← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 1821–1860 · переход к 1826.

стр. 1821

سادساً: العزة. قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ). سابعاً: معية الله لهم. قال تعالى (وَأَنَّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ). ثامناً: الرفعة في الدنيا والآخرة. قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). تاسعاً: أن القرآن إنما هو هدى لهم وشفاء. قال تعالى (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء). عاشراً: الود الذي يجعله الله سبحانه لهم. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً). الفوائد: ١ - أن المنافقين من أهل النار. ٢ - شدة عذاب المنافقين. ٣ - أن المنافقين أشد كفراً من بعض الكفار الأصليين. ٤ - أن المنافق تقبل توبته إذا تاب توبة صادقة مخلصة. ٥ - فضل الإيمان.

стр. 1822

(مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (١٤٧)). [النساء: ١٤٧]. (مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ) أي: أيّ منفعة له سبحانه في عذابكم؟ أيتشفى به من الغيظ، أم يدرك به الثأر، أم يدفع به الضر ويستجلب النفع وهو الغني عنكم؟ • قال القرطبي: استفهام بمعنى التقرير للمنافقين، والتقدير: أي منفعة له في عذابكم إن شكرتم وآمنتم؛ فنبه تعالى أنه لا يعذب الشاكر المؤمن، وأنّ تعذيبه عباده لا يزيد في ملكه، وتركه عقوبتهم على فعلهم لا ينقص من سلطانه. (وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً) فالله هو الشكور. كقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) • ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردّه عليه أضعافاً مضاعفة. لما عقر سليمان الخيل غضباً له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح. ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم. ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. (عَلِيماً) بكل شيء لا تخفي عليه خافية. [سبق مباحث العلم]. الفوائد: ١ - أن الله غني عن عذاب الحلق إذا قاموا بالشكر والإيمان. ٢ - أن من لم يشكر الله فإنه عرضه للانتقام. ٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الشاكر والعليم.

стр. 1823

(لاَّ يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (١٤٨)). [النساء: ١٤٨ - ١٤٩]. (لاَّ يُحِبُّ اللّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوَءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) اختلف العلماء بالمراد بالسوء من القول على أقوال: قيل: أن المراد بذلك الدعاء على الأشخاص، فلا يحب الله سبحانه أن يجهر أحد على أحد بالدعاء إلا مظلوم يدعو على ظالمه بقدر مظلمته. وقيل: أن الآية في عموم المظلومين، فلهم أن ينتصروا ممن ظلمهم بقدر مظلمتهم، وذلك بالتكلم في حقهم والنيل من أعراضهم بقدر مظالمهم، (كأن يقول فلان مطلني وهكذا). وقيل: إنه الضيف ينزل على رجل فلا يُقدم له ما ينبغي للضيف، فللضيف حينئذ أن يتكلم بما كان من بَخسه حق ضيافته. وجمع ابن جرير فقال: لا يحب الله - أيها الناس - أن يجهر أحد لأحد بالسوء من القول (إلا من ظلم) بمعنى إلا من ظلم، فلا حرج عليه أن يخبر بما أسيء عليه، وإذا كان ذلك معناه، دخل فيه من لم يُقْرَ، أو أسيء قراءه، أو نيل بظلم في نفسه أو ماله، وكذلك دعاؤه على من ناله بظلم، أن ينصره الله عليه، لأن في دعائه عليه إعلاماً منه لمن سمع دعاءه عليه بالسوء له. • قال الماوردي: قوله (لاَّ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلاَّ مَن ظُلِمَ) فيه أربعة تأويلات: أحدها: يعني إلا أن يكون مظلوماً فيدعو على من ظلمه، وهذا قول ابن عباس. والثاني: إلا أن يكون مظلوماً فيجهر بظلم من ظلمه، وهذا قول مجاهد. والثالث: إلا من ظلم فانتصر من ظالمه، وهذا قول الحسن، والسدي. والرابع: إلا أن يكون ضيفاً، فينزل على رجل فلا يحسن ضيافته، فلا بأس أن يجهر بذمه، وهذه رواية ابن أبي نجيح عن مجاهد. • أجاز الله وأباح الانتصار من الظالم، وأشار إلى أن العفو أفضل وذلك في عدة مواطن: قال تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ. وَلَمَنِ انتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُوْلَئِكَ مَا عَلَيْهِم مِّن سَبِيلٍ).

стр. 1824

فقوله تعالى (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا) عدل وقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ) إرشاد إلى الإحسان والعفو. وقال تعالى (إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ) فالإحسان هنا العفو على رأي كثير من العلماء. وقال تعالى (وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ). وقال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنصُرَنَّهُ اللَّهُ) هذا عدل وقوله (إِنَّ اللَّهَ لَعَفُوٌّ غَفُورٌ) فيه إرشاد إلى العفو. (وَكَانَ اللّهُ سَمِيعاً)) اسم من أسماء الله متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء. كما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ). وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى). وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ). وقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ). • وسمع الله ينقسم إلى قسمين: أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر. قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ). هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة. وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء). وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك. ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه. ومنه قول إبراهيم: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء. ومنه قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده. • وسمع الله ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي سراً كان أو جهراً.

стр. 1825

• والله هو السميع الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الضطرار ويكشف السوء ويقبل الطاعة، وقد دعاء الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم، فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). ودعاء زكريال ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ). ودعاء يوسف ﵇ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ). وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (عَلِيماً) بكل شيء، وفيه تهديد ووعيد للظالمين. الفوائد: ١ - إثبات المحبة لله تعالى. ٢ - عدالة الإسلام. ٣ - إثبات هذين الاسمين وهما: السميع والعليم.

стр. 1826

(إِن تُبْدُواْ خَيْرًا أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا قَدِيرًا (١٤٩)). [النساء: ١٤٩]. (إِن تُبْدُواْ خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً) أي: إن تظهروا - أيها الناس - خيراً أو أخفيتموه، أو عفوتم عمن أساء إليكم، فإن ذلك مما يقربكم عند الله ويجزل ثوابكم لديه، فإن من صفاته تعالى أن يعفو عن عباده مع قدرته على عقابهم. • قال الطبري: (إِن تُبْدُواْ) أيها الناس (خَيْراً) يقول: إن تقولوا جميلاً من القول لمن أحسن إليكم، فتظهروا ذلك شكراً منكم له على ما كان من حسن إليكم (أَوْ تُخْفُوهُ) أو تتركوا إظهار ذلك فلا تبدوه (أَوْ تَعْفُواْ عَن سُوَءٍ) أو تصفحوا لمن أساء إليكم عن إساءته، فلا تجهروا له بالسوء من القول الذي قد أذنت لكم أن تجهروا له به (فَإِنَّ اللّهَ كَانَ عَفُوّاً) أي: لم يزل ذا عفو عن خلقه، يصفح عمن عصاه وخالف أمره (قَدِيراً) أي: ذا قدرة على الانتقام منهم. والمعنى: فأنتم أيها الناس فاعفوا عمن أتى إليكم ظلماً، كما يعفو ربكم مع قدرته على عقابكم، وأنتم تعصونه وتخالفون أمره. قال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). ولما كان الناس عند مقابلة الأذى ثلاثة أقسام: ظالم يأخذ فوق حقه، ومقتصد يأخذ بقدر حقه، ومحسن يعفو ويترك حقه، ذكر الأقسام الثلاثة في هذه الآية فأولها للمقتصدين، ووسطها للسابقين، وآخرها للظالمين. من أسباب العفو: أن يشهد العبد حسن الثواب الذي وعده الله لمن عفى وصبر. وإذا شهد مع ذلك فوت الأجر بالانتقام والاستيفاء سهل عليه الصبر والعفو. منها: أن يشهد أنه إذا عفى وأحسن أورثه ذلك من سلامة القلب لإخوانه، ونقائه من الغش، والغل، وطلب الانتقام، وإرادة الشر، وحصل له من حلاوة العفو ما يزيد لذته ومنفعته عاجلاً وآجلا على المنفعة الحاصلة له بالإنتقام أضعافاً مضاعفة، ويدخل في قوله تعالى (والله يحب المحسنين) فيصير محبوباً لله، ويصير حاله حال من أخذ منه دراهم فعوض عنها الوفا من الدنانير، فحينئذ يفرح بما من الله عليه أعظم ما يكون فرحاً. الخامس: أن يعلم أنه ما انتقم أحد قط لنفسه إلا أورثه ذلك ذلاً وجده في نفسه، فإذا عفى أعزه الله. وهذا مما أخبر به الصادق المصدوق ﵊ حيث يقول (ما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) فالعز الحاصل له بالعفو أحب إليه وأنفع له من العز الحاصل له بالانتقام، فإن هذا عز في الظاهر وهو يورث في الباطن ذلاً، والعفو ذل في الظاهر وهو يورث العز باطناً وظاهراً.

