Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1786–1825 · переход к 1791.
стр. 1786
ويدخل في هذا المعنى جميع ما يقع عليه الصلح بين الرجل وامرأته في مال أو وَطْء أو غير ذلك (خَيْرٌ) أي: خير من الفرقة؛ فإن التمادي على الخلاف والشحناء والمباغضة هي قواعد الشر، " وقال ﵇ في البِغْضة: "إنها الحالقة" " يعني حالقة الدِّين لا حالقة الشعر.
(وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ) أي: وجبلت الأنفس على الشح.
• والشح: أشد البخل، واختار ابن جرير أن المعنى هو أحضرت أنفس النساء الشح بأنصبائهن من أزواجهن في الأيام والنفقة.
• قال الشنقيطي: ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الأنفس أحضرت الشح أي: جعل شيئاً حاضراً لها كأنه ملازم لها لا يفارقها. لأنها جبلت عليه.
وأشار في موضع آخر: أنه لا يفلح أحد إلا إذا وقاه الله شح نفسه وهو قوله تعالى (وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فأولئك هُمُ المفلحون) ومفهوم الشرط أن من لم يوق شح نفسه لم يفلح وهو كذلك، وقيده بعض العلماء بالشح المؤدي إلى منع الحقوق التي يلزمها الشرع، أو تقتضيها المروءة، وإذا بلغ الشح إلى ذلك، فهو بخل وهو رذيلة والعلم عند الله.
• الشح: أشد من البخل، فالبخل غالباً يطلق على منع المال، وأما الشح فهو يتعلق بمنع الحق الواجب من المال، وبغير ذلك من أوجه الخير والإحسان والمعروف، بل ويحمل على الاعتداء على حقوق الناس وأموالهم كما قال ﷺ (اتقوا الشح فإنما أهلك من كان قبلكم الشح … ). وقال ﷺ (إياكم والشح، فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالظلم فظلموا، وأمرهم بالفجور ففجروا، وأمرهم بالقطيعة فقطعوا) رواه أبو داود.
فهو مُنافٍ للإيمان.
ولهذا قال النبي ﷺ (لا يجتمع غبار في سبيل الله ودخان جهنم في جوف عبد أبدًا، ولا يجتمع الشح والإيمان في قلب عبد أبدًا) رواه النسائي.
والشُّح يُهلك صاحبه، وإذا شاع في المجتمعات مزقها وأهلكها.
قال ﷺ ( … وأما المهكات: فشحٌ مطاع، وهوىً متبع، وإعجاب المرء بنفسه) رواه أحمد.
ولهذا حذر النبي ﷺ من هذا الخُلق الذميم؛ لأنه يؤدي إلى شيوع الظلم، وقطيعة الرحم، وسفك الدماء، وأكل الأموال.
فعن عبد اله بن عمرو ﵄ قال: قال رسول الله ﷺ (إياكم والشح فإن الشح أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا … ) رواه أبوداود.
وقال ﷺ (شر ما في الرجل شح هالع وجبن خالع) رواه أبو داود.
وقال ﷺ (يتقارب الزمان، وينقص العمل، ويلقى الشح، ويكثر الهرج).
• فالشح يؤدي إلى قطيعة الرحم، والظلم والبغي، والعدوان على الناس وغير ذلك.
стр. 1787
• وإضافتُهُ إلى النفسِ لأنَّه غريزةٌ فيها مقتضيةٌ للحرصِ على المنعِ الذي هو البخلُ، ولهذا قال تعالى (وأحضرت الأنفس الشح)
• قال ابن عاشور: وأضيف في هذه الآية إلى النفس لذلك فهو غريزة لا تسلم منها نفس.
(وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) أي: وإن تتجشموا مشقة الصبر على ما تكرهون منهن وتقسموا لهن أسوة أمثالهن فإن الله عالم بذلك، وسيجزيكم على ذلك أوفر الجزاء.
• قال أبو حيان: ندب تعالى إلى الإحسان في العشرة على النساء وإن كرهن مراعاة لحق الصحبة، وأمر بالتقوى في حالهن، لأنّ الزوج قد تحمله الكراهة للزوجة على أذيتها وخصومتها لا سيما وقد ظهرت منه أمارات الكراهة من النشوز والإعراض،
وقد وصى النبي ﷺ بهنّ " فإنهنّ عوان عند الأزواج ".
• قوله تعالى (وأن تحسنوا) الإحسان: هو إتقان العمل
• قوله تعالى (وتتقوا) بترك المحظور والمنهيات.
قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) قال أبو حيان: وختم آخر هذه بصفة الخبير وهو علم ما يلطف إدراكه ويدق، لأنه قد يكون بين الزوجين من خفايا الأمور ما لا يطلع عليه إلا الله تعالى، ولا يظهران ذلك لكل أحد.
الفوائد:
١ - حرص الشريعة على الإصلاح.
٢ - أنه يجوز الاصطلاح بين الزوجين على ما يتفقا بينهما.
٣ - للزوجة أن تسقط بعض حقها لكي لا يطلقها زوجها.
٤ - أن الصلح خير في كل شيء.
٥ - ذم الشح.
٦ - فضل الكرم.
٧ - الحث على الإحسان والتقوى.
٨ - عموم علم الله تعالى.
стр. 1788
(وَلَن تَسْتَطِيعُواْ أَن تَعْدِلُواْ بَيْنَ النِّسَاء وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُواْ كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِن تُصْلِحُواْ وَتَتَّقُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٢٩) وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللَّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (١٣٠)) [النساء: ١٢٩ - ١٣٠].
(وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ) أي: لن تقدروا أن تسووا بين النساء في الحب وميل القلب ولو حرصتم عى العدل.
• قال القرطبي: أخبر تعالى بنفي الاستطاعة في العدل بين النساء، وذلك في ميل الطبع بالمحبة والجماع والحظ من القلب، فوصف الله تعالى حالة البشر وأنهم بحكم الخلقة لا يملكون ميل قلوبهم إلى بعض دون بعض.
• وقال الشنقيطي: هذا العدل الذي ذكر الله تعالى هنا أنه لا يستطاع، هو العدل في المحبة والميل الطبيعي، لأنه ليس تحت قدرة البشر، بخلاف العدل في الحقوق الشرعية فإنه مستطاع.
• وقال ابن كثير: أي: ولن تستطيعوا أيها الناس أن تساووا بين النساء من جميع الوجوه، فإنه وإن وقع القسم الصوري ليلة وليلة فلا بد من التفاوت في المحبة والشهوة.
• وقال الرازي: المعنى أنكم لستم منهيين عن حصول التفاوت في الميل القلبي لأن ذلك خارج عن وسعكم، ولكنكم منهيون عن إظهار ذلك التفاوت في القول والفعل.
وقد جاء في الحديث (أن النبي ﷺ كان يقول: اللهم هذا قسمي فيما أملك فلا تلمني فيما لا أملك).
(فَلا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ) أي: فإذا ملتم إلى واحدة منهن فلا تبالغوا في الميل بالكلية.
• قال ابن عاشور: أي لا يُفْرط أحدكم بإظهار الميل إلى أحداهنّ أشدّ الميل حتّى يسوء الأخرى بحيث تصير الأخرى كالمعلّقة.
(فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ) أي: فتبقى هذه الأخرى معلقة، قال بعض العلماء: أي: لا ذات زوج ولا مطلقة.
(وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا) أي: وإن أصلحتم في أموركم وقسمتم بالعدل فيما تملكون واتقيتم الله في جميع الأحوال غفر الله لكم ما كان من ميل إلى بعض النساء دون بعض.
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً) تقدم شرحها.
(وَإِنْ يَتَفَرَّقَا) أي: وإن يفارق كل واحد منهما صاحبه.
стр. 1789
(يُغْنِ اللَّهُ كُلّاً مِنْ سَعَتِهِ) الزوجة يرزقها بزوج صالح، والزوج يرزقه الله بزوجة صالحة.
• قال القرطبي: أي: وإن لم يصطلحا بل تفرّقا فليحسنا ظنهما بالله، فقد يقيّض للرجل امرأة تقرّ بها عينه، وللمرأة من يوسِّع عليها.
• قال الماوردي: يحتمل ثلاثة أوجه:
أحدها: يغني الله كل واحد منهما بالقناعة والصبر عن صاحبه.
والثاني: يغني الله كل واحد منهما عن صاحبه بمن هو خير منه.
والثالث: يغني الله كل واحد منهما بمال يكون أنفع له من صاحبه.
(وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعاً) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير.
وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه.
وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم.
فالله واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته.
والله واسع المغفرة.
ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).
والله واسع العلم:
كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً).
والله واسع الرحمة:
كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ).
(حَكِيماً) يضع الأمور في مواضعها.
الفوائد:
١ - وجوب العدل بين الزوجات فيما يستطيعه الإنسان.
٢ - لا يكلف الله نفساً إلا وسعها.
٣ - على الإنسان أن يجتهد أن يعدل بقدر استطاعته.
٤ - رحمة الله بالزوجين.
٥ - أن الله واسع حكيم.
(الأحد: ٢/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1790
(وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُواْ اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (١٣١) وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً (١٣٢) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (١٣٣)). [١٣١ - ١٣٢].
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها، فلا يتعذر عليه الإغناء بعد الفرقة، ولا الإيناس بعد الوحشة ولا ولا وفيه من التنبيه على كمال سعته وعظم قدرته ما لا يخفى.
قال بعض العلماء: أنه تعالى لما أمر بالعدل والإحسان إلى اليتامى والمساكين بيّن أنه ما أمر بهذه الأشياء لاحتياجه إلى أعمال العباد، لأن مالك السماوات والأرض كيف يعقل أن يكون محتاجاً إلى عمل الإنسان مع ما هو عليه من الضعف والقصور، بل إنما أمر بها رعاية لما هو الأحسن لهم في دنياهم وأخراهم.
(وَلَقَدْ وَصَّيْنَا) أي: عهدنا.
والوصية: هي العهد بالشيء مع التأكيد.
(الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) كاليهود والنصارى وغيرهم ممن أوتوا الكتاب، لأن كل رسول معه كتاب كما قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ).
(وَإِيَّاكُمْ) أي: وصيناكم بما وصيناهم به.
(أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ) أي: اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه [وقد تقدمت مباحث التقوى].
وفي الحديث عن العرباض بن سارية: وَعَظَنا رسول الله موعظة وجلت منها القلوب، وذرفت منها العيون، فقلنا يا رسول الله: كأنَّهَا موعظة مُوَدّعٍ فأوْصِنا، قال: "أوصيكم بتقوى الله والسمع والطاعة) رواه الترمذي.
• قال القرطبي: والمراد بالآية أن الأمر بتقوى الله شريعة عامة لجميع الأمم لم يلحقها نسخ ولا تبديل، بل هو وصية الله في الأولين والآخرين.
