← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 281–320 · переход к 286.

стр. 281

• قوله تعالى (ابن مريم) قال ابن تيمية: ولهذا لما ذكر الله المسيح في القرآن قال (ابن مريم) بخلاف سائر الأنبياء وفي ذلك فائدتان: إحداهما: بيان أنه مولود، والله لم يولد. والثانية: نسبته إلى مريم، بأنه ابنها ليس هو ابن الله. (وَأَيَّدْنَاهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ) اختلف ما هو روح القدس هنا والصحيح أنه جبريل ورجحه ابن جرير وابن كثير والشنقيطي وابن جزي ويدل لهذا: قوله تعالى (نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ). وقوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَراً سَوِيّاً) أي جبريل. وأيضاً قوله ﷺ لحسان (اللهم أيد حسان بروح القدس كما نافح عن نبيك) رواه البخاري وفي رواية (أهجهم وجبريل معك). • قال الطبري: وإنما سمى الله تعالى جبريل (روحاً) وأضافه إلى القدس، لأنه كان بتكوين الله له روحاً من عنده من غير ولادة والد ولده فسماه بذلك (روحاً) وأضافه إلى (القدس) والقدس هو الطهر، كما سمى عيسى ابن مريم روحاً من أجل تكوينه له روحاً من عنده من غير ولادة والد له. (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ) أي: أفكلما جاءكم نبي يا بني إسرائيل بما لا يوافق أنفسكم ولا يلائمها. • قال ابن عاشور: و (تهوى) مضارع هوى بكسر الواو إذا أحب والمراد به ما تميل إليه أنفسهم من الانخلاع عن القيود الشرعية والانغماس في أنواع الملذات والتصميم على العقائد الضالة. (اسْتَكْبَرْتُمْ) عن إجابته، احتقاراً للرسل واستبعاداً للرسالة. قال ابن عاشور: والاستكبار: الاتصاف بالكبر وهو هنا الترفع عن اتباع الرسل وإعجاب المتكبرين بأنفسهم واعتقاد أنهم أعلى من أن يطيعوا الرسل ويكونوا أتباعاً لهم.

стр. 282

(فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ) فكان ممن كذبوه عيسى ومحمد ﵉. (وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) وكان من قتلوه يحيي وزكريا ﵉. قال ابن كثير: كانت بنو إسرائيل تعامل الأنبياء ﵈ أسوأ المعاملة، ففريقاً يكذبونه، وفريقاً يقتلونه، وما ذاك إلا لأنهم كانوا يأتونهم بالأمور المخالفة لأهوائهم وآرائهم وبإلزامهم بأحكام التوراة التي قد تصرفوا في مخالفتها، فلهذا كان يشق ذلك عليهم، فيكذبونهم، وربما قتلوا بعضهم. وقال: قال الزمخشري في قوله (فَفَرِيقاً كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقاً تَقْتُلُونَ) وإنما لم يقل: وفريقاً قتلتم، لأنه أراد بذلك وصفهم في المستقبل أيضاً، لأنهم حاولوا قتل النبي ﷺ بالسم والسحر، وقد قال ﷺ في مرض موته: ما زالت أكلة خيبر تعاودني، فهذا أوان انقطاع أبهري. • قال الرازي: قوله تعالى (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ استكبرتم فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ) فهو نهاية الذم لهم، لأن اليهود من بني إسرائيل كانوا إذا أتاهم الرسول بخلاف ما يهوون كذبوه، وإن تهيأ لهم قتله قتلوه، وإنما كانوا كذلك لإرادتهم الرفعة في الدنيا وطلبهم لذاتها والترؤس على عامتهم وأخذ أموالهم بغير حق، وكانت الرسل تبطل عليهم ذلك فيكذبونهم لأجل ذلك ويوهمون عوامهم كونهم كاذبين ويحتجون في ذلك بالتحريف وسوء التأويل، ومنهم من كان يستكبر على الأنبياء استكبار إبليس على آدم.

стр. 283

• قال الشنقيطي: قوله تعالى (أفكُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقاً كَذَّبُوا وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ) وقد جاء في آيات أخر ما يدل على أن الرسل غالبون منصورون كقوله (كَتَبَ اللَّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي)، وكقوله (وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُون)، وقوله تعالى (فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ) وبيّن تعالى أن هذا النصر في دار الدنيا أيضا كما في هذه الآية الأخيرة وكما في قوله (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) الآية. والذي يظهر في الجواب عن هذا أن الرسل قسمان: قسم أمروا بالقتال في سبيل الله، وقسم أمروا بالصبر والكف عن الناس، فالذين أمروا بالقتال وعدهم الله بالنصر والغلبة في الآيات المذكورة، والذين أمروا بالكف والصبر هم الذين قتلوا ليزيد الله رفع درجاتهم العلية بقتلهم مظلومين، وهذا الجمع مفهوم من الآيات لأن النصر والغلبة فيه الدلالة بالالتزام على جهاد ومقاتلة. الفوائد: ١ - بيان ما منّ الله به على موسى من إعطائه الكتاب. ٢ - عظمة الله حيث وصف نفسه بقوله (ولقد آتينا). ٣ - إثبات نبوة موسى ﵇. ٤ - أن الله لم يهمل الخلق بل أرسل إليهم رسلاً. ٥ - أن الله أعطى عيسى الآيات البينات الواضحات التي تدل على صدقه. ٦ - رحمة الله بخلقه وحكمته حيث أيد الرسل بالآيات، من أجل يؤمنوا به ويصدقوه. ٧ - بطلان دعوى النصارى بألوهية عيسى. ٨ - إثبات الملك الكريم جبريل. ٩ - أن بني إسرائيل قتلة الأنبياء. ١٠ - شدة تكذيب بني إسرائيل للرسل.

стр. 284

(وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلاً مَّا يُؤْمِنُونَ (٨٨)). [البقرة: ٨٨]. (وَقَالُوا) أي: اليهود، إذا دعوا إلى الحق. (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) اختلف العلماء في معنى ذلك على قولين: القول الأول: أي: في أكنّة لا تفقه. قال ابن القيم: وهذا قول أكثر المفسرين. والقول الثاني: أي: قلوبنا ممتلئة علماً لا تحتاج إلى علم محمد، وهذا على القراءة الشاذة (قلوبنا غُلُف). والأول أصح لتكرر نظائره في القرآن كقولهم (وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ) وقوله تعالى (الَذِينَ كَانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطَاءٍ عَنْ ذِكْرِي). • قال ابن الجوزي: (وقالوا قلوبنا غلف) قرأ الجمهور بإسكان اللام، وقرأ قوم، منهم الحسن وابن محيصن بضمها. قال الزجاج. من قرأ (غلف) بتسكين اللام، فمعناه: ذوات غلف، فكأنهم قالوا: قلوبنا في أوعية. ومن قرأ (غلُف) بضم اللام، فهو جمع (غلاف) فكأنهم قالوا: قلوبنا أوعية للعلم، فما بالها لا تفهم وهي أوعية للعلم؟! فعلى الأول؛ يقصدون إعراضه عنهم، كأنهم يقولون ما نفهم شيئاً. وعلى الثاني يقولون: لو كان قولك حقاً لقبلته قلوبنا. • قال الطبري: وقالت اليهود: قلوبنا في أكنة مما تدعونا إليه يا محمد، فقال الله: ما ذلك كما زعموا، ولكن الله أقصى اليهود وأبعدهم من رحمته وطردهم عنها، وأخزاهم بجحودهم له ولرسله. (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم) هذا رد من الله عليهم، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل قلوبهم ملعونة. بل لعنهم الله (بِـ) بسبب (كُفْرِهِمْ) بالله تعالى، وران على قلوبهم ما كانوا يكسبون.

стр. 285

• بل هنا للإضراب الإبطالي، يعني: بل ليس في قلوبهم غلاف، ولكن لعنهم الله بكفرهم. • قال الآلوسي: (بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بكفرهم) هذا رد لما قالوه، وتكذيب لهم فيما زعموه، والمعنى أنها خلقت على فطرة التمكن من النظر الصحيح الموصل إلى الحق لكن الله تعالى أبعدهم، وأبطل استعدادهم الخلقي للنظر الصحيح بسبب اعتقاداتهم الفاسدة وجهالاتهم الباطلة الراسخة في قلوبهم، أو أنها لم تأب قبول ما تقوله لعدم كونه حقاً وصدقاً بل لأنه سبحانه طردهم وخذلهم بكفرهم فأصمهم وأعمى أبصارهم. • قال ابن عاشور: فاللعنة حصلت لهم عقاباً على التصميم على الكفر وعلى الإعراض عن الحق وفي ذلك رد لما أوهموه من أن قلوبهم خلقت بعيدة عن الفهم لأن الله خلقهم كسائر العقلاء مستطيعين لإدراك الحق لو توجهوا إليه بالنظر وترك المكابرة وهذا معتقد أهل الحق من المؤمنين عدا الجبرية. • قال ابن القيم: وجه الإضراب أنهم احتجوا بأن الله لم يفتح لهم الطريق إلى فهم ما جاء به الرسول ومعرفته، بل جعل قلوبهم داخلة في غلف فلا تفقهه، فكيف تقوم به عليهم الحجة؟ وكأنهم ادعوا أن قلوبهم خلقت في غلف فهم معذورون في عدم الإيمان فأكذبهم الله وقال (قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلاً). فأخبر سبحانه أن الطبع والإبعاد عن توفيقه وفضله إنما كان بكفرهم الذي اختاروه لأنفسهم وآثروه على الإيمان، فعاقبهم عليه بالطبع واللعنة، والمعنى لم نخلق قلوبهم غلفاً لا تعي ولا تفقه، ثم نأمرهم بالإيمان وهم لا يفهمونه ولا يفقهونه، بل اكتسبوا أعمالاً عاقبناهم عليها بالطبع على القلوب والختم عليها. (فَقَلِيلاً مَا يُؤْمِنُونَ) اختُلف في معناها: فقيل: فقليل من يؤمن منهم، وهذا أمر مشاهد، فاليهود قليل منهم من يسلم. وقيل: فقليل إيمانهم، بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ . وقيل: لا يؤمنون أبداً، وأن مثل هذا التعبير جار في لسان العرب، فهو نفي للكل، قال الكسائي: تقول العرب: مررنا بأرض قليلاً ما تنبت، يريدون ولا تنبت شيئاً.

