Полный текст (1 874 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
• قال ابن الجوزي: ومن الدليل على أنهم ماتوا قوله تعالى (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) هذا قول الأكثرين، وزعم قوم أنهم لم يموتوا، واحتجوا بقوله تعالى (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقاً) وهذا قول ضعيف، لأن الله تعالى فرق بين الموضعين، فقال هناك (فلما أفاق) وقال هاهنا (ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ) والإفاقة للمغشي عليه، والبعث للميت.
• وفي هذا إثبات البعث. (وسأذكر مباحث البعث في قصة القتيل إن شاء الله).
• وهذه قصة من خمس قصص مذكورة في سورة البقرة في إثبات البعث.
(لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي: لتشكروا الله على إنعامه عليكم بالبعث بعد الموت. (وسبقت مباحث الشكر).
الفوائد:
١ - إثبات البعث، وهذه إحدى القصص الخمس التي تدل على البعث في سورة البقرة.
٢ - قدرة الله .
٣ - تذكير الله بني إسرائيل بنعمته عليهم، حيث بعثهم من بعد موتهم.
٤ - أن ألم العقوبة ووقعها إذا كان الإنسان ينظر إليها تكون أشد.
٥ - وجوب شكر الله على نعمه.
٦ - أن من شكر فإنما يشكر لنفسه.
стр. 212
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (٥٧)). [البقرة ٥٧].
(وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) لما ذكر تعالى ما دفعه عنهم من النقم، شرع يذكرهم - أيضاً - بما أسبغ عليهم من النعم فقال (وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ) جمع غمامة، سمي بذلك لأنه يغُم السماء، أي: يواريها ويسترها، وهو السحاب الأبيض، ظللوا به في التِّيهِ ليقيَهم حر الشمس.
• وكان ذلك لما كانوا في التيه، واشتكوا الحر، دعا نبي الله موسى لهم، فظلل الله عليهم الغمام، وهو غمام أبيض رقيق يُظلهم من الشمس.
• قال الشيخ السبت (الغمام) إن ما ورد من تحديده أنه سحاب أبيض فهو مما أخِذ من بني إسرائيل، وإلا فإن كل ما سترك فإنه يقال له غَمام، وجاء في الحديث (كأنهما غمامتان).
• قال الشوكاني: وقد ذكر المفسرون أن هذا جرى في التيه بين مصر، والشام لما امتنعوا من دخول مدينة الجبارين.
• قال الرازي: قال المفسرون (وَظَلَّلْنَا) وجعلنا الغمام تظلكم، وذلك في التيه سخر الله لهم السحاب يسير بسيرهم يظلهم من الشمس.
• قال ابن الجوزي: (الغمام) السحاب، سمي غماماً، لأنه يغم السماء، أي: يسترها، وكل شيء غطيته فقد غممته، وهذا كان في التيه.
• وصيغة الجمع في قوله (وَظَلَّلْنَا) للتعظيم.
(وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ) اختلفت عبارات المفسرين فيه، فقيل: صمغة حلوة، وهذا قول مجاهد. وقيل: أنه كان ينزل عليهم على الأشجار فيغدون إليه فيأكلون منه ما شاء، كأنه العسل، قاله الشيخ ابن عثيمين.
وقيل: هو العسل، وهذا قول الشعبي.
стр. 213
قال الماوردي: قوله (وَأَنْزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ .... ) فيه سبعة أقاويل:
أحدها: أن المنَّ ما سقط على الشجر فيأكله الناس، وهو قول ابن عباس.
والثاني: أن المنَّ صمغة، وهو قول مجاهد.
والثالث: أن المنَّ شرابٌ، كان ينزل عليهم يشربونه بعد مزجِهِ بالماء، وهو قول الربيع بن أنس.
والرابع: أن المنَّ عسل، كان ينزل عليهم، وهو قول ابن زيدٍ.
والخامس: أن المن الخبز الرقاق، وهو قول وهب.
والسادس: أنه الزنجبيل، وهو قول السدي.
والسابع: أنه الترنجين.
قال ابن كثير: والله أعلم أنه أكل ما امتن الله به عليهم من طعام وشراب وغير ذلك مما ليس فيه عمل ولا كد، وفي الحديث قال ﷺ (الكمأة من المن) أي: من جنس ما منّ الله به على بني إسرائيل، حيث إنه يوجد - فضلاً من الله - من غير تعب.
стр. 214
(وَالسَّلْوَى) عامة المفسرين على أن السلوى طائر حلو اللحم، وهو السُّمَانَى.
قال ابن عطية: السلوى طائر بإجماع المفسرين.
(كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) أي: وقلنا لهم: كلوا من طيبات ما رزقناكم كهذا المنّ والسلوى.
وهما طيبان حساً ومعنى، للذاذة طعمهما وحلِّيتهما شرعاً، لأنهما منّ وفضل من الله جل وعلا.
فالطيّبْ هنا شامل لطيب الإباحة وطيب اللذاذة، لأن الطيبْ يطلق إطلاقين: يطلق طيباً من جهة الإباحة وعدم الشبهة، ويطلق طيباً من جهة اللذاذة وحسن المأكل، وهو جامع لهما هنا.
(وَمَا ظَلَمُونَا) أي: ما نقصونا شيئاً، لأن الله لا تضره معصية العاصين، ولا تنفعه طاعة الطائعين.
(وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ) أي: أمرناهم بالأكل مما رزقناهم وأن يعبدونا فخالفوا وكفروا فظلموا أنفسهم، هذا مع ما شاهدوه من الآيات البينات، والمعجزات القاطعات، وخوارق العادات، فظلموا أنفسهم بارتكاب المعاصي ومقابلة النعم بالمعاصي.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ).
وفي الحديث القدسي ( … يا عبادي إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني، ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني … ).
• قال ابن كثير: ومن هنا يتبين فضيلة أصحاب محمد ﷺ ورضي الله عنهم على سائر أصحاب الأنبياء في صبرهم وثباتهم وعدم تعنتهم، مع ما كانوا معه في أسفاره وغزواته، منها عام تبوك في ذلك القيظ والحر الشديد والجهد، ولم يسألوا خرق عادة ولا إيجاد أمر، مع أن ذلك كان سهلاً على النبي ﷺ .
стр. 215
الفوائد:
١ - بيان شيء من نعم الله على بني إسرائيل.
٢ - أن الغمام يسير بأمر الله تعالى.
٣ - أن لحوم الطيور من أفضل اللحوم.
٤ - الأكل من الطيبات.
٥ - تحريم الأكل من الخبائث، والخبيث نوعان: خبيث لذاته، وخبيث لكسبه.
فالخبيث لذاته: كالميتة، والخنزير، والخبيث لكسبه: كالغش والربا.
٦ - أن الله لا تضره معصية العاصين.
٧ - أن الذنوب والمعاصي ظلم للنفس.
٨ - أن بني إسرائيل كفروا هذه النعمة.
стр. 216
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (٥٩)). [البقرة: ٥٨ - ٥٩].
(وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ) أي: واذكروا يا بني إسرائيل إذا قلنا ادخلوا هذه القرية.
والقرية: المدينة، وسميت بذلك لأنها تقرت أي: اجتمعت، واختلف في تعيين هذه القرية:
فقال الجمهور: هي بيت المقدس، قال ابن كثير مرجحاً هذا القول: ولهذا كان أصح القولين أن هذه البلدة هي بيت المقدس كما نص على ذلك السدي والربيع بن أنس وقتادة وغير واحد، وقد قال الله تعالى حاكياً عن موسى (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلا تَرْتَدُّوا).
وقال آخرون: هي أريحاء، قال ابن كثير: وهذا بعيد، لأنها ليست على طريقهم وهم قاصدون بيت المقدس لا أريحاء.
• قال القرطبي: واختلف في تعيينها؛ فقال الجمهور: هي بيت المقدس، وهذه نعمة أخرى، وهي أنه أباح لهم دخول البلدة وأزال عنهم التِّيه.
وكان هذا بعد خروجهم من التيه بعد أربعين سنة مع يوشع بن نون ﵇، وفتحها الله عليهم، ولما فتحوها أمروا أن يدخلوا الباب سجداً.
• قال الشنقيطي: ولما زال عنهم التيه، ومات موسى وهارون، وكان الخليفة بعدهما يوشع بن نون، وجاءوا وجاهدوهم الجهاد المعروف الذي ردّ الله فيه الشمس ليوشع بن نون، وفتحوا البلد، أمرهم الله أن يشكروا هذه النعمة بقولٍ يقولونه، وفعلٍ يفعلونه، فبدلوا القول الذي قيل لهم بقول غيره، وبدلوا _ أيضاً - الفعل الذي قيل لهم بفعل غيره.
(فَكُلُوا مِنْهَا) أمر إباحة.
(حَيْثُ شِئْتُمْ) أي: في أي مكان كنتم في البلد.
(رَغَداً) أي: أكلاً رغداً أي: واسعاً لذيذاً لا عناء فيه ولا تعب.
ثم أمرهم الله بقول وفعل شكراً لنعمة الفتح وهو قوله:
(وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّداً) أي: أن يدخلوا باب القرية سجداً شكراً لله على النعمة.
قيل: المراد بالسجود هنا الركوع تواضعاً وانحناء وتعظيماً لله.
وقيل: هو السجود على الجبهة.
وقيل: المراد مطلق التواضع لكنه قول ضعيف.
