← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 351–390 · переход к 356.

стр. 351

قال النووي: من علامة المخلص أن يتكدر إذا اطلع الناس على محاسن عمله كما يتكدر إذا اطلعوا على مساويه فإن فرح النفس بذلك معصية وربما كان الرياء أشد من كثير من المعاصي. (فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ) أي: ثوابه، والأجر في الأصل ما يؤخذ مقابل العمل، وإنما سماه الله أجراً لبيان أنه متكفل به وأنه لا يضيع عنده. قال الشيخ ابن عثيمين: وسمى الله (الثواب) أجراً، لأنه التزم على نفسه أن يجزي به كالتزام المستأجر بدفع الأجرة للأجير. (وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ) أي (فلا خوف عليهم) فيما يستقبلونه (ولا هم يحزنون) على ما مضى مما يتركونه. فالخوف: الغم من أمر مستقبل، والحزن: الغم من أمر فائت، وقد يستعمل الحزن بمعنى الخوف ويمكن يفسر به قوله تعالى عن أهل الجنة حين دخلوها (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن) أي: أذهب عنهم الخوف. وقال السعدي: ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون، فحصل لهم المرغوب ونجوا من المرهوب، ويفهم منها أن من ليس كذلك، فهو من أهل النار الهالكين، فلا نجاة إلا لأهل الإخلاص للمعبود، والمتابعة للرسول ﷺ . … الفوائد: ١ - بيان دعوى أهل الكتاب من اليهود والنصارى أنه لا يدخل الجنة إلا من كان مثلهم يهودياً أو نصرانياً. ٢ - أن أهل الكتاب يؤمنون بالبعث والجزاء، لأن الجنة إنما يدخلها أهلها بعد البعث يوم القيامة. ٣ - أن الثواب لا يحصل إلا بأمرين: o إسلام الوجه لله. o الإحسان، وهو متابعة النبي ﷺ . ٤ - قوة المحاجة في كتاب الله التي تدحض الخصم وتفحمه. ٥ - أنه لا تقبل الدعوى إلا ببينة، فمن ادعى حكماً من أحكام الله الأخروية أو الدنيوية، فإن عليه أن يبرهن فيما قال. ٦ - أن اليهود والنصارى لا حجة لهم إطلاقاً فيما ادعوه من أنه لا يدخل الجنة إلا من كان هوداً أو نصارى، وما أكثر دعاوي اليهود والنصارى بأنهم أهل الجنة.

стр. 352

(وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَىَ شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُواْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣)). [سورة البقرة: ١١٣]. (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ) يبين الله تعالى تناقض اليهود والنصارى وتباغضهم وتعاندهم. قال الطبري: قالت اليهود: ليست النصارى في دينها على صواب، وقالت النصارى: ليست اليهود في دينها على صواب. كما قال ابن عباس لما قدم أهل نجران من النصارى على رسول الله ﷺ : أتتهم أحبار يهود فتنازعوا عند رسول الله ﷺ ، فقال رافع بن حرملة: ما أنتم على شيء، وكفر بعيسى والإنجيل، وقال رجل من أهل نجران من النصارى لليهود: ما أنتم على شيء، وجحدوا نبوة موسى وكفر بالتوراة، فأنزل الله في ذلك من قولهما (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ … ). قوله تعالى (على شيء) المراد: على شيء معتبر. قال أبو حيان: قيل: المراد عامة اليهود وعامة النصارى، فهذا من الإخبار عن الأمم السالفة، وتكون أل للجنس، ويكون في ذلك تقريع لمن بحضرة رسول الله ﷺ من الفريقين، وتسلية له ﷺ ، إذ كذبوا بالرسل وبالكتب قبله. وقيل: المراد يهود المدينة ونصارى نجران، حيث تماروا عند الرسول وتسابوا، وأنكرت اليهود الإنجيل ونبوّة عيسى، وأنكرت النصارى التوراة ونبوّة موسى. قال ابن عاشور: لزيادة بيان أن المجازفة دأبهم وأن رمي المخالف لهم بأنه ضال شنشنة قديمة فيهم فهم يرمون المخالفين بالضلال لمجرد المخالفة، فقديماً ما رمت اليهود النصارى بالضلال ورمت النصارى اليهود بمثله فلا تعجبوا من حكم كل فريق منهم بأن المسلمين لا يدخلون الجنة، وفي ذلك إنحاء على أهل الكتاب وتطمين لخواطر المسلمين ودفع الشبهة عن المشركين بأنهم يتخذون من طعن أهل الكتاب في الإسلام حجة لأنفسهم على مناوأته وثباتاً على شركهم. (وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ) أي: والحال أنهم يتلون ويقرؤون التوراة والإنجيل. وفي هذه الآية توبيخ لهم، حيث تعمدوا الكذب والافتراء كل فريق على الآخر مع كونهم يعلمون بكذب ما ذهبوا إليه. قال في التسهيل: (وَهُمْ يَتْلُونَ) تقبيح لقولهم مع تلاوتهم الكتاب. وقال الشوكاني: وفي هذا أعظم توبيخ، وأشدّ تقريع؛ لأن الوقوع في الدعاوى الباطلة، والتكلم بما ليس عليه برهان هو: وإن كان قبيحاً على الإطلاق لكنه من أهل العلم، والدراسة لكتب الله أشدّ قبحاً، وأفظع جرماً، وأعظم ذنباً. (كَذَلِكَ) أي مثل ذلك القول.

стр. 353

(قَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) أي: قال مشركوا العرب: ليس محمد على شيء. • وقد اختلف فيمن عني بقوله تعالى (قال الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ)؟ قيل: كفار العرب، قال القرطبي: وهو قول الجمهور، لأنهم لا كتاب لهم. وقيل: المراد أمم كانت قبل اليهود والنصارى. قال ابن كثير: واختار أبو جعفر بن جرير: أنها عامة تصلح للجميع، وليس ثَمّ دليل قاطع يعين واحداً من هذه الأقوال، والحمل على الجميع أولى. (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) أي أنه يجمع بينهم يوم القيامة، ويفصل بينهم بقضائه العدل الذي لا يجور فيه ولا يظلم مثقال ذرة، وهذه كقوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ). قوله تعالى (يَوْمَ الْقِيَامَةِ) سمي بذلك: أولاً: لأن الناس يقومون من قبورهم. قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: ولقيام الأشهاد. لقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: ولقيام الملائكة. لقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً). الفوائد: ١ - بيان عداوة اليهود والنصارى بعضهم لبعض. ٢ - أن هذه المقالة التي قالتها اليهود وقالتها النصارى، يقولها أيضاً كل من كان جاهلاً، أي كل من كان ذا جهالة. ٣ - إثبات الجزاء يوم القيامة، لقوله تعالى: (فَاللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ). ٤ - أن الذين اختلفوا في الكتاب وفي الرسل سوف يقضي تعالى بينهم يوم القيامة ويبين من هو على الحق. ٥ - إثبات يوم القيامة، وهو اليوم الآخر.

стр. 354

(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن مَّنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَن يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُوْلَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَن يَدْخُلُوهَا إِلاَّ خَآئِفِينَ لهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)). [سورة البقرة: ١١٤]. (وَمَنْ أَظْلَمُ) أي لا أحد أظلم. (مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) والمراد بمنع المساجد أن يذكر فيها اسم الله: منع من يأتي إليها للصلاة، والتلاوة، والذكر، وتعليمه. قال الشوكاني: هذا الاستفهام فيه أبلغ دلالة على أن هذا الظلم متناه، وأنه بمنزلة لا ينبغي أن يلحقه سائر أنواع الظلم، أي: لا أحد أظلم ممن منع مساجد الله. وقد اختلف المفسرون في المراد في الذين منعوا مساجد الله وسعوا في خرابها على قولين: القول الأول: هم النصارى. قال مجاهد: النصارى كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه. وقال قتادة في قوله (وسعى في خرابها) قال: هو بخْتَنصَّر، خرب بيت المقدس وأعانه على ذلك النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البالي المجوسي على تخريب المقدس. وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على تخريب بيت المقدس، حتى خربه وأمر أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحي بن زكريا. وروي نحوه عن الحسن البصري، وعلى هذا القول فإن الخراب هنا خراب حسي. القول الثاني: نزلت في صد المشركين النبي ﷺ عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ٦ هـ. واختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة، وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس. واختار ابن كثير القول الثاني، حيث قال ﵀: والذي يظهر والله أعلم القول الثاني. ثم قال ابن كثير رداً على ابن جرير: … وأيضاً فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذي أخرجوا الرسول وأصحابه من مكة ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده في أن قريشاً لم تسعَ في خراب الكعبة؛ فأي خراب أعظم مما فعلوا؟ أخرجوا عنها رسول الله ﷺ وأصحابه، واستحوذوا عليها بأصنامهم وأندادهم وشركهم. ورجح القرطبي ﵀ العموم، فقال: وقيل المراد من منع من كل مسجد إلى يوم القيامة، وهو الصحيح، لأن اللفظ عام ورد بصيغة الجميع، فتخصيصها ببعض المساجد وبعض الأشخاص ضعيف. قال البيضاوي: قوله تعالى (ومن أظلم ممن منع مساجد الله … ) عام لكل من خرب مسجداً، أو سعى في تعطيل مكان مرشح للصلاة، وإن نزل في الروم لما غزوا بيت المقدس وخربوه وقتلوا أهله، أو في المشركين لما منعوا رسول الله ﷺ أن يدخل المسجد الحرام عام الحديبية.