стр. 1827

السادس: وهي من أعظم الفوائد- أن يشهد أن الجزاء من جنس العمل وأنه نفسه ظالم مذنب، وأن من عفى عن الناس عفى الله عنه، ومن غفر غفر الله له. فإذا شهد أن عفوه عنهم وصفحه وإحسانه مع إساءتهم إليه، سبب لأن يجزيه الله كذلك من جنس عمله فيعفو عنه ويصفح ويحسن إليه على ذنوبه، سهل عليه عفوه وصبره ويكفي العاقل هذه الفائدة. (عفواً) اسم من أسماء الله تعالى. معناه: العفو التجاوز عن عباده في ترك واجب وفعل محرم. • ومن كمال عفوه: أنه مهما أسرف الإنسان على نفسه ثم تاب إليه ورجع غفر له قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). • ولولا كمال عفوه، وسعة حلمه ما ترك على ظهر الأرض من دابة تدب ولا نفس تطرف (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِم مَّا تَرَكَ عَلَيْهَا مِن دَآبَّةٍ وَلَكِن يُؤَخِّرُهُمْ إلَى أَجَلٍ مُّسَمًّى فَإِذَا جَاء أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ). • وعفو الله عفو كامل لأنه مقرون بالقدرة كما قال هنا (عفواً قديراً) بخلاف عفو غيره فقد يكون للعجز، أي: العجز عن الأخذ بالثأر. • وقد حث تعالى على العفو كما تقدم: منها: قوله تعالى (وَلَا يَأْتَلِ أُوْلُوا الْفَضْلِ مِنكُمْ وَالسَّعَةِ أَن يُؤْتُوا أُوْلِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ). وقوله تعالى (وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). وقوله تعالى (فمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ). وقوله تعالى (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ). وقال ﷺ (وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.

стр. 1828

قال النووي في معناه: أحدهما: أنه على ظاهره، وأن من عُرف بالعفو والصفح ساد وعظم في القلوب، وزاد عزه وإكرامه. والثاني: أن المراد أجره في الآخرة وعزه هناك. (قَدِيراً) فلا يعجزه شيء. الفوائد: ١ - عموم علم الله تعالى. ٢ - الحث على فعل الخير. ٣ - الحث على العفو والصفح. ٤ - من عفا عفا الله عنه. ٥ - من أسماء الله العفو المتضمن لصفة العفو. ٦ - أن الله على كل شيء قدير.

стр. 1829

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً (١٥٠) أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقًّا وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا (١٥١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَّحِيمًا (١٥٢)). [النساء: ١٥٠ - ١٥٢]. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ) لمّا ذكر المشركين والمنافقين ذكر الكفار من أهل الكتاب، اليهود والنصارى؛ إذ كفروا بمحمد ﷺ ، وبيّن أن الكفر به كفر بالكل؛ لأنه ما من نبيّ إلا وقد أمر قومه بالإيمان بمحمد ﷺ وبجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام. (وَيُرِيدُونَ أَن يُفَرِّقُواْ بَيْنَ اللّهِ وَرُسُلِهِ) أي بين الإيمان بالله ورسله؛ فنص سبحانه على أن التفريق بين الله ورسله كفر؛ وإنما كان كفراً، لأنّ الله سبحانه فرض على الناس أن يعبدوه بما شرع لهم على ألسنة الرسل، فإذا جحدوا الرسل ردّوا عليهم شرائعهم ولم يقبلوها منهم، فكانوا ممتنعين من التزام العبودية التي أُمروا بالتزامها؛ فكان كجحد الصانع سبحانه، وجحد الصانع كفر لما فيه من ترك التزام الطاعة والعبودية. وكذلك التفريق بين رسله في الإيمان بهم كفر. (وَيقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ) وهم اليهود آمنوا بموسى وكفروا بعيسى ومحمد. (وَيُرِيدُونَ أَن يَتَّخِذُواْ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً) أي: طريقاً وسطاً بين الكفر والإيمان ولا واسطة بينهما. (أُوْلَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ حَقّاً) قال الطبري: أي: أيها الناس هؤلاء الذين وصفت لكم صفتهم هم أهل الكفر بي المستحقون عذابي والخلود في ناري حقاً. (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَاباً مُّهِيناً) أي: كما استهانوا بمن كفروا به. (وَالَّذِينَ آمَنُواْ بِاللّهِ وَرُسُلِهِ) يعني بذلك أمة محمد ﷺ فإنهم يؤمنون بكل كتاب أنزله الله وبكل نبي بعثه الله كما قال تعالى (آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ).

стр. 1830

(وَلَمْ يُفَرِّقُواْ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ) بأن يؤمنوا ببعض ويكفروا بآخرين كما فعل الكفرة (أُوْلَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ) أي: قد أعد لهم الثواب الجزيل والعطاء الجميل. (وَكَانَ اللّهُ غَفُوراً رَّحِيماً) تقدم شرحها. الفوائد: ١ - تحريم الكفر بالله ورسله. ٢ - تحريم التفريق بين الله ورسله. ٣ - وجوب الإيمان بجميع الرسل. ٤ - أن الكفر ببعض الرسل كفر بالجميع. ٥ - أن الله وعد بمن لم يفرق بين رسله بالأجر العظيم. ٦ - تمام منّة الله سبحانه على العباد، حيث سمى الثواب أجراً. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله: الغفور والرحيم.

стр. 1831

(يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِّنَ السَّمَاء فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ فَقَالُواْ أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا (١٥٣)). [النساء: ١٥٣]. (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ) المراد بأهل الكتاب هنا اليهود خاصة، بدليل سياق الآيات الكريمة التي ذكرت أوصافاً تنطبق عليهم، وبدليل ما ذكر في سبب نزول الآيات. (أَن تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِّنَ السَّمَاءِ) اعلم أن هذا هو النوع الثاني من جهالات اليهود، فإنهم قالوا: إن كنت رسولاً من عند الله فائتنا بكتاب من السماء جملة كما جاء موسى بالألواح. وقيل: طلبوا أن ينزل عليهم كتاباً من السماء إلى فلان وكتاباً إلى فلان بأنك رسول الله. وقيل: كتاباً نعاينه حين ينزل. وإنما اقترحوا ذلك على سبيل التعنت لأن معجزات الرسول كانت قد تقدمت، وحصلت فكان طلب الزيادة من باب التعنت. • قال ابن كثير: وهذا إنما قالوه على سبيل التعنت والعناد والكفر والإلحاد، كما سأل كفار قريش قبلهم نظير ذلك كما هو مذكور في سورة (سبحان) (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً). (فَقَدْ سَأَلُواْ مُوسَى أَكْبَرَ مِن ذَلِكَ) وإنما أسند السؤال إليهم وإن وجد من آبائهم في أيام موسى ﵇ وهم النقباء السبعون، لأنهم كانوا على مذهبهم وراضين بسؤالهم ومشاكلين لهم في التعنت. أى: أن حاضر هؤلاء اليهود الذين يعيشون معك يا محمد كماضى آبائهم الأقدمين، وأخلاق الأبناء صورة من أخلاق الآباء، وجميعهم لا يبغون من سؤالهم الاهتداء إلى الحق وإنما يبغون إعنات الرسل - عليهم الصلاة والسلام - والإساءة إليهم. (فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) أي: عياناً، أي: حتى نراه جهاراً أي عياناً رؤية منكشفة بينة. وهؤلاء هم السبعون الذين اختارهم موسى، فجاءوا لميقات الله، وسمعوا الله يكلم موسى، ومع ذلك قالوا (فَقَالُواْ أَرِنَا اللّهِ جَهْرَةً) يعني وإلا فلست بصادق. (فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ) أي: بطغيانهم وبغيهم، وعتوهم وعنادهم، حيث اعتدوا في الدعاء، كما قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). والصاعقة: كما يقول ابن جرير: كل أمر هائل رآه الرائي أو عاينه أو أصابه، حتى يصير من هوله وعظيم شأنه إلى هلاك وعطب وذهاب عقل صوتاً كان ذلك أو ناراً أو زلزلة أو رجفة. قال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).

стр. 1832

• قال الشوكاني: قوله تعالى (بِظُلْمِهِمْ) الباء في قوله (بِظُلْمِهِمْ) للسببية، أي: بسبب ظلمهم في سؤالهم الباطل لامتناع الرؤية عياناً في هذه الحالة، وذلك لا يستلزم امتناعها يوم القيامة، فقد جاءت بذلك الأحاديث المتواترة. ومن استدل بهذه الآية على امتناع الرؤية يوم القيامة، فقد غلط غلطاً بيناً. (وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ) قيل: ينظر بعضهم إلى بعض يقع ميتاً حتى ماتوا عن آخرهم، وهذا اختيار ابن جرير، وقيل: صعق بعضهم والبعض الآخر ينظر، ثم بعث الذين صعقوا، وصعق الآخرون. (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ) أي أحييناكم، وفي هذا دليل على أن صعقهم كان موتاً حقيقياً. • قال ابن الجوزي: ومن الدليل على أنهم ماتوا قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) هذا قول الأكثرين، وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك (فلما أفاق) وقال هاهنا (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت. • وفي هذا إثبات البعث. (ثُمَّ اتَّخَذُواْ الْعِجْلَ) إلهاً والمعنى بيان كمال جهالاتهم وإصرارهم على كفرهم فإنهم ما اكتفوا بعد نزول التوراة عليهم بطلب الرؤية جهرة، بل ضموا إليه عبادة العجل وذلك يدل على غاية بعدهم عن طلب الحق والدين. قال السامري لهم (فَأَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلاً جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقَالُوا هَذَا إِلَهُكُمْ وَإِلَهُ مُوسَى فَنَسِيَ). وقال تعالى (وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ). (مِن بَعْدِ مَا جَاءتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) كاليد والعصا وفلق البحر وتظليل الغمام وإنزال المن والسلوى وإنجاؤهم من عدوهم. • قوله تعالى (مِنْ بَعْدِ ما جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ) بيان لفرط ضلالهم وانطماس بصيرتهم، لأنهم لم يعبدوا العجل عن جهالة، وإنما عبدوه من بعد ما وصلت إلى أسماعهم وعقولهم الدلائل الواضحة وعلى وحدانية اللّه، وعلى أن عبادة العجل لا يقدم عليها إنسان فيه شيء من التعقل وحسن الإدراك. • قال ابن كثير: قوله تعالى: (ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: من بعد ما رأوا من الآيات الباهرة والأدلة القاهرة على يد موسى ﵇ في بلاد مصر وما كان من إهلاك عدو الله فرعون وجميع جنوده في اليمّ، فما جاوزوه إلا يسيرًا حتى أتوا على قوم يعكفون على أصنام لهم، فقالوا لموسى (اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ. قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ) ثم ذكر تعالى قصة اتخاذهم العجل مبسوطة في سورة "الأعراف"، وفي سورة "طه" بعد ذهاب موسى إلى مناجاة الله، ، ثم لما رجع وكان ما كان، جعل الله توبتهم من الذي صنعوه وابتدعوه: أن يقتُلَ من لم يعبد العجل منهم من عبده، فجعل يقتل بعضهم بعضا ثم أحياهم الله، ، فقال الله فَعَفَوْنَا عَنْ ذَلِكَ وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُبِيناً).

