Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1751–1790 · переход к 1756.
стр. 1751
• قال الطبري: وأنزل الله عليك الكتاب والحكمة، يقول: ومن فضل الله عليك، يا محمد، مع سائر ما تفضَّل به عليك من نعمه، أنه أنزل عليك"الكتاب"، وهو القرآن الذي فيه بيان كل شيء وهدًى وموعظة، والحكمة، يعني: وأنزل عليك مع الكتاب الحكمة، وهي ما كان في الكتاب مجملا ذكره، من حلاله وحرامه، وأمره ونهيه، وأحكامه، ووعده ووعيده.
(وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) أي: من قبل نزول ذلك عليك.
كقوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنَا مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُوراً نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ
عِبَادِنَا وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
وقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ).
وقوله تعالى (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ فَلا تَكُونَنَّ ظَهِيراً لِلْكَافِرِينَ).
وقوله تعالى (وَوَجَدَكَ ضَالاً فَهَدَى) وقوله تعالى (نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ بِمَا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ هَذَا الْقُرْآنَ وَإِنْ كُنْتَ مِنْ قَبْلِهِ لَمِنَ الْغَافِلِينَ).
• قال الطبري: (وَعَلَّمَكَ مَا لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُ) من خبر الأولين والآخرين، وما كان وما هو كائن، فكل ذلك من فضل الله عليك، يا محمد، مُذْ خلقك، فاشكره على ما أولاك من إحسانه إليك، بالتمسك بطاعته، والمسارعة إلى رضاه ومحبته، ولزوم العمل بما أنزل إليك في كتابه وحكمته، ومخالفة من حاول إضلالك عن طريقه ومنهاج دينه.
стр. 1752
• قال ابن الجوزي: وفي قوله (وعلمك ما لم تكن تعلم) ثلاثة أقوال. أحدها: أنه الشرع، قاله ابن عباس ومقاتل، والثاني: أخبار الأولين والآخرين، قاله أبو سليمان، والثالث: الكتاب والحكمة، ذكره الماوردي.
(وَكَانَ فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكَ عَظِيماً) هذا كالتوكيد لقوله (ولولا فضل الله عليك ورحمته)، والمعنى: فضل الله عليك يا محمد بالغاً غاية كبيرة جداً في العظم، لأنه فضل وعطاء من العظيم، الذي لا أعظم منه.
الفوائد:
١ - عظم فضل الله على نبيه.
٢ - من ضل وعصى فإنما يضل على نفسه.
٣ - أن القرآن منزل.
٤ - إثبات علو الله تعالى.
٥ - من نعم الله على نبيه إنزال الكتاب والحكمة.
٦ - فضل العلم.
٧ - أن الإنسان يشرف بالعلم.
стр. 1753
(لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا (١١٤)). [النساء: ١١٤].
(لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ) أي: في كلام الناس.
• قال السعدي: أي: لا خير في كثير مما يتناجى به الناس ويتخاطبون، وإذا لم يكن فيه خير، فإما لا فائدة فيه كفضول الكلام المباح، وإما شر ومضرة محضة كالكلام المحرم بجميع أنواعه.
• قال ابن عاشور: علم من مفهوم الصفة أنّ قليلاً من نجواهم فيه خير، إذ لا يخلو حديث الناس من تناج فيما فيه نفع.
(إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ) أي: إلا نجوى من قال ذلك.
الأولى: إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ: أي: أمر غيره بالصدقة.
بصدقة: بتنيكر صدقة: لتشمل الصدقة القليلة والكثيرة، والواجب والمستحب منها.
والمراد بالصدقة هنا: الإحسان بالمال، لأن الله ذكر (المعروف) بعدها.
الثانية: أَوْ مَعْرُوفٍ: أي: أو أمر بمعروف.
قال الطبري: والمعروف هو كل ما أمر الله به أو ندب إليه من أعمال البر والخير.
الثالثة: أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ: أي: أو أمر بإصلاح بين الناس.
الإصلاح بين الناس: إزالة الفساد والقضاء على أسباب الفرقة والاختلاف بينهم وفض خصوماتهم وإنهاؤها
ومعنى الآية: لا خير في كثير مما يتناجى فيه الناس إلا ما كان من أعمال الخير، وذَكَر الله منها هذه الأقسام الثلاثة.
• وهذا عام في الدماء والأموال والأعراض، وفي كل شيء يقع التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين، وفي كل كلام يراد به وجه الله تعالى.
стр. 1754
وفي الخبر: " كلام ابن آدم كله عليه لا له إلا ما كان من أمر بمعروف أو نهى عن منكر أو ذكرٍ لله تعالى " فأما من طلب الرياء والترؤس فلا ينال الثواب.
• قال الرازي: هذه الآية وإن نزلت في مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث إلا ما كان من أعمال الخير، ثم إنه تعالى ذكر من أعمال الخير ثلاثة أنواع: الأمر بالصدقة، والأمر بالمعروف، والاصلاح بين الناس.
• قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من مناجاة الناس فيما بينهم لا خير فيه.
ونهى في موضع آخر عن التناجي بما لا خير فيه، وبين أنه من الشيطان ليحزن به المؤمنين وهو قوله تعالى (ياأيها الذين آمنوا إِذَا تَنَاجَيْتُمْ فَلَا تَتَنَاجَوْاْ بالإثم والعدوان وَمَعْصِيَةِ الرسول وَتَنَاجَوْاْ بالبر والتقوى واتقوا الله الذي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ إِنَّمَا النجوى مِنَ الشيطان لِيَحْزُنَ الذين آمَنُواْ وَلَيْسَ بِضَآرِّهِمْ شَيْئاً إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَعَلَى الله فَلْيَتَوَكَّلِ المؤمنون).
وقوله في هذه الآية الكريمة (أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ الناس) لم يبين هنا هل المراد بالناس المسلمون دون الكفار أو لا.
ولكنه أشار في مواضع أخر أن المراد بالناس المرغب في الإصلاح بينهم هنا المسلمون خاصة كقوله تعالى (إِنَّمَا المؤمنون إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ). وقوله (وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَ) فتخصيصه المؤمنين بالذكر يدل على أن غيرهم ليس كذلك كما هو ظاهر، وكقوله تعالى (فاتقوا الله وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بِيْنِكُمْ).
• قال بعض العلماء: وخص الصدقة والإصلاح بين الناس بالذكر من بين ما شمله هذا العام إيذاناً بالاعتناء بهما لما في الأول: من بذل المال الذي هو شقيق الروح، وما في الثاني: من إزالة فساد ذات البين وهي الحالقة للدين كما في الخبر، قال رسول الله ﷺ (ألا أخبركم بأفضل من درجة الصيام والصلاة والصدقة؟ قالوا: بلى قال: إصلاح ذات البين).
стр. 1755
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: مخلصاً في ذلك محتسباً ثواب ذلك عند الله ؟
(فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً) أي: ثواباً كثيراً واسعاً.
• قال الطبري: فسوف نعطيه جزاء لما فعل من ذلك عظيماً، ولا حدّ لمبلغ ما سمى الله - عظيماً - يعلمه سواه.
• قال البقاعي: وهذه الآية من أعظم الدلائل على أن المطلوب من أعمال الظاهر رعاية أحوال القلب في إخلاص النية، وتصفية الداعية عن الالتفات إلى غرض دنيوي، فإن كان رياء انقلبت فصارت من أعظم المفاسد
• قال السعدي: فلهذا ينبغي للعبد أن يقصد وجه الله تعالى ويخلص العمل لله في كل وقت وفي كل جزء من أجزاء الخير، ليحصل له بذلك الأجر العظيم، وليتعود الإخلاص فيكون من المخلصين، وليتم له الأجر، سواء تم مقصوده أم لا لأن النية حصلت واقترن بها ما يمكن من العمل.
• في الآية فضل الصدقة. وللصدقة فضائل كثيرة منها:
أولاً: أنها برهان على صحة الإيمان.
كما في قال ﷺ (والصدقة برهان) رواه مسلم.
قال ابن رجب: وأما الصدقة فهي برهان، … فكذلك الصدقة برهان على صحة الإيمان.
ثانياً: أنها تطهير للنفس.
قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ).
ثالثاً: أنها تغفر الذنوب.
قال ﷺ (والصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار) رواه الترمذي.
رابعاً: أن الصدقة تزيد المال.
قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال) رواه مسلم.
стр. 1756
خامساً: أنها تظلل صاحبها يوم القيامة.
قال ﷺ (العبد في ظل صدقته يوم القيامة) رواه أحمد.
وقال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله: … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه).
سادساً: أنها وقاية النار.
قال ﷺ (اتقوا النار ولو بشق تمرة) متفق عليه.
وقال ﷺ للنساء (يَا مَعْشَرَ النِّسَاءِ تَصَدَّقْنَ وَأَكْثِرْنَ الاِسْتِغْفَارَ فَإِنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ) متفق عليه.
سابعاً: دعاء الملائكة.
كما قال ﷺ (ما من صباح إلا وينزل ملكا: يقول أحدهما اللهم أعط منفقاً خلفاً ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه
ثامناً: أن فيها علاجاً من الأمراض.
روي عنه ﷺ أنه قال (داووا مرضاكم بالصدقة).
قال ابن شقيق (سمعت ابن المبارك وسأله رجل: عن قرحةٍ خرجت في ركبته منذ سبع سنين، وقد عالجها بأنواع العلاج، وسأل الأطباء فلم ينتفع به، فقال: اذهب فأحفر بئراً في مكان حاجة إلى الماء، فإني أرجو أن ينبع هناك عين ويمسك عنك الدم، ففعل الرجل فبراً).
تاسعاً: أن الله يدفع بالصدقة أنواعاً من البلاء.
كما في وصية يحيى ﵇ لبني إسرائيل (وآمركم بالصدقة، فإن مثل ذلك رجل أسره العدو فأوثقوا يده إلى عنقه، وقدموه ليضربوا عنقه فقال: أنا أفتدي منكم بالقليل والكثير، ففدى نفسه منهم).
فالصدقة لها تأثير عجيب في دفع أنواع البلاء ولو كانت من فاجرٍ أو ظالمٍ، بل من كافر، فإن الله تعالى يدفع بها أنواعاً من البلاء، وهذا أمر معلوم عند الناس خاصتهم وعامتهم وأهل الأرض مقرون به لأنهم قد جربوه. (الوابل الصيب).
عاشراً: أنه لا يبقى لصاحب المال من ماله إلا ما تصدق به.