• قال ابن عاشور: والإخبارْ بأنّ الله أوصى الذين أوتوا الكتاب من قبل بالتقوى مقصود منه إلْهاب همم المسلمين للتهمّم بتقوى الله لئلاّ تفضلهم الأمم الذين من قبلهم من أهل الكتاب، فإنّ للائتساء أثراً بالغاً في النفوس، كما قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم).
(وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) أي: وإن تكفروا فلا يضره تعالى كفركم، لأنه مستغن عن العباد.
كما قال تعالى (فَكَفَرُوا وَتَوَلَّوْا وَاسْتَغْنَى اللَّهُ وَاللَّهُ غَنِيٌّ حَمِيدٌ).
وقال تعالى (وَقَالَ مُوسَى إِنْ تَكْفُرُوا أَنْتُمْ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّ اللَّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ).
стр. 1791
وقال تعالى (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ وَلا يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ).
وقال تعالى (وَلا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئاً وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ).
• قال ابن عاشور: بيَّن بها عدم حاجته تعالى إلى تقوى الناس، ولكنّها لصلاح أنفسهم، كما قال (إن تكفروا فإنّ الله غنيّ عنكم ولا يرضى لعباده الكفر).
(وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً) عن جميع عباده، فالله غني عن كل ما سواه، غني في نفسه لكثرة ما عنده، غني عن خلقه، كما قال تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) له ملك السموات والأرض، وخزائن السموات والأرض كلها بيده، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ خَزَائِنُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وقال تعالى (وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا عِنْدَنَا خَزَائِنُهُ وَمَا نُنَزِّلُهُ إِلَّا بِقَدَرٍ مَعْلُومٍ)، فخزائنه ملأ، لايغيضها كثرة الإنفاق، وليس بحاجة إلى خلقه، لا تنفعه طاعة الطائعين، ولا تضره معصية العاصين، وكل شيء فقير إليه.
• قال ابن القيم: هو الغني بذاته الذي كل ما سواه محتاج إليه، وليس به حاجة إلى أحد.
• وقال السعدي: هو الغني بذاته، الذي له الغنى التام المطلق، من جميع الوجوه، والاعتبارات لكماله، وكمال صفاته، فلا يتطرق إليها نقص بوجه من الوجوه، ولا يمكن أن يكون إلا غنياً، لأن غناه من لوازم ذاته، كما لا يكون إلا خالقاً قادراً رازقاً محسناً فلا يحتاج إلى أحد بوجه من الوجوه، فهو الغني الذي بيده خزائن السماوات والأرض، وخزائن الدنيا والآخرة، المغني جميع خلقه غنى عاماً.
قال: ومن كمال غناه: أنه لم يتخذ صاحبة ولا ولداً ولا شريكاً في الملك، ولا ولياً من الذل.
وقال الخطابي: الغني: هو الذي استغنى عن الخلق وعن نصرتهم وتأييدهم لمُلكه، فليست به حاجة إليهم، وهم إليه فقراء محتاجون.
• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم:
أولاً: إفراد الله تعالى بالعبادة، لأنه سبحانه هو الغني الغنى المطلق المطلق، والغنى وصف له سبحانه ذاتي وما سواه من الخلائق مفتقر إليه، فالأمر كله له والملك كله له، وجميع الخلق مربوبون مملوكون، فكيف يتخذ منهم معبوداً مع الله تعالى؟
ثانياً: الافتقار التام إلى الله ، لأن الفقر صفة ذاتية ملازمة للعبد في جميع أحيانه ولا حول ولا قوة إلا بالله تعالى، ولا يستغني عن ربه سبحانه طرفة عين، لأنه سبحانه الغني ذو الغنى المطلق الذي لا يحتاج إلى أحد، وكل أحد محتاج إليه.
ثالثاً: أن هذا الاسم يثمر في قلب المؤمن الغنى القلبي كما في الحديث (ليس الغنى عن كثرة العرض، ولكن الغنى غنى القلب) وهذا يثمر الاستغناء بالله تعالى وحده عن الناس وعزة النفس، والتعفف والزهد بما في أيدي الناس، وعدم التذلل لهم وعدم التعلق بأعطياتهم وإعانتهم، بل يجرد العبد تعلقه وقضاء حوائجه وطلب رزقه بالله الغني الحميد الكريم الوهاب الذي لا تفنى خزائنه.
стр. 1792
رابعاً: أن الله غني عن عباده، ومع ذلك فهو محسن إليهم، رحيم بهم، وهذا من كمال غناه وكرمه ورحمته.
أما العباد فإنهم يحسنون إلى بعضهم البعض لتعلق مصالحهم بذلك إما عاجلاً وإما آجلاً.
• فغنى الله يتضمن شيئين: الأول: الغنى الذاتي، لكثرة ما يملكه، إذ كل شيء ملكه، والثاني: الغنى عن الغير، فلا يحتاج إلى أحد وغيره محتاج إليه.
(حَمِيداً) اسم من أسماء الله، قال ابن جرير: أي محمود عند خلقه بما أولاهم من نعمه، وبسط لهم من فضله.
• وقال الخطابي: الحميد: هو المحمود الذي استحق الحمد بأفعاله.
• وقال ابن كثير: أي: المحمود في جميع أفعاله وأقواله وقدره لا إله إلا هو ولا رب سواه.
• وقال السعدي: وأما الحميد فهو من أسماء الله تعالى الجليلة الدال على أنه [هو] المستحق لكل حمد ومحبة وثناء وإكرام، وذلك لما اتصف به من صفات الحمد، التي هي صفة الجمال والجلال، ولما أنعم به على خلقه من النِّعم الجزال، فهو المحمود على كل حال.
• وقال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الصحيح أنها بمعنى المحمود والحامد، فالله سبحانه حامدٌ من يستحق الحمد، وما أكثر الثناء على من يستحقون الثناء في كتاب الله، وهو كذلك محمود على كمال صفاته، وتمام إنعامه.
• وغنى الله مقرون بحمده كما في هذه الآية، وقال تعالى في آية أخرى (الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ) فهو غني يحمد على غناه، لأنه يجود به على غيره.
فالله ذو الغنى الواسع. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
وقال تعالى (الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
وقال تعالى (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ).
قال الشيخ ابن عثيمين: وليس كل غني يحمد على غناه، فالغني البخيل كالفقير تماماً، بل أردأ من الفقير وأسوأ حالاً، لأن الغني يذم، والفقير لا يذم.
стр. 1793
(وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ) تقدم شرحها.
• قال القرطبي: إن قال قائل: ما فائدة هذا التكرير؟ فعنه جوابان
أحدهما: أنه كرر تأكيداً؛ ليتنبه العباد وينظروا ما في ملكوته وملكه وأنه غني عن العالمين.
الجواب الثاني: أنه كرر لفوائد: فأخبر في الأوّل أن الله تعالى يغني كلا من سعته، لأن له ما في السموات وما في الأرض فلا تنفذ خزائنه.
• وقال البغوي: فإن قيل: فأي فائدة في تكرار قوله تعالى (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ).
قيل: لكلّ واحد منهما وجه.
أمّا الأول: فمعناه لله ما في السموات وما في الأرض وهو يُوصيكم بالتقوى فاقبلوا وصيتَه.
وأمّا الثاني فيقول: فإن لله ما في السموات وما في الأرض وكان الله غنيًّا أي: هو الغني وله الملك فاطلبوا منه ما تطلبون.
وأمّا الثالث فيقول (وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلا) أي: له الملك فاتخذوه وكيلاً ولا تتوكلوا على غيره.
• وقال الشيخ ابن عثيمن: هذه تكرار، لكنه تكرار مهم، ففي الأول بيان غناه عن خلقه، وفي الثاني: بيان مراقبته لخلقه، فالآية الأخيرة تتضمن التحذير من المخالفة، والأولى تتضمن الأمر بالموافقة.
(وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً) لمن توكل عليه واعتمد عليه سبحانه.
(إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) أي: هو قادر على إذهابكم وتبديلكم بغيركم إذا عصيتموه.
كما قال تعالى (وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ).
وقال تعالى (إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ. وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ).
• قال القرطبي: قوله تعالى: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ) يعني بالموت (أَيُّهَا الناس) يريد المشركين والمنافقين (وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) يعني بغيركم.
ولما نزلت هذه الآية ضرب رسول الله ﷺ على ظهر سلمان وقال: " هم قوم هذا " وقيل: الآية عامة، أي وإن تكفروا يذهبكم ويأت بخلق أطوع لله منكم.
وهذا كما قال في آية أُخرى (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم).
وفي الآية تخويف وتنبيه لجميع من كانت له ولاية وإمارة ورياسة فلا يعدل في رعيته، أو كان عالماً فلا يعمل بعلمه ولا ينصح الناس، أن يُذهبه ويأتيَ بغيره.
стр. 1794
• قال الشنقيطي: (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا الناس وَيَأْتِ بِآخَرِينَ) الآية ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أنه إن شاء أذهب الناس الموجودين وقت نزولها، وأتى بغيرهم بدلاً منهم، وأقام الدليل على ذلك في موضع آخر، وذلك الدليل هو أنه أذهب من كان قبلهم وجاء بهم بدلاً منهم وهو قوله تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَسْتَخْلِفْ مِن بَعْدِكُمْ مَّا يَشَآءُ كَمَآ أَنشَأَكُمْ مِّن ذُرِّيَّةِ قَوْمٍ آخَرِينَ).
وذكر في موضع آخر: أنهم إن تولوا أبدل غيرهم وأن أولئك المبدلين لا يكونون مثل المبدل منهم بل يكونون خيراً منهم، وهو قوله تعالى (وَإِن تَتَوَلَّوْاْ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ ثُمَّ لَا يكونوا أَمْثَالَكُم).
وذكر في موضع آخر: أن ذلك هين عليه غير صعب وهو قوله تعالى (إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ وَمَا ذلك عَلَى الله بِعَزِيزٍ) أي: ليس بممتنع ولا صعب.
(وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيراً) القدرة، وصف يتمكن به القادر من الفعل بلا عجز، فالقدرة ضدها العجز، قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً).
الفوائد:
١ - عموم ملك الله تعالى.
٢ - اختصاص الملك العام لله.
٣ - أهمية تقوى الله تعالى.
٤ - أن الله لا يضره شيء.
٥ - غنى الله الكامل.
٦ - فقر العباد لربهم.
٧ - كمال مراقبة الله لعبادة.
٨ - إثبات المشيئة.
٩ - بيان قدرة الله تعالى.
١٠ - تهديد لمن يخالف أمر الله تعالى.
стр. 1795
(مَّن كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِندَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (١٣٤)). [النساء: ١٣٤].
(مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) قال ابن كثير: أي: يا من ليس همه إلا الدنيا، اعلم أن عند الله ثواب الدنيا والآخرة، وإذا سألته من هذه وهذه أعطاك وأغناك وأقناك كما قال تعالى (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ).
وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلاهَا مَذْمُوماً مَدْحُوراً. وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُوراً).