стр. 1833

• وقال الرازي: أنهم إنما عبدوا العجل من بعد أن شاهدوا معجزات موسى ﵇ التي كان يظهرها في زمان فرعون، وهي العصا واليد البيضاء وفلق البحر وغيرها من المعجزات القاهرة، والمقصود من ذلك الكلام أن هؤلاء يطلبون منك يا محمد أن تنزل عليهم كتاباً من السماء، فاعلم يا محمد أنهم لا يطلبونه منك إلاّ عناداً ولجاجاً، فإن موسى قد أنزل الله عليه هذا الكتاب وأنزل عليه سائر المعجزات القاهرة، ثم أنهم طلبوا الرؤية على سبيل العناد وأقبلوا على عبادة العجل، وكل ذلك يدل على أنهم مجبولون على اللجاج والعناد والبعد عن طريق الحق. (فَعَفَوْنَا عَن ذَلِكَ) أى: عفونا عن اتخاذهم العجل إلها بعد أن تابوا وأقلعوا عن عبادته، لأن التوبة تجب ما قبلها. أمروا بالتوبة فتاوبوا، لكنها توبة شديدة قال تعالى (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ). (وَآتَيْنَا مُوسَى سُلْطَاناً مُّبِيناً.) الحجّة البيّنة، قال ابن عباس: اليد والعصا، وقال غيره: الآيات التسع. • قال ابن عاشور: أي حجّة واضحة عليهم في تمرّدهم، فصار يزجرهم ويؤنّبهم، ومن سلطانه المبين أن أحرق لهم العجل الذي اتّخذوه إلهاً. • وقال الشوكاني: قوله تعالى (وآتينا موسى سلطاناً مبيناً) أي: حجة بينة وهي: الآيات التي جاء بها، وسميت سلطاناً؛ لأن من جهر بها قهر خصمه، ومن ذلك أمر الله سبحانه له بأن يأمرهم بقتل أنفسهم توبة عن معصيتهم، فإنه من جملة السلطان الذي قهرهم به. الفوائد: ١ - تعنت أهل الكتاب. ٢ - تسلية للرسول ﷺ . ٣ - أن سؤال الإنسان أن يرى الله جهرة من أكبر العدوان. ٤ - بيان قدرة الله حيث أهلكهم جميعاً. ٥ - أن الله لا يظلم الناس شيئاً. ٦ - أن الظلم سبب للعقوبة.

стр. 1834

(وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا (١٥٤)). [النساء: ١٥٤]. (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ) قال ابن كثير: وذلك أنهم حين امتنعوا عن الالتزام بأحكام التوراة، وظهر منهم إباء عما جاء به موسى ﵇ رفع اللّه على رءوسهم جبلاً، ثم ألزموا فالتزموا، وسجدوا، وجعلوا ينظرون إلى ما فوق رءوسهم خشية أن يسقط عليهم. كما قال تعالى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ واقِعٌ بِهِمْ خُذُوا ما آتَيْناكُمْ بِقُوَّةٍ). • وقد اختلف في معنى (بِمِيثَاقِهِمْ): الأول: أنهم أعطوا الميثاق على أن لا يرجعوا عن الدين. ثم رجعوا عنه وهموا بالرجوع، فرفع الله فوقهم الطور حتى يخافوا فلا ينقضوا الميثاق. الثاني: أنهم امتنعوا عن قبول شريعة التوراة فرفع الله الجبل فوقهم حتى قبلوا، وصار المعنى: ورفعنا فوقهم الطور لأجل أن يعطوا الميثاق بقبول الدين. الثالث: أنهم أعطوا الميثاق على أنهم إن هموا بالرجوع عن الدين فالله يعذبهم بأي نوع من أنواع العذاب أراد، فلما هموا بترك الدين أظل الله الطور عليهم وهو المراد من قوله (وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطور بميثاقهم).

стр. 1835

(وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً) أي: وقلنا لهم على لسان أنبيائهم ادخلوا باب القرية التي أمرناكم بدخولها ساجدين للّه، أى: ادخلوها متواضعين خاضعين للّه، شاكرين له فضله وكرمه، ولكنهم خالفوا ما أمرهم اللّه مخالفة تامة. والمراد بالقرية التي أمرهم اللّه بدخول بابها ساجدين: قيل: هي بيت المقدس وقيل: إيلياء، وقيل: أريحاء. وقد أبهمها اللّه تعالى لأنه لا يتعلق بذكرها مقصد أو غرض، ولم يرد في السنة الصحيحة بيان لها. وقد تحدث القرآن عن قصة أمرهم بدخول هذه القرية ساجدين بصورة أكثر تفصيلا في سورتي البقرة والأعراف. فقال تعالى في سورة البقرة (وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْها حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً، وَادْخُلُوا الْبابَ سُجَّداً، وَقُولُوا حِطَّةٌ، نَغْفِرْ لَكُمْ خَطاياكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِين. فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ. فَأَنْزَلْنا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّماءِ بِما كانُوا يَفْسُقُون). (وَقُلْنَا لَهُمْ لَا تَعْدُواْ فِي السَّبْتِ) أي: لا تعتدوا باصطياد الحيتان يوم السبت فخالفوا واصطادوا. (وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً) أي: شديداً فخالفوا وعصوا وتحيلوا على ارتكاب مناهي الله تعالى، وتحايلوا على استحلال محارمه. • ووصف سبحانه الميثاق الذي أخذه عليهم بالغلظ أى: بالشدة والقوة لأنه كان قوياً في معناه وفي موضوعه وفي كل ما اشتمل عليه من أوامر ونواه وأحكام، ولأن نفوسهم كانت منغمسة في الجحود والعناد فكان من المناسب لها تأكيد العهد وتوثيقه لعلها ترعوى عن ضلالها وفسوقها عن أمر اللّه. وقصة اعتداء اليهود على محارم اللّه في يوم السبت قد جاء ذكرها في كثير من آيات القرآن الكريم. ومن ذلك قوله تعالى في سورة البقرة (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنا لَهُمْ: كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ. فَجَعَلْناها نَكالًا لِما بَيْنَ يَدَيْها وَما خَلْفَها وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ). (فَجَعَلْنَاهَا) اختلف في مرجع الضمير على أقوال: قيل: العقوبة، وقيل: القردة، وقيل: القرية، ورجحه ابن كثير، وقال: والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم. • وقال تعالى في سورة الأعراف (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).

стр. 1836

• قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات. الفوائد: ١ - بيان قدرة الله تعالى. ٢ - أن اليهود أهل مكر وخداع. ٣ - أن لله تعالى أن يبتلي عباده بما شاء. ٤ - تحريم الحيل. ٥ - أن الحيل من صفات اليهود. ٦ - وجوب الوفاء بالميثاق.

стр. 1837

(فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاء بِغَيْرِ حَقًّ وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً (١٥٥) وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)). [النساء: ١٥٥ - ١٥٨]. (فَبِمَا نَقْضِهِم مِّيثَاقَهُمْ … ) أي: بسبب نقضهم الميثاق لعناهم، كما قال تعالى في سورة المائدة (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً)، وعلى هذا يكون الجار والمجرور متعلقاً بمحذوف يفسره ما جاء في سورة المائدة. اختلف العلماء هل هذا متصل بما قبله أو منفصل عنه؟ فقيل: إنه متصل بما قبله، فالمعنى: فأخذتهم الصاعقة بظلمهم وبنقضهم وكفرهم بآيات الله وقتلهم الأنبياء بغير حق وقولهم قلوبنا غلف. وقيل: ليس بمتصل بما قبله، بل المعنى: فبنقضهم ميثاقهم وكفرهم … بسبب ذلك كله طبع الله على قلوبهم، واختار هذا الطبري وقال: معنى الكلام: فبما نقضهم ميثاقهم وكفرهم بآيات الله، وبكذا وكذا، لعناهم وغضبنا عليهم، فترك ذكر (لعناهم) لدلالة قوله (بل طبع الله عليها بكفرهم) على معنى ذلك، إذ كان من طبع على قلبه فقد لُعِن وسُخط عليه. (وَكُفْرِهِم بَآيَاتِ اللّهِ) حيث لم يؤمنوا بالقرآن الكريم. (وَقَتْلِهِمُ الأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقًّ) فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق. • فقد قتلوا زكريا ويحيى وغيرهما من رسل اللّه تعالى ولا شك أن قتل الأنبياء - عليهم الصلاة والسلام - يدل على شناعة جريمة من قتلهم وعلى توغله في الجحود والعناد والفجور إلى درجة تعجز العبارات عن وصفها، لأنه بقتله للدعاة إلى الحق، لا يريد للحق أن يظهر ولا للفضيلة أن تنتشر، ولا للخير أن يسود، وإنما يريد أن تكون الأباطيل والرذائل والشرور هي السائدة في الأرض. وقوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) ليس قيداً، لأن قتل النبيين لا يكون بحق أبداً، وإنما المراد من قوله (بِغَيْرِ حَقٍّ) بيان أن هؤلاء القاتلين قد بلغوا النهاية في الظلم والفجور والتعدي. لأنهم قد قتلوا أنبياء اللّه بدون أى مسوغ يسوغ ذلك، وبدون أية شبهة تحملهم على ارتكاب ما ارتكبوا، وإنما فعلوا ما فعلوا لمجرد إرضاء أحقادهم وشهواتهم وأهوائهم.

