← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 316–355 · переход к 321.

стр. 316

• قال ابن القيم: أي علموا من أخذ السحر وقَبِلَه لا نصيب له في الآخرة، ومع هذا العلم والمعرفة فهم يشترون به ويقبلونه ويتعلمونه. • وهذا ديدن اليهود، ترك الحق بعد معرفته كما قال تعالى (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ)، ولهذا وصفوا بالمغضوب عليهم في القرآن الكريم في مواضع عديدة كما قال تعالى (غير المغضوب عليهم). (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) قال ابن كثير: أي: ولبئس البديل ما استبدلوا به من السحر عوضاً عن الإيمان ومتابعة الرسول ﷺ لو كان لهم علم بما وعظوا به. وقيل: ولبئس ما شروا: أي بايعوا أنفسهم واختاره ابن جرير حيث قال: معنى (شروا) باعوا، فمعنى الكلام إذاً: ولبئس ما باع به نفسه من تعلّم السحر لو كان يعلم سوء عاقبتهِ. • والضمير في قوله (به) يعود إلى السحر. فباعوا أنفسهم بثمن حقير قبيح زهيد وهو السحر، فخسروا أنفسهم وخسروا دينهم ودنياهم وأخراهم. • قوله تعالى (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: علماً ينفعهم، فهم لم ينتفعوا بالعلم فلذلك نفيَ عنهم العلم، والإنسان إذا لم ينتفع بعلمه فكأنه ما علِمَه. (وَلَوْ أَنَّهُمْ) أي: هؤلاء الذين اتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان وتعلموا السحر واعتاضوا به عن الإيمان من اليهود وغيرهم. (آمَنُوا) فصدقوا بقلوبهم وألسنتهم وانقادوا بجوارحهم لفعل ما أمرهم الله به. (وَاتَّقَوْا) ربهم فخافوه، واجتنبوا نواهيه من السحر وغيره، وخافوا عقابه.

стр. 317

(لَمَثُوبَةٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ) أي: لأثابهم الله ثواباً أفضل مما شغلوا به أنفسهم من السحر. • المثوبة: الأجر والجزاء، وسمي أجرهم وجزاؤهم بالمثوبة أخذاً من ثاب يثوب إذا رجع، لأن ثمرة عملهم رجعت إليهم. • وفي وصف المثوبة بأنها من عند الله تعظيم وتفخيم لها، لأنها من عند الجواد الكريم، فلا يدرك قدر عظمتها إلا العظيم سبحانه، وأيضاً في ذلك تأكيد ضمانها، لأنها من عند الله، وهو الذي لا يخلف الميعاد. (خَيْرٌ) أن ثواب الله إياهم على ذلك خير لهم من السحر ومما اكتسبوه به، (خير) من كل شيء، خيرية مطلقة، خير مما باعوا به أنفسهم من تعلم السحر وتعليمه، ومما يحصلون عليه من متاع الدنيا، والثمن القليل وغير ذلك. (لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ) أي: لو كانوا من ذوي العلم النافع الذين ينتفعون بعلمهم. وهذه الآية كقوله تعالى (وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَيْلَكُمْ ثَوَابُ اللَّهِ خَيْرٌ لِمَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً وَلا يُلَقَّاهَا إِلَّا الصَّابِرُونَ). وقوله تعالى (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. والآخرة خير وأبقى). وقال تعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى). وقال تعالى (وَمَا عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ وَأَبْقَى لِلَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ). وفي قوله (لو كانوا يعلمون) تأكيد لشدة جهلهم وعدم علمهم، وأن العلم الحقيقي الممدوح ما انتفع به صاحبه، وأن من أعظم الجهل ترك الحق بعد معرفته والعلم به، وهذا من أخص أوصاف اليهود، ولهذا استحقوا غضب الله ومقته. فالمعنى الإجمالي: أن الشياطين في ذلك الزمن كانوا يسترقون السمع من السماء، ثم يضمون إلى ما سمعوا أكاذيب يلفقونها، ويلقونها إلى كهنة اليهود وأحبارهم، وقد دونها هؤلاء في كتب يقرؤونها، ويعلمونها الناس، وفشا ذلك في زمن سليمان ﵇ حتى قالوا: هذا علم سليمان وما تم لسليمان ملكه إلا بهذا العلم، وبه يسخر الإنسان والجن والريح التي تجري بأمره، وهذا من افتراءات اليهود على الأنبياء، فأكذبهم الله بقوله (وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَانُ وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ) ثم عطف عليه: (وَمَا أُنْزِلَ عَلَى الْمَلَكَيْنِ … ) فالمراد بما أنزل هو: علم السحر الذي نزلا ليعلماه الناس، حتى يحذروا منه، فالسبب في نزولهما هو: تعليم الناس أبواباً من السحر، حتى يعلم الناس الفرق بين السحر والنبوة، وأن سليمان لم يكن ساحراً، وإنما كان نبياً مرسلاً من ربه، وقد احتاط الملكان ﵉ غاية الاحتياط، فما كانا يعلمان أحداً شيئاً من السحر حتى يحذراه، ويقولا له: (إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ) أي بلاء واختبار، (فَلا تَكْفُرْ) بتعلمه والعمل به، وأما من تعلمه للحذر منه، وليعلم الفرق بينه وبين النبوة والمعجزة؛ فهذا لا شيء فيه، بل هو أمر مطلوب مرغوب فيه إذا دعت الضرورة إليه، ولكن الناس ما كانوا يأخذون بالنصيحة، بل كانوا يفرقون بين المرء وزوجه، وذلك بإذن الله ومشيئته.

стр. 318

الفوائد: ١ - أن الله سخر الشياطين لسليمان، وامتحن الناس بهم، لقوله تعالى: (وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُوا الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ). ٢ - أن سليمان ﵇ لم يكفر بكفر هؤلاء الشياطين الذين تعلموا السحر وصاروا يتلونه ويلقونه على الناس، وذلك لأن الأنبياء معصومون من الكفر والشرك. ٣ - أن اليهود أخذوا السحر عن الشياطين. ٤ - أن العمل بالسحر كفر، لقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا … ). ٥ - أن تعليم الناس السحر من الكفر، لقوله تعالى: (وَلَكِنَّ الشَّيَاطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ). ٦ - أن الحق ما أذن الله فيه وأمر به ولو كان في نفسه باطلاً، فهذان الملكان نزلا إلى الأرض ليعلما الناس السحر، وتعليم السحر كما سبق كفر، لكن الله أباح لهذين الملكين أن يعلما الناس من أجل هذا الامتحان الذي حصل بتعليمهما. الشيء قد يكون كفراً، وقد يكون طاعة ولو كان واحداً من نوعه، وأضرب لهذا مثلين: أحدهما: السجود لغير الله، كفر وشرك، وإذا سجد الإنسان لغير الله بأمر الله كان عبادة، ألم تر قوله تعالى: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ) فهنا نجد أن السجود لغير الله كان طاعة وعبادة، لأن الله أمر به، ويكون شركاً في الحالة التي لم يأمر الله به فيها. الثاني: قتل النفس، فإنه من كبائر الذنوب، ولا سيما إذا كان المقتول من أقارب القاتل، ومع ذلك كان طاعة يمدح عليه، وذلك في قصة إبراهيم مع ابنه إسماعيل ﵉. فالملكان اللذان نزلا يعلمان الناس السحر نزلا بأمر الله وبإذن الله، فكان تعليمهما للسحر طاعة لله، لكنه باعتبار المعلَّم كفر، ولهذا قال: (وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ حَتَّى يَقُولا إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلا تَكْفُرْ). ٧ - أن الله تعالى قد ييسر للإنسان أسباب المعصية ليبلوه هل يعصي الله أم لا، فالله يسّر تعلم السحر بما أنزل على الملكين وبما بذلاه من أنفسهما لتعليم الناس، وكما في قصة أصحاب السبت حين حرّم عليهم صيد البحر يوم السبت، فلم يصبروا حتى تحيلوا على صيدها يوم السبت فقال الله تعالى (كونوا قردة خاسئين).

стр. 319

٨ - أنه يجب على الإنسان أن ينصح للناس. وإن أوجب ذلك إعراضهم عنه؛ لقوله تعالى (وما يعلمان من أحد حتى يقولا إنما فتنة فلا تكفر) فإذا كانت عندك سلعة رديئة، وأراد أحد شراءها يجب عليك أن تُحذِّره. ٩ - أن من أعظم أنواع السحر: التفريق بين الرجل وزوجته، لقوله: (فَيَتَعَلَّمُونَ مِنْهُمَا مَا يُفَرِّقُونَ بِهِ بَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ) وهذا يسمى بالعطف والصرف. ١٠ - أن ما يقع من تأثير السحر، إنما يقع بأمر الله وإرادته، لقوله تعالى: (وَمَا هُمْ بِضَارِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ). ١١ - أن الأسباب وإن عظمت لا تأثير لها إلا بإذن الله. ١٢ - الإشارة إلى أنه ينبغي للمسحور أن يلجأ إلى الله، وأن يسأله رفع ما نزل به بصدق وإخلاص وضرورة. ١٣ - أن السحر ضرر على الساحر كما هو ضرر على غيره، وإن ظن الساحر أنه ينتفع بذلك، وأنه يكسب من ورائه، فإن هذا الكسب خبيث، ولهذا قال: (وَيَتَعَلَّمُونَ مَا يَضُرُّهُمْ وَلا يَنْفَعُهُمْ). ١٤ - تقبيح ما حصل من هؤلاء من تعلم السحر، حيث قال: (وَلَبِئْسَ مَا شَرَوْا بِهِ أَنْفُسَهُمْ). ١٥ - أن هؤلاء الذين اختاروا تعلم السحر وأهلكوا أنفسهم به، كانوا من أجهل الناس. ١٦ - سعة فضل الله وإحسانه وكرمه، فهؤلاء الذين عتوا وبغوا على الخلق بما يتعلمونه من السحر، بعْرض الله عليهم أن يؤمنوا ويتقوا حتى يكون لهم المثوبة، وهذا أنموذج من نماذج سعة الله وفضله. ١٧ - أن ما عند الله من الثواب خير مما يحصل في الدنيا من المكاسب، وهذا ظاهر بالأثر والنظر، أما الأثر فقد بين الله في غير آية أن الآخرة خير من الدنيا، فقال تعالى: (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وقال النبي ﷺ : (وموضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري ١٨ - أن هؤلاء الذين تعلموا السحر - مع علمهم بأن من اشتراه لا خلاق له في الآخرة - من ذوي الجهالة وكأنهم لا يعلمون، لذا قال: (لو كانوا يعلمون). ١٩ - الحث على العلم والعمل به، وإن لم يعمل بعلمه فهو كالجاهل بل أشد قبحاً من الجاهل. قال ابن القيم: لو نفع العلم بلا عمل لما ذم اليهود.

