Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1716–1755 · переход к 1721.
стр. 1716
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (٩٧) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً (٩٨) فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (٩٩)). [النساء: ٩٧ - ٩٩].
(إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ) أي: تقبض أرواحهم.
• قال الشنقيطي: أَسْنَدَ هُنَا - جَلَّ وَعَلَا - التَّوَفِّيَ لِلْمَلَائِكَةِ فِي قَوْلِهِ (تَتَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ) وَأَسْنَدَهُ فِي (السَّجْدَةِ)، لِمَلَكِ الْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ (قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ)، وَأَسْنَدَهُ فِي (الزُّمَرِ) إِلَى نَفْسِهِ - جَلَّ وَعَلَا - فِي قَوْلِهِ (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا) وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا (دَفْعَ إِيهَامِ الِاضْطِرَابِ عَنْ آيَاتِ الْكِتَابِ) فِي سُورَةِ «السَّجْدَةِ»: أَنَّهُ لَا مُعَارَضَةَ بَيْنَ الْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ، فَإِسْنَادُهُ التَّوَفِّي لِنَفْسِهِ; لِأَنَّهُ لَا يَمُوتُ أَحَدٌ إِلَّا بِمَشِيئَتِهِ تَعَالَى، كَمَا قَالَ (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ كِتَابًا مُؤَجَّلًا)، وَأَسْنَدَهُ لِمَلَكِ الْمَوْتِ; لِأَنَّهُ هُوَ الْمَأْمُورُ بِقَبْضِ الْأَرْوَاحِ، وَأَسْنَدَهُ إِلَى الْمَلَائِكَةِ; لِأَنَّ لِمَلَكِ الْمَوْتِ أَعْوَانًا مِنَ الْمَلَائِكَةِ يَنْزِعُونَ الرُّوحَ مِنَ الْجَسَدِ إِلَى الْحُلْقُومِ فَيَأْخُذُهَا مَلَكُ الْمَوْتِ، كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ. وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى.
(ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ) أي: بترك الهجرة.
• قال القرطبي: المراد بها جماعة من أهل مكة كانوا قد أسلموا وأظهروا للنبي ﷺ الايمان به، فلما هاجر النبي ﷺ أقاموا مع قومهم وفتن منهم جماعة فافتتنوا، فلما كان أمر بدر خرج منهم قوم مع الكفار، فنزلت الآية. وقيل: إنهم لما استحقروا عدد المسلمين دخلهم شك في دينهم فارتدوا فقتلوا على الردة، فقال المسلمون: كان أصحابنا هؤلاء مسلمين وأكرهوا على الخروج فاستغفروا لهم، فنزلت الآية. والأول أصح.
(قَالُواْ) أي: الملائكة.
(فِيمَ كُنتُمْ) أي: لم مكثتم هاهنا وتركتم الهجرة؟
(قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ) أي: لا نقدر على الخروج من البلد، ولا الذهاب في الأرض.
(قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا) هذا الاستفهام للتوبيخ والتقرير، يعني: أرض الله واسعة، فلماذا لا تهاجروا؟
• والهجرة: الانتقال من بلد الشرك إلى بلد الإسلام.
(فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ) أي: مصيرهم.
(جَهَنَّمُ) أي: النار.
(وَسَاءتْ مَصِيرًا) أي: ساءت مرداً ومرجعاً.
стр. 1717
• وحكم الهجرة ينقسم إلى أقسام:
الأول: قادر على الهجرة منها لا يمكنه إظهار دينه ولا أداء واجباته فالهجرة منه واجبة.
الثاني: قادر لكنه يمكنه إظهار دينه وأداء واجباته، فمستحبة لتكثير المسلمين بها ومعاونتهم وجهاد الكفار والراحة من رؤية المنكر بينهم.
الثالث: عاجز بعذر من أسر أو مرض أو غيره فتجوز له الإقامة.
(إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ) أي: الذين أصابهم الضعف من الرجال والنساء والولدان.
(لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً) أي: لا يستطيعون الخلاص
(وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلاً) أي: ولا يهتدون الطريق الموصل لدار الهجرة.
(فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمْ) قال البغوي: يتجاوز عنهم، وعسى من الله واجب، لأنه للإطماع، والله تعالى إذا أطمع عبداً أوصله إليه.
• ومن هؤلاء المستضعفين: ابن عباس وأمه.
عن ابْنَ عَبَّاسٍ - رضى الله عنهما - قال (كُنْتُ أَنَا وَأُمِّى مِنَ الْمُسْتَضْعَفِينَ أَنَا مِنَ الْوِلْدَانِ، وَأُمِّى مِنَ النِّسَاءِ) رواه البخاري.
وفي رواية (كنت أنا وأمي ممن عذر).
ومنهم عياش بن أبي ربيعة، وسلمة بن هشام، والوليد بن الوليد.
فعن أبي هريرة. قَالَ (كَانَ النَّبِىُّ ﷺ يَدْعُو فِى الْقُنُوتِ: اللَّهُمَّ أَنْجِ سَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ، اللَّهُمَّ أَنْجِ عَيَّاشَ بْنَ أَبِى رَبِيعَةَ، اللَّهُمَّ أَنْجِ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ، اللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ، اللَّهُمَّ سِنِينَ كَسِنِى يُوسُف). متفق عليه
والعفو: التجاوز عن الذنب، ولا يكون ممدوحاً إلا مع القدرة.
(وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا) اسم من أسماء الله تعالى.
معناه: العفو التجاوز عن عباده في ترك واجب وفعل مرم.
• ومن كمال عفوه: أنه مهما أسرف الإنسان على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
• ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ).
• وعفو الله عفو كامل لأنه مقرون بالقدرة كما قال هنا (عفواً قديراً) بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز، أي: العجز عن الأخذ بالثأر.
стр. 1718
• وقد حث تعالى على العفو كما تقدم:
منها: قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ).
وقوله تعالى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
وقوله تعالى (فمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
وقوله تعالى (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقال ﷺ (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.
قال النووي في معناه:
أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه.
والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك
(غَفُوراً) الغفور: ذو مغفرة واسعة كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ).
• قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب.
• قال ابن القيم:
وهو الغفور فلو أتى بقرابها من غير شرك بل من العصيان
لأتاه بالغفران ملء قرابها سبحانه هو واسع الغفران
والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.
ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.
стр. 1719
• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم.
ثانياً: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
ثالثاً: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى).
رابعاً: أن كونه سبحانه غفوراً وغفاراً للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً).
خامساً: سؤال الله بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه.
سادساً: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).
الفوائد:
١ - إثبات الملائكة.
٢ - أن لكل ملك وظيفة.
٣ - وجوب الهجرة من ديار الشرك لمن لا يقدر على إقامة دينه.
٤ - أن وجوب الهجرة مشروط بالقدرة.
٥ - أن التخلف عن الهجرة الواجبة من كبائر الذنوب.
٦ - عفو الله عن هؤلاء الصنف من الناس في تركهم للهجرة.
٧ - أن الدين الإسلامي دين اليسر والسهولة.
٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العفو والغفور.
(الأحد: ٤/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1720
(وَمَن يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً وَمَن يَخْرُجْ مِن بَيْتِهِ مُهَاجِرًا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلى اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٠)). [النساء: ١٠٠].
(وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن يه.
• فمن هاجرفي سبيل الله: ويكون في سبيل الله بشرطين: الهجرة لله إخلاصاً لا لهدف آخر، ويكون متابعاً للرسول ﷺ .
(يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا) قيل: المراغم التحول من أرض إلى أرض، وقيل: متزحزحاً عما يكره.
• قال ابن كثير: وهذا تحريض على الهجرة، وترغيب في مفارقة المشركين، وأن المؤمن حيثما ذهب وجد عنهم مندوحة وملجأ يتحصن فيه.
• وقال السعدي: هذا في بيان الحث على الهجرة والترغيب، وبيان ما فيها من المصالح، فوعد الصادق في وعده أن من هاجر في سبيله ابتغاء مرضاته، أنه يجد مراغمًا في الأرض وسعة، فالمراغم مشتمل على مصالح الدين، والسعة على مصالح الدنيا.
• قال ابن كثير: قوله تعالى (مُرَاغَمًا كَثِيرًا) والظاهر - والله أعلم - أنه التمنع الذي يُتحصن به، ويراغم به الأعداء.
• وقال القرطبي: وهذا كله تفسير بالمعنى، وكله قريب بعضه من بعض؛ فأما الخاص باللفظة فإن المراغم موضع المراغمة كما ذكرنا، وهو أن يرغِم كل واحد من المتنازعين أنف صاحبه بأن يغلبه على مراده؛ فكأن كفار قريش أرغموا أُنوف المحبوسين بمكة، فلو هاجر منهم مهاجر لأرغم أُنوف قريش لحصوله في منعة منهم، فتلك المنعة هي موضع المراغمة.
وقال: وهو مشتق من الرِّغام، ورَغِم أنف فلان أي لَصِق بالتراب، وراغمت فلاناً هجرته وعاديته، ولم أُبالِ إن رغِم أنفه.
• وقال الرازي: وعندي فيه وجه آخر، وهو أن يكون المعنى: ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية، وذلك لأن من فارق وذهب إلى بلدة أجنبية فإذا استقام أمره في تلك البلدة الأجنبية، ووصل ذلك الخبر إلى أهل بلدته خجلوا من سوء معاملتهم معه، ورغمت أنوفهم بسبب ذلك، وحمل اللفظ على هذا أقرب من حمله على ما قالوه، والله أعلم.
(وَسَعَةً) يعني الرزق.
قيل: أي في الرزق، وقال قتادة: المعنى سعة من الضلالة إلى الهدى ومن العَيْلَة إلى الغنى.
وقال مالك: السعة سعة البلاد.