стр. 286

والآية تعم الجميع، لأننا القاعدة في التفسير: أنه متى احتملت الآية أكثر من معنى بدون أن يكون هناك تناقض فإنها تحمل على كل المعاني. الفوائد: ١ - أن اليهود يدعون ما ليس بحق، حينما يدعوهم النبي ﷺ ، فيقولون إن قلوبنا غلف. ٢ - أن اليهود ملعونون. ٣ - أن الكفر سبب للعنة. ٤ - خطر المعاصي على القلب من كفر ومعصية، ولذلك أصاب بني إسرائيل قسوة القلب بسبب نقضهم الميثاق وطول الأمل كما سبق. ٥ - من أراد صفاء قلبه وطهارته فليبتعد عن المعاصي.

стр. 287

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ وَكَانُواْ مِن قَبْلُ يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُواْ فَلَمَّا جَاءَهُم مَّا عَرَفُواْ كَفَرُواْ بِهِ فَلَعْنَةُ اللَّه عَلَى الْكَافِرِينَ (٨٩) بِئْسَمَا اشْتَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ أَن يَكْفُرُواْ بِمَا أنَزَلَ اللَّهُ بَغْياً أَن يُنَزِّلُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ عَلَى مَن يَشَاء مِنْ عِبَادِهِ فَبَآؤُواْ بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ مُّهِينٌ (٩٠)). [البقرة: ٨٩ - ٩٠]. (وَلَمَّا جَاءَهُمْ) أي: اليهود. (كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) وهو القرآن الكريم، وسبق لماذا سمي القرآن كتاباً. • قال الرازي: قد اتفقوا على أن هذا الكتاب هو القرآن لأن قوله تعالى (مُصَدّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ) يدل على أن هذا الكتاب غير ما معهم وما ذاك إلا القرآن. (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) أي: أن هذا القرآن مصدق لما معهم من التوراة، قال قتادة: وهو القرآن الذي أنزل على محمد مصدق لما معهم من التوراة والإنجيل. • وسبق معنى تصديق القرآن للكتب السابقة عند الآية [٤١]. (وَكَانُوا مِنْ قَبْلُ) أي: وكان هؤلاء اليهود قبل مجيء هذا الرسول ﷺ بالقرآن. (يَسْتَفْتِحُونَ عَلَى الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: يستنصرون بمجيئه على أعدائهم من المشركين، والاستفتاح: الاستنصار، وهو طلب الفتح والنصر، فطلب الفتح والنصر به هو أن يبعث فيقاتلونهم معه، فبهذا ينصرون. (فَلَمَّا جَاءَهُمْ مَا عَرَفُوا) أي: من الحق وصفة محمد ﷺ الذي كانوا ينتظرونه. (كَفَرُوا بِهِ) ولم يؤمنوا به، ولم يؤمنوا بما جاء به. عن قتادة قال: كانت اليهود تستفتح بمحمد ﷺ على كفار العرب من قبل، وقالوا: اللهم ابعث هذا النبي الذي نجده في التوراة يُعذبهم ويقتلهم! فلما بعث الله محمداً ﷺ فرأوا أنه بُعث من غيرهم كفروا به حسداً للعرب، وهم يعلمون أنه رسول الله ﷺ يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة. (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ) اللعن: هو الطرد من رحمة الله، وهؤلاء لعنوا وطردوا من رحمة الله لأنهم كفروا بالرسول ﷺ الذي يعرفونه كما يعرفون أبناءهم.

стр. 288

(بِئْسَمَا اشْتَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ أَنْ يَكْفُرُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) أي: أن اليهود باعوا الحق بالباطل، وكتموا ما جاء به محمد ﷺ بأن يبينوه. (بَغْياً) أي: وإنما حملهم على ذلك البغي، والأكثر على أن المراد بالبغي هنا الحسد، والظاهر أنه أخص من الحسد. (أَنْ يُنَزِّلَ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) أي: لأجل إنزال الله الفضل على نبيه ﷺ . • والمراد بالفضل هنا النبوة والقرآن. • قال الطبري: بئس الشيء باعوا به أنفسهم الكفر بالذي أنزل الله في كتابه على موسى من نبوة محمد ﷺ والأمر بتصديقه واتباعه، من أجل أن أنزل الله من فضله - وفضله حكمته وآياته ونبوته - على من يشاء من عباده، يعني به على محمد ﷺ ، بغياً وحسداً لمحمد ﷺ من أجل أنه كان من ولد إسماعيل ولم يكن من بني إسرائيل. • قوله تعالى (على من يشاء من عباده) هذه المشيئة لحكمة. • قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة. (فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) باءوا: أي رجعوا، وأكثر ما يقال في الشر. واختلف العلماء في معنى (بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ) أما الغضب الثاني فسببه هو كفرهم بمحمد ﷺ بعد أن عرفوا صفته وأنه النبي المبعوث.

стр. 289

وأما الغضب الأول فسببه كفرهم بعيسى ﷺ ، ويدخل في ذلك أيضاً عبادتهم العجل، وتضييعهم التوراة، وقولهم عزير ابن الله، وقولهم يد الله مغلولة، وقولهم: إن الله فقير ونحن أغنياء. • قال ابن الجوزي: في قوله تعالى (بغضب على غضب) خمسة أقوال: أحدها: أن الغضب الأول لاتخاذهم العجل، والثاني: لكفرهم بمحمد، حكاه السدي عن ابن مسعود وابن عباس. والثاني: أن الأول لتكذيبهم رسول الله، والثاني: لعداوتهم لجبريل. والثالث: أن الأول حين قالوا (يد الله مغلولة) والثاني: حين كذّبوا نبي الله، واختاره الفراء. والرابع: أن الأول لتكذيبهم بعيسى والإنجيل، والثاني: لتكذيبهم بمحمد والقرآن. والخامس: أن الأول لتبديلهم التوراة، والثاني: لتكذيبهم محمداً ﷺ قاله مجاهد. (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ) أي: عقوبة. (مُهِينٌ) أي: ذو إهانة وإذلال، لما كان كفرهم سببه البغي والحسد ومنشأ ذلك التكبر قوبلوا بالإهانة والصغار في الدنيا والآخرة كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي: ذليلين حقيرين، ومن إهانتهم أن يقال لهم (قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ).

стр. 290

الفوائد: ١ - أن القرآن من عند الله. ٢ - أن من أسماء القرآن الكتاب. ٣ - أن القرآن مصدق للكتب السابقة. ٤ - إقامة الحجة على اليهود بمعرفتهم بالنبي ﷺ وببعثته. ٥ - شدة عناد واستكبار اليهود. ٦ - خطر الحسد وأنه سبب للصد عن الحق. ٧ - أن من رد الحق حسداً ففيه شبه من اليهود. ٨ - وجوب قبول الحق من أي شخص كان. ٩ - أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء تبعاً لحكمته. ١٠ - أن العقوبات سببها المعاصي والذنوب. ١١ - أن المستكبر يعاقب بنقيض قصده. ١٢ - إثبات الغضب لله إثباتاً يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تمثيل ولا تشبيه.

стр. 291

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ آمِنُواْ بِمَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ نُؤْمِنُ بِمَآ أُنزِلَ عَلَيْنَا وَيَكْفُرونَ بِمَا وَرَاءَهُ وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِّمَا مَعَهُمْ قُلْ فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنبِيَاءَ اللَّهِ مِن قَبْلُ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ (٩١) وَلَقَدْ جَاءَكُم مُّوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ (٩٢)). [البقرة: ٩١ - ٩٢]. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ) أي: لليهود وأمثالهم من أهل الكتاب. (آمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ) على محمد ﷺ وصدقوه واتبعوه. (قَالُوا نُؤْمِنُ بِمَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا) أي: يكفينا الإيمان بما أنزل علينا من التوراة والإنجيل. (وَيَكْفُرُونَ بِمَا وَرَاءَهُ) أي: بما سواه. • قوله تعالى (وراءه) من كلمة الأضداد، تأتي لمعنىً ولضده، فهي تستمعل بمعنى خلف وبمعنى أمام، فقوله تعالى (وراءهم ملك يأخذ .. ) أي: أمامَهم. (وَهُوَ الْحَقُّ مُصَدِّقاً لِمَا مَعَهُمْ) تقدم معنى تصديق القرآن للكتب السابقة. (قُلْ) رد عليهم من الله في قولهم أنهم آمنوا بما أنزل عليهم، وتكذيب منه لهم وتوبيخ. (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ مِنْ قَبْلُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم صادقين في دعواكم الإيمان بما أنزل إليكم فلم قتلتم الأنبياء الذين جاءكم بتصديق التوراة التي بأيديكم والحكم بها وعدم نسخها وأنتم تعلمون صدقهم، قتلتموهم بغياً وعناداً واستكباراً على رسل الله. • والخطاب لمن حضر محمداً ﷺ ، والمراد أسلافهم، وإنما توجه الخطاب لأبنائهم، لأنهم كانوا يتولون أولئك الذين قتلوا، وقيل: لأنهم رضوا فعلهم فنسب ذلك إليهم. • قال ابن عطية: (فَلِمَ تَقْتُلُونَ أَنْبِيَاءَ اللَّهِ) وجاء (تقتلون) بلفظ الاستقبال وهو بمعنى المضي لما ارتفع الإشكال بقوله (من قبل) وإذا لم يشكل فجائز سوق الماضي بمعنى المستقبل وسوق المستقبل بمعنى الماضي. • وقال ابن الجوزي: وتقتلون بمعنى: قتلتم، فوضع المستقبل في موضع الماضي، لأن الوهم لا يذهب إلى غيره. • قال السمرقندي: وفي الآية دليل أن من رضي بالمعصية فكأنه فاعل لها، لأنهم كانوا راضين بقتل آباءهم الأنبياء، فسماهم الله تعالى قاتلين.

