (وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً) تقدم. الفوائد: ١ - امتناع قتل المؤمن للمؤمن عمداً. ٢ - حكمة الشرع في التفريق بين القتل الخطأ والعمد. ٣ - أن القتل أنواع. ٤ - فضل العتق وعلو منزلته. ٥ - اشتراط الإيمان في عتق الرقاب. ٦ - جواز إعتاق الذكر والأنثى في كفارة القتل. ٧ - تعظيم القتل. ٨ - وجوب الدية في قتل الخطأ. ٩ - أنه يجب على من وجب عليه الدية أن يصلها إلى أهله. ١٠ - أن العفو عن الدية من الصدقة. ١١ - وجوب الكفارة في قتل من بيننا وبينهم ميثاق إن كانوا غير مسلمين. ١٢ - أن من لم يجد الرقبة أو ثمنها فعليه صيام شهرين متتابعين. (السبت/ ٢٥/ ٥/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1703

(وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا (٩٣)). [النساء: ٩٣]. (وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُّتَعَمِّدًا) هذا تهديد شديد ووعد أكيد لمن تعاطى هذا الذنب العظيم، الذي هو مقرون بالشرك بالله، في غير ما آية في كتاب الله، حيث يقول سبحانه ي سورة (الفرقان) (وَالّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النّفْسَ الّتِي حَرّمَ اللّهُ إِلّا بِالْحَق) الآية، وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرّمَ رَبّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئا) الآية، والآيات والأحاديث في تحريم القتل كثيرة جداً. (ابن كثير). (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً) يعم كل مؤمن، سواء كان ذكراً أو أنثى حراً أم عبداً. (مُتَعَمِّداً) أي: قتل عن عمد، وذلك بأن يكون قاصداً القتل، وبآلة تقتل غالباً، كالسيف، والحجر الكبير، والخنق، والسحر، والإلقاء من شاهق. وهذا النوع الثاني من أنواع القتل، وهو قتل العمد. (فَجَزَاؤُهُ) أي: عقوبته التي يجازى بها. (جَهَنَّمُ) أي: نار جهنم، سميت بذلك لجهمتها وظلمتها وبعد قعرها. (خَالِداً فِيهَا) أي: خالداً في جهنم، وسيأتي الجواب عن المراد بهذا الخلود، وأن المراد بها المكث الطويل. (وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ) الغضب أبلغ من العقوبة، لأن الله إذا غضب فإنه لا يكلم من غضب عليه، ولا يرحمه كما يرحم غيره، وينتقم منه بما يقتضيه ذنبه لقوله تعالى (فلما آسفونا انتقمنا منهم) أي: لما أغضبونا انتقمنا منهم. (وَلَعَنَهُ) أي: وطرده وأبعده عن رحمته. (وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً) أي: هيأ له عذاباً عظيماً، لا يعلم مقدار عظمته سوى الله. • في الآية عظم ذنب القتل العمد. وقتل العمد ذنب عظيم وجرم كبير. قال تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً).

стр. 1704

وقال تعالى (وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ … ). وقال ﷺ (مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (اجْتَنِبُوا السَّبْعَ الْمُوبِقَاتِ). قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا هُنَّ قَالَ: الشِّرْكُ بِاللَّهِ وَالسِّحْرُ وَقَتْلُ النَّفْسِ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ وَأَكْلُ الرِّبَا وَالتَّوَلِّى يَوْمَ الزَّحْفِ وَقَذْفُ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ) متفق عليه. وعَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ: سُئِلَ النَّبِىُّ ﷺ عَنِ الْكَبَائِرِ قَالَ (الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَشَهَادَةُ الزُّور). رواه البخاري وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّه ﷺ (أَوَّلُ مَا يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِى الدِّمَاء) متفق عليه. وعن جَرِيرٍ قَالَ: قَالَ لِيَ النَّبِىُّ ﷺ فِى حَجَّةِ الْوَدَاعِ: اسْتَنْصِتِ النَّاسَ. ثُمَّ قَالَ (لَا تَرْجِعُوا بَعْدِى كُفَّاراً يَضْرِبُ بَعْضُكُمْ رِقَابَ بَعْضٍ) متفق عليه. وعَبْدُ اللَّهِ قَالَ رَجُلٌ: يَا رَسُولَ اللَّهِ؛ أَيُّ الذَّنْبِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ؟ قَالَ «أَنْ تَدْعُوَ لِلَّهِ نِدًّا وَهُوَ خَلَقَكَ». قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تَقْتُلَ وَلَدَكَ مَخَافَةَ أَنْ يَطْعَمَ مَعَكَ». قَالَ ثُمَّ أَيٌّ؟ قَالَ «أَنْ تُزَانِيَ حَلِيلَةَ جَارِكَ» فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَصْدِيقَهَا (وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهاً آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِى حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَاماً) متفق عليه. • معنى قوله تعالى (أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً). قيل: المعنى من قتل نبياً أو إمام عادل فكأنما قتل الناس جميعاً، ومن أحياه بأن شد عضده ونصره فكأنما أحيا الناس جميعاً. وقيل: من قتل نفساً واحدة وانتهك حرمتها فهو مثل من قتل الناس جميعاً. وقيل: المعنى فكأنما قتل الناس جميعاً عند المقتول، ومن أحياها واستنقذها من هلكة فكأنما أحيا الناس جميعاً عند المستنقذ، وقيل غير ذلك. قال ابن القيم: إن هذا تشبيه ولا يلزم من التشبيه أن يكون المشبه مثل المشبه به في كل شيء، فإن من المعلوم قطعاً أن إثم من قتل مائة أعظم من إثم من قتل نفساً واحدة، فليس المراد التشبيه في مقدار الإثم والعقوبة وإنما كون كل منهما: عاص لله ولرسوله، مخالف لأمره متعرض لعقوبته.