стр. 1838

• وقال القرطبي: قوله تعالى (بِغَيْرِ الحق) تعظيم للشُّنْعة والذّنب الذي أتوه. فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يُقتلوا بالحق، ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون به، قيل له: ليس كذلك؛ وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظُلم وليس بحق؛ فكان هذا تعظيماً للشُّنعة عليهم؛ ومعلوم أنه لا يُقتل نبيّ بحق، ولكن يُقتل على الحق؛ فصرّح قوله (بِغَيْرِ الحق) عن شُنعة الذنب ووضوحه؛ ولم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله. • وقال السعدي (بغير الحق) زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين لا يكون بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم. • عن ابن مسعود. أن رسول الله ﷺ قال (أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبياً وإمام ضلالة وممثل من الممثلين) رواه أحمد. • قال القرطبي: فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟ قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم؛ كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بُخذلان لهم. وقال ابن عباس والحسن: لم يُقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلُّ مَن أمر بقتال نُصِر. • قال السعدي: واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة: منها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم، ما يبين به لكل أحد منهم أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق، ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟

стр. 1839

ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، لأنها نعم تشملهم وتعمهم. ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم، مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كان متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكان الحادث من بعضهم حادثاً من الجميع. لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع. ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله. (وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ) (وَقَالُوا) أي: اليهود، إذا دعوا إلى الحق. (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين: القول الأول: أي: في أكنّة لا تفقه. قال ابن القيم: وهذا قول أكثر المفسرين. والقول الثاني: أي: قلوبنا ممتلئة علماً لا تحتاج إلى علم محمد، وهذا على القراءة الشاذة (قلوبنا غُلُف) والأول أصح لتكرر نظائره في القرآن كقولهم (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) وقوله تعالى (الَذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي). (بَلْ طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ) هذا رد من الله عليهم، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة. بل لعنهم الله بسبب (كُفْرِهِمْ) بالله تعالى، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون. كما قال تعالى (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم). • والطبع معناه: إحكام الغلق على الشيء وختمه بحيث لا ينفذ إليه شيء آخر. • بل هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، ولكن لعنهم الله بكفرهم. • قال ابن القيم: وجه الإضراب أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه، فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال (قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً). فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة، والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفاً لا تعي ولا تفقه، ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالاً عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها.

стр. 1840

(فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) فقيل: فقليل من يؤمن منهم، وهذا أمر مشاهد، فاليهود قليل منهم من يسلم. وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ . وقيل: لا يؤمنون أبداً، وأن مثل هذا التعبير جار في لسان العرب، فهو نفي للكل، قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئاً. والآية تعم الجميع، لأننا القاعدة في التفسير: أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعاني. الفوائد: ١ - أن نقض الميثاق سبب للعنة الله. ٢ - خطر الذنوب والمعاصي وأنها سبب لحرمان الخير. ٣ - عتوا بني إسرائيل حيث قتلوا أنبياء الله. ٤ - أن من طبع على قلبه فلا يمكن أن يؤمن أبداً.

стр. 1841

(وَبِكُفْرِهِمْ وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَانًا عَظِيمًا (١٥٦) وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَل رَّفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)). [النساء: ١٥٦ - ١٥٧ - ١٥٨]. (وَبِكُفْرِهِمْ) قيل: معطوف على (قولهم) وإعادة الجار لوقوع الفصل بين المعطوف والمعطوف عليه، وهذا التكرير لإفادة أنهم كفروا كفراً بعد كفر، وقيل: إن المراد بهذا الكفر: كفرهم بالمسيح، فحذف لدلالة ما بعده عليه بعيسى. (وَقَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً) يعني أنهم رموها بالزنا. كما قال تعالى (فَأَتَتْ بِهِ قَوْمَهَا تَحْمِلُهُ قَالُوا يَا مَرْيَمُ لَقَدْ جِئْتِ شَيْئاً فَرِيّاً)، وزاد بعضهم بأنها وهي حائض لعنهم الله. والبهتان: الكذب المفرط الذي يتعجب منه. (الشوكاني). (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ) هذا يدل على كفر عظيم منهم لأنهم قالوا فعلنا ذلك، وهذا يدل على أنهم كانوا راغبين في قتله مجتهدين في ذلك، فلا شك أن هذا القدر كفر عظيم. • اختلف لماذا سمي عيسى بالمسيح؟ فقيل: لكونه ممسوح أسفل القدمين لا أخمص له، وقيل: لمسح زكريا إياه، وقيل: لمسحه الأرض أي قطعها. وقيل: أنه لم يمسح ذا عاهة إلا برئ. • فإن قيل: اليهود كانوا كافرين بعيسى أعداء له عامدين لقتله يسمونه الساحر ابن الساحرة والفاعل ابن الفاعلة، فكيف قالوا: إنا قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله؟ والجواب عنه من وجهين: الأول: أنهم قالوه على وجه الاستهزاء كقول فرعون (إِنَّ رَسُولَكُمُ الذى أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ) وكقول كفار قريش لمحمد ﷺ (وَقَالُواْ يا أيها الذى نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ). والثاني: أنه يجوز أن يضع الله الذكر الحسن مكان ذكرهم القبيح في الحكاية عنهم رفعاً لعيسى ﵇ عما كانوا يذكرونه به. والثالث: أنهم قالوه على حسب اعتقاد المسلمين فيه كأنهم قالوا رسول الله عندكم أو بزعمكم. والرابع: أنه من قول الله لا من قولهم فيوقف قبله، وفائدة تعظيم ذنبهم وتقبيح قولهم إنا قتلناه.

стр. 1842

(وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ) اعلم أنه تعالى لما حكى عن اليهود أنهم زعموا أنهم قتلوا عيسى ﵇، فالله تعالى كذبهم في هذه الدعوى وقال (وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ ولكن شُبّهَ لَهُمْ) أي: رأوا شبهه فظنوه إياه. والصلب: أن توضع خشبة على طول جسد المصلوب. • قال ابن الجوزي: وفيمن أُلقي عليه شبهه قولان: أحدهما: أنه بعض من أراد قتله من اليهود. روى أبو صالح عن ابن عباس: أن اليهود لما اجتمعت على قتل عيسى، أدخله جبريل خوخة لها رَوزنة، ودخل وراءه رجل منهم، فألقى الله عليه شبه عيسى، فلما خرج على أصحابه، قتلوه يظنونه عيسى، ثم صلبوه، وبهذا قال مقاتل، وأبو سليمان. والثاني: أنه رجُلٌ من أصحاب عيسى، روى سعيد بن جبير عن ابن عباس: أن عيسى خرج على أصحابه لما أراد الله رفعه، فقال: أيكم يُلقى عليه شبهي، فيقتل مكاني، ويكون معي في درجتي؟ فقام شاب، فقال: أنا، فقال: اجلس، ثم أعاد القول، فقام الشاب، فقال عيسى: اجلس، ثم أعاد، فقال الشاب: أنا، فقال: نعم أنت ذاك، فألقي عليه شبه عيسى، ورفع عيسى، وجاء اليهود، فأخذوا الرجل، فقتلوه، ثم صلبوه، وبهذا القول قال وهب بن منبه، وقتادة، والسدي. • واختار الطبري أن الشبه ألقي على جميع من كان مع عيسى فقال: قال الطبرى: وأولى هذه الأقوال بالصواب، أحدُ القولين اللذين ذكرناهما عن وهب بن منبه: من أن شَبَه عيسى ألقي على جميع من كان في البيت مع عيسى حين أحيط به وبهم، من غير مسألة عيسى إياهم ذلك، ولكن ليخزي الله بذلك اليهود، وينقذ به نبيه ﵇ من مكروهِ ما أرادوا به من القتل، ويبتلي به من أراد ابتلاءه من عباده في قِيله في عيسى، وصدق الخبر عن أمره. أو: القول الذي رواه عبد الصمد عنه. • وقال البغوي: وذلك أن الله تعالى ألقى شَبَه عيسى ﵇ على الذي دلّ اليهودَ عليه، وقيل: إنهم حبسوا عيسى ﵇ في بيت وجعلوا عليه رقيبًا فألقىَ الله تعالى شبه عيسى ﵇ على الرقيب فقتلوه، وقيل غير ذلك، كما ذكرنا في سورة آل عمران. (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِيهِ) يعني في قتل عيسى وهم اليهود.