стр. 217
• والحكمة من أمرهم بذلك:
لعله ابتلاء من الله تعالى لهم، وقيل: شكراً لله على هذه النعمة، فلما أنعم الله بدخول الأرض المقدسة بعد التيه الذي ضربه الله عليهم أربعين سنة، لزمهم شكر هذه النعمة بأن يدخلوا الباب (باب القرية) سجداً.
وسجود الشكر مشروع في شريعتنا، وقد سجده النبي ﷺ وسجد أصحابه، وعند الفتح أيضاً صلى النبي ﷺ ثمان ركعات.
(وَقُولُوا حِطَّةٌ) هذا القول الذي أُمروا به، أي: مسألتنا حطة، والحطة فعلة من الحط الذي هو الوضع، والمعنى: مسألتنا
لربنا هي حطة لذنوبنا وأوزارنا، فهي كلمة استغفار تؤذن بحط الذنوب ووضع الأوزار.
(نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ) المغفرة: ستر الذنب والتجاوز عنه، والخطيئة: الذنب العظيم الذي يستحق صاحبه التنكيل، والمعنى: نتجاوز ونستر لكم ذنوبكم العظيمة.
(وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ) الذين يحسنون في عبادة ربهم، ويحسنون إلى المخلوقين طلباً لمرضاة الله.
وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، وبالشفاعة ونحو ذلك، وتعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم.
ويدخل في ذلك الإحسان في عبادة الله، إخلاصاً لله تعالى، ومتابعة للرسول ﷺ ، كما قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ).
فالإحسان في عبادة الله: أن تقوم بالعمل متقناً فيه إخلاصاً ومتابعة.
والإحسان إلى المخلوق: بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، وأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك.
стр. 218
• قال السعدي: والإحسان نوعان:
الإحسان في عبادة الخالق، والإحسان إلى المخلوق.
فالإحسان في عبادة الخالق: فسرها النبي ﷺ بقوله (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك).
وأما الإحسان إلى المخلوق: فهو إيصال النفع الديني والدنيوي إليهم، ودفع الشر الديني والدنيوي عنهم، فيدخل في ذلك أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليم جاهلهم، ووعظ غافلهم، والنصيحة لعامتهم وخاصتهم، والسعي في جمع كلمتهم، وإيصال الصدقات والنفقات الواجبة والمستحبة إليهم، على اختلاف أحوالهم وتباين أوصافهم، فيدخل في ذلك بذل الندى وكف الأذى، واحتمال الأذى، كما وصف الله به المتقين في هذه الآيات، فمن قام بهذه الأمور، فقد قام بحق الله وحق عبيده. (تفسير السعدي)
• وأعظم دافع للإحسان مراقبة الله تعالى، ولذلك قال النبي ﷺ في تعريفه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك).
وسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي ﷺ معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينياً أن الله مطلع عليه.
لأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل.
كما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). ولم يقل أيكم أكثر عملاً.
وقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
وقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً).
فالإحسان: أن يأتي بالعمل حسناً متقناً لا نقص فيه ولا وصم، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون
• فضائل الإحسان:
أولاً: أن من أحسن إلى الناس أحسن الله إليه.
كما قال تعالى (هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ).
وقال تعالى (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
وقال تعالى (ويَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى).
стр. 219
ثانياً: لهم في الدنيا حسنة.
قال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا حَسَنَةٌ).
ثالثاً: رحمة الله قريبة من المحسنين.
قال تعالى (إِنَّ رَحْمَتَ اللّهِ قَرِيبٌ مِّنَ الْمُحْسِنِينَ).
رابعاً: لهم الجنة ونعيمها.
قال تعالى (لِّلَّذِينَ أَحْسَنُواْ الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ).
خامساً: تبشير المحسنين.
قال تعالى (وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ).
سادساً: أن الله معهم.
قال تعالى (وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ).
سابعاً: إن الله يحب المحسنين.
قال تعالى (وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ).
ثامناً: إن الله لا يضيع أجر المحسنين.
قال تعالى (إِنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ).
تاسعاً: الإحسان سبب في دخول الجنة.
قال تعالى ( .. آخِذِينَ مَا آتَاهُمْ رَبُّهُمْ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُحْسِنِينَ).
عاشراً: الكافر إذا رأى العذاب تمنى أن لو أحسن في الدنيا.
قال تعالى (أَوْ تَقُولَ حِينَ تَرَى الْعَذَابَ لَوْ أَنَّ لِي كَرَّةً فَأَكُونَ مِنَ الْمُحْسِنِين).
• قال ابن رجب: قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، وقد ثبت في " صحيح مسلم " عنِ النَّبيِّ ﷺ تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى الله عياناً في الآخرة، وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة.
стр. 220
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) جاء في صحيح البخاري عن أبي هريرة. قال: قال النبي ﷺ (قيل لبني إسرائيل: ادخلوا الباب سجداً وقولوا حطة، فدخلوا يزحفون على أستاههم فبدلوا وقال: حبة في شعير).
(فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ) بقول غيره، فالقول الذي قيل لهم هو (حطة) فبدلوه بقول غيره وقالوا (حبة في شعير).
وبدلوا الفعل بفعل غيره، فالفعل الذي أمروا به أن يدخلوا سجداً، فبدلوه فدخلوا يزحفون على أستاههم أي: على ألياتهم وعجائزهم، وهذا من كفرهم وعنادهم.
• قوله تعالى (الَّذِينَ ظَلَمُوا) أنفسهم وعصوا أمر ربهم، وأصل الظلم - كما سبق - وضع الشيء في غير موضعه، فهؤلاء وضعوا الأمر في غير موضعه، حيث قابلوا نعم الله بالعصيان، وعصوا الله.
(فَأَنْزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا رِجْزاً مِنَ السَّمَاءِ) أي: أنزل الله عليهم رجزاً من السماء، والرجز العذاب، قال العلماء: وهذا العذاب طاعون أنزله الله عليهم، قال بعض العلماء: أهلك الله به منهم سبعين ألفاً.
ويؤيد هذا قوله ﷺ (الطاعون رجس أُرسل على طائفة من بني إسرائيل أو على من كان قبلكم، فإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم بها فلا تخرجوا فراراً منه).
(بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ) (الباء) سببية، أي: بسبب كونهم فاسقين.
• والفسق في لغة العرب الخروج، ومنه قوله جل وعلا (إلَّا إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ الْجِنِّ فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ) أي: فخرج عن طاعة ربه، والعرب تقول (فسقت الفأرة) إذا خرجت من جحرها للإفساد.
стр. 221
ويطلق في القرآن ويراد به الكفر كقوله تعالى (وَأَمَّا الَّذِينَ فَسَقُوا فَمَأْوَاهُمُ النَّارُ) وقال تعالى (ومَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ)، ويطلق ويراد به ما دونه من المعاصي كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ).
• فالمعاصي سبب لنزول المصائب وزوال النعم.
قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ).
وقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ).
وقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً).
وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ).
وقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
وقال تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ).
وقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).
стр. 222
الفوائد:
١ - إثبات القول لله.
٢ - مشروعية لسجود لله عند تجدد النعم واندفاع النقم.
٣ - أن النعم تستوجب الخضوع والذل لله، ولذلك لما دخل النبي ﷺ مكة فاتحاً دخل وهو متواضع خاضع لله.
٤ - عناد بني إسرائيل حيث بدلوا وغيروا.
٥ - فضل الإحسان وأنه سبب للمزيد.
٦ - مراقبة الله.
٧ - أن الجزاء من جنس العمل، فمن أحسن أحسن الله إليه.
٨ - أن الظلم سبب للعقوبة.
стр. 223
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ كُلُوا وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (٦٠)) [البقرة: ٦٠].
(وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين طلب موسى السقيا لقومه وقد عطشوا في التيه.
• قال الرازي: جمهور المفسرين أجمعوا على أن هذا الاستسقاء كان في التيه، لأن الله تعالى لما ظلل عليهم الغمام وأنزل عليهم المن والسلوى وجعل ثيابهم بحيث لا تبلى ولا تتسخ خافوا العطش فأعطاهم الله الماء من ذلك الحجر.
• قال ابن عاشور: تذكير بنعمة أخرى جمعت ثلاث نعم وهي:
أ-الري من العطش، وتلك نعمة كبرى أشد من نعمة إعطاء الطعام ولذلك شاع التمثيل بري الظمآن في حصول المطلوب.
ب-وكون السقي في مظنة عدم تحصيله وتلك معجزة لموسى وكرامة لأمته لأن في ذلك فضلاً لهم.
ج-وكون العيون اثنتي عشرة ليستقل كل سبط بمشرب فلا يتدافعوا.
(فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) أي: اضرب أي حجر كان تتفجر بقدرتنا العيون منه.
• قوله تعالى (بِعَصَاكَ الْحَجَرَ) قيل (أل) للعهد، أي اضرب عصاً معهوداً معيناً معروفاً عندهم، لكن الصحيح أنه حجر غير معين، والمراد أن يضرب أي حجر من غير تحديد.
• قال في التسهيل: قيل هو جنس غير معين، وذلك أبلغ في الإعجاز.
• وقال الشيخ ابن عثيمين: و (الحجر) المراد به الجنس، فيشمل أيّ حجر يكون، وهذا أبلغ من القول بأنه حجر معين.
وقال ابن الجوزي: واختلفوا في صفة الحجر على ثلاثة أقوال:
أحدها: أنه كان حجراً مربعاً، والثاني: كان مثل رأس الثور، والثالث: مثل رأس الشاة.