стр. 320

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لَا تَقُولُواْ رَاعِنَا وَقُولُواْ انظُرْنَا وَاسْمَعُوا وَلِلكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٠٤)). [سورة البقرة: ١٠٤] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (لا تَقُولُوا رَاعِنَا) قال ابن كثير: يخاطب الله المؤمنين بصفة الإيمان لينهاهم أن يتشبهوا بالكافرين في مقالهم وفعالهم، وذلك أن اليهود كانوا يعانون من الكلام ما فيه تورية لما يقصدونه من التنقيص. قال ابن عباس: كان المسلمون يقولون للنبي ﷺ راعنا على جهة الطلب والرغبة - من المراعاة - أي التفت إلينا، وكان هذا بلسان اليهود سباً، أي: اسمعْ لا سمعتَ، فاغتنموها وقالوا: كنا نسبه سراً، فالآن نسبه جهراً، فكانوا يخاطبون بها النبي ﷺ ويضحكون فيما بينهم، فسمعها سعد بن معاذ وكان يعرف لغتهم، فقال لليهود: عليكم لعنة الله، لئن سمعتها من رجل منكم يقولها للنبي ﷺ لأضربن عنقه، فقالوا: أولستم تقولونها؟ فنزلت الآية، ونهوا عنها لئلا تقتدي بها اليهود في اللفظ وتقصد المعنى الفاسد فيه. والأصل أن (راعنا) في اللغة أي: أرعنا سمعك، أي فرغ سمعك لكلامنا. واليهود لا يقصدون هذا المعنى؛ وإنما يقصدون بها من الرعونة، فتكون (راعنا) أي: إنك ذليل. قال الشوكاني: وجه النهي عن ذلك أن هذا اللفظ كان بلسان اليهود سباً، قيل إنه في لغتهم بمعنى اسمع لا سمعت؛ وقيل غير ذلك، فلما سمعوا المسلمين يقولون للنبيّ ﷺ راعنا؛ طلباً منه أن يراعيهم من المراعاة، اغتنموا الفرصة، وكانوا يقولون للنبي ﷺ كذلك مظهرين أنهم يريدون المعنى العربي، مبطنين أنهم يقصدون السبّ الذي هو: معنى هذا اللفظ في لغتهم. وقيل: إنما نهى الله المسلمين عنها لما فيها من الجفاء وقلة التوقير. (لا تَقُولُوا رَاعِنَا) النهي للتحريم.

стр. 321

جمهور العلماء أن النهي كان بسبب أن اليهود كانت تستخدم تلك الكلمة للاستهزاء برسول ﷺ وسبه والسخرية والنيْل منه، وذهب ابن جرير إلى أنها كلمة كرهها الله أن تقال لنبيه ﷺ كما قال النبي ﷺ : لا تقولوا للعنب الكرم، وذكر ﵀ كلاماً طويلاً. [١، ٥٤٢]. هذه الآية أصل في قاعدة: سد الذرائع. قال القرطبي: والذريعة عبارة عن أمر غير ممنوع لنفسه يُخاف من ارتكابه الوقوع في ممنوع. قال ابن القيم: وإذا تأملت الشريعة وجدتها قد أتت بسد الذرائع إلى المحرمات. فنهى الله عن سب آلهة المشركين، لكونه ذريعة إلى أن يسبوا الله تعالى عدواً وكفراً على وجه المقابلة. وأمسك ﷺ عن قتل المنافقين مع ما فيه من المصلحة لكونه ذريعة إلى التنفير وقول الناس: إن محمداً يقتل أصحابه. ومنع النساء إذا خرجن إلى المسجد من الطيب والبخور، ومنعهن من التسبيح في الصلاة لنائبة تنوب بل جعل لهن التصفيق. ونهى المرأة أن تصف لزوجها امرأة غيرها، حتى كأنه ينظر إليها. ونهى عن بناء المساجد على القبور، ولعن فاعله. ونهى عن تعليه القبور وتشريفها وأمر بتسويتها. ونهى عن الصلاة عند طلوع الشمس وعند غروبها، لكون هاتين الوقتين وقت سجود الكفار للشمس، ففي الصلاة نوع تشبه بهم في الظاهر. ونهى عن التشبه بأهل الكتاب وغيرهم من الكفار في مواضع كثيرة، لأن المشابهة الظاهرة ذريعة إلى الموافقة الباطنة. وحرم الجمع بين المرأة وعمتها والمرأة وخالتها، لكونه ذريعة إلى قطيعة الرحم. وأمر بالتسوية بين الأولاد في العطية، وأخبر أن تخصيص بعضهم بها جور لا يصلح، لكون ذلك ذريعة ظاهرة إلى وقوع العداوة بين الأولاد وقطيعة الرحم بينهم. ومنع من تجاوز أربع زوجات، لكونه ذريعة ظاهرة إلى الجور، وعدم العدل بينهن. ومن ذلك: نهيه سبحانه رسوله ﷺ عن الجهر بالقرآن بحضرة العدو، لما في ذلك ذريعة إلى سبهم للقرآن ومن أنزله. ومن ذلك: أنه سبحانه نهى الصحابة أن يقولوا للنبي ﷺ (راعنا) مع قصدهم المعنى الصحيح، وهو المراعاة، لئلا يتخذ اليهود هذه اللفظة ذريعة إلى السب، ولئلا يتشبهوا بهم. ومن ذلك أن السنة مضت بكراهة إفراد رجب بالصوم، وإفراد يوم الجمعة، لئلا يتخذ ذريعة إلى الابتداع في الدين، وتخصيص زمان لم يخصه الشارع بالعبادة. ونهى ﷺ عن قتال الأمراء والخروج على الأئمة وإن ظلموا وجاروا، ما أقاموا الصلاة، سداً لذريعة الفساد العظيم والشر الكبير بقتالهم كما هو الواقع، فإنه حصل بسبب قتالهم والخروج عليهم من الشرور أضعاف أضعاف ما هم عليه، والأمة في بقايا تلك الشرور إلى الآن. (وَقُولُوا انْظُرْنَا) أي: إذا أردتم من الرسول ﷺ أن يراعيكم ويرفق بكم فلا تقولوا (راعنا) ولكن قولوا (انظرنا) أي: ارفق بنا، وارقبنا وانتظرنا.

стр. 322

(وَاسْمَعُوا) فعل أمر من السمع بمعنى الاستجابة، أي: اسمعوا سمع استجابة وقبول كما قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لا يَسْمَعُونَ). • (واسمعوا) لم يذكر المسموع، ليعم كل ما أمر الشرع باستماعه من سماع كلام الله وكلام رسوله ﷺ سماع تدبر، وطاعة وانقياد، واستجابة وانتفاع. • قال الطبري: أي: واسمعوا ما يقال لكم ويتلى عليكم من كتاب ربكم وعوه وافهموه. (وَلِلْكَافِرِينَ) عامة، وبخاصة اليهود. (عَذَابٌ) أي: عقاب. (أَلِيمٌ) أي مؤلم موجع حسياً للأبدان، ومؤلم معنوياً للقلوب. الفوائد: ١ - أنه إذا ذكر باب ممنوع مسدود أمام الناس، فإن الحكمة تقتضي أن يذكر لهم ما يستغنون به عنه من الأشياء المباحة، لهذا قال: (وَقُولُوا انْظُرْنَا) فهو لم ينههم ويجعلهم عائمين لا يدرون ما يقولون، بل أرشدهم إلى القولة المباحة النافعة، وهي: (انظرنا). ٢ - تصدير الخطاب بالنداء للتنبيه والعناية والاهتمام. ٣ - النهي عن مشابهة المشركين، عن عمر قال: قال رسول الله ﷺ : (بعثت بين يدي الساعة بالسيف حتى يعبد الله وحده لا شريك له، وجعل رزقي تحت ظل رمحي، وجعلت الذلة والصغار على من خالف أمري، ومن تشبه بقوم فهو منهم). رواه أبو داود قال ابن كثير: ففيه دلالة على النهي الشديد والتهديد والوعيد على التشبه بالكفار في أقوالهم وأفعالهم ولباسهم وأعيادهم وعباداتهم، وغير ذلك من أمورهم التي لم تشرع لنا ولا نقر عليها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في اقتضاء الصراط المستقيم عن حديث (ومن تشبه بقوم فهو منهم) قال: وهذا الحديث أقل أحواله أن يقتضي تحريم التشبه بهم، وإن كان ظاهره يقتضي كفر المتشبه بهم. ٤ - تحريم الخطاب بالكلمات المحتملة للحق والباطل بالنسبة للرسول ﷺ . ٥ - تجني اليهود في تحريف الكلم عن مواضعه، وجرأتهم على وصف الرسول ﷺ والمؤمنين بالمعاني السيئة القبيحة. ٦ - وجوب الاحتراز من التعابير التي قد توهم معاني سيئة، والحرص على الأدب في الألفاظ فذلك أسلم وأكمل. ٧ - سد الذرائع الموصلة إلى أمر محظور شرعاً. ٨ - وجوب السمع والطاعة لأوامر الله، لقوله تعالى: (واسمعوا). ٩ - ثبوت الجزاء على العمل لقوله (وَلِلْكَافِرِينَ عَذَابٌ أَلِيمٌ).