стр. 1843

(لَفِي شَكٍّ مِّنْهُ) وذلك أن اليهود قتلوا ذلك الشخص المشبه بعيسى وكان قد ألقي الشبه على وجه ذلك الشخص دون جسده، فلما قتلوه نظروا إلى جسده فوجدوه غير جسد عيسى فقالوا: الوجه وجه عيسى والجسد جسد غيره فهذا هو اختلافهم فيه. وقيل: إن اليهود لما حبسوا عيسى وأصحابه في البيت دخل عليه رجل منهم ليخرجه إليهم، فألقى الله شبه عيسى على ذلك الرجل فأخذ وقتل ورفع الله عيسى إلى السماء وفقدوا صاحبهم فقالوا: إن كنا قتلنا المسيح فأين صاحبنا؟ وإن كنا قتلنا صاحبنا فأين المسيح عيسى؟ فهذا هو اختلافهم فيه وقيل إن الذين اختلفوا فيه هم النصارى فبعضهم يقول إن القتل وقع على ناسوت عيسى دون لاهوته وبعضهم يقول وقع القتل عليهما جميعاً وبعضهم يقول رأيناه قتل وبعضهم يقول رأيناه رفع السماء فهذا هو اختلافهم فيه. (مَا لَهُم بِهِ مِنْ عِلْمٍ) يعني أنهم قتلوا من قتلوا على شك منهم فيه ولم يعرفوا حقيقة ذلك المقتول هل هو عيسى أو غيره. (إِلاَّ اتِّبَاعَ الظَّنِّ) يعني لكن يتبعون الظن في قتله ظناً منهم أنه عيسى لا عن علم وحقيقة. (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً) أي: وما قتلوه متيقنين أنه هو، بل شاكين متوهمين. (بَل رَّفَعَهُ اللّهُ إِلَيْهِ) ردٌّ وإنكار لقتله، وإثبات لرفعه، أي: اليقين إنما هو في رفعه إليه. • رفع عيسى ﵇ إلى السماء ثابت بهذه الآية، ونظير هذه الآية قوله في آل عمران (إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ وَمُطَهّرُكَ مِنَ الذين كَفَرُوا).

стр. 1844

ولأهمية معرفة المسلم لعقيدته في عيسى أذكر ما يتعلق بذلك على شكل نقاط: أولاً: أن يؤمن ويعتقد أنه عبد الله [ليس بإله] ورسوله [فليس بكذاب أو أنه ولد بغي]. كما في حديث عبادة. قال: قال رسول الله (منْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَابْنُ أَمَتِهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ وَأَنَّ الْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ النَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ مِنْ أَىِّ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ شَاءَ). وقال تعالى عنه (قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ) أول شيء تكلم به أن نزه جناب ربه تعالى وبرأه عن الولد، وأثبت لنفسه العبودية لربه. و قال تعالى (وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ). وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ رَبِّي وَرَبُّكُمْ فَاعْبُدُوهُ هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ). وقال تعالى عنه (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ). وقال تعالى (لَّن يَسْتَنكِفَ الْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْداً لِّلّهِ وَلَا الْمَلآئِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ). وقال تعالى (إِنْ هُوَ إِلَّا عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ وَجَعَلْنَاهُ مَثَلاً لِّبَنِي إِسْرَائِيلَ). ثانياً: أنه من أم بلا أب. كما قال تعالى (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِندَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثِمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ). وقال تعالى (فَاتَّخَذَتْ مِن دُونِهِمْ حِجَاباً فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَن مِنكَ إِن كُنتَ تَقِيّاً قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَاماً زَكِيّاً قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيّاً). ثالثاً: أنه ليس له شيء من حقوق الربوبية، فليس إلهاً. قال تعالى (لَّقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوْا إِنَّ اللّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ قُلْ فَمَن يَمْلِكُ مِنَ اللّهِ شَيْئاً إِنْ أَرَادَ أَن يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً). وقال تعالى (مَّا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلَانِ الطَّعَامَ). رابعاً: أنه لم يقتل ولم يصلب بل رفعه الله إليه وسينزل في آخر الزمان. قال تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِن شُبِّهَ لَهُمْ … بل رفعه إليه). وقال تعالى (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ). وقال ﷺ (يوشك أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً مقسطاً .... ).

стр. 1845

خامساً: أنه أحد أولي العزم من الرسل [وقد ذكرهم الله في موضعين]: الموضع الأول/ في سورة الأحزاب. قال تعالى (وَإِذْ أَخَذْنَا مِنَ النَّبِيِّينَ مِيثَاقَهُمْ وَمِنكَ وَمِن نُّوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مِّيثَاقاً غَلِيظاً). الموضع الثاني/ في سورة الشورى. قال تعالى (شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ). سادساً: أنه من قال أنه قتل فهو كافر لأنه مكذب للقرآن. بطلان قول اليهود في عيسى أنه ولد بغي لعنهم الله. • قوله تعالى (ابن مريم) أن عيسى ينسب إلى أمه دائماً وذلك لحكمتين: الحكمة الأولى: بيان أنه مولود والله لم يولد. الحكمة الثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. • الحكمة من نزله في آخر الزمان دون غيره من الأنبياء: قيل: الرد على اليهود في زعمهم أنهم قتلوه. وقيل: أن عيسى وجد في الإنجيل فضل أمة محمد ﷺ فدعا الله أن يجعله فيهم، فاستجاب الله دعاءه. وقيل: أن نزول عيسى ﵇ من السماء لدنو أجله، ليدفن في الأرض، إذ ليس لمخلوق من التراب أن يموت في غيرها. ورجح الحافظ ابن حجر القول الأول.

стр. 1846

• فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى (إِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ). فقيل: المراد بالوفاة هنا النوم. وهذا قول الربيع بن أنس، والحسن وغيرهم، وعزاه ابن كثير والشوكاني للأكثرين. قال ابن كثير: وقال الأكثرون: المراد بالوفاة هاهنا: النوم. واستدلوا: بقوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ). وقوله تعالى (اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ). وكان ﷺ إذا قام من النوم يقول (الحمد لله الذي أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور) رواه البخاري. وقوله تعالى (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِيناً. بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً. وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلَّا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً). قال ابن كثير: والضمير في قوله (قبل موته) عائد على عيسى، أي: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى، وذلك حين ينزل إلى الأرض قبل يوم القيامة. وقيل: إن الوفاة هنا بمعنى: القبض، أي: قابضك من الأرض، فرافعك إليّ. وهذا قول جمهور المفسرين. واستدلوا: بقوله تعالى (فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). قال البغوي: أي قبضتني إلى السماء وأنا حي، لأن قومه إنما تنصروا بعد رفعه إلى السماء لا بعد موته.

стр. 1847

قال الشنقيطي: لوجه الثالث: أنّ (مُتَوَفِّيكَ) اسم فاعل توفاه إذا قبضه وحازه إليه ومنه قولهم: (توفّى فلان دينه) إذا قبضه إليه .. فيكون معنى (مُتَوَفِّيكَ) على هذا قابضك منهم إلي حيا، وهذا القول هو اختيار بن جرير، … ثم قال ﵀: وأما الجمع بأنه توفّاه ساعات أو أياما ثم أحياه فالظاهر أنه من الإسرائليات، وقد نهى ﷺ عن تصديقها وتكذيبها. وقيل: إن الوفاة في الآية بمعنى الموت، وهذا مروي عن ابن عباس. وهذا القول يحتمل وجهين: الوجه الأول: أن الله توفاه ثم رفعه بعد ذلك إلى السماء. الوجه الثاني: أن في الآية تقديماً وتأخيراً فيكون المعنى: إني رافعك إلي، ومطهرك من الذين كفروا، ومتوفيك بعد إنزالي إياك إلى الدنيا، وهذا من المقدم الذي معناه التأخير. • قال السمرقندي: قوله تعالى (إِذْ قَالَ الله ياعيسى إِنّي مُتَوَفّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَىَّ) ففي الآية تقديم وتأخير، ومعناه إني رافعك من الدنيا إلى السماء، ومتوفّيك بعد أن تنزل من السماء على عهد الدجال. وقد ضعف ابن جرير الوجه الأول فقال: ومعلوم أنه لو كان قد أماته الله، لم يكن بالذي يميته ميتة أخرى، فيجمع عليه ميتتين، لأن الله إنما أخبر عباده أنه يخلقهم ثم يميتهم ثم يحييهم. • وقال القرطبي - بعد أن أورد الوجه الأول - وهذا فيه بعد، فإنه صح في الأخبار عن النبي ﷺ نزوله وقتله الدجال. وقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: مستوفي أجلك، ومتم عمرك، وذلك بعصمتك من قتل أعدائك، ومؤخرك إلى أجلك المقدر، ومميتك بعد ذلك لا قتلاً بأيديهم. وهذا اختيار الزمخشري، وأبي السعود، والقاسمي. وقيل: أن الوفاة هنا بمعنى: متقبل عملك، وقد أورد هذا المعنى ابن عطية وضعفه فقال: وهذا ضعيف من جهة اللفظ. (وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً) منيع الجناب لا يرام جنابه، ولا يضام من لاذ ببابه. (حَكِيماً) في كل ما يقدره ويقضيه من الأمور التي يخلقها، وله الحكمة البالغة، والحجة الدامغة. الفوائد: ١ - إثبات الأسباب. ٢ - أن الكفر سبب للشر واللعن. ٣ - أن اليهود باءوا بإثم قتل المسيح أخذاً بإقرارهم. ٤ - أن عيسى رسول الله. ٥ - أن عيسى من أم بلا أب. ٦ - كفر من قال إن عيسى قد قتل. ٧ - أن عيسى رفع. ٨ - إثبات علو الله تعالى. ٩ - أن عيسى حي.