стр. 355

(وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) أي: وسعى، أي: اجتهد وبذل وسعه (في خرابها) الحسي والمعنوي، فالخراب الحسي هدمها وتخريبها وتقذيرها، والخراب المعنوي: منع الذاكرين لاسم الله فيها. قال الرازي: السعي في تخريب المسجد قد يكون لوجهين. أحدهما: منع المصلين والمتعبدين والمتعهدين له من دخوله فيكون ذلك تخريباً. والثاني: بالهدم والتخريب وليس لأحد أن يقول: كيف يصح أن يتأول على بيت الله الحرام ولم يظهر فيه التخريب، لأن منع الناس من إقامة شعار العبادة فيه يكون تخريباً له، وقيل: إن أبا بكر ﵁ كان له موضع صلاة فخربته قريش لما هاجر. (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ) قيل: هذا خبر معناه الطلب، أي لا تمكنوا هؤلاء إذا قدرتم عليهم من دخولها إلا تحت الهدنة أو الجزية، ولهذا لما فتح رسول الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: ألا يحجن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عريان. وقيل: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على وجه التهديد وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم فضلاً أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك. وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيظهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم، حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفاً يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. قال القرطبي: ومن جعل الآية في النصارى روي أنه مرَّ زمان بعد بناء عمر بيت المقدس في الإسلام لا يدخله نصراني إلا أوجع ضرباً بعد أن كان متعبدهم. (لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ) من جعل الآية في قريش، جعل الخزي في الدنيا: الفتح، وأن لا يدخل أحدهم المسجد الحرام إلا خائفاً ، لأن الجزاء من جنس العمل، فكما صَدوا المسلمين عن المسجد الحرام؛ صُدوا عنه.

стр. 356

(وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) على ما انتهكوا من حرمة البيت وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، ودعاء غير الله عنده، والطواف به عرياً، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله. وأما من جعل الآية في النصارى فقال كعب الأحبار: أن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه، فلما بعث الله محمداً ﷺ أنزل عليه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ … ) فليس في الأرض نصرانياً يدخل المسجد إلا خائفاً. وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يضرب عنقه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها. الفوائد: ١ - تحريم منع مساجد الله من أن يذكر فيها اسمه. ٢ - الإشارة إلى أن ما يتعلق بأمور الدنيا من بيع وشراء وأجارة ونحوها، لا يحل إيقاعه في المسجد، ولهذا قال النبي ﷺ : (إذا رأيتم من يبيع أو يبتاع في المسجد فقولوا: لا أربح الله تجارتك، وإذا رأيتم من ينشد فيه ضالة فقولوا: لا رد الله عليك). ٣ - الإشارة إلى أن المساجد إنما بنيت لذكر الله. ٤ - أن ذكر الله يكون بذكر اسمه، وذلك يقتضي أن يكون باللسان، وذكر الله يكون باللسان وبالقلب وبالجوارح. أما ذكر الله بالقلب: بأن يكون الإنسان متفكراً متأملاً في آيات الله. وأما الذكر باللسان: فهو يتناول كل قول يقرب إلى الله، من قراءة أو تسبيح. وأما الذكر بالجوارح: فيشمل كل فعل يتقرب به الإنسان إلى ربه، كالوضوء والصلاة وغيرها. ٥ - أن السعي في خراب المساجد يشمل منع ذكر الله تعالى، ويشمل الخراب الحسي وذلك بهدمها. ٦ - أن هؤلاء المتسلطين على عباد الله، بمنعهم من مساجد الله أن يذكروا اسم الله، لهم عقوبتان: عقوبة في الدنيا: وهي الخزي والذل. وعقوبة في الآخرة: وهي العذاب العظيم.

стр. 357

(وَلِلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّواْ فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)). [سورة البقرة: ١١٥]. (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي هما له ملك، وما بينهما من الجهات والمخلوقات بالإيجاد والاختراع، وخصهما بالذكر والإضافة له تشريفاً، نحو: بيت الله، وناقة الله. قال السعدي: خصهما بالذكر، لأنهما محل الآيات العظيمة، فهما مطالع الأنوار ومغاربها، فإذا كان مالكاً لها، كان مالكاً لكل الجهات. في هذا الآية قال تعالى (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) وجاء في آية أخرى بلفظ التثنية كقوله تعالى (رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ) وجاء في آية أخرى بلفظ الجمع كقوله تعالى (فَلا أُقْسِمُ بِرَبِّ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِبِ إِنَّا لَقَادِرُونَ)؟ فاختلف العلماء في الجمع بينها؟ القول الأول: أن المراد بالمشرق والمغرب - بلفظ الإفراد - الجهة التي تشرق منها الشمس، والجهة المقابلة التي تغيب فيها الشمس، فالمشرق هو موضع الشروق، والمغرب: هو موضع الغروب. والمراد بهما - بلفظ التثنية - فهو مشرقا الصيف والشتاء ومغرباهما، وأما المراد بهما - بلفظ الجمع - فهو مشارق السنة ومغاربها، فللشمس مشرق كل يوم يختلف عن مشرقها في اليوم الآخر على مدار السنة، وكذلك مغربها وهي ثلاثمائة وستون مشرقاً، وكذلك المغارب بعدد أيام السنة. ذهب إلى هذا المسلك ابن عباس وتابعه مجاهد وقتادة ورجحه الطبري والبغوي وابن القيم والسمرقندي وابن كثير والسيوطي والشنقيطي. القول الثاني: أن المراد بالمشرق والمغرب - بلفظ الإفراد - اليوم الذي يستوي فيه الليل والنهار، والمراد بهما - بلفظ التثنية: أطول يوم في السنة، وأقصر يوم في السنة، وأما المراد بهما - بلفظ الجمع - مشارق السنة ومغاربها. (آيات العقيدة التي قد يوهم ظاهرها التعارض). (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا) أي: تتجهوا. (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي: هنالك وجه الله. اختلف العلماء هل هذه الآية من آيات الصفات أم لا على قولين: القول الأول: ذهبت طائفة إلى أنها من آيات الصفات، وأن المراد بالآية وجه الله الذي هو صفة من صفاته سبحانه. وقال بذلك: ابن خزيمة، والبيهقي، وابن القيم، وعبد الرحمن السعدي، وابن عثيمين.

стр. 358

قال ابن القيم: الصحيح في قوله تعالى (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أنه كقوله في سائر الآيات التي ذكر فيها الوجه، فإنه قد اطرد مجيئه في القرآن والسنة مضافاً إلى الرب تعالى، على طريقة واحدة، ومعنى واحد، فليس فيه معنيان مختلفان في جميع المواضع غير الموضع الذي ذكر في سورة البقرة، وهو قوله (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)، وهذا لا يتعين حمله على القبلة والجهة، ولا يمتنع أن يراد به وجه الرب حقيقة، فحمله على غير القبلة كنظائره كلها أولى. وقال الشيخ ابن عثيمين: لكن الراجح أن المراد به الوجه الحقيقي، لأن ذلك هو الأصل، وليس هناك ما يمنعه، وقد أخبر النبي ﷺ أن الله تعالى قِبَلَ وجه المصلي. ولهذا نهى أن يبصق أمام وجهه؛ لأن الله قِبَل وجهه فإذا صليت في مكان لا تدري أين القبلة واجتهدت وتحريت وصليت وصارت القبلة في الواقع خلفك فالله يكون قبل وجهه حتى في هذه الحالة. وهذا معنى صحيح موافق لظاهر الآية والمعنى الأول لا يخالفه في الواقع. القول الثاني: ذهبت طائفة إلى أن هذه الآية ليس من باب الصفات في شيء. قال ابن تيمية: ليست هذه الآية من آيات الصفات ومن عدها في الصفات فقد غلط. وقد اختلف هؤلاء في معناها على أقوال: فقيل: أن معنى (فثم وجه الله) أي: فثم قبلة الله، قالوا: والوجه يأتي في اللغة بمعنى الجهة، يقال: وِجْهَة ووجه وَجِهَة. وممن روي عنه هذا القول: ابن عباس، ومجاهد، وعكرمة، والحسن البصري، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والشافعي. واختاره: الواحدي، والزمخشري، وابن عطية، والرازي، وابن تيمية. قال ابن تيمية: (فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أي: قبلة الله، ووجْهِة الله، هكذا قال جمهور السلف. وقيل: (فثم وجه الله) أي: فثم رضا الله وثوابه. والراجح - والله أعلم - القول الأول. وقد اختلف العلماء في المعنى الذي نزلت فيه (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّه) على أقوال: قيل: ما جاء عن ابن عباس قال (كان أول ما نسخ من القرآن: القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة، وكان أكثر أهلها اليهود، أمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود، فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، فكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم ﵇، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله (قد نرى تقلب وجهك في السماء … إلى قوله فولوا وجوهكم شطره) فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: (ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها) فأنزل الله (قل لله المشرق والمغرب) وقال (فأينما تولوا فثم وجه الله) رواه ابن جرير، وهذه الرواية ثابتة عن ابن عباس، وأيضاً من قبيل الصريح في سبب النزول.

стр. 359

قيل: نزلت فيمن صلى إلى غير القبلة في ليلة مظلمة. أخرجه الترمذي عن عامر بن ربيعة قال (كنا مع النبي ﷺ في سفر فلم ندر أين القبلة، فصلى كل رجل منا على حياله، فلما أصبحنا ذكرنا ذلك للنبي ﷺ ، فنزلت: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) أخرجه الترمذي وفيه ضعف. وقيل: نزلت في المسافر يتنفل حيثما توجهت به راحلته. فعن ابن عمر قال (كان رسول الله ﷺ يصلي وهو مقبل من مكة إلى المدينة على راحلته حيثما كان وجهه، قال: وفيه نزلت: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)). رواه مسلم. وقيل: إن الآية منسوخة بقوله: (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي تلقاءه. روي عن مجاهد والضحاك: أنها محكمة المعنى: أينما كنتم من شرق وغرب فثم وجه الله الذي أمرنا باستقباله وهو الكعبة. وقيل: لما نزلت (ادعوني أستجب لكم) قالوا: إلى أين؟ فنزلت (فأينما تولوا فثم وجه الله) لكنه ضعيف. (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ) قال ابن جرير: واسع يسع خلقه كلهم بالكفاية والإفضال والجود والتدبير. وقال الخطابي: الواسع: هو الغني الذي وسع غناه مفاقر عباده، ووسع رزقه جميع خلقه. وقال السعدي: الواسع الصفات والنعوت ومتعلقاتها، بحيث لا يحصي أحد ثناء عليه، بل هو كما أثنى على نفسه، واسع العظمة، والسلطان والملك، واسع الفضل والإحسان، عظيم الجود والكرم. فالله واسع العطاء، كثير الإفضال على خلقه، والخلق كلهم يتقلبون في رحمته وفضله، يعطي من يشاء ويمنع، ويخفض من يشاء ويرفع، بعلمه الذي وسع كل شيء وحكمته. والله واسع المغفرة. ومن سعة مغفرته: أنه يغفر لكل من تاب وأناب مهما بلغت ذنوبه وخطاياه. قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ). وقال حملة العرش عن ربهم ﵎ (رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَحْمَةً وَعِلْماً فَاغْفِرْ لِلَّذِينَ تَابُوا وَاتَّبَعُوا سَبِيلَكَ وَقِهِمْ عَذَابَ الْجَحِيمِ).

