Полный текст (1 874 стр.). Показаны 386–425 · переход к 391.
стр. 386
وثالثها: ابنياه ولا تدعا أحداً من أهل الريب والشرك يزاحم الطائفين فيه، بل أقراه على طهارته من أهل الكفر والريب، كما يقال: طهر الله الأرض من فلان، وهذه التأويلات مبنية على أنه لم يكن هناك ما يوجب إيقاع تطهيره من الأوثان والشرك، وهو كقوله تعالى (وَلَهُمْ فِيهَا أزواج مُّطَهَّرَةٌ) فمعلوم أنهن لم يطهرن من نجس بل خلقن طاهرات، وكذا البيت المأمور بتطهيره خلق طاهراً.
ورابعها: معناه نظفا بيتي من الأوثان والشرك والمعاصي، ليقتدي الناس بكما في ذلك.
وخامسها: قال بعضهم: إن موضع البيت قبل البناء كان يلقى فيه الجيف والأقذار فأمر الله تعالى إبراهيم بإزالة تلك القاذورات وبناء البيت هناك، وهذا ضعيف لأن قبل البناء ما كان البيت موجوداً فتطهير تلك العرصة لا يكون تطهيراً للبيت، ويمكن أن يجاب عنه بأنه سماه بيتاً لأنه علم أن مآله إلى أن يصير بيتاً ولكنه مجاز.
(للطَّائِفِينَ) الذين يطوفون بالكعبة.
قال في التسهيل: (لِلطَّائِفِينَ) هم الذين يطوفون بالكعبة، وقيل: الغرباء القادمون على مكة، والأول أظهر.
قال القرطبي عن القول الثاني: فيه بُعد.
لأن الأصل حمل الألفاظ الواردة في القرآن على المتبادر المشهور دون المعنى البعيد.
(وَالْعَاكِفِينَ) أي: للمعتكفين، وهذا اختيار ابن جرير ﵀.
والاعتكاف: لزوم مسجد لطاعة الله بنية.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المراد بالعاكفين المقيمين فيه.
(وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) أي المصلون عند الكعبة.
قال القرطبي: وخص الركوع والسجود بالذكر؛ لأنهما أقرب أحوال المصلي إلى الله تعالى.
وقال الشوكاني: وخص هذين الركنين بالذكر؛ لأنهما أشرف أركان الصلاة.
• قال ابن جرير: فمعنى الآية: وأمرنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين، والتطهير الذي أمرهما به في البيت؛ هو تطهيره من الأصنام، وعبادة الأوثان فيه، ومن الشرك، ثم أورد سؤالاً، فقال: فإن قيل: فهل قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟
وأجاب بوجهين:
أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عند زمان قوم نوح من الأصنام والأوثان، ليكون ذلك سنة لمن بعدهما، قلت: وهذا الجواب مفرغ على أنه كان يعبد عنده أوثان قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم ﷺ .
الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا في بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهراً من الشرك والريب.
وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉ أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، المصلين إليه من الركع السجود.
стр. 387
• وقد وردت نصوص كثيرة تدل على فضل تطهير المساجد:
قال تعالى (فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ).
وقال ﷺ للأعرابي الذي بال في المسجد (إن هذه المساجد لا تصلح لشيء من هذا البول ولا القذر، إنما هي لذكر الله والصلاة وقراءة القرآن) رواه مسلم.
وكانت امرأة سوداء تقم المسجد وتنظفه في عهد النبي ﷺ ، فلما ماتت، فقدها النبي ﷺ ، فسأل عنها فقالوا: ماتت، فقال
(دلوني على قبرها، فصلى عليها) متفق عليه.
الفوائد:
١ - فيه استحباب الصلاة خلف المقام، وفيه مباحث:
o يستحب إذا انتهى من الشوط السابع من الطواف؛ أن ينطلق إلى مقام إبراهيم ويقرأ (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلّىً).
o أن يجعل المقام بينه وبين الكعبة ويصلي ركعتين، قال جابر: (ثم أتى مقام إبراهيم فصلى). رواه مسلم
واتفق العلماء على مشروعيتها.
o أنه لا يشترط الدنو من المقام، وأن السنة تحصل بهما وإن كان مكانهما بعيداً من المقام.
o يقرأ في هاتين الركعتين (قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ) و (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ).
o حكمها سنة مؤكدة.
٢ - قوله (وأمناً) استدل به من قال بتحريم إقامة الحدود في الحرم، وهو قول جمهور التابعين والإمام أبو حنيفة وأصحابه من الفقهاء والإمام أحمد، وبعض المحدثين، واستدلوا به بقوله تعالى: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَماً آمِناً).