стр. 1848

(وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا (١٥٩)). [النساء: ١٥٩]. (وَإِن مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) يعني وما من أحد من أهل الكتاب. (إِلاَّ لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ) أي: بعسيى، وهذا قول أكثر المفسرين وأهل العلم. (تفسير البغوي). (قَبْلَ مَوْتِهِ) اختلف العلماء في مرجع الضمير؟ فقيل: (قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى ﵇. واختار هذا القول ابن جرير وابن كثير وغيرهما. • قال ابن جرير: وأولى الأقوال بالصحة والصواب قول من قال: وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى. • ورجحه ابن كثير وقال: ولا شك أن هذا الذي قاله ابن جرير ﵀ هو الصحيح؛ لأنه المقصود من سياق الآي في تقرير بطلان ما ادعته اليهود من قتل عيسى وصلبه، وتسليم من سلم لهم من النصارى الجهلة ذلك، فأخبر الله أنه لم يكن الأمر كذلك، وإنما شبه لهم فقتلوا الشبيه وهم لا يتبينون ذلك، ثم إنه رفعه إليه، وإنه باق حي، وإنه سينزل قبل يوم القيامة، كما دلت عليه الأحاديث المتواترة - التي سنوردها إن شاء الله قريبا - فيقتل مسيح الضلالة، ويكسر الصليب، ويقتل الخنزير، ويضع الجزية - يعني: لا يقبلها من أحد من أهل الأديان، بل لا يقبل إلا الإسلام أو السيف - فأخبرت هذه الآية الكريمة أن يؤمن به جميع أهل الكتاب حينئذ، ولا يتخلف عن التصديق به واحد منهم؛ ولهذا قال (وَإِنْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ إِلا لَيُؤْمِنَنَّ بِهِ قَبْلَ مَوْتِهِ) أي: قبل موت عيسى، الذي زعم اليهود ومن وافقهم من النصارى أنه قتل وصلب. • وقال الخازن: وذهب جماعة من أهل التفسير إلى أن الضمير يرجع إلى عيسى السلام وهو رواية عن ابن عباس أيضاً والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلاّ ليؤمنن بعيسى قبل موت عيسى وذلك عند نزوله من السماء في آخر الزمان فلا يبقى أحد من أهل الكتابين إلاّ من آمن بعيسى حتى تكون الملة واحدة وهي ملة الإسلام. • وقال الشوكاني: وقد اختار كون الضميرين لعيسى ابن جرير، وقال به جماعة من السلف، وهو الظاهر، والمراد الإيمان به عند نزوله في آخر الزمان، كما وردت بذلك الأحاديث المتواترة.

стр. 1849

القول الثاني: قال ابن عباس والحسن ومجاهد وعِكرِمة: المعنى ليؤمِننّ بالمسيح (قبل موته) أي الكتابيّ؛ فالهاء الأُولى عائدة على عيسى، والثانية على الكتابيّ. وذلك أنه ليس أحد من أهل الكتاب اليهودِ والنصارى إلا ويؤمن بعيسى ﵇ إذا عاين الملك، ولكنه إيمان لا ينفع؛ لأنه إيمان عند اليأس وحين التلبس بحالة الموت؛ فاليهوديّ يقِرّ في ذلك الوقت بأنه رسول الله، والنصرانيّ يقرّ بأنه كان رسول. ونسبه الخازن للأكثر فقال: فقال ابن عباس وأكثر المفسرين إن الضمير يرجع إلى الكتابي والمعنى وما من أحد من أهل الكتاب إلاّ آمن بعيسى قبل موت ذلك الكتابي ولكن يكون ذلك الإيمان عند الحشرجة حين لا ينفعه إيمانه (وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكُونُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً) يشهد على اليهود بالتكذيب له، وعلى النصارى بالغلوّ فيه حتى قالوا هو ابن الله. كما قال تعالى عنه (مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيداً مَا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنْتَ أَنْتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنْتَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). الفوائد: ١ - إثبات أن الكتابي قد يؤمن إيمان اضطرار. ٢ - ثبوت نزول عيسى في آخر الزمان. ٣ - أن عيسى ينزل في آخر الزمان ويموت كما يموت البشر. ٤ - أن الرسل يشهدون على أممهم. (السبت/ ٢٢/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1850

(فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللَّهِ كَثِيرًا (١٦٠) وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا (١٦١) لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْرًا عَظِيمًا (١٦٢)). [النساء: ١٦٠ - ١٦٢]. (فَبِظُلْمٍ مِّنَ الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيِّبَاتٍ أُحِلَّتْ لَهُمْ) يخبر تعالى أنه بسبب ظلم اليهود بما ارتكبوه من الذنوب العظيمة، حرّم عليهم طيبات كان أحلها لهم، (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ). • قال السعدي: وهذا تحريم عقوبة، بسبب ظلمهم واعتدائهم، وصدهم الناس عن سبيل الله، ومنعهم إياهم من الهدى، وبأخذهم الربا، وقد نهوا عنه، فمنعوا المحتاجين ممن يبايعونه عن العدل، فعاقبهم الله من جنس فعلهم، فمنعهم من كثير من الطيبات. • وهذه ليست العقوبة الوحيدة، بل هي مضافة إلى عقوبات أخر، فقد مسخ قوم منهم قردة وخنازير، وقد لعن منهم أصحاب السبت. • فالله تعالى حرم عليهم بعض الطيبات كما قال تعالى في سورة الأنعام (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُواْ حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلاَّ مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ). [كُلَّ ذِي ظُفُرٍ] المراد: كل ما رجلاه أو قدماه غير مشقوقة - يعني الذي لم تشق رجله - مثل الإبل والنعام، يعني: الذي ليس له اصابع ولا شقت قدمه. (وَبِصَدِّهِمْ عَن سَبِيلِ اللّهِ كَثِيراً) أي: وصدوا الناس وصدوا أنفسهم عن اتباع الحق. • قال ابن كثير: وهذه سجية لهم متصفون بها من قديم الدهر وحديثه، ولهذا كانوا أعداء الرسل، وقتلوا خلْقاً من الأنبياء، وكذبوا عيسى ومحمد عليهم الصلاة والسلام. • ومن صور صدهم عن سبيل الله: افتراؤهم الكاذب وقولهم الباطل على الله. تحريف كتاب ربهم بالزيادة وفيه والنقصان. تأويلهم الكتاب على غير معانيه الصحيحة عن تعمد منهم. تشكيكهم في كتاب الله وفي رسول الله قال تعالى (وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). كتمانهم صفة محمد ﷺ وجحودهم نبوته ﵊. (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا) أي: وتعاطيهم الربا.

стр. 1851

• ولم يقل (وأكلهم الربا) لأن الأخذ أعم (قاله الشيخ ابن عثيمين ﵀. • والربا لغة: الزياة، واصطلاحاً: الزيادة في أشياء مخصوصة. بينها النبي ﷺ في قوله (الذهب بالذهب والفضة بالفضة والبر بالبر والملح بالملح والشعير بالشعير والتمر بالتمر مثلاً بمثل سواء سواء) متفق عليه. ويقاس عليها ما كان مثلها في العلة. (وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ) وقد حرمه الله عليهم في التوراة، فتناولوه وأخذوه، واحتالوا عليه بأنواع الحيل وصنوف من الشبه. (وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ) أي: بالرشوة وسائر الوجوه المحرمة. • فالباطل: فكل ما خالف الشرع فهو باطل، فكل ما أخذ بغير حق. • ومن صور أكلهم المال بالباطل: خيانة الأمانات كما قال تعالى (ومِنْهُم مَّنْ إِن تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ لاَّ يُؤَدِّهِ إِلَيْكَ إِلاَّ مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَآئِماً). أكل الأموال مقابل تحريف التوراة والتزوير فيها قال تعالى (فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ). ومن ذلك تعاملاتهم الربوية، كما قال تعالى (وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ). ومن ذلك قبولهم الرشوة كما قال تعالى (وَتَرَى كَثِيراً مِّنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ). (وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً) أي: وهيأنا لمن كفر من هؤلاء اليهود العذاب المؤلم الموجع. قال المفسرون: إنما قال (منهم) لأن الله علم أن قوماً منهم سيؤمنون فيأمنون من العذاب. (لَّكِنِ الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ مِنْهُمْ) قال الطبري: هم الذين رسخوا في العلم بأحكام الله التي جاءت بها أنبياؤه، وأتقنوا ذلك، وعرفوا حقيقته. والراسخ هو المبالغ في علم الكتاب الثابت فيه، والرّسوخ الثبوت. • قال ابن عاشور: والراسخ حقيقته الثابت القدم في المشي، لا يتزلزل؛ واستعير للتمكّن من الوصف مثل العلم بحيث لا تغرّه الشبه. • كعبد الله بن سلام.