стр. 323

(مَّا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَا الْمُشْرِكِينَ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْكُم مِّنْ خَيْرٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَن يَشَاء وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (١٠٥)). [البقرة: ١٠٥] (مَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلا الْمُشْرِكِينَ أَنْ يُنَزَّلَ عَلَيْكُمْ مِنْ خَيْرٍ مِنْ رَبِّكُمْ) أي: ما يحب الكافرون من اليهود والنصارى ولا المشركون أن ينزّل عليكم شيئاً من الخير، بغضاً فيكم وحسداً، مهما قلّ، لا في الدين ولا في الدنيا ولا في الآخرة. قال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقّ). • قال ابن كثير: يبين الله بهذه الآية شدة عداوة الكافرين من أهل الكتاب والمشركين، والذين حذر الله من مشابهتهم للمؤمنين ليقطع المودة بينهم وبينه. • وقال الشيخ ابن عثيمين: والخير هنا يشمل خير الدنيا والآخر، والقليل والكثير، لو حصل للكافرين من أهل الكتاب من اليهود والنصارى ومن المشركين أن يمنعوا القطر عن المسلمين لفعلوا، وليس هذا خاصاً بأهل الكتاب والمشركين في زمان الرسول ﷺ ، بل هو عام. قال الشوكاني: فيه بيان شدة عداوة الكفار للمسلمين حيث لا يودّون إنزال الخير عليهم من الله سبحانه. وقال ﵀: والظاهر أنهم لا يودّون أن ينزل على المسلمين أيّ خير كان. (مَا يَوَدُّ) قال القرطبي: ما يتمنى. (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: والله يخص برحمته من يشاء من عباده، كما قال تعالى (نُصِيبُ بِرَحْمَتِنَا مَنْ نَشَاءُ). واختلف في المراد بالرحمة هنا: فقيل: بالنبوة، خص بها محمداً ﷺ . وقيل: القرآن. وقيل: الرحمة في هذه الآية عامة لجميع أنواعها التي قد منحها الله عباده قديماً وحديثاً. [تفسير القرطبي]. وهذا القول هو الصحيح: أن الرحمة عامة وما ذكر من الأقوال السابقة هو تفسير بالمثال فليس بينها تضاد. وأعظم هذه الرحمة ما خص به نبينا ﷺ وأمته من بعثته فيهم، وإنزال القرآن عليه. كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). وقال تعالى (وَمَا كُنْتَ تَرْجُو أَنْ يُلْقَى إِلَيْكَ الْكِتَابُ إِلَّا رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ). وقال تعالى (وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدىً وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ).

стр. 324

قال الطبري: قوله تعالى (وَاللَّهُ يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ .. ) تعريض من الله تعالى بأهل الكتاب، أن الذي آتى نبيه محمد ﷺ والمؤمنين به من الهداية تفضلاً منه، وأن نعمه لا تدرك بالأماني، ولكنها مواهب منه يختص بها من يشاء من خلقه. قوله تعالى (من يشاء) قال الشيخ ابن عثيمين: وليُعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مشيئة مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، بل هي مشيئة مقرونة بالحكمة، والدليل على ذلك قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله بيّن أن ذلك مبني على علم وحكمة. (وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ) أي: ذو العطاء الزائد عما تتعلق به الضرورة، ومعنى (ذو) صاحب. (الْعَظِيمِ) أي: الواسع الكثير، فالعِظم هنا يعود إلى الكمية وإلى الكيفية. • فالله هو صاحب الإحسان والفضل على عباده كما قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ). • قال الطبري: وأما قوله (والله ذو الفضل العظيم) فإنه خبر من الله جل ثناؤه عن أن كل خير ناله عباده في دينهم ودنياهم، فإنه من عنده ابتداء وتفضلاً منه عليهم من غير استحقاق منهم ذلك عليه. • قال السعدي: ومن فضله عليكم إنزال الكتاب على رسولكم، ليزكيكم ويعلمكم الكتاب والحكمة، ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون، فلله الحمد والمنة.

стр. 325

كما قال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ. وَآخَرِينَ مِنْهُمْ لَمَّا يَلْحَقُوا بِهِمْ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ. ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ). الفوائد: ١ - أن اليهود والنصارى والمشركين لا يودون الخير للمسلمين، وهذا ليس خاص بزمن الرسول ﷺ ، بل هو عام إلى يوم القيامة. ٢ - أن من كره الخير للمؤمنين عموماً أو البعض منهم على سبيل الخصوص، فإن فيه شبهاً من اليهود والنصارى والمشركين. ٣ - تحريم كراهة نزول الخير للمؤمنين، وكراهة نزول الخير هو الحسد، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: إن التفسير الصحيح للحسد: هو أن يكره الإنسان ما أنزل الله على غيره من الخير، سواء تمنى زواله أو لم يتمنّ. ٤ - بيان ما منح الله هذه الأمة من الربوبية الخاصة، ولهذا قال (من خير من ربكم). ٥ - وجوب الحذر من الكفار. ٦ - أن القرآن منزل من عند الله. ٧ - إثبات صفة العلو لله تعالى. ٨ - أن الخلق والملك والتدبير كله بيد الله. ٩ - أن فضل الله قد يختص لأناس دون آخرين (والله يختص برحمته من يشاء). ١٠ - إثبات أن الله موصوف بالفضل العظيم، حيث قال تعالى (والله ذو الفضل العظيم). ١١ - أنه لا يليق بالإنسان أن يطلب الفضل من غير الله، بل يطلب الفضل من الله وحده.

стр. 326

(مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)) [البقرة: ١٠٦ - ١٠٧] (مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي: ما نرفع حكم آية - سواء مع بقاء تلاوتها أو نسخ تلاوتها - لأن النسخ يكون على أنواع كما سيأتي إن شاء الله. • النسخ يأتي في لغة العرب بمعنيين: الأول: بمعنى: النقل، وذلك إما ببقاء الأصل المنقول كما تقول: نسخت الكتاب، وإما أن يكون مع انتقال أصله، كما لو أنقل الشيء من مكانه إلى مكان آخر. الثاني: ويكون بمعنى الإزالة والرفع، ويكون بإزالة المنسوخ وإحلال مكانه شيء آخر كما تقول: نسخت الشمس الظل - فحل محل الظل الشمس -، ونسْخ بإذهاب المنسوخ من غير أن يحل مكانه غيره، كما لو تقول: نسخت الريح الأثر، أي: أذهبته ومحته. (وهذا المشهور عند العلماء بتفسير النسخ). • فالنسخ رفع حكم شرعي بخطاب شرعي بحكم آخر متراخٍ عنه. قال الطبري: يعني جل ثناؤه: ما ننقل من حكم آية إلى غيرها فنبدِّله ونغيره، وذلك أن يُحول الحلال حراماً والحرام حلالاً والمباح محظوراً والمحظور مباحاً، ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة، فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ومنسوخ. (أَوْ نُنسِهَا) قيل: من النسيان الذي هو بمعنى الترك، فيكون المعنى: ما ننسخ من آية أو نتركها بلا نسخ نأت بخير منها أو مثلها [أي: يثبت لفظها ونترك حكمها] وقد جاءت قراءة أخرى تؤيد ذلك وهي بفتح النون والهمزة بعد السين (نَنْسَأها) أي: نؤخرها فلا ننسخها، ورجحه الطبري وقال: ومعنى ذلك: ما نبدل من حكم آية فتغيره أو نترك تبديله فنقرّه بحاله. وقيل: أن المراد النسيان المعروف والمعنى: نرفع لفظها فلا يستقر منها في القلوب والأذهان شيء نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا) مطلقاً في الدين والدنيا والآخرة، ومن حيث العمل ومن حيث الثواب والأجر وغير ذلك. قال الطبري: نأت بخير منها لكم من حكم الآية التي نسخناها فغيرنا حكمها، إما في العاجل لخفته عليكم، من أجل أنه وضع فرض كان عليكم فأسقط ثقله عنكم، وإما في الآجل لعظم ثوابه من أجل مشقة حمله وثقل عبئه على الأبدان. [وسيأتي أمثلة للنسخ إن شاء الله].

стр. 327

• فإن كان النسخ إلى أثقل، كما في نسخ التخيير بين الصيام والإطعام بإيجاب الصيام، فالخيرية فيه بمضاعفة الأجر والثواب، لأن الأجر على قدر المشقة. وإن كان النسخ إلى أخف، كما في نسخ مصابرة الواحد للعشرة في القتال، بمصابرته الاثنين فقط، وكما في نسخ وجوب قيام الليل إلى الندب، فالخيرية في هذا بالتخفيف على الأمة مع تمام الأجر. وإن كان النسخ إلى مساوٍ ومماثل، كما نسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة، فالخيرية في هذا الاستسلام لأمر الله وتمام الانقياد له. (أَوْ مِثْلِهَا) في الخيرية، من حيث العمل والأجر وغير ذلك، أو مثلها في العمل، وإن كان خير منها في العاقبة والأجر. • اختلف العلماء هل يكون النسخ إلى غير بدل أم لابد من بدل؟ ذهب جمهور العلماء إلى أن النسخ يكون إلى غير بدل، ومثلوه بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ … ). وقد رد هذا القول الشنقيطي ﵀ في أضواء البيان ٣/ ٣٦٢، وفي مذكرته على الروضة ص ٧٩ وبين أن القول بالنسخ إلى غير بدل غير صحيح وإن قال به جمهور العلماء، لأنه مخالف لقوله تعالى (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) ثم أورد أمثلة الجمهور وأجاب عنها: وأجاب الجمهور عن هذه الآية: أن النسخ إلى غير بدل لا يعارض الآية، لأن الله تعالى عليم حكيم، فقد يكون عدم الحكم خيراً من ذلك الحكم المنسوخ في نفعه للناس. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: ألم تعلم أيها المخاطب، أن الله عليم حكيم قدير، لا يصدر منه إلا كل خير وإحسان للعباد.

стр. 328

• ومن قدرته أنه سبحانه: يعز من يشاء ويذل من يشاء ويؤتي الملك من يشاء وينزعه ممن يشاء، وينسخ من الأحكام ما يشاء ويبقي ما يشاء، كما قال تعالى (قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). • ووجه ختم قوله تعالى (ما ننسخ … ) بقوله تعالى (ألم تعلم أن الله على … )؟ بيان قدرة الله ونفي العجز عنه، فالله قادر على أن يأتي بالآية المحكمة قبل الآية المنسوخة، ولكن يؤخر هذه ويُبدل هذه بتلك، وهو عالم بالأول والآخر، ويعلم ما يصلح الناس في وقت وما يصلحهم في الوقت الآخر. (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي: خلقاً وملكاً وتدبيراً، فهو سبحانه مالك الأعيان، ومالك التصرف فيها. • قال الشوكاني: أي له التصرف في السموات والأرض بالإيجاد، والاختراع، ونفوذ الأمر في جميع مخلوقاته، فهو أعلم بمصالح عباده، وما فيه النفع لهم من أحكامه التي تعبدهم بها، وشرعها لهم. وقد يختلف ذلك باختلاف الأحوال، والأزمنة، والأشخاص، وهذا صنع من لا وليّ لهم غيره، ولا نصير سواه، فعليهم أن يتلقوه بالقبول، والامتثال، والتعظيم، والإجلال. • والفائدة من إيماننا بأن لله ملك السموات والأرض يفيد فائدتين عظيمتين: الفائدة الأولى: الرضا بقضاء الله، وأن الله لو قضى عليك مرضاً فلا تعترض، ولو قضى عليك فقراً فلا تعترض، لأنك ملكه يتصرف فيك كما يشاء .. الفائدة الثانية: الرضا بشرعه وقبوله والقيام به، لأنك ملكه. قال ابن كثير: يرشد عباده تعالى بهذه الآية إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء ويسعد من يشاء، ويخذل من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء ويحرم ما يشاء ويبيح ما يشاء ويحظر ما يشاء وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه، ولا يُسأل عما يفعل وهم يُسألون، ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى، فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا، وامتثال ما أمروا، وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم لعنهم الله في دعوى استحالة النسخ إما عقلاً كما زعمه بعضهم جهلاً وكفراً، وإما نقلاً كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكاً.