وذهب مالك والشافعي ومن تبعهم: إلى أنه يستوفى الحد في الحرم، واستدلوا بعمومات الأدلة الدالة على استيفاء الحدود والقصاص في كل زمان ومكان، وأن رسول الله ﷺ أمر بقتل ابن خطل حينما قال رجل للرسول: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة فقال: (اقتلوه).
٣ - أن الله جعل البيت مثابة للناس وأمناً، أي مرجعاً لهم وأمناً، ومن ذلك أنهم يترددون إليه في كل موسم حج، وفي غير موسم حج.
٤ - أن مكة بلد آمن، وقد ثبت في الصحيحين أن رسول الله ﷺ قال: (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شجرة). متفق عليه
فلا يحل القتال في مكة لأحد إلا الرسول ﷺ حين الفتح فقط، فهي لم تحل لأحد قبله، ولن تحل لأحد بعده، ولهذا يحرم القتال في مكة المكرمة إلا على سبيل الدفاع عن النفس، فإن الله تعالى يقول: (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ).
стр. 388
٥ - الأمر باتخاذ مصلى من مقام إبراهيم،
٦ - تعلية شأن إبراهيم، حيث أمرنا الله أن نتخذ من مقامه مصلى، وهذا من جملة ما يترتب على الإمامة التي قال الله تعالى فيها: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً).
٧ - وجوب تطهير البيت للطائفين والعاكفين والركع السجود.
٨ - فضيلة الطواف، لقوله (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) ولا شك أن الطواف من الأعمال الجليلة الفاضلة، ولهذا كان ركناً من أركان الحج والعمرة.
الإشارة إلى أن المشروع للطائف أن يكون متطهراً، لأنه إذا أمر بتطهير البيت من أجله فتطهيره بنفسه وتطهير ملابسه من الثياب من باب أولى.
٩ - قوله (أن طهرا) قال القرطبي: دخل فيه بالمعنى جميع بيوته تعالى، فيكون حكمها حكمه بالتطهير والنظافة، وإنما خص الكعبة بالذكر لأنه لم يكن هناك غيرها، أو لكونها أعظم حرمة، والأول أظهر.
وفي التنزيل (في بيوت أذن الله أن ترفع).
١٠ - واختلف الفقهاء أيهما أفضل: الصلاة عند البيت أو الطواف فيه؟
فقال مالك: الطواف لأهل الأمصار أفضل، والصلاة لأهل مكة أفضل.
وذُكِر عن ابن عباس ومجاهد وعطاء والجمهور: أن الصلاة أفضل، وفي الخبر: لولا رجال خشع، وشيوخ ركع، وأطفال رضع، وبهائم رتع، لصببنا عليكم العذاب صباً.
وفي حديث أبي ذكر: (الصلاة خير موضوع فاستكثر أو استقل).
قال القرطبي: والأخبار في فضل الصلاة والسجود كثيرة تشهد لقول الجمهور.
١١ - فضيلة الاعتكاف، وهو كذلك، فهو سنة مؤكدة بالاتفاق، وهذه الآية تدل على أن الاعتكاف حتى في الأمم السابقة.
١٢ - فضيلة الركوع والسجود حيث عبر بهما عن الصلاة الكاملة.
стр. 389
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)). [البقرة: ١٢٦].
(وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَداً) يعني مكة.
(آمِناً) أي اجعل هذا المكان - والمراد مكة المكرمة - بلداً ذا أمن يكون أهله في أمنٍ واستقرار.
• قال ابن كثير: أي: من الخوف، أي: لا يرعب أهله، واجعل هذه البقعة بلداً آمناً.
وقد فعل الله ذلك شرعاً وقدراً:
فقال تعالى (ومَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً).
وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ).
وقال تعالى (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا).
إلى غير ذلك من الآيات، وفي صحيح مسلم عن جابر. قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح).
• قال الخازن: فإن قيل: لم دعا إبراهيم ﵇ للبلد بالأمن؟
إنما دعا إبراهيم له بالأمن لأنه بلد ليس فيه زرع ولا ثمر فإذا لم يكن آمناً، لم يجلب إليه شيء من النواحي فيتعذر المقام به، فأجاب الله تعالى دعاء إبراهيم وجعله بلداً آمناً، فما قصده جبار إلا قصمه الله تعالى كما فعل بأصحاب الفيل وغيرهم من الجبابرة.
• قال ابن عاشور: ولقد كانت دعوة إبراهيم هذه من جوامع كلم النبوة، فإن أمن البلاد والسبُل يستتبع جميع خصال سعادة الحياة ويقتضي العدل والعزة والرخاء إذ لا أمن بدونها، وهو يستتبع التعمير والإقبالَ على ما ينفع والثروةَ فلا يختل الأمن إلا إذا اختلت الثلاثة الأول وإذا اختل اختلت الثلاثة الأخيرة، وإنما أراد بذلك تيسير الإقامة فيه على سكانه لتوطيد وسائل ما أراده لذلك البلد من كونه منبع الإسلام.