стр. 1721
• قال الطبري: وأولى الأقوال في ذلك بالصواب أن يقال: إن الله أخبرَ أن من هاجر في سبيله يجد في الأرض مضطرَبًا ومتَّسعًا. وقد يدخل في"السعة"، السعة في الرزق، والغنى من الفقر، ويدخل فيه السعة من ضيق الهمِّ والكرب الذي كان فيه أهل الإيمان بالله من المشركين بمكة، وغير ذلك من معاني"السعة"، التي هي بمعنى الرَّوْح والفرَج من مكروهِ ما كره الله للمؤمنين بمقامهم بين ظَهْري المشركين وفي سلطانهم. ولم يضع الله دِلالة على أنه عنى بقوله: "وسعة"، بعض معاني"السعة"
التي وصفنا. فكل معاني"السعة" التي هي بمعنى الرَّوح والفرج مما كانوا فيه من ضيق العيش، وغم جِوار أهل الشرك، وضيق الصدر بتعذّر إظهار الإيمان بالله وإخلاص توحيده وفراق الأنداد والآلهة، داخلٌ في ذلك.
• وقال لرازي: كأنه قيل: يا أيها الإنسان إنك كنت إنما تكره الهجرة عن وطنك خوفاً من أن تقع في المشقة والمحنة في السفر، فلا تخف فإن الله تعالى يعطيك من النعم الجليلة والمراتب العظيمة في مهاجرتك ما يصير سبباً لرغم أنوف أعدائك، ويكون سبباً لسعة عيشك، وإنما قدم في الآية ذكر رغم الأعداء على ذكر سعة العيش لأن ابتهاج الإنسان الذي يهاجر عن أهله وبلده بسبب شدة ظلمهم عليه بدولته من حيث إنها تصير سبباً لرغم أنوف الأعداء، أشد من ابتهاجه بتلك الدولة من حيث إنها صارت سبباً لسعة العيش عليه.
стр. 1722
• فضائل الهجرة:
أولاً: أنه الله يعوضه مراعما وسعة.
كما في هذه الآية.
ثانياً: أن الله يخلفه.
قال تعالى (فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً).
• قوله (لساناً) أي ذكراً حسناً، واللسان في القرآن يطلق ثلاث إطلاقات:
الأول: يطلق ويراد به الجارحة.
كما قال تعالى (لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ).
الثاني: يطلق ويراد به اللغة.
كما في قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ).
وقوله تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ).
الثالث: يطلق ويراد به الذكر والثناء الحسن.
كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى (وَاجْعَلْ لِي لِسَانَ صِدْقٍ فِي الْآخِرِينَ).
ثالثاً: ينالون رحمة الله.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ءامَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيم).
• قال السعدي: هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة، وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان من الربح والخسران، فأما الإيمان فلا تسأل عن فضيلته … ، وأما الهجرة فهي مفارقة المحبوب والمألوف لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله وأهله وخلانه تقربًا إلى الله ونصرة لدينة، وأما الجهاد فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله وقمع دين الشيطان. وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجين رحمة الله؛ لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة.
رابعاً: تكفير للسيئات ودخول الجنان.
قال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَأُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَأُوذُواْ فِى سَبِيلِى وَقَاتَلُواْ وَقُتِلُواْ لأكَفّرَنَّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِى مِن تَحْتِهَا الأنْهَارُ ثَوَاباً مّن عِندِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ).
стр. 1723
• قال ابن كثير: أي تركوا دار الشرك وأتوا إلى دار الإيمان وفارقوا الأحباب والخلان والإخوان والجيران … وقوله (ثَوَاباً مّن
عِندِ اللَّهِ) إضافة إليه ونسبة إليه ليدل على أنه عظيم؛ لأن العظيم الكريم لا يعطي إلا جزيلاً كثيراً.
• وقال السعدي: فجمعوا بين الإيمان والهجرة، ومفارقة المحبوبات من الأوطان والأموال طلبًا لمرضاة ربهم، وجاهدوا في سبيل الله.
خامساً: قال تعالى (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ).
• قال ابن جرير: يقول تعالى: والذين فارقوا قومهم ودورهم وأوطانهم عداوة لهم في الله على كفرهم إلى آخرين غيرهم (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) يقول: من بعد ما نيل منهم في أنفسهم بالمكاره في ذات الله (لَنُبَوّئَنَّهُمْ فِى الدُّنْيَا حَسَنَة) يقول: لنسكننهم في الدنيا مسكنًا يرضونه صالحاً. وقوله: (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) يقول: ولثواب الله إياهم على هجرتهم فيه في الآخرة أكبر؛ لأن ثوابه إياهم هنالك الجنة التي يدوم نعيمها ولا يبيد.
• وقال ابن كثير: يخبر تعالى عن جزائه للمهاجرين في سبيله ابتغاء مرضاته، الذين فارقوا الدار والإخوان والخلان، رجاء ثواب الله وجزائه.
стр. 1724
• وقال السعدي: يخبر تعالى بفضل المؤمنين الممتحنين (وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ فِى اللَّهِ) أي: في سبيله، وابتغاء مرضاته (مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُواْ) بالأذية والمحنة من قومهم، الذين يفتنونهم ليردوهم إلى الكفر والشرك، فتركوا الأوطان والخلان، وانتقلوا عنها لأجل طاعة الرحمن فذكر لهم ثوابين، ثوابًا عاجلاً في الدنيا من الرزق الواسع والعيش الهنيئ الذي رأوه عياناً بعدما هاجروا وانتصروا على أعدائهم، وافتتحوا البلدان، وغنموا منها الغنائم العظيمة فتمولوا، وآتاهم الله في الدنيا حسنة، (وَلأَجْرُ الآخِرَةِ) الذي وعدهم الله على لسان رسوله خير، و (أَكْبَرُ) من أجر الدنيا … (لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ) أي: لو كان لهم علم ويقين بما عند الله من الأجر والثواب لمن آمن به وجاهد في سبيله، لم يتخلف عن ذلك أحد.
قال ﷺ لعمرو بن العاص (أما عملت أن الإسلام يهدم ما كان قبله؟! وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها؟! وأن الحج يهدم ما كان قبله؟).
قال النووي: فيه عظيم موقع الإسلام والهجرة والحج، وأن كل واحد منها يهدم ما كان قبله من المعاصي.
سادساً: ومن فضلها أنّها تدحر الشّيطان الرّجيم، حتّى قرنها النبيّ ﷺ بالإسلام والجهاد في سبيل الله تعالى.
روى الإمام أحمد والنّسائي عن سَبْرَةَ بنِ أبي فَاكِهٍ ﵁ قال: سمعت رسولَ اللهِ ﷺ يقول:
(إِنَّ الشَّيْطَانَ قَعَدَ لِابْنِ آدَمَ بِأَطْرُقِهِ: فَقَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْإِسْلَامِ، فَقَالَ: تُسْلِمُ وَتَذَرُ دِينَكَ وَدِينَ آبَائِكَ وَآبَاءِ أَبِيكَ؟ فَعَصَاهُ، فَأَسْلَمَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْهِجْرَةِ، فَقَالَ: تُهَاجِرُ وَتَدَعُ أَرْضَكَ وَسَمَاءَكَ؟! فَعَصَاهُ فَهَاجَرَ. ثُمَّ قَعَدَ لَهُ بِطَرِيقِ الْجِهَادِ، فَقَالَ: تُجَاهِدُ؟ فَهُوَ جَهْدُ النَّفْسِ وَالْمَالِ فَتُقَاتِلُ فَتُقْتَلُ فَتُنْكَحُ الْمَرْأَةُ وَيُقْسَمُ الْمَالُ؟! فَعَصَاهُ فَجَاهَدَ) فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ، كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَمَنْ قُتِلَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ، وَإِنْ غَرِقَ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ وَقَصَتْهُ دَابَّتُهُ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ).
قوله ﷺ لأبي فاطمة الضمري (عليك بالهجرة فإنه لا مثل لها).
قوله ﷺ (يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة، فإن كانت قراءتهم سواء فليؤمهم أقدمهم هجرة، فإن كانوا في الهجرة سواء فليؤمهم أكبرهم سناً).
стр. 1725
• مقاصد الهجرة:
أولاً: تكثير المسلمين.
ثانياً: أن البقاء بينهم ذريعة إلى موافقتهم.
ثالثاً: تيسير الجهاد على أهل الإسلام.
رابعاً: هجر المكان الذي يكفر فيه.
(وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِرًا) أي: ومن خرج من منزله بنية الهجرة.
(إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ) لا لهدف آخر من أهداف الدنيا.
(ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ) أي: يموت وهو في أثناء الطريق.
(فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) أي: فقد ثبت أجره وثوابه على الله، وحصل له أجر الهجرة، كما قال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات … ).
• قال ابن كثير: وهذا عام في الهجرة وفي كل الأعمال: ومنه الحديث الثابت في الصحيحين في الرجل الذي قتل تسعة وتسعين نفساً، ثم أكمل بعد ذلك العابد المائة، ثم سأل عالماً: هل له من توبة … ).
(وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا) تقدم.
الفوائد:
١ - فضل الهجرة في سبيل الله.
٢ - يجب أن تكون الهجرة لله تعالى لا لغرض دنيوي آخر.
٣ - أن من ترك شيئاً عوضه الله خيراً منه.
٤ - أن الهجرة في سبيل الله سبب للرزق والقوة.
٥ - الحث على الإخلاص في جميع الأعمال.
٦ - أن من مات وهو في طريقه لطاعة كتبت له.
٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم.
стр. 1726
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا). [النساء: ١٠١].
(وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) أي: سافرتم في البلاد كما قال تعالى (علم أن سيكون منكم مرضى ةآخرون يضربون في الأرض).
سمي السفر ضرباً: لأنه يضرب الأرض برجله في سيره كضربه بيده، ولذلك سُمِّيَ السفر في الأرض ضَرْباً.
(فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ) أي: فليس عليكم جناح ولا إثم أن تخففوا من الصلاة فتجعلوا الرباعية ثنائية.
• قوله تعالى (أن تقصروا من الصلاة) ولم يقل أن تقصروا الصلاة فيه فائدتان:
إحداهما: أنه لو قال أن تقصروا الصلاة لكان القصر غير منضبط بحد من الحدود، فربما ظن أنه لو قصر معظم الصلاة وجعلها ركعة واحدة لأجزأ، فإتيانه بقوله: (مِنَ الصَّلاةِ) ليدل ذلك على أن القصر محدود مضبوط، مرجوع فيه إلى ما تقرر من فعل النبي ﷺ وأصحابه.