• قال الرازي ﵀ بعد ذكر بعض هذه الأقوال في صفة الحجر: واعلم أن السكوت عن أمثال هذه المباحث واجب، لأنه ليس فيها نص متواتر قاطع، ولا يتعلق بها عمل حتى يكتفي فيها بالظن المستفاد من أخبار الآحاد فالأولى تركها.
• وقال الآلوسي: بعد أن ذكر أكثر هذه الروايات في صفة الحجر: وظاهر أكثرها التعارض، ولا ينبئ على تعيين هذا الحجر أمر ديني والأسلم تفويض علمه إلى الله.
стр. 224
• قوله تعالى (بعصاك) قال الشيخ ابن عثيمين ﵀:
• وهذه العصا كان فيها أربع آيات:
أولاً: أنه يلقيها فتكون حية تسعى، ثم يأخذها فتعود عصا.
ثانياً: أنه يضرب بها الحجر فينفجر عيوناً.
ثالثاً: أنه ضرب بها البحر، فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم.
رابعاً: أنه ألقاها حين اجتمع إليه السحرة، وألقوا حبالهم وعصيهم، فألقاها فإذا هي تلقف ما يأفكون.
(فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) أي فضرب فتدفق الماء منه بقوة وخرجت منه اثنتا عشرة عيناً بقدر قبائلهم.
• في سورة الأعراف قال تعالى (فانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) وهنا قال (فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً) قال ابن كثير قوله (فانْبَجَسَتْ مِنْهُ) هذا أول الانفجار، وأخبر ههنا بما آل إليه الحال آخراً وهو الانفجار.
وقال بعض العلماء: بل هما بمعنى واحد، فكل من الأنبجاس والانفجار انشقاق واسع ينحدر منه الماء بقوة ورجحه الشنقيطي.
• هذه معجزة وآية عظيمة لموسى، قال بعض العلماء: إنه ما من معجزة أوتيها نبي من الأنبياء إلا وقد أوتي نبينا ﷺ من جنسها.
فنبينا ﷺ أوتي معجزة تفجر الماء من بين أصابعه، وهذه المعجزة لا شك أقوى من معجزة موسى ﵇، وذلك لأن الحجارة أصلاً ما يتفجر منه الأنهار، لكن ليس من الأصابع ما يتفجر من بينها الماء.
ومن ذلك: سليمان ﵇، سخّرت له الريح تجري بأمره رخاء حيث أصاب، ونبينا ﷺ سخّر له البراق فانطلق به من مكة إلى بيت المقدس، وكذلك عُرج برسول الله ﷺ إلى السموات، ولم يحدث هذا لسليمان ﵇.
(قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ) أي علمت كل قبيلة مكان شربها لئلا يتنازعوا.
• وهذه من نعمة الله على بني إسرائيل، وهي من نعمة الله على موسى، أما كونها نعمة على موسى فلأنها آية دالة على رسالته، وأما كونها نعمة على بني إسرائيل فلأنه مزيلة لعطشهم ولظمئهم.
стр. 225
(كُلُوا) من المن والسلوى.
(وَاشْرَبُوا مِنْ رِزْقِ اللَّهِ) أي من هذا الماء من غير كدٍ منكم ولا تعب، بل هو رزق ونعمة من الله.
(وَلا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) أي ولا تطغوا في الأرض بأنواع البغي والفساد.
• قال ابن عاشور: وقوله (ولا تعثوا في الأرض مفسدين) ووجه النهي عنه أن النعمة قد تنسي العبد حاجته إلى الخالق فيهجر الشريعة فيقع في الفساد قال تعالى (كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى).
الفوائد:
١ - افتقار الخلق إلى الله ولو كان أعلى أصناف الخلق وهم الرسل.
٢ - مشروعية الاستسقاء وطلب المطر من الله.
٣ - بيان ما حصل من عصا موسى من الآيات حيث ضرب بها الحجر فانفجر عيوناً.
٤ - إثبات وجود الله .
٥ - أن الله يجيب دعاء من سأله.
٦ - أن رزق الله واسع وكثير لكل الخلق.
٧ - أن كل ما في الأرض من خيرات فهو من رزق الله.
٨ - تحريم طلب الرزق من غير الله، لأن الرزق رزق الله وهو الذي يرزق ويمنع.
٩ - ينبغي قسم الماء عند الكثرة وتوزيعه بالتساوي حتى لا يحصل الازدحام والاقتتال.
стр. 226
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)). [البقرة: ٦١]
(وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين قلتم لنبيكم موسى وأنتم في الصحراء تأكلون من المنّ والسلوى، لن نصبر على طعام واحد، أي على نوع واحد من الطعام.
• قال القرطبي: كان هذا القول منهم في الِّتيه حين مَلُّوا المنّ والسَّلْوَى، وتذكّروا عيشهم الأوّل بمصر.
• قوله تعالى (على طعام واحد) مع أن المن والسلوى طعام متعدد، والجواب من وجهين:
الأول: أن الشيء الذي يتكرر دائماً - وإن كان متنوعاً - ولا يتغير يقال له طعام واحد.
الثاني: أن المجعول على مائدة واحدة يصح أن يقال له طعام واحد ورجحه الشنقيطي وقال:
إن المجعول على المائدة الواحدة تسميه العرب طعاماً واحداً وإن اختلفت أنواعه، ومنه قولهم: أكلنا طعام فلان، وإن كان أنواعاً مختلفة.
(فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ) أي ادع الله أن يرزقنا غير ذلك الطعام، فقد سئمنا المن والسلوى وكرهناه، ونريد ما تخرجه الأرض من الحبوب والبقول.
• قال ابن كثير: وكانوا قوماً أهل عدس وبصل وبقول وفوم.
(مِنْ بَقْلِهَا) البقل: كل نبات ليس له ساق، كالكراث والجرجير.
(وَقِثَّائِهَا) القثاء نوع من الخيار طويل.
(وَفُومِهَا) قيل: هو الثوم، وقيل: هو الحنطة، قال القرطبي: روي عن ابن عباس وأكثر المفسرين.
(وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا) أي العدس والبصل المعروفان.
(قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ) فيه تقريع لهم وتوبيخ على ما سألوا من هذه الأطعمة الدنيئة مع ما هم فيه من العيش الرغيد والطعام الهنيء الطيب النافع.
стр. 227
• قال القرطبي: ومعنى الآية: أتستبدلون البَقْل والقِثّاء والفُومَ والعَدَس والبَصل الذي هو أدنى بالمنّ والسَّلْوَى الذي هو خير.
• قال ابن عاشور: وفي الاستبدال للخير بالأدنى النداء بنهاية حماقتهم وسوء اختيارهم.
• إنما فضل المن والسلوى على هذه البقول من وجوه:
أولاً: أن البقول لما كانت لا خطر لها بالنسبة إلى المنّ والسلوى كانا أفضل؛ قاله الزجاج.
الثاني: لمّا كان المنّ والسلوى طعاماً منّ الله به عليهم وأمرهم بأكله وكان في استدامة أمر الله وشكر نعمته أجر وذُخْرٌ في الآخرة، والذي طلبوه عارٍ من هذه الخصائل، كان أدنى في هذا الوجه.
الثالث: لمّا كان ما منّ الله به عليهم أطيب وألذّ من الذي سألوه، كان ما سألوه أدنى من هذا الوجه لا محالة.
الرابع: لمّا كان ما أُعْطُوا لا كُلْفةَ فيه ولا تعب، والذي طلبوه لا يجيء إلا بالحرث والزراعة والتعب، كان أدنى.
الخامس: لمّا كان ما ينزل عليهم لا مِرْيةَ في حِلّه وخُلوصه لنزوله من عند الله، والحبوب والأرض يتخلّلها البيوع والغصوب وتدخلها الشُّبه، كانت أدنى من هذا الوجه. [تفسير القرطبي].
(اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ) أي مصراً من الأمصار، كما قال ابن عباس، ويحتمل أن يكون المراد مصر فرعون.
قال ابن كثير: والحق أن المراد: مصر من الأمصار كما روي عن ابن عباس وغيره، والمعنى على ذلك لأن موسى ﵇ يقول لهم: هذا الذي سألتم ليس بأمر عزيز بل هو كثير في أي بلد دخلتموها وجدتموه، فليس يساوي مع دناءته وكثرته في الأمصار أن أسأل الله فيه، ولهذا قال (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير اهبطوا مصراً فإن لكم ما سألتم) أي ما طلبتم، ولما كان سؤالهم هذا من باب البطر والأشر ولا ضرورة فيه لم يجابوا إليه.
ظاهر هذا أن موسى لم يسأل الله لهم، لأن هذه التي طلبوها متوفرة موجودة في كل مكان.
(وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي وضعت عليهم وأُلْزِموا بها شرعاً وقدراً أي: لا يزالون مستذلين، من وَجدهم استذلهم وأهانهم وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.
стр. 228
• قيل: الذلة: الصغار، والمسكنة: الفقر والخضوع.
• قال الرازي (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّة) فالمعنى جعلت الذلة محيطة بهم مشتملة عليهم فهم فيها كمن يكون في القبة المضروبة أو ألصقت بهم حتى لزمتهم ضربة لازم كما يضرب الطين على الحائط فيلزمه.
• وقال القرطبي: أي أُلزِموهما وقُضِيَ عليهم بهما. والذَّلّة: الذُّلّ والصَّغار، والمسكنة: الفقر، فلا يوجد يهوديّ وإن كان غَنِياً خالياً من زِي الفقر وخضوعه ومهانته.
(وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) أي: رجعوا وانقلبوا متحملين غضب الله قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.
(ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يقول تعالى: هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم من الذلة، بسبب استكبارهم عن اتباع الحق وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع، وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كفر أعظم من هذا، إنهم كفروا بآيات الله، وقتلوا أنبياء الله بغير الحق.
• وقال القرطبي: قوله تعالى (بِغَيْرِ الحق) تعظيم للشُّنْعة والذّنب الذي أتوه.
فإن قيل: هذا دليل على أنه قد يصح أن يُقتلوا بالحق؛ ومعلوم أن الأنبياء معصومون من أن يصدر منهم ما يُقتلون به، قيل له: ليس كذلك؛ وإنما خرج هذا مخرج الصفة لقتلهم أنه ظُلم وليس بحق؛ فكان هذا تعظيماً للشُّنعة عليهم؛ ومعلوم أنه لا يُقتل نبيّ بحق، ولكن يُقتل على الحق؛ فصرّح قوله (بِغَيْرِ الحق) عن شُنعة الذنب ووضوحه؛ ولم يأت نبيّ قط بشيء يوجب قتله.
• وقال السعدي (بغير الحق) زيادة شناعة، وإلا فمن المعلوم أن قتل النبيين لا يكون بحق، لكن لئلا يظن جهلهم وعدم علمهم.
• عن ابن مسعود. أن رسول الله ﷺ قال (أشد الناس عذاباً يوم القيامة رجل قتله نبي أو قتل نبياً وإمام ضلالة وممثل من الممثلين) رواه أحمد.
стр. 229
• قال القرطبي: فإن قيل: كيف جاز أن يخلّى بين الكافرين وقتل الأنبياء؟
قيل: ذلك كرامة لهم وزيادة في منازلهم؛ كمثل من يُقتل في سبيل الله من المؤمنين، وليس ذلك بُخذلان لهم.
وقال ابن عباس والحسن: لم يُقتل نبيّ قط من الأنبياء إلا من لم يؤمر بقتال، وكلُّ مَن أمر بقتال نُصِر.
(ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به أنهم كانوا يعصون ويعتدون فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه والمأمور به، والله أعلم.
• قال السعدي: واعلم أن الخطاب في هذه الآيات لأمة بني إسرائيل الذين كانوا موجودين وقت نزول القرآن، وهذه الأفعال المذكورة خوطبوا بها وهي فعل أسلافهم، ونسبت لهم لفوائد عديدة:
منها: أنهم كانوا يتمدحون ويزكون أنفسهم، ويزعمون فضلهم على محمد ومن آمن به، فبين الله من أحوال سلفهم التي قد تقررت عندهم، ما يبين به لكل أحد منهم أنهم ليسوا من أهل الصبر ومكارم الأخلاق، ومعالي الأعمال، فإذا كانت هذه حالة سلفهم، مع أن المظنة أنهم أولى وأرفع حالة ممن بعدهم فكيف الظن بالمخاطبين؟
ومنها: أن نعمة الله على المتقدمين منهم، نعمة واصلة إلى المتأخرين، والنعمة على الآباء، نعمة على الأبناء، فخوطبوا بها، لأنها نعم تشملهم وتعمهم.
ومنها: أن الخطاب لهم بأفعال غيرهم، مما يدل على أن الأمة المجتمعة على دين تتكافل وتتساعد على مصالحها، حتى كان
متقدمهم ومتأخرهم في وقت واحد، وكان الحادث من بعضهم حادثاً من الجميع.
لأن ما يعمله بعضهم من الخير يعود بمصلحة الجميع، وما يعمله من الشر يعود بضرر الجميع.
ومنها: أن أفعالهم أكثرها لم ينكروها، والراضي بالمعصية شريك للعاصي، إلى غير ذلك من الحِكَم التي لا يعلمها إلا الله.
стр. 230
الفوائد:
١ - فضل الله على بني إسرائيل حيث أعطاهم الطعام من غير تعب ولا كد.
٢ - بيان سفه هؤلاء حيث لم يصبروا على هذا الطعام الطيب الذي أنزله الله من السماء تكريماً لهم.
٣ - جواز التوسل بدعاء من ترجى إجابته.
٤ - ذم من يطلب الأدنى بدلاً من الأعلى.
٥ - أن الذي ينبت الزرع ويأتي بالأرزاق هو الله.
٦ - جواز تفضيل الأطعمة بعضها على بعض.
٧ - أن الله كتب على بني إسرائيل الذلة والمسكنة، وما قوتهم الآن إلا بسبب ضعف المسلمين.
٨ - حلول غضب الله على بني إسرائيل.
٩ - إثبات الغضب لله.
١٠ - أن سبب ذلك: هو قتلهم للأنبياء وبسبب عصيانهم وطغيانهم.
١١ - أن المعاصي والذنوب سبب لغضب الله.
١٢ - أن الله لا يظلم أحداً، قال تعالى (فكلاً أخذنا بذنبه).
стр. 231
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). [البقرة: ٦٢].
(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي آمنوا بمحمد ﷺ .
(وَالَّذِينَ هَادُوا) وهم اليهود، سموا بذلك، قيل: من التوبة كقول موسى (إنا هدنا إليك) أي تبنا إليك، وقيل: نسبة إلى يهود أكبر أولاد يعقوب، وقيل: لأنهم يتهودون، أي يتحركون عند القراءة.
(وَالنَّصَارَى) هم أتباع عيسى، سموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقيل: سموا بذلك لأنهم نزلوا أرضاً يقال لها ناصرة.
(وَالصَّابِئِينَ) اختلف العلماء فيهم، فقيل: هم قوم بين المجوس واليهود والنصارى ليس لهم دين، وهذا قول مجاهد، وقيل: هم فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور، وقيل: هم قوم يعبدون الملائكة.
• قال ابن كثير: وأظهر الأقوال والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتنونه، ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئ، أي أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك. وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.
(مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجوده والإيمان بربوبيته والإيمان بألوهيته والإيمان بأسمائه وصفاته.
(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) الإيمان باليوم الآخر يتضمن الإيمان بكل ما أخبر به النبي ﷺ مما يكون بعد الموت، فيشمل ما يكون في القبر
من سؤال الملكين، وعذاب القبر ونعيمه، والبعث، والحشر، والصراط، والجزاء، والجنة والنار، سمي بذلك لأنه لا يوم بعده.
• وكثيراً ما يقرن الله بين الإيمان به وبين الإيمان باليوم الآخر.
كما في قوله تعالى (وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ).
وقوله تعالى (فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِر).
وقوله تعالى (وَمَاذَا عَلَيْهِمْ لَوْ آمَنُواْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَنفَقُواْ مِمَّا رَزَقَهُمُ اللَّهُ).
وقال ﷺ (من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيراً أو ليصمت) متفق عليه.
وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع عن التمادي في الباطل لمن وفقه الله.
стр. 232
وقد روي عن عمر أنه قال (لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى) أي: لتنكّر الناس بعضهم لبعض وتهالكوا في الشرور، واعتدى بعضهم على بعض ونحو ذلك.
(وَعَمِلَ صَالِحاً) العمل الصالح ما اجتمع فيه شرطان: الإخلاص لله، المتابعة للرسول ﷺ .
ودائماً يقرن الله العمل بالصالح، لأنه ليس كل عمل يقبل إلا إذا كان صالحاً.
قال تعالى (وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ … ).
وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً … ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدّاً).
وقال تعالى (وَمَنْ يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ الصَّالِحَاتِ فَأُولَئِكَ لَهُمُ الدَّرَجَاتُ الْعُلَى).
قال السعدي: ووصفت أعمال الخير بالصالحات، لأن بها تصلح أحوال العبد، وأمور دينه ودنياه، وحياته الدنيوية والأخروية، ويزول بها عنه فساد الأحوال، فيكون بذلك من الصالحين الذين يصلحون لمجاورة الرحمن في جنته.
(فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: ثوابهم عند ربهم.
• وفي تسمية ثوابهم أجراً تأكيد لتكفله لهم بذلك، وفي كونه عند ربهم تعظيم له، لأنه الكريم الجواد.
(وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ) أي: فيما يستقبلونه من أمر الآخرة.
(وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي: على ما فاتهم من أمور الدنيا.
• هذه الآية هي قطعاً في الأمم التي كانت قبل مبعث النبي، فإن الله تعالى أرسل الرسل وأنزل الكتب، فمن تبع الأنبياء وقبِل دعوتههم واستجاب لهم فإن الله وعده بالرحمة والجنة، وأما بعد مبعث النبي ﷺ فإن الله لا يقبل من أحد سوى الإسلام.
كما قال (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ).
وقال النبي ﷺ (لا يسمع بي أحد من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لم يؤمن بالذي أرسلت به إلا كان من أصحاب النار) رواه مسلم.
• فقد جاءت الآيات القرآنية في كفر اليهود والنصارى، وكونهم مشركين لا يقبل الله منهم إيماناً ولا عملاً قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ).
وقال تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ وَقَالَ الْمَسِيحُ يَا بَنِي إِسْرائيلَ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ إِنَّهُ مَنْ يُشْرِكْ
بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنْصَارٍ).
وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ فِي نَارِ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أُولَئِكَ هُمْ شَرُّ الْبَرِيَّةِ).
стр. 233
• فالمراد إذاً من الآية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ … ) الإخبار عمن مضى ممن كان متمسكاً بدين حقٍّ من اليهود والنصارى والصابئين، ومن المؤمنين بعد مبعث النبي ﷺ .
قال ابن القيم: فتناولت هذه الآية من كان من أهل هذه الملل الأربع متمسكاً بها قبل النسخ بغير تبديل.