وقيل: الآية في المنافقين.
• قال القرطبي: (مَنْ كَانَ يُرِيدُ ثَوَابَ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالْآَخِرَةِ) أي: من عمل بما افترضه الله عليه طلباً للآخرة أتاه الله ذلك في الآخرة، ومن عمل طلباً للدنيا أتاه بما كتب له في الدنيا وليس له في الآخرة من ثواب؛ لأنه عمل لغير الله كما قال تعالى (وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِن نَّصِيبٍ) وقال تعالى (أولئك الذين لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخرة إِلاَّ النار) وهذا على أن يكون المراد بالآية المنافقون والكفار، وهو اختيار الطبري.
واختار ابن كثير المعنى الأول وقال: … فإن قوله (فَعِنْدَ اللَّهِ ثَوَابُ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ) ظاهر في حضور الخير في الدنيا والآخرة، أي: بيده هذا وهذا، فلا يقْتَصِرَنَّ قاصر الهمة على السعي للدنيا فقط، بل لتكن همته سامية إلى نيل المطالب العالية في الدنيا والآخرة، فإن مرجع ذلك كله إلى الذي بيده الضر والنفع، وهو الله الذي لا إله إلا هو، الذي قد قسم السعادة والشقاوة في الدنيا والآخرة بين الناس، وعدل بينهم فيما علمه فيهم، ممن يستحق هذا، وممن يستحق هذا؛ ولهذا قال (وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا).
• قال أبو حيان: والذي يظهر أنّ جواب الشرط محذوف لدلالة المعنى عليه، والتقدير: من كان يريد ثواب الدنيا فلا يقتصر عليه، وليطلب الثوابين، فعند الله ثواب الدنيا والآخرة.
стр. 1796
• وقال الراغب: فعند الله ثواب الدنيا والآخرة تبكيت للإنسان حيث اقتصر على أحد السؤالين مع كون المسؤول مالكاً للثوابين، وحث على أن يطلب منه تعالى ما هو أكمل وأفضل من مطلوبه، فمن طلب خسيساً مع أنه يمكنه أن يطلب نفيساً فهو دنيء الهمة.
(وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعاً) والسميع: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.
كما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
ومنه كقوله ﷺ (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.
стр. 1797
• آثار الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.
ثانياً: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.
وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:
فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
ودعا يوسف ﵇ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(بَصِيراً) البصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر.
• قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع.
قال ابن القيم:
وهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ … سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ
ويرى مجاري القوت في أعضائها … ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ.
ويرى خيانات العيون بِلْحظِها … وويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ.
стр. 1798
• وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ).
وقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً).
• والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهدايى منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).
• وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً).
• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تن تراه فإنه يراك).
الفوائد:
١ - أن خير الدنيا والآخرة كله عند الله.
٢ - ذم من يطلب الدنيا فقط.
٣ - انحطاط رتبة الدنيا على الآخرة.
٤ - إثبات اسمين من أسماء الله: وهما السميع والبصير.
стр. 1799
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِ ن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (١٣٥)). [النساء: ١٣٥].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين أن يكونوا قوامين بالقسط، أي: بالعدل، فلا يعدلوا عنه يميناً ولا شمالاً، ولا تأخذهم في الله لومة لائم، ولا يصرفهم عنه صارف.
• قال القرطبي: قوله تعالى (قوامين) بناء مبالغة، أي ليتكرر منكم القيام بالقسط، وهو العدل في شهادتكم على أنفسكم، وشهادة المرء على نفسه إقراره بالحقوق عليها.
ثم ذكر الوالدين لوجوب بِرِّهما وعِظم قدرِهما، ثم ثنّى بالأقربين إذ هم مظنة المودّة والتعصب؛ فكان الأجنبي من الناس أحرى أن يقام عليه بالقسط ويشهد عليه، فجاء الكلام في السورة في حفظ حقوق الخلق في الأموال.
• وقال ابن عاشور: وصيغة (قوّامين) دالّة على الكثرة المراد لازمها، وهو عدم الإخلال بهذا القيام في حال من الأحوال، والقِسط العدل، وقد تقدّم عند قوله تعالى (قائماً بالقسط) في سورة آل عمران.
(شُهَدَاءَ لِلَّهِ) كما قال تعالى (وأقيموا الشهادة لله) أي: ليكن أداؤها ابتغاء وجه الله، فحينئذ تكون صحيحة عادلة حقاً، خالية من التحريف والتبديل والكتمان.
(وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ) أي: اشهد الحق ولو عاد ضررها عليك، وإذا سُئلت عن الأمر فقل الحق فيه وإن كان مضرة عليك، فإن الله سيجعل لمن أطاعه فرجاً ومخرجاً من كل أمر يضيق عليه.
(أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) أي: وإن كانت الشهادة على والديك وقرابتك، فلا تُراعهم فيها، بل اشهد بالحق وإن عاد ضررها عليهم، فإن الحق حاكم على كل أحد، وهو مقدم على كل أحد.
(إِنْ يَكُنْ غَنِيّاً أَوْ فَقِيراً فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا) أي: لا ترعاه لغناه ولا تشفق عليه لفقره، الله يتولاهما، بل هو أولى بهما منك، وأعلم بما فيه صلاحهما.
• قال الرازي: أي إن يكن المشهود عليه غنياً أو فقيراً فلا تكتموا الشهادة، إما لطلب رضا الغنى أو الترحم على الفقير، فالله أولى بأمورهما ومصالحهما.
• قال القرطبي: في الكلام إضمار وهو اسم كان؛ أي إن يكن الطالب أو المشهود عليه غنِياً فلا يُراعى لغناه ولا يُخاف منه، وإن يكن فقيراً فلا يُراعى إشفاقاً عليه (فالله أولى بِهِمَا) أي فيما اختار لهما من فقر وغِنى.
• قال ابن عاشور: والمقصود من ذلك التحذير من التأثّر بأحوال يَلتبس فيها الباطل بالحقّ لما يحفّ بها من عوارض يتوهّم أنّ رعيها ضرب من إقامة المصالح، وحراسة العدالة، فلمّا أبطلت الآية التي قبلها التأثّر للحميّة أعقبت بهذه الآية لإبطال التأثّر
بالمظاهر التي تستجلب النفوسَ إلى مراعاتها فيتمحّض نظرها إليها، وتُغضي بسببها عن تمييز الحقّ من الباطل، وتذهل عنه، فمن النفوس من يَتوهّم أنّ الغنى يربأ بصاحبه عن أخذ حقّ غيره، يقول في نفسه: هذا في غنية عن أكل حقّ غيره، وقد أنعم الله عليه بعدم الحاجة.
стр. 1800
ومن الناس من يميل إلى الفقير رقّة له، فيحسبه مظلوماً، أو يحسب أنّ القضاء له بمال الغنيّ لا يضرّ الغنيّ شيئاً؛ فنهاهم الله عن هذه التأثيرات بكلمة جامعة وهي قوله (إن يكن غنياً أو فقيراً فالله أولى بهما).
• قال السعدي: والقيام بالقسط من أعظم الأمور وأدل على دين القائم به، وورعه ومقامه في الإسلام، فيتعين على من نصح نفسه وأراد نجاتها أن يهتم له غاية الاهتمام، وأن يجعله نُصْب عينيه، ومحل إرادته، وأن يزيل عن نفسه كل مانع وعائق يعوقه عن إرادة القسط أو العمل به.
وأعظم عائق لذلك اتباع الهوى، ولهذا نبه تعالى على إزالة هذا المانع بقوله:
(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: فلا يحملنكم الهوى والعصبية وبغْضَة الناس إليكم، على ترك العدل في أموركم وشؤونكم، بل الزموا العدل على أي حال كان، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى).
(فَلا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا) أي: كراهة أن تعدلوا.
• قال ابن عاشور: فجعل الميل نحو الموالي والأقارب من الهوى، والنظر إلى الفقر والغنى من الهوى.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (فَلَا تَتَّبِعُواْ الهوى) نهي، فإن اتباع الهوى مُرْدٍ، أي مهلك؛ قال الله تعالى (فاحكم بَيْنَ الناس بالحق وَلَا تَتَّبِعِ الهوى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ الله) فاتباع الهوى يحمل على الشهادة بغير الحق، وعلى الجور في الحكم، إلى غير ذلك.
• وقال الشعبيّ: أخذ الله على الحكام ثلاثة أشياء: ألاّ يتّبعوا الهوى، وألاّ يخشَوا الناسَ ويخشوه، وألاّ يشتروا بآياته ثمناً قليلاً.
(وَإِنْ تَلْوُوا) أي: تحرفوا الشهادة وتغيروها، و (اللي) هو التحريف وتعمد الكذب.
(أَوْ تُعْرِضُوا) الإعراض هو كتمان الشهادة وتركها، قال الله تعالى (ولا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ).
(فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيراً) وعيد شديد، أي: وسيجازيكم بذلك.
• قال السعدي: أي: محيط بما فعلتم، يعلم أعمالكم خفيها وجليها، وفي هذا تهديد شديد للذي يلوي أو يعرض، ومن باب أولى وأحرى الذي يحكم بالباطل أو يشهد بالزور، لأنه أعظم جرماً، لأن الأولين تركا الحق، وهذا ترك الحق وقام بالباطل.
الفوائد:
١ - وجوب إقامة الشهادة.
٢ - وجوب العدل فيها.
٣ - وجوب العدل في الشهادة.
٤ - الإشارة إلى الإخلاص في أداء الشهادة.
٥ - وجوب الإقرار على من عليه الحق.
٦ - تحريم المحاباة للوالدين أو الأقربين.
٧ - خطر الهدى وتحريمه.
٨ - تهديد من خالف أمر الله وظلم.
(الأحد: ٨/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1801
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ آمِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِيَ أَنزَلَ مِن قَبْلُ وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالاً بَعِيدًا (١٣٦)). [النساء: ١٣٦].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته.
• فإن قيل: كيف يأمر هم الله بالإيمان وهم متصفون بذلك؟
قيل: المراد المداومة على ذلك والثبات عليه وتكميل النقائص.
• قال ابن كثير: يأمر الله تعالى عباده المؤمنين بالدخول في جميع شرائع الإيمان وشُعَبهِ وأركانه ودعائمهِ، وليس هذا من باب تحصيل الحاصل، بل من باب تكميل الكامل وتقريره وتثبيته والاستمرار عليه.
• وقال السعدي: اعلم أن الأمر إما أن يوجه إلى من لم يدخل في الشيء ولم يتصف بشيء منه، فهذا يكون أمراً له في الدخول فيه، وذلك كأمر من ليس بمؤمن بالإيمان، كقوله تعالى (يَأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نزلْنَا مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ).