стр. 292

وفي الآية دليل أن من ادعى أنه مؤمن، ينبغي أن تكون أفعاله مصدقة لقوله، لأنهم كانوا يدعون أنهم مؤمنون بما معهم. (وَلَقَدْ جَاءَكُمْ مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ) أي: بالآيات الواضحات، والدلائل القاطعات على أنه رسول الله، وأنه لا إله إلا الله. والبينات هي الموضحة في قوله تعالى (فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْماً مُجْرِمِينَ) والعصا واليد، وفلق البحر، وتظليلهم الغمام، والمنّ والسلوى وغير ذلك من الآيات التي شاهدوها. (ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ) معبوداً من دون الله في زمان موسى. (مِنْ بَعْدِهِ) قيل: من بعد موسى، وذلك أنهم عبدوا العجل بعد أن فارقهم موسى ماضياً إلى ميقات ربه، وقيل: من بعده، أي من بعد مجيء موسى ﵇ إليكم بالبينات، والأول أقوى. (وَأَنْتُمْ ظَالِمُونَ) لأنفسكم، لأنكم أشركتم بالله تعالى، لأن الشرك أعظم الظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك، كما قال تعالى عن العبد الصالح (إن الشرك لظلم عظيم)، وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إن الشرك لظلم عظيم)، وقال تعالى (ولا تدع من دون الله ما لا ينفعك ولا يضرك فإن فعلت فإنك إذاً من الظالمين) أي: من المشركين.

стр. 293

ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كلنا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) أي ولم تنقص. الفوائد: ١ - بيان تعصب اليهود لما هم عليه من الطريق ولو كانت خاطئة. ٢ - التحذير من التشبه باليهود في التعصب للآراء. ٣ - تكذيب الله لليهود بقوله (نؤمن بما أنزل علينا) لأنهم لو آمنوا به، لآمنوا بمحمد ﷺ . ٤ - بيان عتو وعناد اليهود لأنهم قالوا (لا نؤمن إلا بما أنزل علينا. ٥ - أن اليهود قتلة الأنبياء، وهذا من أعظم المنكرات. ٦ - أن القرآن منزل غير مخلوق. ٧ - إفحام الخصم بإقامة الحجة عليه من فعله، وذلك أن الله أقام الحجة على اليهود الحجة على فعلهم، وهم قد قتلوا أنبياء الله الذين جاءوا بالكتاب إليهم. ٨ - إقامة الحجة على اليهود حيث جاءهم موسى بالبينات الواضحات ومع ذلك اتخذوا العجل إلهاً. ٩ - سفاهة اليهود لاتخاذهم العجل إلهاً مع أنهم هم الذين صنعوه. ١٠ - أن المشرك ظالم. ١١ - أن الظلم درجات، أعظمه الشرك بالله. ومن الظلم: ظلم العبد نفسه بالمعاصي كما قال تعالى (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ). ومن الظلم: ظلم العباد بعضهم بعضاً: كما في الحديث (قال الله: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا). رواه مسلم

стр. 294

(وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُواْ مَا آتَيْنَاكُم بِقُوَّةٍ وَاسْمَعُواْ قَالُواْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَأُشْرِبُواْ فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ (٩٣)). [البقرة: ٩٣]. (وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ) تقدم شرحها عند آية [٦٣]. - قال الرازي: اعلم أن في الإعادة وجوهاً: أحدها: أن التكرار في هذا وأمثاله للتأكيد وإيجاب الحجة على الخصم على عادة العرب. وثانيها: أنه إنما ذكر ذلك مع زيادة وهي قولهم (سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا) وذلك يدل على نهاية لجاجهم. وقال أبو حيان: وإنما كررت لدعواهم أنهم يؤمنون بما أنزل عليهم، وهم كاذبون في ذلك. ألا ترى أن اتخاذ العجل ليس في التوراة؟ بل فيها أن يفرد الله بالعبادة، ولأن عبادة غير الله أكبر المعاصي، فكرر عبادة العجل تنبيهاً على عظيم جرمهم. وفي هذا التكرار أيضاً من الفائدة تذكارهم بتعداد نعم الله عليهم ونقمه منهم، ليزدجر الأخلاف بما حل بالأسلاف. (بِقُوَّةٍ) تقدم شرحها، ومعناه: أي: أُمروا أن يأخذوا الكتاب الذي أنزله عليهم وهو التوراة بقوة في تصديق أخباره والعمل بأحكامه. (وَاسْمَعُوا) المراد بالسمع هنا الإجابة، ومنه قولهم (سمعاً وطاعة) أي: إجابة، ومنه (سمع الله لمن حمده) في الصلاة، أي: أجاب دعاء من حمده، ويشهد له قوله تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا) وهذا قول الجمهور. وقيل: المراد (وَاسْمَعُوا) بآذانكم ولا تمتنعوا من أصل الاستماع. - قال ابن عاشور: قوله: (واسمعوا) مراد به الامتثال فهو كناية كما تقول فلان لا يسمع كلامي أي لا يمتثل أمري إذ ليس الأمر هنا بالسماع بمعنى الإصغاء إلى التوراة فإن قوله (خذوا ما آتيناكم بقوة) يتضمنه ابتداء. (قَالُوا سَمِعْنَا) بآذاننا.

стр. 295

(وَعَصَيْنَا) بأفعالنا، والعصيان مخالفة الأمر، إن كان أمراً فبتركه، وإن كان نهياً فبارتكابه، وقولهم هذا: غاية ما يكون من المحادة لله ورسله. (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ) أي: حب العجل، حتى خلص ذلك إلى قلوبهم، وهذا تشبيه ومجاز عبارة عن تمكن العجل في قلوبهم. - قال القرطبي: وإنما عبر عن حب العجل بالشرب دون الأكل، لأن شرب الماء يتغلغل في الأعضاء حتى يصل إلى باطنها، والطعام مجاور لها غير متغلغل فيها. - وقال ابن عطية: قوله تعالى (وأشربوا في قلوبهم العجل بكفرهم) التقدير حب العجل، والمعنى جعلت قلوبهم تشربه، وهذا تشبيه ومجاز، عبارة عن تمكن أمر العجل في قلوبهم. - وقال ابن عاشور: وإنما جعل حبهم العجل إشراباً لهم للإشارة إلى أنه بلغ حبهم العجل مبلغ الأمر الذي لا اختيار لهم فيه كأن غيرهم أشربهم إياه كقولهم أُولِع بكذا وشُغِف. فائدة: قِيلَ لِسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ: مَا بَالُ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ لَهُمْ مَحَبَّةٌ شَدِيدَةٌ لِأَهْوَائِهِمْ؟، فَقَالَ: أَنَسِيتَ قَوْله تَعَالَى: (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمْ الْعِجْلَ بِكُفْرِهم). (بِكُفْرِهِمْ) أي: بسبب كفرهم. (قُلْ بِئْسَمَا يَأْمُرُكُمْ بِهِ إِيمَانُكُمْ) أي: قل لهم على سبيل التهكم بهم، بئس هذا الإيمان الذي يأمركم بعبادة العجل. (إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: إن كنتم تزعمون الإيمان فبئس هذا العمل والصنيع، والمعنى: لستم بمؤمنين، لأن الإيمان لا يأمر بعبادة العجل.

стр. 296

الفوائد: ١ - أن الله أخذ الميثاق على بني إسرائيل بالإيمان. ٢ - بيان قدرة الله تعالى. ٣ - وجوب تلقي الشريعة بالقوة والنشاط دون الكسل. ٤ - بيان عتو بني إسرائيل. ٥ - أن الله تعالى قد يبتلي العبد، فيملأ قلبه حباً لما يكرهه لقوله (وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ).

стр. 297

(قُلْ إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللَّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (٩٤) وَلَن يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمينَ (٩٥) وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُواْ يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَن يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ (٩٦)). [البقرة: ٩٤ - ٩٦]. (قُلْ) يا محمد لهؤلاء اليهود. (إِنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ) يعني الجنة. (عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ) كما تزعمون أن لكم الجنة دون الناس، فإن اليهود ادعوا دعاوى باطلة: كقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً). وقولهم (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى). وقولهم (وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ) • قال ابن عاشور: قوله تعالى (من دون الناس) والمراد من الناس جميع الناس فاللام فيه للاستغراق لأنهم قالوا (لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً). فأكذبهم الله بقوله: (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) وقد اختلف العلماء في معنى (فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ) على قولين: القول الأول: دعاهم لتمني الموت إن كانوا من أهل الجنة كما يزعمون. لأن من اعتقد أنه من أهل الجنة كان الموت أحب إليه من الحياة، لما يصير إليه من نعيم الجنة ويزول عنه أذى الدنيا، فأحجموا عن تمي ذلك فرقاً من الله لقبح أعمالهم، وحرصهم على الدنيا. وهذا القول رجحه ابن جرير. القول الثاني: المراد المباهلة، أي: ادعوا بالموت على أكذب الفريقين منا ومنكم فما دعوا لعلمهم بكذبهم. ورجح هذا القول ابن كثير وقال: هذا هو المتعين وهو الدعاء على أي الفريقين أكذب منهم أو من المسلمين على وجه المباهلة، ونقله ابن جرير عن قتادة وأبي العالية والربيع بن أنس، ونظير هذه الآية قوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا إِنْ زَعَمْتُمْ أَنَّكُمْ أَوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ. وَلا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) فهم عليهم لعائن الله لما زعموا أنهم أبناء الله وأحباؤه وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، دعُوا إلى المباهلة والدعاء على أكذب الطائفتين منهم أو من المسلمين، فلما نكلوا عن ذلك، علم كل أحد أنهم ظالمون، لأنهم لو كانوا جازمين بما هم فيه لكانوا أقدموا على ذلك، فلما تأخروا علِم كذبهم. • قال ابن كثير: وسميت هذه المباهلة تمنياً، لأن كل محق يود لو أهلك الله المبطل المناظر له.