وقال السعدي: والصحيح أن هذا الحكم بين هذه الطوائف من حيث هم، لا بالنسبة إلى الإيمان بمحمد، فإن هذا إخبار عنهم قبل بعثة محمد ﷺ ، وأن هذا مضمون أحوالهم.
ويستدل لهذا:
ما جاء عن سلمان أنه قال (سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرت من صلاتهم وعبادتهم فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ .. ).
ولحديث عِياض بن حمار. أن رسول الله ﷺ قال في حديثه عن قبل البعثة (وَإِنَّ اللَّهَ نَظَرَ إِلَى أَهْلِ الأَرْضِ فَمَقَتَهُمْ عَرَبَهُمْ وَعَجَمَهُمْ إِلاَّ بَقَايَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَاب) رواه مسلم.
• وذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ … ) منسوخة بقوله تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِين) ونسبه ابن الجوزي لجماعة من المفسرين.
الفوائد:
١ - فضل من آمن بالله واليوم الآخر مع العمل الصالح، وأنه لا خوف عليه ولا حزن وله أجر كبير عند الله.
٢ - بيان عدل الله.
٣ - أن العبرة عند الله بالإيمان والعمل الصالح.
٤ - وجوب الإيمان باليوم الآخر.
٥ - أن الإيمان بالله والعمل الصالح يطرد الخوف والقلق.
٦ - أن عدم الإيمان بالله وعدم العمل الصالح سبب للقلق والاضطراب والخوف.
стр. 234
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [البقرة: ٦٣ - ٦٤]
(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ) يقول تعالى مذكراً بني إسرائيل ما أخذ عليهم من العهود والمواثيق بالإيمان به وحده لا شريك له، واتباع رسله، وأخبر تعالى أنه لما أخذ عليهم الميثاق، رفع الجبل فوق رؤوسهم.
• قال الآلوسي: تذكير بنعمة أخرى، لأنه سبحانه إنما فعل ذلك لمصلحتهم، والظاهر من الميثاق هنا العهد، ولم يقل: مواثيقكم، لأن ما أخذ على كل واحد منهم أخذ على غيره فكان ميثاقاً واحداً ولعله كان بالانقياد لموسى ﵇.
• فالطور هو الجبل كما فسره به في الأعراف في قوله تعالى (وَإِذْ نَتَقْنَا الْجَبَلَ فَوْقَهُمْ كَأَنَّهُ ظُلَّةٌ وَظَنُّوا أَنَّهُ وَاقِعٌ بِهِمْ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ). نتقنا: أي رفعنا.
• قال الشوكاني: والطور: اسم الجبل الذي كلم الله عليه موسى ﵇، وأنزل عليه التوراة فيه.
• قال أبو حيان: سبب رفعه امتناعهم من دخول الأرض المقدّسة، أو من السجود، أو من أخذ التوراة والتزامها.
• قال ابن الجوزي: وجمهور العلماء على أنه إنما رفع الجبل عليهم لإبائهم التوراة.
(خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) أي التوراة.
(بِقُوَّةٍ) أي: أي بجد وعزيمة كاملة وعدول عن التغافل والتكاسل.
• في هذا أنه ينبغي على الإنسان أن يأخذ أوامر الله بنشاط وقوة وعزيمة.
ومما يؤدي ويحفز إلى النشاط في الطاعات ما يلي:
أولاً: أن يعلم أنه سيأتي يوم ينمو يتمنى أن لو عمل.
قال تعالى (حَتَّى إِذَا جَاء أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ (٩٩) لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلاَّ إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِن وَرَائِهِم بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ).
وقال تعالى (وَأَنفِقُوا مِن مَّا رَزَقْنَاكُم مِّن قَبْلِ أَن يَأْتِيَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ فَيَقُولَ رَبِّ لَوْلا أَخَّرْتَنِي إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ فَأَصَّدَّقَ وَأَكُن مِّنَ الصَّالِحِينَ (١٠) وَلَن يُؤَخِّرَ اللَّهُ نَفْسًا إِذَا جَاء أَجَلُهَا وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ).
стр. 235
وقال تعالى (وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإِنسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى (٢٣) يَقُولُ يَا لَيْتَنِي قَدَّمْتُ لِحَيَاتِي).
(يَا لَيْتَنِي) متحسراً متندماً.
وفي الآية دليل على أن الحياة التي ينبغي السعي في أصلها وكمالها هي الحياة في دار القرار.
وقال ﷺ (بادروا بالأعمال فتنا كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً .. ).
ثانياً: أن النشاط في الطاعات دليل القوة.
عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف).
ثالثاً: أن النشاط في العبادة دليل الإيمان.
فإن المنافق لا يأتي للطاعة إلا بكسل وتثاقل.
قال تعالى (إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُواْ إِلَى الصَّلَاةِ قَامُواْ كُسَالَى يُرَآؤُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلاَّ قَلِيلاً).
وقال تعالى (وَمَا مَنَعَهُمْ أَن تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقَاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِ وَلَا يَأْتُونَ الصَّلَاةَ إِلاَّ وَهُمْ كُسَالَى وَلَا يُنفِقُونَ إِلاَّ وَهُمْ كَارِهُونَ).
وقال ﷺ (أثقل صلاة على المنافقين صلاة العشاء والفجر ولو يعلمون ما فيهما لأتوهما ولو حبواً).
رابعاً: أن النشاط في الطاعة من دعاء النبي ﷺ .
فقد ﷺ يستعيذ من ضدها من كسل وعجز.
عن أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَالْجُبْنِ وَالْهَرَمِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ) متفق عليه.
خامساً: أن ذلك من صفات الأنبياء.
قال تعالى (يا يحيي خذ الكتاب بقوة).
وقال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
سادساً: ذكر نعم الله.
قال تعالى (اذكروا نعمة الله عليكم).
فإن ذكر النعم داع إلى محبة الله، منشط في العبادة.
• وإذا استمر الإنسان بالكسل والتخلف والتباطئ قد يعاقب بعدم التوفيق للطاعة مرة أخرى.
قال تعالى (وَلَوْ أَرَادُواْ الْخُرُوجَ لأَعَدُّواْ لَهُ عُدَّةً وَلَكِن كَرِهَ اللَّهُ انبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُواْ مَعَ الْقَاعِدِين).
وعَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى فِي أَصْحَابِهِ تَأَخُّراً فَقَالَ لَهُمْ: تَقَدَّمُوا فَائْتَمُّوا بِي وَلْيَأْتَمَّ بِكُمْ مَنْ بَعْدَكُمْ لَا يَزَالُ قَوْمٌ يَتَأَخَّرُونَ حَتَّى يُؤَخِّرَهُمُ اللَّهُ).
قال الشيخ ابن عثيمين: وعلى هذا فيخشى على الإنسان إذا عود نفسه التأخر في العبادة أن يبتلى بأن يؤخره الله في جميع مواطن الخير.
(وَاذْكُرُوا مَا فِيهِ) يقول: اقرؤوا ما في التوراة واعملوا به.
стр. 236
• قال القرطبي: (واذكروا مَا فِيهِ) أي: تدبّروه واحفظوا أوامره ووعيده، ولا تنسوه ولا تضيّعوه.
قلت: هذا هو المقصود من الكُتب، العملُ بمقتضاها لا تلاوتها باللسان وترتيلها؛ فإن ذلك نَبْذٌ لها؛ على ما قاله الشعبي وابن عُيَيْنة.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تتقوا الهلاك في الدنيا والآخرة.
(ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي من بعد هذا الميثاق المؤكد العظيم توليتم عنه وانثنيتم ونقضتموه.
• قال أبو حيان: أي أعرضتم عن الميثاق والعمل بما فيه.
(فَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ) أي بتوبته عليكم وإرساله النبيين والمرسلين إليكم.
(لَكُنْتُمْ مِنَ الْخَاسِرِينَ) بنقضكم ذلك الميثاق في الدنيا والآخرة.
• ونقض العهد ضرره عظيم من اللعنة وقسوة القلب كما قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَة).
الفوائد:
١ - أن الله أخذ العهود والمواثيق على بني آدم أن يوحدوه ويؤمنوا به.
٢ - بيان قدرة الله، حيث رفع فوقهم هذا الجبل العظيم.
٣ - وجوب أخذ الإنسان شريعة الله بقوة.
٤ - الحذر من الكسل والتواني في الأعمال الصالحات وهذا ينقسم إلى قسمين:
أولاً: التواني في فعل المأمورات: بأن نتكاسل في فعل الواجبات ونتراخى في فعل المندوبات.
ثانياً: الضعف في ترك المنهيات، بحيث يضعف الإنسان أمام الشهوة الدافعة إلى فعل المعصية.
٥ - وجوب ذكر ما في الكتب السابقة، من وعد ووعيد، وترغيب وتهديد، وهذا الذكر يكون باللسان وبالعمل والتطبيق.
٦ - إثبات فضل الله على بني إسرائيل.
٧ - أن أخذ الشرائع بقوة وذكر ما فيها يكون سبباً للتقوى.
стр. 237
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ). [البقرة: ٦٥ - ٦٦].
(وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) يقول تعالى (ولقد علمتم) يا معشر اليهود ما أحل من البأس بأهل القرية التي عصت أمر الله وخالفوا عهده وميثاقه فيما أخذه عليهم من تعظيم السبت والقيام بأمره إذ كان مشروعاً لهم، فتحيلوا على اصطياد الحيتان في يوم السبت بما وضعوا لها من الحبائل والبرك قبل يوم السبت، فلما جاءت يوم السبت على عادتها في الكثرة نشبت بتلك الحبائل والحيل، فلم تخلص منها يومها ذلك، فلما كان الليل أخذوها بعد انقضاء السبت، فلما فعلوا ذلك، مسخهم الله إلى صورة القردة وهي أشبه شيء بالأناسي في الشكل الظاهر وليست بإنسان حقيقة، فكذلك أعمال هؤلاء وحيلتهم لما كانت مشابهة للحق في الظاهر ومخالفة له في الباطن، كان جزاؤهم من جنس عملهم.
قال الرازي: المقصود من ذكر هذه القصة أمران:
الأول: إظهار معجزة محمد ﵇ فإن قوله (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ) كالخطاب لليهود الذين كانوا في زمان محمد ﵇ فلما أخبرهم محمد ﵇ عن هذه الواقعة مع أنه كان أمياً لم يقرأ ولم يكتب ولم يخالط القوم دل ذلك على أنه ﵇ إنما عرفه من الوحي.
الثاني: أنه تعالى لما أخبرهم بما عامل به أصحاب السبت فكأنه يقول: لهم أما تخافون أن ينزل عليكم بسبب تمردكم ما نزل عليهم من العذاب فلا تغتروا بالإمهال الممدود لكم.
• وقد جاءت القصة مبسوطة في سورة الأعراف، قال تعالى (وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إِذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لا يَسْبِتُونَ لا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ. فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ).
(وَاسْأَلْهُمْ عَنِ الْقَرْيَةِ) أي واسأل يا محمد اليهود عن أخبار أسلافهم وعن أمر القرية.
(الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ) مبنية على شاطئه بحضرته قريباً منه.
• اختلف العلماء في هذه القرية، فقيل: هي أيلة وهذا قول الأكثر، وقيل: مدين، وقيل غير ذلك، ولا يهم معرفة القرية، وإنما المهم معرفة ما حدث لهم والاعتبار به والاتعاظ.
стр. 238
وملخص قصتهم: كانت هذه القرية محرم عليهم الاصطياد يوم السبت - ابتلاء واختباراً من الله - وكان يشتد قرمهم إلى لحم السمك - القَرَم بفتحتين: شهوة اللحم - وكان الله افتتنهم فتنة، كان إذا كان يوم السبت جاءهم السمك على وجه البحر أفواجاً أفواجاً، فإذا غربت الشمس يوم السبت تمنّع في البحر فلا يقدرون على شيء منه، وهذا ابتلاء وامتحان لهم، فمكثوا من الزمن بهذا ما شاء الله، ثم بعد ذلك اشتدت شهوتهم إلى اللحم، فصاروا يحتلون على السمك يوم الجمعة - مثلاً - فيحفرون فيُجرُون في الماء أخاديد يسيل فيها الماء، فإذا انتهت حفروا حُفراً عميقة، فإذا جاء الحوت مع تلك الأخاديد المائية نزل في الحفر فلا يقدر على الرجوع فأخذوه يوم الأحد، وكان بعضهم - فيما يقولون - يجعل في ذنب الحوت خيطاً ويدق وتداً على الشاطئ، ويمسك رأس الخيط فيه، فيبقى الحوت في الماء ممسكاً بالخيط، فإذا غربت شمس يوم السبت جاء وأخذه، فلما فعلوا هذه الحيل ولم يعاجلهم العذاب كأنهم تجرؤا وتشجعوا وقالوا: لعل حرمة صيد السمك رفعها الله، لأنه لم يفعل بنا بأساً، فلم يزالوا يتدرجون في الحيل حتى صار بعضهم يصطاده علناً ويملحونه ويبيعونه في الأسواق، وكانوا ثلاث طوائف: طائفة باشرت العدوان يوم السبت واصطياد السمك، وطائفة نهتهم عنه، وطائفة سكتت، وقد بيّن الله أن الذين اعتدوا في السبت عذبهم عذاباً بئيساً وهو مسخهم قردة، والطائفة التي نهتهم أنجاهم، وسكت تعالى عن الطائفة الساكتة.
(فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) أي: فأصبحوا قردة خاسئين. والخاسئ: هو الحقير الذليل الخسيس.
• قال الشنقيطي: القردة: جمع قرد، وهو الحيوان المعروف، وهو من أخس الحيوانات، والدليل على أنه من أخس الحيوانات أن الله مسخ في صورته من أراد إذلالهم وإهانتهم وصغارهم، وهذا معروف أن القرد من أخس الحيوانات.
• اختلف العلماء هل هذا المسخ كان حقيقة أم كان معنوياً، والصحيح أنه كان حسياً فصاروا قردة، وهذا قول أكثر المفسرين، وقال مجاهد: مسخت قلوبهم ولم تمسخ صورهم، قال القرطبي: ولم يقله غيره من المفسرين فيما أعلم.
(فَجَعَلْنَاهَا) اختلف في مرجع الضمير على أقوال:
قيل: العقوبة.
وقيل: القردة.
وقيل: القرية، وهذا الصحيح.
ورجحه ابن كثير، وقال: والصحيح أن الضمير عائد على القرية، أي فجعل الله هذه القرية والمراد أهلها بسبب اعتدائهم في سبتهم.
стр. 239
(نَكَالاً) أي عاقبناها عقوبة فجعلناها عبرة.
• قال القرطبي: والنّكال: الزجر والعقاب، والنِّكْل والأنكال: القيود، وسُمِّيت القيود أنكالاً لأنها يُنْكل بها، أي يمنع، والتّنكيل: إصابة الأعداء بعقوبة تُنَكِّل مَن وراءهم؛ أي تُجَبِّنهم.
(لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا) اختلف العلماء في المراد في قوله: بين يديها وما خلفها.
والصحيح: (بين يديها) أي من بحضرتها من القرى يبلغهم خبرها وما حل بها كما قال تعالى (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُمْ مِنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآياتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) فجعلهم عبرة ونكالاً لمن في زمانهم.
(وما خلفها) من يأتي بعدهم بالخبر المتواتر عنهم.
(وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) المراد بالموعظة هنا الزاجر، أي جعلنا ما أحللنا بهؤلاء من البأس والنكال في مقابلة ما ارتكبوه من محارم الله وما تحيلوا به من الحيل، فليحذر المتقون صنيعهم لئلا يصيبهم ما أصابهم.
• قال الرازي: (وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) أن: من عرف الأمر الذي نزل بهم يتعظ به ويخاف إن فعل مثل فعلهم أن ينزل به مثل ما نزل بهم، وإن لم ينزل عاجلاً فلا بد من أن يخاف من العقاب الآجل الذي هو أعظم وأدوم.
• وقال الآلوسي: (وَمَوْعِظَةً لّلْمُتَّقِينَ) الموعظة ما يذكر مما يلين القلب ثواباً كان أو عقاباً.
الفوائد:
١ - تحريم الحيل المحرمة وأن ذلك من صفات اليهود.
والحيلة: التوصل إلى أمر محرم بفعلٍ ظاهره الإباحة، والحيل حرام لقوله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) ولأن المتحيل فيه نوع استهزاء بالله تعالى.
كل من تحيل لارتكاب محرم [إما بإسقاط واجب أو فعل محرم] فقد ارتكب مفسدتين:
الأولى: مفسدة التحايل. الثانية: مفسدة فعل المحرم.
إسقاط واجب: سافر من أجل أن يفطر، [فعل محرم] قلب الدين كما سبق.
وقد دل على التحريم أدلة كثيرة:
منها: الآية التي معنا حيث عاقبهم الله ومسخهم قردة.
ومنها: قوله ﷺ (لا ترتكبوا ما ارتكبت اليهود وتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل) رواه ابن أبي بطة.
ومنها: أن الله سبحانه أخبر عن أهل الجنة الذين بلاهم بما بلاهم به في سورة (القلم) وأنه عاقبهم بأنه أرسل على جنتهم طائفاً وهو نائمون فأصبحت كالصريم، وذلك لما تحيلوا على إسقاط نصيب المساكين، بأن يصرموها مصبحين، قبل مجيء المساكين، فكان في ذلك عبرة لكل محتال على إسقاط حق من حقوق الله تعالى أو حقوق عباده.
стр. 240
٢ - أن إقامة شريعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سبب للنجاة.
لقوله تعالى في سورة الأعراف في هذه القصة (وأَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ).
وعن النُّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ ﵄ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (مَثَلُ الْقَائِمِ عَلَى حُدُودِ اللَّهِ وَالْوَاقِعِ فِيهَا كَمَثَلِ قَوْمٍ اسْتَهَمُوا عَلَى سَفِينَةٍ، فَأَصَابَ بَعْضُهُمْ أَعْلَاهَا وَبَعْضُهُمْ أَسْفَلَهَا، فَكَانَ الَّذِينَ في أَسْفَلِهَا إِذَا اسْتَقَوْا مِنَ الْمَاءِ مَرُّوا عَلَى مَنْ فَوْقَهُمْ فَقَالُوا لَوْ أَنَّا خَرَقْنَا في نَصِيبِنَا خَرْقاً، وَلَمْ نُؤْذِ مَنْ فَوْقَنَا. فَإِنْ يَتْرُكُوهُمْ وَمَا أَرَادُوا هَلَكُوا جَمِيعاً، وَإِنْ أَخَذُوا عَلَى أَيْدِيهِمْ نَجَوْا وَنَجَوْا جَمِيعاً). رواه البخاري
٣ - تذكير الأمة بما فعل أسلافها ليتخذوا من ذلك عبرة.
٤ - وجوب الاعتبار بقصص من مضى (لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب).
