← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 246–285 · переход к 251.

стр. 246

• والله تعالى قد ذكر في هذه السورة خمس قصص تدل على البعث: الموضع الأول: قصة بني إسرائيل التي سبقت (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ. ثُمَّ بَعَثْنَاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ). الموضع الثاني: هذا الموضع (فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِكَ يُحْيِي اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ). الموضع الثالث: قوله تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ). الموضع الرابع: قوله تعالى في عزير وحماره (أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْماً أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْماً فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). الموضع الخامس: قوله تعالى في طيور إبراهيم (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أَوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أَرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءاً ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْياً وَاعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ). في هذه الآية ذكر الله تعالى طريقة من طرق إثبات البعث، وقد تنوعت طرق إثبات البعث في القرآن، وجاءت على سبع طرق: الطريقة الأولى: آيات صريحة في إثبات ذلك: قال تعالى: (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ). وقال تعالى: (وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ). وقال تعالى: (وَلا تُخْزِنِي يَوْمَ يُبْعَثُونَ). وقال تعالى: (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ). وقال تعالى: (أَلا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ. لِيَوْمٍ عَظِيمٍ. يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد: فقال تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لا تَأْتِينَا السَّاعَةُ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتَأْتِيَنَّكُمْ عَالِمِ الْغَيْبِ). وقال تعالى: (وَيَسْتَنْبِئُونَكَ أَحَقٌّ هُوَ قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ وَمَا أَنْتُمْ بِمُعْجِزِينَ). وقال تعالى: (زَعَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنْ لَنْ يُبْعَثُوا قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ ثُمَّ لَتُنَبَّؤُنَّ بِمَا عَمِلْتُمْ وَذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ). وذم الله المكذبين بالمعاد: فقال تعالى: (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِلِقَاءِ اللَّهِ وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ). وقال تعالى: (وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً).

стр. 247

الطريقة الثانية: التذكير بنشأة الإنسان الأولى: قال تعالى: (فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ. خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ. يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ. إِنَّهُ عَلَى رَجْعِهِ لَقَادِرٌ). وقال تعالى: (وَضَرَبَ لَنَا مَثَلاً وَنَسِيَ خَلْقَهُ قَالَ مَنْ يُحْيِي الْعِظَامَ وَهِيَ رَمِيمٌ. قُلْ يُحْيِيهَا الَّذِي أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ وَهُوَ بِكُلِّ خَلْقٍ عَلِيمٌ). الطريقة الثالثة: الاستدلال بإنبات النبات على إحياء الأموات: قال تعالى: (فَانْظُرْ إِلَى آثَارِ رَحْمَتِ اللَّهِ كَيْفَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ ذَلِكَ لَمُحْيِي الْمَوْتَى وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). وقال تعالى: (وَتَرَى الْأَرْضَ هَامِدَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ وَأَنْبَتَتْ مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ. ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ. وَأَنَّ السَّاعَةَ آتِيَةٌ لا رَيْبَ فِيهَا وَأَنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ) وقال سبحانه: (وَمِنْ آيَاتِهِ أَنَّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزَّتْ وَرَبَتْ إِنَّ الَّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). الطريقة الرابعة: الإشارة ولفت الانتباه إلى خلق السماوات: قال تعالى: (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

стр. 248

الطريقة الخامسة: تنزيه الله سبحانه عن العبث. فلو فرضنا أنه لا جزاء ولا حساب ولا بعث، فما فائدة الأوامر والنواهي. قال تعالى: (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ. فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ). وقال تعالى: (أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدىً). أي: لا يؤمر ولا ينهى، وقيل لا يبعث. الطريقة السادسة: تنزيه الله عن الظلم: فلو لم يكن هناك بعث لا استوى الناس، فاستوى المؤمن الذي ترك كثيراً من الشبهات مخافة ربه، والكافر لا يعرف ربه أصلاً. قال تعالى: (أَفَمَنْ كَانَ مُؤْمِناً كَمَنْ كَانَ فَاسِقاً لا يَسْتَوُونَ). الطريقة السابعة: ذكر وقائع وأحداث يستدل بها على البعث. كما في قصة قتيل بني إسرائيل. وقصة الذين خرجوا من ديارهم وهم ألوف حذر الموت. وقصة الذي مرّ على قرية وهي خاوية على عروشها. وقصة إبراهيم ﵇ والطيور الأربعة. وقصة أصحاب الكهف، فقد أماتهم الله في الكهف ثلاثمائة وتسع سنين، قال تعالى في قصتهم: (وَكَذَلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمُوا أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَأَنَّ السَّاعَةَ لا رَيْبَ … ).

стр. 249

الفوائد: ١ - أن الإخبار بها من أعلام نبوة رسول الله ﷺ . ٢ - الدلالة على نبوة موسى، وأنه رسول رب العالمين. ٣ - الدلالة على صحة ما اتفقت عليه الرسل من أولهم إلى خاتمهم: من معاد الأبدان، وقيام الموتى من قبورهم. ٤ - إثبات الفاعل المختار، وأنه عالم بكل شيء، قادر على كل شيء، عدلٌ لا يجوز عليه الظلم والجور، حكيم لا يجوز عليه العبث. ٥ - إقامة أنواع الآيات والبراهين والحجج على عباده بالطرق والمتنوعات، زيادته في هداية المهتدي، وإعذاراً وإنذاراً للضال. ٦ - أنه لا ينبغي مقابلة أمر الله بالتعنت وكثرة الأسئلة بل يبادر إلى الامتثال. ٧ - أنه لا يجوز مقابلة أمر الله الذي لا يعلم المأمور وجه الحكمة فيه بالإنكار، وذلك نوع من الكفر. ٨ - الإخبار عن قساوة قلوب هذه الأمة وغلظها وعدم تمكن الإيمان فيها. ٩ - مقابلة الظالم الباغي بنقيض قصده شرعاً وقدراً، فإن القاتل قصده ميراث المقتول ودفع القتل عن نفسه، ففضحه الله تعالى وهتكه وحرمه ميراث المقتول. ٧ - الرجوع إلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الأمور الهامة التي طريقها الشرع. ٨ - بيان ما عليه بنو إسرائيل من سوء الظن بموسى. ٩ - تحريم الاستهزاء والسخرية. ١٠ - أن الأنبياء لا يلجئون إلا إلى الله. ١١ - أن الله مجيب الدعاء. ١٢ - أن القاتل لابد أن يخرجه الله. ١٣ - أن الله أرى عباده من آياته ما يكون به العقل والرشد. ١٤ - أن تدبر الأسباب سبب للعقل.

стр. 250

(ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُم مِّن بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الأَنْهَارُ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاء وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤)). [البقرة: ٧٤]. (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ) يقول تعالى توبيخاً لبني إسرائيل وتقريعاً لهم على ما شاهدوه من آيات الله تعالى وإحيائه القتيل (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: أصبحت قاسية غليظة لا تتأثر بمواعظ ولا يدخلها خير. (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) أي: من بعد ذلك الأمر الذي عاينتموه، وهو إحياء القتيل، الذي هو أعظم سبب للين القلب. • قال في التسهيل (مِن بَعْدِ ذلك) أي بعد إحياء القتيل وما جرى في القصة من العجائب، وذلك بيان لقبح قسوة قلوبهم بعد ما رأوا تلك الآيات. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (من بعد ذلك) زيادة تعجيب من طرق القساوة للقلب بعد تكرر جميع الآيات السابقة المشار إلى مجموعها بذلك. • معنى قسوة القلب: غلظتها وشدتها بحيث لا ينفع فيها وعظ ولا تذكير. • قال القرطبي: القسوة: الصلابة والشدّة واليُبْس، وهي عبارة عن خلوّها من الإنابة والإذعان لآيات الله تعالى. • وقد بين تعالى سبب قسوة القلب في آيات أخرى ومنها: نقض العهد، وطول الأمل. قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً). وقال تعالى في طول الأمل (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). • وقد نهانا الله تعالى أن نتشبه بأهل الكتاب في قسوة قلوبهم كما في الآية السابقة، فوصف أهل الكتاب بالقسوة ونهانا عن التشبه بهم.