كما في قوله تعالى (ومَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُم).
ولما سأل النبي ﷺ عائشة عن الشاة التي ذبحوها ما بقى منها: قالت: ما بقى منها إلا كتفها، قال (بقي كلها غير كتفها) رواه الترمذي.
الحادي عشر: أن يضاعف للمتصدق أجره.
كما في قوله (إنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقَاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضَاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيم).
وقال تعالى (مَن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافاً كَثِيرَةً وَاللّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُون).
وقال تعالى (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ).
стр. 1757
وقال ﷺ (إن الله يربي الصدقة كما يربي أحدكم فلوه) متفق عليه.
عن أبي هُرَيْرَةَ قال. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَا تَصَدَّقَ أَحَدٌ بِصَدَقَةٍ مِنْ طَيِّبٍ - وَلَا يَقْبَلُ اللَّهُ إِلاَّ الطَّيِّبَ - إِلاَّ أَخَذَهَا الرَّحْمَنُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كَانَتْ تَمْرَةً فَتَرْبُو فِي كَفِّ الرَّحْمَنِ حَتَّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الْجَبَلِ كَمَا يُرَبِّى أَحَدُكُمْ فَلُوَّهُ أَوْ فَصِيلَهُ) متفق عليه.
الثاني عشر: أن فيها انشراحاً للصدر.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (مَثَلَ الْبَخِيلِ وَالْمُتَصَدِّقِ كَمَثَلِ رَجُلَيْنِ عَلَيْهِمَا جُنَّتَانِ مِنْ حَدِيدٍ قَدِ اضْطُرَّتْ أَيْدِيهِمَا إِلَى ثُدَيِّهِمَا وَتَرَاقِيهِمَا، فَجَعَلَ الْمُتَصَدِّقُ كُلَّمَا تَصَدَّقَ بِصَدَقَةٍ انْبَسَطَتْ عَنْهُ حَتَّى تُغَشِّىَ أَنَامِلَهُ وَتَعْفُوَ أَثَرَهُ وَجَعَلَ الْبَخِيلُ كُلَّمَا هَمَّ بِصَدَقَةٍ قَلَصَتْ وَأَخَذَتْ كُلُّ حَلْقَةٍ مَكَانَهَا) متفق عليه.
فالمتصدق كلما تصدق بصدقة انشرح لها قلبه، وانفسح بها صدره، فهو بمنزلة اتساع تلك الجبة عليه، فكلمَّا تصدَّق اتسع وانفسح وانشرح، وقوي فرحه، وعظم سروره، ولو لم يكن في الصَّدقة إلا هذه الفائدة وحدها لكان العبدُ حقيقياً بالاستكثار منها والمبادرة إليها وقد قال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُون).
الثالث عشر: الفضل الكبير.
стр. 1758
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَال (بَيْنَا رَجُلٌ بِفَلَاةٍ مِنَ الأَرْضِ فَسَمِعَ صَوْتاً فِي سَحَابَةٍ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ. فَتَنَحَّى ذَلِكَ السَّحَابُ فَأَفْرَغَ مَاءَهُ فِي حَرَّةٍ فَإِذَا شَرْجَةٌ مِنْ تِلْكَ الشِّرَاجِ قَدِ اسْتَوْعَبَتْ ذَلِكَ الْمَاءَ كُلَّهُ فَتَتَبَّعَ الْمَاءَ فَإِذَا رَجُلٌ قَائِمٌ فِي حَدِيقَتِهِ يُحَوِّلُ الْمَاءَ بِمِسْحَاتِهِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ مَا اسْمُكَ قَالَ فُلَانٌ. لِلاِسْمِ الَّذِي سَمِعَ فِي السَّحَابَةِ فَقَالَ لَهُ يَا عَبْدَ اللَّهِ لِمَ تَسْأَلُنِي عَنِ اسْمِي فَقَالَ إِنِّي سَمِعْتُ صَوْتاً فِي السَّحَابِ الَّذِي هَذَا مَاؤُهُ يَقُولُ اسْقِ حَدِيقَةَ فُلَانٍ لاِسْمِكَ فَمَا تَصْنَعُ فِيهَا قَالَ أَمَّا إِذَا قُلْتَ هَذَا فَإِنِّي أَنْظُرُ إِلَى مَا يَخْرُجُ مِنْهَا فَأَتَصَدَّقُ بِثُلُثِهِ وَآكُلُ أَنَا وَعِيَالي ثُلُثاً وَأَرُدُّ فِيهَا ثُلُثَه) رواه مسلم.
الرابع: صاحب الصدقة موعود بالخلف.
كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ) أي يخلفه عليكم في الدنيا بالبذل، وفي الآخرة بالجزاء والثواب.
• أفضل وقت للصدقة: وقت الصحة والقوة.
عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (أَتَى رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ الصَّدَقَةِ أَعْظَمُ فَقَالَ: أَنْ تَصَدَّقَ وَأَنْتَ صَحِيحٌ شَحِيحٌ تَخْشَى الْفَقْرَ وَتَأْمُلُ الْغِنَى وَلَا تُمْهِلْ حَتَّى إِذَا بَلَغَتِ الْحُلْقُومَ قُلْتَ لِفُلَانٍ كَذَا وَلِفُلَانٍ كَذَا أَلَا وَقَدْ كَانَ لِفُلَان) متفق عليه.
قال النووي ﵀: قَالَ الخطابي: فَمَعْنَى الْحَدِيث أَنَّ الشُّحّ غَالِب فِي حَال الصِّحَّة، فَإِذَا شَحّ فِيهَا وَتَصَدَّقَ كَانَ أَصْدَقَ فِي نِيَّته وَأَعْظَم لأَجْرِهِ، بِخِلَافِ مَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْمَوْت وَآيَسَ مِنْ الْحَيَاة وَرَأَى مَصِير الْمَال لِغَيْرِهِ فَإِنَّ صَدَقَته حِينَئِذٍ نَاقِصَة بِالنِّسْبَةِ إِلَى حَالَة الصِّحَّة، وَالشُّحّ رَجَاء الْبَقَاء وَخَوْف الْفَقْر .. فَلَيْسَ لَهُ فِي وَصِيَّته كَبِير ثَوَاب بِالنِّسْبَةِ إِلَى صَدَقَة الصَّحِيح الشَّحِيح.
وقال الحافظ ابن حجر ﵀: وَفِي الْحَدِيث أَنَّ تَنْجِيز وَفَاء الدَّيْن وَالتَّصَدُّق فِي الْحَيَاة وَفِي الصِّحَّة أَفْضَل مِنْهُ بَعْد الْمَوْت وَفِي الْمَرَض، وَأَشَارَ ﷺ إِلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: " وَأَنْتَ صَحِيح حَرِيص تَأْمُل الْغِنَى الخ " لأَنَّهُ فِي حَال الصِّحَّة يَصْعُب عَلَيْهِ إِخْرَاج الْمَال غَالِبًا لِمَا يُخَوِّفهُ بِهِ الشَّيْطَان وَيُزَيِّن لَهُ مِنْ إِمْكَان طُول الْعُمْر وَالْحَاجَة إِلَى الْمَال كَمَا قَالَ تَعَالَى (الشَّيْطَان يَعِدكُمْ الْفَقْر) الآيَة.
стр. 1759
وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيّ بِإِسْنَادٍ حَسَن وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء مَرْفُوعًا قَالَ: مَثَل الَّذِي يُعْتِق وَيَتَصَدَّق عِنْد مَوْته مِثْل الَّذِي يُهْدِي إِذَا شَبِعَ "، وَهُوَ يَرْجِع إِلَى مَعْنَى حَدِيث الْبَاب.
وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ وَصَحَّحَهُ اِبْن حِبَّانَ مِنْ حَدِيث أَبِي سَعِيد الْخُدْرِيِّ مَرْفُوعًا " لأَنْ يَتَصَدَّق الرَّجُل فِي حَيَاته وَصِحَّته بِدِرْهَمٍ خَيْر لَهُ مِنْ أَنْ يَتَصَدَّق عِنْد مَوْته بِمِائَة.
فائدة:
قال السمرقندي: عليك بالصدقة بما قلّ أو كثر، فإن في الصدقة عشر خصال محمودة خمس في الدنيا وخمس في الآخرة:
أما التي في الدنيا:
فأولها: تطهير المال كما قال النبي ﷺ (ألا إن البيع يحضره اللغو والحلف والكذب، فشوبوه بالصدقة).
والثاني: أن فيها تطهير البدن من الذنوب، كما قال الله تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ … ).
والثالث: أن فيها دفع البلاء والأمراض، كما قال النبي ﷺ (داووا مرضاكم بالصدقة).
والرابع: أن فيها إدخال السرور على المساكين، وأفضل الأعمال إدخال السرور على المؤمنين.
والخامس: أن فيها بركة في المال وسعة في الرزق، كما قال تعالى (ومَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ).
وأما الخمس التي في الآخرة:
فأولها: أن تكون الصدقة ظلاً لصاحبها في شدة الحر.
والثاني: أن فيها خفة الحساب.
والثالث: أنها تثقل الميزان.
والرابع: جواز على الصراط.
والخامس: زيادة الدرجات في الجنة.
• وفي الآية الحث على فعل المعروف بأنواعه.
стр. 1760
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ارْكَعُوا وَاسْجُدُوا وَاعْبُدُوا رَبَّكُمْ وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال تعالى (وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
قال ﷺ (لا تحقرن من المعروف شيئاً ولو أن تلقى أخاك بوجه طلق).
وقال ﷺ (مامن مسلم يغرس غرساً أو يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان … ).
وقال ﷺ (كل معروف صدقة).
قال الضحاك في قوله تعالى (إنا نراك من المحسنين) - في قصة يوسف ﵇ كان إحسانه إذا مرض رجل في السجن قام عليه، وإذا ضاق عليه المكان وسع له إذا احتاج جمع سأل له.
وقيل لابن المنكدر أي الأعمال أفضل؟ قال: إدخال السرور على المؤمن. قيل أي الدنيا أحب إليك؟ قال الإفضال على الإخوان، أي التفضل عليهم والقيام بخدمتهم.
وقال وهب بن منبه: إن أحسن الناس عيشاً من حسن عيش الناس في عيشه وإن من ألذ اللذة الإفضال على الإخوان.
• ثمرات فعل المعروف:
أولاً: صرف البلاء.