стр. 1852

(وَالْمُؤْمِنُونَ) قيل: من أهل الكتاب، وقيل: من المهاجرين والأنصار. • قال ابن عاشور: والمراد بالمؤمنين في قوله (والمؤمنون) الذين هداهم الله للإيمان من أهل الكتاب، ولم يكونوا من الراسخين في العلم منهم، مثل اليهودي الذي كان يخدم رسول الله ﷺ وآمنَ به. (يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ) وهو القرآن (وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) أي: ويؤمنون بالكتب التي أنزلها على من قبلك من الأنبياء والرسل. (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) قيل: هو مخفوض عطفا على قوله (بِمَا أُنزلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزلَ مِنْ قَبْلِكَ) يعني: وبالمقيمين الصلاة. وكأنه يقول: وبإقامة الصلاة، أي: يعترفون بوجوبها وكتابتها عليهم، أو أن المراد بالمقيمين الصلاة الملائكة، وهذا اختيار ابن جرير، يعني: يؤمنون بما أنزل إليك، وما أنزل من قبلك، وبالملائكة، وفي هذا نظر. قال ابن جرير: فيكون تأويل الكلام (وَالْمُؤْمِنُونَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيكَ) يا محمد من الكتاب (وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ) من كتبي (وَالْمُقِيمِينَ الصَّلَاةَ) أي: بالملائكة الذين يقيمون الصلاة. (وَالْمُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) لأهلها كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ). • وقد اشتملتا (الصلاة والزكاة) على الإخلاص للمعبود، والإحسان إلى العبيد. (وَالْمُؤْمِنُونَ بِاللّهِ) بوجوده وربوبيته وألوهيته واسمائه وصفاته. (وَالْيَوْمِ الآخِرِ) أي: ويؤمنون بالبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال خيرها وشرها، وصف بذلك لأنه لا يوم بعده. (أُوْلَئِكَ سَنُؤْتِيهِمْ أَجْراً عَظِيماً) أي: ثواباً عظيماً، لأنهم جمعوا بين العلم والإيمان، والعمل الصالح، والإيمان بالكتب، والرسل السابقة واللاحقة. الفوائد: ١ - إثبات الأسباب. ٢ - أن الظلم والمعاصي سبب لمنع الخير. ٣ - أن الأمر إلى الله تحريماً وتحليلاً. ٤ - التحذير من الصد عن سبيل الله. ٥ - تحريم الربا. ٦ - أن من يأكل الربا ففيه شبه من اليهود. ٧ - أن الحجة لا تقوم إلا بعد بلوغها. ٨ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل. ٩ - تمام عدل الله تعالى. ١٠ - فضيلة الرسوخ في العلم. ١١ - أن من أهل الكتاب من هو مؤمن. ١٢ - أن القرآن كلام الله. ١٣ - علو الله تعالى. ١٤ - فضيلة إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة. ١٥ - فضيلة الإيمان بالله واليوم الآخر.

стр. 1853

(إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (١٦٣) وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا (١٦٤) رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٦٥)). [النساء: ١٦٣ - ١٦٥]. (إنا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ) ذكر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله محمد ﷺ كما أوحى إلى غيره من الأنبياء المتقدمين. • قال القرطبي: فأعلم تعالى أن أمر محمد ﷺ كأمر من تقدّمه من الأنبياء. • وقال السعدي: يخبر تعالى أنه أوحى إلى عبده ورسوله من الشرع العظيم والأخبار الصادقة ما أوحى إلى هؤلاء الأنبياء عليهم الصلاة والسلام؛ وفي هذا عدة فوائد: منها: أن محمدا ﷺ ليس ببدع من الرسل، بل أرسل الله قبله من المرسلين العدد الكثير والجم الغفير فاستغراب رسالته لا وجه له إلا الجهل والعناد. ومنها: أنه أوحى إليه كما أوحى إليهم من الأصول والعدل الذي اتفقوا عليه، وأن بعضهم يصدق بعضاً ويوافق بعضهم بعضاً. ومنها: أنه من جنس هؤلاء الرسل، فليعتبره المعتبر بإخوانه المرسلين، فدعوته دعوتهم؛ وأخلاقهم متفقة؛ ومصدرهم واحد؛ وغايتهم واحدة، فلم يقرنه بالمجهولين؛ ولا بالكذابين ولا بالملوك الظالمين. ومنها: أن في ذكر هؤلاء الرسل وتعدادهم من التنويه بهم، والثناء الصادق عليهم، وشرح أحوالهم مما يزداد به المؤمن إيمانا بهم ومحبة لهم، واقتداء بهديهم، واستنانا بسنتهم ومعرفة بحقوقهم، ويكون ذلك مصداقا لقوله (سَلامٌ عَلَى نُوحٍ فِي الْعَالَمِينَ) (سَلامٌ عَلَى إِبْرَاهِيمَ) (سَلامٌ عَلَى مُوسَى وَهَارُونَ) (سَلامٌ عَلَى إِلْ يَاسِينَ * إِنَّا كَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ). فكل محسن له من الثناء الحسن بين الأنام بحسب إحسانه والرسل -خصوصا هؤلاء المسمون- في المرتبة العليا من الإحسان. • قال المفسرون: إنما بدأ تعالى بذكر نوح، لأنه أول نبي شرع الله تعالى على لسانه الأحكام والحلال والحرام، ثم قال تعالى (والنبيين مِن بَعْدِهِ) ثم خصّ بعض النبيّين بالذكر لكونهم أفضل من غيرهم كقوله (وَمَلئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وميكال). • قال البغوي: وبدأ بذكر نوح ﵇ لأنه كان أبا البشر مثل آدم ﵇، قال الله تعالى (وجعلنا ذريته هم الباقين) ولأنه أول نبي من أنبياء الشريعة، وأول نذير على الشرك، وأول من عذبت أمته لردِّهم دعوته، وأهُلك أهل الأرض بدعائه وكان أطول الأنبياء عمرًا وجعلت معجزته في نفسه، لأنه عمّر ألف سنة فلم تسقط له سن ولم تشب له شعرة ولم تنتقص له قوة، ولم يصبر نبيٌّ على أذى قومه ما صبر هو على طول عمره.

стр. 1854

• وقال أبو حيان: وقدم نوحاً وجرده منهم في الذكر لأنه الأب الثاني، وأول الرسل. • والوحي لغة: الإعلام بخفاء، واصطلاحاً: الإعلام بالشرع. [الفتح] فالوحي: ما أوحاه الله إلى نبيه ﷺ سواء كان بواسطة أو بغير واسطة. (وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ وَعِيسَى وَأَيُّوبَ وَيُونُسَ وَهَارُونَ وَسُلَيْمَانَ) أي: وأوحينا إلى سائر النبيين إبراهيم وإسماعيل الخ، خص تعالى بالذكر هؤلاء تشريفاً وتعظيماً لهم، وبدأ بعد محمد ﷺ بنوح لأنه أول رسول وأبو البشر الثاني، ثم ذكر إبراهيم لأنه الأب الثالث ومنه تفرعت شجرة النبوة كما قال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ) • قوله تعالى (وَالأَسْبَاطِ) أولاد يعقوب. (وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُوراً) أي: وأعطينا داود الكتاب وهو الزبور. • قال ابن كثير: الزبور اسم الكتاب الذي أوحاه الله إلى داود. • وقال القرطبي: كان فيه مائة وخمسون سورة ليس فيها حكم من الأحكام وإنما هي حكم ومواعظ. (وَرُسُلاً قَدْ قَصَصْنَاهُمْ عَلَيْكَ مِن قَبْلُ) أي: من قبل هذه الآية، يعني في السور المكية وغيرها. (وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) أي: خلقاً آخرين لم يذكروا في القرآن. • والله تعالى أرسل في كل أمة رسولاً كما قال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيراً وَنَذِيراً وَإِن مِّنْ أُمَّةٍ إِلَّا خلَا فِيهَا نَذِيرٌ). • قال ابن عطية (وَرُسُلاً لَّمْ نَقْصُصْهُمْ عَلَيْكَ) يقتضي كثرة الأنبياء دون تحديد بعدد، وقد قال تعالى (وإن من أمة إلا خلا فيها نذير) وقال تعالى (وقروناً بين ذلك كثيراً) وما يذكر من عدد الأنبياء فغير صحيح. (وَكَلَّمَ اللّهُ مُوسَى تَكْلِيماً) هذا تشريف لموسى ﵇ بهذه الصفة ولهذا يقال له: الكليم. • وفي هذا إثبات الكلام لله تعالى.

стр. 1855

(رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) أي: يبشرون من أطاع الله واتبع رضوانه بالخيرات، وينذرون من خالف أمره وكذب رسله بالعقاب والعذاب. • والتبشير: الإخبار بما يسر، والإنذار: الإعلام المقرون بالتخويف. • قال الرازي: سمّى الله تعالى النبيين بهذين الاسمين، فقال (كَانَ الناس أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ الله النبيين مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ) ثم سمّى المرسلين خاصة بهذا الإسم، فقال (مبشرين ومنذرين) ثم سمّى نبينا خاصة بهذين الإسمين، فقال (إِنَّآ أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً. لِّتُؤْمِنُواْ بالله وَرَسُولِهِ). (لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ) (لئلا) للتعليل، أي لأجل ألا يكون. • قال ابن الجوزي: أي: لئلا يحتجوا في ترك التوحيد والطاعة بعدم الرسل، لأن هذه الأشياء إنما تجب بالرسل. • وقال ابن كثير: أنه تعالى أنزل كتبه، وأرسل رسله بالبشارة والنذارة، وبيّن ما يحبه ويرضاه مما يكرهه ويأباه، لئلا يبقى لمعتذر عذر كما قال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزى) وكذا قوله تعالى (وَلَوْلَا أَن تُصِيبَهُم مُّصِيبَةٌ بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ فَيَقُولُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (لَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْمَدْحُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ مَدَحَ نَفْسَهُ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَغْيَرَ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ وَلَيْسَ أَحَدٌ أَحَبَّ إِلَيْهِ الْعُذْرُ مِنَ اللَّهِ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ أَنْزَلَ الْكِتَابَ وَأَرْسَلَ الرُّسُلَ) متفق عليه. • وقال البغوي: وفيه دليل على أن الله لا يعذب الخلق قبل بعثة الرسل. والعذر بالجهل معتبر بالشريعة. قال تعالى (وما كنا معذبين … ). وقال تعالى (ذلك أن لم يكن ربك مهلك القرى بظلم وأهلها غافلون). وقال تعالى (وجاءكم النذير). • والحجة: ما يحتج به الغير على آخر لدفع الملامة ورفع العقوبة عنه. • الحكمة من إرسال الرسل: أولاً: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر. قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). وقال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً). ثانياً: رحمة للناس. قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ).