стр. 360

والله واسع العلم: كما قال تعالى (إِنَّمَا إِلَهُكُمُ اللَّهُ الَّذِي لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً). والله واسع الرحمة: كما قال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ)، وقال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). (عَلِيمٌ) بكل شيء لا يخفى عليه شيء. [تقدمت مباحث العلم]. الفوائد: ١ - عموم ملك الله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ). ٢ - أن هذا العموم لا يأتي لأحد سوى الله، لقوله (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ). ٣ - أن الإنسان مهما تولى واتجه إلى شيء فثم وجه الله. ٤ - أن الإنسان إذا صلى إلى جهة مجتهداً حيث يحل له الاجتهاد، معتقداً أن هذه الجهة هي القبلة، فإن صلاته تصح. ٥ - إثبات الوجه لله، وعقيدة أهل السنة: إثبات الوجه لله إثباتاً يليق بجلاله من غير تحريف ولا تعطيل ولا تشبيه ولا تمثيل، وهكذا بقية الصفات كاليدين والعينين. ٦ - إثبات سعة علم الله تعالى وإحاطته بكل شيء، وذلك أن كل الأشياء بالنسبة إليه صغيرة، قال تعالى: (وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعاً قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ٧ - الحذر من مخالفة الله بترك أوامره أو فعل نواهيه، لأنه عالم بذلك، وعلمه بذلك يقتضي الحذر من مخالفته.

стр. 361

(وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ (١١٦) بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ (١١٧)). [البقرة: ١١٦ - ١١٧] (وَقَالُواْ اتَّخَذَ اللّهُ وَلَداً) هذا إخبار عن النصارى عليهم لعائن الله، وكذا من أشبههم من اليهود ومن مشركي العرب ممن جعل الملائكة بنات الله. قال الشنقيطي: هذا الولد المزعوم على زاعمه لعائن الله، قد جاء مفصلاً في آيات أخر، كقوله تعالى: (وَقَالَتِ الْيَهُودُ عُزَيْرٌ ابْنُ اللَّهِ وَقَالَتِ النَّصَارَى الْمَسِيحُ ابْنُ اللَّهِ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ بِأَفْوَاهِهِمْ يُضَاهِئُونَ قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ) وقوله (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ). • فادعاء لله الولد أمر خطير وكبير. كما قال تعالى (إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً). وقال تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً. لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً. تَكَادُ السَّمَوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأَرْضُ وَتَخِرُّ الْجِبَالُ هَدّاً. أَنْ دَعَوْا لِلرَّحْمَنِ وَلَداً. وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَداً. إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ إِلاَّ آتِي الرَّحْمَنِ عَبْداً). عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ. عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ (قَالَ اللَّهُ كَذَّبَنِي ابْنُ آدَمَ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ، فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إِيَّاي فَزَعَمَ أَنِّي لَا أَقْدِرُ أَنْ أُعِيدَهُ كَمَا كَانَ، وَأَمَّا شَتْمُهُ إِيَّاي فَقَوْلُهُ لِي وَلَدٌ، فَسُبْحَانِي أَنْ أَتَّخِذَ صَاحِبَةً أَوْ وَلَداً) رواه البخاري. وقال ﷺ (لا أحد أصبر على اذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً، وهو يرزقهم ويعافيهم) متفق عليه. (سُبْحَانَهُ) أي تعالى وتقدس وتنزه عن ذلك علواً كبيراً. وما تضمنته هذه الآية الكريمة: من أنه لما ذكر وصف الكفار له بما لا يليق به، نزه نفسه عن ذلك، معلماً خلقه في كتابه أن ينزهوه عن كل ما لا يليق به، جاء موضحاً في آيات كثيرة: كقوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ). وقوله تعالى (وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ وَخَلَقَهُمْ وَخَرَقُوا لَهُ بَنِينَ وَبَنَاتٍ بِغَيْرِ عِلْمٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَصِفُونَ). وقوله تعالى (قَالُوا اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَداً سُبْحَانَهُ هُوَ الْغَنِيُّ).

стр. 362

وقوله تعالى (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ). وقوله تعالى (وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَداً سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُكْرَمُونَ). وقوله تعالى (قُلْ لَوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ إِذاً لَابْتَغَوْا إِلَى ذِي الْعَرْشِ سَبِيلاً. سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يَقُولُونَ عُلُوّاً كَبِيراً). وقوله تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ). وقوله تعالى (سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ). والله منزه عن الولد لأمور متعددة: أولاً: لأنه مالك كل شيء، والمالك لا بد أن يكون المملوك مبايناً له في كل الأحوال. ثانياً: أنه ليس له زوجة، والابن إنما يكون غالباً ممن له زوجة، كما ذكر الله ذلك في سورة الأنعام (أَنَّى يَكُونُ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ). ثالثاً: أن الولد إنما يكون لمن يحتاج للبقاء، أي: بقاء النوع باستمرار النسل، والرب ليس بحاجة إلى ذلك، لأنه الحي الذي لا يموت. رابعاً: أن الابن إنما يحتاج إليه والده ليساعده ويعينه على شؤونه وأموره، والله غني، وقد أشار إلى ذلك بقوله (سبحانه هو الغني). … [قاله الشيخ ابن عثيمين]. قال الرازي: إن الولد إنما يتخذ للحاجة إليه في الكبر ورجاء الانتفاع بمعونته حال عجز الأب عن أمور نفسه، فعلى هذا إيجاد الولد إنما يصح على من يصح عليه الفقر والعجز والحاجة، فإذا كان كل ذلك محال كان إيجاد الولد عليه محالاً واعلم أنه تعالى حكى في مواضع كثيرة عن هؤلاء الذين يضيفون إليه الأولاد قولهم، واحتج عليهم بهذه الحجة وهي أن كل من في السموات والأرض عبد له، وبأنه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون، وقال في مريم (ذلك عِيسَى ابن مَرْيَمَ قَوْلَ الحق الذي فِيهِ يَمْتُرُون مَا كَانَ للَّهِ أَن يَتَّخِذَ مِن وَلَدٍ سبحانه إِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُون) وقال أيضاً في آخر هذه السورة (وَقَالُواْ اتخذ الرحمن وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً تَكَادُ السموات يَتَفَطَّرْنَ مِنْهُ وَتَنشَقُّ الأرض وَتَخِرُّ الجبال هَدّاً * أَن دَعَوْا للرحمن وَلَداً * وَمَا يَنبَغِي للرحمن أَن يَتَّخِذَ وَلَداً * إِن كُلُّ مَن فِي السموات والأرض إِلاَّ آتِي الرحمن عَبْداً). (بَل لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي ليس الأمر كما افتروا، وإنما له ملك السماوات والأرض ومن فيهن، وهو المتصرف فيهم، وهو خالقهم ورازقهم ومقدورهم ومسخرهم ومسيرهم ومصرفهم كما يشاء، والجميع عبيد له، وملك له، فكيف يكون له ولد منهم والولد إنما يكون متولداً من شيئين متناسبين، وهو ﵎ ليس له شبيه ولا مشارك في عظمته وكبريائه، ولا صاحبة له، فكيف يكون له ولد. قال ابن عطية: وإنما خص السماوات والأرض بالذكر، لأنهما أعظم ما نرى من مخلوقاته جل وعلا. (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) أي: مطيعون. قال مجاهد: (كُلٌّ لَّهُ قَانِتُونَ) مطيعون، قال: طاعة الكافر في سجود ظله وهو كاره.

стр. 363

قال ابن كثير: وهذا القول عن مجاهد هو اختيار ابن جرير يجمع الأقوال كلها، وهو أن القنوت: هو الطاعة والاستكانة إلى الله، كما قال تعالى (وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). فإن قيل: كيف عمَّ بهذا القول وكثير من الخلق ليس له بمطيع؟ فعنه ثلاثة أجوبة: أحدها: أن يكون ظاهرها ظاهر العموم، ومعناها معنى الخصوص، والمعنى: كل أهل الطاعة له قانتون. والثاني: أن الكفار تسجد ظلالهم لله بالغدوات والعشيات، فنسب القنوت إليهم بذلك. والثالث: أن كل مخلوق قانت له بأثر صنعه فيه، وجري أحكامه عليه، فذلك دليل على ذُلهِ للرب. والرابع: كل له قائم يوم القيامة. والخامس: مطيعون (في الأمر القدري الكوني) كن إنساناً فكان، كن حماراً فكان. والصواب ما سبق وهو اختيار ابن جرير كما تقدم. وقال السعدي: القنوت نوعان: قنوت عام وهو قنوت الخلق كلهم تحت تدبير الخالق، وخاص وهو قنوت العبادة، فالنوع الأول كما في هذه الآية، والنوع الثاني، كما في قوله تعالى (وقوموا لله قانتين). (بَدِيعُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ) أي خالقها على غير مثال سابق. قال القرطبي: فالله بديع السماوات والأرض أي منشئها وموجدها ومبدعها ومخترعها على غير حد ولا مثال، وكل من أنشأ ما لم يسبق إليه قيل له: مبدع. (وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فَيَكُونُ) يبين بذلك تعالى كمال قدرته وعظيمِ سلطانهِ، وأنه إذا قدّر أمراً وأراد كونه؛ فإنما يقول له كن، أي مرة واحدة، فيكون، أي فيوجد على وفق ما أراد. كما قال تعالى (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وقال تعالى (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). وقال تعالى (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ). المراد بقوله (قضى أمراً) أي: إذا أحكم أمراً وحتمه. (قاله ابن جرير). والمراد بأمر الله هنا بمعنى الشأن، (فإذا قضى أمراً) أي شيئاً مقضياً، وليس الأمر هنا بمعنى الطلب. كما في قوله تعالى (وَمَا أَمْرُ فِرْعَوْنَ بِرَشِيدٍ) أي: وما شأنه.