стр. 298

(وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَداً بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) أي: ولن يتمنوا الموت ما عاشوا بسبب ما اجترحوه من الذنوب والآثام. • والذي قدمته أيديهم: تكذيبهم الأنبياء، وقتلهم إياهم، وقولهم (أرنا الله جهرة)، وقولهم (اجعل لنا إلهاً) وقولهم (فاذهب أنت وربك) واعتداؤهم في السبت، وسائر الكبائر التي لم تصدر من أمة قبلهم ولا بعدهم. • قال أبو حيان: (ولن يتمنوه أبداً بما قدّمت أيديهم) هذا من المعجزات، لأنه إخبار بالغيب. • وأضيفت الأعمال إلى اليد، لأن أكثر الجنايات التي يرتكبها الإنسان تكون بيده فأضيفت سائر أعمال الجوارح إلى اليد تغليباً، فتحريف التوراة كان باليد، وقتل الأنبياء كان باليد. • قال الرازي: قوله تعالى (بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ) فبيان للعلة التي لها لا يتمنون (الموت) لأنهم إذا علموا سوء طريقتهم وكثرة ذنوبهم دعاهم ذلك إلى أن لا يتمنوا الموت. (وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ) تهديد لكل ظالم، أن الله عليم بهم وبأعمالهم وسيجازيهم عليها، وأعظم الظلم الشرك بالله كما تقدم. • قال الرازي: قوله تعالى (والله عليم بالظالمين) فهو كالزجر والتهديد لأنه إذا كان عالماً بالسر والنجوى ولم يمكن إخفاء شيء عنه صار تصور المكلف لذلك من أعظم الصوارف عن المعاصي، وإنما ذكر الظالمين لأن كل كافر ظالم وليس كل ظالم كافراً فلما كان ذلك أعم كان أولى بالذكر. (وَلَتَجِدَنَّهُمْ) أي: اليهود. (أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ) أي: على طول العمر، لما يعلمون من مآلهم السيئ وعاقبتهم عند الله الخاسرة. • قال ابن عاشور: والمراد من الناس في الظاهر جميع الناس أي جميع البشر فهم أحرصهم على الحياة فإن الحرص على الحياة غريزية في الناس إلا أن الناس فيه متفاوتون قوة وكيفية وأسباباً. (وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا) أي: وأحرص من الذين أشركوا الذين لا كتاب لهم، لأن مشركي العرب لا يعرفون إلا هذه الحياة، ولا علم لهم من الآخرة، وقيل: إن الكلام تم في (حياة) ثم استأنف الإخبار عن طائفة من المشركين، والأول أصح.

стр. 299

• قال في التسهيل: (وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ) فيه وجهان: أحدهما: أن يكون عطفاً على ما قبله فيوصل به، ولمعنى أن اليهود أحرص على الحياة من الناس ومن الذين أشركوا، فحمل على المعنى كأنه قال: أحرص من الناس ومن الذين أشركوا، وخص الذين أشركوا بالذكر بعد دخولهم في عموم الناس لأنهم لا يؤمنون بالآخرة فإفراط حبهم للحياة الدنيا. والآخر: أن يكون من الذين أشركوا ابتداء كلام فيوقف على ما قبله، والمعنى: من الذين أشركوا قوم (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) فحذف الموصوف. وقيل: أراد به المجوس، لأنهم يقولون لملوكهم عش ألف سنة، والأول أظهر؛ لأن الكلام إنما هو في اليهود، وعلى الثاني يخرج الكلام عنهم. • قال السعدي: هم أحرص على الحياة من كل أحد من الناس، حتى من المشركين الذين لا يؤمنون بأحد من الرسل والكتب. (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ) أي: يتمنى أحدهم. (لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) أي: أن يعيش ألف سنة، وهذا أبلغ ما يكون من الحرص، تمنوا حالة هي من المحالات. • وعبر بالألف لأن العرب كانت تعبر به عند إرادة المبالغة. • قال الرازي: (يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ) فالمراد أنه تعالى بيّن بعدهم عن تمني الموت من حيث إنهم يتمنون هذا البقاء ويحرصون عليه هذا الحرص الشديد، ومن هذا حاله كيف يتصور منه تمني الموت. (وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ) أي: وما طول العمر - مهما عمّر - بمبعده ومنجيه من عذاب الله. • قال الشنقيطي: إذا عرفت معنى الآية فاعلم أن الله قد أوضح هذا المعنى مبيناً أن الإنسان لو متع ما متع من السنين ثم انقضى ذلك المتاع وجاءه العذاب، أن ذلك المتاع الفائت لا ينفعه، ولا يغني عنه شيئاً بعد انقضائه وحلول العذاب محله. وذلك في قوله (أَفَرَأَيْتَ إِن مَّتَّعْنَاهُمْ سِنِينَ ثُمَّ جَآءَهُم مَّا كَانُواْ يُوعَدُونَ مَآ أغنى عَنْهُمْ مَّا كَانُواْ يُمَتَّعُونَ)، وهذه هي أعظم آية في إزالة الداء العضال الذي هو طول الأمل. كفانا الله والمؤمنين شره.

стр. 300

(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ) تهديد لهم على المجازاة بأعمالهم، فالله بصير بالذي يعملونه من ظاهر وباطن، وخير وشر. • وبصير يجوز أن يكون من الإبصار بالعين، ويجوز أن يكون من الإبصار بالعلم الفوائد: ١ - تكذيب اليهود الذين قالوا لنا الآخرة دون الناس. ٢ - أن الكافر يكره الموت لما يعلم من سوء العاقبة. ٣ - إثبات علم الله للمستقبل. ٤ - أن اليهود أحرص الناس على حياة. ٥ - ذم الحرص على الحياة، وأن ذلك من صفات اليهود. ٦ - أن كل من كان مذنباً عاصياً لله فإنه يكره الموت. ٧ - أن الإنسان مهما طال عمره فإنه لابد أن يموت. ٨ - أن طول العمر لا ينفع الإنسان شيئاً إذا كان في معصية، بل يكون وبالاً وعذاباً عليه. ٩ - إثبات البصر لله تعالى.

стр. 301

(قُلْ مَن كَانَ عَدُوًّا لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدًى وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (٩٧) مَن كَانَ عَدُوًّا لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ (٩٨)). [البقرة ٩٧ - ٩٨] (قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللّهِ) قال الطبري: أجمع أهل العلم بالتأويل جميعاً أن هذه الآية نزلت جواباً لليهود من بني إسرائيل؛ إذ زعموا أن جبريل عدو لهم، وأن ميكائيل ولي لهم. عن ابن عباس قال (أقبلت يهود على رسول الله ﷺ فقالوا: يا أبا القاسم؛ أخبرنا عن خمسة أشياء، فإن أنبأتنا بهن عرفنا أنك نبي واتبعناك، فأخذ عليهم ما أخذ إسرائيل على بنيه إذ قال: والله على ما نقول وكيل، قال: هاتوا، قالوا: أخبرنا كيف تؤنث المرأة وكيف تذكر؟ قال: يلتقي الماءان، فإذا علا ماء الرجل ماء المرأة أذكرت، وإذا علا ماء المرأة ماء الرجل أنثت. قالوا: أخبرنا ما حرم إسرائيل على نفسه؟ قال: كان يشتكي عرق النساء، فلم يجد شيئاً يلائمه إلا ألبان كذا - قال أحمد: قال بعضهم يعني الإبل - فحرم لحومها. قالوا: صدقت. قالوا: فأخبرنا ما هذا الرعد؟ قال: ملك من ملائكة الله موكل بالسحاب بيديه أو في يديه مخراق من نار يزجر به السحاب يسوقه حيث أمره الله تعالى. قالوا: فما هذا الصوت الذي نسمع؟ قال: صوته. قالوا: صدقت. قالوا: إنما بقيت واحدة وهي التي نتابعك إن أخبرتنا بها، إنه ليس من نبي إلا وله ملك يأتيه بالخير، فأخبرنا من صاحبك؟ قال: جبريل ﵇. قالوا: جبريل ذاك الذي ينزل بالحرب والقتال والعذاب عدونا، لو قلت ميكائيل الذي ينزل بالرحمة والقطر والنبات لكان، فأنزل الله (قُلْ مَن كَانَ عَدُوّاً لِّجِبْرِيلَ … ). • قال ابن عاشور: ومن عجيب تهافت اعتقادهم أنهم يثبتون أنه ملك مرسل من الله ويبغضونه، وهذا من أحط دركات الانحطاط في العقل والعقيدة، ولا شك أن اضطراب العقيدة من أكبر مظاهر انحطاط الأمة لأنه ينبئ عن تظاهر آرائهم على الخطأ والأوهام.

стр. 302

(فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ) أي من عادى جبريل فليعلم أنه الروح الأمين الذي نزل بالذكر الحكيم على قلبك من الله بإذنه، فهو رسول من رسل الله ملكي، ومن عادى رسولاً فقد عادى جميع الرسل، كما أن من آمن برسول يلزمه الإيمان بجميع الرسل، وكما أن من كفر برسول فإنه يلزمه الكفر بجميع الرسل، كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيُرِيدُونَ أَنْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ اللَّهِ وَرُسُلِهِ وَيَقُولُونَ نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ … ) فحكم عليهم بالكفر المحقق إذا آمنوا ببعض الرسل وكفروا ببعضهم، وكذلك من عادى جبريل فإنه عدو لله، لأن جبريل لا ينزل بالأمر من تلقاء نفسه، وإنما ينزل بأمر ربه، كما قال تعالى (وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ. نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ. عَلَى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنذِرِينَ). • فقوله (فإنه) أي: جبريل، (نزّله) أي: نزّل القرآن، مع أن القرآن لم يسبق له ذكر، لكن عاد الضمير للقرآن، لأنه مفهوم من السياق كما في قوله تعالى (ما ترك على ظهرها من دابة) فحذفت الأرض لدلالة السياق عليها. • قال الرازي: قوله تعالى (فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ على قَلْبِكَ) الهاء في قوله تعالى (فإنه) وفي قوله (نزله) إلى ماذا يعود؟ الجواب فيه قولان: أحدهما: أن الهاء الأولى تعود على جبريل والثانية: على القرآن وإن لم يجر له ذكر لأنه كالمعلوم كقوله (مَا تَرَكَ على ظَهْرِهَا مِن دَابَّةٍ) يعني على الأرض وهذا قول ابن عباس وأكثر أهل العلم، أي إن كانت عداوتهم لأن جبريل ينزل القرآن فإنما ينزله بإذن الله. • قال القرطبي ﵀: وخص القلب بالذكر؛ لأنه موضع العقل والعلم وتلقي المعارف. • قال الشنقيطي في قوله (فإنه نزله على قلبك): ظاهر هذه الآية أن جبريل ألقى القرآن على قلب النبي ﷺ من غير سماع قراءة، ونظيرها في ذلك قوله تعالى: (نزل به الروح الأمين على قلبك) ولكنه بين في مواضع أخر أن معنى ذلك: أن الملك يقرؤه عليه حتى يسمعه منه، فتصل معانيه إلى قلبه بعد سماعه، وذلك هو معنى تنزيله على قلبه، وذلك كما في قوله تعالى: (لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ. إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ. فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا بَيَانَهُ) وقوله: (فَتَعَالَى اللَّهُ الْمَلِكُ الْحَقُّ وَلَا تَعْجَلْ بِالْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَى إِلَيْكَ وَحْيُهُ وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً). • قوله تعالى (بِإِذْنِ اللّهِ) فيه أن جبريل لا ينزل من عند نفسه بل ينزل بإذن الله. (مُصَدِّقاً لِّمَا بَيْنَ يَدَيْهِ) سبق الكلام عن معناه. (وَهُدًى) أي: هدى لقلوبهم. (وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ) وبشرى لهم بالجنة، وليس ذلك إلا للمؤمنين، كما قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدىً وَشِفَاءٌ) وقال تعالى: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).