الثانية: أن (من) تفيد التبعيض ليعلم بذلك أن القصر لبعض الصلوات المفروضات لا جميعها، فإن الفجر والمغرب لا يقصران وإنما الذي يقصر الصلاة الرباعية من أربع إلى ركعتين [قاله السعدي].
(إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يصدوكم عن دينكم.
(إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا) المعنى أن العداوة الحاصلة بينكم وبين الكافرين قديمة، والآن قد أظهرتم خلافهم في الدين وازدادت عداوتهم، وبسبب شدة العداوة أقدموا على محاربتكم وقصد إتلافكم إن قدروا، فإن طالت صلاتكم فربما وجدوا الفرصة في قتلكم، فعلى هذا رخصت لكم في قصر الصلاة [مفاتيح الغيب:].
стр. 1727
الفوائد:
١ - مشروعية قصر الصلاة الرباعية في السفر.
• مباحث تتعلق بقصر الصلاة:
أولاً: في الآية مشروعية قصر الصلاة للمسافر. (فلا قصر إلا للمسافر).
• قال تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا).
وظاهر الآية أن القصر مقيد بحال الخوف، إلا أن السنة بينت المراد من الآية، وهو أن القصر مشروع في الأمن والخوف في حال السفر، ففي صحيح مسلم عن يعلى بن أمية قال: (قلت لعمر: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) وقد أمن الناس، فقال: عجبتُ مما عجبتَ منه، فسألت رسول الله ﷺ عن ذلك فقال: صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته). رواه مسلم
عن ابن عمر قال (إصَحِبْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فِى السَّفَرِ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ أَبَا بَكْرٍ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَصَحِبْتُ عُمَرَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ثُمَّ صَحِبْتُ عُثْمَانَ فَلَمْ يَزِدْ عَلَى رَكْعَتَيْنِ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ (لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ).
وعن ابن عمر قال (صحبت رسول الله ﷺ فكان لا يزيد في السفر على ركعتين، وأبا بكر، وعمر، وعثمان كذلك). متفق عليه
وأجمع أهل العلم على مشروعية القصر في السفر الطويل.
أن النبي ﷺ لم يتم في سفره قط.
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى: وأما في السفر فقد سافر رسول الله ﷺ قريباً من ثلاثين سفرة، وكان يصلي ركعتين في أسفاره، ولم ينقل عنه أحد من أهل العلم أنه صلى في السفر أربعاً قط، حتى في حجة الوداع، وهي آخر أسفاره كان يصلي بالمسلمين بمنى ركعتين ركعتين، وهذا من العلم العام المستفيض المتواتر الذي اتفق على نقله جميع أصحابه، ومن أخذ العلم عنهم.
وقال ابن القيم ﵀: وكان يَقصُر الرُّبَاعية، فيصليها ركعتين مِن حين يخرُج مسافراً إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبُت عنه أنه أتمَّ الرُّباعية في سفره البتة.
• قال السعدي: ويدل على أفضلية القصر على الإتمام أمران:
أحدهما: ملازمة النبي ﷺ على القصر في جميع أسفاره.
والثاني: أن هذا من باب التوسعة والترخيص والرحمة بالعباد، والله تعالى يحب أن تؤتى رخصه كما يكره أن تؤتى معصيته.
ثانياً: وظاهر الآية أنه لا يجوز القصر إلا عند الخوف، لكن جاءت السنة تبين أن هذا ليس بشرط.
ففي صحيح مسلم عَنْ يَعْلَى بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قُلْتُ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا) فَقَدْ أَمِنَ النَّاسُ فَقَالَ عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ. فَقَالَ: صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ) رواه مسلم.
ثالثاً: حكم القصر: سنة.
وهذا قول أكثر العلماء، أن القصر سنة مؤكدة لفعل النبي ﷺ ، فإنه ﷺ كان في أسفاره يقصر الرباعية ولا يتمها.
стр. 1728
لقوله تعالى: (فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا)، قالوا إن نفي الجناح يفيد أنه رخصة.
ولحديث عمر السابق: (صدقة تصدق الله بها عليكم).
وقال بعض العلماء: إن القصر واجب، وهذا مذهب أبي حنيفة، ونصره ابن حزم، واختاره الصنعاني.
لقول عائشة (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ
وَلِلْبُخَارِيِّ: (ثُمَّ هَاجَرَ، فَفُرِضَتْ أَرْبَعًا، وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ عَلَى اَلْأَوَّلِ) فهذا يدل على أن صلاة السفر مفروضة ركعتين.
قال الشوكاني: وهو دليل ناهض على الوجوب، لأن صلاة السفر إذا كانت مفروضة ركعتين، لم يجز الزيادة عليها، كما أنها لا تجوز الزيادة على أربع في الحضر.
ولحديث يعلى ابن أمية السابق، وفيه: (صدقة تصدق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته) فقوله: (فاقبلوا) هذا أمر، والأمر يقتضي الوجوب.
وتوسط شيخ الإسلام ابن تيمية، فقال: إن القصر سنة، والإتمام مكروه، لأنه خلاف هدي النبي ﷺ الدائم.
قال ابن تيمية: المسلمون نقلوا بالتواتر أن النبي ﷺ لم يصلّ في السفر إلا ركعتين، ولم ينقل عنه أحد أنه صلى أربعاً قط.
رابعاً: إذا علمنا أن القصر مشروع كما سبق، فهناك حالات يتم بها المسافر:
الحالة الأولى: إذا ذكر صلاة حضر في سفر.
مثال: رجل مسافر، وفي أثناء السفر تذكر أنه صلى الظهر في بلده من غير وضوء، فإنه يجب أن يعيدها أربعاً.
قال ابن قدامة: بالإجماع حكاه الإمام أحمد، وابن المنذر، لأن الصلاة تعين عليه فعلها أربعاً، فلم يجز له النقصان من عددها
الحالة الثانية: إذا صلى المسافر خلف المقيم.
قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.
إذا صلى المسافر خلف المقيم.
стр. 1729
قال ابن قدامة: المسافر متى ائتم بمقيم وجب عليه الإتمام، سواء أدرك جميع الصلاة أو ركعة، أو أقل.
أ- لما روي عن ابن عباس: (أنه قيل له: ما بال المسافر يصلي ركعتين في حال الانفراد، وأربعاً إذا ائتم بمقيم؟ فقال: تلك السنة). رواه أحمد، وأصله في مسلم بلفظ: (كيف أصلي إذا كنت بمكة إذا لم أصلِّ مع الإمام، فقال: ركعتين، سنة أبي القاسم ﷺ .
ب- وعن عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان إذا صلى مع الإمام صلى أربعاً، وإذا صلاها وحده صلى ركعتين.
ج- لأن هذه صلاة مردودة من أربع إلى ركعتين فلا يصليها خلف من يصلي الأربع كالجمعة.
د- لأنه اجتمع ما يقتضي القصر والتمام فغلب التمام كما لو أحرم بها في السفر ثم أقام.
وهذا اختيار الشيخ ابن عثيمين ﵀.
الحالة الثالثة: إذا نوى الإقامة أكثر من أربع أيام، (وهذه مسألة خلافية) فأكثر العلماء إذا نوى إقامة أربعة أيام فأكثر انقطع ترخصه.
وهذا مذهب جماهير العلماء، وبه قال المالكية والشافعية والحنابلة، ورجحه الشيخ ابن باز ﵀.
لحديث أنس، حيث أن النبي ﷺ قدم مكة صبيحة رابعة من ذي الحجة، فأقام بها الرابع والخامس والسادس والسابع، وصلى الصبح في يوم الثامن ثم خرج إلى منى.
قالوا: فيجوز لمن كانت إقامته كإقامة النبي ﷺ أن يقصر الصلاة، وقالوا: وإقامة النبي ﷺ بالأبطح في عام حجة الوداع معلومة البداية والنهاية.
وعلى هذا القول: لو سافر شخص للرياض وهو ينوي أن يجلس أسبوعاً، فإنه لا يقصر ولا يترخص برخص السفر.
وذهب بعض العلماء: أن مرجع ذلك إلى العرف، فإنه يقصر ولو طالت المدة ما لم يجمع الإقامة.
ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: "للمسافر القصر والفطر ما لم يجمع على الإقامة والاستيطان، والتمييز بين المقيم والمسافر بنية أيام معلومة يقيمها ليس هو أمراً معلوماً لا بشرع ولا عرف".
ورجح هذا القول الشيخ ابن عثيمين ﵀، ولا شك أن قول الجمهور أحوط وأبرأ للذمة.
خامساً: القصر ليس له إلا سبب واحد وهو السفر.
قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: "القصر ليس له إلا سبب واحد فقط وهو السفر، فغير المسافر لا يقصر، حتى المريض مرضاً شديداً لا يمكن أن يقصر إلا إذا كان في غير بلده".
стр. 1730
سادساً: ويقصر المسافر إذا خرج من بنيان بلده.
لقوله تعالى (وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ) ولا يكون ضارباً في الأرض حتى يخرج، وقبل مفارقته لا يكون ضارباً فيها.
ولأن النبي ﷺ إنما كان يقصر إذا ارتحل.
قال أنس: (صليت مع النبي ﷺ الظهر بالمدينة أربعاً، وبذي الحليفة ركعتين). متفق عليه
ولحديث أَنَسٍ ﵁ قَالَ: (كَانَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ إِذَا خَرَجَ مَسِيرَةَ ثَلَاثَةِ أَمْيَال أَوْ فَرَاسِخَ، صَلَّى رَكْعَتَيْنِ). رَوَاهُ مُسْلِمٌ.
قال النووي: وأما حديث أنس فليس معناه أن غاية سفره كانت ثلاثة أميال، بل معناه أنه كان إذا سافر سفراً طويلاً فتباعد ثلاثة أميال قصر ".
فهذا دليل على أنه لا يجوز القصر حتى يفارق بنيان بلده.
وهذا مذهب جماهير العلماء: أبو حنيفة، ومالك، والشافعي، وأحمد.
سابعاً: الصلوات التي تقصر الصلوات الرباعية، وقد نقل الإجماع في ذلك ابن حزم في المحلى، وابن قدامة في المغني نقلاً عن ابن المنذر.
فالمغرب لا تقصر لأنها وتر النهار، فلو قصرت منها ركعة لم يبق منها وتراً، ولو قصرت ركعتان فإنه إجحاف بها بذهاب أكثرها، وأما الصبح فتبقى على ما هي عليه، لأن قصرها إلى واحدة إجحاف بها.