стр. 329

(وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ) أي: وما لكم من غير الله من ولي: يرعى شؤونكم، أو ناصر ينصركم، فالله نعم الولي ونعم النصير. • قال الشيخ ابن عثيمين: اعلم أن الولي والنصير إذا اجتمعا صار الولي فيما ينفع، والنصير من يدافع عنك ممن يعتدي عليك، وأما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، فإذا قيل: ولي بدون نصير، فالمراد به من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر. الفوائد: ١ - أن الله قد يُنسي الرسول ﷺ الآية من كتاب الله. ٢ - إثبات القدرة لله في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) وأن القدرة متقررة عند الإنسان بفطرته. ٣ - عموم قدرة الله في كل شيء في قوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) فهو قادر على الموجود أن يعدمه، وعلى المعدوم أن يوجده. ٤ - قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: الآية عامة، فهو قدير على كل شيء، على ما شاءه وما لم يشأه، وبهذا نعرف أن تقييد بعض الناس القدرة بالمشيئة خطأ، لأن الله قادر على ما يشاء وعلى ما لا يشاء، وأما قوله تعالى (وَهُوَ عَلَى جَمْعِهِمْ إِذَا يَشَاءُ قَدِيرٌ) فالمشيئة هنا ليست عائدة على القدرة، ولكنها عائدة على الجمع، يعني: إذا أراد جمعهم وشاء جمعهم فهو قدير عليه لا يعجزه شيء. ٥ - تقرير ملك الله للسماوات والأرض، لقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). ٦ - اختصاص ملك السماوات والأرض لله لا يملكهما أحد سواه، قال تعالى: (وَالَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ مَا يَمْلِكُونَ مِنْ قِطْمِيرٍ. إِنْ تَدْعُوهُمْ لا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُونَ بِشِرْكِكُمْ وَلا يُنَبِّئُكَ مِثْلُ خَبِيرٍ). ٧ - أن ولاية الله عامة وخاصة، فالعامة هي تولي أمور الخلق، وهذه عامة لكل أحد حتى الكفار. وخاصة وهي الولاية التي تتضمن العناية والتوفيق والسداد، وهذه خاصة بالمؤمنين.

стр. 330

فائدة: النسخ: • تعريفه: لغة الإزالة والنقل. مثال الإزالة تقول: نسخت الشمس الظل، أي أزالته. وأما النقل فتقول: نسخت الكتاب أي نقلته. وشرعاً: هو رفع حكم دليل شرعي أو لفظه بدليل شرعي. قولنا (رفع حكم) أي تغييره من إيجاب إلى إباحة، مثل: صيام عاشوراء، أو من إباحة إلى تحريم، مثل: شرب الخمر. وقولنا (أو لفظه) لفظ الدليل الشرعي، لأن النسخ: إما أن يكون للحكم دون الفظ، أو بالعكس، أو لهما جميعاً كما سيأتي. وخرج بقولنا (بدليل من الكتاب والسنة) ما عداهما من الأدلة، كالإجماع والقياس، فلا ينسخ بهما. فالقياس لا ينسخ لأننا لو نسخنا بالقياس، لصادمنا النصوص بالقياس، ولأنه أصلاً لا يوجد قياس صحيح مخالف للنص أبداً. وأما الإجماع فلا ينسخ لأنه لا يمكن أن يوجد إجماع من الأمة على خلاف النص. • النسخ جائز عقلاً وواقع شرعاً. أما جوازه عقلاً، فلأن الله بيده الأمر وله الحكم، لأنه الرب المالك، فله أن يشرع لعباده ما تقتضيه حكمته ورحمته، وهل يمنع العقل أن يأمر المالك مملوكه بما أراد؟ ثم إن مقتضى حكمة الله ورحمته بعباده أن يشرع لهم ما يعلم تعالى أن فيه قيام مصالح دينهم ودنياهم، والمصالح تختلف بحسب الأحوال والأزمان، فقد يكون الحكم في وقت أو حال، أصلح للعباد، ويكون غيره في وقت أو حال أخرى أصلح، والله عليم حكيم. وأما وقوعه شرعاً فلأدلة منها: قوله تعالى: (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ثم قال سبحانه: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) وهذا نص صريح في النسخ. قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عز زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم فهذا نص صريح في نسخ النهي عن زيارة القبور.

стр. 331

الآراء في النسخ: ١ - اليهود: وهؤلاء ينكرونه لأنه يستلزم في زعمهم البداء وهو الظهور بعد الخفاء، وهم يعنون بذلك أن النسخ: إما أن يكون لغير حكمة، وهذا أعبث محال على الله، وإما أن يكون لحكمة ظهرت، ولم تكن ظاهرة من قبل، وهذا يستلزم البداء وسبق الجهل، وهو محال على الله. واليهود أنفسهم يعترفون بأن شريعة موسى ناسخة لما قبلها، وجاء في نصوص التوراة النسخ، كتحريم كثير من الحيوان على بني إسرائيل بعد حله، قال تعالى في إخباره عنهم: (كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلاًّ لِبَنِي إِسْرائيلَ إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائيلُ عَلَى نَفْسِهِ). ٢ - الروافض: وهؤلاء غالوا في إثبات النسخ وتوسعوا فيه وأجازوا البداء على الله، واستدلوا على ذلك بأقوال نسبوها إلى علي ﵁ زوراً وبهتاناً، وبقوله تعالى: (يَمْحُوا اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ). ٣ - أبو مسلم الأصفهاني: قال: يجوز النسخ عقلاً ويمنع وقوعه شرعاً، وقيل: يمنعه في القرآن خاصة محتجاً بقوله تعالى: (لا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ) ويحمل آيات النسخ على التخصيص. ٤ - جمهور العلماء على جواز النسخ عقلاً ووقوعه شرعاً، وسبقت أدلتهم. • النسخ باعتبار المنسوخ: فهو قسمان: أ- إلى بدل. ب- وإلى غير بدل. أما النسخ إلى غير بدل، فهو مذهب جمهور العلماء، ومثلوه بنسخ وجوب تقديم الصدقة بين يدي نجوى رسول الله ﷺ في قوله تعالى: (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ … ). وقد رد هذا القول الشنقيطي ﵀ كما تقدم.

стр. 332

وأما النسخ إلى بدل، فهو ثلاثة أقسام: إلى بدل أخف. مثاله: قوله تعالى (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفاً مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لا يَفْقَهُونَ) فقد دلت الآية على وجوب مصابرة العشرين من المسلمين المائتين من الكفار، ومصابرة المائة الألف، فنسخ هذا الحكم بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ). إلى بدل أثقل. وهذا محل خلاف، والصحيح الجواز لوقوعه، ومثاله: نسخ التخيير بين صيام رمضان والإطعام، في قوله تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) نسخ بقوله تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ) الدالة على وجوب الصيام في حق المقيم الصحيح، وإيجاب الصيام أثقل من التخيير بينه وبين الإطعام. ولا دليل لمن منع هذا القسم محتجاً بآيات التيسير والتخفيف ورفع الحرج عن هذه الأمة، كقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وقوله تعالى: (يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ) وذلك أن الحكم الجديد يكون ميسراً على المكلفين لا مشقة فيه، مع ما فيه من زيادة النفع وعظم الثواب، وثقله وصف له بالنسبة إلى ما قبله. إلى بدل مساوٍ. ومثاله: نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة كما في الحديث الصحيح (أنه ﷺ صلى إلى بيت المقدس بعد الهجرة بضعة عشر شهراً). متفق عليه نسخ هذا باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فاستقبال الكعبة مساوٍ لاستقبال بيت المقدس بالنسبة لفعل المكلف. • فإن قيل: ما الحكمة في نقل الحكم من الأخف إلى الأثقل؟ ابتلاء الناس بالامتثال وعدمه. بيان حكمة الله تعالى في التدرج في التشريع، حيث أنه يقابل الناس بالأهون حتى تستقبل نفوسهم الحكم الثاني بسهولة.

стр. 333

النسخ في القرآن: ينقسم النسخ في القرآن إلى ثلاثة أقسام: نسخ التلاوة والحكم معاً. مثاله: ما رواه مسلم وغيره عن عائشة قالت: (كان فيما أنزل عشر رضعات يحرمن، فنسخن بخمس معلومات، فتوفي رسول الله ﷺ وهن مما يقرأ من القرآن). فآية التحريم بعشر رضعات منسوخ لفظها وحكمها. وقولها (وهن مما يقرأ من القرآن) ظاهره بقاء التلاوة وليس كذلك، فإنه غير موجود في المصحف العثماني. والجواب: قيل أن المراد: قارب الوفاة، والأظهر أن التلاوة نسخت ولم يبلغ ذلك كل الناس إلا بعد وفاة رسول الله ﷺ ، فتوفي وبعض الناس يقرؤها. نسخ الحكم وبقاء التلاوة. وهذا أكثر أنواع النسخ في القرآن، وتقدم له أمثلة. مثال: آية المصابرة، ومثاله أيضاً قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ) نسخت بقوله تعالى: (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً). فإن قيل: ما الحكمة من رفع الحكم وبقاء التلاوة؟ أ- أن القرآن كما يتلى ليعرف الحكم منه والعمل به، فيتلى لكونه كلام الله تعالى، فيثاب عليه القارئ فتركت التلاوة لهذه الحكمة. ب- أن النسخ غالباً يكون للتخفيف، فأبقيت التلاوة تذكيراً بالنعمة ورفع المشقة. • نسخ التلاوة وبقاء الحكم. ومثاله آية الرجم، ففي الصحيحين عن عمر أنه قال (كان فيما أنزل فيما أنزل آية الرجم، فقرأناها ووعيناها وعقلناها، ورجم رسول الله ﷺ ورجمنا بعده، فأخشى إن طال بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد الرجم في كتاب الله فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله … ).