وإما أن يوجه إلى من دخل في الشيء، فهذا يكون أمره ليصحح ما وجد منه ويحصل ما لم يوجد، ومنه ما ذكره الله في هذه الآية من أمر المؤمنين بالإيمان، فإن ذلك يقتضي أمرهم بما يصحح إيمانهم من الإخلاص والصدق، وتجنب المفسدات والتوبة من جميع المنقصات، ويقتضي أيضا الأمر بما لم يوجد من المؤمن من علوم الإيمان وأعماله، فإنه كلما وصل إليه نص وفهم معناه واعتقده فإن ذلك من الإيمان المأمور به.
• وقال الماوردي: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ ءَامِنُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ) فإن قيل فكيف قيل لهم (ءَامِنُواْ) وحُكِي عنهم أنهم آمنوا؟ فعن ذلك ثلاثة أجوبة:
أحدها: يا أيها الذين آمنواْ بمن قبل محمد من الأنبياء آمنواْ بالله ورسوله ويكون ذلك خطاباً ليهود والنصارى.
الثاني: معناه يا أيها الذين آمنوا بأفواههم أمنواْ بقلوبكم، وتكون خطاباً للمنافقين.
والثالث: معناه يا أيها الذين آمنوا داومواْ على إيمانكم، ويكون هذا خطاباً للمؤمنين، وهذا قول الحسن.
• وقال الآلوسي: قوله تعالى (يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ) خطاب للمسلمين كافة فمعنى قوله تعالى (ءامِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ والكتاب الذى نَزَّلَ على رَسُولِهِ والكتاب الذى أَنَزلَ مِن قَبْلُ) أثبتوا على الإيمان بذلك وداوموا عليه، وروي هذا عن الحسن واختاره الجبائي.
وقيل: الخطاب لهم، والمراد ازدادوا في الإيمان طمأنينة ويقيناً، أو: آمنوا بما ذكر مفصلاً بناءاً على أن إيمان بعضهم إجمالي، وأياً مّا كان فلا يلزم تحصيل الحاصل، وقيل: الخطاب للمنافقين المؤمنين ظاهراً فمعنى (ءامَنُواْ) أخلصوا الإيمان، واختاره الزجاج وغيره.
(وَرَسُولِهِ) أي: محمد ﷺ .
стр. 1802
(وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ) يعني: القرآن.
(وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ) وهذا جنس يشمل جميع الكتب المتقدمة.
• قال ابن كثير: قال في القرآن (نزّل) لأنه نزل مفرقاً منجماً على الوقائع، بحسب ما يحتاج العباد إليه في معادهم ومعاشهم، وأما الكتب المتقدمة فكانت تنزل جملة واحدة.
• وقال ابن عاشور: وجاء في صلة وصف الكتاب (الذي نَزّل على رسوله) بصيغة التفعيل، وفي صلة الكتاب (الذي أنزل من قبل) بصيغة الإفعال تفنّنا، أو لأنّ القرآن حينئذٍ بصدد النزول نجوماً، والتوراة يومئذٍ قد انقضى نزولها.
ومن قال: لأنّ القرآن أنزل منجّماً بخلاف غيره من الكتب فقد أخطأ إذ لا يعرف كتاب نزل دَفْعَة واحدة.
(وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالا بَعِيداً) وأي ضلال أبعد من ضلال من ترك طريق الهدى المستقيم، وسلك الطريق الموصلة له إلى العذاب الأليم؟
واعلم أن الكفر بشيء من هذه المذكورات كالكفر بجميعها، لتلازمها وامتناع وجود الإيمان ببعضها دون بعض.
الفوائد:
١ - وجوب الثبات على الإيمان.
٢ - وجوب تكميل الإيمان.
٣ - أن القرآن منزل.
٤ - أن القرآن الكريم نزل منجماً مفرقاً.
٥ - وجوب الإيمان بالكتب السابقة.
٦ - التحذير من الكفر.
стр. 1803
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ آمَنُواْ ثُمَّ كَفَرُواْ ثُمَّ ازْدَادُواْ كُفْرًا لَّمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً (١٣٧)). [النساء: ١٣٧].
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْراً) يخبر تعالى عمن دخل في الإيمان ثم رجع عنه، ثم عاد فيه ثم رجع، واستمر على ضلاله وازداد حتى مات، فإنه لا توبة بعد موته، ولا يغفر الله له، ولا يجعل له مما هو فيه فرجاً ولا مخرجاً، ولا طريقاً إلى الهدى.
• قال ابن عطية: واختلف المتأولون في المراد بقوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا).
فقالت طائفة منهم قتادة وأبو العالية: الآية في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً بمحمد ﷺ ، ورجح الطبري هذا القول.
وقال الحسن بن أبي الحسن: الآية في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا بالذي أنزل على الذين آمنوا وجه النهار واكفروا آخره).
وقال مجاهد وابن زيد: الآية في المنافقين، فإن منهم من كان يؤمن ثم يكفر، ثم يؤمن ثم يكفر، يتردد في ذلك، فنزلت هذه الآية فيمن ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات.
قال القاضي: وهذا هو القول المترجح، وقول الحسن بن أبي الحسن جيد محتمل، وقول قتادة وأبي العالية وهو الذي رجح الطبري قول ضعيف، تدفعه ألفاظ الآية، وذلك أن الآية إنما هي في طائفة يتصف كل واحد منها بهذه الصفة من التردد بين الكفر والإيمان، ثم يزداد كفراً بالموافاة، واليهود والنصارى لم يترتب في واحد منهم إلا إيمان واحد وكفر واحد، وإنما يتخيل فيهم
الإيمان والكفر مع تلفيق الطوائف التي لم تتلاحق في زمان واحد، وليس هذا مقصد الآية.
• قال أبو حيان: قوله تعالى (إن الذين آمنوا ثم كفروا ثم آمنوا ثم كفروا ثم ازدادوا كفراً) لما أمر بالأشياء التي تقدم ذكرها، وذكر أنّ من كفر بها أو بشيء منها فهو ضال، أعقب ذلك بفساد، وطريقة من كفر بعد الإيمان، وأنه لا يغفر له على ما بين.
والظاهر أنها في المنافقين إذ هم المتلاعبون بالدين، فحيث لقوا المؤمنين (قالوا آمنا) وإذا لقوا أصحابهم (قالوا إنا مستهزئون) ولذلك جاء بعده بشر المنافقين، فهم مترددون بين إظهار الإيمان والكفر باعتبار من يلقونه.
ومعنى ازداد كفراً بأن تم على نفاقه حتى مات، وقيل: ازدياد كفرهم هو اجتماعهم في استخراج أنواع المكر والكيد في حرب المسلمين، وإلى هذا ذهب: مجاهد وابن زيد.
وقال الحسن: هي في الطائفة من أهل الكتاب التي قالت (آمنوا وجه النهار واكفروا آخره) قصدوا تشكيك المسلمين وازدياد كفرهم هو أنهم بلغوا في ذلك إلى حدّ الاستهزاء والسخرية بالإسلام.
стр. 1804
وقال قتادة وأبو العالية وطائفة، ورجحه الطبري: هي في اليهود والنصارى، آمنت اليهود بموسى والتوراة ثم كفروا، وآمنت النصارى بعيسى والإنجيل ثم كفروا، ثم ازدادوا كفراً بمحمد ﷺ ، وضعف هذا القول ابن عطية.
(لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) إذا ماتوا على كفرهم.
فالجمهور على تقدير محذوف أي: ثم ازدادوا كفراً وماتوا على الكفر، لأنه معلوم من هذه الشريعة أنه لو آمن وكفر مراراً ثم تاب عن الكفر وآمن ووافى تائباً، أنه مغفور له ما جناه في كفره السابق وإن تردد فيه مراراً.
(وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً) أي: طريقاً إلى الخير.
الفوائد:
١ - أن من لم يستقر الإيمان في قلبه يكون مآله إلى الردة.
٢ - أن من مات على الكفر لا يغفر الله له.
стр. 1805
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٣٨) الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِندَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ العِزَّةَ لِلّهِ جَمِيعًا (١٣٩)). [النساء: ١٣٨ - ١٣٩].
(بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: أخبر المنافقين الذين يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر (بِأَنَّ لَهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا) أي: عاباً مؤلماً موجعاً حساً ومعنى.
• قوله تعالى (بشر) التبشير في الأصل الإخبار بما يسر، وقد يطلق على الشر - كما هنا - تهكماً كما قال تعالى (ذق إنك أنت العزيز الكريم) وقال تعالى (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).
• قال ابن عاشور: … ولمّا كان التظاهر بالإيمان ثم تعقيبه بالكفر ضرباً من التهكّم بالإسلام وأهله، جيء في جزاء عملهم بوعيد مناسب لتهكّمهم بالمسلمين، فجاء به على طريقة التهكّم إذ قال (بشر المنافقين)، فإنّ البشارة هي الخبر بما يَفرحَ المخبَر به، وليس العذاب كذلك.
كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرا).
(الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن كثير: بمعنى أنهم معهم في الحقيقة، يوالونهم ويسرون إليهم بالمودة، ويقولون لهم إذا خلوا بهم: إنما نحن معكم، إنما نحن مستهزئون، أي: بالمؤمنين في إظهارنا لهم بالموافقة.
• قال تعالى منكراً عليهم فيما سلكوه من موالاة الكفار:
(أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ) أي: أيطلبون بموالاة الكفار القوة والغلبة؟ والإستفهام إنكاري، أي: إن الكفار لا عزة لهم فكيف تُبتغى منهم.
(فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) أي: إن العزة لله ولأوليائه، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لا يَعْلَمُونَ) وقال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ).
• قال ابن كثير: والمقصود من هذا: التهييج على طلب العزة من جناب الله.
الفوائد:
١ - تهديد المنافقين بالعذاب الأليم.
٢ - وجوب الحذر من صفات المنافقين.
٣ - خطر المنافقين.
٤ - أن من أقبح صفات المنافقين موالاة الكفار.
٥ - أن من تولى الكفار ففيه نفاق.
٦ - أن من ابتغى العزة من دون الله فهو ذليل.
٧ - وجوب تعليق القلب بالله تعالى.
стр. 1806
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكَفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا فَلَا تَقْعُدُواْ مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ إِنَّكُمْ إِذًا مِّثْلُهُمْ إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا (١٤٠) الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ فَإِن كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِّنَ اللَّهِ قَالُواْ أَلَمْ نَكُن مَّعَكُمْ وَإِن كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ قَالُواْ أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ وَنَمْنَعْكُم مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَن يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً (١٤١)) [النساء: ١٤٠ - ١٤٣].
(وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ) أي: في القرآن، والفاعل هو الله .
(أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ) المراد بآيات الله هنا الشرعية، وهي ما جاءت به الرسل، ولكن لا مانع أنها تشمل الآيات الكونية.
(يُكْفَرُ بِهَا) الكفر بآيات الله الشرعية بتكذيبها أو بمخالفتها، والكفر بآيات الله الكونية، بنسبتها إلى غير الله، أو جعْل شريك مع الله، أو أن لله معاوناً.
(وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) أي: تتخذ سخرية وهزواً، كأن يسخر بآيات الله الشرعية (القرآن) أو بأحكامه أو فيما أخبر به من الحوادث، مثل أن يسخر بيوم القيامة، أو يسخر بآدم، أو بقصص الأنبياء.
(فَلا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ) أي: فلا تمكثوا معهم.
(حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) أي: لا تجلسوا مع الكافرين الذين يستهزئون بآيات الله حتى يتحدثوا بحديث آخر ويتركوا الخوض في القرآن.
• (حتى) هنا تفيد الغاية، بمعنى إلى أن يخوضوا في حديث غيره، وتأتي (حنى) للتعليل مثل قوله تعالى (هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لا تُنْفِقُوا عَلَى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا) (حتى) للتعليل، والمعنى: (لا تنفقوا) لأجل أن ينفضوا.
• قال الجصاص: قوْله تَعَالَى: (وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا) فِيهِ نَهْيٌ عَنْ
مُجَالَسَةِ مَنْ يُظْهِرُ الْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَقَالَ تَعَالَى (فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وَ " حَتَّى " هَهُنَا تَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ:
أَحَدُهُمَا: أَنَّهَا تَصِيرُ غَايَةً لِحَظْرِ الْقُعُودِ مَعَهُمْ حَتَّى إذَا تَرَكُوا إظْهَارَ الْكُفْرِ وَالِاسْتِهْزَاءِ بِآيَاتِ اللَّهِ زَالَ الْحَظْرُ عَنْ مُجَالَسَتِهِمْ.
وَالثَّانِي: أَنَّهُمْ كَانُوا إذَا رَأَوْا هَؤُلَاءِ أَظْهَرُوا الْكُفْرَ وَالِاسْتِهْزَاءَ بِآيَاتِ اللَّهِ، فَقَالَ: لَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ لِئَلَّا يُظْهِرُوا ذَلِكَ وَيَزْدَادُوا كُفْرًا وَاسْتِهْزَاءً بِمُجَالَسَتِكُمْ لَهُمْ؛ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ.
ثم قال: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى وُجُوبِ إنْكَارِ الْمُنْكَرِ عَلَى فَاعِلِهِ وَأَنَّ مِنْ إنْكَارِهِ إظْهَارُ الْكَرَاهَةِ إذَا لَمْ يُمْكِنْهُ إزَالَتُهُ وَتَرْكُ مُجَالَسَةِ فَاعِلِهِ وَالْقِيَامُ عَنْهُ حَتَّى يَنْتَهِيَ وَيَصِيرَ إلَى حَالٍ غَيْرِهَا.
стр. 1807
(إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي: إذا ارتكبتم النهي بعد وصوله إليكم، ورضيت الجلوس معهم في المكان الذي بكفر فيه بآيات الله ويستهزأ وينتقص بها، وأقررتموهم على ذلك، فقد شاركتموهم في الذي هم فيه، ولهذا قال (إِنَّكُمْ إِذاً مِثْلُهُمْ) أي: في الماثم، كما جاء في الحديث (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يجلس على مائدة يدار عليها الخمر).
• والذي أحيل عليه في هذه الآية من النهي في ذلك هو قوله تعالى في سورة الأنعام وهي مكية (وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ)
• قال القرطبي: فدل بهذا على وجوب اجتناب أصحاب المعاصي إذا ظهر منهم منكر؛ لأن من لم يجتنبهم فقد رضِي فعلهم، والرّضا بالكفر كفر؛ قال الله (إِنَّكُمْ إِذاً مِّثْلُهُمْ) فكل من جلس في مجلس معصية ولم ينكِر عليهم يكون معهم في الوِزر سواء، وينبغي أن ينكِر عليهم إذا تكلموا بالمعصية وعمِلوا بها؛ فإن لم يقدر على النكِير عليهم فينبغي أن يقوم عنهم حتى لا يكون من أهل هذه الآية.
وإذا ثبت تجنّب أصحاب المعاصي كما بيّنا فتجنب أهل البدع والأهواء أولى.
• وقال ابن الجوزي: وقد نبّهت الآية على التحذير من مجالسة العصاة، قال إِبراهيم النخعي: إِن الرجل ليجلس في المجلس فيتكلم بالكلمة، فيرضى الله بها، فتصيبُه الرحمة فتعمُّ من حوله، وإِن الرجل ليجلس في المجلس، فيتكلم بالكلمة، فيسخط الله بها، فيصيبه السخط، فيعم من حوله.
• وقال ابن عاشور: وفي النهي عن القعود إليهم حكمة أخرى: وهي وجوب إظهار الغضب لله من ذلك كقوله (تُلْقُونَ إليهم بالمودّة وقد كَفروا بما جاءكم من الحقّ).
• قال البغوي: قوله تعالى تعالى (حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ) وإن خاضوا في حديث غيره فلا بأس بالقعود معهم مع الكراهة، وقال الحسن: لا يجوز القعود معهم وإن خاضوا في حديث غيره، لقوله تعالى (وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) والأكثرون على الأول. وآية الأنعام مكية وهذه مدنية والمتأخر أوْلَى.
(إِنَّ اللَّهَ جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعاً) وذلك يوم القيامة.
• وفي الآية أن المنافقين أشد من الكفار، لأن الله بدأ بهم، وكذلك بدأ بهم في قوله تعالى (لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ)، فجميع الآيات التي فيها الجمع بين المنافقين والكفار يقدم الله فيها المنافقين، إلا في آية واحدة وهي قوله (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ) وذلك لأن جهاد الكفار يكون بالسلاح علناً، وجهاد المنافقين يكون بالعلم والبيان وليس بالقتال.
стр. 1808
(الَّذِينَ يَتَرَبَّصُونَ بِكُمْ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يتربصون بالمؤمنين دوائر السوء، بمعنى ينتظرون زوال دولتهم، وظهور الكفر عليهم، وذهاب ملتهم.
• التربص الانتظار كقوله تعالى (يتربصن بأنفسهم) أي: ينتظرن.
(فَإِنْ كَانَ لَكُمْ فَتْحٌ مِنَ اللَّهِ) أي: نصر وتأييد وظفَر وغنيمة.
(قَالُوا) أي: الذين آمنوا نفاقاً لكم أيها المؤمنون.
(أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ) أي: يتوددون إلى المؤمنين بهذه المقالة، أي: فأعطونا من الغنيمة.
(وَإِنْ كَانَ لِلْكَافِرِينَ نَصِيبٌ) أي: إداة على المؤمنين في بعض الأحيان كما وقع يوم أحد، فإن الرسل تبتلى ثم يكون لها العاقبة.
(قَالُوا أَلَمْ نَسْتَحْوِذْ عَلَيْكُمْ) أي: ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم فأبقينا عليكم.
(وَنَمْنَعْكُمْ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ) بأن ثبطناهم عنكم، وتَوَاَنَيْنَا في مظاهرتهم حتى انتصرتم عليهم، وإلا لكنتم نهبة للنوائب.
• قال الرازي: وفي تفسير هذه الآية وجهان:
الأول: أن يكون بمعنى ألم نغلبكم ونتمكن من قتلكم وأسركم ثم لم نفعل شيئاً من ذلك ونمنعكم من المسلمين بأن ثبطناهم عنكم وخيلنا لهم ما ضعفت به قلوبهم وتوانينا في مظاهرتهم عليكم فهاتوا لنا نصيباً مما أصبتم.
الثاني: أن يكون المعنى أن أولئك الكفار واليهود كانوا قد هموا بالدخول في الإسلام، ثم إن المنافقين حذروهم عن ذلك وبالغوا في تنفيرهم عنه وأطعموهم أنه سيضعف أمر محمد وسيقوى أمركم، فإذا اتفقت لهم صولة على المسلمين قال المنافقون: ألسنا غلبنانكم على رأيكم في الدخول في الإسلام ومنعناكم منه وقلنا لكم بأنه سيضعف أمره ويقوى أمركم، فلما شاهدتم صدق قولنا فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.
والحاصل أن المنافقين يمنون على الكافرين بأنا نحن الذين أرشدناكم إلى هذه المصالح، فادفعوا إلينا نصيباً مما وجدتم.
• قال الرازي: فإن قيل: لم سمي ظفر المسلمين فتحاً وظفر الكفار نصيباً؟ قلنا: تعظيماً لشأن المؤمنين واحتقاراً لحظ الكافرين، لأن ظفر المؤمنين أمر عظيم تفتح له أبواب السماء حتى تنزل الملائكة بالفتح على أولياء الله، وأما ظفر الكافرين فما هو إلا حظ دنيء ينقضي ولا يبقى منه إلا الذم في الدنيا والعقوبة في العاقبة.
стр. 1809
• وقال ابن عاشور: وجُعل ما يحصل للمسلمين فتحاً لأنّه انتصار دائم، ونُسب إلى الله لأنّه مُقدّره ومريده بأسباب خفيّة ومعجزات بينّة.
(فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: بما يعلمه منكم - أيها المنافقون - من البواطن الرديئة، فلا تغتروا بجريان الأحكام الشرعية عليكم ظاهراً في الحياة الدنيا، لما له تعالى في ذلك من الحكمة، فيوم القيامة لا تنفعكم ظواهركم، بل هو يوم تبلى السرائر ويُحصّل ما في الصدور.
• قال الشوكاني: قوله تعالى فالله يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ يَوْمَ القيامة) بما انطوت عليه ضمائرهم من النفاق والبغض للحق وأهله، ففي هذا اليوم تنكشف الحقائق، وتظهر الضمائر، وإن حقنوا في الدنيا دماءهم، وحفظوا أموالهم بالتكلم بكلمة الإسلام نفاقاً.
(وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً) اختلف العلماء فيها:
فقيل: هذا يوم القيامة.
وقيل: إن الله لا يجعل لهم سبيلاً يمحو به دولة المؤمنين، ويُذهب آثارهم ويستبيح بَيْضَتهم.
• قال ابن كثير: وذلك باستئصال بالكلية، وإن حصل لهم ظفر في بعض الأحيان على بعض الناس، فإن العاقبة للمتقين في الدنيا والآخرة ولن يُسلّطوا عليهم استيلا
واختاره السعدي حيث قال: أي: تسلطاً واستيلاء عليهم، بل لا تزال طائفة من المؤمنين على الحق منصورة، لا يضرهم من خذلهم ولا من خالفهم، ولا يزال الله يحدث من أسباب النصر للمؤمنين، ودفعٍ لتسلط الكافرين، ما هو مشهود بالعيان. حتى إن [بعض] المسلمين الذين تحكمهم الطوائف الكافرة، قد بقوا محترمين لا يتعرضون لأديانهم ولا يكونون مستصغرين عندهم، بل لهم العز التام من الله، فله الحمد أوّلا وآخرًا، وظاهرًا وباطنًا.
الفوائد:
١ - أن القرآن منزل.