قال ﷺ (من يسر على معسر يسر الله عليه في الدنيا والآخرة) رواه مسلم.
وقال خديجة للنبي ﷺ لما جاءها وهو يقول زملوني قالت (كلا والله لا يخزيك الله، إنك لتصل الرحم، وتحمل الكلّ، وتكسب المعدوم، وتقري الضيف، وتعين على نوائب الحق).
وفي الحديث (صنائع المعروف تقي مصارع السوء) رواه الطبراني.
ثانياً: دخول الجنة.
قال ﷺ (لَقدْ رَأيْتُ رَجُلاً يَتَقَلَّبُ في الجَنَّةِ في شَجَرَةٍ قَطَعَهَا مِنْ ظَهْرِ الطَرِيقِ كَانَتْ تُؤذِي المُسْلِمِين) رواه مسلم.
стр. 1761
ثالثاً: مغفرة الذنوب والنجاة من أهوال الآخرة.
وعن أَبي هريرة ﵁: أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ قَال (كَانَ رَجُلٌ يُدَايِنُ النَّاسَ، وَكَانَ يَقُولُ لِفَتَاهُ: إِذَا أَتَيْتَ مُعْسِراً فَتَجَاوَزْ عَنْهُ، لَعَلَّ اللهَ أنْ يَتَجَاوَزَ عَنَّا، فَلَقِيَ اللهَ فَتَجَاوَزَ عَنْه) متفقٌ عَلَيْهِ.
وقال ﷺ (بَينَما رَجُلٌ يَمشي بِطَريقٍ اشْتَدَّ عَلَيهِ العَطَشُ، فَوَجَدَ بِئراً فَنَزَلَ فِيهَا فَشربَ، ثُمَّ خَرَجَ فإذَا كَلْبٌ يَلْهَثُ يأكُلُ الثَّرَى مِنَ العَطَشِ، فَقَالَ الرَّجُلُ: لَقَدْ بَلَغَ هَذَا الكَلْبُ مِنَ العَطَشِ مِثلُ الَّذِي كَانَ قَدْ بَلَغَ مِنِّي فَنَزَلَ البِئْرَ فَمَلأَ خُفَّهُ مَاءً ثُمَّ أمْسَكَهُ بفيهِ حَتَّى رَقِيَ، فَسَقَى الكَلْبَ، فَشَكَرَ الله لَهُ، فَغَفَرَ لَهُ) متفق عليه.
• آداب صنع المعروف:
وَاعْلَمْ أَنَّ لِلْمَعْرُوفِ شُرُوطًا لَا يَتِمُّ إلَّا بِهَا، وَلَا يَكْمُلُ إلَّا مَعَهَا:
• من ذلك: إخلاصه.
كما في هذه الآية.
وكما قال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً).
وقال تعالى (إِنْ تُبْدُوا الصَّدَقَاتِ فَنِعِمَّا هِيَ وَإِنْ تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاءَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَيُكَفِّرُ عَنْكُمْ مِنْ سَيِّئَاتِكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ).
وفي حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله ( … ورجل تصدق بصدقة فأخفاها … ).
• ومِنْ ذَلِكَ: سَتْرُهُ عَنْ إذَاعَةٍ يَسْتَطِيلُ لَهَا، وَإِخْفَاؤُهُ عَنْ إشَاعَةٍ يَسْتَدِلُّ بِهَا.
قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: إذَا اصْطَنَعَتْ الْمَعْرُوفَ فَاسْتُرْهُ، وَإِذَا صُنِعَ إلَيْ فَانْشُرْهُ.
عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْمَعْرُوفِ مِنْ أَقْوَى أَسْبَابِ ظُهُورِهِ، وَأَبْلَغَ دَوَاعِي نَشْرِهِ؛ لِمَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ النُّفُوسُ مِنْ إظْهَارِ مَا خُفِّي وَإِعْلَانُ مَا كُتِمَ.
• وَمِنْ شُرُوطُ الْمَعْرُوفِ: تَصْغِيرُهُ.
لِئَلَّا يَصِيرَ بِهِ مُدِلًّا بَطِرًا وَمُسْتَطِيلًا أَشِرًا.
وقَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ﵁: لَا يَتِمُّ الْمَعْرُوفُ إلَّا بِثَلَاثٍ خِصَالٍ: تَعْجِيلُهُ وَتَصْغِيرُهُ وَسَتْرُهُ، فَإِذَا عَجَّلْتَهُ هَنَّأْتَهُ، وَإِذَا صَغَّرْتَهُ عَظَّمْتَهُ، وَإِذَا سَتَرْتَهُ أَتْمَمْتَهُ.
• وَمِنْ شُرُوطِ الْمَعْرُوفِ: مُجَانَبَةُ الِامْتِنَانِ بِهِ وَتَرْكُ الْإِعْجَابِ بِفِعْلِهِ.
لِمَا فِيهِمَا مِنْ إسْقَاطِ الشُّكْرِ، وَإِحْبَاطِ الْأَجْرِ.
وَسَمِعَ ابْنُ سِيرِينَ رَجُلًا يَقُولُ لِرَجُلٍ: فَعَلْتُ إلَيْك وَفَعَلْتُ، فَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ: اُسْكُتْ فَلَا خَيْرَ فِي الْمَعْرُوفِ إذَا أُحْصِيَ.
стр. 1762
وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ: الْمَنُّ مَفْسَدَةُ الصَّنِيعَةِ.
وَقَالَ بَعْضُ الْأُدَبَاءِ: كَدَّرَ مَعْرُوفًا امْتِنَانٌ وَضَيَّعَ حَسَبًا امْتِهَانٌ.
وَقَالَ بَعْضُ الْبُلَغَاءِ: مَنْ مَنَّ بِمَعْرُوفِهِ أَسْقَطَ شُكْرِهِ، وَمَنْ أُعْجِبَ بِعَمَلِهِ أُحْبِطَ أَجْرُهُ.
• وَمِنْ شُرُوطِ الْمَعْرُوفِ: أَنْ لَا يَحْتَقِرَ مِنْهُ شَيْئًا.
وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا نَزْرًا إذَا كَانَ الْكَثِيرُ مَعُوزًا وَكُنْت عَنْهُ عَاجِزًا، فَإِنَّ مَنْ حَقَّرَ يَسِيرَهُ فَمَنَعَ مِنْهُ أَعْجَزَهُ كَثِيرُهُ فَامْتَنَعَ عَنْهُ، وَفِعْلُ قَلِيلِ الْخَيْرِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ.
• شكر صاحب المعروف.
قال ﷺ (من لا يشكر الناس لا يشكر الله).
وقال ﷺ (من صنع إليكم معروفاً فكافئوه).
الفوائد:
١ - أن كثيراً من كلام الناس ليس فيه خير.
٢ - فضيلة الصدقة.
٣ - حث الإنسان على فعل المعروف.
٤ - فضل الإصلاح بين الناس.
٥ - وجوب الإخلاص في جميع الإعمال.
٦ - عظم ثواب من فعل ذلك ابتغاء وجه الله.
стр. 1763
(وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا (١١٥)). [النساء: ١١٥].
(وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ) أي: ومن سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول ﷺ ، فصار في شق والشرع في شق.
• والمشاقة: هي المخالفة والمحادة والمعاداة، مأخوذة من الشق وهو الجانب، لأن المشاق يأخذ جانباً غير جانب صاحبه، أو يفعل ما يشق على صاحبه.
(مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَى) أي: من بعد ما ظهر له الحق وتبين واتضح له، بالدلائل القرآنية، والبراهين النبوية.
(وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: ويتبع ويسلك في منهجه طريقاً مغايراً ومخالفاً لطريق المؤمنين.
(نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى) أي: نتخلى عنه ونتركه وشأنه، ونكله إلى ما تولى فيهلك، لأن من تعلق شيئاً وكل إليه.
• قال ابن كثير: ولهذا توعد تعالى على ذلك بقوله (نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيراً) أي: إذا سلك هذه الطريق جازيناه على ذلك، بأن نحسنها في صدره ونزينها له - استدراجاً له - كما قال تعالى (فَذَرْنِي وَمَنْ يُكَذِّبُ بِهَذَا الْحَدِيثِ سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ) وقوله تعالى (وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
(وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ) أي: ندخله ونغمره ونحرقه فيها، وجعل النار مصيره في الآخرة، لأن من خرج عن الهدى لم يكن له طريق إلا إلى النار يوم القيامة، كما قال تعالى (احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ). وقال تعالى (وَرَأى الْمُجْرِمُونَ النَّارَ فَظَنُّوا أَنَّهُمْ مُوَاقِعُوهَا وَلَمْ يَجِدُوا عَنْهَا مَصْرِفاً).
(وَسَاءَتْ مَصِيراً) أي: قبحت جهنم مصيراً ومآلاً ومرجعاً.
• قال ابن تيمية: قال العلماء: من لم يكن متبعاً سبيلهم كان متبعاً غير سبيلهم، فاستدلوا بذلك على اتباع سبيلهم واجب، فليس لأحد أن يخرج عما أجمعوا عليه.
• وقال ﵀: فعلق الوعيد بمشاقة الرسول واتباع غير سبيل المؤمنين، مع العلم بأن مجرد مشاقة الرسول توجب الوعيد،
ولكن هما متلازمان، فلهذا علقه بهما، كما يعلقه بمعصية الله ورسوله، وهما متلازمان أيضاً.
الفوائد:
١ - تحريم مشاقة الرسول.
٢ - أن الإجماع حجة.
٣ - أن ما جاء به النبي هو الهدى والنور.
٤ - عقوبة من شاق الرسول واتبع غير سبيل المؤمنين.
стр. 1764
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (١١٦)). [النساء: ١١٦].
(إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَن يَشَاء) تقدم شرحها.
وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً بَعِيداً) أي: فقد سلك غير طريق الحق، وضل عن الهدى وبعُد عن الصواب، وأهلك نفسه وخسرها في الدنيا والآخرة، وفاتته سعادة الدنيا والآخرة.
• قال ابن عاشور: وقال في هذه (فقد ضل ضلالاً بعيداً) وإنّما قال في السابقة (فقد افترى إثماً عظيماً) لأنّ المخاطب فيها أهل الكتاب بقوله (يا أيّها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزّلنا مصدّقاً لما معكم) فنبّهوا على أنّ الشرك من قبيل الافتراء تحذيراً لهم من الافتراء وتفظيعاً لجنسه.