стр. 251

• أسباب قسوة القلب: أولاً: نقض العهد مع الله. قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً). قال ابن عقيل يوماً في موعظته: يا من يجد في قلبه قسوة، احذر أن تكون نقضت عهداً، فإن الله يقول (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ … ). الثاني: طول الأمل. قال تعالى: (أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ فَطَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ). ولذلك طول الأمل ينسي الآخرة، كما قال علي: أخوف ما أخاف عليكم اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى، فطول الأمل ينسي الآخرة، واتباع الهوى يصد عن الحق. فليس هناك أنفع للقلب من قصر الأمل (وهو العلم بقرب الرحيل). الثالث: كثرة الأكل، لا سيما إن كان من الشبهات أو الشهوات. قال بشر: خصلتان تقسّيان القلب: كثرة الكلام، وكثرة الأكل. الرابع: كثرة الذنوب. قال تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وفي المسند قال ﷺ (إن المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه، وإن زاد زادت حتى يعلو قلبه، فلذلك الران الذي ذكر الله في كتابه: كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). قال بعض السلف: البدن إذا عري رقّ، وكذلك القلب إذا قلت خطاياه أسرعت دمعته.

стр. 252

قال ابن المبارك: رأيت الذنوب تميت القلوب … ويورث الذل إدمانها. وترْك الذنوب حياة القلوب … وخيرٌ لنفسِك عصيانها. • علامات رقة ولين القلب: أولاً: الإكثار من ذكر الله. قال تعالى (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ). قال رجل للحسن، يا أبا سعيد، أشكو إليك قسوة قلبي، قال: أذبه بذكر الله. قال بعض السلف: دواء القلب من خمسة أشياء: قراءة القرآن بالتفكر، وخلاء البطن، وقيام الليل، والتضرع عند السحر، ومجالسة الصالحين. ثانياً: العطف على المسكين. فقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يشكو قسوة قلبه؟ فقال له الرسول ﷺ : (إذا أحببت أن يلين قلبك فامسح رأس اليتيم وأطعم المسكين) رواه أحمد. ثالثاً: زيارة المقابر. قال ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها فإنها تذكر الآخرة، وترق القلب) رواه أحمد. إذا قسا القلب قحطت العين. رابعاً: كثرة ذكر الموت. ولذلك قال ﷺ (أكثروا من ذكر هاذم اللذات) رواه الترمذي. لما في ذلك من رقة القلب، ونشاط العبادة، وتعجيل التوبة، والإقلاع عن المعاصي. قال سعيد بن جبير: لو فارق الموت ذكر قلبي لفسد.

стр. 253

خامساً: أكل الحلال. قال الفضيل: من عرف ما يدخل جوفه كتب عند الله صديقاً. وقال سهل التستري: من أكل الحلال أطاع الله شاء أم أبى، ومن أكل الحرام عصى الله شاء أم أبى. وسُئِل الإمام أحمد ﵀: بِمَ تلين القلوب؟ قال: بأكل الحلال. سادساً: الدعاء بسلامة القلب. كان ﷺ يقول (اللهم إني أسألك قلباً سليماً .. ) رواه أحمد. سابعاً: الاستجابة لأمر الله ورسوله. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ). • قال ابن القيم: ما ضربَ عبد بعقوبة أعظم من قسوة القلب والبعد عن الله. … خلقت النار لإذابة القلوب القاسية. أبعد القلوب من الله القلب القاسي. إذا قسا القلب قحطت العين. قسوة القلب من أربعة أشياء إذا جاوزت قدر الحاجة: الأكل والنوم والكلام والمخالطة. كما أن البدن إذا مرض لم ينفع فيه الطعام والشراب، فكذلك القلب إذا مرض بالشهوات لم تنجح فيه المواعظ. (فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ) أي: فهي كالحجارة التي لا تلين أبداً، فلا علاج للينها. • قال البغوي: وإنما لم يشبهها بالحديد مع أنه أصلب من الحجارة، لأن الحديد قابل للين فإنه يلين بالنار، وقد لان لداود ﵇، والحجارة لا تلين قط. • وقال ابن عاشور: وقد كانت صلابة الحجر أعرف للناس وأشهر لأنها محسوسة فلذلك شبه بها. (أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً) أجمع العلماء على أن (أو) ليست للشك لاستحالة ذلك في حق الله، واختلف في معناها. فقيل: هي بمعنى (بل) والتقدير فهي كالحجارة بل أشد قسوة. كقوله تعالى (وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) أي: بل يزيدون. وقيل: هي بمعنى (الواو) والتقدير: فهي كالحجارة وأشد قسوة.

стр. 254

كقوله تعالى (ولا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) أي: وكفوراً. وكقوله تعالى (وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ لبعولتهن أو آبائهن) والمعنى وآبائهن. وكقوله (أن تأكلوا من بيوتكم أو بيوت آبائكم) يعني وبيوت آبائكم. وقيل: معنى ذلك قلوبكم لا تخرج عن أحد هذين المثلين، إما أن تكون مثل الحجارة في القسوة وإما أن تكون أشد منها في القسوة. قال ابن جرير: ومعنى ذلك على هذا التأويل: فبعضها كالحجارة قسوة وبعضها أشد قسوة من الحجارة، ورجحه ابن جرير. (وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ) أي: تتدفق منها الأنهار الغزيرة. (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ) أي: ومن الحجارة ما يتصدع إشفاقاً من عظمة الله فينبع منه الماء. (وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) أي: ومنها ما يتفتت ويتردى من رؤوس الجبال من خشية الله. • قال بعض العلماء في قوله (مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ) هو سقوط البرد من السحاب، لكن هذا تأويل بعيد، وخروج عن اللفظ عن ظاهره بلا دليل، وزعم بعضهم أن إسناد الخشوع إلى الحجارة من باب المجاز، ولكن هذا قول ضعيف، قال القرطبي: ولا حاجة إلى هذا، فإن الله تعالى يخلق فيها هذه الصفة. كما في قوله تعالى (لَوْ أَنْزَلْنَا هَذَا الْقُرْآنَ عَلَى جَبَلٍ لَرَأَيْتَهُ خَاشِعاً مُتَصَدِّعاً مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).

стр. 255

وقوله تعالى (وإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلَكِنْ لا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ). وقوله تعالى (ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ ائْتِيَا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ). وقوله تعالى (إِنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ عَلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الْإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُوماً جَهُولاً). وقال ﷺ (إني لأعرف حجراً بمكة كان يسلم علي) رواه مسلم. وقال ﷺ (أحد جبل يحبنا ونحبه) متفق عليه. وقد حن الجذع لرسول الله ﷺ . وقد سبح الحصى في يد رسول الله ﷺ . (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) أي: أنه تعالى رقيب على أعمالكم لا يخفي عليه خافية، وسيجازيهم عليها، وفي هذا وعيد وتهديد. • قال القاسمي: وقوله تعالى (وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) فيه من التهديد وتشديد الوعيد ما لا يخفى. فإن الله إذا كان عالماً بما يعملونه، مطلعاً عليه غير غافل عنه، كان لمجازاتهم بالمرصاد. • والغفلة صفة منفية فيجب نفيها عن الله مع إثبات ضدها، فالله لا يغفل لكمال علمه. الفوائد: ١ - التحذير من قسوة القلب. ٢ - أن قسوة القلب من صفات اليهود، فيجب الحذر منها. ٣ - يجب الابتعاد عن كل سبب يؤدي إلى قسوة القلب. ٤ - التحذير من قسوة القلب بعد ظهور الآيات، لأنه أعظم شراً وأكبر إثماً. ٥ - أن قلوب بني إسرائيل التي قست كالحجارة أو أشد. ٦ - عموم رقابة الله على كل شيء، ولا يفوته شيء ولا يخفى عليه شيء. ٧ - أن الغفلة من الصفات المنفية عن الله وذلك لكمال علمه سبحانه. ٨ - تهديد العصاة، بأن الله لا يغفل عنهم.