• سؤال: فإن قلت: قد غزا مكة الحجاج وخرب الكعبة؟
قلت لم يكن قصده بذلك مكة ولا أهلها ولا إخراب الكعبة، وإنما كان قصده خلع ابن الزبير من الخلافة ولم يتمكن من ذلك إلا بذلك فلما حصل قصده أعاد بناء الكعبة فبناها وشيدها وعظم حرمتها وأحسن إلى أهلها. (تفسير الخازن).
(وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ) أي: وارزق يا رب المؤمنين من أهله وسكانه من أنواع الثمرات، ليقبلوا على طاعتك ويتفرغوا لعبادتك وخصَّ بدعوته المؤمنين فقط.
стр. 390
• قال ابن عاشور: والتعريف في الثمرات تعريف الاستغراق وهو استغراق عُرفي أي من جميع الثمرات المعروفة للناس ودليل كونه تعريف الاستغراق مجيء (مِن) التي للتبعيض، وفي هذا دعاء لهم بالرفاهية حتى لا تطمح نفوسهم للارتحال عنه.
• دعاء إبراهيم لهم بالثمرات ليقوموا بعبادة الله، كما قال تعالى عن إبراهيم (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ).
فلم يكن طلب الرزق مقصوداً لذاته بل صرح في دعائه أن يكون الرزق عوناً لهم على أداء العبادات والطاعات.
• قال الرازي: وذلك يدل على أن المقصود للعاقل من منافع الدنيا أن يتفرغ لأداء العبادات، وإقامة الطاعات.
• وقال الخازن: وفيه دليل على أن تحصيل منافع الدنيا إنما ليُستعان بها على أداء العبادات وإقامة الطاعات.
• وقال ابن عاشور: والمقصود توفر أسباب الانقطاع إلى العبادة، وانتفاء ما يحول بينهم وبينها من فتنة الكدح للاكتساب.
وقد قال تعالى (وَابْتَغِ فِيمَا آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ).
• فإن قيل: المطلوب من الله تعالى هو أن يجعل البلد آمناً كثير الخصب، وهذا مما يتعلق بمنافع الدنيا فكيف يليق بالرسول المعظم طلبها؟!
والجواب عنه من وجوه:
أحدها: أن الدنيا إذا طلبت ليتقوى بها على الدين، كان ذلك من أعظم أركان الدين، فإذا كان البلد آمناً وحصل فيه الخصب تفرغ أهله لطاعة الله تعالى، وإذا كان البلد على ضد ذلك كانوا على ضد ذلك.
وثانيها: أنه تعالى جعله مثابة للناس، والناس إنما يمكنهم الذهاب إليه إذا كانت الطرق آمنة والأقوات هناك رخيصة.
وثالثها: لا يبعد أن يكون الأمن والخصب مما يدعو الإنسان إلى الذهاب إلى تلك البلدة، فحينئذ يشاهد المشاعر المعظمة والمواقف المكرمة فيكون الأمن والخصب سبب اتصاله في تلك الطاعة.
(مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن: الإيمان بوجوده وبربوبيته وبألوهيته وبأسمائه وصفاته.
(وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) هو يوم القيامة، وسمي آخراً، لأنه لا يوم بعده.
стр. 391
• خص بدعوته المؤمنين فقط.
قال الرازي عن هذا التخصيص (من آمن بالله واليوم الآخر) بقوله: وسبب هذا التخصيص النص والقياس، أما النص فقوله تعالى (فَلَا تَأْسَ عَلَى القوم الكافرين) وأما القياس فمن وجهين:
الوجه الأول: أنه لما سأل الله تعالى أن يجعل الإمامة في ذريته، قال الله تعالى (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين) فصار ذلك تأديباً في المسألة، فلما ميز الله تعالى المؤمنين عن الكافرين في باب الإمامة، لا جرم خصص المؤمنين بهذا الدعاء دون الكافرين ثم أن الله تعالى أعلمه بقوله (فَأُمَتّعُهُ قَلِيلاً) الفرق بين النبوة ورزق الدنيا، لأن منصب النبوة والإمامة لا يليق بالفاسقين، لأنه لا بد في الإمامة والنبوة من قوة العزم والصبر على ضروب المحنة حتى يؤدي عن الله أمره ونهيه ولا تأخذه في الدين لومة لائم وسطوة جبار، أما الرزق فلا يقبح إيصاله إلى المطيع والكافر والصادق والمنافق، فمن آمن فالجنة مسكنه ومثواه، ومن كفر فالنار مستقره ومأواه.
الوجه الثاني: يحتمل أن إبراهيم ﵇ قوي في ظنه أنه إن دعا للكل كثر في البلد الكفار فيكون في غلبتهم وكثرتهم مفسدة ومضرة من ذهاب الناس إلى الحج، فخص المؤمنين بالدعاء لهذا السبب.