٥ - أن الحيل من صفات اليهود.
٦ - أن العقوبة تكون مجانسة للعمل، فهؤلاء القوم لما تحيلوا على فعل المحرم بما ظاهره الإباحة، قلبهم الله إلى أقرب الحيوانات شبهاً بالإنسان وهي القردة.
٧ - بيان قدرة الله حيث قلب هؤلاء البشر من الإنسانية إلى الحيوانية البهيمية.
٨ - إثبات العقوبة وأن العقوبة لابد أن لها تأثيراً.
٩ - أن الموعظة إنما ينتفع بها المتقون، فمن ليس بمتقٍ لا ينتفع بالموعظة، فكلما كان الإنسان أتقى لله كان أوعى للموعظة وأكثر انتفاعاً بها.
١٠ - أن من فوائد التقوى أن صاحبها يتعظ ويعتبر بما يحصل.
١١ - فضل التقوى.
стр. 241
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً قَالُواْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ (٦٧) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لّنَا مَا هِيَ قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذَلِكَ فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ (٦٨) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاء فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ (٦٩) قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّآ إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ مُسَلَّمَةٌ لاَّ شِيَةَ فِيهَا قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٧٣)). [البقرة: ٦٧ - ٧٣].
(وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً) أي واذكروا يا بني إسرائيل حين قال لكم نبيكم موسى (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) أي: وتضربوا القتيل ببعضها فيحيا، فيخبركم عن قاتله.
• قال ابن عاشور: تعرضت هذه الآية لقصة من قصص بني إسرائيل ظهر فيها من قلة التوقير لنبيهم ومن الإعنات في المسألة والإلحاح فيها إما للتفصي من الامتثال، وإما لبعد أفهامهم عن مقصد الشارع ورومهم التوقيف على ما لا قصد إليه.
وسبب ذلك: أنه وجد قتيل في بني إسرائيل ولا يعرف قاتله، فأتوا موسى وطلبوا منه أن يسأل ربه عن قاتله، فأمرهم بذبح بقرة فقال (أن تذبحوا بقرة).
وظاهر هذه الآية يدل على أنهم لو ذبحوا أيّ بقرة لأجزأت، ولكنهم شددوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم.
(قالُو اْ أَتَتَّخِذُنَا هُزُواً) هذا جواب منهم لموسى لما قال لهم (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُواْ بَقَرَةً).
والهزء: اللعب والسخرية.
(قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ) لأن الخروج عن جواب السائل المسترشد إلى الهزء جهل، فاستعاذ منه ﵊، لأنها صفة تنتفي عن الأنبياء.
قال أبو حيان (قال أعوذ بالله أن أكون من الجاهلين) لما فهم موسى ﵇ عنهم أن تلك المقالة التي صدرت عنهم إنما هي لاعتقادهم فيها أنه أخبر عن الله بما لم يأمر به، استعاذ بالله وهو الذي أخبر عنه، أن يكون من الجاهلين بالله، فيخبر عنه بأمر لم يأمر به تعالى، إذ الإخبار عن الله تعالى بما لم يخبر به الله إنما يكون ذلك من الجهل بالله تعالى.
• وفي الآية دليل على أن الذي يستهزئ بالناس جاهل سفيه.
(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ) أي ما سنها.
стр. 242
• قال الشنقيطي: لم يبين هنا مقصودهم بقولهم (ما هي) إلا أن جواب سؤالهم دل على أن مرادهم بقولهم في الموضع الأول (ما هي) أي ما سنها.
• قال القرطبي: هذا تعنيت منهم وقلّة طواعية؛ ولو امتثلوا الأمر وذبحوا أيّ بقرة كانت لحصل المقصود، لكنهم شدّدوا على أنفسهم فشدّد الله عليهم، قاله ابن عباس وأبو العالية وغيرهما.
(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ فَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ) أي: لا كبيرة هرِمَة، ولا صغيرة لم يلْقَحْها الفحل.
(عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ) أي وسط بين الكبيرة والصغيرة.
(فَافْعَلُواْ مَا تُؤْمَرونَ) أي افعلوا ما أمركم به ربكم ولا تتعنتوا ولا تشددوا فيشدد الله عليكم.
• قال القرطبي: (فافعلوا مَا تُؤْمَرونَ) تجديد للأمر وتأكيد وتنبيه على ترك التعنّت فما تركوه.
وهذا يدل على أن مقتضى الأمر الوجوب كما تقوله الفقهاء؛ وهو الصحيح على ما هو مذكور في أصول الفقه.
(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا لَوْنُهَا قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَآءُ) أي إنها بقرة صفراء شديدة الصفرة، ولذلك أكد صفرتها بقوله:
(فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) شديدة الصفرة.
• قال ابن عاشور: سألوا بـ (ما) عن ماهية اللون وجنسه لأنه ثاني شيء تتعلق به أغراض الراغبين في الحيوان.
وما ذهب إليه بعض العلماء من أن المراد بالصفرة (السواد) مردود من وجهين:
أحدهما: أنه أكّد الصفرة بقوله (فاقع لونها) والفقوع لا يوصف به إلا الصفرة الخالصة تماماً.
ثانيهما: أن العرب لا تُطلق الصفرة وتريد السواد إلا في الإبل خاصة دون غيرها.
• قال الماوردي: حُكِيَ عن الحسن البصري، أن المراد بقوله صفراء، أي سوداء شديدة السواد، وقال سائر المفسرين: إنها صفراء اللون، من الصفرة المعروفة، وهو أصح، لأنه الظاهر، ولأنه قال (فَاقِعٌ لَّوْنُهَا) والفاقع من صفات الصفرة، وليس يوصف السواد بذلك، وإنما يقال: أسود حالكٌ، وأحمر قانٍ، وأبيضُ ناصعٌ، وأخضرُ ناضرٌ، وأصفرُ فاقعٌ.
(تَسُرُّ النَّاظِرِينَ) تعجب الناظرين.
(قَالُواْ ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيِّن لَّنَا مَا هِيَ إِنَّ البَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا) أي لكثرتها، فميّز لنا هذه البقرة ووصفها وجلِّها لنا.
стр. 243
• قال الآلوسي: (إِنَّ البقر تشابه عَلَيْنَا) تعليل لقوله تعالى (ادع) كما في قوله تعالى (صَلّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صلاتك سَكَنٌ لَّهُمْ) وهو اعتذار لتكرير السؤال أي إن البقر الموصوف بما ذكر كثير فاشتبه علينا، والتشابه مشهور في البقر، وفي الحديث (فتن كوجوه البقر) أي يشبه بعضها بعضاً.
(وَإِنَّآ إِن شَآءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ) إذا بينتها لنا، وقد جاء في حديث مرفوع (لولا أن بني إسرائيل قالوا: وإنا إن شاء الله لمهتدون، لما أعطوا، ولكن استثنوا).
• قال ابن عاشور: وقولهم (وإنا إن شاء الله لمهتدون) تنشيط لموسى ووعد له بالامتثال لينشط إلى دعاء ربه بالبيان ولتندفع عنه سآمة مراجعتهم التي ظهرت بوارقها في قوله (فافعلوا ما تؤمرون) ولإظهار حسن المقصد من كثرة السؤال وأن ليس قصدهم الإعنات، تفادياً من غضب موسى عليهم، والتعليق بـ (إن شاء الله) للتأدب مع الله في رد الأمر إليه في طلب حصول الخير.
(قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لاَّ ذَلُولٌ تُثِيرُ الأَرْضَ وَلَا تَسْقِي الْحَرْثَ) أي إنها ليست مذللة بالحراثة ولا معدة للسقي في الساقية، بل هي مكرمة حسنة.
(مُسَلَّمَةٌ) أي لا عيب فيها، ليس فيها عرج ولا عور ولا كسر قرن.
(لاَّ شِيَةَ فِيهَا) أي ليس فيها لون غير لونها.
• قال ابن كثير: وقد زعم بعضهم أن المعنى في ذلك قوله تعالى (إنها بقرة لا ذلول) ليست بمذللة بالعمل، ثم استأنف فقال (تثير الأرض) أي يعمل عليها بالحراثة، لكنها لا تسقي الحرث، وهذا ضعيف لأنه فسر الذلول التي لم تذلل بالعمل بأنها لا تثير الأرض ولا تسقي الحرث، كذا قرره القرطبي.
(قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) أي: الآن بينت لنا.
• قال ابن القيم: من أقبح جهلهم وظلمهم قولهم لنبيهم (قَالُواْ الآنَ جِئْتَ بِالْحَقِّ) فإن أرادوا بذلك: أنك لم تأت بالحق قبل ذلك في أمر البقرة، فتلك ردةٌ وكفر ظاهر، وإن أرادوا: إنك الآن بيّنت لنا البيان التام في تعيين البقرة المأمور بذبحها فذلك جهل ظاهر، فإن البيان قد حصل بقوله (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة).
(فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ) عن ابن عباس: كادوا أن لا يفعلوا ولم يكن ذلك الذي أرادوا، لأنهم أرادوا أن لا يذبحوها.
стр. 244
• قال ابن كثير: يعني أنهم مع هذا البيان وهذه الأسئلة والأجوبة والإيضاح ما ذبحوها إلا بعد الجهد، وفي هذا ذم لهم، وذلك أنه لم يكن غرضهم إلا التعنت، فلهذا ما كادوا يذبحونها.
وقيل: فذبحوها وما كادوا يفعلون لكثرة ثمنها، وفي هذا نظر.