стр. 364

الفوائد: ١ - تنزيه الله عن الولد، وقد نزه الله نفسه عن ذلك في آيات: قال تعالى: (وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي لَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ وَلِيٌّ مِنَ الذُّلِّ وَكَبِّرْهُ تَكْبِيراً). وقال تعالى: (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً. الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً). وقال تعالى: (مَا اتَّخَذَ اللَّهُ مِنْ وَلَدٍ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ إِلَهٍ إِذاً لَذَهَبَ كُلُّ إِلَهٍ بِمَا خَلَقَ وَلَعَلا بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يَصِفُونَ). وأخرج البخاري عن ابن عباس عن النبي ﷺ قال: (قال الله تعالى: كذّبني ابن آدم ولم يكن له ذلك، وشتمني ولم يكن له ذلك، فأما تكذيبه إياي: فزعم أني لا أقدر أن أعيده كما كان، وأما شتمه إياي: فقوله لي ولد، فسبحاني أن أتخذ صاحبة أو ولداً). وفي الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله، إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم). ٢ - بيان تنزيه الله عن كل عيب ونقص. ٣ - بيان غنى الله عن اتخاذ الولد، حيث أنه مالك السماوات والأرض وما فيهما. ٤ - أن جميع الخلق قانت لله، ومنهم: عزير والمسيح والملائكة، فلا يمكن أن يكون له ولد. ٥ - أن الله لا ينبغي أن يتخذ ولداً، لأنه خالق السماوات والأرض، فهو مستغن عن الولد. ٦ - بيان كمال قدرة الله في قوله (وَإِذَا قَضَى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ). ٧ - أن الأمر مهما كانت عظمته؛ فإن الله تعالى قادر عليه بكلمة واحدة، وهي (كن). ٨ - إثبات القول لله، وأن الله يقول، وأن قوله بحروف لقوله (كن). ٩ - القنوت له معاني كثيرة: منها: القيام والمداومة، ومنها: الصمت، ومنها: الوقوف، ومدارها على الدوام على الطاعة.

стр. 365

(وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِم مِّثْلَ قَوْلِهِمْ تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنَّا الآيَاتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ (١١٨)). [سورة البقرة: ١١٨]. (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ لَوْلا يُكَلِّمُنَا اللَّهُ أَوْ تَأْتِينَا آيَةٌ) اختلف العلماء في قائل هذا: فقيل: هم النصارى، ورجحه الطبري، لأنهم المذكورون في الآية أولاً. وقيل: هم اليهود، لأنهم طلبوا من موسى الآيات وقالوا لن نؤمن لك حتى نرى الله جهرة. وقيل: هذا قول كفار العرب. ويؤيد هذا القول، وأن القائلين ذلك هم مشركي العرب: قوله تعالى: (وَإِذَا جَاءَتْهُمْ آيَةٌ قَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ حَتَّى نُؤْتَى مِثْلَ مَا أُوتِيَ رُسُلُ اللَّهِ). وقوله تعالى عنهم: (فلْيَأْتِنَا بِآيَةٍ كَمَا أُرْسِلَ الْأَوَّلُونَ). وقوله تعالى: (وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعاً) إلى قوله (قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولاً). وقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ لا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا). وقوله تعالى: (بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفاً مُنَشَّرَةً) إلى غير ذلك من الآيات الدالة على كفر مشركي العرب وعتوهم وعنادهم وسؤالهم ما لا حاجة لهم به، إنما الكفر والمعاندة كما قال من قبلهم من الأمم الخالية من أهل الكتابين وغيرهم، كما قال تعالى: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَاباً مِنَ السَّمَاءِ فَقَدْ سَأَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَالُوا أَرِنَا اللَّهَ جَهْرَةً) وقال تعالى: (وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً) قوله تعالى (أو تأتينا آية) أي: يريدون معجزة - عناداً وعتواً - كسؤال رؤية الله، وكسؤالهم جعل الصفا ذهباً، وكسؤالهم الرقي في السماء ونحو ذلك. (كَذَلِكَ قَالَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِثْلَ قَوْلِهِمْ) المراد بهم اليهود والنصارى. قال ابن عاشور: وفي هذا الكلام تسلية للنبي ﷺ بأن ما لقيه من قومه مثل ما لاقاه الرسل قبله ولذلك أردفت هذه الآية بقوله (إنا أرسلناك بالحق). (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ) أي أشبهت قلوب مشركي العرب، قلوب من تقدمهم في الكفر والعناد والعتو، كما قال تعالى: (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَل). قال الرازي: (تشابهت قُلُوبُهُمْ) فالمراد أن المكذبين للرسل تتشابه أقوالهم وأفعالهم، فكما أن قوم موسى كانوا أبداً في التعنت واقتراح الأباطيل، كقولهم (لَن نَّصْبِرَ على طَعَامٍ واحد) وقولهم (اجعل لَّنَا إلها كَمَا لَهُمْ ءَالِهَةٌ) وقولهم (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) وقولهم (أَرِنَا الله جَهْرَةً) فكذلك هؤلاء المشركون يكونون أبداً في العناد واللجاج وطلب الباطل.

стр. 366

(قَدْ بَيَّنَّا الْآياتِ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) أي أوضحنا الدلالات على صدق الرسل بما لا يحتاج معها إلى سؤال آخر وزيادة لمن أتقن وصدق واتبع الرسل وفهم ما جاءوا به عن الله ﵎. وأما من ختم الله على قلبه وسمعه، وجعل على بصره غشاوة، فأولئك قال الله عنهم (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). قال الشنقيطي: هذه الآية تدل بظاهرها على أن البيان خاص بالموقنين، وقد جاءت آيات أخر تدل على أن البيان عام لجميع الناس كقوله تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) وكقوله (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ) ووجه الجمع: أن البيان عام لجميع الخلق، إلا أنه لما كان الانتفاع به خاصا بالمتقين خص في هذه الآية بهم، لأن ما لا نفع فيه كالعدم، ونظيرها قوله تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا) وقوله (إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْر) الآية، مع أنه منذر للأسود والأحمر، وإنما خص الإنذار بمن يخشى ومن يتبع الذكر لأنه المنتفع به. الفوائد: ١ - بيان عظم عناد الكفار المحادين لله ورسله. ٢ - أن القلوب إذا تشابهت، تشابهت الأقوال والأعمال. ٣ - الإشارة إلى أن القلوب هي الموجهة للبدن، لقوله تعالى: (تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ). ٤ - تشابه أعمال الكفرة، أي مشابهة لاحقيهم لسابقيهم. ٥ - أن الله بين وأوضح الآيات التي تدل على صدق ما جاءت به رسله. ٦ - أن هذه الآيات البينات بنفسها لا تتبين إلا لموفق.

стр. 367

(إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ (١١٩)). [سورة البقرة: ١١٩]. (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ) المرسِل هو الله ، والخطاب للرسول ﷺ . (بالْحَقِّ) يحتمل أن يكون تبياناً للرسالة، أي أن رسالتك حق، ليس فيها شيء من الباطل. ويحتمل أن يكون تبياناً للمرسل به، والمعنيان صحيحان، فرسالة النبي ﷺ حق، وما أرسل به من العلم والإيمان والعمل الصالح حق. قال السعدي: ثم ذكر تعالى بعض آية موجزة مختصرة جامعة للآيات الدالة على صدقه ﷺ وصحة ما جاء به فقال (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا) فهذا مشتمل على الآيات التي جاء بها، وهي ترجع إلى ثلاثة أمور: الأول: في نفس إرساله، والثاني: في سيرته وهديه ودلهِ، والثالث: في معرفة ما جاء به من القرآن والسنة. (بَشِيراً وَنَذِيراً) صفتان من صفات الرسول ﷺ أنه بشير ونذير، فهو بشير للمؤمنين، وهو نذير للكافرين، بشير للمؤمنين بالثواب العاجل والآجل، ونذير للكافرين بالعقاب العاجل والآجل. كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا مُبَشِّراً وَنَذِيراً). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ). وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً). (وَلا تُسْأَلُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ) أي: أي لا نسألك عن كفر من كفر بك، وعصيان من عصى، وتمرد من تمرد، لأنك قد بلغت، والحساب على الله.

стр. 368

كقوله تعالى (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ. لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصَيْطِرٍ). وقال تعالى (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ). وقال تعالى (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ). وقال تعالى (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ). الفوائد: ١ - إثبات رسالة النبي ﷺ لقوله (إنا أرسلناك). ٢ - أن رسالة النبي ﷺ حق، لقوله (إنا أرسلناك بالحق). ٣ - وجوب اتباع النبي ﷺ لكونه رسول الله، ولكون ما جاء به حق وضد الحق الباطل. ٤ - أن النبي ﷺ ليس له حق من الربوبية والتصرف في الخلق، وإنما هو بشير ونذير. ٥ - أن رسول الله ﷺ لا يسأل عن ضلال الضالين، ومن كان من أصحاب الجحيم. ٦ - أن الإنسان إذا أدى ما عليه من إبلاغ الشرع والدعوة إليه، فإنه لا يناله من ضلال الضالين شيء، إنما يضلون على أنفسهم.

стр. 369

(وَلَن تَرْضَى عَنكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٢٠)). [سورة البقرة: ١٢٠] (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) قال ابن جرير: يعني جل ثناؤه (وَلَنْ تَرْضَى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلا النَّصَارَى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ) وليست اليهود يا محمد ولا النصارى براضية عنك أبداً، فدع طلب ما يرضيهم ويوافقهم، وأقبل على طلب رضا الله في دعائهم إلى ما بعثك الله به من الحق. قال القرطبي: والمعنى ليس غرضهم يا محمد بما يقترحون من الآيات أن يؤمنوا، بل لو آتيناهم بكل ما يسألون لم يرضوا عنك، وإنما يرضيهم ترك ما أنت عليه من الإسلام واتباعهم. • وقال ﵀: (ولن ترضى عنك اليهود) يعني إلا باليهودية، (ولا النصارى) يعني إلا بالنصرانية وهذا شيء لا يتصور إذ لا يجتمع في رجل واحد شيئان في وقت واحد وهو قوله (حتى تتبع ملتهم) يعني دينهم وطريقتهم. قال ابن عاشور: الكناية عن اليأس من اتباع اليهود والنصارى لشريعة الإسلام يومئذ لأنهم إذا كانوا لا يرضون إلا باتباعه ملتهم فهم لا يتبعون ملته، ولما كان اتباع النبي ملتهم مستحيلاً كان رضاهم عنه كذلك على حد (حتى يلج الجمل في سم الخياط) وقوله (لا أعبد ما تعبدون ولا أنتم عابدون ما أعبد). (قُلْ) أي: قل يا محمد منكراً عليهم: (إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى) أي: ما أنت عليه يا محمد من هدى الله الحق الذي يضعه في قلب من يشاء هو الهدى الحقيقي، لا ما يدعيه هؤلاء. قال ابن كثير: أي قل يا محمد؛ إن هدى الله الذي بعثني به هو الهدى، يعني هو الدين المستقيم الصحيح الكامل الشامل. (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) فيه تهديد ووعيد شديد للأمة عن اتباع طرائق اليهود والنصارى بعد ما علموا من القرآن والسنة. وفي هذا الخطاب وجهان: أحدهما: أنه للرسول ﷺ لتوجه الخطاب إليه. والثاني: أنه للرسول ﷺ والمراد به أمته، كقوله تعالى (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ). وعلى الأول يكون فيه تأديب لأمته، إذ منزلتهم دون منزلته. قوله تعالى (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) فإن الهوى رأي ناشئ عن شهوة لا عن دليل.