стр. 256

(أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (٧٥) وَإِذَا لَقُواْ الَّذِينَ آمَنُواْ قَالُواْ آمَنَّا وَإِذَا خَلَا بَعْضُهُمْ إِلَىَ بَعْضٍ قَالُواْ أَتُحَدِّثُونَهُم بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ لِيُحَآجُّوكُم بِهِ عِندَ رَبِّكُمْ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (٧٦) أَوَلَا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ (٧٧)). [البقرة: ٧٥ - ٧٧]. (أَفَتَطْمَعُونَ) أيها المؤمنون. (أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) أي: ينقاد لكم بالطاعة، هؤلاء الفرقة الضالة من اليهود، الذين شاهدوا من الآيات البينات ما شاهدوه ثم قست قلوبهم من بعد ذلك. • قال القاسمي (أَفَتَطْمَعُونَ أَنْ يُؤْمِنُوا لَكُمْ) أي: هؤلاء اليهود الذين بين أظهركم، وهم متماثلون في الأخلاق الذميمة، لا يأتي من أخلاقهم إلا مثل ما أتى من أسلافهم. • قال القرطبي: قوله تعالى (أَفَتَطْمَعُونَ أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ) هذا استفهام فيه معنى الإنكار، كأنه أيأسهم من إيمان هذه الفرقة من اليهود؛ أي إن كفروا فلهم سابقة في ذلك. والخطاب لأصحاب النبيّ ﷺ ، وذلك أن الأنصار كان لهم حرص على إسلام اليهود للحلف والجِوار الذي كان بينهم. وقيل: الخطاب للنبيّ ﷺ خاصة. أي لا تحزن على تكذيبهم إياك، وأخبره أنهم من أهل السوء الذين مضوا. • قال الرازي: المراد بقوله (أَن يُؤْمِنُواْ لَكُمْ) هم اليهود الذين كانوا في زمن الرسول ﵇ لأنهم الذين يصح فيهم الطمع في أن يؤمنوا وخلافه لأن الطمع إنما يصح في المستقبل لا في الواقع. • قال ابن عاشور: فإن قلت، كيف يُنهى عن الطمع في إيمانهم أو يُعَجَّب به والنبي والمسلمون مأمورون بدعوة أولئك إلى الإيمان دائماً؟ وهل لمعنى هذه الآية ارتباط بمسألة التكليف بالمحال الذي استحالته لتعلق عِلْمِ الله بعدم وقوعه؟ قلت: إنما نُهينا عن الطمع في إيمانهم لا عن دعائهم للإيمان لأننا ندعوهم للإيمان وإن كنا آيسين منه لإقامة الحجة عليهم في الدنيا عند إجراء أحكام الكفر عليهم وفي الآخرة أيضاً، ولأن الدعوة إلى الحق قد تصادف نفساً نيّرة فتنفعها، فإن استبعاد إيمانه حُكم على غالبهم وجَمْهَرتهم أما الدعوة فإنها تقع على كل فرد منهم. (وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) اختلف العلماء في المراد بكلام الله هنا: فقيل: المراد السبعون الذين اختارهم موسى ﵇، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقولهم. وضعف هذا القول بعض العلماء، لأن فيها (إذهابا) لفضيلة موسى في اختصاصه (بالتّكليم). وقيل: المراد بكلام الله التوراة، حرفوا ما فيها من الأحكام ونعت محمداً ﷺ ، وهذا الصحيح، ورجحه القرطبي، وابن كثير، وابن الجوزي. قال أبو العالية: عمدوا إلى ما أنزل الله في كتابهم من نعت محمد ﷺ فحرفوه عن مواضعه.

стр. 257

• قال الماوردي: قوله تعالى ( … وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُم يَسْمَعُون كَلَامَ اللهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ) في ذلك قولان: أحدهما: أنهم علماء اليهود والذين يحرفونه التوراة فيجعلون الحلال حراماً والحرام حلالاً ابتاعاً لأهوائهم وإعانة لراشيهم وهذا قول مجاهد والسدي. والثاني: أنهم الذين اختارهم موسى من قومه، فسمعوا كلام الله فلم يمتثلوا أمره وحرفوا القول في إخبارهم لقومهم، وهذا قول الربيع بن أنس وابن إسحاق. • وقال ابن الجوزي: وفي سماعهم لكلام الله قولان: أحدهما: أنهم قرؤوا التوراة فحرّفوها، هذا قول مجاهد والسدي في آخرين، فيكون سماعهم لكلام الله بتبليغ نبيهم، وتحريفهم: تغيير ما فيها. والثاني: أنهم السبعون الذين اختارهم موسى، فسمعوا كلام الله كفاحاً عند الجبل، فلما جاؤوا إلى قومهم قالوا: قال لنا: كذا وكذا، وقال في آخر قوله: إن لم تستطيعوا ترك ما أنهاكم عنه؛ فافعلوا ما تستطيعون. هذا قول مقاتل، والأول أصح. وقد أنكر بعض أهل العلم، منهم الترمذي صاحب «النوادر» هذا القول إِنكاراً شديداً، وقال: إنما خص بالكلام موسى وحده، وإلا فأي ميزة؟! وجعل هذا من الأحاديث التي رواها الكلبي وكان كذاباً. • قوله تعالى (ثم يحرفونه) فالمراد بالتحريف إخراج الوحي والشريعة عما جاءت به، إما بتبديل وهو قليل وإما بكتمان بعض وتناسيه وإما بالتأويل البعيد وهو أكثر أنواع التحريف. (قاله ابن عاشور). (مِنْ بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ) أي: من بعد ما فهموه على الجلية ومع هذا يخالفونه على بصيرة.

стр. 258

(وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أنهم مخطئون فيما ذهبوا إليه من تحريفه وتأويله؟ وهذا المقام شبيه بقوله تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ). (وَإِذَا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قَالُوا آمَنَّا) تقدم، قيل: المراد بهم المنافقين من اليهود، وقيل: هؤلاء ناس من اليهود آمنوا ثم نافقوا، قاله بعض السلف. والمعنى: أن هذه الطائفة من المنافقين إذا اجتمعوا بالمؤمنين - النبي ﷺ وأصحابه - (قَالُوا آمَنَّا) وذكروا لهم أنهم آمنوا، وبيّنوا لهم أن النبي المنتظر المبشر به، أن صفاته الموجودة في كتبهم منطبقة على هذا النبي ﷺ . (وَإِذَا خَلا بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ) أي: وإذا انفرد واختلى بعضهم ببعض، ورجعوا إلى أصحابهم، وكان الموضع خالياً من المؤمنين. (قَالُوا) يعني: أصحابهم الذين لم ينافقوا، قالوا منكرين على الذين نافقوا وموبخين لهم: (أَتُحَدِّثُونَهُمْ) أي: أتحدِّثون المؤمنين وأصحابه. (بِمَا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ) أي: بما بيّن الله لكم في التوراة من صفة محمد ﷺ ، وأن هذه صفاته، وأنها منطبقة عليه، وأنه لا شك فيه. (لِيُحَاجُّوكُمْ بِهِ) بهذا الإقرار. (عِنْدَ رَبِّكُمْ) أنكم أقررتم بأنكم تعرفون أنه الحق، يوم القيامة. (أَفَلا تَعْقِلُونَ) هذا من بقية مقولهم لقومهم. والمعنى أي: أفليست لكم عقول تمنعكم من أن تحدثوهم بما يكون لهم فيه حجة عليكم؟ والقائلون ذلك هم اليهود لمن نافق منهم. • قال الرازي: قوله (أَفَلَا تَعْقِلُونَ) ففيه وجوه: أحدها: أنه يرجع إلى المؤمنين فكأنه تعالى قال: أفلا تعقلون لما ذكرته لكم من صفتهم أن الأمر لا مطمع لكم في إيمانهم، وهو قول الحسن. وثانيها: أنه راجع إليهم فكأن عند ما خلا بعضهم ببعض قالوا لهم أتحدثونهم بما يرجع وباله عليكم وتصيرون محجوجين به، أفلا تعقلون أن ذلك لا يليق بما أنتم عليه، وهذا الوجه أظهر لأنه من تمام الحكاية عنهم فلا وجه لصرفه عنهم إلى غيرهم. • وهذا يدل على أنهم في غاية الجهل، لأنهم لو كتموه، أليس الله عالماً بما في ضمائرهم؟ ولذلك وبخهم الله بقوله: (أَوَلا يَعْلَمُونَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ) أي: أولا يعلمون هؤلاء اليهود أن الله يعلم ما يخفونه وما يظهرونه، والمعنى: أن إسرارهم وإعلانهم عند الله سواء، لأن الله يعلم السر وأخفى، السر عنده علانية. • فالله تعالى يعلم ما يسرونه ويبطنونه وما يعلنونه.

стр. 259

• قال ابن عطية: والذي أسروه كفرهم، والذي أعلنوه قولهم آمنا، هذا في سائر اليهود، والذي أسره الأحبار صفة محمد ﷺ والمعرفة به، والذي أعلنوه الجحد به، ولفظ الآية يعم الجميع. قال أبو العالية: يعني ما أسروا من كفرهم بمحمد ﷺ وتكذيبهم به وهم يجدونه مكتوباً عندهم. وقال الحسن: كان ما أسروا أنهم كانوا إذا تولوا عن أصحاب محمد ﷺ وخلا بعضهم إلى بعض تناهوا أن يخبر أحد منهم أصحاب محمد بما فتح الله عليهم بما في كتابهم خشية أن يحاجهم أصحاب محمد ﷺ بما في كتابهم عند ربهم (وما يعلنون) أي: حين قالوا لأصحاب محمد ﷺ آمنا. الفوائد: ١ - تأييس النبي ﷺ وأصحابه من إيمان هؤلاء المعاندين المنحرفين. ٢ - إثبات كلام الله، وأن الله يتكلم. ٣ - ذم تحريف الكلم عن مواضعه. ٤ - أن تحريف الشيء بعد فهمه من نقصان العقل وأشد إثماً من تحريفه إذا لم يفهمه. ٥ - أن نبوة النبي ﷺ كانت معروفة عند اليهود وكتموها. ٦ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث ولقاء الله. ٧ - إثبات عموم علم الله لكل شيء. ٨ - وجوب الحذر من معصية الله، لأن الله يعلم كل شيء حتى ما في الصدور.