стр. 1705

أنهما سواء في استحقاق القصاص. أنهما سواء في الجرأة على سفك الدم الحرام. أن كلاً منهما يسمى فاسقاً عاصياً بقتله نفساً واحدة. • القاتل عمد مسلم وليس بكافر، لكنه مسلم ناقص الإيمان، وهذا مذهب أهل السنة والجماعة. لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) والشاهد قوله (من أخيه) فأثبت الله له وصف الأخوة وهي الأخوة الإيمانية مع أنه قاتل. وقال تعالى (وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا .... ) فسمى الله الفئة العادلة والفئة الباغية مؤمنين. • فإن قيل ما الجواب عن قوله تعالى (وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً)؟ فالجواب: قيل: إن الآية على ظاهرها، لكن قد يوجد مانع يمنع من ذلك. وهذا اختيار النووي وابن تيمية وابن القيم والسفاريني والسعدي. وقيل: إن هذا جزاؤه إن جازاه. وهذا اختيار الطبري، والشنقيطي، واستحسنه ابن كثير. قال الطبري: وَأَوْلَى الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ قَالَ: مَعْنَاهُ: وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ إِنْ جَزَاهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا، وَلَكِنَّهُ يَعْفُو أَوْ يَتَفَضَّلُ عَلَى أَهْلِ الإِيمَانِ بِهِ وَبِرَسُولِهِ، فَلَا يُجَازِيهِمْ بِالْخُلُودِ فِيهَا، وَلَكِنَّهُ عَزَّ ذِكْرُهُ إِمَّا أَنْ يَعْفُوَ بِفَضْلِهِ فَلَا يُدْخِلُهُ النَّارَ، وَإِمَّا أَنْ يُدْخِلَهُ إِيَّاهَا ثُمَّ يُخْرِجَهُ مِنْهَا بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ لِمَا سَلَفَ مِنْ وَعْدِهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِقَوْلِهِ (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا). وقيل: إن هذا وعيد، وإخلاف الوعيد لايذم بل يمدح. وذهب إلى هذا الواحدي. وقيل: حمل الآية على عمومها، وتفسير الخلود بمعنى: المكث الطويل، اعتماداً على ما ورد في كلام العرب من إطلاق الخلود على غير معنى التأبيد، كقولهم: لأخلدن فلاناً في السجن، وقولهم: خلد الله ملكه. ورجح هذا القول ابن حزم، ومحمد رشيد رضا، وابن عثيمين، وذهب إليه الرازي، وأبو السعود. وقيل: إن الآية للتشديد والتخويف والتغليظ في الزجر عن قتل المؤمن. وقيل: إن هذه الآية في القاتل المستحل. وقال بهذا عكرمة.

стр. 1706

• هل للقاتل عمداً توبة أم لا؟ جماهير أهل العلم على أن له توبة كغيره من الذنوب. قال ابن جرير: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قول من قال: معناه: ومن يقتل مؤمنًا متعمدًا، فجزاؤه إن جزاه جهنم خالدًا فيها، ولكنه يعفو ويتفضَّل على أهل الإيمان به وبرسوله، فلا يجازيهم بالخلود فيها، ولكنه عز ذكره إما أن يعفو بفضله فلا يدخله النار، وإما أن يدخله إيّاها ثم يخرجه منها بفضل رحمته، لما سلف من وعده عباده المؤمنين بقوله (يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا). وقال ابن كثير: والذي عليه الجمهور من سلف الأمة وخلفها: أن القاتل له توبة فيما بينه وبين ربه ، فإن تاب وأناب وخشع وخضع، وعمل عملاً صالحاً، بدل الله سيئاته حسنات، وعوض المقتول من ظلامته وأرضاه عن طلابته. وقال النووي: هذا مذهب أهل العلم وإجماعهم على صحة توبة القاتل عمداً، ولم يخالف أحد منهم إلا ابن عباس. لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ). قال ابن كثير: فهذه الآية عامة في جميع الذنوب ما عدا الشرك. وقال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). قالوا: فهذا عام في جميع الذنوب، من كفر، وشرك، ونفاق، وقتل، وفسق وغير ذلك، كل من تاب من أي ذنب تاب الله عليه.