عَنْ عَائِشَةَ ﵂ قَالَتْ (أَوَّلُ مَا فُرِضَتْ اَلصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ، فَأُقِرَّتْ صَلَاةُ اَلسَّفَرِ وَأُتِمَّتْ صَلَاةُ اَلْحَضَرِ). مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، زَادَ أَحْمَدُ: (إِلَّا اَلْمَغْرِبَ فَإِنَّهَا وِتْرُ اَلنَّهَارِ، وَإِلَّا اَلصُّبْحَ، فَإِنَّهَا تَطُولُ فِيهَا اَلْقِرَاءَةُ).
ثامناً: إذا أذن المؤذن وهو في البلد، ثم سافر، هل يقصر أم لا؟
الجواب: نعم يقصر ويجمع، لأن العبرة بفعل الصلاة لا بالوقت.
стр. 1731
تاسعاً: قوله تعالى (وإذا ضربتم في الأرض) اختلف العلماء في قصر الصلاة في سفر المعصية؟
اختلف العلماء في هذه المسألة على قولين:
القول الأول: يجوز له القصر.
وهذا مذهب أبي حنيفة، واختاره ابن تيمية.
قال النووي: وذهب الحنفية والثوري والأوزاعي والمزني من أصحاب الشافعي بجواز القصر في سفر المعصية وغيره.
قالوا: لأن فرض السفر ركعتان، ولأنه داخل تحت النصوص المطلقة.
القول الثاني: لا يجوز له القصر.
وهذا مذهب الجمهور: مالك والشافعي وأحمد.
لأن الترخيص شرع للإعانة على تحصيل المقصد المباح توصلاً للمصلحة، فلو شرع هنا لشرع إعانة على المحرّم تحصيلاً للمفسدة، والشرع منزه عن هذا.
قال السعدي: فإن الرخصة سهولة من الله لعباده إذا سافروا أن يقصروا ويفطروا، والعاصي بسفره لا يناسب حاله التخفيف.
والراجح القول الأول.
٢ - بيان تيسير الله على عباده.
٣ - مشروعية القصر في السفر.
٤ - حرص الكفار على فتن المؤمنين.
٥ - وجوب الحذر من الكفار.
٦ - أن الكفار أعداء لنا.
(السبت: ١٠/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1732
(وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٠٢) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنتُمْ فَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَّوْقُوتًا (١٠٣)). [سورة النساء: ١٠٢ - ١٠٣].
(وإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ) هذا الخطاب للرسول ﷺ ولمن بعده من أهل الأمر حكمه، وإلى هذا ذهب جمهور العلماء، وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن علية فقالا: لا تصلى صلاة الخوف بعد النبي ﷺ ، لأن هذا الخطاب خاص برسول الله ﷺ ، وهذا مدفوع فقد أمرنا الله باتباع رسوله التأسي به، وقد قال ﷺ (صلوا كما رأيتموني) والصحابة ﵃ أعرف بمعاني القرآن، وقد صلوها بعد موته ﷺ غير مرّة.
• قال القرطبي: وهذه الآية خطاب للنبيّ ﷺ ، وهو يتناول الأُمراء بعده إلى يوم القيامة، ومثله قوله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) هذا قول كافة العلماء.
وشذ أبو يوسف وإسماعيل بن عُلَيَّة فقالا: لا نصلّي صلاة الخوف بعد النبيّ ﷺ ؛ فإن الخطاب كان خاصاً له بقوله تعالى (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ) وإذا لم يكن فيهم لم يكن ذلك لهم؛ لأن النبيّ ﷺ ليس كغيره في ذلك، وكلهم كان يحب أن يأتمّ به ويصلّي خلفه، وليس أحد بعده يقوم في الفضل مقامه، والناس بعده تستوي أحوالهم وتتقارب؛ فلذلك يصلّي الإمام بفريق ويأمر من يصلّي بالفريق الآخر، وأما أن يصلوا بإمام واحد فل.
وقال الجمهور: إنا قد أمرنا باتباعه والتأسِّي به في غير ما آية وغير حديث، فقال تعالى (فَلْيَحْذَرِ الذين يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) وقال ﷺ " صلّوا كما رأيتموني أُصلّي " فلزم اتباعه مطلقاً حتى يدلّ دليل واضح على الخصوص؛ ولو كان ما
ذكروه دليلاً على الخصوص للزم قصر الخطابات على من توجهت له، وحينئذ كان يلزم أن تكون الشريعة قاصرة على من خوطب بها؛ ثم إن الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين اطرحوا توهّم الخصوص في هذه الصَّلاة وعَدَّوْه إلى غير النبيّ ﷺ ، وهم أعلم بالمقال وأقعد بالحال.
وقد قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَ الذين يَخُوضُونَ في آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حتى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وهذا خطاب له، وأمّته داخلة فيه، ومثله كثير.
وقال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً) وذلك لا يوجب الاقتصار عليه وحده، وأن مَن بعده يقوم في ذلك مقامه؛ فكذلك في قوله (وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ).
стр. 1733
ألا ترى أن أبا بكر الصدّيق في جماعة الصحابة ﵃ قاتلوا من تأوّل في الزكاة مثل ما تأوّلتموه في صلاة الخوف.
قال أبو عمر: ليس في أخذ الزكاة التي قد استوى فيها النبيّ ﷺ ومن بعده من الخلفاء ما يشبه صلاة من صلّى خلف النبيّ ﷺ وصلّى خلف غيره؛ لأن أخذ الزكاة فائدتها توصيلها للمساكين، وليس فيها فضل للمعطي كما في الصَّلاة فضل للمصلّي خلفه.
(فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاةَ) أي: أردت أن تصلي بهم إماماً كقوله تعالى (وإذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا .. ) وكقوله تعالى (فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ).
(فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ) يعني بعد أن تجعلهم طائفتين، طائفة بإزاء العدو، وطائفة تقوم منهم معك في الصلاة.
(وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ) أي: الطائفة التي تصلي معه، وقيل: الضمير راجع إلى الطائفة التي بإزاء العدو، والأول أظهر، لأن الطائفة القائمة بإزاء العدو لابد أن تكون قائمة بأسلحتها، وإنما يحتاج إلى الأمر بذلك من كان في الصلاة، لأنه يظن أن ذلك ممنوع منه حال الصلاة فأمره الله بأن يكون آخذاً لسلاحه، أي: غير واضع له، وليس المراد الأخذ باليد، بل المراد أن يكونوا حاملين لسلاحهم ليتناولوه من قرب إذا احتاجوا إليه، وليكون ذلك أقطع لرجاء عدوهم من إمكان فرصته فيهم.
(فَإِذَا سَجَدُوا) أي: القائمون في الصلاة، والمعنى: أتموا الركعة تعبيراً بالسجود عن جميع الركعة أو عن جميع الصلاة.
• وعبر بالسجود عن الصلاة، لأنه ركن فيها، بل هو أعظم أركانها، وبه تنتهي الركعة.
(فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ) أي: من خلفكم تجاه العدو، أي: فلينصرفوا بعد الفراغ إلى مقابلة العدو للحراسة.
(وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا) وهي القائمة في مقابلة العدو التي لم تصل.
(فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ) أي: ما بقي من صلاتك، وهو ركعة بعد انصراف الطائفة الأولى، وهذا دليل على أن الإمام يبقى.
(وَلْيَأْخُذُوا) أي: هذه الطائفة الأخرى
(حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ) أي: وليأخذوا تيقظهم واحترازهم مع أسلحتهم، لما عسى أن يحدث من العدو.
стр. 1734
• في هذا الحديثين صفة صلاة الخوف إذا كان العدو في غير جهة القبلة:
عَنْ صَالِحِ بْنِ خَوَّاتٍ، - عَمَّنْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اَللَّهِ ﷺ يَوْمَ ذَاتِ اَلرِّقَاعِ صَلَاةَ اَلْخَوْفِ: أَنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ اِنْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ اَلْعَدُوِّ، وَجَاءَتِ اَلطَّائِفَةُ اَلْأُخْرَى، فَصَلَّى بِهِمْ اَلرَّكْعَةَ اَلَّتِي بَقِيَتْ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ، ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ - مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ، وَهَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ.
وصفتها: أن يقسم الإمام الجند طائفتين، طائفة تصلي معه، وأخرى تحرس المسلمين عن هجوم العدو، فيصلي بالطائفة الأولى ركعة، ثم إذا قام إلى الركعة الثانية أتموا لأنفسهم (والإمام قائم) ثم يذهبون ويقفون أمام العدو، وتأتي الطائفة التي كانت تحرس وتدخل مع الإمام في الركعة الثانية، فيصلي بهم الركعة التي بقيت له، ثم يجلس للتشهد قبل أن يسلم الإمام تقوم الطائفة الثانية وتكمل الركعة التي بقيت لها وتدرك الإمام في التشهد فيسلم بهم.
أ- في هذا الحديث العدو في غير جهة القبلة، وهي أقرب الصفات، وهذا الحديث اختاره الإمام أحمد ﵀:
أولاً: لأنه أشبه بكتاب الله (هي الموافقة لظاهر القرآن).
ثانياً: وأحوط بجند الله.
ثالثاً: وأسلم للصلاة من الأفعال، وهذه صلاته ﷺ بذات الرقاع.
قال القرطبي: وبهذا قال مالك والشافعي وأبو ثور.
ب-من شرط تطبيق هذه الصفة: أن تكون الطائفة التي في وِجَاه العدو قادرة على حفظ الطائفة التي تصلي.
ج-خالفت هذه الصفة الصلاة من أوجه:
أولاً: انفراد الطائفة الأولى عن الإمام قبل سلامه، لكنه لعذر.
ثانياً: الطائفة الثانية قضت ما فاتها قبل سلام الإمام.
ثالثاً: أن الركعة الثانية كانت أطول من الأولى.
قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.
د-في هذه الصفة: حصل للطائفة الثانية التسليم مع النبي ﷺ كما حصل للطائفة الأولى فضيلة التحريم معه.
قال بعض العلماء: ولو فعل هذه الصفة والعدو اتجاه القبلة لجاز، ولكن الصحيح أنها لا تجوز، ولذلك لأن الناس يرتكبون فيها ما لا يجوز بلا ضرورة.