стр. 303

• قال ابن عاشور: والبشرى الإخبار بحصول أمر سار أو بترقب حصوله، فالقرآن بشر المؤمنين بأنهم على هدى وكمال ورضى من الله تعالى وبشرهم بأن الله سيؤتيهم خير الدنيا وخير الآخرة. • وقال ﵀: فقد حصل من الأوصاف الخمسة للقرآن وهي أنه منزل من عند الله بإذن الله، وأنه منزل على قلب الرسول، وأنه مصدق لما سبقه من الكتب، وأنه هاد أبلغ هدى، وأنه بشرى للمؤمنين، الثناء على القرآن بكرم الأصل وكرم المقر وكرم الفئة ومفيض الخير على أتباعه الأخيار خيراً عاجلاً وواعد لهم بعاقبة الخير. (مَن كَانَ عَدُوّاً لِّلّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ … ) يقول تعالى: من عاداني وملائكتي ورسلي؛ ورسله تشمل رسله من الملائكة والبشر كما قال تعالى: (اللَّهُ يَصْطَفِي مِنَ الْمَلائِكَةِ رُسُلاً وَمِنَ النَّاسِ). • قوله تعالى (وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ) هذا من باب عطف الخاص على العام، فإنهما دخلا في الملائكة في عموم الرسل، ثم خُصِّصَا بالذكر، لأن السياق في الانتصار لجبرائيل وهو السفير بين الله وبين أنبيائه، وقرن معه ميكائيل في اللفظ؛ لأن اليهود زعموا أن جبرائيل عدوهم، وميكائيل وليهم، فأعلمهم الله أن من عادى واحداً منهما فقد عادى الآخر وعادى الله أيضاً. وقيل: خُصا بالذكر تشريفاً لهما وبياناً لفضلهما. • قال الماوردى: فإن قيل: فلم قال (مَن كَانَ عَدُوَّاً لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللهَ عَدُوٌ لِلْكَافِرِينَ) وقد دخل جبريل وميكائيل في عموم الملائكة فلِمَ خصهما بالذكر؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنهما خُصَّا بالذكر تشريفاً لهما وتمييزاً. والثاني: أن اليهود لما قالوا جبريل عدوّنا، وميكائيل ولينا، خُصَّا بالذكر، لأن اليهود تزعم أنهم ليسوا بأعداء لله وملائكته، لأن جبريل وميكائيل مخصوصان من جملة الملائكة، فنص عليهما لإبطال ما يتأولونه من التخصيص. وقال ابن عاشور: وخُص جبريل بالذكر هنا لزيادة الاهتمام بعقاب معاديه

стр. 304

(فَإِنَّ اللّهَ عَدُوٌّ لِّلْكَافِرِينَ) أظهر في موضع الإضمار فإنه قال (عدو للكافرين) ولم يقل: عدو لهم، لثلاثة أمور: أولاً: الحكم على أن من كان عدواً لله ومن ذُكر، بأنه يكون كافراً. الثاني: أن كل كافر سواء كان سبب كفره معاداة الله أولا، فالله عدو له. الثالث: بيان العلة - وهي في هذه الآية - الكفر. [قاله الشيخ ابن عثيمين]. قال الشيخ السبت: أظهر هنا في موضع الإضمار، من أجل أن يبين أن عداوة جبريل كفر بالله. الفوائد: ١ - شرف جبريل ﵇ حيث كان موكلاً بتنزيل الوحي على رسول الله ﷺ . ٢ - ذم من عادى جبريل. ٣ - شرف جبريل وميكائيل، وجاء في صحيح مسلم عن عائشة أن النبي ﷺ كان إذا قام من الليل يقول: (اللهم رب جبرائيل وميكائيل وإسرافيل فاطر السماوات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم). ٤ - أن القلب هو محل الوعي والفهم. ٥ - أن نزول جبريل بالوحي على رسول الله ﷺ كان بإذن الله. ٦ - بيان أن لجبريل ﵇ وإن كان من الملائكة، أعداء من البشر من بني آدم ومن أولهم اليهود. ٧ - أن هذا القرآن لا يهتدي به وينتفع به ويكون بشرى إلا للمؤمنين، أما غير المؤمنين فإنه لا ينتفع بهذا القرآن. ٨ - أن كل من كان عدواً لله أو ملائكته أو لرسله أو لجبريل وميكال، فإنه كافر. ٩ - أن كل كافر هو عدو لله، ويشهد لهذا قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ). ١٠ - أن كل من كان عدواً لله، فإنه يجب أن يكون عدواً للمؤمنين، لأن من أحب أحداً كان ولياً لمن والاه وعدواً لمن عاداه.

стр. 305

(وَلَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلاَّ الْفَاسِقُونَ (٩٩)). [البقرة: ٩٩] (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ) قال ابن جرير في هذه الآية: أي أنزلنا إليك يا محمد علامات واضحات دالات على نبوتك، وتلك الآيات هو ما حواه كتاب الله من خفايا علم اليهود ومكنونات سرائر أخبارهم وأخبار أوائلهم من بني إسرائيل والنبأ عما تضمنته كتبهم التي لم يكن يعلمها إلا أحبارهم وعلماؤهم، فأطلع الله في كتابه الذي أنزله على محمد ﷺ ، فكان من ذلك في أمره الآيات البينات لمن أنصف من نفسه ولم يدعها إلى هلاكها الحسد والبغي، إذ كان في فطرة كل ذي فطرة صحيحة؛ تصديق من أتى بمثل ما جاء به محمد ﷺ من الآيات البينات. (تفسير الطبري). قال الرازي: الأظهر أن المراد من الآيات البينات القرآن الذي لا يأتي بمثله الجن والإنس ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً، وقال بعضهم: لا يمتنع أن يكون المراد من الآيات البينات القرآن مع سائر الدلائل نحو امتناعهم من المباهلة ومن تمني الموت وسائر المعجزات نحو إشباع الخلق الكثير من الطعام القليل ونبوع الماء من بين أصابعه وانشقاق القمر. (وَمَا يَكْفُرُ بِهَا إِلَّا الْفَاسِقُونَ) أي: وما يجحد بهذه الآيات ويكذب بها إلا الجاحدون عن الطاعة الماردون عن الكفر. قال أبو حيان (وما يكفر بها إلا الفاسقون) المراد بالفاسقين هنا: الكافرون، لأن كفر آيات الله تعالى هو من باب فسق العقائد، فليس من باب فسق الأفعال. سبق أن الفسق يطلق على الفسق المخرج عن الملة، وعلى الفسق ما دون ذلك. الفوائد: ١ - أن القرآن آيات بينات ليس فيها غموض ولا إشكال. ٢ - الرد على من قال: إن آيات القرآن مشتبهات لا يعلم معناها الناس، فإن جميع آيات القرآن الكريم معلومة المعنى وليس فيها شيء مجهول المعنى لجميع الأمة، لو كان فيها شيء مجهول المعنى لجميع الأمة لم يكن القرآن بياناً، بل كان بعضه بياناً وبعضه غير بيان. ٣ - أنه لا يكفر بهذه الآيات التي أنزلها على محمد ﷺ إلا الفاسق الخارج عن طاعة الله. ٤ - أن كل من كان أطوع لله وأقوم لطاعته، كان ظهور الآيات الكريمة في القرآن أبين عنده وأوضح. ٥ - يجب العناية بهذا القرآن.

стр. 306

(أَوَكُلَّمَا عَاهَدُواْ عَهْداً نَّبَذَهُ فَرِيقٌ مِّنْهُم بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ (١٠٠)). [البقرة: ١٠٠] (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) يقول تعالى في هذه الآية موبخاً هؤلاء القوم بنبذ فريق منهم لما عاهدوا عليه، يقول (أَوَكُلَّمَا عَاهَدُوا عَهْداً نَبَذَهُ فَرِيقٌ مِنْهُمْ) ثم يبين أن هذا النبذ بالعهد لكون أكثرهم لا يؤمنون. • قال الرازي: أراد تسلية الرسول عند كفرهم بما أنزل عليه من الآيات بأن ذلك ليس ببدع منهم، بل هو سجيتهم وعادتهم وعادة سلفهم على ما بينه في الآيات المتقدمة من نقضهم العهود والمواثيق حالاً بعد حال لأن من يعتاد منه هذه الطريقة لا يصعب على النفس مخالفته كصعوبة من لم تجر عادته بذلك • والنبذ الطرح والإلقاء، ومنه سمي اللقيط منبوذاً. • قيل إن اليهود عاهدوا لئن خرج محمد لنؤمنن به ولنكونن معه على مشركي العرب، فلما بُعِثَ كفروا به، وقال عطاء: هي العهود التي كانت بين النبي ﷺ وبين اليهود فنقضوها، كفعل قريظة والنظير. • قال الشنقيطي عند هذه الآية، قال: ذكر في هذه الآية أن اليهود كلما عاهدوا عهداً نبذه فريق منهم، وصرح في موضع آخر أن رسول الله ﷺ هو المعاهد لهم وأنهم ينقضون عهدهم في كل مرة، وذلك في قوله تعالى: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ. الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ). وصرح في آية أخرى بأنهم أهل خيانة إلا القليل منهم، وذلك في قوله: (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ). • يجب الحذر من اليهود، فإن من دأبهم الغدر ونقض العهود، كما قال تعالى (فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً) وقال تعالى (وَلا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلاً مِنْهُمْ). (بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: بل أكثر اليهود لا يؤمن بالتوراة الإيمان الصادق لذلك ينقضون العهود والمواثيق. • قال ابن عاشور: وليس المراد أن ذلك الفريق قليل منهم فنبه على أنه أكثرهم بقوله (بل أكثرهم لا يؤمنون).