стр. 370

قوله تعالى (مَا لَكَ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الفرق بين الولي والنصير: أن النصير هو من يدافع عنك ممن يعتدي عليك، فهو ينصرك، وأما الولي فهو الذي يتولاك بالعناية، وبتحصيل مطلوبك ودفع مرهوبك، هذا إذا اجتمعا، أما إذا أفرد أحدهما شمل الآخر، فإذا قيل ولي بدون نصير، فالمراد من يجلب لك الخير ويدفع عنك الشر. [قاله الشيخ ابن عثيمين] الفوائد: ١ - أن اليهود والنصارى يرضون بمن يتبع ملتهم، بل يفرحون بذلك ويسرون به ويستبشرون به. ٢ - أن الهدى لا يختص بأمة أو طائفة معينة، فليس الهدى لليهود فقط، ولا للنصارى فقط، بل الهدى هدى الله، فمن اتبع هدى الله على يد أي رسول فقد اهتدى بهدى الله. ٣ - التحذير من اتباع اليهود والنصارى. ٤ - قوله (ملتهم) استدل بها كثير من الفقهاء على أن الكفر ملة واحدة، وعلى هذا القول يتوارث الكفار فيما بينهم. اختلف العلماء في توارث الكفار بعضهم من بعض، كاليهود مع النصارى أو المجوس: القول الأول: أن الكفر بجميع نحله ملة واحدة. وهذا قول الحنفية والشافعية ورواية في مذهب أحمد، وهو قول الجمهور. وعلى هذا القول يتوارث الكفار فيما بينهم دون نظر إلى اختلافهم في الديانة. لقوله تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ). ولقوله تعالى: (لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ). القول الثاني: أن الكفر ملل متعددة، لا يرث أهل كل ملة من أهل الملة الأخرى. وهذا القول رواية عن أحمد، وهو القول الثاني للمالكية. لقوله ﷺ (لا يتوارث أهل ملتين شتى). رواه أحمد وأبو داود وهذا القول هو الراجح. ٥ - أن العقوبات إنما تقع على العبد بعد أن يأتيه العلم، وأما الجاهل فلا عقوبة عليه، وهذا الأصل يشهد له آيات كثيرة متعددة، منها: قوله تعالى (رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا). وقوله تعالى (وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُمْ بِهِ وَلَكِنْ مَا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكُمْ). وقوله تعالى (وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً). وقوله تعالى (وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا وَمَا كُنَّا مُهْلِكِي الْقُرَى إِلَّا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ).

стр. 371

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلَاوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمن يَكْفُرْ بِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ (١٢١)). [سورة البقرة: ١٢١]. (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) اختلف العلماء في المراد بهم على قولين: فقيل: هم علماء اليهود والنصارى، ورجحه ابن جرير. والدليل عليه أن الذين تقدم ذكرهم هم أهل الكتاب فلما ذم طريقتهم وحكى عنهم سوء أفعالهم، أتبع ذلك بمدح من ترك طريقتهم، بل تأمل التوراة وترك تحريفها وعرف منها صحة نبوة محمد ﷺ . قال الطبري: بل عني الله بذلك علماء بني إسرائيل الذين آمنوا بالله وصدقوا رسلَه، فأقروا بحكم التوراة، فعملوا بما أمر الله فيها من اتباع محمد ﷺ والإيمان به، والتصديق بما جاء به من عند الله، وهذا القول أولى بالصواب. وقيل: هم أصحاب رسول الله ﷺ ، والصحيح أن الآية عامة. (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) أي: أنهم يعلمون بما فيه، فيحلُّون حلاله، ويحرّمون حرامه، فيكون من تلاه يتلوه إذا اتبعه، ومنه قوله تعالى (والقمر إِذَا تلاها) أي: اتبعها، كذا قيل، ويحتمل أن يكون من التلاوة: أي: يقرءونه حق قراءته لا يحرّفونه، ولا يبدّلونه. (فتح القدير).

стр. 372

• والتلاوة يراد بها ثلاث أمور: ١ - التلاوة اللفظية، بأن يقيم الإنسان حروف الكتاب الذي أنزل. ٢ - التلاوة المعنوية، بأن يقيم معناه، أي معنى الكتاب الذي أنزل، وذلك بأن يفسره بما أراد الله لا بهوى نفسه. ٣ - التلاوة الحكمية العملية، بأن يؤمن بأخباره، ويقوم بأوامره، ويجتنب نواهيه. قوله تعالى (يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاوَتِهِ) أي التلاوة الحق. (أُولَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ) يعني هؤلاء هم الذي يؤمنون به حقاً، وأما من لم يتله حق تلاوته: إما باللفظ أو في المعنى أو في الحكم والعمل، فإنه لم يؤمن به، وقد نقص من إيمانه بقدر ما نقص من تلاوته. قال ابن كثير: وقوله (أولئك يؤمنون به) خبر عن الذين أتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته، أي من أقام كتابه من أهل الكتاب المنزلة على الأنبياء المتقدمين حق إقامته، آمن بما أرسلتك به يا محمد، كما قال تعالى: (وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقَامُوا التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ). صور من التطبيق والعمل بالقرآن: عن عائشة قالت (لما أنزل الله في براءتي، قال أبو بكر - وكان ينفق على مسطح بن أُثاثة لقرابته وفقره - والله لا أنفق على مسطح شيئاً أبداً بعد الذي قال لعائشة ما قال، فأنزل الله (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال أبو بكر: بلى والله، إني أحب أن يغفر الله لي، فرجع إلى النفقة التي كان ينفق عليه وقال: والله لا أنزعها منه أبداً) رواه البخاري. وعن ابن عمر قال: حضرتني هذه الآية (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فذكرت ما أعطاني الله، فلم أجد شيئاً أحب إليّ من مرجانة - جارية رومية - فقلت: هي حرة لوجه الله. ولما نزلت هذه الآية، قال زيد بن حارثة: اللهم إنك تعلم أنه ليس لي مال أحب إليّ من فرسي هذه، فجاء بها إلى النبي ﷺ فقال: هذه في سبيل الله، فقال رسول الله ﷺ : قد قبِله الله منك.

стр. 373

عن أَنَس بْن مَالِك قال (كَانَ أَبُو طَلْحَةَ أَكْثَرَ أَنْصَارِىٍّ بِالْمَدِينَةِ مَالاً وَكَانَ أَحَبَّ أَمْوَالِهِ إِلَيْهِ بَيْرَحَى وَكَانَتْ مُسْتَقْبِلَةَ الْمَسْجِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ يَدْخُلُهَا وَيَشْرَبُ مِنْ مَاءٍ فِيهَا طَيِّبٍ. قَالَ أَنَسٌ فَلَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) قَامَ أَبُو طَلْحَةَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ إِنَّ اللَّهَ يَقُولُ فِي كِتَابِهِ (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) وَإِنَّ أَحَبَّ أَمْوَالِى إِلَىَّ بَيْرَحَى وَإِنَّهَا صَدَقَةٌ لِلَّهِ أَرْجُو بِرَّهَا وَذُخْرَهَا عِنْدَ اللَّهِ فَضَعْهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ حَيْثُ شِئْتَ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّه) متفق عليه. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِهِ) أي: بالكتاب المذكور وهو القرآن. (فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) وخسارته ولوج النار، كما قال تعالى: (وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ). الخاسرون جمع خاسر، وأصل الخسران: هو ذهاب مال التاجر، سواء كان ربحاً أو رأس مال، وكل من خسر شيئاً من ماله فقد خسر، وخسران الناس: المراد به غبنهم حظوظهم من ربهم جل وعلا، وقد أقسم الله تعالى على أن هذا الخسران لا ينجو منه أحد إلا بتلك الصفات المقررة المعروفة في تلك السورة الكريمة وهي سورة العصر في قوله تعالى (وَالْعَصْرِ. إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ). الفوائد: ١ - الثناء على من آتاه الله الكتاب فتلاه حق تلاوته. ٢ - أن من لم يقم حروف الكتاب، فإنه لم يؤمن به حق الإيمان، لأنه لم يتله حق تلاوته. ٣ - أن التلاوة تنقسم إلى قسمين: تلاوة تامة: وهي حسن التلاوة. وتلاوة ناقصة: وهي ما دون ذلك. ٤ - أن من لم يقم بالعمل الصالح الذي دل عليه الكتاب؛ فإنه لم يتله حق تلاوته، فيكون ناقص الإيمان. ٥ - الثناء على التالين لكتاب الله حق تلاوته، لقوله تعالى: (أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ). ٦ - أن الكافر بالكتاب الذي أنزله الله على رسله، خاسر في الدنيا والآخرة. ٧ - قال ابن القيم في الفوائد: إذا أردت الانتفاع بالقرآن، فأجمع قلبك عند تلاوته وسماعه، وألق سمعك، واحضر حضور من يخاطبه به سبحانه منه إليه، فإنه خطاب منه لك على لسان رسوله.