стр. 1735
(وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً) أي: تمنّى وأحبّ الكافرون غفلتكم عن أخذ السّلاح لِيَصلوا إلى مقصودهم؛ فبين الله تعالى بهذا وجَه الحكمة في الأمر بأخذ السلاح، وذكر الحِذْر في الطائفة الثانية دون الأولى لأنها أوْلى بأخذ الحِذْر، لأن العدّو لا يؤخّر قصده عن هذا الوقت لأنه آخر الصلاة؛ وأيضاً يقول العدّو قد أثقلهم السلاح وكَلّوا.
• وفي هذه الآية أدلّ دليل على تعاطي الأسباب، واتخاذ كل ما يُنجي ذوي الألباب، ويوصّل إلى السّلامة، ويبلغ دار الكرامة. [قاله القرطبي].
• ومعنى (مَّيْلَةً وَاحِدَةً) مبالغة، أي مستأصلة لا يُحتاج معها إلى ثانية
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذىً مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ) أى: لا إثم عليكم في حالة المطر أو المرض، أن لا تحملوا أسلحتكم اذا ضعفتم عنها.
(وَخُذُوا حِذْرَكُمْ) أي كونوا متيقظين، وضعتم السلاح أو لم تضعوه وهذا يدل على تأكيد التأهّب والحذر من العدوّ في كل الأحوال وترك الاستسلام؛ فإن الجيش ما جاءه مَصابٌ قطّ إلا من تفريط في حذر. [قاله القرطبي]
وقال الرازي: والمعنى أنه لما رخص لهم في وضع السلاح حال المطر وحال المرض أمرهم مرة أخرى بالتيقظ والتحفظ والمبالغة في الحذر، لئلا يجترئ العدو عليهم احتيالاً في الميل عليهم واستغناماً منهم لوضع المسلمين أسلحتهم.
(إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُهِيناً) من العذاب المهين ما أمر الله به حزبه المؤمنين وأنصار دينه الموحدين من قتلهم وقتالهم حيثما ثقفوهم، ويأخذوهم ويحصروهم، ويقعدوا لهم كل مرصد، ويحذروهم في جميع الأحوال، ولا يغفلوا عنهم، خشية أن ينال الكفار بعض مطلوبهم فيهم.
فلله أعظم حمد وثناء على ما مَنَّ به على المؤمنين، وأيَّدَهم بمعونته وتعاليمه التي لو سلكوها على وجه الكمال لم تهزم لهم راية،
ولم يظهر عليهم عدو في وقت من الأوقات.
(فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ) أي: فإذا انتهيتم من صلاة الخوف.
(فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِكُمْ) قال القرطبي: ذهب الجمهور إلى أن هذا الذّكر المأمور به إنما هو إثر صلاة الخوف؛ أي إذا فرغتم من الصلاة فاذكروا الله بالقلب واللسان، على أي حال كنتم (قِيَاماً وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ) وأديموا ذكره بالتكبير والتهليل والدعاء بالنصر لا سيما في حال القتال، ونظيره (إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فاثبتوا واذكروا الله كَثِيراً لَّعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
стр. 1736
• وقال الآلوسي (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصلاة) أي فإذا أديتم صلاة الخوف على الوجه المبين وفرغتم منها (فاذكروا الله قياما وَقُعُوداً وعلى جُنُوبِكُمْ) أي فداوموا على ذكره سبحانه في جميع الأحوال حتى في حال (المسابقة) والمقارعة والمراماة، وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال عقب تفسيرها: لم يعذر الله تعالى أحداً في ترك ذكره إلا المغلوب على عقله.
• وقال ابن كثير: أمر تعالى بكثرة الذكر عقيب صلاة الخوف، وإن كان مشروعاً مرغباً فيه أيضاً بعد غيرها، ولكن هنا آكد لما وقع فيها من التخفيف في أركانها، ومن الرخصة في الذهاب فيها والإياب، وغير ذلك مما ليس يوجد غيرها كما قال تعالى (في الأشهر الأحرم) (فَلَا تَظْلمواْ فِيهِنّ أَنفُسَكُمْ) وإن كان هذا منهياً عنه في غيرها، ولكن فيها آكد لشدة حرمتها وعظمها.
• وقال القاسمي: أي: فداوموا على ذكره تعالى في جميع الأحوال، فإن ما أنتم عليه من الخوف واحذر مع العدو جدير بالمواظبة على ذكر الله والتضرع إليه.
(فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ) أي أمنتم وذهب الخوف، والطمأنينة سكون النفس من الخوف.
(فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) أي: فأتوها بأركانها وبكمال هيئتها في السفر، وبكمال عددها في الحَضَر.
وقيل في معنى الآية: أن يكون المراد من الاطمئنان أن لا يبقى الإنسان مسافراً بل يصير مقيماً، وعلى هذا التقدير يكون المراد: فإذا صرتم مقيمين فأقيموا الصلاة تامة من غير قصر ألبتة.
(إِنَّ الصَّلاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً) أي: فرضاً.
(مَوْقُوتاً) أي: مؤقتة بأوقات محددة.
الفوائد:
١ - وجوب صلاة الجماعة على الرجال.
قال السعدي: وهذه الآية تدل على أن صلاة الجماعة فرض عين من وجهين:
أحدهما: أن الله تعالى أمر بها في هذه الحالة الشديدة، وقت اشتداد الخوف من الأعداء وحذر مهاجمتهم، فإذا أوجبها في هذه الحالة الشديدة فإيجابها في حالة الطمأنينة والأمن من باب أَوْلَى وأحرى.
والثاني: أن المصلين صلاة الخوف يتركون فيها كثيرا من الشروط واللوازم، ويعفى فيها عن كثير من الأفعال المبطلة في غيرها، وما ذاك إلا لتأكد وجوب الجماعة، لأنه لا تعارض بين واجب ومستحب، فلولا وجوب الجماعة لم تترك هذه الأمور اللازمة لأجلها.
٢ - مشروعية صلاة الخوف على الكيفية الواردة.
٣ - لا يجوز تأخي الصلاة عن وقتها حتى ولا في حالة الحرب.
٤ - فضل السجود وعظم منزلته، حيث خصه من بين أركان الصلاة، وأنه قد يعبر به عن جميع الصلاة.
٥ - وجوب أخذ المؤمنين المقاتلين حذرهم من عدوهم الكافر.
٦ - أن الكافرين يتربصون الدوائر بالمسلمين، ويتحينون الفرصة للوقيعة بهم.
٧ - مشروعية ذكر الله بعد الانتهاء من الصلاة.
٨ - مشروعية ذكر الله على كل حال.
٩ - أهمية الذكر وعظم منزلته.
١٠ - أنه إذا زال الخوف وجب إقامة الصلاة على ما كانت عليه حال الأمن.
١١ - أن الصلاة فرض على المؤمنين.
١٢ - أن الصلاة مؤقتة بأوقات محددة معلومة يجب أداؤها فيها.
стр. 1737
(وَلَا تَهِنُواْ فِي ابْتِغَاء الْقَوْمِ إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١٠٤)). [النساء: ١٠٤].
(وَلا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ) أي: لا تضعفوا في طلب عدوكم، بل جُدوا فيهم وقاتلوهم، واقعدوا لهم كل مرصد.
(إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ) أي: كما يصيبكم الجراح والقتل، كذلك يحصل لهم كما قال (إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ).
• قال الرازي: والمعنى أن حصول الألم قدر مشترك بينكم وبينهم، فلما لم يصر خوف الألم مانعاً لهم عن قتالكم فكيف صار مانعاً لكم عن قتالهم.
(وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لا يَرْجُونَ) أي: أنتم وإياهم سواء فيما يصيبكم وإياهم من الجراح والآلام، ولكن أنتم ترجون من الله المثوبة والنصر والتأييد، وهم لا يرجون شيئاً من ذلك، فأنتم أولى بالجهاد منهم، وأشد رغبة في إقامة كلمة الله وإعلائها.
قوله تعالى (وترجون من الله) أي: من الثواب والوعد الذي وعدهم من النصر والثواب الجزيل على الجهاد والقتال.
• قال ابن عاشور: وزادهم تشجيعاً على طلب العدوّ بأنّ تَألّم الفريقين المتحاربين واحد، إذ كلٌ يخشى بأس الآخر، وبأنّ للمؤمنين مزية على الكافرين، وهي أنّهم يرجون من الله ما لا يرجوه الكفّار، وذلك رجاء الشهادة إن قتلوا، ورجاء ظهور دينه على أيديهم إذا انتصروا، ورجاء الثواب في الأحوال كلّها.
• ففي الآية تعليل للنهي وتشجيع لهم، وتهوين الأعداء في قلوب المسلمين.
• قال السعدي: أي لا تضعفوا ولا تكسلوا في ابتغاء عدوكم من الكفار، أي: في جهادهم والمرابطة على ذلك، فإن وَهَن القلب مستدع لوَهَن البدن، وذلك يضعف عن مقاومة الأعداء. بل كونوا أقوياء نشيطين في قتالهم.
ثم ذكر ما يقوي قلوب المؤمنين، فذكر شيئين:
الأول: أن ما يصيبكم من الألم والتعب والجراح ونحو ذلك فإنه يصيب أعداءكم، فليس من المروءة الإنسانية والشهامة الإسلامية أن تكونوا أضعف منهم، وأنتم وإياهم قد تساويتم فيما يوجب ذلك، لأن العادة الجارية لا يضعف إلا من توالت عليه الآلام وانتصر عليه الأعداء على الدوام، لا من يدال مرة، ويدال عليه أخرى.