٢ - تحريم الجلوس مع الذين يستهزؤن بآيات الله
٣ - أن الحكم معلق بالسماع.
٤ - أن المشارك لفاعل المنكر كفاعل المنكر.
٥ - وجوب مغادرة المكان الذي يكفر فيه بآيات الله.
٦ - تحريم التعاون على الإثم والعدوان.
٧ - الحذر من جلساء السوء.
٨ - بيان شدة عداوة المنافقين للمؤمنين.
٨ - إثبات الجزاء والحكم بين الناس.
٩ - أنه ليس للكفار سبيل على المؤمن.
(الإثنين: ١٠/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1810
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٤٢) مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لَا إِلَى هَؤُلاء وَلَا إِلَى هَؤُلاء وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً (١٤٣)). [النساء: ١٤٢ - ١٤٣].
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ) يخبر تعالى عن المنافقين أنهم يخادعون الله، وأنهم يفعلون ما يفعل المخادع من إظهار الإيمان وإبطان الكفر.
(وَهُوَ خَادِعُهُمْ) ، فالله تعالى يخدع من يخدعه.
• قال ابن كثير: ولا شك أن الله تعالى لا يخادع، فإنه العالم بالسرائر والضمائر، ولكن المنافقين لجهلهم وقلة علمهم وعقلهم، يعتقدون أن أن أمرهم كما راج عند الناس وجرت عليهم أحكام الشريعة ظاهراً فكذلك يكون حكمهم يوم القيامة عند الله، وأن أمرهم يروج عنده كما أخبر عنهم تعالى أنهم يوم القيامة يحلفون له: أنهم كانوا على الاستقامة والسداد، ويعتقدون أن ذلك نافع لهم عنده فقال (يَوْمَ يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ جَمِيعاً فَيَحْلِفُونَ لَهُ كَمَا يَحْلِفُونَ لَكُمْ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ).
(وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى) وهذه صفة المنافقين في أشرف الأعمال وأفضلها وخيرها، وهي الصلاة، إذا قاموا إليها قاموا وهم كسالى عنها، لأنهم لا نية لهم فيها، ولا إيمان لهم بها ولا خشية، كما قال تعالى (وَلا يَأْتُونَ الصَّلاةَ إِلَّا وَهُمْ كُسَالَى وَلا يُنْفِقُونَ إِلَّا وَهُمْ كَارِهُونَ).
وقال ﷺ (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء وصلاة الفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
• قال الرازي: يعني وإذا قاموا إلى الصلاة مع المسلمين قاموا كسالى، أي متثاقلين متباطئين وهو معنى الكسل في اللغة،
وسبب ذلك الكسل: أنهم يستثقلونها في الحال ولا يرجون بها ثواباً ولا من تركها عقاباً، فكان الداعي للترك قوياً من هذه الوجوه، والداعي إلى الفعل ليس إلا خوف الناس، والداعي إلى الفعل متى كان كذلك وقع الفعل على وجه الكسل والفتور.
• قال ﷺ ذامّاً لمن أخّر الصلاة (تلك صلاة المنافقين ثلاثاً يجلس أحدهم يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني الشيطان أو على قرني الشيطان قام فنقر أربعاً لا يذكر الله فيها إلا قليلاً).
• قال ابن عاشور: والكسل في الصلاة مؤذن بقلّة اكتراث المصلّي بها وزهده في فعلها.
• فالكسل في الطاعة من صفات المنافقين، لأنهم لا يؤمنون بما عند الله، ولذلك قال ﷺ ( .. ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً .. ) ولذلك استعاذ النبي ﷺ منه كما في حديث أنس أنه ﷺ كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الكسل والعجز).
стр. 1811
(يُرَاؤُونَ النَّاسَ) هذه صفة بواطنهم الفاسدة (يُرَاؤُونَ النَّاسَ) أي: لا إخلاص لهم ولا معاملة مع الله، بل إنما يشهدون الصلاة تقية من الناس ومصانعة لهم، ولهذا يتخلفون كثيراً عن الصلاة التي لا يُرون غالباً فيها كصلاة العشاء والصبح كما ثبت في الصحيحين قال ﷺ (أثقل الصلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر، ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً .... ). وفي رواية ( … والذي نفسي بيده، لو علم أحدهم أنه يجد عرْقاً سميناً أو مرْماتين حسنتين، لشهد الصلاة .. ).
• والرياء: العمل من أجل أن يراه الناس، وهو محبط للعمل، دال على قلة الإيمان وقلة تعظيم الله وتعظيم المخلوق.
• بعض صفات المنافقين:
أولاً: الكذب والتكذيب لله ولرسوله ﷺ .
قال تعالى (وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ)، وقال تعالى (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).
ثانياً: أذى الرسول ﷺ أو عيبه أو لمزه.
قال تعالى (وَمِنْهُمْ مَنْ يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ فَإِنْ أُعْطُوا مِنْهَا رَضُوا وَإِنْ لَمْ يُعْطَوْا مِنْهَا إِذَا هُمْ يَسْخَطُونَ).
ثالثاً: التولي والإعراض عن حكم الله ورسوله.
قال تعالى (وَيَقُولُونَ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالرَّسُولِ وَأَطَعْنَا ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ).
رابعاً: مظاهرة الكافرين ومعاونتهم على المؤمنين.
قال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً).
خامساً: المسرة بانخفاض دين الرسول أو الكراهية لانتصار دينه.
قال تعالى (إِنْ تُصِبْكَ حَسَنَةٌ تَسُؤْهُمْ وَإِنْ تُصِبْكَ مُصِيبَةٌ يَقُولُوا قَدْ أَخَذْنَا أَمْرَنَا مِنْ قَبْلُ وَيَتَوَلَّوْا وَهُمْ فَرِحُونَ).
سادساً: الرياء.
قال تعالى (يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
سابعاً: ثقل العبادة عليهم.
قال تعالى (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى).
ثامناً: يأمرون بالمنكر وينهون عن المعروف.
قال تعالى (والْمُنَافِقُونَ وَالْمُنَافِقَاتُ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمُنْكَرِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمَعْرُوفِ وَيَقْبِضُونَ أَيْدِيَهُمْ نَسُوا اللَّهَ فَنَسِيَهُمْ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
стр. 1812
• مباحث الرياء:
قال ابن حجر: الرياء بكسر الراء وتخفيف التحتانية والمد وهو مشتق من الرؤية والمراد به إظهار العبادة لقصد رؤية الناس لها فيحمدوا صاحبها والسمعة بضم المهملة وسكون الميم مشتقة من سمع والمراد بها نحو ما في الرياء لكنها تتعلق بحاسة السمع والرياء بحاسة البصر
عن جندب عند البخاري مسلم (مَن سَمَّعَ سَمَّعَ اللَّه بِهِ، ومَنْ يُرَاَئِي اللَّه يُرَئِي بِهِ» متفقٌ عليه وَرَواهُ مُسْلِمٌ أيضاً مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄.
• قال النووي (سَمَّعَ) بتَشْدِيدِ المِيمِ، وَمَعْنَاهُ: أشْهَرَ عمَلَهُ للنَّاس ريَاءً (سَمَّعَ اللَّه بِهِ) أيْ: فَضَحَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، ومَعْنى: «منْ رَاءَى» أيْ: مَنْ أَظْهَرَ للنَّاسِ الْعَمَل الصَّالحَ لِيَعْظُمَ عِنْدهُمْ «رَاءَى اللَّه بِهِ» أيْ: أظْهَرَ سَرِيرَتَهُ عَلى رُؤوس الخَلائِقِ.
خطر الرياء:
أولاً: الرياء يحبط الأعمال الصالحة.
قال الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنِّ وَالْأَذَى كَالَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ).
قال ابن كثير: لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والأذى كما تبطل صدقة من راءى بها الناس فأظهر لهم أنه يريد وجه الله، وإنما قصده مدح الناس له، أو شهرته بالصفات الجميلة، ليُشكر بين الناس أو يُقال إنه كريم جواد ونحو ذلك من المقاصد الدنيوية ولهذا قال سبحانه (ولا يؤمن بالله واليوم الآخر).
ثانياً: هو من صفات المنافقين.
كما في هذه الآية (وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً).
ثالثاً: تهديد أهل الرياء.
قال تعالى (وَبَدَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ).
قال مجاهد في معنى هذه الآية: عملوا أعمالاً توهموا أنها حسنات، فإذا هي سيئات.
وقال سفيان الثوري في هذه الآية: ويل لأهل الرياء، ويل لأهل الرياء، هذه آيتهم وقصتهم.
وقال سبحانه موضحًا عقوبة المرائين يوم القيامة (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاؤُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ).
стр. 1813
عن أبي هريرة ﵁ قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (إِنَّ أَوَّلَ النَّاسِ يُقْضَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَيْهِ رَجُلٌ اسْتُشْهِدَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ قَاتَلْتُ فِيكَ حَتَّى اسْتُشْهِدْتُ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ قَاتَلْتَ لأَنْ يُقَالَ جَرِيءٌ. فَقَدْ قِيلَ. ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ وَرَجُلٌ تَعَلَّمَ الْعِلْمَ وَعَلَّمَهُ وَقَرَأَ الْقُرْآنَ فَأُتِىَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ تَعَلَّمْتُ الْعِلْمَ وَعَلَّمْتُهُ وَقَرَأْتُ فِيكَ الْقُرْآنَ. قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ تَعَلَّمْتَ الْعِلْمَ لِيُقَالَ عَالِمٌ. وَقَرَأْتَ الْقَرْآنَ لِيُقَالَ هُوَ قَارِئٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ حَتَّى أُلْقِىَ فِي النَّارِ. وَرَجُلٌ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَعْطَاهُ مِنْ أَصْنَافِ الْمَالِ كُلِّهِ فَأُتِيَ بِهِ فَعَرَّفَهُ نِعَمَهُ فَعَرَفَهَا قَالَ فَمَا عَمِلْتَ فِيهَا قَالَ مَا تَرَكْتُ مِنْ سَبِيلٍ تُحِبُّ أَنْ يُنْفَقَ فِيهَا إِلاَّ أَنْفَقْتُ فِيهَا لَكَ قَالَ كَذَبْتَ وَلَكِنَّكَ فَعَلْتَ لِيُقَالَ هُوَ جَوَادٌ. فَقَدْ قِيلَ ثُمَّ أُمِرَ بِهِ فَسُحِبَ عَلَى وَجْهِهِ ثُمَّ أُلْقِىَ فِى النَّارِ) رواه مسلم.