стр. 334

فإن قيل: ما الحكمة من رفع التلاوة وبقاء الحكم؟ فالجواب ما نقله الزركشي في البرهان ٢/ ٣٧ عن ابن الجوزي أنه قال: إنما كان كذلك ليظهر به مقدار طاعة هذه الأمة في المسارعة إلى بذل النفوس بطريق الظن من غير استفصال لطلب طريق مقطوع به، فيسرعون بأيسر شيء كما سارع الخليل إلى ذبح ولده بمنام، والمنام أدنى طرق الوحي. • أقسام النسخ باعتبار الناسخ: هي أربعة أقسام: نسخ القرآن بالقرآن. أمثلة: o آية المصابرة (إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ) ثم نسخت بقوله: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ). o آية الاعتداد بالحول، نسخت بآية الاعتداد بأربعة أشهر وعشراً. نسخ السنة بالقرآن. مثال: o نسخ استقبال بيت المقدس الثابت بالسنة باستقبال الكعبة الثابت بقوله تعالى: (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ … ). نسخ القرآن بالسنة. وهذا فيه خلاف، والصحيح الجواز سواء الحديث متواتراً أو أحاداً، لأن محل النسخ هو الحكم، وليس اللفظ، والحكم لا يشترط في ثبوته التواتر. وقد رجح جماعة من أهل العلم أن الحديث ولو كان آحاداً ينسخ القرآن، منهم: المحلى في شرحه على جمع الجوامع ٢/ ٧٨، وابن حزم في الأحكام ١/ ٤٧٧، ورجحه الشنقيطي في أضواء البيان ٣/ ٣٦٧، وفي مذكرته على الروضة/ ٨٦. مثال: قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: ولم أجد له مثالاً سليماً، ومثل بعضهم بقوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِنْ تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ) مع حديث: (لا وصية لوارث) رواه الترمذي والنسائي. فقالوا: إن الحديث ناسخ للوصية للوالدين والأقربين، ولكن هذا فيه نظر، فإن من شروط النسخ تعذر الجمع بين الدليلين، وهنا يمكن الجمع عن طريق التخصص، بأن يخرج من الآية الوارث منهما فلا وصية له بمقتضى الحديث، فتكون الآية في حق غير الوارث، ويكون الحديث في حق الوارث.

стр. 335

نسخ السنة بالسنة. مثاله: قوله ﷺ : (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها) رواه مسلم. فلما قال (كنت نهيتكم) علم أن النهي من السنة. • ما يمتنع نسخه: أولاً: الأخبار، لأن النسخ محله الحكم، ولأن نسخ أحد الخبرين يستلزم أن يكون أحدهما كذباً، والكذب مستحيل في إخبار الله ورسوله. ثانياً: الأحكام التي فيها مصلحة في كل زمان ومكان، كالتوحيد وأصول الإيمان، وأصول العبادات، ومكارم الأخلاق من الصدق والعفاف والكرم والشجاعة ونحو ذلك، فلا يمكن نسخ الأمر بها، وكذلك لا يمكن نسخ النهي عما هو قبيح في كل زمان ومكان، كالشرك والكفر ومساوئ الأخلاق من الكذب والفجور والبخل والجبن. • كيفية معرفة الناسخ والمنسوخ: النقل الصريح عن النبي ﷺ أو عن صحابي، كحديث: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها). رواه مسلم ومثال: ما علم بخبر صحابي، كقول عائشة: (كان فيما أنزل من القرآن عشر رضعات معلومات يحرمن، ثم نسخن بخمس معلومات). رواه مسلم معرفة المتقدم من المتأخر في التاريخ. مثاله: قوله تعالى: (الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ) فقوله (الآن) يدل على تأخر هذا الحكم. • شروط النسخ: ١ - تعذر الجمع بين الدليلين، فإن أمكن الجمع فلا نسخ، لإمكان العمل بكل منهما. ٢ - العلم بتأخر الناسخ، وَيُعْلَمُ ذلك: إما بالنص أو بخبر صحابي أو بالتاريخ، وقد سبق ذلك قبل قليل. مثال الجمع بين الدليلين إن أمكن: ذهب كثير من أهل العلم أن الإمام إذا صلى قاعداً وجب على المأمومين القادرين على القيام أن يصلوا قياماً، واستدلوا: (أن النبي ﷺ خرج ذات يوم في مرض موته والناس يصلون خلف أبي بكر، فتقدم حتى جلس عن يسار أبي بكر فجعل يصلي بهم ﷺ قاعداً وهم قيام هم يقتدون بأبي بكر وأبو بكر يقتدي بصلاة رسول الله ﷺ . رواه مسلم قالوا: وهذا في آخر حياة النبي ﷺ ناسخاً لحديث: (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً). رواه مسلم وذهب بعض العلماء إلى الجمع بين الدليلين، فقالوا: إذا صلى الإمام بالمأمومين قاعداً من أول الصلاة، فليصلوا قعوداً، لحديث (وإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً) وإن صلى بهم قائماً، ثم أصابته علة فجلس، فإنهم يصلون قياماً. قال الشيخ محمد حفظه الله: وبهذا يحصل الجمع بين الدليلين، والجمع بين الدليلين إعمال لهما جميعاً.

стр. 336

(أَمْ تُرِيدُونَ أَن تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِن قَبْلُ وَمَن يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)). [سورة البقرة: ١٠٨]. (أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ) نهى الله تعالى المؤمنين في هذه الآية عن كثرة سؤال النبي ﷺ عن الأشياء قبل كونها، كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْأَلوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ) أي: وإن تسألوا عن تفصيلها بعد نزولها تبيّن لكم، ولا تسألوا عن الشيء قبل كونه، فلعله أن يحرم من أجل المسألة. • قال في التسهيل: (تَسْأَلُواْ رَسُولَكُمْ) أي: تطلبوا الآيات، ويحتمل السؤال عن العلم، والأوّل أرجح لما بعده، فإنه شبهه بسؤالهم لموسى، وهو قولهم لهم (أَرِنَا الله جَهْرَةً). ولهذا جاء في الصحيح (إن أعظم المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته). وعن المغيرة بن شعبة (أن رسول الله ﷺ كان ينهى عن قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال). وفي صحيح مسلم قال ﷺ (ذروني ما تركتكم فإنما أهلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم، فإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم). • قوله تعالى (أَمْ تُرِيدُونَ) وهذا استفهام إنكاري عليهم، وقيل: إنها بمعنى (بل) أي: بل تريدون. • ويدخل في الآية صوراً كثيرة: أ-كالسؤال عن الأشياء النادرة. ب- وكالسؤال عن الأمور التي لا يترب عليها عمل وإنما تثير الشبه والنزاعات. ج-وكالسؤال عن أمور سكت عنها الشارع، كما سأل بنو إسرائيل عن صفات البقرة حينما طلب منهم موسى أن يذبحوا بقرة، فتشددوا بالسؤال عنها وعن لونها فشُدد عليهم. د-ويدخل في الآية: النهي عن اقتراح الآيات كقولهم (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) وطلبهم نزول الملائكة، أو يكون له بيت من زخرف وغيرها. واختلف العلماء لمن الخطاب هنا.

стр. 337

فقيل: للمؤمنين. لأنه قال في آخر الآية (ومن يتبدل الكفر بالإيمان … ) وهذا الكلام لا يصح إلا في حق المؤمنين. وقيل: لكفار مكة. كم قال تعالى عنهم (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً. أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلالَهَا تَفْجِيراً. أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفاً أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ قَبِيلاً. أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَاباً نَقْرَأُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً). وقد سأل المشركون رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهباً. وقيل: المراد اليهود. لأن هذه السورة من أول قوله (يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي .. ) حكاية عنهم ومحاجة معهم. وقيل: يعم المؤمنين والكفار. • قال ابن كثير: وهو يعم المؤمنين والكافرين، فإنه ﷺ رسول الله إلى جميع الخلق. • قال الشنقيطي في قوله (أم تريدون أن تسألوا رسولكم كما سئل موسى من قبل … ) لم يبين هنا هذا الذي سأل موسى من قبل من هو؟ ولكنه بينه في مواضع أخرى، وذلك في قوله تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً).

стр. 338

قال ابن كثير: والمراد أن الله ذم من سأل رسول الله ﷺ تعنتاً وتكذيباً وعناداً. (وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ) أي: ومن يشتر الكفر بالإيمان. (فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ) أي فقد خرج عن الطريق المستقيم إلى الجهل والضلال، وهكذا حال الذين عدلوا عن تصديق الأنبياء وأتباعهم، والانقياد لهم إلى مخالفتهم وتكذيبهم، والاقتراح عليهم بالأسئلة التي لا يحتاجون إليها على وجه التعنت والكفر، كما قال تعالى (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَار). الفوائد: ١ - توبيخ الأمة لو سألت كما سئل موسى. ٢ - بيان حال قوم موسى من التعنت والتشدد. ٣ - إثبات أن موسى ﵇ رسول. ٤ - بيان أن موسى قد أوذي من قبل. ٥ - أن من أخذ الكفر بديلاً عن الإيمان فإنه ضال مخطئ مهما ازدهرت له الدنيا.