стр. 374

(يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (١٢٢) وَاتَّقُواْ يَوْماً لاَّ تَجْزِي نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئاً وَلَا يُقْبَلُ مِنْهَا عَدْلٌ وَلَا تَنفَعُهَا شَفَاعَةٌ وَلَا هُمْ يُنصَرُونَ (١٢٣)). [سورة البقرة: ١٢٢، ١٢٣] قد تقدم تفسير هذه الآية في صدر السورة آية [٤٧ - ٤٨]. قال ابن كثير: وكررت هنا للتأكيد والحث على اتباع الرسول النبي الأمي الذي يجدون صفته في كتبهم ونعتَه واسمَه وأمره وأمته، فحذرهم من كتمام هذا. وقال الخازن: كررها في أول السورة وهنا للتوكيد وتذكير النعم.

стр. 375

(وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِن ذُرِّيَّتِي قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)). [سورة البقرة: ١٢٤] (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ) أي: واذكر يا محمد حين اختبر الله عبده إبراهيم الخليل. (بِكَلِمَاتٍ) اختلف العلماء في المراد بالكلمات على أقوال: قيل: شرائع الإسلام. وقيل: ابتلاه الله بالمناسك. وقيل: ابتلاه الله بالطهارة خمس في الرأس وخمس في الجسد. وقيل: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه في الله حين أمر بمفارقتهم، ومحاجته نمروذ في الله. وقيل: بذبح ابنه. وقيل: بأداء الرسالة. وقال مجاهد في قوله (وإذ ابتلى إبراهيم ربه بكلمات فأتمهن) قال: ابتلي بالآيات الله بعدها (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). • قال ابن جرير: ما حاصله أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميع ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزم بشيء منها أنه المراد على التعيين إلا بحديث أو إجماع، قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسلم إليه. ثم قال ﵀: ولو قال قائل إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس، أولى بالصواب من القول الذي قاله غيرهم، كان مذهباً، لأن قوله (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) وقوله (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ … ) وسائر الآيات التي هي نظير ذلك كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم. • وقال ابن كثير معقباً على قول ابن جرير: والذي قاله أولاً من الكلمات تشمل جميع ما ذكر أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله، لأن السياق يعطي غير ما قالوه، والله أعلم.

стр. 376

• فإبراهيم أخذ ولده إلى المذبح والاستعداد التام لذبحه، طاعة لأمر الله سبحانه. وأسكن الزوج والولد في واد غير ذي زرع بمكة، حيث لم يسكن فيه إنسان. ونهض بوجه عَبَدة الأصنام وتحطيم الأصنام، والوقوف ببطولة في تلك المحاكمة التاريخية، ثم إلقاؤه في وسط النيران، وثباته ورباطة جأشه في كل هذه المراحل. وهاجر من أرض عبدة الأصنام والابتعاد عن الوطن، والاتجاه نحو أصقاع نائية لأداء رسالته. (فَأَتَمَّهُنَّ) أي: قام بهن؛ أي قام بهن كلهن، وأداهن أحسن تأدية من غير تفريط ولا توان كما قال تعالى: (وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى) أي وفَّى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله عليه. • قوله تعالى (فَأَتَمَّهُنَّ) في هذا ثناء على إبراهيم ﵊، وقد أثنى الله عليه في آيات كثيرة: قال تعالى (وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً). وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). وقال تعالى (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) وقال تعالى (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ .. ). وقال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ). • وثناء الله على شخص لفائدتين: الأولى: لنقوم بالثناء عليه. والثانية: لنقتدي به. (قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً) الإمام القدوة، والمعنى: أي جاعلك إماماً يقتدي بك الناس ويأتمون بك، ويقتدي بك الصالحون. • قال الفخر الرازي: إن الله تعالى لما وعده بأن يجعله إماماً للناس حقق الله تعالى ذلك الوعد فيه إلى قيام الساعة، فإن أهل الأديان على شدة اختلافها ونهاية تنافيها يعظمون إبراهيم ﵊ ويتشرفون بالانتساب إليه إما في النسب وإما في الدين والشريعة حتى إن عبدة الأوثان كانوا معظمين لإبراهيم ﵇، وقال الله تعالى في كتابه (ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتبع مِلَّةَ إبراهيم حَنِيفًا). وقال (مِنْ يَرْغَبُ عَن مِلَّةِ إبراهيم إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ). وقال في آخر سورة الحج (مّلَّةَ أَبِيكُمْ إبراهيم هُوَ سماكم المسلمين مِن قَبْلُ). وجميع أمة محمد ﵇ يقولون في آخر الصلاة وارحم محمداً وآل محمد كما صليت وباركت وترحمت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم. (قَالَ) إبراهيم ﵇.

стр. 377

(وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) أي: ومن أولادي أيضاً فاجعل أئمة يُقتدَى بهم. • قال ابن عطية: هو على جهة الدعاء والرغباء إلى الله، أي: ومن ذريتي يا رب فاجعل. • قال ابن عباس: سأل إبراهيم ﵇ أن يجعل من ذريته إمام، فأعلمه الله أن في ذريته من يعصي فقال (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). • قال السعدي: فلما اغتبط إبراهيم ﵇ بهذا المقام، وأدرك هذا، طلب ذلك لذريته لتعلو درجته، ودرجة ذريته. • هذا وقد جعل الله تعالى في ذرية إبراهيم النبوة والكتاب. قال تعالى (وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ). • قال السعدي: فلم يأت بعده نبي إلا من ذريته، ولا نزل كتاب إلا على ذريته، حتى ختموا بابنه محمداً ﷺ وعليهم أجمعين. وهذا من أعظم المناقب والمفاخر أن تكون مواد الهداية والرحمة، والسعادة والفلاح والفوز في ذريته، وعلى أيديهم اهتدى المهتدون، وآمن المؤمنون، وصلح الصالحون. (السعدي). • قوله تعالى (ومن ذريتي) يحتمل: أن يكون ذلك دعاء من إبراهيم، أي: واجعل من ذريتي أئمة، ويحتمل: أن يكون هذا من إبراهيم بقصد الاستفهام وإن لم يكن بصيغته، أي: ومن ذريتي ماذا يكون يا رب، فأخبره أن فيهم عصاة وظلمة، ويحتمل: دعاء وطلب على جهة الرغباء إلى الله تعالى، أي من ذريتي يا رب فاجعل، وهذا أصح. • الذرية في الأصل تطلق على الأبناء ومن جاء منهم، كهذه الآية، وكقوله تعالى (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ) وكقوله تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا هَبْ لَنَا مِنْ أَزْوَاجِنَا وَذُرِّيَّاتِنَا قُرَّةَ أَعْيُنٍ)، وقد تطلق على الآباء، ومنه قوله تعالى (وَآيَةٌ لَهُمْ أَنَّا حَمَلْنَا ذُرِّيَّتَهُمْ فِي الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ). • قال ابن عاشور: وإنما قال إبراهيم (ومن ذريتي) ولم يقل وَذُريتي لأنه يعلَم أن حكمة الله من هذا العالم لم تجر بأن يكون جميع نسل أحد ممن يصلحون لأن يُقتدَى بهم فلم يسأل ما هو مستحيل عادة، لأن سؤال ذلك ليس من آداب الدعاء. (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) أي: لا ينال هذا الفضل العظيم - وهو الإمامة في الدين - أحد من المشركين. قال ابن جرير: هذا خبر من الله جل ثناؤه عن أن الظالم لا يكون إماماً يقتدي به أهل الخير. • ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل ﵇ أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه.

стр. 378

• قوله تعالى (لا ينال عهدي … ) واختلف في المراد بالعهد: فقيل: النبوة، وقيل: الإمامة في الدين، وروي عن قتادة في قوله (لا ينال عهدي الظالمين) قال: لا ينال عهد الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فآمن به وأكل وعاش وأبصر، قال الزجاج: وهذا قول حسن. • وقال ابن الجوزي: وفي العهد هاهنا سبعة أقوال: أحدها: أنه الإمامة، رواه أبو صالح عن ابن عباس، وبه قال مجاهد، وسعيد بن جبير. والثاني: أنه الطاعة، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: الرحمة، قاله عطاء وعكرمة. والرابع: الدين، قاله أبو العالية. والخامس: النبوة، قاله السدي عن أشياخه. والسادس: الأمان، قاله أبو عبيدة. والسابع: الميثاق، قاله ابن قتيبة. والأول أصح. • فإن قيل: أفما كان إبراهيم ﵊ عالماً بأن النبوة لا تليق بالظَّالمين؟ فالجواب: بلى، ولكن لم يعلم حال ذرّيته، فبيّن الله تعالى أن فيهم من هذا حاله، وأن النبوة إنما تحصل لمن ليس بظالم. • صفات إبراهيم ﵇: الصفة الأولى: أمة. قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً .. ). قيل معناها هنا: الرجل الجامع لخصال الخير حتى يقوم مقام أمة من الناس، وهذا هو المقصود في حق إبراهيم، وهذه تدلنا على عظيم ما كان يتصف به إبراهيم من عبادة ودعوة وخلق. وقيل أن المقصود بالأمة هنا: أي الإمام، أي قدوة يقتدى به في الخير، وممن قال به ابن جرير الطبري وابن كثير. الصفة الثانية: قانت. قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِّلَّهِ حَنِيفاً). والقنوت: لزوم الطاعة مع الخضوع. الصفة الثالثة: حنيفاً. والحَنَف: الميل عن الضلال إلى الاستقامة، والحنيفُ: المائل والجنف: ضده. والأحنف: مَنْ في رجله ميل سمي بذلك تفاؤلاً، وقيل لمجرد الميل. قال ابن كثير: الحنيف: المنحرف قصداً عن الشرك إلى التوحيد. وقد كان ذلك من إبراهيم حتى عُدَّ إمام الحنفاء الموحدين، قال تعالى: [ولَمْ يَكُ مِنَ المُشْرِكِينَ]، وقال: [ومَا كَانَ مِنَ المُشْرِكِينَ]، وهكذا فليكن أولياء الله.