стр. 260

(وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ لَا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانِيَّ وَإِنْ هُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ (٧٨) فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُم مِّمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُمْ مِّمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩)). [البقرة: ٧٨ - ٧٩]. ثم ذكر الله تعالى طائفة ثالثة، وهي الطائفة الجاهلة التي لا تدري، وإنما تسمع كلاماً فتقلد فيه تقليداً أعمى: فقال: (وَمِنْهُمْ أُمِّيُّونَ) أي: ومن أهل الكتاب أميون. • والأميون: جمع أمي، وهو الرجل الذي لا يحسن الكتابة. • قال ابن الجوزي: وفي تسميته بالأمي قولان: أحدهما: لأنه على خلقة الأمة التي لم تتعلم الكتاب، فهو على جبلته، قاله الزجاج. والثاني: أنه ينسب إلى أمه، لأن الكتابة في الرجال كانت دون النساء. وقيل: لأنه على ما ولدته أمه. (لا يَعْلَمُونَ الْكِتَابَ) أي: لا يدرون ما فيه. (إِلَّا أَمَانِيَّ) اختلف العلماء في المراد بالأماني هنا على قولين: أحدهما: أن المراد بالأمنية القراءة، أي: لا يعلمون من الكتاب إلا قراءة ألفاظ دون إدراك معانيها. واستشهد على ذلك بقوله تعالى (إِلَّا إِذَا تَمَنَّى) أي: تلا (أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ .. ). ويكون الأماني هنا جمع أمنِيّة. • قال الشنقيطي: وهذا القول لا يتناسب مع قوله (ومنهم أميون) لأن الأمي لا يقرأ. والثاني: أن الاستثناء منقطع، والمعنى: لا يعلمون الكتاب لكن يتمنون أماني باطلة، لأن الأماني ليست من الكتابة، وهذا قول جمهور العلماء.

стр. 261

ويكون الأماني - على هذا القول- جمع أُمْنِيَة، والأمنيَة هي: أن يود الإنسان ويطلب ما لا يمكن وقوعه أو ما يبعد وقوعه جداً، كقول الشاعر: ألا ليت الشبابَ يعود يوماً … فأخبره بما فعل المشيبُ. فهم يتمنون أماني فقط: كقوله تعالى عنهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ). وقوله تعالى (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً). وقوله تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). وهذا القول هو الراجح، وفي الآية قرينة تدل على هذا القول وهي قوله (ومنهم أميون) والأمي هو الذي لا يقرأ، فلو فسرتْ (إلا أماني) بمعنى إلا قراءة لصار في ذلك تعارض (وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ) أي: ما هم على يقين من أمرهم بل هم مقلدون للآباء تقليد أهل العمى والغباء. • قال الشنقيطي: والظن يطلق إطلاقين، يطلق على الشك، وهو المراد هنا، وكما في قوله ﷺ (إياكم والظن … ) وهناك إطلاق آخر. • ثم ذكر تعالى صنف آخر من اليهود وهم الدعاة إلى الضلال بالزور والكذب وأكل أموال الناس بالباطل فقال: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) أي: هلاك وعذاب لأولئك الذين حرفوا التوراة، وكتبوا تلك الآيات المحرفة بأيديهم. • فمعنى (يكتبونه) أي: يكتبونه كتابة محرفة. • الويل: قيل: واد في جهنم، وقيل: جبل من نار، وقيل: كلمة تهديد ووعيد. • قوله تعالى (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد، فإنه قد علم أن الكتْب لا يكون إلا باليد، فهو مثل قوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله تعالى (يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِمْ). وقيل فائدة (بِأَيْدِيهِمْ) بيان لجرمهم وإثبات لمجاهرتهم، فإن من تولى الفعل أشد مواقعة ممن لم يتولى وإن كان رأياً له. • قال في التسهيل: (بِأَيْدِيهِمْ) تحقيق لافترائهم. • قال الشوكاني: وقوله (بِأَيْدِيهِمْ) تأكيد؛ لأن الكتابة لا تكون إلا باليد، فهو مثل قوله (وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله (يَقُولُونَ بأفواههم). (ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: ثم يقولون لأتباعهم الأميين هذا الذي تجدونه هو من نصوص التوراة التي أنزلها الله على موسى، مع أنهم كتبوها بأيديهم ونسبوها إلى الله كذباً وزوراً.

стр. 262

(لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) أي: لينالوا به عرض الدنيا وحطامها الفاني. • والاشتراء في لغة العرب: الاستبدال، فكل شيء استبدلته بشيء فقد اشتريته. • قال السعدي: فجعلوا باطلهم شركاً يصطادون به ما في أيدي الناس، فظلموهم من وجهين: من جهة تلبيس دينهم عليهم، ومن جهة أخذ أموالهم بغير حق، بل بأبطل الباطل، وذلك أعظم ممن يأخذها غصباً وسرقة ونحوهما. • فاليهود حرفوا وكتموا حرصاً على الدنيا وحطامها من المال والرئاسة والمنصب وغيرها. قال الحسن: الثمن القليل الدنيا بحذافيرها. • وفي هذا أن الدنيا كلها ثمن قليل حقير. وفي الحديث قال ﷺ (موضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه. وقال ﷺ (لغدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها) متفق عليه. وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) رواه الترمذي. ولهذا قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود. • وقد ذكر بعض العلماء أن من موانع الهداية أن يكون للإنسان جولة ومنصب في الباطل. (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) أي: العذاب حاصل على أمرين: الأول: ما كتبوه. الثاني: ما كسبوه من المال الحرام من هذه الكتابة. ولهذا قال ابن كثير: فويل لهم مما كتبوا بأيديهم من الكذب والبهتان والافتراء، وويل لهم مما أكلوا به من السحت. • وقال أبو حيان: (فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل مما يكسبون) كتابتهم مقدمة، نتيجتها كسب المال الحرام، فلذلك كرر الويل في كل واحد منهما، لئلا يتوهم أن الوعيد هو على المجموع فقط. فكل واحد من هذين متوعد عليه بالهلاك. وظاهر الكسب هو ما أخذوه على تحريفهم الكتاب من الحرام، وهو الأليق بمساق الآية.

стр. 263

• وقال السعدي: (فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: من التحريف والباطل (وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ) من الأموال، والويل: شدة العذاب والحسرة، وفي ضمنها الوعيد الشديد. الفوائد: ١ - ذم من لا يفهم معنى كتاب الله ٢ - الحث على تدبر وفهم كلام الله. ٣ - تحريم القول على الله بغير علم. ٤ - التهديد الشديد لمن يحرف دين الله وشرعه من أجل حطام الدنيا. ٥ - أن من فعل ذلك من علمائنا ففيه شبه من اليهود. ٦ - أن متاع الدنيا متاع قليل، لأن صاحبه يموت، وهو متاع يزول. ٧ - الحث على طلب الآخرة لأنها هي الباقية. ٨ - التحذير من التشبه بصفات اليهود من كتم العلم، وطلب الدنيا بالآخرة.

стр. 264

(وَقَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَةً قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِندَ اللَّهِ عَهْدًا فَلَن يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٨٠)). [البقرة: ٨٠]. (وَقَالُوا) أي: اليهود، يخبر تعالى عن اليهود فيما نقلوه وادعوا لأنفسهم. (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً) أي: أنه لن تمسهم النار ويدخلونها إلا أياماً معدودة، ثم ينجون منها. • يقصدون أن الدنيا سبعة آلاف سنة، وأنهم يعذبون بكل ألف سنة يوماً في النار، وقيل: يعنون الأيام التي عبدنا فيها العجل. • قال ابن الجوزي: (وقالوا لن تمسنا النار إِلا أياماً معدودة) وهم: اليهود. وفيما عنوا بهذه الأيام قولان. أحدهما: أنهم أرادوا أربعين يوماً، قاله ابن عباس، وعكرمة، وأبو العالية، وقتادة، والسدي. ولماذا قدروها بأربعين؟ فيه ثلاثة أقوال، أحدها: أنهم قالوا: بين طرفي جهنم مسيرة أربعين سنة، ونحن نقطع مسيرة كل سنة في يوم، ثم ينقضي العذاب وتهلك النار، قاله ابن عباس، والثاني: أنهم قالوا: عتب علينا ربنا في أمر، فأقسم ليعذبنا أربعين ليلة، ثم يدخلنا الجنة، فلن تمسنا النار إِلا أربعين يوماً تحلّة القسم، وهذا قول الحسن وأبي العالية، والثالث: أنها عدد الأيام التي عبدوا فيها العجل، قاله مقاتل. والقول الثاني: أن الأيام المعدودة سبعة أيام، وذلك لأن عندهم أن الدنيا سبعة آلاف سنة، والناس يعذبون لكل ألف سنة يوماً من أيام الدنيا، ثم ينقطع العذاب، قاله ابن عباس. • فرد الله عليهم وأكذبهم فقال. (قُلْ أَتَّخَذْتُمْ عِنْدَ اللَّهِ عَهْداً) أي: قل لهم يا محمد على سبيل الإنكار والتوبيخ، هل أعطاكم الله العهد والميثاق بذلك؟ قال ابن الجوزي: أي عهد إِليكم أنه لا يعذبكم إِلا هذا المقدار؟