стр. 1707

وعن أبي سعيد أنّ نَبِيَّ الله ﷺ قَالَ (كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكمْ رَجُلٌ قَتَلَ تِسْعَةً وتِسْعينَ نَفْساً، فَسَأَلَ عَنْ أعْلَمِ أَهْلِ الأرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَاهِبٍ، فَأَتَاهُ. فقال: إنَّهُ قَتَلَ تِسعَةً وتِسْعِينَ نَفْساً فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوبَةٍ؟ فقالَ: لا، فَقَتَلهُ فَكَمَّلَ بهِ مئَةً، ثُمَّ سَأَلَ عَنْ أَعْلَمِ أَهْلِ الأَرضِ، فَدُلَّ عَلَى رَجُلٍ عَالِمٍ. فقَالَ: إِنَّهُ قَتَلَ مِئَةَ نَفْسٍ فَهَلْ لَهُ مِنْ تَوْبَةٍ؟ فقالَ: نَعَمْ، ومَنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وبَيْنَ التَّوْبَةِ؟ انْطَلِقْ إِلى أرضِ كَذَا وكَذَا فإِنَّ بِهَا أُناساً يَعْبُدُونَ الله تَعَالَى فاعْبُدِ الله مَعَهُمْ، ولَا تَرْجِعْ إِلى أَرْضِكَ فَإِنَّهَا أرضُ سُوءٍ، فانْطَلَقَ حَتَّى إِذَا نَصَفَ الطَّرِيقَ أَتَاهُ الْمَوْتُ، فاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ ومَلائِكَةُ العَذَابِ. فَقَالتْ مَلائِكَةُ الرَّحْمَةِ: جَاءَ تَائِباً، مُقْبِلاً بِقَلبِهِ إِلى اللهِ تَعَالَى، وقالتْ مَلائِكَةُ العَذَابِ: إنَّهُ لمْ يَعْمَلْ خَيراً قَطُّ، فَأَتَاهُمْ مَلَكٌ في صورَةِ آدَمِيٍّ فَجَعَلُوهُ بَيْنَهُمْ - أيْ حَكَماً - فقالَ: قِيسُوا ما بينَ الأرضَينِ فَإلَى أيّتهما كَانَ أدنَى فَهُوَ لَهُ. فَقَاسُوا فَوَجَدُوهُ أدْنى إِلى الأرْضِ التي أرَادَ، فَقَبَضَتْهُ مَلائِكَةُ الرَّحمةِ). مُتَّفَقٌ عليه وفي رواية في الصحيح (فَكَانَ إلى القَريَةِ الصَّالِحَةِ أقْرَبَ بِشِبْرٍ فَجُعِلَ مِنْ أهلِهَا). وفي رواية في الصحيح (فَأَوحَى الله تَعَالَى إِلى هذِهِ أَنْ تَبَاعَدِي، وإِلَى هذِهِ أَنْ تَقَرَّبِي، وقَالَ: قِيسُوا مَا بيْنَهُما، فَوَجَدُوهُ إِلى هذِهِ أَقْرَبَ بِشِبْرٍ فَغُفِرَ لَهُ). وفي رواية: (فَنَأى بصَدْرِهِ نَحْوَهَا). قالوا: وإذا كان هذا في بني إسرائيل، فلأن يكون في هذه الأمة التوبة مقبولة بطريق الأولى والأحرى، لأن الله وضع عنا الآصار والأغلال التي كانت عليهم. وقالوا: إذا كانت التوبة تمحو أثر الكفر والسحر - وهما أعظم إثماً من القتل - فكيف تقصر عن محو أثر القتل. وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: " فإن قلت: ماذا تقول فيما صح عن ابن عباس ﵄: أن القاتل ليس له توبة؟! فالجواب: من أحد الوجهين: إما أن ابن عباس ﵄ استبعد أن يكون للقاتل عمدا توبة، ورأى أنه لا يوفق للتوبة، وإذا لم يوفق للتوبة، فإنه لا يسقط عنه الإثم، بل يؤاخذ به. وإما أن يقال: إن مراد ابن عباس: أن لا توبة له فيما يتعلق بحق المقتول. (مجموع الفتاوى). وقد صح عن ابن عباس ـ أيضا ـ أن له توبة؛ فروى الطبري (٩/ ٦٧) عنه قال: " ليس لقاتل توبة، إلا أن يستغفر الله ". قال الشيخ الألباني ﵀: " أخرجه ابن جرير بسند جيد. الفوائد: ١ - أن قتل المؤمن عمداً من كبائر الذنوب. ٢ - أن قاتل المؤمن متعمداً جرمه وذنبه كبير. ٣ - إثبات الغضب لله تعالى. ٤ - عظم عذاب النار.