الأمر الثاني: أنكم ترجون من الله ما لا يرجون، فترجون الفوز بثوابه والنجاة من عقابه، بل خواص المؤمنين لهم مقاصد عالية وآمال رفيعة من نصر دين الله، وإقامة شرعه، واتساع دائرة الإسلام، وهداية الضالين، وقمع أعداء الدين، فهذه الأمور توجب للمؤمن المصدق زيادة القوة، وتضاعف النشاط والشجاعة التامة، لأن من يقاتل ويصبر على نيل عزه الدنيوي إن ناله، ليس
كمن يقاتل لنيل السعادة الدنيوية والأخروية، والفوز برضوان الله وجنته، فسبحان من فاوت بين العباد وفرق بينهم بعلمه وحكمته
стр. 1738
• وقال الآلوسي: (وَلَا تَهِنُواْ فِى ابتغاء القوم) أي لا تضعفوا ولا تتوانوا في طلب الكفار بالقتال (إِن تَكُونُواْ تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمونَ وَتَرْجُونَ مِنَ الله مَا لَا يَرْجُونَ) تعليل للنهي وتشجيع لهم أي ليس ما ينالكم من الآلام مختصاً بكم بل الأمر مشترك بينكم وبينهم، ثم إنهم يصبرون على ذلك، فما لكم أنتم لا تصبرون مع أنكم أولى بالصبر منهم، حيث أنكم ترجون وتطمعون من الله تعالى ما لا يخطر لهم ببال من ظهور دينكم الحق على سائر الأديان الباطلة، ومن الثواب الجزيل والنعيم المقيم في الآخرة.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلِيماً) مبالغاً في العلم فيعلم مصالحكم وأعمالكم ما تظهرون منها وما تسرون.
(حَكِيماً) فيما يأمر وينهى فجدوا في الامتثال لذلك فإن فيه عواقب حميدة وفوزاً بالمطلوب.
• قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: ولم يزل الله (عليمًا) بمصالح خلقه (حكيمًا) في تدبيره وتقديره. ومن علمه، أيها المؤمنون، بمصالحكم عرّفكم عند حضور صلاتكم وواجب فرض الله عليكم، وأنتم مواقفو عدوكم ما يكون به وصولكم إلى أداء فرض الله عليكم، والسلامة من عدوكم. ومن حكمته بصَّركم ما فيه تأييدكم وتوهينُ كيد عدوكم.
الفوائد:
١ - تشجيع المسلمين على الجهاد في سبيل الله.
٢ - ينبغي طلب القوة ضد الأعداء وعدم الضعف.
٣ - إثبات اسمين من أسماء الله.
стр. 1739
(إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُن لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيمًا (١٠٥) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٠٦)). [النساء: ١٠٥ - ١٠٦].
(إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) يقول تعالى مخاطباً لرسوله محمد ﷺ (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ)
• المراد بالكتاب القرآن وسمي القرآن كتاباً:
أولاً: لأنه مكتوب في اللوح المحفوظ: كما قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ. فِي لَوْحٍ مَحْفُوظٍ).
ثانياً: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدي الملائكة: قال تعالى (فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ. فِي صُحُفٍ مُكَرَّمَةٍ. مَرْفُوعَةٍ مُطَهَّرَةٍ بِأَيْدِي سَفَرَةٍ).
ثالثاً: لأنه مكتوب في الصحف التي بأيدينا، ونقرؤه من هذه الكتب.
• من أسماء القرآن:
أولاً: الفرقان.
كما قال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً) وقال تعالى (وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ).
وسمي بذلك: قيل: لأنه يفرق بين الحق والباطل، والخير والشر، وقيل: لأنه نزل متفرقاً في حين أن سائر الكتب نزلت جملة واحدة، وقيل: الفرقان هو النجاة، وذلك لأن الخلق في ظلمات الضلالات فبالقرآن وجدوا النجاة، وكل هذه الأقوال صحيحة.
ثانياً: القرآن.
كما قال تعالى (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) وقال تعالى (قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْأِنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيراً).
ثالثاً: الكتاب، كما في هذه الآية.
رابعاً: الذكر.
كما قال تعالى (وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ) وقال تعالى (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ).
стр. 1740
قال ابن جرير في وجه تسميته بالذكر: إنه محتمل معنيين:
أحدهما: أنه ذكر من الله جل ذكره، ذكّر به عباده، فعرفهم فيه حدوده وفرائضه، وسائر ما أودعه من حكمه.
والآخر: أنه ذكر وشرف وفخر لمن آمن به وصدق بما فيه، كما قال جل ثناؤه (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ) يعني أنه شرف به شرف له ولقومه.
• وقوله (بالحق) الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقاً من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن الكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق.
وكلا المعنيين صحيح، فهي حق من عند الله، وما جاءت به من الشرائع والأخبار فهو حق.
(لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) في الخصومات، وفي بيان الأحكام الشرعية.
(بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ) أي: بما أراك الله من الآيات البينات في كتابه الكريم، وبما أفهمك من استنباط لبعض الأحكام من الآيات، مما ليس فيه نص صريح.
روي عن عمر أنه قال: لا يقولن أحدكم قضيت بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه ﷺ ، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله ﷺ مصيب، لأن الله يريه إياه وهو منا الظن والتكلف.
وقال ابن عباس: إياكم والرأي، قال الله تعالى لنبيه ﷺ (لتحكم بين الناس بما أراك الله) ولم يقل بما رأيت.
• قال القرطبي: معناه على قوانين الشرع؛ إمّا بوَحْيٍ ونَص، أو بنظر جارٍ على سنن الوَحي.
وهذا أصل في القياس؛ وهو يدل على أن النبي ﷺ إذا رأى شيئاً أصاب؛ لأن الله تعالى أراه ذلك، وقد ضمن الله تعالى لأنبيائه العِصْمَة؛ فأما أحدنا إذا رأى شيئاً يظنه فلا قطع فيما رآه، ولم يُرد رؤية العين هنا؛ لأن الحكم لا يرى بالعين.
(وَلا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيماً) الواو استئنافية، والخائنين جمع خائن، والخيانة: هي الغدر في موضع الأمانة، وهي صفة ذم بكل حال، قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)، وهي من صفات المنافقين قال تعالى (وَإِنْ يُرِيدُوا خِيَانَتَكَ فَقَدْ خَانُوا اللَّهَ مِنْ قَبْلُ فَأَمْكَنَ مِنْهُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ).
والمعنى: أي: لا تكن مخاصماً لهم، ومدافعاً عنهم، بل كن عليهم خصيماً.
قال الطبري: ولا تكن لمن خان مسلماً ومعاهداً في نفسه أو ماله خصيماً تخاصم عنه، وتدفع عنه من طالبه بحقه الذي خان فيه.
• قال ابن عاشور: والخطاب للنبيء ﷺ والمراد الأمّة، لأنّ الخصام عن الخائنين لا يتوقّع من النبي ﷺ وإنّما المراد تحذير الذين دفعتهم الحميّة إلى الانتصار لأبناء أبيرق.
стр. 1741
• قال القرطبي: قال العلماء: ولا ينبغي إذا ظهر للمسلمين نفاقُ قومُ أن يُجادل فريق منهم فريقاً عنهم ليحموهم ويدفعوا
عنهم؛ فإن هذا قد وقع على عهد النبي ﷺ وفيهم نزل قوله تعالى (وَلَا تَكُنْ لِّلْخَآئِنِينَ خَصِيماً) وقوله (وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الذين يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ).
والخطاب للنبي ﷺ والمرادُ منه الذين كانوا يفعلونه من المسلمين دونه لوجهين:
أحدهما: أنه تعالى أبان ذلك بما ذكره بعدُ بقوله (هَا أَنْتُمْ هؤلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الحياة الدنيا).
والآخر: أن النبي ﷺ كان حكماً فيما بينهم، ولذلك كان يُعتَذر إليه ولا يَعتذِر هو إلى غيره، فدلّ على أن القصد لغيره.
(وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ) أي: اطلب من الله المغفرة.
• قال القرطبي: ذهب الطبري إلى أن المعنى، استغفر الله من ذنبك في خصامك للخائنين؛ فأمره بالاستغفار لما همّ بالدفع عنهم وقطع يد اليهودي، وهذا مذهب من جوّز الصغائر على الأنبياء، صلوات الله عليهم.
• قال ابن عطية: وهذا ليس بذنب؛ لأن النبي ﷺ إنما دافع على الظاهر وهو يعتقد براءتهم.
والمعنى: واستغفر الله للمذنبين من أمتك والمتخاصمين بالباطل؛ ومحلك من الناس أن تسمع من المُتَداعيينْ وتَقضي بنحو ما تَسمع، وتستغفر للمذنب.
وقيل: هو أمر بالاستغفار على طريق التسبيح، كالرجل يقول: أستغفر الله؛ على وجه التسبيح من غير أن يقصد توبة من ذنب.
وقيل: الخطاب للنبي ﷺ والمراد بنو أُبيرِق، كقوله تعالى (يا أَيُّهَا النبي اتق الله) (فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ).
стр. 1742
• قال ابن عاشور: والأمرُ باستغفار الله جرى على أسلوب توجيه الخطاب إلى الرسول، فالمراد بالأمر غيره، أرشدهم إلى ما هو أنفع لهم وهو استغفار الله ممّا اقترفوه، أو أراد: واستغفر الله للخائنين ليلهمهم إلى التوبة ببركة استغفارك لهم فذلك أجدر من دفاع المدافعين عنهم، وهذا نظير قوله (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاءوك فاستغفروا لله) وليس المراد بالأمر استغفار النبي لنفسه، كما أخطأ فيه مَن تَوهَّم ذلك، فركَّب عليه أنّ النبي ﷺ خَطر بباله مَا أوجب أمره بالاستغفار، وهو هَمُّه أن يجادل عن بني أبيرق، مع علمه بأنّهم سرقوا، خشية أن يفتضحوا، وهذا من أفهام الضعفاء وسوء وضعهم الأخبار لتأييد سقيم أفهامهم.
(إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً) يغفر السيئات مهمت عظمت.
(رَحِيماً) بعباده المؤمنين، وسعت رحمته كل شيء.
الفوائد:
١ - بيان عظمة الرب تعالى.
٢ - علو الله تعالى.
٣ - أن القرآن كلام الله غير مخلوق.
٤ - منقبة عظيمة للنبي ﷺ .
٥ - أن القرآن حق وما جاء به حق.
٦ - نهي النبي ﷺ أن يكون مخاصماً للخائنين.
٧ - وجوب استغفار الله دوماً وأبداً.
٨ - أن النبي ﷺ قد يقع منه الذنب.
٩ - كل أحد يحتاج للاستغفار.
стр. 1743
(وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَن كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (١٠٧)). [النساء: ١٠٧].