стр. 265

(فَلَنْ يُخْلِفَ اللَّهُ عَهْدَهُ) أي: فإنْ كان قد وقع عهد فهو لا يخلف الميعاد، ولكن هذا ما جرى ولا كان، ولهذا قال: (أَمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) (أم) بمعنى بل، أي: بل تقولون على الله ما لا تعلمون من الكذب والافتراء عليه. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ ﵁ قَالَ (لَمَّا فُتِحَتْ خَيْبَرُ أُهْدِيَتْ لِلنَّبِيِّ ﷺ شَاةٌ فِيهَا سُمٌّ فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اجْمَعُوا إِلَيَّ مَنْ كَانَ هَا هُنَا مِنْ يَهُودَ». فَجُمِعُوا لَهُ فَقَالَ «إِنِّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْهُ». فَقَالُوا نَعَمْ. قَالَ لَهُمُ النَّبِيُّ ﷺ «مَنْ أَبُوكُمْ». قَالُوا فُلَانٌ. فَقَالَ «كَذَبْتُمْ، بَلْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ». قَالُوا صَدَقْتَ. قَالَ «فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُ عَنْهُ» فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ، وَإِنْ كَذَبْنَا عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا. فَقَالَ لَهُمْ «مَنْ أَهْلُ النَّارِ». قَالُوا نَكُونُ فِيهَا يَسِيراً ثُمَّ تَخْلُفُونَا فِيهَا. فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ «اخْسَئُوا فِيهَا، وَاللَّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَداً، ثُمَّ قَالَ: هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيَّ عَنْ شَيْءٍ إِنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ». فَقَالُوا نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ. قَالَ «هَلْ جَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشَّاةِ سُمًّا». قَالُوا نَعَمْ. قَالَ «مَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ». قَالُوا أَرَدْنَا إِنْ كُنْتَ كَاذِباً نَسْتَرِيحُ، وَإِنْ كُنْتَ نَبِيًّا لَمْ يَضُرَّكَ) رواه البخاري. الفوائد: ١ - بيان كذب اليهود فيما ادعوا. ٢ - من أسلوب القرآن الرد على الشبه وتوضيح الحق كما قال تعالى (وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) فكذبهم الله بقولهم (وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا) فإن الله لا يأمر بالفحشاء. ٣ - أن اليهود لا يبالون بالافتراء على الله لينالوا مآربهم.

стр. 266

(بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)). [البقرة: ٨١ - ٨٢]. (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) يقول تعالى رداً على دعوى اليهود: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر أنه من كسب سيئة، والسيئة: العمل السيء، سميت سيئة لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلاً بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه. (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) أي: أحاط به شركه، وغمرته ذنوبه من جميع جوانبه، وسدت عليه جميع مسالك النجاة، بأن فعل مثل فعلكم أيها اليهود. • فالمراد بالخطيئة هنا الشرك، لأنه الذنب الذي يخلد صاحبه في النار، لأن الله أخبر أنه من أصحاب النار المخلدين، ولا يخلد في النار إلا المشرك. (فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: أصحابها الملازمين لها، أبد الآبدين ودهرين الداهرين، لا يخرجون منها (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). (وَالَّذِينَ آمَنُوا) بقلوبهم. (وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ) بجوارحهم. [سبق شرح الآية]. وتقدم شروط العمل الصالح: أن يكون خالصاً لله، متابعاً للشريعة. (أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي: أصحابها الملازمون لها، لا يخرجون منها (يُبَشِّرُهُمْ رَبُّهُمْ بِرَحْمَةٍ مِنْهُ وَرِضْوَانٍ وَجَنَّاتٍ لَهُمْ فِيهَا نَعِيمٌ مُقِيمٌ) [وقد سبق شرح الخلود]. • قال الرازي: اعلم أنه ما ذكر في القرآن آية في الوعيد إلا وذكر بجنبها آية في الوعد، وذلك لفوائد: أحدها: ليظهر بذلك عدله سبحانه، لأنه لما حكم بالعذاب الدائم على المصرين على الكفر وجب أن يحكم بالنعيم الدائم على المصرين على الإيمان. وثانيها: أن المؤمن لا بد وأن يعتدل خوفه ورجاؤه. وثالثها: أنه يظهر بوعده كمال رحمته وبوعيده كمال حكمته فيصير ذلك سبباً للعرفان.

стр. 267

الفوائد: ١ - أن من كذب الله وأشرك به فمأواه جهنم. ٢ - أن العبرة بالشريعة بالعمل لا بالدعوى والتمني. ٣ - أن من آمن وعمل صالحاً فله الجنة. ٤ - الحث على العمل الصالح وهو ما كان خالصاً لله موافقاً لسنة النبي ﷺ . ٥ - أنه لا يستحق الخلود في النار إلا من أحاطت به خطيئته وهو من أشرك بالله تعالى. ٦ - أن من طريقة القرآن أنه إذا ذكر أهل النار وعقوبتهم، ذكر أهل الجنة ومالهم من النعيم. ٧ - إثبات الجنة والنار. ٨ - أن أهل الجنة مخلدون فيها.

стр. 268

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنكُمْ وَأَنتُم مِّعْرِضُونَ (٨٣)). [البقرة: ٨٣]. (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ) أي: واذكر حين أخذنا على أسلافكم يا معشر اليهود الميثاق. • والميثاق هو: العهد المؤكد. • اختلف في الميثاق، فقيل: هو الميثاق الذي أخذ عليهم حين أخرجوا من صلب آدم كالذر، وقيل: هو ميثاق أخذ عليهم وهم أحياء على السنة رسلهم. • قال السعدي: قوله (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) هذا من قسوتهم أن كل أمر أمروا به، استعصوا؛ فلا يقبلونه إلا بالأيمان الغليظة، والعهود الموثقة (لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ) أي: أن يخلصوا في عبادة الله، فلا يعبدون ملكاً ولا رسولاً ولا حجراً. • ففيه النهي عن الشرك، فلا تقبل الأعمال كلها مع الشرك. • والله أمر بهذا جميع خلقه: كما قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). وقال تعالى (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله ﵎. وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال (قلت يا رسول الله! أي الذنب أعظم؟ قال: أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه. • وقد نقدم تعريف العبادة عند آية [٢٠]. (وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً) ذكر تعالى بعد حق الله حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله بين حقه وحق الوالدين. كما قال تعالى (أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ).

стр. 269

وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وقال تعالى (قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلاَّ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وقال تعالى (وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلَا تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وقال تعالى (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً). وأوصى تعالى بالوالدين إحساناً: قال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْناً). وقال تعالى (وَوَصَّيْنَا الْإِنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ). وعن ابن مسعود قَالَ سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ أَيُّ الأَعْمَالِ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ قَالَ (الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا). قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (ثُمَّ بِرُّ الْوَالِدَيْنِ). قُلْتُ ثُمَّ أَيٌّ قَالَ (ثُمَّ الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) قَالَ حَدَّثَنِي بِهِنَّ وَلَوِ اسْتَزَدْتُهُ لَزَادَنِي. وعن عبد الله بن عمرو قال (جاء رجل إلى النبي ﷺ فاستأذنه في الجهاد، فقال: أحي والداك؟ قال: نعم، قال: ففيهما فجاهد) متفق عليه. ولمسلم (فارجع إلى والديك فأحسن صحبتَهما). ولحديث أبي هريرة. (أن رجلاً قال يا رسول الله! من أحق الناس بحسن صحابتي؟ قال: أمك؟ قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أمك. قال: ثم من؟ قال: أبوك). كيفية الإحسان لهما: بالقول والفعل: في حياتهما: بالبر والطاعة والإكرام والتوقير والتواضع لهما. بعد موتهما: الدعاء لهما، وإنفاذ عهدهما، وإكرام صديقهما.