стр. 307

• قال أبو حيان: ولما كان الفريق ينطلق على القليل والكثير، وأسند النبذ إليه، كان فيما يتبادر إليه الذهن أنه يحتمل أن يكون النابذون قليلاً، فبين أن النابذين هم الأكثر، وصار ذكر الأكثر دليلاً على أن الفريق هنا لا يراد به اليسير منهم، فكان هذا إضراباً عما يحتمله لفظ الفريق من دلالته على القليل. الفوائد: ١ - توبيخ من عاهد عهداً فنبذه. ٢ - أنه إذا وقع الخطاب من بعض قوم فإنه لا ينسب إلى الجميع، بل العدل أن يشار إلى أن هذا - الذي حصل - إنما كان من فريق منهم لئلا يلحق العار جميع القوم مع براءة بعضهم منه. ٣ - أن نقض العهد علامة على نقض الإيمان، ولهذا جاء في الحديث عن النبي ﷺ : أن من خصال النفاق الغدر بالعهد.

стр. 308

(وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللَّهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ نَبَذَ فَرِيقٌ مِّنَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ كَأَنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (١٠١)). [سورة البقرة: ١٠١] (وَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: ولما أتاهم رسول، مرسل من عند الله وهو محمد. • وقوله تعالى (وَلَمَّا جَاءَهُمْ) الضمير يعود إلى اليهود وأحبارهم، لأن الآيات في الكلام عنهم. • هذه الآية كسابقتها، فيها التوبيخ لهؤلاء القوم الذين عرفوا الحق لكن فريقاً منهم نبذه وكأنهم لا يعلمون. • قوله تعالى (رَسُولٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) هو محمد ﷺ ، الذي أخذ الله الميثاق على الرسل لئن بعث وهم أحياء ليؤمنن به، وهم أيضاً أخذوا الميثاق على أقوامهم بذلك. • قوله تعالى (رَسُولٌ) نكّر رسول للتعظيم، فهو أفضل الرسل، وسيد ولد آدم كما قال ﷺ (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة)، وفي حديث أبي سعيد قال ﷺ (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر). (مُصَدِّقٌ لِمَا مَعَهُمْ) (ما) موصولة، أي: مصدق للذي معهم من التوراة والإنجيل. • وتصديق من وجهين: الأول: أنه كان معترفاً بنبوة موسى وبصحة التوراة. الثاني: أنه مصدقاً لما معهم من حيث إن التوراة بشرت بمقدم محمد ﷺ ، فإذا أتى محمد كان مجرد مجيئه مصدقاً للتوراة، فهو مصدق لما جاء فيها من البشارة به ﷺ . (نَبَذَ فَرِيقٌ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ كِتَابَ اللَّهِ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) أي: طرح وترك فريق من الذين أنزل عليهم وهم اليهود والنصارى كتاب الله (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) أي خلف ظهورهم، وهو مثل يُضرب لمن يستخف بالشيء فلا يعمل به، تقول العرب: اجعل هذا خلف ظهرك، ودبر أذنك، وتحت قدمك، أي اتركه وأعرض عنه.

стр. 309

• وقد اختلف العلماء في المراد بكتاب الله هنا على قولين: قيل: أنهم نبذوا التوراة وأعرضوا عنها. وقيل: أن المراد بالكتاب هنا هو القرآن. ورجح كثير من العلماء القول الأول. • قال الرازي مرجحاً القول الأول: وهذا هو الأقرب، لوجهين: الأول: أن النبذ لا يعقل إلا فيما تمسكوا به أولاً وأما إذا لم يلتفتوا إليه لا يقال إنهم نبذوه. الثاني: أنه قال (نَبَذَ فَرِيقٌ مّنَ الذين أُوتُواْ الكتاب) ولو كان المراد به القرآن لم يكن لتخصيص الفريق معنى لأن جميعهم لا يصدقون بالقرآن. • قال الشوكاني: قوله تعالى (كتاب الله وراء ظهورهم): قيل: التوراة، لأنهم لما كفروا بالنبي ﷺ ، وبما أنزل عليه بعد أن أخذ الله عليهم في التوراة والإيمان به واتباعه، وبين لهم صفته، كأن ذلك منهم نبذاً للتوراة ونقضاً لها ورفضاً لما فيها. ويجوز أن يراد بالكتاب هنا القرآن، أي جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم من التوراة نبذوا كتاب الله الذي جاء به هذا الرسول، وهذا أظهر. • قال أبو حيان: ومعنى نبذهم له: اطراح أحكامه، أو اطراح ما فيه من صفة رسول الله ﷺ ، إذ الكفر ببعض، كفر بالجميع. • قوله تعالى (فريق … ) مفهومه أن فريقاً منهم آمن كالنجاشي من النصارى، وعبد الله بن سلام من اليهود). • قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن كثيراً من اليهود نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ولم يؤمنوا به، وبين في موضع آخر أن هؤلاء الذين لم يؤمنوا بالكتاب هم الأكثر، وذلك في قوله تعالى: (وَلَوْ آمَنَ أَهْلُ الْكِتَابِ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ مِنْهُمُ الْمُؤْمِنُونَ وَأَكْثَرُهُمُ الْفَاسِقُونَ). • قوله تعالى (نَبَذَ فَرِيقٌ) النبذ: الطرح والإلقاء والترك والاستغناء. (كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ) تشبيه لهم بمن لا يعلم شيئاً مع كونهم يعلمون علماً يقيناً من التوراة بما يجب عليهم من الإيمان بهذا النبي ﷺ ، ولكنهم لما لم يعملوا بالعلم، بل عملوا عمل من لا يعلم من نبذ كتاب الله وراء ظهورهم، كانوا بمنزلة من لا يعلم. وهذا من أخص صفات اليهود، ترك الحق وكتمانه وتكذيبه وجحده بعد معرفته قال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ).

стр. 310

ولهذا وصفهم الله بالمغضوب عليهم لأنهم عرفوا الحق وتركوه، ومثلهم من سلك طريقهم في ترك الحق بعد معرفته، كما قال سفيان بن عيينة: من فسد من علمائنا ففيه شبه من اليهود، ومن فسد من عبادنا كان فيه شبه من النصارى. ولمّا لم ينتفعوا بعلمهم صاروا كمن لا يعلم، بل أقل وأسوأ حالاً منه، كما قال تعالى فيهم (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً بِئْسَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآياتِ اللَّهِ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). الفوائد: ١ - صدق رسالة النبي ﷺ ، لقوله تعالى: (وَلَمَّا جَاءَهُمْ كِتَابٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ). ٢ - أن رسول الله ﷺ مرسل إلى بني إسرائيل، كما أنه مرسل إلى الأميين وهم العرب، بل وإلى الناس أجمعين، قال تعالى: (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ). ٣ - أن رسول الله ﷺ كان مصدقاً لما جاءت به الرسل السابقة، أي مقراً بأنها صدق وشاهد بصدق. ٤ - قيام الحجة على بني إسرائيل، حيث كان محمداً ﷺ مصدقاً لما معهم، فهم يعرفونه كما يعرفون أبناءهم. ٥ - أن الذين نبذوا كتاب الله وراء ظهورهم من بني إسرائيل، نبذوه عن علم، لأنهم أوتوا الكتاب وعرفوا الحق. ٦ - أن نبذ هؤلاء الفريق من الذين أتوا الكتاب نبذ لا يرجى معه إقبال، لقوله: (وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ) والذي ينبذ كتاب الله وراء ظهره في الدنيا، يؤتى كتابه يوم القيامة من وراء ظهره جزاءً وفاقاً. ٧ - أن من نبذ عن علم؛ أشد قبحاً ولوماً ممن نبذ عن جهل، ولهذا قال: (كَأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ). ٨ - التحذير من رد الحق بعد العلم. ٩ - أن من رد الحق بعد العلم به ففيه شبه من بني إسرائيل من اليهود والنصارى.

стр. 311

(وَاتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيْاطِينَ كَفَرُواْ يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ وَمَا أُنزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولَا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلَا تَكْفُرْ فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلَا يَنفَعُهُمْ وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْاْ بِهِ أَنفُسَهُمْ لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١٠٢) وَلَوْ أَنَّهُمْ آمَنُواْ واتَّقَوْا لَمَثُوبَةٌ مِّنْ عِندِ اللَّه خَيْرٌ لَّوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ (١٠٣)) [البقرة: ١٠٢ - ١٠٣]. (وَاتَّبَعُوا): أي اليهود، قيل: من كان في زمن النبي ﷺ ، وقيل: من كان في زمن سليمان، وابن جرير جمع بين المعنيين. • ومعنى اتبعوا: قيل: فعلوا واختاره ابن جرير، وقيل: من الاتباع المعروف. (مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ) (ما) هنا موصولة، أي: الذي تتلوه الشياطين، وفي معنى (تتلوا) قولان: قيل: من التلاوة، أي تحدّث وتخبر به وتقصه، وقيل: تتّبع وتعمل به. (هذا يتلوا هذا أي يتبعه). • فابتلي هؤلاء اليهود عقوبة لهم على نبذ كتاب الله، باتباع ما تتلوا الشياطين، وهكذا من ترك الحق مع علمه به، ابتلي وعوقب باتباع الباطل، كما قال تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) وقال تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، وقال تعالى (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). قوله تعالى (الشَّيَاطِينُ) المراد بالشياطين هنا شياطين الجن، وهذا هو المفهوم من هذه الآية. (عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ) أي: على عهد ملك سليمان، وقيل (على) بمعنى (في) أي: في ملك سليمان أي: في قصصه وصفاته وأخباره.