وأمّا في هذه الآية فالكلام موجه إلى المسلمين فنبّهوا على أنّ الشرك من الضلال تحذيراً لهم من مشاقة الرسول وأحوال المنافقين فإنها من جنس الضلال.
الفوائد:
١ - تحريم الشرك وعظم جرمه.
٢ - أن من مات على الشرك فالجنة عليه حرام.
٣ - أن الشرك أعظم الذنوب.
٤ - أن من مات على غير الشرك فإنه لا يخلد في النار.
стр. 1765
(إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ إِلاَّ إِنَاثًا وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَانًا مَّرِيدًا (١١٧) لَّعَنَهُ اللَّهُ وَقَالَ لأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا (١١٨) وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الأَنْعَامِ وَلآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَن يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِّن دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُّبِينًا (١١٩) يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا (١٢٠) أُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا (١٢١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً (١٢٢)). [النساء: ١١٧ - ١٢٢].
(إِنْ يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ إِلَّا إِنَاثاً) إن بمعنى (ما) أي: ما يدعون من دون الله إلا إناثاً.
• قال الرازي: (إن) ههنا معناه النفي ونظيره قوله تعالى (وَإِن مّنْ أَهْلِ الكتاب إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) و (يَدْعُونَ) بمعنى يعبدون لأن من عبد شيئاً فإنه يدعوه عند احتياجه إليه.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (إِن يَدْعُونَ مِن دُونِهِ) أي من دون الله (إِلاَّ إِنَاثاً)؛ نزلت في أهل مكة إذ عبدوا الأصنام.
و (إِنٍ) نافية بمعنى (مَآ)، و (إناثاً) أصناماً، يعني اللاّت والعُزَّى ومَنَاة.
• وقد اختلف العلماء في معنى ذلك:
قيل: أن المراد هو الأوثان، وكانوا يسمونها باسم الإناث كقولهم: الّلات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، واللات تأنيث الله، والعزى تأنيث العزيز.
• قال السعدي: قوله تعالى (إلا إناثاً) أي: أوثاناً وأصناما مسميات بأسماء الإناث كـ (العزى) و (مناة) ونحوهما، ومن المعلوم أن الاسم دال على المسمى. فإذا كانت أسماؤها أسماء مؤنثة ناقصة، دل ذلك على نقص المسميات بتلك الأسماء، وفقدها لصفات الكمال، كما أخبر الله تعالى في غير موضع من كتابه، أنها لا تخلق ولا ترزق ولا تدفع عن عابديها بل ولا عن نفسها؛ نفعاً ولا ضراً، ولا تنصر أنفسها ممن يريدها بسوء، وليس لها أسماع ولا أبصار ولا أفئدة، فكيف يُعبد من هذا وصفه ويترك الإخلاص لمن له الأسماء الحسنى والصفات العليا والحمد والكمال، والمجد والجلال، والعز والجمال، والرحمة والبر والإحسان، والانفراد بالخلق والتدبير، والحكمة العظيمة في الأمر والتقدير؟ " هل هذا إلا من أقبح القبيح الدال على نقص صاحبه، وبلوغه من الخسة والدناءة أدنى ما يتصوره متصور، أو يصفه واصف؟
ومع ذلك فعبادتهم إنما صورتها فقط لهذه الأوثان الناقصة
وقيل: إناثاً: أي إلا أمواتاً لا روح فيها.
стр. 1766
وفي تسمية الأموت إناثاً وجهان: الأول: أن الأخبار عن الموات يكون على صيغة الأخبار عن الأنثى، تقول: هذه الأحجار تعجبني: كما تقول: هذه المرأة تعجبني، الثاني: أن الأنثى أخس من الذكر، والميت أخس من الحي، فلهذه المناسبة أطلقوا اسم الأنثى على الجمادات الموات.
وقيل: إن المشركين كانوا يزعمون أن الملائكة إناث، فيكون المعنى (إلا إناثاً) بزعمهم.
وقيل: لا يدعون إلا شيئاً مثل الإناث لا يدفع عن نفسه فكيف يدفع عن غيره؟
وقيل: إن مع كل صنم جنيّة.
(وَإِنْ يَدْعُونَ إِلَّا شَيْطَاناً مَرِيداً) الدعاء هنا بمعنى العبادة، أي: وما يعبدون إلا الشيطان.
والعبادة بمعنى الطاعة، لأنه هو الذي أمرهم بذلك وحسنه لهم وزينه، وهم إنما يعبدون إبليس في نفس الأمر.
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً)
المراد في هذه الآية، بدعائهم الشيطان المريد عبادتهم له ونظيره قوله تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يا بني آدَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشيطان) الآية. وقوله عن خليله إبراهيم مقرراً له (يا أبت لَا تَعْبُدِ الشيطان). وقوله عن الملائكة بل كانوا يعبدون الجن الآية
• قوله تعالى (وَإِن يَدْعُونَ إِلاَّ شَيْطَاناً مَّرِيداً) يريد إبليس؛ لأنهم إذا أطاعوه فيما سوّل لهم فقد عبدوه؛ ونظيره في المعنى (اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً مِّن دُونِ الله) أي: أطاعوهم فيما أمروهم به؛ لا أنهم عبدوهم.
(لَعَنَهُ اللَّهُ) أي: طرده وأبعده من رحمته وأخرجه من جواره.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وهذا يتعين أن يكون خبراً، لأنه من الله، والله يفعل، ولا يدعو على أحد، فالله يخبر أنه لعنه كما قال تعالى (وإن عليك لعنتي إلى يوم الدين).
(وَقَالَ) أي: الشيطان.
стр. 1767
(لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباً مَفْرُوضاً) أي: لأتخذن من عبادك الذين أبعدتني من أجلهم نصيباً أي: حظاً مقدراً معلوماً
أدعوهم إلى طاعتي من الكفرة والعصاة.
فكما أبعده الله من رحمته، يسعى في إبعاد العباد عن رحمة الله (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ).
• فالشيطان يزين لهم طريق الضلالة ويدعوهم إلى طاعته، ويغويهم ويصرفهم عن سواء السبيل، فمن اتبعه وأطاعه فهو من حظه ونصيبه كما في الحديث (يقول تعالى: يا آدم! أخرج بعث النار، فيقول: وما بعث النار؟ فيقول: من كل ألف تسعمائة وتسعة وتسعون)
• قال الشنقيطي: ولم يبين هنا الفريق السالم من كونه من نصيب إبليس ولكنه بينه في مواضع أخر كقوله (وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ المخلصين) وقوله (إِنَّمَا سُلْطَانُهُ على الذين يَتَوَلَّوْنَهُ والذين هُم بِهِ مُشْرِكُونَ) إلى غير ذلك من الآيات.
ولم يبين هنا هل نصيب إبليس هذا هو الأكثر أو لا ولكنه بين في مواضع أخر أنه هو الأكثر كقوله (ولكن أَكْثَرَ الناس لَا يُؤْمِنُونَ) وقوله (وَمَآ أَكْثَرُ الناس وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقوله (وَإِن تُطِعْ أَكْثَرَ مَن فِي الأرض يُضِلُّوكَ) وقوله (وَلَقَدْ ضَلَّ قَبْلَهُمْ أَكْثَرُ الأولين).
وقد ثبت في الصحيح أن نصيب الجنة واحد من الألف والباقي في النار.
(وَلَأُضِلَّنَّهُمْ) أي: عن الحق، وقد أخبر تعالى عنه أنه أقسم كما في سورة الأعراف (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ).
стр. 1768
(وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) أي: أزين لهم ترك التوبة، وأعدهم الأماني، وآمرهم بالتسويف والتأخير، وأغرهم من أنفسهم، وغيرها من الأماني، ومنها: إن الله غفور رحيم.
• قال الآلوسي: (وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ) الأماني الباطلة وأقول لهم: ليس وراءكم بعث، ولا نشر، ولا جنة، ولا نار، ولا ثواب ولا عقاب، فافعلوا ما شئتم، وقيل: أمنيهم بطول البقاء في الدنيا فيسوفون العمل، وقيل: أمنيهم بالأهواء بالباطلة الداعية إلى المعصية وأزين لهم شهوات الدنيا وزهراتها وأدعو كلاً منهم إلى ما يميل طبعه إليه فأصده بذلك عن الطاعة.
• قال الرازي: وطلب الأماني يورث شيئين: الحرص والأمل، والحرص والأمل يستلزمان أكثر الأخلاق الذميمة، وهما كالأمرين اللازمين لجوهر الإنسان قال ﷺ (يهرم ابن آدم ويشب معه اثنان الحرص والأمل) والحرص يستلزم ركوب أهوال الدنيا وأهوال الدين فإنه إذا اشتد حرصه على الشيء فقد لا يقدر على تحصيله إلا بمعصية الله وإيذاء الخلق، وإذا طال أمله نسي الآخرة وصار غريقاً في الدنيا فلا يكاد يقدم على التوبة، ولا يكاد يؤثر فيه الوعظ فيصير قلبه كالحجارة أو أشد قسوة.
(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ) قال قتادة والسدي: يعني تشقيقها، وجعلها سمة وعلامة للبحيرة والسائبة.
أي: لآمرنهم بالشرك وعبادة غير الله من الأوثان، حتى يذبحوا للأوثان ويسكنوا لها ويحرموا منها ويحللوا ما شاءوا بأنفسهم، ويعمدوا إلى آذان بعض هذه الأنعام فيشققونها ويقطعونها كدليل على أنها موقوفة للأصنام متقرب بها إليهم.
• البتك القطع، وسيف باتك أي قاطع، والتبتيك التقطيع، يبتكن، فهم يقطعونها كدليل على أنها محرّمة.
• قال الواحدي: التبتيك هاهنا هو قطع آذان البحيرة بإجماع المفسرين، وذلك أنهم كانوا يشقون آذان الناقة إذا ولدت خمسة أبطن وجاء الخامس ذكراً، وحرموا على أنفسهم الانتفاع بها.
• والأنعام: هي الإبل والبقر والغنم.
(وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ) أي: ولآمرنهم بتغيير خلق الله تعالى كخصاء العبيد والوشم والنمص والوشر.
وفي الحديث (لعن رسول الله ﷺ النامصات والمتنمصات والواشمات والمستوشمات والمتفلجات للحسن المغيرات خلق الله). متفق عليه
стр. 1769
ويدخل في ذلك تغيير الفطرة التي فطر الله الناس عليها فيغييرون فطرة الخلق من التوحيد إل الشرك، ومن اليقين إلى الشك كما قال تعالى (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُون).