стр. 270

• وللإحسان ضدان: الإساءة وهي أعظم جرماً، وترك الإحسان بدون إساءة، وهذا محرم، لكن لا يجب أن يلحق بالأول. (قاله السعدي). • هذا البر لا يختص بالأبوين المسلمين، بل ولو كانا على الشرك. قال تعالى (لا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ) وقال تعالى (وَإِنْ جَاهَدَاكَ عَلَى أَنْ تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلا تُطِعْهُمَا وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفاً) وعن أسماء قالت (قدمت أمي وهي راغبة، أفأصلها؟ قال: نعم). راغبة: أي بالعطاء. ومن الإحسان ألا يجاهد إلا بإذنهما. للحديث السابق. وهذا محمد ﷺ يزور قبر أمه: قال ﷺ (استأذنت ربي أن أستغفر لها فلم يأذن لي، واستأذنته أن أزور قبرها فأذن لي، فزوروا القبور فإنها تذكر الآخرة). رواه مسلم وهذا إبراهيم خليل الرحمن يخاطب أباه بلطف وإشفاق: قال تعالى (يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطاً سَوِيّاً). وهذا يحي يثني عليه الله بوصفه براً بوالديه: قال تعالى (وَبَرّاً بِوَالِدَيْهِ وَلَمْ يَكُن جَبَّاراً عَصِيّاً). وكذلك عيسى ﵇ فيذكر الله في كتابه قوله: قال تعالى (وَبَرّاً بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّاراً شَقِيّاً). نماذج من سلف الأمة: عن محمد بن المنكدر أنه كان يضع خده على الأرض ثم يقول لأمه: قومي ضعي قدمك على خدي. وعن ابن عون المزني: أن أمه نادته فأجابها، فعلا صوته صوتها فأعتق رقبتين. قال ابن الجوزي: بلغنا عن عمر بن ذر، أنه لما مات ابنه قيل له: كيف كان بره بك؟ قال: ما مشى معي نهاراً إلا كان خلفي، ولا ليلاً إلا كان أمامي، ولا رقد على سطح أنا تحته.

стр. 271

كان أبو هريرة إذا أراد أن يخرج من بيته وقف على باب أمِّه فقال: السلام عليك - يا أماه - ورحمة الله وبركاته، فتقول: وعليك السلام - يا ولدي - ورحمة الله وبركاته، فيقول: رحِمَك الله كما ربيتني صغيراً، فتقول: رحمك الله كما بررتني كبيراً. وعن الزهري قال: كان الحسن بن علي لا يأكل مع أمه، وكان أبرَّ الناس بها، فقيل له في ذلك، فقال: أخاف أن آكل معها، فتسبق عينها إلى شيء من الطعام وأنا لا أدري فآكله، فأكون قد عققتها. (وَذِي الْقُرْبَى) أي: وأحسنوا إلى ذي القرابة، سواء من قبل الأم أو من قبل الأب، والإحسان إليهم يكون بالقول والفعل، لكن الإحسان إلى الوالدين أعظم، لأنهم أقرب القربى إليك. (وَالْيَتَامَى) أي: وأحسنوا إلى اليتامى. • واليتيم: هو من مات أبوه وهو لم يبلغ. • قال في التسهيل: جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه. • وقد أوصت الشريعة بالعناية باليتيم وبماله وحذرت من أكل ماله. فقد أوصى الله باليتيم في آيات كثيرة: كقوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ). وقال تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ). وحذر الله من أكل مال اليتامى. فقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً). وأخبر النبي ﷺ أن كافل اليتيم في الجنة: فقال ﷺ (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) متفق عليه. وقال ﷺ (اللهم إني أحرّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) رواه النسائي، أي: ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذّر من ذلك تحذيراً بليغاً. (وَالْمَسَاكِينِ) أي: وأحسنوا إلى المساكين، والمساكين جمع مسكين، وهو من لا يجد تمام كفايته، سموا بذلك، لأن الفقر أذله وأسكنه، وقد استعاذ النبي ﷺ من الفقر والجوع، فعن أبي هريرة. أن النبي ﷺ كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع) رواه أبو داود. وفي حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ كان يقول دبر كل صلاة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر). رواه النسائي ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلاً منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معاً كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر. • وسمي المعدم مسكيناً، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء. • قال في التسهيل: وجاء الترتيب في هذه الآية بتقديم الأهم، فقدم الوالدين لحقهما الأعظم، ثم القرابة لأن فيهم أجر الإحسان وصلة الرحم، ثم اليتامى لقلة حيلتهم، ثم المساكين.

стр. 272

• قال الرازي: إنما تأخرت درجتهم عن اليتامى لأن المسكين قد يكون بحيث ينتفع به في الاستخدام فكان الميل إلى مخالطته أكثر من الميل إلى مخالطة اليتامى، ولأن المسكين أيضاً يمكنه الاشتغال بتعهد نفسه ومصالح معيشته، واليتيم ليس كذلك فلا جرم قدم الله ذكر اليتيم على المسكين. (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً) أي: كلموهم كلاماً طيباً ولينوا لهم جانباً، ويدخل في ذلك أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب. • فضائل الكلمة الطيبة: الكلمة الطيبة سبب لصلاح الأحوال وغفران الذنوب. قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلاً سَدِيدًا (٧٠) يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا). وأمر الله بالكلمة الطيبة. فقال تعالى (وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ). وقال سبحانه (وقل لعبادي يقولوا التي هي أحسن).

стр. 273

وقال سبحانه (إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه). الكلمة الطيبة سبب لرضوان الله. عن بِلالِ بن الحارِثِ المُزَنِيِّ ﵁: أنَّ رسول الله ﷺ قَال (إنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى مَا كَانَ يَظُنُّ أنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ يَكْتُبُ اللهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَومِ يَلْقَاه) رواه الترمذي. والكلمة الطيبة سبب دخول الجنة. عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ ﷺ (إِنَّ فِي الْجَنَّةِ غُرَفًا تُرَى ظُهُورُهَا مِنْ بُطُونِهَا وَبُطُونُهَا مِنْ ظُهُورِهَا» فَقَامَ أَعْرَابِيٌّ فَقَالَ: لِمَنْ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: «لِمَنْ أَطَابَ الْكَلَامَ، وَأَطْعَمَ الطَّعَامَ، وَأَدَامَ الصِّيَامَ، وَصَلَّى لِلَّهِ بِاللَّيْلِ وَالنَّاسُ نِيَام) رواه الترمذي. وعن المقدام بن شريح عن أبيه عن جده ﵃ قال: قلت يا رسول الله حدثني بشيء يوجب لي الجنة. قال: «موجب الجنة: إطعام الطعام، وإفشاء السلام، وحسن الكلام» رواه الطبراني الكلمة الطيبة سبب للنجاة من النار عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ: ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ النَّارَ فَأَعْرَضَ وَأَشَاحَ، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ»، ثُمَّ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ كَأَنَّمَا يَنْظُرُ إِلَيْهَا، ثُمَّ قَالَ: «اتَّقُوا النَّارَ وَلَوْ بِشِقِّ تَمْرَةٍ، فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ» رواه البخاري ومسلم الكلمة الطيبة شعبة من شعب الإيمان. عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ (مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أَوْ لِيَصْمُتْ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ، وَمَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ» متفق عليه. الكلمة الطيبة صدقة. قال ﷺ (وَالْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَة) متفق عليه. والكلمة الطيبة انتصار على الشيطان. قال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلإِنْسَانِ عَدُوًّا مُبِيناً). • قال السعدي: ومن القول الحسن أمرهم بالمعروف، ونهيهم عن المنكر، وتعليمهم العلم، وبذل السلام، والبشاشة وغير ذلك من كل كلام طيب. ولما كان الإنسان لا يسع الناس بماله، أمر بأمر يقدر به على الإحسان إلى كل مخلوق، وهو الإحسان بالقول، فيكون في ضمن ذلك النهي عن الكلام القبيح للناس حتى للكفار، ولهذا قال تعالى (وَلا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَن).