• كثيراً ما يقرن الله بين الإيمان بالله والإيمان باليوم الآخر، وذلك لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم الحوافز التي تدفع الإنسان للعمل الصالح، حيث الجزاء على الأعمال في ذلك اليوم، فهو أعظم دافع إلى العمل الصالح، وهو أعظم رادع على التمادي في الباطل لمن وفقه الله تعالى.
(قَالَ) الله جواباً له.
(وَمَنْ كَفَرَ) أي: قال الله: وأرزق من كفر؛ لأن الله يرزق في الدنيا المؤمن والكافر.
• قال الشوكاني: وقوله (وَمَن كَفَرَ) الظاهر أن هذا من كلام الله سبحانه ردّاً على إبراهيم حيث طلب الرزق للمؤمنين دون غيرهم، أي: وارزق من كفر، فأمتعه بالرزق قليلاً، ثم أضطره إلى عذاب النار.
(فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً): والمتاع: ما يتمتع به ثم يزول، وذلك بموت الإنسان.
• والقلة هنا: تتناول الزمان، وتتناول عين الممتّع، فالزمن قصير، فمهما طال بالإنسان العمر فهو قليل (كَأَنَّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلَّا عَشِيَّةً أَوْ ضُحَاهَا)، وكذلك عين الممتع به قليل، فكل ما يحصل للإنسان من هذه الدنيا من اللذة والمتاع قليل بالنسبة للآخرة كما في الحديث (لموضع سوطٍ في الجنة خير من الدنيا وما فيها).
(ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ) أي: ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار.
(وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: وبئس النار المآل والمرجع للكافر.
стр. 392
• قال ابن كثير: ومعناه: أن الله تعالى ينظرهم ويمهلهم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر.
كقوله تعالى (وَكَأَيِّنْ مَنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ).
وفي الصحيحين قال ﷺ (لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله إنهم يجعلون له ولداً وهو يرزقهم ويعافيهم).
وقال ﷺ (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته ثم قرأ: وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ).
• وقد أخبر تعالى أنه يمهل الكافرين ويمتعهم ثم يأخذهم.
قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ).
وقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ).
وقال تعالى (نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلاً ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ).
• فقوله تعالى (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ … ) هذا من قول الله تعالى، ورجحه ابن جرير، وقيل: هو من تمام دعاء إبراهيم ﵇، والأول أصح، فإن إبراهيم أراد أن يحجر الدعوة بالرزق للمؤمنين دون الكافرين، فأجابه الله بقوله ( .. ومن كفر فأمتعه .. ) والمعنى: ومن كفر فإني أرزقه أيضاً ثم أضطره إلى عذاب النار وبئس المصير، وهي كقوله (كُلّاً نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُوراً)، قال ابن جرير: فتأويل الآية على ذلك: قال الله: يا إبراهيم قد أجبت دعوتك، ورزقت مؤمني أهل هذا البلد من الثمرات وكفارهم متاعاً لهم إلى بلوغ آجالهم، ثم أضطر كفارهم بعد ذلك إلى النار.
الفوائد:
١ - فضل الدعاء، وأنه سبب لحصول المقصود.
٢ - رأفة إبراهيم بمن يؤم هذا البيت.
٣ - أن رزق الله شامل للكافر والمؤمن (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا).
٤ - أن متاع الدنيا قليل.
٥ - التزهيد في الدنيا.
٦ - الترغيب بالباقي وهو الآخرة.
٧ - الحذر من أن تكون نعم الله على العبد استدراجاً.
٨ - إثبات عذاب النار.
стр. 393
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٢٧) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِن ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُّسْلِمَةً لَّكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَآ إِنَّكَ أَنتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٢٨)). [البقرة: ١٢٧ - ١٢٨].
(وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ) أي: واذكر يا محمد لقومك بناء إبراهيم وإسماعيل البيت ورفعهِما القواعد منه.
• القواعد: جمع قاعدة وهي السارية والأساس، والمراد بالبيت هنا الكعبة، وقد نقل ابن عطية الإجماع على هذا.
• وكانا يقولان:
(رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) أي: اقبل منا عملنا هذا واجعله خالصاً لوجهك الكريم.
• قال ابن كثير: فهما في عمل صالح، وهما يسألان الله تعالى أن يتقبل منهما، كما جاء عن وهيب بن الورْد أنه قرأ (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا) ثم يبكي ويقول: يا خليل الرحمن ترفع قوائم بيت الرحمن وأنت مشفق أن لا يُتقبل منك، وهذا كما حكى الله عن حال المؤمنين الخلّص في قوله (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا) أي: يعطون ما أعطوا من الصدقات والنفقات والقربات (وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ) أي: خائفة أن لا يتقبل منهم.
وهكذا أهل الصلاح يعملون أعمالاً صالحة ويخافون.