وعن أبي بن كعب قال: قال رسول الله ﷺ (بشر هذه الأمة بالسناء والدين والرفعة والتمكين في الأرض، فمن عمل منهم عمل الآخرة للدنيا لم يكن له في الآخرة من نصيب). رواه احمد وابن حبان
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال النبي ﷺ : (من تعلم علماً مما يبتغى به وجه الله تعالى لا يتعلمه إلا ليصيب به عرضاً من الدنيا لم
يجد عرف الجنة يوم القيامة). رواه أبو داود
وعن أبي سعيد بن أبي فضالة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إذا جمع الله الأولين والآخرين ليوم القيامة، نادى منادٍ: من كان أشرك في عمله لله أحداً فليطلب ثوابه من عنده، فإن الله أغنى الشركاء عن الشرك). رواه الترمذي وابن ماجه
وعن أبي سعيد مرفوعاً: (ألا أخبركم بما هو أخوف عليكم عندي من المسيح الدجال؟ قالوا: بلى، قال: الشرك الخفي، يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته لما يرى من نظر رجل). رواه أحمد.
стр. 1814
• قال ابن قدامة: اعلم أن أصل الرياء حب الجاه والمنزلة، وإذا فُصل رجع إلى ثلاثة أصول:
أولاً: حب لذة الحمد.
ثانياً: الفرار من ألم الذم.
ثالثاً: الطمع فيما في أيدي الناس.
• من أقوال السلف:
عن شداد بن أوس قال عند موته: إن أخوف ما أخاف عليكم: الرياء، الشهوة الخفية.
قال سهل: لا يعرف الرياء إلا مخلص.
وقال ابن القيم: وكل مالم يكن لله فبركته منزوعة.
وكان عكرمة يقول: أكثروا من النية الصالحة فإن الرياء لا يدخل النية.
وكان الثوري يقول: كل شيء أظهرته من عملي فلا أعده شيئاً.
وعن عبدة قال: إن أقرب الناس من الرياء آمنهم منه.
وقال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه يضمحل.
وقال بشر بن الحارث: قد يكون الرجل مرائياً بعد موته، يحب أن يكثر الخلق بعد موته.
قال ابن رجب: ما ينظر المرائي إلى الخلق في عمله إلا لجهله بعظمة الخالق .. المرائي يزور التواقيع على اسم الملك ليأخذ البراطيل لنفسه ويوهم أنه من خاصة الملك وهو مايعرفه بالكليه … نقش المرائي على الدرهم الزائد اسم الملك ليروج والبهرج ما يجوز إلا على غير الناقد.
قال ابن القيم: أنفع العمل أن تغيب فيه عن الناس بالإخلاص.
وقال ابن القيم: كل نفس يخرج في غير ما يقرب إلى الله، فهو حسرة على العبد في معاده، ووقفة له في طريق سيره، أو نكسة إن استمر، أو حجاب إن انقطع به
• قال ابن القيم:
قال يحيى بن معاذ عجبت من ثلاث:
رجل يرائي بعمله مخلوقاً مثله ويترك أن يعمله لله.
ورجل يبخل بماله وربه يستقرضه منه فلا يقرضه منه شيئاً.
ورجل يرغب في صحبة المخلوقين ومودتهم والله يدعوه إلى صحبته ومودته.
قال ابن قدامة:: واعلم أن أكثر الناس إنما هلكوا لخوف مذمة الناس، وحب مدحهم، فصارت حركاتهم كلها على ما يوافق رضى الناس، رجاء المدح، وخوفاً من الذم، وذلك من المهلكات.
وقال: ولم يزل المخلصون خائفين من الرياء الخفي، يجتهدون في مخادعة الناس عن أعمالهم الصالحة، ويحرصون على إخفائها
أعظم ما يحرص الناس على إخفاء فواحشهم، كل ذلك رجاء أن يخلص عملهم ليجازيهم الله تعالى في القيامة بإخلاصهم.
стр. 1815
علاج الرياء وتحقيق الإخلاص:
أولاً: أن يعود نفسه إخفاء الأعمال.
قال ابن قدامة: ومن الدواء النافع (في علاج الرياء) أن يعود نفسه إخفاء العبادات، وإغلاق الأبواب دونها، كما نغلق الأبواب دون الفواحش، فإنه لا دواء في الرياء مثل إخفاء الأعمال.
قال تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ).
وقال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله … وذكر منهم: وذكر ذكر الله خلياً ففاضت عيناه).
ثانياً: علمك بأنك عبد.
قال ابن القيم: ومما يخلصه من طلب العوض علمه بأنه عبد محض، والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضاً ولا أجرة، إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.
ثالثاً: أن يحاسب نفسه دون فتور.
قال الذهبي: ينبغي للعالم أن يتكلم بنية وحُسن قصد، فإن أعجبه كلامه فليصمت، فإن أعجبه الصمت فلينطق، ولا يفتر عن محاسبة نفسه، فإنها تحب الظهور والثناء.
ومن ذلك: تعظيم الله في القلوب.
قال تعالى (مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً).
وأيضاً: علمه بأن من علامات العلم النافع أن يقود إلى الهرب من الرياء وإخفاء العمل.
قال ابن رجب: ومن علامات العلم النافع أنه يدل صاحبه على الهرب من الدنيا وأعظمها الرئاسة والشهرة والمدح، فالتباعد عن ذلك والاجتهاد في مجانبته من علامات العلم النافع، فإذا وقع شيء من ذلك من غير قصد واختيار كان صاحبه في خوف شديد من عاقبته بحيث أنه يخشى أن يكون مكراً واستدراجاً كما كان الإمام أحمد يخاف ذلك على نفسه عند اشتهار اسمه وبعد صيته.
وعليه: بالدعاء والتضرع إلى الله بالإخلاص والتوفيق.
كان من دعاء النبي ﷺ : لا، ومقلب القلوب.
وكان من دعاء عمر: اللهم اجعل عملي كله صالحاً واجعله لوجهك خالصاً ولا تجعل لأحد فيه شيئاً.
وعليه: أن يعلم بأن الناس لن يقدموا لك شيئاً ولو مدحوك، وأن طلب مدحهم مرض خطير في القلب.
قال ابن القيم: الوقوف عند مدح الناس وذمهم: علامة انقطاع القلب وخلوه من الله وأنه لم تباشره روح محبته ومعرفته ولم يذق حلاوة التعلق به والطمأنينة إليه.
• حكى الذهبي - رحمه الله تعالى - عن أبى الحسن القطان - رحمه الله تعالى - قوله: أُصبت ببصري، وأظن أنى عوقبت بكثرة كلامي أيام الرحلة.
قال الذهبي: صدق والله، فقد كانوا مع حسن القصد وصحة النية غالباً يخافون من الكلام، وإظهار المعرفة. واليوم يكثرون الكلام مع نقص العلم، وسوء القصد ثم إن الله يفضحهم، ويلوح جهلهم وهواهم واضطرابهم فيما علموه فنسأل الله التوفيق والإخلاص. أهـ
وقال أبو قلابة لأيوب السختياني: يا أيوب إذا أحدث الله لك علمًا فأحدث لله عبادة، ولا يكونن همك أن تحدث به الناس.
стр. 1816
وفي ترجمة ابن جريج: قال الوليد بن مسلم سألت الأوزاعي وسعيد بن عبد العزيز وابن جريج: لمن طلبتم العلم؟!! كلهم يقول: لنفسي. غير أنَّ ابن جريج فإنَّه قال: طلبته للناس.
قال الذهبي ﵀ تعليقًا على هذا الخبر: " قلت: ما أحسن الصدق، واليوم تسأل الفقيه الغبي لمن طلبت العلم؟
يبادر ويقول: طلبته لله، ويكذب إنَّما طلبه للدنيا، ويا قلة ما عرف منه.
وقال عبد الله بن المعتز: علم المنافق في قوله، وعلم المؤمن في عمله.
وقال ابن القيم: العمل لأجل الناس وابتغاء الجاه والمنزلة عندهم، ورجائهم للضر والنفع منهم: لا يكون من عارف بهم البتة، بل جاهل بشأنهم، وجاهل بربه، فمن عرف الناس أنزلهم منازلهم، ومن عرف الله أخلص له أعماله وأقواله.
(وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) وهذا من أعظم صفاتهم.
وهذه الصفة فيها الدلالة العظيمة على فضل ذكر الله، حيث أن الإكثار من ذكر الله أمان من النفاق.
• قال الرازي: قوله تعالى (وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً) فيها وجوه:
الأول: المراد بذكر الله الصلاة، والمعنى أنهم لا يصلون إلا قليلاً، لأنه متى لم يكن معهم أحد من الأجانب لم يصلوا، وإذا كانوا مع الناس فعند دخول وقت الصلاة يتكلفون حتى يصيروا غائبين عن أعين الناس.
الثاني: أن المراد بذكر الله أنهم كانوا في صلاتهم لا يذكرون الله إلا قليلاً، وهو الذي يظهر مثل التكبيرات، فأما الذي يخفى مثل القراءة والتسبيحات فهم لا يذكرونها.
الثالث: المراد أنهم لا يذكرون الله في جميع الأوقات سواء كان ذلك الوقت وقت الصلاة أو لم يكن وقت الصلاة إلا قليلاً نادراً.
(مُذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذَلِكَ لا إِلَى هَؤُلاءِ وَلا إِلَى هَؤُلاءِ) يعني: المنافقين متحيرين بين الإيمان والكفر، فلا هم مع المؤمنين ظاهراً وباطناً، ولا مع الكافرين ظاهراً وباطناً، بل ظواهرهم مع المؤمنين، وبواطنهم مع الكافرين، ومنهم من يعتريه الشك، فتارة يميل إلى هؤلاء، وتارة يميل إلى أولئك.
• قال القرطبي: المذَبْذَب: المتردّد بين أمرين؛ والذَبذبة الاضطراب، يقال: ذَبْذَبْته فتذبذب فهؤلاء المنافقون متردّدون بين المؤمنين والمشركين، لا مخلصين الإيمان ولا مصرَّحين بالكفر، وفي صحيح مسلم من حديث ابن عمر عن النبي ﷺ (مثل المنافق كمثل الشاة العائرة بين الغنمين تَعِير إلى هذه مرة وإلى هذه أخرى).
(ومَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ) لعدم استعداده للهداية والتوفيق.
(فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً) طريقاً موصلاً إلى الحق والصواب فضلاً عن أن تهديه إليه، والخطاب لكل من يصلح له وهو أبلغ في التفظيع.
الفوائد:
١ - أن المنافقين أهل خداع ومكر.
٢ - أن الله يخدع من يخادعه.
٣ - أن من صفات المنافقين ثقل الصلاة عليهم.
٤ - أن المنافق لا يذكر الله إلا قليلاً.
٥ - فضل الإكثار من ذكر الله، وأن ذلك أمان من النفاق.
٦ - تحريم الرياء، وأنه من صفات المنافقين.
٧ - أن المنافق دائماً مضطرب متردد.
٨ - أن من أضله الله فلن يستطيع أحد أن يهديه.
٩ - سؤال الله الهداية.
(الثلاثاء: ١٠/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).