стр. 274

ومن أدب الإنسان الذي أدب الله به عباده، أن يكون الإنسان نزيها في أقواله وأفعاله، غير فاحش ولا بذيء، ولا شاتم، ولا مخاصم، بل يكون حسن الخلق، واسع الحلم، مجاملا لكل أحد، صبورا على ما يناله من أذى الخلق، امتثالا لأمر الله، ورجاء لثوابه. قال الحسن البصري فالحُسْن من القول: يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسناً كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله. • وفي هذا حض على مكارم الأخلاق، فينبغي للإنسان أن يكون قوله للناس ليناً ووجهه منبسطاً طلقاً، لأن الله يقول لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى). وقال تعالى (ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ). وقال تعالى (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ). • قال ابن كثير: وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسناً بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) تقدم عند آية [٤٣]. (وَآتُوا الزَّكَاةَ) تقدم عند آية [٤٣]. • قال السعدي: ثم أمرهم بإقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة، لما تقدم أن الصلاة متضمنة للإخلاص للمعبود، والزكاة متضمنة للإحسان إلى العبيد. (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) الخطاب لمعاصري محمد ﷺ ، وأسند إليهم تولي أسلافهم إذ كلهم بتلك السبل في إعراضهم عن الحق مثلهم. (إِلَّا قَلِيلاً مِنْكُمْ) كعبد الله بن سلام وأصحابه. • قال أبو حيان: والمعنيُّ بالقليل القليل في عدد الأشخاص، فقيل: هذا القليل هو عبد الله بن سلام وأصحابه، وقيل: من آمن قديماً من أسلافهم، وحديثاً كعبد الله بن سلام وغيره. قال ابن عطية: ويحتمل أن تكون القلة في الإيمان، أي لم يبق حين عصوا وكفر آخرهم بمحمد ﷺ إلا إيمان قليل، إذ لا ينفعهم، والأول أقوى، وضعفه أبو حيان. (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) عن الميثاق الذي أخذ عليكم. • فسر بعض العلماء التولي بالإعراض، ومن ثَمّ قال: الفائدة من ذلك التكرار التأكيد كما قال تعالى (ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ) ومن من العلماء من قال: إن التولي يكون بالجسم، والإعراض يكون بالقلب، ومنهم من قال (ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ) خطاب لهم والمراد أسلافهم من آبائهم وأجدادهم الذين تولوا، وقوله (وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ) انتقل الخطاب إلى المعاصرين للنبي ﷺ من اليهود، والمعنى على ذلك: ثم تولى آباؤكم، وأنتم كذلك معرضون.

стр. 275

• قال ابن كثير: وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء بقوله (وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالاً فَخُوراً) فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها. الفوائد: ١ - وجوب عبادة الله تعالى. ٢ - تحريم الشرك. ٣ - أهمية حق الوالدين وأنه أعظم الحقوق بعد حق الله تعالى. ٤ - بيان عظمة الله لقوله (وإذ أخذنا .. ) لأن الضمير هنا للتعظيم. ٥ - وجوب الإحسان إلى ذي القربى، وهم من يجتمعون به بالأب الرابع فما دون. ٦ - وجوب الإحسان إلى اليتامى. ٧ - اهتمام الشريعة بحقوق الضعفاء وجاءت بالأجر الكبير بالإحسان إليهم. ٨ - وجوب الإحسان إلى المساكين وذلك بإعطائهم ما يستحقون من الزكاة. ٩ - وجوب القول الحسن. ١٠ - تحريم القول السوء. ١١ - أهمية الصلاة وأنها مشروعة في جميع الأمم. ١٢ - أهمية الزكاة وأنها من أعظم الأركان بعد الصلاة. ١٣ - أن بني إسرائيل مع هذا الميثاق الذي أخذه الله عليهم لم يقوموا به إلا القليل منهم. ١٤ - سنة الله في أن أهل الطاعة أقل من أهل الشر كما قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ) وقال تعالى (وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال ﷺ ( … يأتي والنبي ومعه الرجل والرجلان والنبي وليس معه أحد).

стр. 276

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُم مِّن دِيَارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنتُمْ هَؤُلاء تَقْتُلُونَ أَنفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِّنكُم مِّن دِيَارِهِمْ تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِم بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَإِن يَأتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاء مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآَخِرَةِ فَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (٨٦)). [البقرة: ٨٤ - ٨٦]. (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) بين تعالى أنه أخذ ميثاقاً على بني إسرائيل وهو عدم العدوان من بعضهم على بعض. (لا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ) أي: لا يقتل بعضكم بعضاً، لأن أهل الملة الواحدة كالنفس الواحدة كما قال تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) أي: لا يلمز بعضكم بعضاً، وقوله تعالى (فسلموا على أنفسكم) أي: على إخوانكم، وقوله تعالى (لَوْلا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ الْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً) أي: بإخوانهم. • قال القرطبي: فإن قيل: وهل يَسفِك أحد دمه ويُخرج نفسه من داره؟ قيل له: لما كانت ملّتهم واحدة وأمرهم واحد وكانوا في الأمم كالشخص الواحد جعل قتل بعضهم بعضاً وإخراج بعضهم بعضاً قتلاً لأنفسهم ونَفياً لها. • قال ابن عاشور: وليس المراد النهي عن أن يسفك الإنسان دم نفسه أو يخرج نفسه من داره لأن مثل هذا مما يزع المرء عنه وازعه الطبيعي فليس من شأن الشريعة الاهتمام بالنهي عنه، وإنما المراد أن لا يسفك أحد دم غيره ولا يخرج غيره من داره على حد قوله تعالى (فإذا دخلتم بيوتاً فسلموا على أنفسكم) أي فليسلم بعضكم على بعض. (وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ) أي: ولا يعتدي بعضكم على بعض بالإخراج من الديار، والإجلاء عن الأوطان. • قال الماوردي: قوله (لَا تَسْفِكُونَ دِمَاءَكُمْ وَلَا تُخْرِجُونَ أَنفُسَكُ مِّن دِيَارِكُمْ) أما النفس فمأخوذة من النفاسة، وهي الجلالة، فنفس الإنسان أنفس ما فيه، وأما الديار فالمنزل الذي فيه أبنية المقام، بخلاف منزل الارتحال. (ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ) أي: ثم أقررتم بمعرفة هذا الميثاق وصحته وأنتم تشهدون به (ثُمَّ أَنْتُمْ هَؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ) يعني إخوانكم.

стр. 277

• قال ابن كثير: ينكر الله تعالى على اليهود الذين كانوا في زمان رسول الله ﷺ ، وذلك أن الأوس والخزرج وهم الأنصار، كانوا في الجاهلية عباد أصنام، وكانت بينهم حروب كثيرة، وكانت يهود المدينة ثلاث قبائل: بنو قينقاع، وبنو النضير حلفاء الخزرج، وبنو قريظة حلفاء الأوس، فكانت الحرب إذا نشبت بينهم، قاتل كل فريق مع حلفائه، فيقتل اليهودي أعداءه، وقد يقتل اليهودي الآخر من الفريق الآخر، وذلك حرام عليهم في دينهم ونص كتابهم، ويخرجونهم من بيوتهم، وينتهبون ما فيها من الأثاث والأمتعة والأموال، ثم إذا وضعت الحرب أوزارها استفكّوا الأسرى من الفريق المغلوب عملاً بحكم التوراة، ولهذا قال: أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ). (وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ) أي: وطردتموهم من ديارهم من غير التفات إلى العهد الوثيق. (تَظَاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) أي: تتعاونون عليهم بالمعصية والظلم. (وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسَارَى تُفَادُوهُمْ) أي: وإذا وقعوا في الأسر فاديتموهم، ودفعتم المال لتخليصهم من الأسر. (وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْرَاجُهُمْ) تشنيع وتبليد لهم إذ توهموا القُربة فيما هو من آثار المعصية أي كيف ترتكبون الجناية وتزعمون أنكم تتقربون بالفداء وإنما الفداء المشروع هو فداء الأسرى من أيدي الأعداء لا من أيديكم فهلا تركتم موجب الفداء؟. (قاله ابن عاشور). (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ) أي: أفتؤمنون ببعض أحكام التوراة، وهذا يتبين مما قبله: وهو فداء الأسارى منهم. (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) وهو إخراجهم من ديارهم وقتلهم ومظاهرة العدو عليهم. • قال في التسهيل: (أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكتاب) فداؤهم الأسارى موافقة لما في كتبهم (وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ) القتل والإخراج من الديار مخالفة لما في كتبهم. • وإن كان وقع منهم كفر بأشياء أخرى ككتم صفة محمد ﷺ . • والآية توبيخ لهم، لأنهم جمعوا بين الكفر والإيمان. (فَمَا جَزَاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْكُمْ) أي: ما عقوبة من يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. (إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) إلا ذل ومهانة وصغار. • الحياة الدنيا سميت بذلك: لأنها قبل الآخرة في الزمن، ولدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء). رواه الترمذي وقال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري.