• قال الرازي: وللمفسرين هاهنا: قولان: الأول: أن المراد من تغيير خلق الله تغيير دين الله، وهو قول سعيد بن جبير وسعيد بن المسيب والحسن والضحاك ومجاهد والسدي والنخعي وقتادة، وفي تقرير هذا القول وجهان: الأول: أن الله تعالى فطر الخلق على الإسلام يوم أخرجهم من ظهر آدم كالذر وأشهدهم على أنفسهم أنه ربهم وآمنوا به، فمن كفر فقد غير فطرة الله التي فطر الناس عليها، وهذا معنى قوله ﷺ (كل مولود يولد على الفطرة " ولكن أبواه يهودانه وينصرانه ويمجسانه)
القول الثاني: حمل هذا التغيير على تغيير أحوال كلها تتعلق بالظاهر، كالنمص والوشر.
(وَمَنْ يَتَّخِذِ الشَّيْطَانَ وَلِيّاً مِنْ دُونِ اللَّهِ) أي: أنه إذا فعل ما أمره الشيطان به وترك ما أمره الرحمن به صار كأنه اتخذ الشيطان ولياً لنفسه وترك ولاية الله تعالى.
(فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناً مبيناً) أي: فقد خسر الدنيا والآخرة، وتلك خسارة لا جبر لها ولا استدراك لفائتها.
(يَعِدُهُمْ) بالباطل.
(وَيُمَنِّيهِمْ) المحال، والأمنيات غالباً تكون بالأشياء المستبعدة الوقوع أو يستحيل وقوعها.
كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ) فإنه يعدهم إذا أنفقوا في سبيل الله افتقروا، ويخوفهم إذا جاهدوا بالقتل وغيره كما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِين).
(وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُوراً) الغرور: كل شيء ظاهره مستحسن وباطنه يضر، فالشيطان يزين له معصية الله.
والشيطان يخذل أولياءه:
كما قال تعالى مخبراً عن إبليس يوم المعاد (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقال تعالى (قَالَ قَرِينُهُ رَبَّنَا مَا أَطْغَيْتُهُ وَلَكِنْ كَانَ فِي ضَلالٍ بَعِيدٍ).
وقال تعالى (فلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ).
(أُولَئِكَ) أي: المستجيبون له فيما وعدهم ومناهم.
(مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ) أي: مصيرهم ومآلهم يوم حسابهم إلى جهنم.
(وَلا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصاً) أي: ليس عنها مندوحة ولا مصرف، ولا خلاص ولا مناص، بل هم خالدون فيها أبد الآباد.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم، بما يجب الإيمان به.
(وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بجوارحهم، وتقدم شرحها.
стр. 1770
(سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) فيها ما لا عين رأت، ولا أذن سمعت، ولا خطر على قلب بشر، تقدم شرحها.
(خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) بلا زوال ولا انتقال.
(وَعْدَ اللَّهِ حَقّاً) أي: هذا وعد من الله، ووعد الله معلوم حقيقة أنه واقع لا محالة.
(وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلاً) أي: لا أحد أصدق منه قولاً وخبراً، وكان ﷺ يقول في خطبته (إن أصدق الحديث كتاب الله،
وخير الهدي هدي محمد ﷺ ، وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة).
الفوائد:
١ - بيان حقيقة الأصنام، وأنها من الجنس الضعيف.
٢ - أن عبادة الشيطان دعاء.
٣ - أن عبادة الشيطان طاعته.
٤ - أن الشيطان يغوي ابن آدم.
٥ - أن الله لعن الشيطان.
٦ - أن الشيطان أقسم أن يتخذ من عباد الله نصيباً مفروضاً.
٧ - تحريم قطع آذان الأنعام إذا كانت على الوجه الذي يستعمله أهل الجاهلية.
٨ - تحريم تغيير خلق الله، وأن ذلك من تلاعب الشيطان.
٩ - التحذير من اتخاذ الشيطان ولياً.
١٠ - أن مرجع الطائعين للشيطان جهنم.
١١ - إثبات جهنم.
стр. 1771
(لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا (١٢٣)) [النساء: ١٢٣].
(لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) قيل: إن المخاطبين في الآية هم المسلمون، وقيل: هم المشركون، حيث قالت قريش: لن نبعث ولن نعذب فنزلت الآية، واختاره ابن جرير، قال: لأن المسلمين لم يجر لأمانيهم ذكر فيما مضى من الآي قبل قوله (ليس بأمانيكم) وإنما جرى ذكر أماني نصيب الشيطان المفروض.
والمعنى: ليس ما وعد الله تعالى من الثواب يحصل بأمانيكم ولا أماني أهل الكتاب، وإنما يحصل بالإيمان والعمل الصالح.
• قال ابن كثير: والمعنى في الآية: أن الدين ليس بالتحلي ولا بالتمني، وليس كل من ادعى شيئاً حصل له بمجرد دعواه، ولا كل من قال (إنه هو المحق) سمِع قوله بمجرد ذلك، حتى يكون له من الله برهان، ولهذا قال تعالى (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: ليس لكم ولا لهم النجاة بمجرد التمني، بل العبرة بطاعة الله، واتباع ما شرعه على ألسنة رسله الكرام.
• قال الحسن: ليس الإيمان بالتمني ولكن ما وقر في القلب وصدّقه العمل، إن قوماً آلهتهم الأماني حتى خرجوا من الدنيا ولا حسنة لهم.
وقد جاء في الحديث (الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد الموت، والعاجز من أتبع نفسه هواها وتمنى على الله الأماني). رواه الترمذي
• قال السعدي (لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: (لَيْسَ) الأمر والنجاة والتزكية (بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ) والأماني: أحاديث النفس المجردة عن العمل، المقترن بها دعوى مجردة لو عورضت بمثلها لكانت من جنسها، وهذا عامّ في كل أمر، فكيف بأمر الإيمان والسعادة الأبدية؟!
فإن أماني أهل الكتاب قد أخبر الله بها أنهم قالوا (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلا مَنْ كَانَ هُودًا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) وغيرهم ممن ليس ينتسب لكتاب ولا رسول من باب أولى وأحرى.
وكذلك أدخل الله في ذلك من ينتسب إلى الإسلام لكمال العدل والإنصاف، فإن مجرد الانتساب إلى أي دين كان، لا يفيد شيئا إن لم يأت الإنسان ببرهان على صحة دعواه، فالأعمال تصدق الدعوى أو تكذبها ولهذا قال تعالى (مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ) وهذا شامل لجميع العاملين، لأن السوء شامل لأي ذنب كان من صغائر الذنوب وكبائرها، وشامل أيضاً لكل جزاء قليل أو كثير، دنيوي أو أخروي.
стр. 1772
• قال الشنقيطى: قوله تعالى (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ ولا أَمَانِيِّ أَهْلِ الكتاب) لم يبين هنا شيئاً من أمانيهم، ولا من أماني أهل الكتاب، ولكنه أشار إلى بعض ذلك في مواضع أخر كقوله في أماني العرب الكاذبة (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ) وقوله عنهم (إِنْ هِيَ إِلاَّ حَيَاتُنَا الدنيا وَمَا نَحْنُ بِمَبْعُوثِينَ) ونحو ذلك من الآيات، وقوله في أماني أهل الكتاب (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الجنة إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نصارى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) الآية. وقوله (وَقَالَتِ اليهود والنصارى نَحْنُ أَبْنَاءُ الله وَأَحِبَّاؤُهُ) الآية. ونحو ذلك من الآيات.
وما ذكره بعض العلماء من أن سبب نزول الآية أن المسلمين وأهل الكتاب تفاخروا، فقال أهل الكتاب: نبينا قبل نبيكم، وكتابنا قبل كتابكم فنحن أولى بالله منكم، وقال المسلمون: نحن أولى بالله منكم ونبينا خاتم النَّبيين، وكتابنا يقضي على الكتب التي كانت قبله فأنزل الله (لَّيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ) الآية. لا ينافي ما ذكرنا. لأن العبرة بعموم الألفاظ لا بخصوص الأسباب.
(مَنْ يَعْمَلْ سُوءاً يُجْزَ بِهِ) قيل: المراد كل من عمل سوءاً صغيراً أو كبيراً من مؤمن أو كافر، فمن يعمل السوء والشر يناله عقابه عاجلاً أو آجلاً.
كما قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ. وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرّاً يَرَهُ).
قال القرطبي: السوء هاهنا الشرك، قال الحسن: هذه الآية في الكافر، وقرأ (وَهَلْ يُجَازَى إلاَّ الْكَفُورُ).
وقال الضحاك: يعني اليهود والنصارى والمجوس وكفار العرب.
وقال الجمهور: لفظ الآية عام، والكافر والمؤمن مجاز بعمله السوء، فأما مجازاة الكافر فالنار؛ لأن كفره أوْبَقَه، وأما المؤمن فبنكبات الدنيا، كما روى مسلم في صحيحه عن أبي هريرة قال: " لما نزلت (مَن يَعْمَلْ سواءا يُجْزَ بِهِ) بلغت من المسلمين مبلغاً شديداً، فقال رسول الله ﷺ (قارِبوا وسَدِّدوا ففي كل ما يصاب به المسلم كفارة حتى النكبة يُنْكبها والشوكة يشاكها).
(وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيّاً وَلا نَصِيراً) تقدم شرح الولي والنصير.
• قال السعدي: وقوله (وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا) لإزالة بعض ما لعله يتوهم أن من استحق المجازاة على عمله قد يكون له ولي أو ناصر أو شافع يدفع عنه ما استحقه، فأخبر تعالى بانتفاء ذلك، فليس له ولي يحصل له المطلوب، ولا نصير يدفع عنه المرهوب، إلا ربه ومليكه.
الفوائد:
١ - أن التمني لا يجدي شيئاً.
٢ - التهديد لمن عمل سوءاً.
٣ - كمال قوة الله وسلطانه.
٤ - أن المصائب في الدنيا كفارات.
стр. 1773
(وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُوْلَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا (١٢٤)). [النساء: ١٢٤].
(وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى) أي: من الأعمال الصحات.
والعمل الصالح ما توفر فيه شرطان: الإخلاص لله تعالى، والمتابعة للشريعة
دليل الأول قوله ﷺ (إنما الأعمال بالنيات … ) ودليل الثاني قوله ﷺ (من عمل عملاً ليس عليه … ).