стр. 1817
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاء مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَن تَجْعَلُواْ لِلّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُّبِينًا (١٤٤)). [النساء: ١٤٤].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء من دون المؤمنين، يعني مصاحبتهم ومصادقتهم ومناصحتهم وإسرار المودة إليهم، وإفشاء أحوال المؤمنين الباطنة إليهم.
• قوله تعالى (الكافرين) جمع كافر، والكفر لغة الستر والتغطية والجحود، وشرعاً: جحود وحدانية اله وشريعته، وهو ضد الإيمان، وهو إنكار وجود الله وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته.
• (أولياء) جمع ولي، وهو الذي يتولى غيره بالنصرة والمعونة.
• وهذا النهي في الآية للتحريم، فيحرم موالاة الكفار وجعلهم أنصاراً وأعواناً وأخلاء.
قال تعالى (لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ وَيُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ أُولَئِكَ حِزْبُ اللَّهِ أَلا إِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
قال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وَإِلَيْكَ أَنَبْنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ) ".
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ).
وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
وقال تعالى (لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ) فنهى المؤمنين عن اتخاذ الكافرين أولياء وأصدقاء وأصحاباً من دون المؤمنين، وأخبر أن من فعل ذلك فليس من الله في شيء.
• قال ابن جرير (فليس من الله في شيء) يعني فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه ودخوله في الكفر.
• وقال القرطبي: أي: ليس من حزب الله ولا من أوليائه في شيء، وهو إذاً من حزب الشيطان وأنصاره.
стр. 1818
وقال تعالى (بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً. الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً)، يقول تعالى لنبيه محمد ﷺ يا محمد بشر المنافقين الذين يتخذون أهل الكفر بي والإلحاد في ديني أولياء، يعني أنصاراً وأخلاء من دون المؤمنين، تاركين موالاة المؤمنين معرضين عنها، يطلبون عند هؤلاء الكفار المنعة والقوة والنفوذ، وما علم أولئك
السفهاء البلهاء أن العزة لله جميعاً
وقال تعالى (تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ. وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
فبين أن الإيمان الحقيقي بالله وبنبيه ﷺ محمد ﷺ مرتبط بعدم موالاة الكفار وتوليهم، فثبوت موالاة الكفار موجب لعدم الإيمان أو نقصه.
ففي هذه الآيات أشد التهديد والوعيد وأعظم الزجر عن موالاة الكافرين.
(أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً مُبِيناً) الإستفهام للإنكار، أي: أتريدون أن تصيروا الله عليكم حجة بينة واضحة تستوجبون بها سخطه ونقمته وعقوبته لكم.
الفوائد:
١ - تحريم اتخاذ الكفار أولياء.
٢ - وجوب موالاة المؤمنين.
стр. 1819
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا (١٤٥) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَاعْتَصَمُواْ بِاللَّهِ وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا (١٤٦)). [النساء: ١٤٥ - ١٤٧].
(إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ) أي: يوم القيامة جزاء على كفرهم الغليظ.
• قال ابن عباس: أي في أسفل النار.
• وذلك لأنهم جمعوا مع الكفر الاستهزاء بالإسلام وأهله، والنار دركات كما أن الجنة درجات.
• أن المنافق عذابه أعظم من الكافر.
• قال القرطبي: فالمنافق في الدرك الأسفل وهي الهاوية؛ لغلظ كفره وكثرة غوائله وتمكُّنه من أذى المؤمنين.
• قال الرازي: لما كان المنافق أشد عذاباً من الكافر لأنه مثله في الكفر، وضم إليه نوع آخر من الكفر، وهو الاستهزاء بالإسلام وبأهله، وبسبب أنهم لما كانوا يظهرون الإسلام يمكنهم الاطلاع على أسرار المسلمين ثم يخبرون الكفار بذلك فكانت تتضاعف المحنة من هؤلاء المنافقين، فلهذه الأسباب جعل الله عذابهم أزيد من عذاب الكفار.
• قال ابن القيم: النفاق نفاقان:
نفاق اعتقاد ونفاق عمل، فنفاق الاعتقاد هو الذي أنكره الله على المنافقين في القرآن، وأوجب لهم الدرك الأسفل من النار، ونفاق العمل كقوله ﷺ في الحديث الصحيح (آية المنافق ثلاث إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا ائتمن خان).
وفي الصحيح أيضاً (أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدث كذب وإذا عاهد غدر وإذا خاصم فجر وإذا ائتمن خان).
فهذا نفاق عمل قد يجتمع مع أصل الإيمان، ولكن إذا استحكم وكمل فقد ينسلخ صاحبه عن الإسلام بالكلية وإن صلى وصام وزعم أنه مسلم، فإن الإيمان ينهى المؤمن عن هذه الخلال، فإذا كملت في العبد ولم يكن له ما ينهاه عن شيء منها فهذا لايكون إلا منافقاً خالصاً، وكلام الإمام أحمد يدل على هذا
- فإن قيل ما وجه الجمع بين هذه الآية وبين قوله تعالى (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ) فالجواب:
أولاً: أن يكون جميعهم في العذاب الشديد.
ثانياً: يمكن أن يُقال إن الدرك الأسفل من النار دركات هو الآخر، فيكونون في الجملة في الدرك الأسفل لكن لا يمنع أن يكون هناك تفاوت في العذاب في الدرك الأسفل أيضاً.
стр. 1820
(وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً) ينقذهم مما هم فيه، ويخرجهم من أليم العذاب.
(إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ) أي: عن النفاق.
• والتوبة لغة: الرجوع، وشرعاً: الرجوع من المعصية إلى الطاعة، والمراد بالتوبة هنا الرجوع من الرياء والنفاق إلى الإخلاص لله تعالى.
(وَأَصْلَحُواْ) أعمالهم، وأخلصوها لله، وأصلحوا ما أفسدوه.
(وَاعْتَصَمُواْ بِاللّهِ) أي: تمسكوا بكتاب الله ودينه.
(وَأَخْلَصُواْ دِينَهُمْ لِلّهِ) فبدلوا الرياء بالإخلاص، فينفعهم الصالح وإن قل.
• وفي هذا أن التوبة باللسان فقط لا تكفي كما قال تعالى (فَمَن تَابَ مِن بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقال تعالى (وَمَن تَابَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَإِنَّهُ يَتُوبُ إِلَى اللَّهِ مَتَاباً).
(فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ) أي: في زمرتهم يوم القيامة.
(وَسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً) أي: وسوف يُعطي الله هؤلاء - الذين هذه صفتهم على توبتهم وإصلاحهم واعتصامهم بالله وإخلاصهم دينهم له وعلى إيمانهم - ثواباً عظيماً، وذلك درجات في الجنة، كما أعطى الذين ماتوا على النفاق منازل في النار وهي السفلي منها. [ابن جرير].
• وهذا فيه فضل الإيمان، وللإيمان فضائل:
أولاً: الدفع عنهم شرور الدنيا والآخرة.
كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا).
ثانياً: الأجر العظيم.
قال تعالى (وسَوْفَ يُؤْتِ اللّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً).
ثالثاً: استغفار الملائكة وحملة العرش لهم.
قال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا
رابعاً: موالاة الله لهم، ولا يُذَل من والاه الله.
قال تعالى (اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ).
خامساً: أمر الملائكة بتثبيتهم.
قال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلآئِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ).
стр. 1821
سادساً: العزة.
قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).
سابعاً: معية الله لهم.
قال تعالى (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ).
ثامناً: الرفعة في الدنيا والآخرة.
قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ).
تاسعاً: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء.
قال تعالى (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء).
عاشراً: الود الذي يجعله الله سبحانه لهم.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً).
الفوائد:
١ - أن المنافقين من أهل النار.
٢ - شدة عذاب المنافقين.
٣ - أن المنافقين أشد كفراً من بعض الكفار الأصليين.
٤ - أن المنافق تقبل توبته إذا تاب توبة صادقة مخلصة.
٥ - فضل الإيمان.
стр. 1822
(مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)). [النساء: ١٤٧].
(مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) أي: أيّ منفعة له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغني عنكم؟
• قال القرطبي: استفهام بمعنى التقرير للمنافقين، والتقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؛ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأنّ تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه.
(وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً) فالله هو الشكور.
كقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ)
• ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردّه عليه أضعافاً مضاعفة.
لما عقر سليمان الخيل غضباً له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.
ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم.
ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.
(عَلِيماً) بكل شيء لا تخفي عليه خافية. [سبق مباحث العلم].
الفوائد:
١ - أن الله غني عن عذاب الحلق إذا قاموا بالشكر والإيمان.
٢ - أن من لم يشكر الله فإنه عرضه للانتقام.
٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الشاكر والعليم.
стр. 1823
(لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)). [النساء: ١٤٨ - ١٤٩].
(لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) اختلف العلماء بالمراد بالسوء من القول على أقوال:
قيل: أن المراد بذلك الدعاء على الأشخاص، فلا يحب الله سبحانه أن يجهر أحد على أحد بالدعاء إلا مظلوم يدعو على ظالمه بقدر مظلمته.
وقيل: أن الآية في عموم المظلومين، فلهم أن ينتصروا ممن ظلمهم بقدر مظلمتهم، وذلك بالتكلم في حقهم والنيل من أعراضهم بقدر مظالمهم، (كأن يقول فلان مطلني وهكذا).
وقيل: إنه الضيف ينزل على رجل فلا يُقدم له ما ينبغي للضيف، فللضيف حينئذ أن يتكلم بما كان من بَخسه حق ضيافته.
وجمع ابن جرير فقال: لا يحب الله - أيها الناس - أن يجهر أحد لأحد بالسوء من القول (إلا من ظلم) بمعنى إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه من لم يُقْرَ، أو أسيء قراءه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله، وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم، أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه عليه إعلاماً منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له.
• قال الماوردي: قوله (لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) فيه أربعة تأويلات:
أحدها: يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس.
والثاني: إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد.
والثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن، والسدي.
والرابع: إلا أن يكون ضيفاً، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد.
• أجاز الله وأباح الانتصار من الظالم، وأشار إلى أن العفو أفضل وذلك في عدة مواطن:
قال تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ).
стр. 1824
فقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) عدل وقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) إرشاد إلى الإحسان والعفو.
وقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) فالإحسان هنا العفو على رأي كثير من العلماء.
وقال تعالى (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ).
وقال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) هذا عدل وقوله (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) فيه إرشاد إلى العفو.
(وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً)) اسم من أسماء الله متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.
كما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
• وسمع الله ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي سراً كان أو جهراً.
стр. 1825
• والله هو السميع الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الضطرار ويكشف السوء ويقبل الطاعة، وقد دعاء الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم، فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ودعاء زكريال ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
ودعاء يوسف ﵇ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(عَلِيماً) بكل شيء، وفيه تهديد ووعيد للظالمين.
الفوائد:
١ - إثبات المحبة لله تعالى.
٢ - عدالة الإسلام.
٣ - إثبات هذين الاسمين وهما: السميع والعليم.
следующие страницы →