стр. 379

الصفة الرابعة: شاكر. قال تعالى (شَاكِراً لأَنْعُمِهِ) أي قائماً بشكر نعم الله عليه. نعمة الله على لسان عبده: ثناء واعترافاً، وعلى قلبه: شهوداً ومحبة، وعلى جوارحه: انقياداً وطاعة. بالقلب، قال تعالى (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ). وباللسان، قال تعالى (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ). وبالجوارح، قال تعالى (اعْمَلُوا آلَ دَاوُدَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). الصفة الخامسة: الحلم. قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). والحلم: ضبط النفس والطبع عن الهيجان عند الاستثارة. والحليم: الكثير الحلم وموقف إبراهيم من مقالة أبيه (لأَرْجُمَنَّكَ). ومن العتاة قوم لوط حينما مرت به الملائكة وأخبرته بما أمرت بها قال (فلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وجَاءَتْهُ البُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ * إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). ولم يكن حلم إبراهيم ذريعة يتذرع للسكوت عن المنكر بل كان يعلن الحق وينكر الباطل (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ). الصفة السادسة: أوّاه. قال تعالى (إنَّ إبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُّنِيبٌ). والذي يتحقق من معنى الأوّاه أنه الخاشع الدعّاء المتضرع، وكثرة تأوّه إبراهيم وتضرعه بين يدي ربه قد ذكرت في آيات كثيرة تدل على تحقيق إبراهيم (رَّبَّنَا عَلَيْكَ تَوَكَّلْنَا وإلَيْكَ أَنَبْنَا وإلَيْكَ المَصِيرُ) وجدير بمن سلك طريق الدعوة أن يجعل تعجيل الإنابة من أبرز سماته ليكسب عون ربه وتسديده ومحبته.

стр. 380

الصفة السابعة: السخاء. قال تعالى (هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إبْرَاهِيمَ المُكْرَمِينَ * إذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلامًاً قَالَ سَلامٌ قَوْمٌ مُّنكَرُونَ * فَرَاغَ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِعِجْلٍ سَمِينٍ * فَقَرَّبَهُ إلَيْهِمْ قَالَ أَلا تَأْكُلُونَ). فذكر أن الضيف مكرمون لإكرام إبراهيم لهم، ولم يذكر استئذانهم ليدل على أنه قد عرف بإكرام الضيفان، مع أنهم قوم منكرون لا يعرفهم فقد ذبح لهم عجلاً واستسمنه، ولم يعلمهم بذلك بل راح: أي ذهب خفية حتى لا يُشعر به، تجاوباً لضيافة، فدل على أن ذلك كان معداً عندهم مهيئاً للضيفان، وخدمهم بنفسه، فجاء به ومرّ به إليهم ولم يقربهم إليه، وتلطف مبالغة في الإكرام فقال (أَلا تَأْكُلُونَ). الصفة الثامنة: الصبر. كان إبراهيم مثلاً يحتذى في الصبر حتى استحق أن يكون من أولي العزم الذين أمر رسولنا ﷺ أن يصبر كصبرهم (فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا العَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ). وكان صبر إبراهيم شاملاً لابتلاءات كثيرة، سيأتي بيان جملة منها بإذن الله. الصفة التاسعة: شجاعته. واجه إبراهيم قومه ولم يخش كيدهم وقال مقسماً (وتَاللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُم بَعْدَ أَن تُوَلُّوا مُدْبِرِينَ) وقوله لهم (أُفٍّ لَّكُمْ ولِمَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ .. ). الصفة العاشرة: تحقيقه الكامل لعقيدة الولاء والبراء. قال تعالى (وإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ وقَوْمِهِ إنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ * إلاَّ الَذِي فَطَرَنِي فَإنَّهُ سَيَهْدِينِ). فكل عدو لله وإن قربه النسب تجب البراءة منه، وكل ولي لله وإن باعدت به الأوطان والأزمان تجب موالاته ومحبته وقد أمرنا أن نتأسى بإبراهيم في ذلك (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إبْرَاهِيمَ والَّذِينَ مَعَهُ إذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إنَّا بُرَآءُ مِنكُمْ ومِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وبَدَا بَيْنَنَا وبَيْنَكُمُ العَدَاوَةُ والْبَغْضَاءُ أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وحْدَهُ .. ).

стр. 381

الصفة الحادية عشرة: سلامة القلب. قال تعالى (وإنَّ مِن شِيعَتِهِ لإبْرَاهِيمَ * إذْ جَاءَ رَبَّهُ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ). وسلامة القلب نوعان: كلاهما داخل في مضمون الآية، أحدهما: في حق الله وهو سلامة قلبه من الشرك، وإخلاصه العبودية لله، وصدق التوكل عليه. والثاني: في حق المخلوقين بالنصح لهم وإيصال الخير إليهم، وسلامة القلب من الحقد والحسد وسوء الظن والكبر وغير ذلك. الفوائد: ١ - فضيلة إبراهيم وأنه إمام يقتدى به. ٢ - شفقة إبراهيم على أمته حيث قال: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي). ٣ - أن الله أعطى إبراهيم ما سأل بأن يجعل من أمته أئمة، لكنه استثنى من ذلك الظالم فإنه لا يكون إماماً. ٤ - كراهية الله تعالى للظلم، ولذلك لا يكون للظالم إمامة.

стр. 382

(إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِّلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)). [سورة البقرة: ١٢٥] (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ) (جَعَلْنَا) بمعنى صيرنا (الْبَيْتَ) يعني الكعبة. (مَثَابَةً لِلنَّاسِ) أي مرجعاً، أي: يرجع الحجاج إليه بعد تفرقهم عنه، وقيل: المثابة من الثواب، أي: يثابون هنالك. • قال في التسهيل: لأنّ الناس يرجعون إليه عاماً بعد عام. • وقال الشيخ ابن عثيمين: أي يرجعون إليه من كل أقطار الدنيا سواء ثابوا إليه بأبدانهم أو بقلوبهم، فالذين يأتون إليه حجاجاً أو معتمرين يثوبون إليه بأبدانهم، والذين يتجهون إليه كل يوم بصلواتهم يثوبون إليه بقلوبهم. (وَأَمْناً) أي: موضع أمن، فمن دخله كان آمناً، فيأمن الناس فيه على دمائهم وأموالهم حتى أشجار الحرم وحشيشه آمن من القطع. • قال ابن كثير: في هذه الآية يذكر الله تعالى شرف البيت وما جعله موصوفاً به شرعاً وقدراً من كونه مثابة للناس، أي جعله محلاً تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطراً ولو ترددت إليه كل عام استجابة من الله تعالى، لدعاء خليله إبراهيم ﵇ في قوله (فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ) إلى أن قال (رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ)، ويصفه تعالى أنه آمناً من دخله أمن. • خصائص حرم مكة: أولاً: يجب السفر إليها (شد الرحال إليه فرض). كما قال تعالى (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ). ثانياً: قصْدُه مكفراً للذنوب. قال ﷺ (من أتى هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) متفق عليه. وقال ﷺ (نابعوا بين الحج والعمرة، فإنهما ينفيان الفقر والذنوب كما ينفي الكير خبث الحديد والذهب) رواه الترمذي. وقال ﷺ (والحج المبرور ليس له جزاء إلا الجنة) متفق عليه.

стр. 383

ثالثاً: أن الصلاة في المسجد الحرام بمائة ألف صلاة. كما قال ﷺ (صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام) متفق عليه. رابعاً: أن مكة أفضل البلاد. كما روى الترمذي عن عبد الله بن عدي. أنه سمع رسول الله ﷺ وهو واقف على راحلته بالحَزْوَرَة من مكة يقول (والله إنكِ لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله، ولولا أني أخرجتُ منك ما خرجت). خامساً: أنها قبلة أهل الأرض كلهم. قال تعالى (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ). سادساً: أن المسجد الحرام أول مسجد وضع في الأرض. كما في الصحيحين عن أبي ذر قال (سألت رسول الله ﷺ عن أول مسجد وضع في الأرض؟ فقال: المسجد الحرام … ) متفق عليه. سابعاً: أنه يحرم استقبال القبلة واستدبارها حال قضاء الحاجة. كما قال ﷺ (لا تستقبلوا القبلة ولا تستدبروها ولكن شرقوا أو غربوا) متفق عليه. (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً) نبه الله في هذه الآية على مقام إبراهيم وأمر بالصلاة عنده، قال قتادة: أمروا أن يصلوا عنده. والمقام في اللغة موضع القدمين، وقد اختلف في المراد بالمقام ما هو؟ فقيل: مقام إبراهيم الحج كله، روي هذا عن مجاهد وعكرمة وعطاء. وقيل: الحرم كله مقام إبراهيم، روي هذا عن النخعي. قال القرطبي: أصحها: أنه الحجر الذي تعرفه الناس اليوم الذي يصلون عنده ركعتي طواف القدوم، وهذا قول جابر بن عبد الله وابن عباس وقتادة وغيرهم، وفي حديث مسلم من حديث جابر الطويل (أن النبي ﷺ لما رأى البيت استلم الركن فرمل ثلاثاً، ومشى ثلاثاً، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم فقرأ (واتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) فصلى ركعتين قرأ بهما بـ (قل هو الله أحد) و (قل يا أيها الكافرون). ورجح هذا القول ابن كثير في تفسيره حيث قال بعد أن ذكر حديث جابر السابق: فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحجر الذي كان إبراهيم ﵇ يقوم عليه لبناء الكعبة.