(وَلا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ) أي: لا تحاجج عن الذين يخونون أنفسهم، وسمي ذلك خيانة لأنفسهم لأن ضرر معصيتهم راجع إليهم.
• قال البقاعي: (ولا تجادل) أي في وقت ما (عن الذين يختانون) أي يتجدد منهم تعمد أن يخونوا (أنفسهم) بأن يوقعوها في الهلكة بالعصيان فيما اؤتمنوا عليه من الأمور الخفية، والتعبير بالجمع - مع أن الذي نزلت فيه الآية واحد - للتعميم وتهديد من أعانه من قومه.
• قال الرازي: وإنما قال تعالى لطعمة ولمن ذب عنهم: إنهم يختانون أنفسهم لأن من أقدم على المعصية قفد حرم نفسه الثواب وأوصلها إلى العقاب، فكان ذلك منه خيانة مع نفسه، ولهذا المعنى يقال لمن ظلم غيره: إنه ظلم نفسه.
• قال ابن عاشور: والخطاب في قوله (ولا تجادل) للرسول، والمراد نهي الأمّة عن ذلك، لأنّ مثله لا يترقّب صدوره من الرسول ﵊ كما دلّ عليه قوله تعالى (ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا).
• قوله تعالى (ولا تجادل .. ) المجادلة: مماراة الخصم من أجل الظهور عليه، قال الشوكاني: مأخوذة من الجدل وهو فتل الحبل وإحكامه، لأن المجادل يحكم حجته، وإما من الجَدَالة وهي الأرض، لأن كل واحد من الخصمين يريد أن يلقي صاحبه عليها.
• وفي الآية تحريم العمل بالمحاماة للدفاع عن الظلمة.
وقد قال تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الْأِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).
(إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّاناً أَثِيماً) الخوان: كثير الخيانة، والإثيم: كثير الإثم.
• قال الرازي: إن قيل: لم قال (خَوَّاناً أثيماً) مع أن الصادر عنه خيانة واحدة وإثم واحد.
стр. 1744
قلنا: علم الله تعالى أنه كان في طبع ذلك الرجل الخيانة الكثيرة والإثم الكثير، فذكر اللفظ الدال على المبالغة بسبب ما كان في طبعه من الميل إلى ذلك، ويدل عليه ما رويناه أنه بعد هذه الواقعة هرب إلى مكة وارتد ونقب حائط إنسان لأجل السرقة فسقط الحائط عليه ومات، ومن كان خاتمته كذلك لم يشك في خيانته، وأيضاً طلب من النبي ﵊ أن يدفع السرقة عنه ويلحقها باليهودي، وهذا يبطل رسالة الرسول، ومن حاول إبطال رسالة الرسول وأراد إظهار كذبه فقد كفر، فلهذا المعنى وصفه الله بالمبالغة في الخيانة والإثم.
وقيل: إذا عثرت من رجل على سيئة فاعلم أن لها أخوات.
• وقال القرطبي: وخوّاناً أبلغ؛ لأنه من أبنية المبالغة؛ وإنما كان ذلك لعظم قدر تلك الخيانة.
الفوائد:
١ - النهي عن معاونة الآثم.
٢ - أن الخائن لغيره خائن في الحقيقة لنفسه.
٣ - إثبات محبة الله.
٤ - أن الخيانة من كبائر الذنوب.
٥ - التحذير من الخيانة.
стр. 1745
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لَا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (١٠٨) هَاأَنتُمْ هَؤُلاء جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَمَن يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَم مَّن يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً (١٠٩)). [النساء: ١٠٧ - ١٠٩].
(يَسْتَخْفُونَ مِنَ النَّاسِ وَلا يَسْتَخْفُونَ مِنَ اللَّهِ وَهُوَ مَعَهُمْ) هذا إنكار على المنافقين في كونهم يستخفون بقبائحهم من الناس لئلا ينكروا عليهم، ويجاهرون الله بها، لأنه مطلع على سرائرهم وعالم بما في ضمائرهم، ولهذا قال (وَهُوَ مَعَهُمْ).
(إِذْ يُبَيِّتُونَ مَا لا يَرْضَى مِنَ الْقَوْلِ) أي: يديرون الرأي بينهم في الخفاء من رمي البريء وشهادة الزور والحلف الكاذب.
والذي لا يرضاه الله من القول هو أن طعمة قال: أرمي اليهودي بأنه هو الذي سرق الدرع وأحلف أني لم أسرقها، فيقبل الرسول يميني لأني على دينه ولا يقبل يمين اليهودي.
• سماه تبييتاً لأن الغالب أن تكون إدارة الرأي بالليل.
• قال السعدي: وهذا من ضعف الإيمان، ونقصان اليقين، أن تكون مخافة الخلق عندهم أعظم من مخافة الله، فيحرصون بالطرق المباحة والمحرمة على عدم الفضيحة عند الناس، وهم مع ذلك قد بارزوا الله بالعظائم، ولم يبالوا بنظره واطلاعه عليهم.
وهو معهم بالعلم في جميع أحوالهم، خصوصًا في حال تبييتهم ما لا يرضيه من القول، من تبرئة الجاني، ورمي البريء بالجناية، والسعي في ذلك للرسول ﷺ ليفعل ما بيتوه.
فقد جمعوا بين عدة جنايات، ولم يراقبوا رب الأرض والسماوات، المطلع على سرائرهم وضمائرهم.
(وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطاً) تهديد ووعيد لهم.
(هَا أَنْتُمْ هَؤُلاءِ جَادَلْتُمْ عَنْهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ها أنتم يا معشر القوم دافعتم عن السارق والخائنين في الدنيا.
(فَمَنْ يُجَادِلُ اللَّهَ عَنْهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: فماذا يكون صنيعهم يوم القيامة بين يدي الله، الذي يعلم السر وأخفى؟ ومن ذا الذي يتوكل لهم يومئذ في ترويج دعواهم؟ أي: لا أحد يكون يؤمئذ لهم وكيلاً، ولهذا قال:
(أَمْ مَنْ يَكُونُ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً) أي: من يتولى الدفاع عنهم ونصرتهم من بأس الله وانتقامه؟
• قال السعدي: وفي هذه الآية إرشاد إلى المقابلة بين ما يتوهم من مصالح الدنيا المترتبة على ترك أوامر الله أو فعل مناهيه، وبين ما يفوت من ثواب الآخرة أو يحصل من عقوباتها.
فيقول من أمرته نفسه بترك أمر الله ها أنت تركت أمره كسلاً وتفريطاً فما النفع الذي انتفعت به؟ وماذا فاتك من ثواب الآخرة؟ وماذا ترتب على هذا الترك من الشقاء والحرمان والخيبة والخسران؟
стр. 1746
وكذلك إذا دعته نفسه إلى ما تشتهيه من الشهوات المحرمة قال لها: هبك فعلت ما اشتهيت، فإن لذته تنقضي ويعقبها من الهموم والغموم والحسرات، وفوات الثواب وحصول العقاب، ما بعضه يكفي العاقل في الإحجام عنها، وهذا من أعظم ما ينفع العبدَ تدبرُه، وهو خاصة العقل الحقيقي. بخلاف الذي يدعي العقل، وليس كذلك، فإنه بجهله وظلمه يؤثر اللذة الحاضرة والراحة الراهنة، ولو ترتب عليها ما ترتب. والله المستعان. (تفسير السعدي).
الفوائد:
١ - ذم من يخشى الناس أكثر من خشية الله.
٢ - إثبات رضا الله تعالى.
٣ - إثبات معية الله تعالى.
٤ - إحاطة الله بكل شيء.
٥ - تهديد للخونة.
٦ - تهديد من يخون بلقاء الله يوم القيامة.
٧ - أن يوم القيامة لا أحد ينفع أو يدافع عن أحد.
٨ - أن الناس في الدنيا قد يتناصرون بالباطل.
٩ - إثبات يوم القيامة.
(السبت: ١٧/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1747
(وَمَن يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١١٠) وَمَن يَكْسِبْ إِثْمًا فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (١١١) وَمَن يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْمًا ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئًا فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا (١١٢)). [النساء: ١١٠ - ١١٢].
(وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءاً أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ) أحسنُ ما قيل في تفسير هذه الآية: أنّ عمل السوء أريد به عمل السوء مع الناس، وهو الاعتداء على حقوقهم، وأنّ ظلم النفس هو المعاصي الراجعة إلى مخالفة المرء في أحواله الخاصّة ما أمر به أو نُهيَ عنه. (تفسير ابن عاشور).
وقيل: السوء الذنب الصغير، وظلم النفس الذنب الكبير.
وقيل: من يعمل سوءاً بذنب دون الشرك، أو يظلم نفسه بالشرك.
(ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّه) بالتوبة الصادقة ولو قبل الموت بيسير.
(يَجِدِ اللَّهَ غَفُوراً) ممحياً للزلات والهفوات.
(رَحِيماً) ومن رحمته قبول توبة عباده ومحوها.
وفي الحديث قال ﷺ (قال تعالى: من تقرب مني شبراً تقربت منه باعاً … ).
(وَمَنْ يَكْسِبْ إِثْماً) أي: ذنباً من الذنوب.
(فَإِنَّمَا يَكْسِبُهُ عَلَى نَفْسِهِ) لأن وباله راجع عليه، إذ الله له بالمرصاد، فهو مجازيه على ذلك لا محالة غير حامل لشيء من إثمه على غيره، كما أنه غير حامل لشيء من إثم غيره عليه، فليحترز عن تعريضها للعقاب والوبال، والكسب: فعل ما يجر نفعاً أو يدفع ضراً.
• قال القرطبي: لأنه عاقبته عائدة عليه.
ولما كان هذا لا يكون إلا مع العلم والحكمة قال تعالى:
(وكان الله) أي الذي له كمال الإحاطة أزلاً وأبداً.
(عليماً) أي بالغ العلم بدقيق ذلك وجليله، فلا يترك شيئاً منه.
• قال بعض العلماء: وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك.
(حكيماً) فلا يجازيه إلا بمقدار ذنبه، وإذا أراد شيئاً وضعه في أحكم مواضعه فلا يمكن غيره شيء من نقضه.
• قال أبو حيان: وختمها بصفة العلم، لأنه يعلم جميع ما يكسب، لا يغيب عنه شيء من ذلك.