стр. 1708

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً). [سورة النساء: ٩٤]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم وعملوا بجوارحهم. (إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: إذا سافرتم في الأرض للجهاد في سبيل الله. (فَتَبَيَّنُوا) وفي قراءة أخرى (فتثبتوا) والمعنى: لا تعجلوا وتبينوا حتى ينبين لكم المؤمن من الكافر. (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ لَسْتَ مُؤْمِناً تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) روى البخاري ومسلم من حديث ابن عباس قال: كان رجل في غنيمة له فلحقه المسلمون، فال: السلام عليكم، فقتلوه وأخذوا غنيمته، فأنزل الله في ذلك إلى قوله: عرض الحياة الدنيا. • قوله تعالى (أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلامَ) وفي قراءة (السلم) أي: الإسلام. • قوله تعالى (تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) والمراد الغنيمة، وسمي متاع الدنيا عرضاً لأنه يزول ويذهب. (فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ) أي: خير مما رغبتم فيه من عرض الحياة الدنيا الذي حملكم على قتل مثل هذا الذي ألقى إليكم السلام وأظهر إليكم الإيمان، فتغافلتم عنه واتهمتوه بالمصانعة والتقية، لتبتغوا عرض الحياة الدنيا، فما عند الله من المغانم الحلال خير لكم من مال هذا. • أن الأحكام على الناس تجري على الظاهر وأما باطنهم فإلى الله. • قال الشوكاني ﵀: والمراد هنا: لا تقولوا لمن ألقى بيده إليكم واستسلم لست مؤمناً فالسلم والسلام كلاهما بمعنى الاستسلام، وقيل هما بمعنى الإسلام: أي لا تقولوا لمن ألقى إليكم التسليم فقال السلام عليكم: لست مؤمناً والمراد نهي المسلمين عن أن يهملوا ما جاء به الكافر مما يستدل به على إسلامه ويقولوا إنه إنما جاء بذلك تعوذاً وتقية. وقال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب ﵀ (فالآية تدل على أنه يجب الكف عنه والتثبت، فإذا تبين منه بعد ذلك ما يخالف الإسلام قتل، لقوله تعالى: فتبينوا ولو كان لا يقتل إذا قالها للتثبت معنى، إلى أن يقول: (وإن من أظهر التوحيد والإسلام وجب الكف عنه إلى أن يتبين منه ما يناقض ذلك. عن أسامة. (قَالَ بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فِى سَرِيَّةٍ فَصَبَّحْنَا الْحُرَقَاتِ مِنْ جُهَيْنَةَ فَأَدْرَكْتُ رَجُلاً فَقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. فَطَعَنْتُهُ فَوَقَعَ فِى نَفْسِى مِنْ ذَلِكَ فَذَكَرْتُهُ لِلنَّبِىِّ ﷺ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَقَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَقَتَلْتَهُ». قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّمَا قَالَهَا خَوْفاً مِنَ السِّلَاحِ. قَالَ «أَفَلَا شَقَقْتَ عَنْ قَلْبِهِ حَتَّى تَعْلَمَ أَقَالَهَا أَمْ لَا». فَمَازَالَ يُكَرِّرُهَا عَلَىَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّى أَسْلَمْتُ يَوْمَئِذ). متفق عليه