стр. 339

(وَدَّ كَثِيرٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُم مِّن بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَدًا مِّنْ عِندِ أَنفُسِهِم مِّن بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَاصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٩) وَأَقِيمُواْ الصَّلَاةَ وَآتُواْ الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُم مِّنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِندَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (١١٠)) [البقرة: ١٠٩ - ١١٠] (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ) أي: تمنى وحب كثير من اليهود والنصارى. وسموا أهل الكتاب، لأن الله أنزل عليهم الكتاب، فأنزل على اليهود التوراة، وعلى النصارى الإنجيل. (لَوْ يَرُدُّونَكُمْ) أي: لو يصيرونكم كفاراً بعد أن آمنتم. (مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً) الخطاب للمؤمنين من هذه الأمة، أي: ودوا وتمنوا وأحبوا لو يرجعونكم من بعد إيمانكم بالله ورسوله وبما أنزل على رسوله ﷺ من الوحي والشرع المطهر. (كُفَّاراً) مرتدين عن دينكم، متبعين لهم في دينهم، كما قال تعالى (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ). (حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) أي: حسداً منهم لكم حملتهم عليه أنفسهم الخبيثة، فقوله (من عند أنفسهم) أي: هذا الحسد ناشئ من نفوسهم. قال الضحاك عن ابن عباس: إن رسولاً أمياً يخبرهم بما في أيديهم في الكتاب والرسل والآيات، ثم يصدق بذلك كله مثل تصديقهم، ولكنهم جحدوا ذلك كفراً وحسداً وبغياً. قوله تعالى (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) أي من تلقائهم من غير أن يجدوه في الكتاب ولا أمروا به، ولفظة الحسد تعطي هذا، فجاء (مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ) تأكيداً وإلزاماً، كما قال تعالى (يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ) وقوله (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ). والحسد: تمني زوال نعمة الله عن الغير، سواء تمنى كونها له أو لغيره، أو مجرد زوالها. وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: الحسد كراهة نعمة الله على الغير.

стр. 340

قال ابن القيم: الحسد ثلاث مراتب: أحدها: أن يحسد ويقوم بمقتضاه من الأذى بالقلب واللسان والجوارح، فهذا الحسد المذموم. والثاني: تمني استصحاب عدم النعمة، فهو يكره أن يحدث الله لعبده نعمة، بل يحب أن يبقى على حاله من جهله أو فقره أو ضعفه أو شتات قلبه عن الله أو قلة دينه، فهو يتمنى دوام ما هو فيه من نقص وعيب، فهذا حسد على شيء مقدر، والأول حسد على شيء محقق، وكلاهما حاسد عدو نعمة الله، وعدو عباده، وممقوت عند الله وعند الناس، ولا يسود أبداً، فإن الناس لا يسودون عليهم إلا من يريد الإحسان إليهم، فأما عدو نعمة الله عليهم فلا يسودونه باختيارهم أبداً إلا قهراً. والثالث: حسد الغبطة، وهو تمني أن يكون له مثل حال المحسود من غير أن تزول النعمة عنه، فهذا لا بأس به ولا يعاب صاحبه، بل هذا قريب من المنافسة (وفي ذلك فليتنافس المتنافسون). وفي الصحيح قال ﷺ (لا حسد إلا في اثنتين: رجل آتاه الله مالاً وسلطه على هلكته في الحق، ورجل آتاه الله الحكمة، فهو يقضي بها، ويعلمها الناس) فهذا حسد غبطة، الحامل لصاحبه عليه كبر نفسه، وحب خصال الخير، والتشبه بأهلها، والدخول في جملتهم، فهذا لا يدخل في الآية بوجه ما. (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) قال أبو العالية: من بعد ما تبين أن محمداً رسول الله يجدونه مكتوباً عندهم في التوراة والإنجيل، فكفروا به حسداً وبغياً إذ كان من غيرهم. في هذه الآية أن الكفار يتمنون أن يردوا أهل الإيمان إلى كفر، وهذا جاء ذلك في آيات أخرى: قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً). وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا تُخْفِي صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ). وقال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا فَرِيقاً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ يَرُدُّوكُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ كَافِرِينَ).

стр. 341

مباحث الحسد: أولاً: تعريف الحسد: هو تمني زوال نعمة المحسود وإن لم يحصل للحاسد مثلها، واختار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ أن الحسد هو البغض والكراهة لما يراه من حسن حال المحسود. ثانياً: خطر الحسد: أولاً: أنه من صفات اليهود. كما في هذا الآية ( … حسداً من عند أنفسهم). وكما في قوله تعالى (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ). ثانياً: أنه من الإيذاء وتعد على المسلم. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَاناً وَإِثْماً مُبِيناً). ثالثاً: أن النبي ﷺ نهى عنه. قال ﷺ (لا تباغضوا، ولا تحاسدوا، ولا تدابروا) متفق عليه. رابعاً: أنه اعتراض على قضاء الله وقدره.

стр. 342

فضل السلامة من الحسد: أولاً: أن تركه من علامة كمال الإيمان. فقد سئل رسول الله ﷺ : أي المؤمنين أفضل؟ قال (المؤمن النقي القلب، ليس فيه غل ولا حسد) رواه ابن ماجه. ثانياً: أن الله أثنى على الأنصار بذلك. قال تعالى (وَالَّذِينَ تَبَوَّأُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أوتوا). من أقوال السلف في الحسد: قال الأصمعي: رأيت أعرابياً أتى عليه مائة وعشرين سنة، فقلت له: ما أطول عمرك. فقال: تركتُ الحسد فبقيت. وقال معاوية: كل إنسان أقدر على أن أرضيه، إلا الحاسد، فإنه لا يرضيه إلا زوال النعمة. وقال عمر بن عبد العزيز: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد: غم دائم ونفس متتابع. وقيل رأى موسى ﵇، رجلاً عند العرش فغبطه، فقال: ما صفته؟ فقيل: كان لا يحسد الناس على ما آتاهم الله من فضله. وَقَالَ بَعْضُ السَّلَفِ: الْحَسَدُ أَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي السَّمَاءِ، يَعْنِي حَسَدَ إبْلِيسَ لِآدَمَ ﵇ وَأَوَّلُ ذَنْبٍ عُصِيَ اللَّهُ بِهِ فِي الْأَرْضِ، يَعْنِي حَسَدَ ابْنِ آدَمَ لِأَخِيهِ حَتَّى قَتَلَهُ. وَقَدْ قَالَ مُعَاوِيَةُ: لَيْسَ فِي خِصَالِ الشَّرِّ أَعْدَلُ مِنْ الْحَسَدِ، يَقْتُلُ الْحَاسِدَ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَى الْمَحْسُودِ. وقال لابنه: يا بني! إياك والحسد، فإنه يتبين فيك قبل أن يتبين في عدوك. وعن سفيان بن دينار قال: قلت لأبي بشر: أخبرني عن أعمال من كان قبلنا؟ قال: كانوا يعملون يسيراً ويؤجرون كثيراً، قال: قلت: ولم ذاك؟ قال: لسلامة صدورهم. وقيل للحسن: أيحسد المؤمن؟ قال: لا أم لك، أنسيت إخوة يوسف، لكن الكريم يخفيه واللئيم يبديه. وقال ابن سيرين: ما حسدت أحداً على شيء من أمر الدنيا، لأنه إن كان من أهل الجنة فكيف أحسده على الدنيا وهي حقيرة في الجنة؟ وإن كان من أهل النار فكيف أحسده على أمر الدنيا وهو يصير إلى النار. قال الشاعر: كل العداواة قد تُرجَى إماتتها … إلا عداوةَ من عاداك من حسدِ. وقال الخليل بن أحمد: لا شيء أشبه بالمظلوم من الحاسد.

стр. 343

وقال بعض الحكماء: كل أحد يمكن أن ترضيه إلا الحاسد، فانه لا يرضيه إلا زوال نعمتك. وقال الأصمعي: سمعت أعرابياً، يقول: ما رأيت ظالماً أشبه بمظلوم من الحاسد، حزن لازم، ونفس دائم، وعقل هائم، وحسرة لا تنقضي. وقال عون بن عبد الله: إياك والكبْر، فإن أول ذنب عصيَ الله به ثم قرأ (وإذ قلنا للملائكة … )، وإياك والحرص، فإنه أخرج آدم من الجنة ثم قرأ (اهبطوا منها)، وإياك والحسد، فإنما قتل ابن آدم أخاه حين حسده ثم قرأ (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق). قال بعض العلماء: بارز الحاسد ربه من خمسة أوجه: أولها: قد أبغض كل نعمة قد ظهرت على غيره، والثاني: سخط لقسمته كأنه يقول لربه: لم قسمت هكذا؟، والثالث: أنه ضن بفضله، يعني أن ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، وهو يبخل بفضل الله، والرابع: خذل ولي الله، لأنه يريد خذلانه وزوال النعمة عنه، والخامس: أعان عدوه يعني إبليس لعنه الله. قال بعض العلماء: ليس شيء من الشر أضر من الحسد، لأنه يصل إلى الحاسد خمس عقوبات قبل أن يصل إلى المحسود مكروه: أولها: غم لا ينقطع. والثاني: مصيبة لا يؤجر عليها. والثالث: مذمة لا يحمد عليها. والرابع: يسخط عليه الرب. والخامس: تغلق عليه أبواب التوفيق. (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا) العفو: ترك المؤاخذة بالذنب، والصفح: إزالة أثره من النفس وترك اللوم والتثريب. قال الآلوسي (فاعفوا واصفحوا) العفو: ترك عقوبة المذنب، والصفح ترك التثريب والتأنيب وهو أبلغ من العفو إذ قد يعفو الإنسان ولا يصفح. (حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) أي: حتى يأتي الله بأمره بقتالهم.

стр. 344

قال الرازي: (حتى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ) وذكروا فيه وجوهاً: أحدها: أنه المجازاة يوم القيامة عن الحسن. وثانيها: أنه قوة الرسول وكثرة أمته. وثالثها: وهو قول أكثر الصحابة والتابعين، إنه الأمر بالقتال لأن عنده يتعين أحد أمرين: إما الإسلام، وإما الخضوع لدفع الجزية وتحمل الذل والصغار. وفي هذا دلالة على مراعاة التشريع الإسلامي للظروف والأحوال والتدريج في التشريع. ذهب بعض العلماء إلى أن هذه الآية منسوخة. والناسخ لها قوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ). وقوله (قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) وكذا قال ابن عباس وأبو العالية والربيع بن أنس وقتادة والسدي. والصحيح أن هذا ليس من قبيل النسخ، لأمور: أولاً: لأن هذه الآية وأشباهها مما أمر الله بالإعراض عن المشركين محمولة على وقت الضعف، والآيات الأمر بقتالهم محمولة على وقت القوة، وليست منسوخة. ثانياً: أن الآية (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حتى يأتي الله بأمره) مغياة بغاية ينتهي حكمها عند حلول تلك الغاية ولا يعد نسخاً. (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) أي: ذو قدرة تامة، لا يعجزه شيء كما قال تعالى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعْجِزَهُ مِنْ شَيْءٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلا فِي الْأَرْضِ إِنَّهُ كَانَ عَلِيماً قَدِيراً)، وقال تعالى (وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً). فهو سبحانه ذو قدرة تامة على كل شيء، يبدل الأحوال، ويأتي بأمره، ويعفو مع القدرة.