• وقد تقدم أن الله دائما يقرن العمل بالصالح، لأن العمل إذا لم يكن صالحاً لم يقبل.
• فيجب على الإنسان أن يجتهد كل الاجتهاد في أن يكون عمله صالحاً.
(وَهُوَ مُؤْمِنٌ) وهذا شرط لجميع الأعمال، لا تكون صالحة ولا تقبل ولا يترتب عليها الثواب ولا يندفع بها العقاب إلا بالإيمان، فالأعمال بدون الإيمان كأغصان شجرة قطع أصلها وكبناء بني على موج الماء، فالإيمان هو الأصل والأساس والقاعدة التي يبنى عليه كل شيء، وهذا القيد ينبغي التفطن له في كل عمل أطلق، فإنه مقيد به.
• فالإيمان شرط لقبول الأعمال وصحتها.
كما في هذه الآية.
وكما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً).
وقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).
• فأعمال الكافر مردودة غير مقبولة.
قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً).
وقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ).
стр. 1774
(فَأُولَئِكَ) أي: الذين جمعوا بين الإيمان والعمل الصالح.
(يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ) المشتملة على ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
(وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيراً) أي: لا قليلاً ولا كثيراً مما عملوه من الخير، بل يجدونه كاملاً موفراً، مضاعفاً أضعافاً كثيرة.
• النقير: النقرة التي في ظهر نواة التمر.
كما قال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً).
وقال تعالى (وَمَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَاب).
الفوائد:
١ - فضل الإيمان.
٢ - بيان شروط قبول العمل، وهي الإيمان والإخلاص والمتابعة.
٣ - فضل العمل الصالح.
٤ - ينبغي الاجتهاد أن يكون عمل الإنسان صالحاً.
٥ - الحذر من الرياء وطلب المحمدة.
٦ - أن المؤمن مأواه الجنة.
٧ - تنزيه الله عن الظلم.
٨ - كمال عدل الله تعالى.
стр. 1775
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً (١٢٥)). [النساء: ١٢٥].
(وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً) أي: لا أحد أحسن ديناً.
• والمراد بالدين هنا العمل، لأن الدين يطلق على بمعنى الجزاء كقوله تعالى (مالك يوم الدين) وبمعنى العمل كما في هذه الآية، وكما في قوله تعالى (لكم دينكم ولي دين) وكقوله تعالى (اليوم أكملت لكم دينكم).
(مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) معناه أخلص دينه لله وخضع له وتوجه إليه بالعبادة.
• قال ابن عاشور: وإسلام الوجه كناية عن تمام الطاعة والاعتراف بالعبودية، وهو أحسن الكنايات، لأنّ الوجه أشرف الأعضاء، وفيه ما كان به الإنسان إنساناً، وفي القرآن (فقُل أسلمت وجهي لله ومن اتّبعني).
(وَهُوَ مُحْسِنٌ) الإحسان هنا: الموافقة للشريعة، فيكون في الآية دليل على شرطي العبادة، وهما الإخلاص والمتابعة.
• قال ابن كثير: قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أخلص العمل لربه ، فعمل إيمانًا واحتساباً (وَهُوَ مُحْسِنٌ) أي: اتبع في عمله ما شرعه الله له، وما أرسل به رسوله من الهدى ودين الحق.
وهذان الشرطان لا يصح عمل عامل بدونهما، أي: يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون متبعًا للشريعة فيصح ظاهره بالمتابعة، وباطنه بالإخلاص، فمن فقد العمل أحد هذين الشرطين فسد، فمن فقد الإخلاص كان منافقًا، وهم الذين يراءون الناس، ومن فقد المتابعة كان ضالاً جاهلاً، ومتى جمعهما فهو عمل المؤمنين (الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ)
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ).
ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه لا أحد أحسن ديناً ممن أسلم وجهه لله في حال كونه محسناً. لأن استفهام الإنكار مضمن معنى النفي، وصرح في موضع آخر: أن من كان كذلك فقد استمسك بالعروة الوثقى، وهو قوله تعالى (وَمَن يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى الله وَهُوَ مُحْسِنٌ فَقَدِ استمسك بالعروة الوثقى) ومعنى إسلام وجهه لله إطاعته وإذعانه، وانقياده لله تعالى بامتثال أمره، واجتناب نهيه في حال كونه محسناً أي: مخلصاً عمله لله لا يشرك فيه به شيئاً مراقباً فيه لله كأنه يراه فإن لم يكن يراه فالله تعالى يراه، والعرب تطلق إسلام الوجه، وتريد به الإذعان والانقياد التام.
стр. 1776
(وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) أي: واتبع الدين الذي كان عليه إبراهيم خليل الرحمن.
كما قال تعالى (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
• والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.
والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل.
قال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد.
وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى: (ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال: (ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) وهكذا فليكن أولياء الله.
• والحنيفية لها في الشرع معنيان: أحدهما: الإسلام، والثاني: خاص: وهو الإقبال على الله بالتوحيد بالميل عن ما سواه.
وهي دين الأنبياء جميعاً، وخصت بالإضافة إلى إبراهيم، لأن إبراهيم أكمل الخلق تحقيقاً لها مع تقدمه أبوةً على نبينا محمد المشارك له في كمال التحقيق للحنيفية.
• صفات إبراهيم ﵇:
الصفة الأولى: أمة.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً .. ).
قيل معناها هنا: الرجل الجامع لخصال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا على عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق.
وقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير.
الصفة الثانية: قانت.
стр. 1777
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً).
والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع.
الصفة الثالثة: حنيفاً.
والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده.
والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل.
قال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد.
وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى (ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ) وقال (ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ) وهكذا فليكن أولياء الله.
الصفة الرابعة: شاكر.
قال تعالى (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ) أي قائماً بشكر نعم الله عليه.
نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة.
بالقلب، قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ).
وباللسان، قال تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ).
وبالجوارح، قال تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).
الصفة الخامسة: الحلم.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
والحلم: ضبط النفس والطبع عن الهيجان عند الاستثارة.
والحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه (لأَرْجُمَنَّكَ).
ومن العتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال (فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
ولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن المنكر بل كان يعلن الحق وينكر الباطل (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ).
стр. 1778
الصفة السادسة: أوّاه.
قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ).
والذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ) وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته.
الصفة السابعة: السخاء.
قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًاً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ).
فذكر أن الضيف مكرمون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مع أنهم قوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلاً واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوباً لضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال (أَلا تَأْكُلُونَ).
الصفة الثامنة: الصبر.
كان إبراهيم مثلاً يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا ﷺ أن يصبر كصبرهم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ).
وكان صبر إبراهيم شاملاً لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله.
الصفة التاسعة: شجاعته.
واجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسماً (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وقوله لهم (أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ .. ).
الصفة العاشرة: تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء.
قال تعالى (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ).
فكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكل ولي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن نتأسى بإبراهيم في ذلك (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ .. ).
الصفة الحادية عشرة: سلامة القلب.
قال تعالى (وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ).
وسلامة القلب نوعان: كلاهما داخل في مضمون الآية، أحدهما: في حق الله وهو سلامة قلبه من الشرك، وإخلاصه العبودية لله، وصدق التوكل عليه.
стр. 1779
والثاني: في حق المخلوقين بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك.
(وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً) قال القاسمي: أي صفيّاً خالص المحبة له، وإظهاره ﵇ في موضع الإضمار، لتفخيم شأنه
والتنصيص على أنه الممدوح، وسر هذه الجملة الترغيب في اتباع ملته ﵇، فإن من بلغ من الزلفى عند الله تعالى مبلغاً مصححاً لتسميته خليلاً، حقيق بأن يكون اتّباع طريقته أهم ما يمتد إليه أعناق الهمم، وأشرف ما يرمق نحوه أحداق الأمم، فإن درجة الخلة أرفع مقامات المحبة، وما ذاك إلا لكثرة طاعته لربه، كما وصفه [صفه] به في قوله (وَإِبْرَاهِيمَ الّذِي وَفّى).
قال كثير من علماء السلف: أي: قام بجميع ما أمر به، وفي كل مقام من مقامات العبادة، فكان لا يشغله أمر جليل عن حقير، ولا كبير عن صغير، وقال تعالى (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبّهُ بِكَلماتٍ فَأَتَمّهُنّ) الآية، وقال تعالى (إِنّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمّةً قَانِتاً لِلّهِ حَنِيفاً وَلم يَكُ مِنَ المشْرِكِينَ)
• قال ابن القيم: الخُلَّة تتضمن كمال المحبة ونهايتها، بحيث لا يبقى في القلب سعة لغير محبوبه، وهي منصب لا يقبل المشاركة بوجهٍ ما، وهذا المنصب خاص للخليلين صلوات الله وسلامه عليهما: إبراهيم ومحمد، كما قال ﷺ : (إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً).
وفي الصحيح عنه ﷺ أنه قال (لو كنتُ متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً، ولكن صاحبكم خليل الله) وفي حديث آخر (إني أبرأ إلى كل خليل من خلته).
стр. 1780
ولما سأل إبراهيم ﵇ الولد، فأُعْطِيه، فتعلق حبه بقلبه، فأخذ منه شعبة، غار الحبيب على خليله أن يكون في قلبه موضع لغيره، فأمر بذبحه، وكان الأمر في المنام ليكون تنفيذ المأمور به أعظم ابتلاءً وامتحاناً، ولم يكن المقصود ذبح الولد، ولكن المقصود ذبحه من قلبه، ليخلص القلب للرب، فلما بادر الخليل ﵊ إلى الامتثال، وقدم محبة الله على محبة ولده، حصل المقصود، فرفع الذبح وفدي بذبح عظيم، فإن الرب تعالى ما أمر بشيء ثم أبطله رأساً، بل لا بد أن يبقى بعضه أو بدله، كما أبقى شريعة الفداء، وكما أبقى استحباب الصدقة بين يدي المناجاة، وكما أبقى الخمس الصلوات بعد رفع الخمسين، وأبقى ثوابها، وقال (مَا يُبَدّلُ الْقَوْلُ لَدَيّ)، هي خمس في الفعل وخمسون في الأجر.
ثم قال ابن القيّم: وأما ما يظنه بعض الظانين؛ أن المحبة أكمل من الخلة وأن إبراهيم خليل الله ومحمد ﷺ حبيب الله، فمن جهله، فإن المحبة عامة والخلة خاصة، والخلة نهاية المحبة، وقد أخبر النبي ﷺ أن الله اتخذ إبراهيم خليلاً، ونفى أن يكون له خليل غير ربه، مع إخباره بحبه لعائشة ولأبيها ولعمر بن الخطاب وغيرهم.