стр. 1709

قال النووي: وقوله ﷺ ( … أفلا شققت عن قلبه .. ) فيه دليل للقاعدة المعروفة في الفقه والأصول أن الأحكام يعمل فيها بالظواهر والله يتولى السرائر. ا. هـ. وقال ابن حجر في فتح الباري: وكلهم أجمعوا على أن أحكام الدنيا على الظاهر والله يتولى السرائر. وَكَذَا قال ابن عبد الْبَرِّ في التَّمْهِيدِ: أَجْمَعُوا أَنَّ أَحْكَامَ الدُّنْيَا على الظَّاهِرِ وَأَنَّ أَمْرَ السَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ وقال ﷺ (إِنِّى لَمْ أُومَرْ أَنْ أَنْقُبَ عَنْ قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا أَشُقَّ بُطُونَهُم) متفق عليه. وقال ﷺ (أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله، و أن محمداً رسول الله، ويقيموا الصلاة، ويؤتوا الزكاة، فإذا فعلوا ذلك عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحق الإسلام، وحسابهم على الله). والشاهد من الحديث قوله (وحسابهم على الله). قال ابن رجب: وأما في الآخرة فحسابه على الله ، فإن كان صادقاً أدخله الله بذلك الجنة، و إن كان كاذباً فإنه من جملة المنافقين في الدرك الأسفل من النار. وقال الحافظ في الفتح: أي أمر سرائرهم … وفيه دليل على قبول الأعمال الظاهرة والحكم بما يقتضيه الظاهر. وقال الإمام البغوي: وفي الحديث دليل على أن أمور الناس في معاملة بعضهم بعضاً إنما تجري على الظاهر من أحوالهم دون باطنها، و أن من أظهر شعار الدين أجري عليه حكمه، ولم يكشف عن باطن أمره، ولو وجد مختون فيما بين قتلى غلف، عزل عنهم في المدفن، ولو وجد لقيط في بلد المسلمين حكم بإسلامه. وأما في الآخرة فالأحكام تجري على ما في القلوب. قال تعالى (يَوْمَ تُبْلَى السَّرَائِرُ). وقال تعالى (أَفَلا يَعْلَمُ إِذَا بُعْثِرَ مَا فِي الْقُبُورِ. وَحُصِّلَ مَا فِي الصُّدُورِ). فلذلك على الإنسان أن يعتني بعمل القلب أكثر مما يعتني بعمل الجوارح. (كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ) قيل: كنتم تخفون إيمانكم من المشركين كما استخفى هذا الراعي بإيمانه، وها اختيار ابن جرير، وقيل: كنتم مشركين ولم تكونوا مؤمنين.

стр. 1710

• قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كذلك كنتم من قبل) فيه ثلاثة أقوال. أحدها: أن معناه: كذلك كنتم تأمنون من قومكم المؤمنين بهذه الكلمة، فلا تُخيفوا من قالها، رواه أبو صالح عن ابن عباس. والثاني: كذلك كنتم تُخفون إِيمانكم بمكة كما كان هذا يخفي إِيمانه، رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس. والثالث: كذلك كنتم من قبل مشركين، قاله مسروق، وقتادة، وابن زيد. (فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) بإظهار دينه وإعزاز أهله. (فَتَبَيَّنُوا) تأكيد للأمر الأول. (إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) فلا يخفى عليه شيء. والخبير: العليم ببواطن الأمور. الفوائد: ١ - وجوب التثبت بالأمور. ٢ - أن الواجب علينا معاملة الخلق بالظاهر. ٣ - علم الله ببواطن الأمور. ٤ - وجوب مراقبة الله.

стр. 1711

(لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (٩٥) دَرَجَاتٍ مِّنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (٩٦)). [النساء: ٩٥ - ٩٦]. (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ) أي: لا يعتدل المتخلفون عن الجهاد في سبيل الله من أهل الإيمان وبرسوله، المؤثرون الدعة والخفض والقعود في منازلهم على مقاساة حُزُونة الأسفار والسير في الأرض، ومشقة ملاقاة أعداء الله بجهادهم في ذات الله، وقتالهم في طاعة الله، إلا أهل العذر منهم بذهاب أبصارهم وغير ذلك من العلل التي لا سبيل لأهلها - للضرر الذي بهم - إلى قتالهم وجهادهم في سبيل الله. (وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) ومنهاج دينه، لتكون كلمة الله هي العليا، المستفرغون طاقتهم في قتال أعداء الله وأعداء دينهم. (بِأَمْوَالِهِمْ) انفاقاً لها فيما أوهَن كيد أعداء أهل الإيمان بالله (وَأَنْفُسِهِمْ) مباشرة بها قتالهم، بما تكون به كلمة الله العليا، وكلمة الذين كفروا السافلة. • وفي هذه الآية فضل عظيم للمجاهدين في سبيل الله، وقد تقدمت أحاديث كثيرة في فضله: ففي هذه الآية نفى التسوية بين المؤمنين المجاهدين وغير المجاهدين. قال ﷺ (لَغَدْوَةٌ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنَ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا) متفق عليه. وقال ﷺ (إنَّ في الجنَّةِ مِئَةَ دَرَجَةٍ أعَدَّهَا اللهُ لِلْمُجَاهِدِينَ في سَبِيلِ اللهِ مَا بَيْنَ الدَّرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالأرْضِ). عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ قِيلَ لِلنَّبِىِّ ﷺ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِى سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثاً كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ «لَا تَسْتَطِيعُونَهُ». وَقَالَ فِى الثَّالِثَةِ «مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِى سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى) متفق عليه.