стр. 345

(وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ) تقدم، ومعناه: أدوا الصلاة فرضها ونفلها تامة كاملة قائمة، بشروطها وأركانها وواجباتها وسننها. وَآتُوا الزَّكَاةَ) تقدم. ومعناه: أعطوا الزكاة المفروضة طيبة بها نفوسكم لمستحقيها. والزكاة شرعاً: دفع مال مخصوص لطائفة مخصوصة تعبداً لله تعالى. قال الشيخ ابن عثمين ﵀: إن إقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من أسباب النصر، لأن الله ذكرها بعد قوله (فَاعْفُوا وَاصْفَحُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ) وقد جاء ذلك صريحاً في قوله تعالى (الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ). (وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي: وما تقدموا لأنفسكم في حياتكم من خير أيا كان ومهما كان، قل أو كثُر. (تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: تلقوه عند الله يوم القيامة، مدخراً لكم ثوابه مضاعفاً لكم أجره. كما قال تعالى (وأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَأَقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْراً وَأَعْظَمَ أَجْراً). وقال تعالى (وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً). وفي قوله (لِأَنْفُسِكُمْ) استجاشة للضمائر، وتحريك للهمم، بأن الإنسان إذا عمل، إنما يعمل لنفسه، كما قال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ). وقال ﷺ (كل الناس يغدوا، فبائع نفسه فمعتقها أو موبقها) رواه مسلم. قال الشوكاني: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ … ) حثّ من الله سبحانه لهم على الاشتغال بما ينفعهم ويعود عليهم بالمصلحة، من إقامة الصلاة، وإيتاء الزكاة. وتقديم الخير الذي يثابون عليه حتى يمكن الله لهم، وينصرهم على المخالفين لهم. جاء في الحديث (إن العبد إذا مات قال له الناس ما خلف، وقالت له الملائكة ما قدم). وخرج البخاري عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ (أيُّكُم مَالُ وَارِثِهِ أحبُّ إِلَيْهِ مِنْ مَالِهِ؟) قالوا: يَا رسول اللهِ، مَا مِنَّا أحَدٌ إِلاَّ مَالُهُ أحَبُّ إِلَيْهِ. قَالَ: (فإنَّ مَالَهُ مَا قَدَّمَ وَمَالَ وَارِثِهِ مَا أخَّر). وقال ﷺ (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم. وعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهُمْ ذَبَحُوا شَاةً فَقَالَ النَّبِىُّ ﷺ (مَا بَقِىَ مِنْهَا، قَالَتْ مَا بَقِىَ مِنْهَا إِلاَّ كَتِفُها، قَالَ: بَقِىَ كُلُّهَا غَيْرَ كَتِفِهَا). رواه الترمذي.

стр. 346

كان أبو هريرة يبكي ويقول: سفري بعيد، وزادي قليل. وكان أبو الدرداء يقول: صلوا ركعتين في ظلم الليل لظلمة القبور. وقال ابن السماك: إن الموتى لم يبكوا من الموت، ولكنهم يبكون من حسرة الفوْت، فاتَتْهم والله دار لم يتزودوا منها، ودخلوا داراً لم يتزودوا لها. قال أحد السلف: إذا أردت اللحاق بالمجدين وأنت صادق، فاجعل نصب عينيك قول الله جل وعلا (يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً). وقوله تعالى (هُنَالِكَ تَبْلُو كُلُّ نَفْسٍ مَا أَسْلَفَتْ). وقال القعقاع بن حكيم: قد استعددت للموت منذ ثلاثين سنة، فلو أتاني ما أحببت تأخير شيء عن شيء ويروى عن ابن المبارك أنه لما احتضر نظر إلى السماء، فضحك ثم قال: لمثل هذا فليعمل العاملون. واحتضر بعض الصالحين فبكت امرأته، فقال: ما يبكيك؟ قالت: عليك أبكي، قال: إن كنتِ باكية فابك على نفسك، فأما أنا فقد بكيت على هذا اليوم منذ أربعين سنة. وقيل لبعض السلف لما حضرته الوفاة: ما كان عملك؟ فقال: لو لم يقرب أجلي ما أخبرتكم به، وقفت على باب قلبي أربعين سنة فكلما مر فيه غير الله حجبته عنه. وعن أنس بن عياض، رأيت صفوان بن سليم ولو قيل له: غداً القيامة ما كان عنده مزيد على ما هو عليه من العبادة. وهذا بلال - مؤذن رسول الله ﷺ لما حضرته الوفاة قالت امرأته، واحزناه، فقال: بل واطرباه غداً نلقى الأحبة محمداً وحزبَه. قال أبو حازم سلمة بن دينار: كل عمل تكره الموت من أجله فاتركه، ثم لا يضرك متى متّ. قال النووي: عَبْد اللَّه بْن إِدْرِيس بْن يَزِيد الْأَوْدِيّ الْكُوفِيّ أَبُو مُحَمَّد الْمُتَّفَق عَلَى إِمَامَته وَجَلَالَته وَإِتْقَانه وَفَضِيلَته، وَوَرَعِهِ وَعِبَادَته، رُوِّينَا عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِبِنْتِهِ حِين بَكَتْ عِنْد حُضُور مَوْته: لَا تَبْكِي فَقَدْ خَتَمْت الْقُرْآن فِي هَذَا الْبَيْت أَرْبَعَة آلَاف خَتْمَة قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل: كَانَ اِبْن إِدْرِيس نَسِيجًا وَحْده.

стр. 347

(إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) يعني أنه تعالى لا يغفل عن عمل عامل، ولا يضيع لديه، سواء كان خيراً أو شراً، فإنه سيجازي كل عامل بعمله. قال الشيخ ابن عثيمين: بصير، ليس من البصر الذي هو الرؤية، لكن من البصر الذي بمعنى العلم، لأنه أشمل حيث يعم العمل القلبي والبدني. الفوائد: ١ - بيان ما عليه أهل الكتاب من الحسد العظيم لهذه الأمة. ٢ - شدة عداوة كثير من أهل الكتاب وحسدهم لهذه الأمة. ٣ - الإشارة لعظم نعمة الله على هذه الأمة بالإسلام والإيمان وبعثة محمد ﷺ . ٤ - أن من كان فيه حسد للناس على ما أتاهم الله من فضله، فإن فيه شبه باليهود. ٥ - أن هذا الحسد من أهل الكتاب نابع من عند أنفسهم لم يؤذن لهم فيه، ولم يكن عن رؤية وتعقل. ٦ - وجوب الحذر من الحسد فإنه داء وبيل، ومرض خطير، من أعظم أسباب الاعتداء على الغير ورد الحق. ٧ - أن هؤلاء الذين يودون هذا لهذه الأمة يؤدونه عن عمد وعناد من بعد ما تبين لهم الحق. ٨ - التدرج في معاملة الكفار، حيث أمر الله في هذه الآية أن نعفو ونصفح حتى يأتي الله بأمره. ٩ - أن الإنسان يعذر بجهله إذا خالف الأمر والنهي، لقوله تعالى: (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ). وهذا الأصل دلّ عليه الكتاب والسنة: قال تعالى: (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقال تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى: (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ). وأما السنة: أن النبي ﷺ لم يأمر المسيء في صلاته أن يقضي ما فعله، وكان المسيء في صلاته لا يطمئن لا في ركوع ولا في سجود. ١٠ - عموم قدرة الله، لقوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). ١١ - وجوب إقامة الصلاة. ١٢ - وجوب إيتاء الزكاة لمستحقيها. ١٣ - أن الصلاة أوكد من الزكاة. ١٤ - الحث على تقديم الخير. ١٥ - الترغيب في الخير قولاً وعملاً. ١٦ - أن ما تقدمه من الخير لن يضيع، بل ستجده عند الله.

стр. 348

(وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ (١١١) بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (١١٢)) [البقرة: ١١١ - ١١٢] (وَقَالُوا) أي: اليهود والنصارى. (لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً) هذا قول اليهود. (أَوْ نَصَارَى) هذا قول النصارى. • قال القرطبي: المعنى: وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، وقالت النصارى لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانيًّا. • وقال ابن كثير: يبين الله تعالى اغترار اليهود والنصارى بما هم فيه، حيث ادعت كل طائفة من اليهود والنصارى أنه لن يدخل الجنة إلا من كان على ملتها، فاليهود قالوا: لن يدخل الجنة إلا من كان يهودياً، والنصارى قالوا لن يدخل الجنة إلا من كان نصرانياً. ومن الدعاوى الكاذبة التي ادعوها: قولهم (نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ). وقولهم (وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَةً). وقولهم (وَقَالُوا كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا). وقولهم في هذه الآية (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى). فأكذبهم الله تعالى بما أخبرهم أنه معذبهم بذنوبهم، ولو كانوا كما ادعوا لما كان الأمر كذلك، وكما تقدم من دعواهم أنه لن تمسهم النار إلا أياماً معدودة، ثم ينتقلون إلى الجنة، ورد الله تعالى عليهم في ذلك، وهكذا قال في هذه الدعوى التي ادعوها بلا دليل ولا حجة ولا بينة فقال: (تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ) قال أبو العالية: أماني تمنوها على الله بغير حق. والأماني جمع أمنية، وهي: ما يتمناه الإنسان بدون سبب يصل به إليه. قال في التسهيل: (أَمَانِيُّهُمْ) أكاذيبهم أو ما يتمنونه. ثم قال تعالى: (قُلْ) يا محمد. (هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ) قال أبو العالية ومجاهد والسدي والربيع بن أنس: حجتكم. وقال قتادة: بينتكم على ذلك.