стр. 312

• وهو سليمان بن داود ﵉، وإنما قال الله (على ملك سليمان) لأن الله قد جمع له بين النبوة والملك العظيم خلاف ما يزعمه اليهود فقط أنه ملك فقط. • والسحر موجود قبل زمان سليمان ﵇، فهو موجود في زمن موسى كما ذكر الله عن سحرة فرعون، وموسى قبل سليمان بمدد طويلة، بل إن السحر كان موجوداً ومعروفاً في زمن نبي الله صالح وهو قبل إبراهيم الخليل ﵇ فقد قال قوم صالح له (قَالُوا إِنَّمَا أَنْتَ مِنَ الْمُسَحَّرِينَ) أي: من المسحورين. فالشياطين كانت تأتي بالسحر وتعلمه قبل سليمان ﵇، وتعلّمه الناس، وإنما أخبر عن اليهود أنهم اتبعوا ما تتلوه الشياطين على عهد سليمان ﵇ لأن الشياطين وأتباعهم من اليهود نسبوا ذلك إلى سليمان كذباً منهم وزوراً. (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ) أي: وما كفر سليمان بتعلم السحر وتعليمه كما يزعمه الشياطين وأتباعهم من اليهود، لأنه رسول من عند الله معصوم من الكفر وأسبابه. • وهذه الآية تبرئة لسليمان من الكفر، لأن اليهود نسبوه إلى السحر، ولما كان السحر كفراً كان بمنزلة من نسبه إلى الكفر. (فليس هناك أحد قال إن سليمان كافر لكن نسبوه للسحر والسحر كفر). • قال الرازي: قوله تعالى (وَمَا كَفَرَ سليمان) فهذا تنزيه له ﵇ عن الكفر، وذلك يدل على أن القوم نسبوه إلى الكفر والسحر: قيل فيه أشياء: أحدها: ما روي عن بعض أخبار اليهود أنهم قالوا: ألا تعجبون من محمد يزعم أن سليمان كان نبياً وما كان إلا ساحراً، فأنزل الله هذه الآية. وثانيها: أن السحرة من اليهود زعموا أنهم أخذوا السحر عن سليمان فنزهه الله تعالى منه. وثالثها: أن قوماً زعموا أن قوام ملكه كان بالسحر فبرأه الله منه لأن كونه نبياً ينافي كونه ساحراً كافراً، • وأخذ العلماء من هذه الآية كفر الساحر. ثم بين تعالى أن الذي برأه منه لاصق بغيره فقال: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا) هذا دليل آخر على كفر من تعلم السحر. (يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) تفسير لقوله (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا). • والسحر لغة: ما خفي ولطف سببه، وفي الشرع: عزائم ورقى وعقد ينفث فيها فتؤثر في العقول والأبدان بإذن الله الكوني، ولا يحصل إلا بالشعوذة ودعاء الشياطين والاستعانة بهم والكفر بالله. (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ بِبَابِلَ هَارُوتَ وَمَارُوتَ) (ما) موصولة بمعنى (الذي) والمعنى: اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان، واتبعوا الذي أنزل على الملَكين أحدهما هاروت والآخر ماروت. والمراد بالإنزال هنا بمعنى الخلق كما قال ﷺ (ما أنزل الله من داء إلا أنزل له دواء، علمه من علمه، وجهله من جهله) رواه أحمد.

стр. 313

وكما في حديث أم سلمة (أن النبي ﷺ استيقظ ليلة فقال: سبحان الله! ماذا أنزل الليلة من الفتن، ما أنزل من الخزائن … ) رواه البخاري. • والمراد بالملكين هؤلاء: ملكان أنزلا إلى الأرض وأذن لهما في تعليم السحر، وأنه جائز في حقهما، ابتلاء وامتحاناً للناس، بعدما بيّن لهم على ألسنة الرسل أن ذلك لا يجوز، فأكثر المفسرين على أن هاروت وماروت ملكان أُنزِلا إلى الأرض يعلمان السحر ابتلاء واختباراً للناس. • وقد روي في سبب نزول هاروت وماروت إلى الأرض وما كان من أمرهما آثار غريبة جداً عن جمع من السلف، بل روي في ذلك حديث مرفوع إلى النبي ﷺ … وكل ذلك لا يصح وباطل، وكيف تصح والله يقول (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ) وقال (لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ). • قوله تعالى (ببابل) اسم بلد في العراق. • وقد جاءت روايات كثيرة إسرائيلية لا تصح فيما يتعلق بهذه الآية لا يصح منها شيء. (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ) أي: هؤلاء الملكين: هاروت وماروت. (حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أي: يقولا له ناصحين ومحذرين (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي: إنما نحن في تعليمنا السحر ابتلاء وامتحان للناس، ليظهر مدى تمسكهم في دينهم (فَلا تَكْفُرْ) أي: فلا تكفر بتعلم السحر. قال الحسن في تفسير الآية: نعَم، أنزل الملكان بالسحر ليعلما الناس البلاء الذي أراد الله أن يبتلي به الناس، فأخذ عليهما الميثاق أن لا يعلما أحداً حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ). وقال قتادة: كان أخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ) أي: بلاء ابتلينا به (فلا تكفر). • والفتنة الاختبار والابتلاء كما قال تعالى (إِنْ هِيَ إِلَّا فِتْنَتُكَ) أي: ابتلاؤك واختبارك، وتكون في الخير والشر كما قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً) • والله يبتلي عباده بما شاء ومن ذلك ابتلاء العباد بهذا السحر. • فإن قيل: كيف ينزل السحر على الملكين ويعلمانه الناس والله يقول في شأن الملائكة (لا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ). الجواب الأول: أن هذا من قبيل الاختبار والابتلاء، فهؤلاء الملائكة كانوا يعلمون السحر ولم يكونوا يشتغلون به. الجواب الثاني: أن هذا من العام المخصوص بمعنى أن عموم الملائكة صالحون مطيعون لله إلا أنه قد يكون فيهم من عصى. قال ابن كثير: وذهب كثيرون من السلف إلى أنهما كانا ملكين من السماء، وأنهما أنزلا إلى الأرض، فكان أمرهما ما كان، وقد ورد في ذلك حديث مرفوع رواه الإمام أحمد ففي مسنده، وعلى هذا فيكون الجمع بين هذا وبين ما ثبت من الدلائل على عصمة الملائكة أن هذين سبق في علم الله لهما هذا، فيكون تخصيصاً لهما، فلا تعارض حينئذ، كما سبق في علمه من أمر إبليس ما سبق.

стр. 314

(فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا) أي: فيتعلم الذين يجترئون على تعلم السحر بعد تحذيرهم منه (مِنْهُمَا) أي: من هاروت وماروت. (مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) (ما) موصولة بمعنى (الذي) أي: السحر الذي يفرقون به بين المرء وزوجه، وهذا من أشد أنواع السحر وأخبثها وأعظمها ضرراً، يخيل فيه لكل واحد من الزوجين المسحورين صاحبه بأقبح صورة، حتى يكرهه وينصرف عنه ويفارقه، وهذا ما يسمى بالصرف. وهذا من صنيع الشياطين كما قال ﷺ (إن الشيطان ليضع عرشه على الماء ثم يبعث سراياه في الناس، فأقربهم عنده منزلة أعظمهم عنده فتنة .... ) رواه مسلم. • وفي هذا دليل على أن للسحر تأثيراً في القلوب بالحب والبغض والجمع والفرقة والقرب والبعد. (وَمَا هُمْ) إشارة إلى السحرة، وقيل: إلى اليهود، وقيل: إلى الشياطين (بِضَارِّينَ بِهِ) أي: بالسحر، لأن الحديث عنه. (مِنْ أَحَدٍ) أي: أحداً. (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: إلا بإرادته وقضائه وقدره وعلمه ، فلا تأثير للسحر بذاته، فمن قضى الله كوناً وقدراً أن يضره السحر ضره، ومن قضى أن لا يضره السحر فلا يمكن أن يضره أبداً. • واختار ابن جرير في قوله (إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ) أي: لمن سبق في علم الله أن يحصل له ذلك: فقال ﵀ (وما هم بضارين) بالذي تعلموا من الملكين من أحد إلا بعلم الله، يعني بالذي سبق له في علم الله أنه يضره. قال الحسن: (وما هم بضارين به … ) قال: نعم، من شاء الله سلطهم عليه، ومن لم يشأ الله لم يسلط، ولا يستطيعون ضر أحد إلا بإذن الله.