стр. 1712

وعن النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ قَالَ (كُنْتُ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ رَجُلٌ مَا أُبَالِى أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلاَّ أَنْ أُسْقِىَ الْحَاجَّ. وَقَالَ آخَرُ مَا أُبَالِى أَنْ لَا أَعْمَلَ عَمَلاً بَعْدَ الإِسْلَامِ إِلاَّ أَنْ أَعْمُرَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ. وَقَالَ آخَرُ الْجِهَادُ فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَفْضَلُ مِمَّا قُلْتُمْ، فَزَجَرَهُمْ عُمَرُ وَقَالَ لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ عِنْدَ مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ وَهُوَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَلَكِنْ إِذَا صَلَّيْتُ الْجُمُعَةَ دَخَلْتُ فَاسْتَفْتَيْتُهُ فِيمَا اخْتَلَفْتُمْ فِيهِ. فَأَنْزَلَ اللَّهُ (أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ … ). رواه مسلم • قوله تعالى (غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ) روى البخاري من حديث سهل بن سعد أنه رأى مروان بن الحكم في المسجد، فأقبلت حتى جلست إلى جنبه، فأخبرنا أن زيد بن ثابت أخبره أن رسول الله ﷺ أملى عليه (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) فجاء ابن أم مكتوم وهو يُملها عليّ قال: يا رسول الله، والله لو أستطيع الجهاد لجاهدت - وكان أعمى - فأنزل الله على رسول الله ﷺ وفخذُه على فخذي، فثقلت علي حتى خفت أن تُرض فخذي، ثم سُري فأنزل الله: غير أولي الضرر). • والضرر بينه الله تعالى في قوله تعالى (ليس على الأعمى حرج ولا على الأعرج حرج ولا على المريض حرج). • قوله تعالى (بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ) في كثير من الآيات يقدم الله الجهاد بالمال على الجهاد بالنفس. كما قال تعالى (انفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). وقال تعالى (تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ إن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ). وقال تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا). وقال تعالى (إنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوا وَّنَصَرُوا أُوْلَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ … ).

стр. 1713

إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُم بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيم). • من حِكَمِ تقديم المال على النفس في أقوال العلماء: قال بعض العلماء لسببين: السبب الأول: أنه أهون على الإنسان. السبب الثاني: قد يكون نفعه أكثر. وقال الآلوسي ﵀ لعل تقديم الأموال على الأنفس لِمَا أن المجاهدة بالأموال أكثر وقوعاً، وأتم دفعاً للحاجة؛ حيث لا يُتصَوَر المجاهدة بالنفس بلا مجاهدة بالمال، وقيل: ترتيب هذه المتعاطفات في الآية على حسب الوقوع؛ فالجهاد بـ (المال) لنحو التأهب للحرب، ثم الجهاد بالنفس. وقال ابن حيان ﵀ تقديم الأموال على الأنفس؛ لأن المجاهد بائع، فأخَّر ذكرها تنبيهاً على أنَّ المضايقة فيها أشد؛ فلا يرضى ببذلها إلا في آخِر المراتب، والمشتري قُدِّمت له النفس تنبيهاً على أنَّ الرغبة فيها أشد، وإنما يرغب أولاً في الأَنْفَسِ الغالي. وقال صاحب البرهان ﵀ وجه التقديم أن الجهاد يستدعي تقديم إنفاق الأموال أولاً؛ فهو من باب السبق بالسببية. وقال ابن القيم ﵀ في حكمة تقديم المال على النفس: أولاً: هذا دليل على وجوب الجهاد بالمال كما يجب بالنفس، فإذا دهم العدو وجب على القادر الخروج بنفسه، فإن كان عاجزاً وجب عليه أن يكتري بماله. ومن تأمَّل أحوال النبي ﷺ وسيرته في أصحابه ﵁ وأَمْرَهم بإخراج أموالهم في الجهاد، قطع بصحة هذا القول. والمقصود: تقديم المال في الذكر، وأن ذلك مشعِرٌ بإنكارِ وَهْمِ مَنْ يتوهم أن العاجز بنفسه إذا كان قادراً على أن يغزو بماله لا يجب عليه شيء؛ فحيث ذكر الجهاد قدَّم ذكر المال؛ فكيف يقال: لا يجيب به؟ ولو قيل: إن وجوبه بالمال أعظم وأقوى من وجوبه بالنفس، لكان هذا القول أصحَّ من قول من قال: لا يجب بالمال، وهذا بَيِّن، وعلى هذا فتظهر الفائدة في تقديمه في الذكر. وفائدة ثانية: على تقدير عدم الوجوب؛ وهي أن المال محبوب النفس ومعشوقها التي تبذل ذاتَها في تحصيله وترتكب الأخطار وتتعرض للموت في طلبه، وهذا يدل على أنه هو محبوبها ومعشوقها، فندب الله - تعالى - محبِّيه المجاهدين في سبيله إلى بذل معشوقهم ومحبوبهم في مرضاته؛ فإن المقصود أن يكون الله هو أحب شيء إليهم، ولا يكون في الوجود شيء أحبَّ إليهم منه، فإذا بذلوا محبوبهم في حبه نقلهم إلى مرتبة أخرى أكمل منها؛ وهي بذل نفوسهم له؛ فهذا غاية الحب؛ فإن الإنسان لا شيء أحبَّ إليه من نفسه، فإذا أحب شيئاً بذل له محبوبه من نفسه وماله، فإذا آل الأمر إلى بَذْلِ نفسه ضنَّ بنفسه وآثرها على محبوبه.