وأيضاً فإن الله سبحانه (يُحِب التّوّابِينَ) (وَيُحِبّ المتَطَهّرِينَ)، و (يُحِبّ الصّابِرِينَ) و (يُحِبّ المحْسِنِينَ) و (يُحِبّ المتّقِينَ) و (يُحِبّ المقْسِطِينَ) وخلته خاصة بالخليلين عليهما الصلاة والسلام، والشاب التائب حبيب الله، وإنما هذا عن قلة العلم والفهم عن الله ورسوله ﷺ .
الفوائد:
١ - الحث على الإخلاص لله تعالى.
٢ - الحث على المتابعة.
٣ - فضيلة إبراهيم حيث أمرنا باتباعه.
٤ - فضل تحقيق التوحيد.
٥ - منقبة عظيمة لإبراهيم حيث اتخذه الله خليلاً.
٦ - أن الخلة أعلى من المحبة.
(٢٦/ ٦/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1781
(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُّحِيطًا (١٢٦)). [النساء: ١٢٦].
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: كل ما في السماوات والأرض له خلقاً وملكاً وتدبيراً.
• قال ابن جرير: أي أنه مالك جميع ذلك بغير شريك ولا نديد، وخالق جميعه دون آلهة ومعبود.
• وقال ابن كثير: إخبار بأن الجميع عبيده وفي ملكه، وتحت قهره وسلطانه.
• وقال أبو بكر الجزائري: خلقاً وملكاً وتصرفاً.
وقد جاءت آيات كثيرة في القرآن الكريم تدل على هذا العموم:
قال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ).
وقال تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً).
وقال تعالى (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ).
• وهذه الجملة تؤيد تفرده سبحانه بالألوهية، وذلك من جانبين:
الأول: حيث إن الجميع عبيد له ﷻ ، وليس للعبد أن يعبد غير مالكه، أو يُشرِك غيره معه في العبادة، وقد نهاه عن ذلك.
الثاني: وحيث إن الجميع عبيد له، فكيف يُعبد مملوك - كائناً من كان - ويُترك المالك، أو يُشرَك مملوك في العبادة مع المالك، وقد نهى عن ذلك.
• والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين:
الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء ..
يدل لذلك ما أمرنا الله به أن نقول عند المصيبة (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ).
ويدل لذلك أيضاً ما بينّه النبي ﷺ لابنته التي أشرف ابنها على الموت، حينما أرسلت إليه ليأتي، فأرسل يقرأ السلام ويقول: إن لله ما أخذ وله ما أعطى، وكل شيء عنده بأجل مسمى، فلتصبر ولتحتسب).
الفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه.
الفائدة الثالثة: أن كل ما في الكون ملك لله الأحد من غير شريك، فما لدينا من مال ومتاع وجاه ليس ملكاً لنا بل هو ملك لله، وإنما نحن مستخلفون فيه للابتلاء والاختبار، كما قال تعالى (آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ فَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَأَنْفَقُوا لَهُمْ أَجْرٌ كَبِيرٌ).
وقال ﷺ (إن الدنيا حلوة خضرة، وإن الله مستخلفكم فيها فينظر كيف تعملون .. ) رواه مسلم.
(وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطاً) علماً وقدرة، وسمعاً وبصراً، وتدبيراً وغير ذلك معاني ربوبيته تعالى.
الفوائد:
١ - عموم ملك الله تعالى.
٢ - أن السموات ذوات عدد.
٣ - إحاطة الله بكل شيء.
стр. 1782
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاء قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاء الَّلاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَن تَقُومُواْ لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (١٢٧)). [النساء: ١٢٧].
(وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ) أي: ويسألونك عما يجب عليهم في أمر النساء.
• والإفتاء: هو الإخبار عن حكم شرعي.
• قال القرطبي: نزلت بسبب سؤال قوم من الصحابة عن أمر النساء وأحكامهن في الميراث وغير ذلك؛ فأمر الله نبيه ﵇ أن يقول لهم: الله يفتيكم فيهن؛ أي يبيّن لكم حكم ما سألتم عنه.
وهذه الآية رجوع إلى ما افتتحت به السورة من أمر النساء، وكان قد بقيت لهم أحكام لم يعرفوها فسألوا فقيل لهم: إن الله يفتيكم فيهن.
(قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ) أي: قل لهم يا محمد: يبين الله لكم ما سألتم في شأنهن.
(وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: ويبين لكم ما يتلى في القرآن من أمر ميراثهن.
• قال القرطبي: والمعنى: والقرآن يفتيكم فيهن، وهو قوله (فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء).
• قال الشنقيطي: لم يبين هنا هذا الذي يتلى عليهم في الكتاب ما هو، ولكنه بينه في أول السورة وهو قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى فانكحوا مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النسآء) الآية. كما قدمناه عن أم المؤمنين عائشة ﵂ فقوله هنا (وَمَا يتلى) في محل رفع معطوفاً على الفاعل الذي هو لفظ الجلالة، وتقرير المعنى قل الله يفتيكم فيهن، ويفتيكم فيهن أيضاً (وَمَا يتلى عَلَيْكُمْ فِي الكتاب فِي يَتَامَى النسآء) الآية. وذلك قوله تعالى (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي اليتامى) الآية.
مضمون ما أفتى به هذا الذي يتلى علينا في الكتاب هو تحريم هضم حقوق اليتيمات فمن خاف أن لا يقسط في اليتيمة التي في حجره فليتركها ولينكح ما طاب له سواها، وهذا هو التحقيق في معنى الآية كما قدمنا، وعليه فحرف الجر المحذوف في قوله (وَتَرْغَبُونَ أَن تَنكِحُوهُنَّ) هو عن أي: ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن لقلة مالهن وجمالهن. أي: كما أنكم ترغبون عن نكاحهن إن كن قليلات مال وجمال فلا يحل لكم نكاحهن إن كن ذوات مال وجمال إلا بالإقساط إليهن في حقوقهن كما تقدم عن عائشة ﵂.
стр. 1783
(فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) عن عائشة في قوله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) قالت: هو الرجل تكون عنده اليتيمة، هو وليها ووارثها قد شَركته في ماله بما شركته فيعضلها، فنزلت هذه الآية) متفق عليه.
وعن عائشة (إن الناس استفتوا رسول الله ﷺ بعد هذه الآية فيهن فأنزل الله (وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ .. ) قالت: والذي ذكر الله أنه يتلى عليهم في الكتاب الآية الأولى التي قال الله (وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ .... ).
• قال ابن كثير: والمقصود أن الرجل إذا كان في حجره يتيمة يحل له تزويجها، فتارة يرغب في أن يتزوجها، فأمره الله أن يمهرها أسوة أمثالها من النساء، فإن لم يفعل فليعدل إلى غيرها من النساء، فقد وسع الله ، وهذا المعنى في الآية الأولى التي في أول السورة، وتارة لا يكون للرجل فيها رغبة لدمامتها عنده، أو في نفس الأمر، فنهاه الله أن يُعضلها عن الأزواج خشية أن يَشركوه في ماله الذي بينه وبينها.
• قوله تعالى (وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ) يحتمل (ترغبون [في] نكاحهن، ويحتمل: وترغبون [عن] نكاحهن.
(وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ) أي: ويفتيكم في المستضعفين الصغار أن تعطوهم حقوقهم.
(وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ) أي: وأجب عليكم أن تقوموا لليتامى بالقسط، أي: العدل.
ففي هذا وجوب العدل في اليتامى في كل شيء، قال سعيد بن جبير: كما إذا كانت ذات جمال ومال نكحتها واستأثرت بها، كذلك إذا لم تكن ذات جمال ولا مال فانكحها واستأثر بها.
اليتامى: جمع يتيم: وهو من مات أبوه وهو صغير.
• قال الشنقيطي: ولم يبين هنا هذا القسط الذي أمر به لليتامى، ولكنه أشار له في مواضع أخر كقوله (وَلَا تَقْرَبُواْ مَالَ اليتيم إِلاَّ بالتي هِيَ أَحْسَنُ) وقوله (قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ والله يَعْلَمُ المفسد مِنَ المصلح) وقوله: (فَأَمَّا اليتيم فَلَا تَقْهَرْ) وقوله (وَآتَى المال على حُبِّهِ ذَوِي القربى واليتامى) الآية. ونحو ذلك من الآيات فكل ذلك فيه القيام بالقسط لليتامى.
(وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قليل أو كثير.
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيماً) فيجازيكم عليه، واقتصر على ذكر الخير لأنه الذي رغب فيه، وفي ذلك إشارة إلى أن الشر مما لا ينبغي أن يقع منهم أو يخطر ببال.
الفوائد:
١ - حرص الصحابة على معرفة الأحكام الشرعية.
٢ - اهتمام الشريعة الإسلامية باليتيم وبكل ضعيف.
٣ - الرجوع إلى ما في القرآن.
٤ - وجوب الاهتمام بالضعفاء.
٥ - وجوب العدل خاصة مع الضعفاء كاليتيمة.
٦ - يجوز للولي أن يتزوج اليتيم بشرط أن يعدل معها.
٧ - أن كل ما يعلمه الإنسان من خير فإنه الله يعلمه.
٨ - الحث على فعل الخير.
стр. 1784
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِن بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاْحَ عَلَيْهِمَا أَن يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الأَنفُسُ الشُّحَّ وَإِن تُحْسِنُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٢٨)). [النساء ١٢٨].
(وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً) يقول تعالى مخبراً ومشرعاً عن حال الزوجين: تارة في حال نفور الرجل عن المرأة، وتارة عن حال اتفاقه معها، وتارة في حال فراقه لها.
فالحالة الأولى: ما إذا خافت من زوجها أن ينفر عنها، أو يعرض عنها، فلها أن تسقط حقها أو بعضه من نفقة أو كسوة أو مبيت أو غير ذلك من الحقوق عليه، وله أن يقبل ذلك منها فلا جناح عليها في بذلها ذلك له، ولا عليه في قبوله منها.