ثم بصفة الحكمة، لأنه واضع الأشياء مواضعها، فيجازي على ذلك الإثم بما تقتضيه حكمته.
стр. 1748
(وَمَنْ يَكْسِبْ خَطِيئَةً أَوْ إِثْماً) ذكروا في الخطيئة والإثم وجوهاً:
الأول: أن الخطيئة هي الصغيرة، والإثم هو الكبيرة.
وثانيها: الخطيئة هي الذنب القاصر على فاعلها، والإثم هو الذنب المتعدي إلى الغير كالظلم والقتل.
وثالثها: الخطيئة ما لا ينبغي فعله سواء كان بالعمد أو بالخطأ، والإثم ما يحصل بسبب العمد.
ورابعها: هما بمعنى واحد كرر لاختلاف اللفظ تأكيداً.
• قال ابن عاشور: وذكر الخطيئة والإثمِ هنا يدلّ على أنّهما متغايران، فالمراد بالخطيئة المعصية الصغيرة، والمراد بالإثم الكبيرة.
(ثُمَّ يَرْمِ بِهِ بَرِيئاً) أي: يقذفُ بما جناه بريئاً منه.
فإن قيل: الخطيئة والإِثم اثنان، فكيف قال: به، فعنه أربعة أجوبة.
أحدها: أنه أراد: ثم يرم بهما، فاكتفى بإعادة الذكر على الإثم من إِعادته على الخطيئة، كقوله (انفضّوا إِليها) فخصّ التجارة، والمعنى للتجارة واللّهو.
والثاني: أن الهاء تعودُ على الكسب، فلما دلّ ب "يكسب" على الكسب، كنى عنه.
والثالث: أن الهاء راجعة على معنى الخطيئة والإِثم، كأنه قال: ومَن يكسب ذنباً، ثم يرم به.
ذكر هذه الأقوال ابن الأنباري.
والرابع: أن الهاء تعود على الإِثم خاصة، قاله ابن جرير الطبري. [قاله ابن الجوزي].
(فَقَدِ احْتَمَلَ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً) أي: فقد تحمّل جرماً وذنباً واضحاً.
• قال القرطبي: والبُهتان من البَهْت، وهو أن تستقبل أخاك بأن تقذفه بذنب وهو منه بريء.
стр. 1749
وروى مسلم عن أبي هريرة أن النبيّ ﷺ قال (أتدرون ما الغِيبة"؟ قالوا: الله ورسوله أعلم؛ قال: ذِكْرُك أخاك بما يكره، قيل: أفرأيت إن كان في أخي ما أقول؟ قال: إن كان فيه ما تقول فقد اغتبته وإن لم يكن فيه فقد بهته) وهذا نَصٌّ؛ فرمي البريء بهت له.
• قال ابن عاشور: ودُلّ على عظم هذا البهتان بقوله (احتمل) تمثيلاً لحال فاعله بحال عناء الحامل ثِقلاً.
الفوائد:
١ - أن من استغفر وتاب من ذنوبه تاب الله عليه.
٢ - أن فعل المعاصي ظلم للنفس.
٣ - سعة مغفرة الله ورحمته.
٤ - أن الله لا يظلم أحداً.
٥ - أن معصية العاصي تضره وحده.
٦ - علم الله بكل شيء.
٧ - تهديد من يتجرأ على المعاصي ويستمر عليها، بأن الله عليم بكل شيء.
٨ - إثبات حكمة الله الكاملة.
٩ - عظم جرم من يرم بريئاً بجرم وهو برئ منه.
стр. 1750
(وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ لَهَمَّت طَّآئِفَةٌ مُّنْهُمْ أَن يُضِلُّوكَ وَمَا يُضِلُّونَ إِلاُّ أَنفُسَهُمْ وَمَا يَضُرُّونَكَ مِن شَيْءٍ وَأَنزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيمًا (١١٣)) [النساء: ١١٣].
(وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ وَرَحْمَتُهُ) لولا: حرف امتناع لوجود، فامتنع همهم أن يضلوه لوجود فضل الله، والفضل: في الأصل هو الزيادة في العطاء، والرحمة: أعم من الفضل، فبسببها يكون الفضل، وهو حصول المطلوب وزوال المرهوب.
والمعنى: ولولا فضل الله عليك ورحمته بأن أراك وجه الصواب في هذه القصة.
(لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) أي: أضمرت وقصدت فرقة منهم - وهم قوم السارق الذين أرادوا تبرئة صاحبهم من السرقة وإلصاقها بغيره - بإضلالك ويبعدونك عن إصابة الحق في الحكم في هذه القضية.
• قال القرطبي (لَهَمَّتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَنْ يُضِلُّوكَ) عن الحق؛ لأنهم سألوا رسول الله ﷺ أن يبرئ ابن أُبَيرِق من التُّهمَة ويُلحقها اليهوديَّ، فتفضل الله على رسوله ﵇ بأن نبّهه على ذلك وأعلمه إياه.
(وَمَا يُضِلُّونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ) أي: وما يضلون فيما حاولوا من التلبيس على النبي ﷺ والدفاع عن صاحبهم واتهامهم غيره إلا أنفسهم في الحال والمآل، لأن ضرر ذلك عائد إليهم، حيث سعوا في تبرئة السارق حقاً واتهام غيره.
• قال القرطبي: لأنهم يعملون عمل الضالين، فوباله لهم راجع عليهم.
(وَمَا يَضُرُّونَكَ مِنْ شَيْءٍ) الخطاب للنبي ﷺ ، والمعنى: أنهم ما يمكن أن يضرونك بشيء أبداً لفضل الله عليك ورحمته بك وعصمته لك وبيانه الحق.
• قال الطبري: وما يضرك هؤلاء الذين هموا لك أن يزلُّوك عن الحق في أمر هذا الخائن من قومه وعشيرته (من شيء)، لأن الله مثبِّتك ومسدِّدك في أمورك، ومبيِّن لك أمر من سعوا في إضلالك عن الحق في أمره وأمرهم، ففاضِحُه وإياهم.
• قال ابن الجوزي: فإن قيل: كيف قال (ولولا فضل الله عليك ورحمته لهَمَّت طائفة) وقد همت بإضلاله؟
فالجواب: أنه لولا فضل الله عليك ورحمته، لظهر تأثير ما همّوا به.
(وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ) الخطاب للنبي ﷺ ، والمراد بالكتاب القرآن.
(وَالْحِكْمَةَ) قيل: السنة، كما قال تعالى (وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ لَطِيفاً خَبِيراً) وقيل: معرفة حكم واسرار الشريعة، ولا مانع من حمل الآية على المعنيين.
стр. 1751
• قال الطبري: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، يقول: ومن فضل الله عليك، يا محمد، مع سائر ما تفضَّل به عليك من نعمه، أنه أنزل عليك"الكتاب"، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء وهدًى وموعظة، والحكمة، يعني: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده.
(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) أي: من قبل نزول ذلك عليك.
كقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).
وقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ).
وقوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).
• قال الطبري: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من خبر الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائن، فكل ذلك من فضل الله عليك، يا محمد، مُذْ خلقك، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك، بالتمسك بطاعته، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته، ومخالفة من حاول إضلالك عن طريقه ومنهاج دينه.
стр. 1752
• قال ابن الجوزي: وفي قوله (وعلمك ما لم تكن تعلم) ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل، والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان، والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي.
(وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) هذا كالتوكيد لقوله (ولولا فضل الله عليك ورحمته)، والمعنى: فضل الله عليك يا محمد بالغاً غاية كبيرة جداً في العظم، لأنه فضل وعطاء من العظيم، الذي لا أعظم منه.
الفوائد:
١ - عظم فضل الله على نبيه.
٢ - من ضل وعصى فإنما يضل على نفسه.
٣ - أن القرآن منزل.
٤ - إثبات علو الله تعالى.
٥ - من نعم الله على نبيه إنزال الكتاب والحكمة.
٦ - فضل العلم.
٧ - أن الإنسان يشرف بالعلم.
стр. 1753
(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)). [النساء: ١١٤].
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) أي: في كلام الناس.
• قال السعدي: أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه.
• قال ابن عاشور: علم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع.
(إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي: إلا نجوى من قال ذلك.
الأولى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ: أي: أمر غيره بالصدقة.
بصدقة: بتنيكر صدقة: لتشمل الصدقة القليلة والكثيرة، والواجب والمستحب منها.
والمراد بالصدقة هنا: الإحسان بالمال، لأن الله ذكر (المعروف) بعدها.
الثانية: أَوْ مَعْرُوفٍ: أي: أو أمر بمعروف.
قال الطبري: والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير.
الثالثة: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ: أي: أو أمر بإصلاح بين الناس.
الإصلاح بين الناس: إزالة الفساد والقضاء على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم وفض خصوماتهم وإنهاؤها
ومعنى الآية: لا خير في كثير مما يتناجى فيه الناس إلا ما كان من أعمال الخير، وذَكَر الله منها هذه الأقسام الثلاثة.
• وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى.
стр. 1754
وفي الخبر: " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكرٍ لله تعالى " فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب.
• قال الرازي: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس.
• قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه.
ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون).
وقوله في هذه الآية الكريمة (أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ الناس) لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا.
ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى (إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ). وقوله (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَ) فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى (فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ).
• قال بعض العلماء: وخص الصدقة والإصلاح بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذاناً بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني: من إزالة فساد ذات البين وهي الحالقة للدين كما في الخبر، قال رسول الله ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين).
стр. 1755
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله ؟
(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) أي: ثواباً كثيراً واسعاً.
• قال الطبري: فسوف نعطيه جزاء لما فعل من ذلك عظيماً، ولا حدّ لمبلغ ما سمى الله - عظيماً - يعلمه سواه.
• قال البقاعي: وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد
• قال السعدي: فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.
• في الآية فضل الصدقة. وللصدقة فضائل كثيرة منها:
أولاً: أنها برهان على صحة الإيمان.
كما في قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم.
قال ابن رجب: وأما الصدقة فهي برهان، … فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان.
ثانياً: أنها تطهير للنفس.
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).
ثالثاً: أنها تغفر الذنوب.
قال ﷺ (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الصدقة تزيد المال.
قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.
следующие страницы →