كما قال تعالى عن عباد الرحمن يبيتون لربهم سجداً وقياماً ويقولون (ربنا اصرف عنا عذاب جهنم إن عذابها كان غراماً).
وقال تعالى (إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ).
وهذا الصديق أبو بكر يصدّق برسول الله ﷺ ويجاهد معه وصحبه في هجرته ويتصدق بكل ماله في سبيل الله ويعلمه النبي ﷺ أن يقول في صلاته (اللهم إني ظلمت نفسي ظلماً كثيراً ولا يغفر الذنوب إلا أنت فاغفر لي مغفرة من عندك وارحمني إنك أنت الغفور الرحيم).
وهذا عمر بن الخطاب يجاهد مع رسول الله ﷺ وينفق نصف ماله في سبيل الله ويقول عند موته: وددت أن ذلك كفاف لا عليّ ولا لي.
وقال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوا وَّقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) قالت عائشة: يا رسول الله! أهم الذين يشربون الخمر ويزنون ويسرقون؟ قال: لا يا ابنة الصديق، ولكنهم الذين يصومون ويصلون ويتصدقون ويخافون أن لا يقبل منهم، أولئك يسارعون في الخيرات) رواه الترمذي.
• قال ابن القيم: والله سبحانه وصف أهل السعادة بالإحسان مع الخوف ووصف الأشقياء بالإساءة مع الأمن.
قال تعالى (وَالَّذِينَ يَصِلُونَ مَا أَمَرَ اللّهُ بِهِ أَن يُوصَلَ وَيَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ وَيَخَافُونَ سُوءَ الحِسَابِ).
ثم قال: ومن تأمل أحوال الصحابة وجدهم في غاية العمل مع غاية الخوف، ونحن جمعنا بين التقصير - بل التفريط - والأمن، فهذا الصديق يقول: وددت أني شعرة في جنب عبد مؤمن.
وذكر عنه أنه كان يمسك لسانه ويقول: هذا الذي أوردني الموارد.
وكان يبكي كثيراً ويقول: ابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا.
وكان إذا قام إلى الصلاة كأنه عود من خشية الله .
стр. 394
وهذا عمر قرأ سورة الطور حتى بلغ (إن عذاب ربك لواقع) بكى واشتد بكاؤه حتى مرض وعادوه.
وكان في وجهه خطان أسودان من البكاء.
وهذا عثمان كان إذا وقف على القبر يبكي حتى تبتل لحيته.
وهذا علي اشتد بكاؤه وخوفه من اثنتين: طول الأمل واتباع الهوى.
وكان عبد الله بن عباس أسفل عينيه مثل الشّراك البالي من الدموع.
وكان أبو ذر يقول: يا ليتني كنت شجرة تعضد وددت أني لم أخلق.
وقال ابن أبي مليْكة: أدركت ثلاثين من أصحاب النبي ﷺ كلهم خاف على نفسه النفاق ما منهم أحد يقول: إنه على إيمان جبريل وميكائيل.
وقال الحسن: ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق.
وقال إبراهيم التيمي: ما عرضت قولي على عملي إلا خشيت أن أكون مكذباً.
وأما أهل الفساد والريب فكما قال الله (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا).
• من أسباب قبول العمل:
منها: الرجاء وكثرة والدعاء.
كما هنا (ربنا تقبل منا).
ومنها: الخوف من عدم قبول العمل.
كما قال تعالى في وصف الأبرار أنهم يعملون ويخافون (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ).
عن علي أنه قال: كونوا لقبول العمل أشد اهتماماً منكم بالعمل. ألم تسمعوا الله يقول: (إنما يتقبل الله من المتقين).
(إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) هذه الجملة تعليل لطلب القبول، يعني نسألك أن تقبل، لأنك أنت السميع لأقوالنا، العليم بأحوالنا ونياتنا لا تخفى عليك خافية.
• والسميع: اسم من أسماء الله تعالى، متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.
كما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).
стр. 395
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظاهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
ومنه كقوله ﷺ (اللهم إني أعوذ بك من قول لا يسمع) أي: من دعاء لا يستجاب.
• آثار الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: مراقبة الله تعالى فيما يقوله اللسان، سواء أسر أو جهر به، وسواء كان ذلك في جماعة أو في خلوة.
ثانياً: اللجوء إلى الله وسؤاله سبحانه من حاجات الدنيا والآخرة، فهو السميع لدعاء عباده سرهم ونجواهم، وهذا المعنى من معاني السميع (المجيب) يسكب في القلب الطمأنينة والأنس بالله وحسن الظن به سبحانه، والرجاء فيما عنده، وعدم الملل من دعائه.
وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم:
فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
ودعا يوسف ﵇ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن، قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
(العليم) اسم من أسماء الله، وقد تقدم مباحثه.