وقد فعلت ذلك: سودة:
فعَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (مَا رَأَيْتُ امْرَأَةً أَحَبَّ إِلَىَّ أَنْ أَكُونَ فِى مِسْلَاخِهَا مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ مِنِ امْرَأَةٍ فِيهَا حِدَّةٌ قَالَتْ فَلَمَّا كَبِرَتْ جَعَلَتْ يَوْمَهَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ لِعَائِشَةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ جَعَلْتُ يَوْمِى مِنْكَ لِعَائِشَةَ. فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ
يَوْمَيْنِ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ) متفق عليه.
• فعلت سودة ذلك لأمور:
الأمر الأول: جاء عند البخاري (تبتغي بذلك رضا رسول الله ﷺ .
الأمر الثاني: عند مسلم كما في الحديث السابق (لما كبرت سودة جعلت يومها لعائشة).
الأمر الثالث: خوفها أن يطلقها رسول الله ﷺ ، قالت عائشة (كان رسول الله ﷺ لا يفضل بعضنا على بعض في القسم من مكْثِه عندنا، … ولقد قالت سودة حين أسنت، وفرقت أن يفارقها رسول الله ﷺ : يا رسول الله! يومي لعائشة، فقَبِل رسول الله ﷺ منها) رواه أبو داود.
وقد جاء عند ابن سعد في الطبقات أوضح من هذا (قالت للرسول ﷺ : إني أريد أن أبقى معك لأجل أن أبعث مع أزواجك يوم القيامة وإن يومي وهبته لعائشة).
стр. 1785
• تصرفها يدل على أمرين:
الأول: على فقهها، لأن الرسول ﷺ لو طلقها لم تبقى من أمهات المؤمنين ولم تكن من أزواجه في الدار الآخرة.
الثاني: وكونها اختارت عائشة بالذات، هذا يدل على محبتها للرسول ﷺ وشفقتها عليه، لأنها تعلم أن عائشة أحب نسائه إليه، فكان اهداء قسْمها لعائشة مما يسر النبي ﷺ .
ولهذا قال ابن جرير (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا) يَقُولُ: عَلِمَتْ مِنْ زَوْجِهَا (نُشُوزًا) يَعْنِي اسْتِعْلَاءً بِنَفْسِهِ عَنْهَا إِلَى غَيْرِهَا، أَثَرَةً عَلَيْهَا، وَارْتِفَاعًا بِهَا عَنْهَا، إِمَّا لِبُغْضَةٍ، وَإِمَّا لِكَرَاهَةٍ مِنْهُ بَعْضَ أَسْبَابِهَا، إِمَّا دَمَامَتُهَا، وَإِمَّا سِنُّهَا وَكِبَرُهَا، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أُمُورِهَا. (أَوْ إِعْرَاضًا) يَعْنِي: انْصِرَافًا عَنْهَا بِوَجْهِهِ أَوْ بِبَعْضِ مَنَافِعِهِ، الَّتِي كَانَتْ لَهَا مِنْهُ. (فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا) يَقُولُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِمَا، يَعْنِي: عَلَى الْمَرْأَةِ الْخَائِفَةِ نُشُوزَ بَعْلِهَا أَوْ إِعْرَاضَهِ عَنْهَا، أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا، وَهُوَ أَنْ تَتْرُكَ لَهُ يَوْمَهَا، أَوْ تَضَعَ عَنْهُ بَعْضَ الْوَاجِبِ لَهَا مِنْ حَقٍّ عَلَيْهِ، تَسْتَعْطِفُهُ بِذَلِكَ، وَتَسْتَدِيمُ الْمَقَامَ فِي حِبَالِهِ، وَالتَّمَسُّكَ بِالْعَقْدِ الَّذِي بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مِنَ النِّكَاحِ، يَقُولُ (وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) يَعْنِي: وَالصُّلْحُ بِتَرْكِ بَعْضِ الْحَقِّ اسْتِدَامَةً لِلْحُرْمَةِ، وَتَمَاسُكًا بِعَقْدِ النِّكَاحِ، خَيْرٌ مِنْ طَلَبِ الْفُرْقَةِ وَالطَّلَاقِ.
(خافت) أي: توقعت وظنت بما يظهر لها من القرائن.
(من بعلها) أي: زوجها، كما قال تعالى عن امرأة إبراهيم (ءألد وأنا عجوز وهذا بعلي شيخاً).
(وَالصُّلْحُ خَيْرٌ) من الفراق، قال ابن جرير: يعني والصلح بترك بعض الحق استدامة للحرمة وتمسكاً بعقد النكاح خير من طلب الفرقة والطلاق.
• قال ابن كثير: والظاهر من الآية أن صلحهما على ترك بعض حقها للزوج، وقبول الزوج ذلك خير من المفارقة بالكلية، كما أمسك النبي ﷺ سودة بنت زمعة على أن تركت يومها لعائشة، ولم يفارقها بل تركها من جملة نسائه، وفعله ذلك لتتأسى به أمته في مشروعية ذلك وجوازه
وقد جاء في البخاري عن عائشة (وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزاً أَوْ إِعْرَاضاً) قالت: هي المرأة تكون عند الرجل لا يستكثر منها فيريد طلاقها ويتزوج غيرها، فتقول له: أمسكني ولا تطلقني ثم تزوج غيري فأنت في حلٍّ من النفقة عليّ والقسمة لي، فلذلك قوله تعالى (فَلا جُنَاحَ عَلَيهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحاً)
• والصلح خير في كل شيء، في الأمور الزوجية وغيرها.
• قال القرطبي (والصلح خَيْرٌ) لفظ عام مطلق يقتضي أن الصلح الحقيقي الذي تسكن إليه النفوس ويزول به الخلاف خير
على الإطلاق.
стр. 1786
ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وَطْء أو غير ذلك (خَيْرٌ) أي: خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، " وقال ﵇ في البِغْضة: "إنها الحالقة" " يعني حالقة الدِّين لا حالقة الشعر.
(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) أي: وجبلت الأنفس على الشح.
• والشح: أشد البخل، واختار ابن جرير أن المعنى هو أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة.
• قال الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي: جعل شيئاً حاضراً لها كأنه ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه.
وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون) ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله.
• الشح: أشد من البخل، فالبخل غالباً يطلق على منع المال، وأما الشح فهو يتعلق بمنع الحق الواجب من المال، وبغير ذلك من أوجه الخير والإحسان والمعروف، بل ويحمل على الاعتداء على حقوق الناس وأموالهم كما قال ﷺ (اتقوا الشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح … ). وقال ﷺ (إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) رواه أبو داود.
فهو مُنافٍ للإيمان.
ولهذا قال النبي ﷺ (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا) رواه النسائي.
والشُّح يُهلك صاحبه، وإذا شاع في المجتمعات مزقها وأهلكها.
قال ﷺ ( … وأما المهكات: فشحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه) رواه أحمد.
ولهذا حذر النبي ﷺ من هذا الخُلق الذميم؛ لأنه يؤدي إلى شيوع الظلم، وقطيعة الرحم، وسفك الدماء، وأكل الأموال.
فعن عبد اله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا … ) رواه أبوداود.
وقال ﷺ (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج).
• فالشح يؤدي إلى قطيعة الرحم، والظلم والبغي، والعدوان على الناس وغير ذلك.
стр. 1787
• وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ، ولهذا قال تعالى (وأحضرت الأنفس الشح)
• قال ابن عاشور: وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس.
(وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
• قال أبو حيان: ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض،
وقد وصى النبي ﷺ بهنّ " فإنهنّ عوان عند الأزواج ".
• قوله تعالى (وأن تحسنوا) الإحسان: هو إتقان العمل
• قوله تعالى (وتتقوا) بترك المحظور والمنهيات.
قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) قال أبو حيان: وختم آخر هذه بصفة الخبير وهو علم ما يلطف إدراكه ويدق، لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولا يظهران ذلك لكل أحد.
الفوائد:
١ - حرص الشريعة على الإصلاح.
٢ - أنه يجوز الاصطلاح بين الزوجين على ما يتفقا بينهما.
٣ - للزوجة أن تسقط بعض حقها لكي لا يطلقها زوجها.
٤ - أن الصلح خير في كل شيء.
٥ - ذم الشح.
٦ - فضل الكرم.
٧ - الحث على الإحسان والتقوى.
٨ - عموم علم الله تعالى.
стр. 1788
(وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٢٩) وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)) [النساء: ١٢٩ - ١٣٠].
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم عى العدل.
• قال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.
• وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع.
• وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة.
• وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل.
وقد جاء في الحديث (أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك).
(فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية.
• قال ابن عاشور: أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة.
(فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة، قال بعض العلماء: أي: لا ذات زوج ولا مطلقة.
(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) تقدم شرحها.
(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) أي: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه.
стр. 1789
(يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ) الزوجة يرزقها بزوج صالح، والزوج يرزقه الله بزوجة صالحة.
• قال القرطبي: أي: وإن لم يصطلحا بل تفرّقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيّض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسِّع عليها.
• قال الماوردي: يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه.
والثاني: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه.
والثالث: يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه.
(وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.
وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
فالله واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
والله واسع المغفرة.
ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
والله واسع العلم:
كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً).
والله واسع الرحمة:
كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
(حَكِيماً) يضع الأمور في مواضعها.
الفوائد:
١ - وجوب العدل بين الزوجات فيما يستطيعه الإنسان.
٢ - لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
٣ - على الإنسان أن يجتهد أن يعدل بقدر استطاعته.
٤ - رحمة الله بالزوجين.
٥ - أن الله واسع حكيم.
(الأحد: ٢/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1790
(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)). [١٣١ - ١٣٢].
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها، فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة ولا ولا وفيه من التنبيه على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى.
قال بعض العلماء: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم.
(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا) أي: عهدنا.
والوصية: هي العهد بالشيء مع التأكيد.
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) كاليهود والنصارى وغيرهم ممن أوتوا الكتاب، لأن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ).
(وَإِيَّاكُمْ) أي: وصيناكم بما وصيناهم به.
(أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أي: اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه [وقد تقدمت مباحث التقوى].
وفي الحديث عن العرباض بن سارية: وَعَظَنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنَّهَا موعظة مُوَدّعٍ فأوْصِنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة) رواه الترمذي.
• قال القرطبي: والمراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.
• قال ابن عاشور: والإخبارْ بأنّ الله أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلْهاب همم المسلمين للتهمّم بتقوى الله لئلاّ تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب، فإنّ للائتساء أثراً بالغاً في النفوس، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).
(وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم، لأنه مستغن عن العباد.
كما قال تعالى (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).
وقال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).
следующие страницы →