стр. 1714

• قال الزمخشرى: فإن قلت: معلوم أن القاعد بغير عذر والمجاهد لا يستويان، فما فائدة نفي الاستواء؟ قلت: معناه الإذكار بما بينهما من التفاوت العظيم والبون البعيد، ليأنف القاعد ويترفع بنفسه عن انحطاط منزلته، فيهتز للجهاد ويرغب فيه وفي ارتفاع طبقته، ونحوه (هَلْ يَسْتَوِى الذين يَعْلَمُونَ والذين لَا يَعْلَمُونَ) أريد به التحريك من حمية الجاهل وأنفته ليهاب به إلى التعلم، ولينهض بنفسه عن صفة الجهل إلى شرف العلم. • وفي هذا دليل على أن أهل الأعذار لهم من الفضل - إن حسنت نواياهم - مثل من باشر الجهاد والعمل ويدل لذلك: قوله ﷺ (إن بالمدينة لرجالاً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم حبسهم المرض) رواه مسلم. • قال الشنقيطي: قوله في هذه الآية الكريمة (غَيْرُ أُوْلِى الضَّرَرِ) يفهم من مفهوم مخالفته أن من خلفه العذر إذا كانت نيته صالحة يحصل ثواب المجاهد. وهذا المفهوم صرح به النَّبي ﷺ في حديث أنس الثابت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: " إن بالمدينة أقواماً ما سرتم من مسير ولا قطعتم من وادياً إلا وهم معكم فيه، قالوا: وهم بالمدينة يا رسول الله؟ قال: نعم حبسهم العذر. (فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً) المراد بالدرجة المنزلة العالية والفضيلة الكبرى. (وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) أي: وكلاً من المجاهدين والقاعدين وعدهم الله الجزاء الحسن في الآخرة. • والحسنى الجنة كما فسر ذلك النبي في قوله تعالى (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة). • وهذا احتراز حتى لا يتوهم متوهم أن القاعد لا أجر له: وهذا كقوله (لا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُولَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى). وكقوله تعالى (وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ (٧٨) فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا).

стр. 1715

وكقوله (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كلٍ خير). • قال ابن كثير: وفي هذا أن الجهاد ليس بفرض عين، بل هو فرض على الكفاية. (وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً) المراد بالقاعدين هنا: القاعدون من غير أولي الضرر، والمعنى: فضل الله المجاهدين في سبيل الله على القاعدين بغير عذر بالثواب الوافر العظيم. كما قال ﷺ (أعد الله للمجاهدين في سبيله مائة درجة … ) رواه البخاري. (دَرَجَاتٍ مِنْهُ) أي: منازل بعضها أعلى من بعض. (وَمَغْفِرَةً) أي: مغفرة للذنوب. (وَرَحْمَةً) أي: تيسيراً للمطلوب، وباجتماع المغفرة زالرحمة يزول المرهوب ويحصل المطلوب. (وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً) يغفر الزلات والخطيئات مهما عظمت وكثرت. (رَحِيماً) ومن رحمته أنه يقبل التوبة، ويغفر الزلة، ويفرح بتوبة التائبين. الفوائد: ١ - نفي التساوي بين الناس. ٢ - فضل المجاهدين في سبيل الله. ٣ - أن من قعد عن الجهاد لعذر، فإنه له أجر الجهاد. ٤ - البشارة العامة للمؤمنين من القاعدين والمجاهدين بالحسنى. ٥ - الجهاد فرض كفاية. ٦ - الحث على الجهاد في سبيل الله. ٧ - إثبات هذين الاسمين وهما: الغفور والرحيم. … (٣/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1716