стр. 396
• قال السعدي: هو الذي أحاط علمه بالظواهر والبواطن، والإسرار والإعلان، وبالواجبات والمستحيلات، والممكنات، وبالعالم العلوي والسفلي، وبالماضي والحاضر والمستقبل، فلا يخفى عليه شيء من الأشياء.
ومن علم الله أنه يعلم الأمور التي لن تكون كيف تكون لو كانت.
كما قال تعالى عن الكفار حين يكونون في النار (وَلَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ)، وقال تعالى (لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا).
والمتخلفون عن غزوة تبوك لا يحضرونها أبداً، لأن الله هو الذي ثبطهم عنها بحكمته بقوله (وَلَوْ أَرَادُوا الْخُرُوجَ لَأَعَدُّوا لَهُ عُدَّةً وَلَكِنْ كَرِهَ اللَّهُ انْبِعَاثَهُمْ فَثَبَّطَهُمْ وَقِيلَ اقْعُدُوا مَعَ الْقَاعِدِينَ) وهذا الخروج الذي لا يكون قد علم جل وعلا أن لو كان كيف يكون، كما صرح به في قوله (لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالاً وَلَأَوْضَعُوا خِلالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ).
(رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ) قال ابن جرير: يعنيان بذلك واجعلنا مستسلميْن لأمرك، خاضعيْن لطاعتك، ولا نشرك معك في الطاعة أحداً سواك، ولا في العبادة غيرك.
(وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ) أي: واجعل من ذريتنا من يسلم وجهه لك، ويخضع لعظمتك.
• وفي هذا أنه ينبغي للإنسان أن يشمل ذريته بالدعاء، لأن الذرية الصالحة من آثار الإنسان الصالحة، كما قال إبراهيم في آية أخرى (وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ). (ابن عثيمين).
• فائدة تكرير النداء بقوله (ربنا) إظهار الضراعة إلى الله تعالى وإظهار أن كل دعوى من هذه الدعوات مقصودة بالذات، ولذلك لم يكرر النداء إلا عند الانتقال من دعوة إلى أخرى فإن الدعوة الأولى لطلب تقبل العمل والثانية لطلب الاهتداء فجملة النداء معترضة بين المعطوف هنا والمعطوف عليه في قوله الآتي (ربنا وابعث فيهم رسولاً).
• فإن قلت: لم خص ذريتهما بالدعاء، قلت: لأنهم أحق بالشفقة والنصيحة، قال الله تعالى (قوا أنفسكم وأهليكم ناراً) ولأن أولاد الأنبياء إذا صلحوا صلح بهم غيرهم ألا ترى أن المتقدمين من العلماء والكبراء: إذا كانوا على السداد كيف يتسببون لسداد من وراءهم. (تفسير الخازن).
• وهذا الدعاء من إبراهيم وإسماعيل ﵉ كما أخبرنا الله تعالى عن عباده المتقين المؤمنين في قوله (والذين يقولون ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماماً) وهذا القدر مرغوب فيه شرعاً، فإن من تمام محبة عبادة الله تعالى أن يحب أن يكون من صلبه من يعبد الله وحده لا شريك له.
стр. 397
• سؤال: لم خصا بعض الذرية بالدعاء؟
الجواب: وخصا البعض لما علما من قوله سبحانه (وَمِن ذُرّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وظالم لّنَفْسِهِ) أو من قوله عز شأنه (لَا يَنَالُ عَهْدِي الظالمين) باعتبار السياق أن في ذريتهما ظلمة وأن الحكمة الإلهية تستدعي الانقسام إذ لولاه ما دارت أفلاك الأسماء ولا كان ما كان من أملاك السماء.
(وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا) اختلف في ذلك: قيل: مذابحنا، وقيل: مناسك حجنا.
• قال السعدي: أي علمناها على وجه الإرادة والمشاهدة، ليكون أبلغ.
ثم قال: يحتمل أن يكون المراد بالمناسك: أعمال الحج كلها، كما يدل عليه السياق والمقام، ويحتمل أن يكون المراد ما هو أعظم من ذلك: وهو الدين كله، والعبادات كلها، كما يدل عليه عموم اللفظ، لأن النسك التعبد، لكن غلب على متعبدات الحج تغليباً عرفياً، فيكون حاصل دعائهما: يرجع إلى التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح.
• هذه من الرؤية البصرية، أي: أنهم يرونها ويشاهدونها، وقيل: من رؤية القلب.
(وَتُبْ عَلَيْنَا) أي: وفقنا للتوبة فنتوب، والتوبة: هي الرجوع من المعصية إلى الطاعة.
• واختلف في معنى قول إبراهيم وإسماعيل ﵉ (وتب علينا) وهم أنبياء معصومون:
فقيل: طلبا التثبيت والدوام.