стр. 349

(إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي فيما تدعونه، ثم قال تعالى: (بَلَى) أي: ليس بأمانيكم ودعاويكم، ولكن: (مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ) أي من أخلص العمل لله وحده لا شريك له، وقوله (وجهه) أي دينه، وهذا الشرط الأول من شروط قبول العمل، وهو الإخلاص لله تعالى. قال الطبري: بلى من أسلم لله بدنه، فخضع له بالطاعة جسده. فإن قال قائل: هل هذا من التأويل لصفة الوجه؟ الجواب: لا، لأن الوجه يطلق ويراد به الوِجْهة والقصد. فإن قيل: لم خص الوجه بالذكر؟ فالجواب: وإنما خص الوجه بالذكر لوجوه: أحدها: لأنه أشرف الأعضاء من حيث أنه معدن الحواس والفكر والتخيل، فإذا تواضع الأشرف كان غيره أولى. وثانيها: أن الوجه قد يكنى به عن النفس. وثالثها: أن أعظم العبادات السجدة، وهي إنما تحصل بالوجه فلا جرم خصه بالذكر. • وقال القرطبي: وخص الوجه بالذكر، لكونه أشرف ما يرى من الإنسان، ولأنه موضع الحواس، وفيه يظهر العز والذل، والعرب تخبر بالوجه عن جملة الشيء ويصح أن يكون الوجه في هذه الآية المقصد. • وقال البغوي: وخص الوجه بالذكر، لأنه إذا جاد بوجهه في السجود، لم يبخل بسائر جوارحه. (وَهُوَ) مع إخلاصه. (مُحْسِنٌ) أي اتبع فيه الرسول ﷺ ، وهذا هو الشرط الثاني من شروط قبول العمل وهو متابعة الرسول ﷺ ، فإن العمل المتقبل لا يقبل إلا بشرطين: أحدهما: أن يكون خالصاً لله وحده، لحديث (إنما الأعمال بالنيات) متفق عليه. والآخر: أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، لحديث (من عمل عملاً … ) متفق عليه. فمتى كان خالصاً ولم يكن صواباً؛ لم يتقبل، ولهذا قال الرسول ﷺ : من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد). رواه مسلم عن عائشة وأما إن كان العمل موافقاً للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله، فهو أيضاً مردود على فاعله. قال ابن كثير: فعمل الرهبان ومن شابههم - وإن فرض أنهم مخلصون فيه لله - فإنه لا يتقبل منهم، حتى يكون ذلك متابعًا للرسول محمد ﷺ المبعوث إليهم وإلى الناس كافة، وفيهم وأمثالهم، قال الله تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُورًا).

стр. 350

وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئًا). وأما إن كان العمل موافقًا للشريعة في الصورة الظاهرة، ولكن لم يخلص عامله القصد لله فهو أيضًا مردود على فاعله وهذا حال المنافقين والمرائين: كما قال تعالى (إِنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلا قَلِيلا). وقال تعالى (فَوَيْلٌ لِلْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلاتِهِمْ سَاهُونَ. الَّذِينَ هُمْ يُرَاءُونَ. وَيَمْنَعُونَ الْمَاعُونَ). ولهذا قال تعالى (فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاَءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلا صَالِحًا وَلا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا). وقال في هذه الآية الكريمة (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ). كيف يكون العلم مخلصاً؟ قال مالك بن دينار: إن العبد إذا طلب العلم للعمل كسره علمُهُ، وإذا طلبه لغير ذلك ازداد به فجوراً أو فخراً. قال الذهبي: فَمَن طلبَ العلمَ للآخرة كَسَرَه العلمُ وخشع لله. قال بعض السلف: من ازداد علماً ولم يزدد خشية فليتّهِم علمه. سُئِلَ الحافظ عبد الغني المقدسي: لِمَ لا تقرأ من غير كتاب؟ قال: أخاف العجب. [السير ٢١/ ٤٤٩]. وقد قيل لذي النون المصري رحمه الله تعالى: متى يعلم العبد أنه من المخلصين؟ فقال: إذا بذل المجهود في الطاعة، وأحب سقوط المنزلة عند الناس. وقيل ليحيى بن معاذ رحمه الله تعالى: متى يكون العبد مخلصاً؟ فقال: إذا صار خلقه كخلق الرضيع، لا يبالي من مدحه أو ذمه.

стр. 351

قال النووي: من علامة المخلص أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه فإن فرح النفس بذلك معصية وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي. (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: ثوابه، والأجر في الأصل ما يؤخذ مقابل العمل، وإنما سماه الله أجراً لبيان أنه متكفل به وأنه لا يضيع عنده. قال الشيخ ابن عثيمين: وسمى الله (الثواب) أجراً، لأنه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير. (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي (فلا خوف عليهم) فيما يستقبلونه (ولا هم يحزنون) على ما مضى مما يتركونه. فالخوف: الغم من أمر مستقبل، والحزن: الغم من أمر فائت، وقد يستعمل الحزن بمعنى الخوف ويمكن يفسر به قوله تعالى عن أهل الجنة حين دخلوها (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) أي: أذهب عنهم الخوف. وقال السعدي: ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب، ويفهم منها أن من ليس كذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول ﷺ . … الفوائد: ١ - بيان دعوى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مثلهم يهودياً أو نصرانياً. ٢ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والجزاء، لأن الجنة إنما يدخلها أهلها بعد البعث يوم القيامة. ٣ - أن الثواب لا يحصل إلا بأمرين: o إسلام الوجه لله. o الإحسان، وهو متابعة النبي ﷺ . ٤ - قوة المحاجة في كتاب الله التي تدحض الخصم وتفحمه. ٥ - أنه لا تقبل الدعوى إلا ببينة، فمن ادعى حكماً من أحكام الله الأخروية أو الدنيوية، فإن عليه أن يبرهن فيما قال. ٦ - أن اليهود والنصارى لا حجة لهم إطلاقاً فيما ادعوه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وما أكثر دعاوي اليهود والنصارى بأنهم أهل الجنة.

стр. 352

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)). [سورة البقرة: ١١٣]. (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) يبين الله تعالى تناقض اليهود والنصارى وتباغضهم وتعاندهم. قال الطبري: قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب. كما قال ابن عباس لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ : أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ ، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحدوا نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ … ). قوله تعالى (على شيء) المراد: على شيء معتبر. قال أبو حيان: قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الإخبار عن الأمم السالفة، وتكون أل للجنس، ويكون في ذلك تقريع لمن بحضرة رسول الله ﷺ من الفريقين، وتسلية له ﷺ ، إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله. وقيل: المراد يهود المدينة ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوّة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوّة موسى. قال ابن عاشور: لزيادة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمي المخالف لهم بأنه ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد المخالفة، فقديماً ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة، وفي ذلك إنحاء على أهل الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتاً على شركهم. (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) أي: والحال أنهم يتلون ويقرؤون التوراة والإنجيل. وفي هذه الآية توبيخ لهم، حيث تعمدوا الكذب والافتراء كل فريق على الآخر مع كونهم يعلمون بكذب ما ذهبوا إليه. قال في التسهيل: (وَهُمْ يَتْلُونَ) تقبيح لقولهم مع تلاوتهم الكتاب. وقال الشوكاني: وفي هذا أعظم توبيخ، وأشدّ تقريع؛ لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو: وإن كان قبيحاً على الإطلاق لكنه من أهل العلم، والدراسة لكتب الله أشدّ قبحاً، وأفظع جرماً، وأعظم ذنباً. (كَذَلِكَ) أي مثل ذلك القول.

стр. 353

(قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) أي: قال مشركوا العرب: ليس محمد على شيء. • وقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى (قال الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)؟ قيل: كفار العرب، قال القرطبي: وهو قول الجمهور، لأنهم لا كتاب لهم. وقيل: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى. قال ابن كثير: واختار أبو جعفر بن جرير: أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثَمّ دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال، والحمل على الجميع أولى. (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي أنه يجمع بينهم يوم القيامة، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، وهذه كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). قوله تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) سمي بذلك: أولاً: لأن الناس يقومون من قبورهم. قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: ولقيام الأشهاد. لقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: ولقيام الملائكة. لقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً). الفوائد: ١ - بيان عداوة اليهود والنصارى بعضهم لبعض. ٢ - أن هذه المقالة التي قالتها اليهود وقالتها النصارى، يقولها أيضاً كل من كان جاهلاً، أي كل من كان ذا جهالة. ٣ - إثبات الجزاء يوم القيامة، لقوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). ٤ - أن الذين اختلفوا في الكتاب وفي الرسل سوف يقضي تعالى بينهم يوم القيامة ويبين من هو على الحق. ٥ - إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الآخر.

стр. 354

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)). [سورة البقرة: ١١٤]. (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم. (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) والمراد بمنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله: منع من يأتي إليها للصلاة، والتلاوة، والذكر، وتعليمه. قال الشوكاني: هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه، وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم، أي: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله. وقد اختلف المفسرون في المراد في الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين: القول الأول: هم النصارى. قال مجاهد: النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال قتادة في قوله (وسعى في خرابها) قال: هو بخْتَنصَّر، خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البالي المجوسي على تخريب المقدس. وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على تخريب بيت المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحي بن زكريا. وروي نحوه عن الحسن البصري، وعلى هذا القول فإن الخراب هنا خراب حسي. القول الثاني: نزلت في صد المشركين النبي ﷺ عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ٦ هـ. واختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس. واختار ابن كثير القول الثاني، حيث قال ﵀: والذي يظهر والله أعلم القول الثاني. ثم قال ابن كثير رداً على ابن جرير: … وأيضاً فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذي أخرجوا الرسول وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده في أن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة؛ فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم. ورجح القرطبي ﵀ العموم، فقال: وقيل المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجميع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف. قال البيضاوي: قوله تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله … ) عام لكل من خرب مسجداً، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة، وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله، أو في المشركين لما منعوا رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

стр. 355

(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) أي: وسعى، أي: اجتهد وبذل وسعه (في خرابها) الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها. قال الرازي: السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. أحدهما: منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً. والثاني: بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول: كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب، لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له، وقيل: إن أبا بكر ﵁ كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر. (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) قيل: هذا خبر معناه الطلب، أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة أو الجزية، ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. وقيل: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على وجه التهديد وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك. وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم، حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. قال القرطبي: ومن جعل الآية في النصارى روي أنه مرَّ زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضرباً بعد أن كان متعبدهم. (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) من جعل الآية في قريش، جعل الخزي في الدنيا: الفتح، وأن لا يدخل أحدهم المسجد الحرام إلا خائفاً ، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صَدوا المسلمين عن المسجد الحرام؛ صُدوا عنه.
следующие страницы →