(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)). [النساء: ٩٧ - ٩٩]. (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ) أي: تقبض أرواحهم. • قال الشنقيطي: أَسْنَدَ هُنَا - جَلَّ وَعَلَا - التَّوَفِّيَ لِلْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ (تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وَأَسْنَدَهُ فِي (السَّجْدَةِ)، لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، وَأَسْنَدَهُ فِي (الزُّمَرِ) إِلَى نَفْسِهِ - جَلَّ وَعَلَا - فِي قَوْلِهِ (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا (دَفْعَ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «السَّجْدَةِ»: أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِسْنَادُهُ التَّوَفِّي لِنَفْسِهِ; لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، وَأَسْنَدَهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ; لِأَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَنْزِعُونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ إِلَى الْحُلْقُومِ فَيَأْخُذُهَا مَلَكُ الْمَوْتِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى. (ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة. • قال القرطبي: المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي ﷺ الايمان به، فلما هاجر النبي ﷺ أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم، فنزلت الآية. والأول أصح. (قَالُواْ) أي: الملائكة. (فِيمَ كُنتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟ (قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض. (قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) هذا الاستفهام للتوبيخ والتقرير، يعني: أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجروا؟ • والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام. (فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ) أي: مصيرهم. (جَهَنَّمُ) أي: النار. (وَسَاءتْ مَصِيرًا) أي: ساءت مرداً ومرجعاً.

стр. 1717

• وحكم الهجرة ينقسم إلى أقسام: الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة. الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعاونتهم وجهاد الكفار والراحة من رؤية المنكر بينهم. الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة. (إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) أي: الذين أصابهم الضعف من الرجال والنساء والولدان. (لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) أي: لا يستطيعون الخلاص (وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) أي: ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة. (فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) قال البغوي: يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب، لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبداً أوصله إليه. • ومن هؤلاء المستضعفين: ابن عباس وأمه. عن ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قال (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ) رواه البخاري. وفي رواية (كنت أنا وأمي ممن عذر). ومنهم عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد. فعن أبي هريرة. قَالَ (كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو فِى الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُف). متفق عليه والعفو: التجاوز عن الذنب، ولا يكون ممدوحاً إلا مع القدرة. (وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا) اسم من أسماء الله تعالى. معناه: العفو التجاوز عن عباده في ترك واجب وفعل مرم. • ومن كمال عفوه: أنه مهما أسرف الإنسان على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). • ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ). • وعفو الله عفو كامل لأنه مقرون بالقدرة كما قال هنا (عفواً قديراً) بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز، أي: العجز عن الأخذ بالثأر.

стр. 1718

• وقد حث تعالى على العفو كما تقدم: منها: قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقوله تعالى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). وقوله تعالى (فمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). وقوله تعالى (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وقال ﷺ (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم. قال النووي في معناه: أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه. والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك (غَفُوراً) الغفور: ذو مغفرة واسعة كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ). • قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب. • قال ابن القيم: وهو الغفور فلو أتى بقرابها من غير شرك بل من العصيان لأتاه بالغفران ملء قرابها سبحانه هو واسع الغفران والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم. ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.

стр. 1719

• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم. ثانياً: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً). ثالثاً: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى). رابعاً: أن كونه سبحانه غفوراً وغفاراً للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً). خامساً: سؤال الله بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه. سادساً: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). الفوائد: ١ - إثبات الملائكة. ٢ - أن لكل ملك وظيفة. ٣ - وجوب الهجرة من ديار الشرك لمن لا يقدر على إقامة دينه. ٤ - أن وجوب الهجرة مشروط بالقدرة. ٥ - أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب. ٦ - عفو الله عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم للهجرة. ٧ - أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة. ٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العفو والغفور. (الأحد: ٤/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1720

(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٠)). [النساء: ١٠٠]. (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن يه. • فمن هاجرفي سبيل الله: ويكون في سبيل الله بشرطين: الهجرة لله إخلاصاً لا لهدف آخر، ويكون متابعاً للرسول ﷺ . (يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) قيل: المراغم التحول من أرض إلى أرض، وقيل: متزحزحاً عما يكره. • قال ابن كثير: وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه. • وقال السعدي: هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغمًا في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا. • قال ابن كثير: قوله تعالى (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) والظاهر - والله أعلم - أنه التمنع الذي يُتحصن به، ويراغم به الأعداء. • وقال القرطبي: وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة. وقال: وهو مشتق من الرِّغام، ورَغِم أنف فلان أي لَصِق بالتراب، وراغمت فلاناً هجرته وعاديته، ولم أُبالِ إن رغِم أنفه. • وقال الرازي: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية، وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم. (وَسَعَةً) يعني الرزق. قيل: أي في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العَيْلَة إلى الغنى. وقال مالك: السعة سعة البلاد.
следующие страницы →