وقيل: أرادا من بعدهما من الذرية.
وقيل: إنهما لما عرفا المناسك وبنيا البيت وأطاعا أرادا أن يبينا للناس أن ذلك الموقف وتلك المواضع مكان التنصل من الذنوب وطلب التوبة.
• وقال الطبري: إنه ليس أحد من خلق الله تعالى إلا وبينه وبين الله تعالى معانٍ يحب أن تكون أحسن مما هي. (المحرر الوجيز)
(إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ) اسم من أسماء الله تعالى.
معناه: التواب على من تاب إليه من عباده المذنبين من ذنوبه.
• وقال السعدي: هو التائب على التائبين أولاً: بتوفيقهم للتوبة، والإقبال بقلوبهم إليه، وهو التائب على التائبين بعد
توبتهم قبولاً لها وعفواً عن خطاياهم.
стр. 398
• ووصف نفسه سبحانه بالتواب - وهي صيغة مبالغة - لكثرة من يتوب عليهم، ولكثرة توبته على العبد.
• وتوبة الله على العبد نوعان:
أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا.
الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين].
• أثر الإيمان بهذا الاسم:
أولاً: أن الله يتوب على التائبين، ويغفر ذنوب المنيبين، مهما كثرت وعظمت.
قال تعالى (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).
وقال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ).
ثانياً: إفراد الله بالتوبة وطلب العفو وغفران الذنوب، لأنه لا يغفر الذنوب ولا يوفق إلى التوبة ويقبلها إلا الله وحده كما قال تعالى (وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ).
ثالثاً: الحياء من الله، البر الرحيم التواب الغفور، الذي يفرح بتوبة عبده، وهذا الحياء إذا تمكن من القلب أثمر تعظيماً لله وحياء منه، ومبادرة إلى طاعته وترك معاصيه قدر الجهد والاستطاعة.
رابعاً: عدم اليأس من رحمة الله، والقوة في رجائه.
(الرَّحِيمُ) اسم من أسماء الله دال على إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى، كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). (وقد تقدمت مباحث الرحمة عند آية:
• من آثار رحمته:
من رحمته إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجاً لهم من الظلمات إلى النور، فالرسل رحمة من عند الله لعباده قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ).
стр. 399
ومن رحمته مغفرته لذنوب عباده والصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح لهم باب التوبة لهم
ومن رحمته إلى غير ذلك.
الفوائد:
١ - فضل عمارة الكعبة.
٢ - فضل التعاون على الخير.
٣ - فضل بناء بيوت الله (المساجد).
٤ - أهمية اهتمام العبد بقبول عمله، فالمدار على القبول وليس على كثرة العمل، فكم من إنسان يعمل أعمالاً كثيرة ولا يقبل منه، فليس له من عمله إلا التعب، وكم من إنسان عمل أعمالاً قليلة قبلت منه وفي الحديث (رب صائم حظه من صيامه الجوع والظمأ، ورب قائم حظه من قيامه السهر) رواه أحمد.
٥ - الحذر كل الحذر من محبطات الأعمال التي تحبط العمل بعد القيام به، وهي كثيرة منها: المنّ بها والتحدث بها رياء، والعجب وغير ذلك.
٦ - إثبات اسم السميع من أسماء الله المتضمن لصفة السمع الكامل.
٧ - إثبات اسم العليم من أسماء الله، المتضمن لصفة العلم الكامل، فلا يخفى عليه شيء سبحانه.
٨ - افتقار العبد لربه.
٩ - كمال عبودية الأنبياء لربهم.
١٠ - أن الإنسان - مهما كانت منزلته - محتاج إلى تثبيت الله له.
١١ - أهمية الإخلاص لله تعالى لقوله (واجعلنا مسلمين لك).
١٢ - تحريم التعبد لله بما لم يشرعه.
١٣ - إثبات اسم التواب من أسماء الله.
١٤ - إثبات اسم الرحيم من أسماء الله.
стр. 400
(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولاً مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنتَ العَزِيزُ الحَكِيمُ (١٢٩)). [البقرة: ١٢٩].
(رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ) الضمير راجع إلى الأمة المسلمة المذكورة سابقاً، ويحتمل: أن يكون راجعاً إلى الذرية، وقد استجاب الله لإبراهيم ﵇ هذه الدعوة.
• قال ابن عاشور: إن قيل لم قال (فيهم) ولم يقل لهم؟
فالجواب: إنما قال (فيهم) ولم يقل لهم لتكون الدعوة بمجيء رسول برسالة عامة فلا يكون ذلك الرسول رسولاً إليهم فقط، ولذلك حذف متعلق (رسولاً) ليعم.
• وأجاب الآلوسي عن هذا السؤال بقوله: ليكون أشفق عليهم، ويكونوا أعز به وأشرف، وأقرب للإجابة، لأنهم يعرفون منشأه وصدقه وأمانته.