стр. 1856

ثالثاً: البلاغ المبين. قال تعالى (وإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). وقال تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). وقال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ). رابعاً: الدعوة إلى الله. قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). خامساً: إقامة الحجة. وقال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى). وعندما يصيحون بالنار بعد أن يحيط بهم العذاب من كل جانب وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة جهنم كما قال تعالى (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ). (وَكَانَ اللّهُ عَزِيزاً حَكِيماً) تقدم شرحها. الفوائد: ١ - أن أول الرسل نوح ﵇. ٢ - أن الوحي إلى جميع الأنبياء والرسل كان من جنس واحد. ٣ - أن الله قص أنباء بعض الرسل لا كل الرسل. ٤ - أن الله كلم موسى كلاماً حقيقياً. ٥ - أن مهمة الرسل التبشير والإنذار. ٦ - أن الله لا يعذب أحداً إلا بعد إقامة الحجة عليه. ٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم. (الثلاثاء: ٢٥/ ٧/ ١٤٣٤ هـ).

стр. 1857

(لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً (١٦٦)) [النساء: ١٦٦]. (لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) قال ابن كثير: لما تضمن قوله تعالى (إنا أوحينا .. ) إلى آخر السياق إثبات نبوته ﷺ والرد على من أنكر نبوته من المشركين وأهل الكتاب قال الله تعالى (لَّكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ) أي: وإن كفر به من كفر به ممن كذبك وخالفك، فالله يشهد لك بأنك رسوله الذي أنزله عليه الكتاب، وهو القرآن العظيم الذي (لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ). • قال القرطبي (لكن الله يَشْهَدُ) في الكلام حذف دل عليه الكلام؛ كأنّ الكفار قالوا: ما نشهد لك يا محمد فيما تقول فمن يشهد لك؟ فنزل: لَكِن اللَّهُ يَشْهَدُ. • وقال الشوكاني: وشهادة الله سبحانه هي: ما يصنعه من المعجزات الدالة على صحة النبوة، فإن وجود هذه المعجزات شهادة للنبيّ ﷺ بصدق ما أخبر به من هذا، وغيره. • وقد شهد الله لنبيه ﷺ بالرسالة شهادة قولية، وفعلية. أما الشهادة القولية: ففي قوله تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيداً). وأما الشهادة الفعلية: فهي تمكينه من إبلاغ الرسالة ونصره على أعدائه، لأن الله لن ينصر أحداً على باطل نصراً مؤبداً أبداً. • وفي هذا تسلية للرسول ﷺ ، والله تعالى يدافع عن نبيه ﷺ : كما قال تعالى (يس والقرآن الحكيم. إنك لمن المرسلين). وقال تعالى (فاستمسك بالذي أوحي إليك إنك على صراط مستقيم). وقال تعالى (ما أنت بنعمة ربك بمجنون). (أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ) أي: فيه علمه الذي أراد أن يطلع العباد عليه، من البينات والهدى والفرقان وما يحبه الله ويرضاه، وما يكرهه ويأباه، وما فيه من العلم بالغيوب من الماضي والمستقبل، وما فيه من ذكر صفاته تعالى المقدسة التي لا يعلمها نبي مرسل ولا ملك مقرب إلا أن يُعلمه الله به كما قال تعالى (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء) وقال تعالى (ولا يحيطون به علماً). • قال السعدي: يحتمل أن يكون المراد، أنزله مشتملاً على علمه، أي: فيه من العلوم الإلهية، والأحكام الشرعية، والأخبار الغيبية، ما هو من علم الله تعالى، الذي علم به عباده. ورجحه ابن القيم حيث قال: أي: أنزله وفيه علمه الذي لا يعلمه البشر، فالباء للمصاحبة، وذلك من أعظم البراهين على صدق نبوة من جاء به. ويحتمل: أن يكون المراد، أنزله صادراً عن علمه.

стр. 1858

• وقال الآلوسي: (أنزله بعلمه) ذكر فيه أربعة أوجه: الأول: أن يكون المعنى أنزله بعلمه الخاص به الذي لا يعلمه غيره سبحانه، وهو تأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان، واختاره جماعة من المفسرين. والثاني: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم بأنك أهل لإنزاله إليك لقيامك فيه بالحق ودعائك الناس إليه، واختاره الطبرسي. والثالث: أن يكون المعنى أنزله بما علم من مصالح العباد مشتملاً عليه. والرابع: أن يكون المعنى أنزله وهو عالم به رقيب عليه حافظ له من الشياطين برصد من الملائكة. (وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ) أي: بصدق ما جاءك وأوحي إليك وأنزل عليك، مع شهادة الله لك بذلك. • قال السعدي: وإخباره تعالى بشهادة الملائكة على ما أنزل على رسوله، لكمال إيمانهم، ولجلالة هذا المشهود عليه، فإن الأمور العظيمة، لا يستشهد عليها إلا الخواص، كما قال تعالى في الشهادة على التوحيد (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط … ). (وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيداً) أي: كفى الله شاهداً فشهادته تعالى تغنيك وتكفيك وإن لم يهد غيره. • قال الخازن: يعني وحسبك يا محمد أن الله يشهد لك وكفى بالله شهيداً وإن لم يشهد معه أحد غيره ففيه تسلية للنبي ﷺ عن شهادة أهل الكتاب له فإن الله يشهد له وملائكته كذلك. الفوائد: ١ - إثبات الشهادة لله تعالى. ٢ - إثبات رسالة النبي ﷺ . ٣ - أن القرآن كلام الله تعالى. ٤ - أن إنزال الله للقرآن كان بعلمه. ٥ - إثبات الملائكة.

стр. 1859

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاً بَعِيداً (١٦٧) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ وَظَلَمُواْ لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً (١٦٨) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً (١٦٩)) [النساء: ١٦٧ - ١٦٩]. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ) أي: بكل ما يجب الإيمان به. (وَصَدُّواْ عَن سَبِيلِ اللّهِ) أي: وسعَوا في صد الناس عن اتباعه والاقتداء به. (قَدْ ضَلُّواْ ضَلَالاً بَعِيداً) أي: قد خرجوا عن الحق وضلوا عنه، وبعُدوا منه بعداً عظيماً واسعاً. • قال السعدي: وأي ضلال أعظم من ضلال من ضل بنفسه وأضل غيره، فباء بالإثمين ورجع بالخسارتين وفاتته الهدايتان. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ) بالله وبرسوله وجحدوا رسالته. (وَظَلَمُواْ) غيرهم بصدهم عن سبيل الله، أو ظلموا محمداً بكتمانهم نبوته، أو ظلموا أنفسهم بكفرهم، ويجوز الحمل على جميع هذه المعاني. لأن الإنسان إذا كفر ظلم نفسه، فقال تعالى (وما ظلمناهم ولكن ظلموا أنفسهم). والظلم في الأصل هو النقص، وسمي المعتدي ظالماً لأنه نقّص من حق المعتدَى عليه. (لَمْ يَكُنِ اللّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ) أي: لا يوفقهم للتوبة حتى يغفر لهم، وليس المعنى: لم يكن الله ليغفر لهم إذا تابوا، فإن الله يتوب على من تاب مهما كان عمله. والمغفرة: ستر الذنب مع التجاوز عنه. (وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً) أي: لا يوفقهم، فالهداية هنا هداية توفيق. (إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ) وهي اسم من النار، سميت بذلك لغلظها وبعد قعرها. (خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً) أي: ماكثين فيها لا يخرجون منها. • وقد ذكر الله أبدية النار في ثلاثة مواضع: في سورة النساء: قال تعالى (وَلا لِيَهْدِيَهُمْ سَبِيلاً. إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً). وفي سورة الأحزاب: قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لَعَنَ الْكَافِرِينَ وَأَعَدَّ لَهُمْ سَعِيراً). وفي سورة الجن: قال تعالى (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ)

стр. 1860

(وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيراً) أي: تخليدهم في جهنم لا يصعب عليه ولا يستعظمه. • قال السعدي: أي لا يبالي الله بهم ولا يعبأ لأنهم لا يصلحون للخير ولا يليق بهم إلا الحالة التي اختاروها لأنفسهم. الفوائد: ١ - ضلال من كفر وصد هو وصد غيره عن طريق الحق. ٢ - أن الضلال ينقسم إلى ضلال قريب، وضلال بعيد. ٣ - أن من اتصف بهذين الوصفين: الكفر والظلم فإنه مسدود عنه باب التوفيق. ٤ - أن الكافر لا يوفق للهدى. ٥ - إثبات الخلود الأبدي للكفار في نار جهنم. ٦ - أن كل شيء يسير على الله تعالى.
следующие страницы →