стр. 315

• فعلى العبد إخلاص العبادة لله تعالى والتحصن والأذكار والأوراد الشرعية مع صدق التوكل على الله، وتمام الثقة به، فهو الحافظ الكافي والواقي من جميع الشرور قبل وقوعها والرافع لها بعد وقوعها، فمن توكل عليه حفظه ووقاه وكفاه (فَاللَّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ). • قال السعدي: وفي هذه الآية وما أشبهها أن الأسباب مهما بلغت في قوة التأثير تابعة للقضاء والقدر، ليست مستقلة في التأثير. (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ) أي: الذي يضرهم في دينهم ودنياهم وأخراهم ضرراً محضاً ولهذا قال: (وَلا يَنْفَعُهُمْ) فأثبت ضرره ونفى نفعه. واختار ابن جرير (مَا يَضُرُّهُمْ) في دينهم (وَلا يَنْفَعُهُمْ) في معادهم، فقال ﵀: (وَيَتَعَلَّمُونَ) أَيْ النَّاسُ الَّذِينَ يَتَعَلَّمُونَ مِنَ الْمَلَكَيْنِ، مَا أَنْزَلَ إلَيْهِمَا مِنَ الْمَعْنَى الَّذِي يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ، يَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا السِّحْرَ الَّذِي يَضُرُّهُمْ فِي دِينِهِمْ (وَلَا يَنْفَعُهُمْ) فِي مَعَادِهِمْ. فَأَمَّا فِي الْعَاجِلِ فِي الدُّنْيَا، فَإِنَّهُمْ قَدْ كَانُوا يَكْسِبُونَ بِهِ وَيُصِيبُونَ بِهِ مَعَاشاً. • فهم يتعلمون ما يضرهم ضرراً محضاً لا فائدة فيه بوجه من الوجوه وذلك لأمور: أولاً: أن تعلم السحر كفر، والكفر ضد الإيمان، وإذا فقد الإنسان الإيمان فقد خسر خسراناً كبيراً. ثانياً: أن ما يأخذه الساحر من أموال الناس بالباطل مقابل عمله الباطل، يذهب سحتاً لا بركة فيه. (وَلَقَدْ عَلِمُوا) أي: اليهود الذين استبدلوا بالسحر عن متابعة النبي ﷺ ، النابذون لكتاب الله وراء ظهورهم. (لَمَنِ اشْتَرَاهُ) أي: لمن اختاره واعتاض به عن الإيمان. (مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ) أي: في الدار الآخرة، وسميت آخرة لأنها متأخرة زمناً بعد الدنيا، وإلا فهي الدار الحقيقية كما قال تعالى (وإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). (مِنْ خَلاقٍ) أي: من نصيب من خير.

стр. 316

• قال ابن القيم: أي علموا من أخذ السحر وقَبِلَه لا نصيب له في الآخرة، ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترون به ويقبلونه ويتعلمونه. • وهذا ديدن اليهود، ترك الحق بعد معرفته كما قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، ولهذا وصفوا بالمغضوب عليهم في القرآن الكريم في مواضع عديدة كما قال تعالى (غير المغضوب عليهم). (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) قال ابن كثير: أي: ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول ﷺ لو كان لهم علم بما وعظوا به. وقيل: ولبئس ما شروا: أي بايعوا أنفسهم واختاره ابن جرير حيث قال: معنى (شروا) باعوا، فمعنى الكلام إذاً: ولبئس ما باع به نفسه من تعلّم السحر لو كان يعلم سوء عاقبتهِ. • والضمير في قوله (به) يعود إلى السحر. فباعوا أنفسهم بثمن حقير قبيح زهيد وهو السحر، فخسروا أنفسهم وخسروا دينهم ودنياهم وأخراهم. • قوله تعالى (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: علماً ينفعهم، فهم لم ينتفعوا بالعلم فلذلك نفيَ عنهم العلم، والإنسان إذا لم ينتفع بعلمه فكأنه ما علِمَه. (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: هؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وتعلموا السحر واعتاضوا به عن الإيمان من اليهود وغيرهم. (آمَنُوا) فصدقوا بقلوبهم وألسنتهم وانقادوا بجوارحهم لفعل ما أمرهم الله به. (وَاتَّقَوْا) ربهم فخافوه، واجتنبوا نواهيه من السحر وغيره، وخافوا عقابه.

стр. 317

(لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: لأثابهم الله ثواباً أفضل مما شغلوا به أنفسهم من السحر. • المثوبة: الأجر والجزاء، وسمي أجرهم وجزاؤهم بالمثوبة أخذاً من ثاب يثوب إذا رجع، لأن ثمرة عملهم رجعت إليهم. • وفي وصف المثوبة بأنها من عند الله تعظيم وتفخيم لها، لأنها من عند الجواد الكريم، فلا يدرك قدر عظمتها إلا العظيم سبحانه، وأيضاً في ذلك تأكيد ضمانها، لأنها من عند الله، وهو الذي لا يخلف الميعاد. (خَيْرٌ) أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوه به، (خير) من كل شيء، خيرية مطلقة، خير مما باعوا به أنفسهم من تعلم السحر وتعليمه، ومما يحصلون عليه من متاع الدنيا، والثمن القليل وغير ذلك. (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كانوا من ذوي العلم النافع الذين ينتفعون بعلمهم. وهذه الآية كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ). وقوله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. والآخرة خير وأبقى). وقال تعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى). وقال تعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). وفي قوله (لو كانوا يعلمون) تأكيد لشدة جهلهم وعدم علمهم، وأن العلم الحقيقي الممدوح ما انتفع به صاحبه، وأن من أعظم الجهل ترك الحق بعد معرفته والعلم به، وهذا من أخص أوصاف اليهود، ولهذا استحقوا غضب الله ومقته. فالمعنى الإجمالي: أن الشياطين في ذلك الزمن كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويلقونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم، وقد دونها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان ﵇ حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنسان والجن والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ثم عطف عليه: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ … ) فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبواباً من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحراً، وإنما كان نبياً مرسلاً من ربه، وقد احتاط الملكان ﵉ غاية الاحتياط، فما كانا يعلمان أحداً شيئاً من السحر حتى يحذراه، ويقولا له: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي بلاء واختبار، (فَلا تَكْفُرْ) بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته.

стр. 318

الفوائد: ١ - أن الله سخر الشياطين لسليمان، وامتحن الناس بهم، لقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ). ٢ - أن سليمان ﵇ لم يكفر بكفر هؤلاء الشياطين الذين تعلموا السحر وصاروا يتلونه ويلقونه على الناس، وذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر والشرك. ٣ - أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين. ٤ - أن العمل بالسحر كفر، لقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا … ). ٥ - أن تعليم الناس السحر من الكفر، لقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ). ٦ - أن الحق ما أذن الله فيه وأمر به ولو كان في نفسه باطلاً، فهذان الملكان نزلا إلى الأرض ليعلما الناس السحر، وتعليم السحر كما سبق كفر، لكن الله أباح لهذين الملكين أن يعلما الناس من أجل هذا الامتحان الذي حصل بتعليمهما. الشيء قد يكون كفراً، وقد يكون طاعة ولو كان واحداً من نوعه، وأضرب لهذا مثلين: أحدهما: السجود لغير الله، كفر وشرك، وإذا سجد الإنسان لغير الله بأمر الله كان عبادة، ألم تر قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فهنا نجد أن السجود لغير الله كان طاعة وعبادة، لأن الله أمر به، ويكون شركاً في الحالة التي لم يأمر الله به فيها. الثاني: قتل النفس، فإنه من كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كان المقتول من أقارب القاتل، ومع ذلك كان طاعة يمدح عليه، وذلك في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل ﵉. فالملكان اللذان نزلا يعلمان الناس السحر نزلا بأمر الله وبإذن الله، فكان تعليمهما للسحر طاعة لله، لكنه باعتبار المعلَّم كفر، ولهذا قال: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ). ٧ - أن الله تعالى قد ييسر للإنسان أسباب المعصية ليبلوه هل يعصي الله أم لا، فالله يسّر تعلم السحر بما أنزل على الملكين وبما بذلاه من أنفسهما لتعليم الناس، وكما في قصة أصحاب السبت حين حرّم عليهم صيد البحر يوم السبت، فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت فقال الله تعالى (كونوا قردة خاسئين).

стр. 319

٨ - أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس. وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه؛ لقوله تعالى (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر) فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره. ٩ - أن من أعظم أنواع السحر: التفريق بين الرجل وزوجته، لقوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وهذا يسمى بالعطف والصرف. ١٠ - أن ما يقع من تأثير السحر، إنما يقع بأمر الله وإرادته، لقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). ١١ - أن الأسباب وإن عظمت لا تأثير لها إلا بإذن الله. ١٢ - الإشارة إلى أنه ينبغي للمسحور أن يلجأ إلى الله، وأن يسأله رفع ما نزل به بصدق وإخلاص وضرورة. ١٣ - أن السحر ضرر على الساحر كما هو ضرر على غيره، وإن ظن الساحر أنه ينتفع بذلك، وأنه يكسب من ورائه، فإن هذا الكسب خبيث، ولهذا قال: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ). ١٤ - تقبيح ما حصل من هؤلاء من تعلم السحر، حيث قال: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ). ١٥ - أن هؤلاء الذين اختاروا تعلم السحر وأهلكوا أنفسهم به، كانوا من أجهل الناس. ١٦ - سعة فضل الله وإحسانه وكرمه، فهؤلاء الذين عتوا وبغوا على الخلق بما يتعلمونه من السحر، بعْرض الله عليهم أن يؤمنوا ويتقوا حتى يكون لهم المثوبة، وهذا أنموذج من نماذج سعة الله وفضله. ١٧ - أن ما عند الله من الثواب خير مما يحصل في الدنيا من المكاسب، وهذا ظاهر بالأثر والنظر، أما الأثر فقد بين الله في غير آية أن الآخرة خير من الدنيا، فقال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وقال النبي ﷺ : (وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري ١٨ - أن هؤلاء الذين تعلموا السحر - مع علمهم بأن من اشتراه لا خلاق له في الآخرة - من ذوي الجهالة وكأنهم لا يعلمون، لذا قال: (لو كانوا يعلمون). ١٩ - الحث على العلم والعمل به، وإن لم يعمل بعلمه فهو كالجاهل بل أشد قبحاً من الجاهل. قال ابن القيم: لو نفع العلم بلا عمل لما ذم اليهود.

стр. 320

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)). [سورة البقرة: ١٠٤] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (لا تَقُولُوا رَاعِنَا) قال ابن كثير: يخاطب الله المؤمنين بصفة الإيمان لينهاهم أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص. قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سباً، أي: اسمعْ لا سمعتَ، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سراً، فالآن نسبه جهراً، فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. والأصل أن (راعنا) في اللغة أي: أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا. واليهود لا يقصدون هذا المعنى؛ وإنما يقصدون بها من الرعونة، فتكون (راعنا) أي: إنك ذليل. قال الشوكاني: وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً، قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت؛ وقيل غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبيّ ﷺ راعنا؛ طلباً منه أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي ﷺ كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السبّ الذي هو: معنى هذا اللفظ في لغتهم. وقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير. (لا تَقُولُوا رَاعِنَا) النهي للتحريم.
следующие страницы →