стр. 384

ورجحه أيضاً ابن الجوزي في زاد المسير فقال: والقول الثالث: الحجر، قاله سعيد بن جبير، وهو الأصح. قال عمر بن الخطاب: قلت: يا رسول الله! لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلّى، فنزلت. ورجحه أيضاً الشوكاني وقال: والأحاديث الصحيحة تدل على أن مقام إبراهيم هو: الحجر الذي كان إبراهيم يقوم عليه لبناء الكعبة لما ارتفع الجدار، أتاه إسماعيل به ليقوم فوقه، كما في البخاري من حديث ابن عباس، وهو: الذي كان ملصقاً بجدار الكعبة، وأوّل من نقله عمر بن الخطاب كما أخرجه عبد الرزاق، والبيهقي، بإسناد صحيح. ورجح هذا القول أيضاً الرازي واحتج له بوجوه: الأول: ما روى جابر أنه ﵇ لما فرغ من الطواف أتى المقام وتلا قوله تعالى (واتخذوا مِن مَّقَامِ إبراهيم مُصَلًّى) فقراءة هذه اللفظة عند ذلك الموضع تدل على أن المراد من هذه اللفظة هو ذلك الموضع ظاهر. وثانيها: أن هذا الاسم في العرف مختص بذلك الموضع، والدليل عليه أن سائلاً لو سأل المكي بمكة عن مقام إبراهيم لم يجبه ولم يفهم منه إلا هذا الموضع. ثم ذكر بقية الأوجه. (وَعَهِدْنَا إلى إبراهيم) قيل معناه: أمرنا، وقيل: أوحينا إلى إبراهيم. (وَإِسْمَاعِيلَ) أي: وولده إسماعيل. إسماعيل هو أكبر أولاد إبراهيم، وهو من سريته هاجر، وقد أبقاهما ﵇ في هذا المكان (مكة) أي أبقى إسماعيل وأمه في هذا المكان حتى شب وكبر وأتاه الأولاد الذين هم العرب المستعربة، فكان إسماعيل مع أبيه في هذا المكان، فأمر الله أن يطهر بيته للطائفين والعاكفين والركع السجود. • إسماعيل هو الذبيح، وقد ادعت اليهود أن الذبيح هو إسحاق، وقالوا: إنه مكتوب في التوراة أن الله قال لإبراهيم: اذبح ولدك وبكرك ووحيدك إسحاق، وقد رد ابن القيم هذه اللفظة (إسحاق) وبأنها من زيادة اليهود، وبين بطلانها من عشرة أوجه. (أنْ طَهِّرَا بيتي) وتطهير البيت ينقسم إلى قسمين: تطهير معنوي، وتطهير حسي.

стр. 385

أما التطهير المعنوي: بأن يطهر من الشرك والمعاصي، وذلك لأن الشرك نجاسة. والطهارة الحسية: أن يطهر من الأقذار، من البول والغائط والدم وما أشبه ذلك من الأشياء النجسة، فالواجب أن يطهر منها، فهذا الحكم - أعني التطهير من النجاسة - ثابت للمسجد الحرام ولغيره من المساجد، ولهذا لما بال الأعرابي في مسجد النبي ﷺ أمر النبي ﷺ بذنوب من ماء فأهريق عليه. فان قيل: لم يكن هناك بيت؛ فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمرا بإخراجها، قاله عكرمة. والثاني: أن معناه: ابنياه مطهراً. (زاد المسير). قال السعدي: وأضاف الباري البيتَ إليه لفوائد: منها: أن ذلك يقتضي شدة اهتمام إبراهيم وإسماعيل بتطهيره، لكونه بيت الله، فيبذلان جهدهما، ويستفرغان وسعهما في ذلك. ومنها: أن الإضافة تقتضي التشريف والإكرام، ففي ضمنها أمر عباده بتعظيمه وتكريمه. ومنها: أن هذه الإضافة هي السبب الجاذب للقلوب إليه. [تفسير السعدي: ٦٦]. فإن قيل: لم يكن هناك بيت؛ فما معنى أمرهما بتطهيره؟ فعنه جوابان: أحدهما: أنه كانت هناك أصنام، فأمرا بإخراجها، قاله عكرمة. والثاني: أن معناه: ابنياه مطهراً. [زاد المسير: ١/ ٤٢١]. وقال الرازي: إن المفسرين ذكروا وجوهاً: أحدها: أن معنى (طَهّرَا بَيْتِيَ) ابنياه وطهراه من الشرك وأسساه على التقوى، كقوله تعالى (أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ على تقوى مِنَ اللَّهِ). وثانيها: عرفا الناس أن بيتي طهرة لهم متى حجوه وزاروه وأقاموا به، ومجازه: اجعلاه طاهراً عندهم، كما يقال: الشافعي ﵁ يطهر هذا، وأبو حنيفة ينجسه.

стр. 386

وثالثها: ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب، كما يقال: طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك، وهو كقوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً. ورابعها: معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك. وخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز. (للطَّائِفِينَ) الذين يطوفون بالكعبة. قال في التسهيل: (لِلطَّائِفِينَ) هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر. قال القرطبي عن القول الثاني: فيه بُعد. لأن الأصل حمل الألفاظ الواردة في القرآن على المتبادر المشهور دون المعنى البعيد. (وَالْعَاكِفِينَ) أي: للمعتكفين، وهذا اختيار ابن جرير ﵀. والاعتكاف: لزوم مسجد لطاعة الله بنية. وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالعاكفين المقيمين فيه. (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي المصلون عند الكعبة. قال القرطبي: وخص الركوع والسجود بالذكر؛ لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى. وقال الشوكاني: وخص هذين الركنين بالذكر؛ لأنهما أشرف أركان الصلاة. • قال ابن جرير: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت؛ هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالاً، فقال: فإن قيل: فهل قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عند زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، قلت: وهذا الجواب مفرغ على أنه كان يعبد عنده أوثان قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم ﷺ . الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهراً من الشرك والريب. وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، المصلين إليه من الركع السجود.

стр. 387

• وقد وردت نصوص كثيرة تدل على فضل تطهير المساجد: قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ). وقال ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) رواه مسلم. وكانت امرأة سوداء تقم المسجد وتنظفه في عهد النبي ﷺ ، فلما ماتت، فقدها النبي ﷺ ، فسأل عنها فقالوا: ماتت، فقال (دلوني على قبرها، فصلى عليها) متفق عليه. الفوائد: ١ - فيه استحباب الصلاة خلف المقام، وفيه مباحث: o يستحب إذا انتهى من الشوط السابع من الطواف؛ أن ينطلق إلى مقام إبراهيم ويقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً). o أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة ويصلي ركعتين، قال جابر: (ثم أتى مقام إبراهيم فصلى). رواه مسلم واتفق العلماء على مشروعيتها. o أنه لا يشترط الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما وإن كان مكانهما بعيداً من المقام. o يقرأ في هاتين الركعتين (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). o حكمها سنة مؤكدة. ٢ - قوله (وأمناً) استدل به من قال بتحريم إقامة الحدود في الحرم، وهو قول جمهور التابعين والإمام أبو حنيفة وأصحابه من الفقهاء والإمام أحمد، وبعض المحدثين، واستدلوا به بقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً). وذهب مالك والشافعي ومن تبعهم: إلى أنه يستوفى الحد في الحرم، واستدلوا بعمومات الأدلة الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، وأن رسول الله ﷺ أمر بقتل ابن خطل حينما قال رجل للرسول: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: (اقتلوه). ٣ - أن الله جعل البيت مثابة للناس وأمناً، أي مرجعاً لهم وأمناً، ومن ذلك أنهم يترددون إليه في كل موسم حج، وفي غير موسم حج. ٤ - أن مكة بلد آمن، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة). متفق عليه فلا يحل القتال في مكة لأحد إلا الرسول ﷺ حين الفتح فقط، فهي لم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده، ولهذا يحرم القتال في مكة المكرمة إلا على سبيل الدفاع عن النفس، فإن الله تعالى يقول: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ).

стр. 388

٥ - الأمر باتخاذ مصلى من مقام إبراهيم، ٦ - تعلية شأن إبراهيم، حيث أمرنا الله أن نتخذ من مقامه مصلى، وهذا من جملة ما يترتب على الإمامة التي قال الله تعالى فيها: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً). ٧ - وجوب تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود. ٨ - فضيلة الطواف، لقوله (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) ولا شك أن الطواف من الأعمال الجليلة الفاضلة، ولهذا كان ركناً من أركان الحج والعمرة. الإشارة إلى أن المشروع للطائف أن يكون متطهراً، لأنه إذا أمر بتطهير البيت من أجله فتطهيره بنفسه وتطهير ملابسه من الثياب من باب أولى. ٩ - قوله (أن طهرا) قال القرطبي: دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه بالتطهير والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة، والأول أظهر. وفي التنزيل (في بيوت أذن الله أن ترفع). ١٠ - واختلف الفقهاء أيهما أفضل: الصلاة عند البيت أو الطواف فيه؟ فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل. وذُكِر عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والجمهور: أن الصلاة أفضل، وفي الخبر: لولا رجال خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصببنا عليكم العذاب صباً. وفي حديث أبي ذكر: (الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل). قال القرطبي: والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور. ١١ - فضيلة الاعتكاف، وهو كذلك، فهو سنة مؤكدة بالاتفاق، وهذه الآية تدل على أن الاعتكاف حتى في الأمم السابقة. ١٢ - فضيلة الركوع والسجود حيث عبر بهما عن الصلاة الكاملة.

стр. 389

(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)). [البقرة: ١٢٦]. (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً) يعني مكة. (آمِناً) أي اجعل هذا المكان - والمراد مكة المكرمة - بلداً ذا أمن يكون أهله في أمنٍ واستقرار. • قال ابن كثير: أي: من الخوف، أي: لا يرعب أهله، واجعل هذه البقعة بلداً آمناً. وقد فعل الله ذلك شرعاً وقدراً: فقال تعالى (ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً). وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ). وقال تعالى (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا). إلى غير ذلك من الآيات، وفي صحيح مسلم عن جابر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح). • قال الخازن: فإن قيل: لم دعا إبراهيم ﵇ للبلد بالأمن؟ إنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمناً، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به، فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلداً آمناً، فما قصده جبار إلا قصمه الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة. • قال ابن عاشور: ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوة، فإن أمن البلاد والسبُل يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبالَ على ما ينفع والثروةَ فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام. • سؤال: فإن قلت: قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة؟ قلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. (تفسير الخازن). (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) أي: وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك وخصَّ بدعوته المؤمنين فقط.

стр. 390

• قال ابن عاشور: والتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عُرفي أي من جميع الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء (مِن) التي للتبعيض، وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه. • دعاء إبراهيم لهم بالثمرات ليقوموا بعبادة الله، كما قال تعالى عن إبراهيم (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ). فلم يكن طلب الرزق مقصوداً لذاته بل صرح في دعائه أن يكون الرزق عوناً لهم على أداء العبادات والطاعات. • قال الرازي: وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات، وإقامة الطاعات. • وقال الخازن: وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا إنما ليُستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات. • وقال ابن عاشور: والمقصود توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة، وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب. وقد قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ). • فإن قيل: المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها؟! والجواب عنه من وجوه: أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك. وثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس، والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة. وثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة. (مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته. (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو يوم القيامة، وسمي آخراً، لأنه لا يوم بعده.
следующие страницы →