وقيل: أنهم كادوا ألا يذبحوها خوفاً من الفضيحة التي ستحل بالقاتل وقومه.
ورجح ذلك ابن جرير؛ فقال: والصواب من التأويل عندنا أن القوم لم يكادوا يفعلون ما أمرهم الله به من ذبح البقرة للخلتين كلتيهما، إحداهما: غلاء ثمنها، مع ما ذكر لنا من صغر خطرها وقلة قيمتها، والأخرى: خوف عظيم الفضيحة على أنفسهم بإظهار نبي الله موسى على قاتله.
(وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فَادَّارَأْتُمْ فِيهَا) أي وإذ قتلتم نفساً محرمة فاختلفتم فيها، فبين الله ما حصل بواسطة هذه البقرة التي ذبحت.
• هذه الآية مؤخرة في التلاوة، مقدمة في المعنى.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَإِذْ قَتَلْتُمْ نَفْساً فادارأتم فِيهَا) هذا الكلام مقدّم على أوّل القصة، التقدير: وإذ قتلتم نفساً
فادارأتم فيها: فقال موسى: إن الله يأمركم بكذا، وهذا كقوله (الحمد لِلَّهِ الذي أَنْزَلَ على عَبْدِهِ الكتاب وَلَمْ يَجْعَل لَّهُ عِوَجَا قَيِّماً) أي أَنْزَلَ عَلَى عَبْدِهِ الْكِتَابَ قَيِّماً وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُ عِوَجاً؛ ومثله كثير.
• قوله (نفساً) لم يصرح هل هذه النفس ذكر أم أنثى، وقد أشار إلى أنها ذكر بقوله تعالى (فقلنا اضربوه .. ).
(وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ) أي مظهر ما تخفونه.
والآية تدل على أن من فعل سوءاً وكتمه أن الله يظهره، فلا يسر الإنسان سريرة - غالباً - إلا ألبسه الله رداءها.
(فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ) أي: اضربوا القتيل، وصيغة الجمع للتعظيم.
(بِبَعْضِهَا) أي ببعض البقرة، وهذا البعض لم يحدد، فأي شيء ضرب به حصلت المعجزة.
قال الرازي: في الكلام محذوف والتقدير، فقلنا اضربوه ببعضها فضربوه ببعضها فحيى إلا أنه حذف ذلك لدلالة قوله تعالى (كذلك يُحْيِ الله الموتى).
قال ابن كثير: هذا البعض أي شيء كان من أعضاء هذه البقرة، فالمعجزة حاصلة به، وخرق العادة به كائن، وقد كان معيناً في نفس الأمر، فلو كان في تعيينه لنا فائدة تعود علينا في أمر الدين أو الدنيا لبينه الله تعالى لنا، ولكنه أبهمه ولم يجي من طريق صحيح عن معصوم بيانه، فنحن نبهمه كما أبهمه الله.
стр. 245
قال الشوكاني: واختلف في تعيين البعض الذي أمروا أن يضربوا القتيل به، ولا حاجة إلى ذلك مع ما فيه من القول بغير علم، ويكفينا أن نقول: أمرهم الله بأن يضربوه ببعضها، فأيّ: بعض ضربوا به، فقد فعلوا ما أمروا به، وما زاد على هذا، فهو من فضول العلم، إذ لم يرد به برهان.
فلما ضربوه ببعضها قام فقالوا من قتلك؟ قال: قتلني فلان.
(كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى) أي: كما أحيا الله هذا القتيل، وهذا الجم الغفير من الناس ينظرون، كذلك الإحياء المشاهد يحيي الله الموتى يوم القيامة.
فهو دليل قرآني على البعث، لأن من أحيا نفساً واحدة فهو قادر على إحياء جميع النفوس، وقد قال تعالى (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
(وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: يجعلكم ترونها واضحة.
قال القاسمي: (وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ) أي: دلائله الدالة على أنه تعالى على كل شيء قدير، ويجوز أن يراد بالآيات هذا الإحياء. والتعبير عنه بالجمع لاشتماله على أمور بديعة من ترتب الحياة على عضو ميت. وإخباره بقاتله، وما يلابسه من الأمور الخارقة للعادة.
وسبق أن آيات الله تنقسم إلى قسمين كونية، كالشمس والقمر والليل والنهار، ومعنى أنها آية: أي علامة على كمال قدرة الله.
وآيات شرعية: كالوحي المنزل كقوله تعالى (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) أي: آياته الدينية الشرعية، سميت [الآية الشرعية] آية لأنها علامة على صدق من جاء بها لما فيها من الإعجاز.
(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) أي: لأجل أن تدركوا بعقولكم أنه - جل وعلا - يحيي الناس بعد الموت، ويبعثهم من قبورهم، وأنه قادر على كل شيء.
• قال الشنقيطي: أشار في هذه الآية إلى أن إحياء قتيل بني إسرائيل دليل على بعث الناس بعد الموت، لأن من أحيا نفساً واحدة بعد موتها، قادر على إحياء جميع النفوس، وقد صرح بهذا في قوله تعالى (مَا خَلْقُكُمْ وَلا بَعْثُكُمْ إِلَّا كَنَفْسٍ وَاحِدَةٍ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ).
стр. 246
• والله تعالى قد ذكر في هذه السورة خمس قصص تدل على البعث:
الموضع الأول: قصة بني إسرائيل التي سبقت (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
الموضع الثاني: هذا الموضع (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ).
الموضع الثالث: قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ).
الموضع الرابع: قوله تعالى في عزير وحماره (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
الموضع الخامس: قوله تعالى في طيور إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ).
في هذه الآية ذكر الله تعالى طريقة من طرق إثبات البعث، وقد تنوعت طرق إثبات البعث في القرآن، وجاءت على سبع طرق:
الطريقة الأولى:
آيات صريحة في إثبات ذلك:
قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ). وقال تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ). وقال تعالى: (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ). وقال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). وقال تعالى: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ)
وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد:
فقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ).
وقال تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ).
وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ).
وذم الله المكذبين بالمعاد:
فقال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ).
وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً).
стр. 247
الطريقة الثانية:
التذكير بنشأة الإنسان الأولى:
قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ).
وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ).
الطريقة الثالثة:
الاستدلال بإنبات النبات على إحياء الأموات:
قال تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
وقال تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ)
وقال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
الطريقة الرابعة:
الإشارة ولفت الانتباه إلى خلق السماوات:
قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).
стр. 248
الطريقة الخامسة:
تنزيه الله سبحانه عن العبث.
فلو فرضنا أنه لا جزاء ولا حساب ولا بعث، فما فائدة الأوامر والنواهي.
قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ).
وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً). أي: لا يؤمر ولا ينهى، وقيل لا يبعث.
الطريقة السادسة:
تنزيه الله عن الظلم:
فلو لم يكن هناك بعث لا استوى الناس، فاستوى المؤمن الذي ترك كثيراً من الشبهات مخافة ربه، والكافر لا يعرف ربه أصلاً.
قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ).
الطريقة السابعة:
ذكر وقائع وأحداث يستدل بها على البعث.
كما في قصة قتيل بني إسرائيل.
وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت.
وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها.
وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة.
وقصة أصحاب الكهف، فقد أماتهم الله في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، قال تعالى في قصتهم: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ … ).
стр. 249
الفوائد:
١ - أن الإخبار بها من أعلام نبوة رسول الله ﷺ .
٢ - الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين.
٣ - الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم.
٤ - إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدلٌ لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث.
٥ - إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق والمتنوعات، زيادته في هداية المهتدي، وإعذاراً وإنذاراً للضال.
٦ - أنه لا ينبغي مقابلة أمر الله بالتعنت وكثرة الأسئلة بل يبادر إلى الامتثال.
٧ - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور وجه الحكمة فيه بالإنكار، وذلك نوع من الكفر.
٨ - الإخبار عن قساوة قلوب هذه الأمة وغلظها وعدم تمكن الإيمان فيها.
٩ - مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن القاتل قصده ميراث المقتول ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول.
٧ - الرجوع إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمور الهامة التي طريقها الشرع.
٨ - بيان ما عليه بنو إسرائيل من سوء الظن بموسى.
٩ - تحريم الاستهزاء والسخرية.
١٠ - أن الأنبياء لا يلجئون إلا إلى الله.
١١ - أن الله مجيب الدعاء.
١٢ - أن القاتل لابد أن يخرجه الله.
١٣ - أن الله أرى عباده من آياته ما يكون به العقل والرشد.
١٤ - أن تدبر الأسباب سبب للعقل.
стр. 250
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)). [البقرة: ٧٤].
(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه القتيل (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: أصبحت قاسية غليظة لا تتأثر بمواعظ ولا يدخلها خير.
(مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد ذلك الأمر الذي عاينتموه، وهو إحياء القتيل، الذي هو أعظم سبب للين القلب.
• قال في التسهيل (مِن بَعْدِ ذلك) أي بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (من بعد ذلك) زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك.
• معنى قسوة القلب: غلظتها وشدتها بحيث لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير.
• قال القرطبي: القسوة: الصلابة والشدّة واليُبْس، وهي عبارة عن خلوّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى.
• وقد بين تعالى سبب قسوة القلب في آيات أخرى ومنها: نقض العهد، وطول الأمل.
قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً).
وقال تعالى في طول الأمل (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).
• وقد نهانا الله تعالى أن نتشبه بأهل الكتاب في قسوة قلوبهم كما في الآية السابقة، فوصف أهل الكتاب بالقسوة ونهانا عن التشبه بهم.
следующие страницы →