стр. 278

(وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ الْعَذَابِ) جزاء على مخالفتهم كتاب الله الذي بأيدهم. • ويوم القيامة سمي بذلك: أولاً: لقيام الناس من قبورهم. كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: لقيام الأشهاد. كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: لقيام الروح والملائكة. كما قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفّاً لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَاباً). (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) وعيد شديد لمن عصى أوامر الله، فإن الله لا يغفل عنه شيئاً وذلك لكمال علمه . (أُولَئِكَ) الموصوفون بما ذكر من الأوصاف القبيحة. (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ) أي: استبدلوا الحياة الدنيا بالآخرة، أي: اختاروها وآثروها على الآخرة. (فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يُفتر عنهم العذاب ساعة واحدة. (وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ) أي: ليس لهم ناصر ينقذهم مما هم فيه من العذاب الدائم السرمدي.

стр. 279

الفوائد: ١ - أن بني إسرائيل أُخِذ عليهم تحريم قتال بعضهم بعضاً. ٢ - بيان تمرد بني إسرائيل، حيث إنهم نقضوا العهد الذي أخذه الله عليهم. ٣ - تناقض بني إسرائيل في دينهم. ٤ - أن الكفر ببعض الشريعة كفر بجميعها. ٥ - إثبات الجزاء يوم القيامة. ٦ - إثبات يوم القيامة. ٧ - أن عذاب الآخرة أشد وأبقى. ٨ - التحذير لهذه الأمة من التشبه باليهود في أعمالهم المنكرة. ٩ - أن الله لا يغفل عن شيء لكمال علمه، وهذه قاعدة: كل صفة نفي: فإننا ننفيها ونثبت كمال ضدها، فالله لا ينام لكمال حياته، ولا يجهل لكمال علمه، ولا يظلم لكمال عدله.

стр. 280

(وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَقَفَّيْنَا مِن بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ (٨٧)). [البقرة: ٨٧]. (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) أي: ولقد أعطينا موسى بن عمران الكتاب وهو التوراة. • وموسى هو ابن عمران أفضل أنبياء بني إسرائيل، وأحد أولي العزم من الرسل الخمسة. (وَقَفَّيْنَا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ) أي: وأتبعنا وأردفنا من بعده بالرسل كما قال تعالى (ثُمَّ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا تَتْرَا) حتى ختم أنبياء بني إسرائيل بعيسى ابن مريم. • قال ابن الجوزي: وقفَّينا: أتبعنا. قال ابن قتيبة: وهو مأخوذ من القفا. يقال: قفوت الرجل: إذا سرت في أثره. • قال الشوكاني: والمراد أن الله سبحانه أرسل على أثره رسلاً جعلهم تابعين له وهم أنبياء بني إسرائيل المبعوثون من بعده. (وَآتَيْنَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ الْبَيِّنَاتِ) أي: وأعطينا من الآيات البينات والمعجزات الظاهرات الواضحات الدالة على نبوته. • قال الرازي: السبب في أن الله تعالى أجمل ذكر الرسول ثم فصل ذكر عيسى لأن من قبله من الرسل جاءوا بشريعة موسى فكانوا متبعين له، وليس كذلك عيسى، لأن شرعه نسخ أكثر شرع موسى ﵇. • ولم يبيّن هنا ما هذه البينات لكنه بينها في آية أخرى كقوله تعالى (وَرَسُولاً إِلَى بَنِي إِسْرائيلَ أَنِّي قَدْ جِئْتُكُمْ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْراً بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ وَأُحْيِي الْمَوْتَى بِإِذْنِ اللَّهِ وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).

стр. 281

• قوله تعالى (ابن مريم) قال ابن تيمية: ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان: إحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد. والثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) اختلف ما هو روح القدس هنا والصحيح أنه جبريل ورجحه ابن جرير وابن كثير والشنقيطي وابن جزي ويدل لهذا: قوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ). وقوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) أي جبريل. وأيضاً قوله ﷺ لحسان (اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك) رواه البخاري وفي رواية (أهجهم وجبريل معك). • قال الطبري: وإنما سمى الله تعالى جبريل (روحاً) وأضافه إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله له روحاً من عنده من غير ولادة والد ولده فسماه بذلك (روحاً) وأضافه إلى (القدس) والقدس هو الطهر، كما سمى عيسى ابن مريم روحاً من أجل تكوينه له روحاً من عنده من غير ولادة والد له. (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ) أي: أفكلما جاءكم نبي يا بني إسرائيل بما لا يوافق أنفسكم ولا يلائمها. • قال ابن عاشور: و (تهوى) مضارع هوى بكسر الواو إذا أحب والمراد به ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة. (اسْتَكْبَرْتُمْ) عن إجابته، احتقاراً للرسل واستبعاداً للرسالة. قال ابن عاشور: والاستكبار: الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعاً لهم.

стр. 282

(فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ) فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد ﵉. (وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) وكان من قتلوه يحيي وزكريا ﵉. قال ابن كثير: كانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة، ففريقاً يكذبونه، وفريقاً يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم. وقال: قال الزمخشري في قوله (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) وإنما لم يقل: وفريقاً قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً، لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر، وقد قال ﷺ في مرض موته: ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري. • قال الرازي: قوله تعالى (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ استكبرتم فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) فهو نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم.

стр. 283

• قال الشنقيطي: قوله تعالى (أفكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن الرسل غالبون منصورون كقوله (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وكقوله (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون)، وقوله تعالى (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) وبيّن تعالى أن هذا النصر في دار الدنيا أيضا كما في هذه الآية الأخيرة وكما في قوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية. والذي يظهر في الجواب عن هذا أن الرسل قسمان: قسم أمروا بالقتال في سبيل الله، وقسم أمروا بالصبر والكف عن الناس، فالذين أمروا بالقتال وعدهم الله بالنصر والغلبة في الآيات المذكورة، والذين أمروا بالكف والصبر هم الذين قتلوا ليزيد الله رفع درجاتهم العلية بقتلهم مظلومين، وهذا الجمع مفهوم من الآيات لأن النصر والغلبة فيه الدلالة بالالتزام على جهاد ومقاتلة. الفوائد: ١ - بيان ما منّ الله به على موسى من إعطائه الكتاب. ٢ - عظمة الله حيث وصف نفسه بقوله (ولقد آتينا). ٣ - إثبات نبوة موسى ﵇. ٤ - أن الله لم يهمل الخلق بل أرسل إليهم رسلاً. ٥ - أن الله أعطى عيسى الآيات البينات الواضحات التي تدل على صدقه. ٦ - رحمة الله بخلقه وحكمته حيث أيد الرسل بالآيات، من أجل يؤمنوا به ويصدقوه. ٧ - بطلان دعوى النصارى بألوهية عيسى. ٨ - إثبات الملك الكريم جبريل. ٩ - أن بني إسرائيل قتلة الأنبياء. ١٠ - شدة تكذيب بني إسرائيل للرسل.

стр. 284

(وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨)). [البقرة: ٨٨]. (وَقَالُوا) أي: اليهود، إذا دعوا إلى الحق. (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين: القول الأول: أي: في أكنّة لا تفقه. قال ابن القيم: وهذا قول أكثر المفسرين. والقول الثاني: أي: قلوبنا ممتلئة علماً لا تحتاج إلى علم محمد، وهذا على القراءة الشاذة (قلوبنا غُلُف). والأول أصح لتكرر نظائره في القرآن كقولهم (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) وقوله تعالى (الَذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي). • قال ابن الجوزي: (وقالوا قلوبنا غلف) قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم، منهم الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج. من قرأ (غلف) بتسكين اللام، فمعناه: ذوات غلف، فكأنهم قالوا: قلوبنا في أوعية. ومن قرأ (غلُف) بضم اللام، فهو جمع (غلاف) فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم وهي أوعية للعلم؟! فعلى الأول؛ يقصدون إعراضه عنهم، كأنهم يقولون ما نفهم شيئاً. وعلى الثاني يقولون: لو كان قولك حقاً لقبلته قلوبنا. • قال الطبري: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد، فقال الله: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله. (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم) هذا رد من الله عليهم، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة. بل لعنهم الله (بِـ) بسبب (كُفْرِهِمْ) بالله تعالى، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.

стр. 285

• بل هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، ولكن لعنهم الله بكفرهم. • قال الآلوسي: (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم) هذا رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقاً وصدقاً بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم. • قال ابن عاشور: فاللعنة حصلت لهم عقاباً على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. • قال ابن القيم: وجه الإضراب أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه، فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال (قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً). فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة، والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفاً لا تعي ولا تفقه، ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالاً عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. (فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) اختُلف في معناها: فقيل: فقليل من يؤمن منهم، وهذا أمر مشاهد، فاليهود قليل منهم من يسلم. وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ . وقيل: لا يؤمنون أبداً، وأن مثل هذا التعبير جار في لسان العرب، فهو نفي للكل، قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئاً.
следующие страницы →