(رَسُولاً مِنْهُمْ) يعني محمداً ﷺ .
• قال الرازي: وأما إن الرسول هو محمد ﷺ فيدل عليه وجوه:
أحدها: إجماع المفسرين وهو حجة.
وثانيها: ما روي عنه ﵇ أنه قال (أنا دعوة إبراهيم وبشارة عيسى) وأراد بالدعوة هذه الآية، وبشارة عيسى ﵇ ما ذكر في سورة الصف من قوله (مُبَشّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِن بَعْدِي اسمه أَحْمَدُ).
وثالثها: أن إبراهيم ﵇ إنما دعا بهذا الدعاء بمكة لذريته الذين يكونون بها وبما حولها ولم يبعث الله تعالى إلى من بمكة وما حولها إلا محمداً ﷺ ..
• قال ابن كثير: يقول تعالى إخباراً عن تمام دعوة إبراهيم لأهل الحرم أن يبعث الله رسولاً منهم، أي: من ذرية إبراهيم.
• قوله تعالى (وابعث) أصل البعث الإنشاء، وسميت الرسالة بعثاً، لأنها إخراج للناس من حال إلى حال، فكأنهم بُعثوا خلقاً جديداً، وأُنْشِئوا خلقاً جديداً.
• قوله تعالى (منهم) كما في آية أخرى (رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ) أي: من جنسهم، وكونه من جنسهم أتم في النعمة، لأنه لو كان من الملائكة ما ألِفَه الناس ولا ركنوا إليه وربما لا يقبلون منه.
• قوله تعالى (رسولاً منهم) أن يكون ذلك المبعوث منهم لا من غيرهم لوجوه:
أحدها: أنه إذا كان منهم فإنهم يعرفون مولده ومنشأه فيقرب الأمر عليهم في معرفة صدقه وأمانته.
وثانيها: أنه إذا كان منهم كان أحرص الناس على خيرهم وأشفق عليهم من الأجنبي لو أرسل إليهم.
стр. 401
• قال ابن كثير: وقد وافقت هذه الدعوة المستجابة قدر الله السابق في تعيين محمد ﷺ رسولاً في الأميين إليهم وإلى سائر الأعجمين من الإنس والجن كما قال تعالى (لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولاً مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
وقال تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلالٍ مُبِينٍ).
ولذلك قال ﷺ (سأنبئكم عني: أنا دعوة أبي إبراهيم، وبشارة عيسى بي) رواه أحمد.
(يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ) التلاوة هنا تشمل التلاوة لفظاً، والتلاوة معنى، والتلاوة حكماً.
فالتلاوة لفظاً: أن يقرأ الكتاب بينهم.
والتلاوة معنى: أن يعلمهم معانيه.
والتلاوة حكماً: أن يعمل بأحكامه.
كما قال تعالى (وأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ).
وقالت عائشة (كان النبي ﷺ يكثر أن يقول في ركوعه وسجوده: سبحانك اللهم ربنا وبحمدك، يتأول القرآن) يعني يعمل به.
• والمراد بالآيات هنا الآيات الشرعية وهي القرآن.
(ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وليس هذا تكرار مع قوله (يتلو عليهم آياته) لأن الأول تلاوة والثاني تعليم، والتعليم أخص من التلاوة، والتعليم هنا شامل لتعليم اللفظ وتعليم المعنى وتعليم الحكم.
وذهب بعضهم إلى أن معنى (ويعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ) هو الكتابة، ويدل عليه أن الله ذكر القرآن قبله، فلو قلنا إن المراد بالكتاب هو القرآن لصار تكراراً.
стр. 402
• وسبق لماذا سمي القرآن كتاباً.
(والْحِكْمَةَ) يعني السنة، قاله الحسن وقتادة ومقاتل كما قال تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)، وقيل: الفهم في الدين ولا منافاة.
(وَيُزَكِّيهِمْ) أي: يطهر قلوبهم من الشرك والنفاق وسوء الأخلاق، ويهذب أخلاقهم، فطهارة النفوس بطاعة الله وترك الشرك والذنوب.
قال ابن جرير: ويطهرهم من الشرك بالله وعبادة الأوثان وينميهم ويكثرهم بطاعة الله.
• وقد أقسم الله بفلاح من زكى نفسه فقال (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلاهَا .... قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا).
ومن أسباب تزكية النفس: الصدقة كما قال تعالى (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ).
ومنها: غض البصر وحفظ الفرج كما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).
ومنها: الدعاء بذلك: كان ﷺ يقول (اللَّهُمَّ آتِ نَفْسِى تَقْوَاهَا وَزَكِّهَا أَنْتَ خَيْرُ مَنْ زَكَّاهَا أَنْتَ وَلِيُّهَا وَمَوْلَاهَا اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ عِلْمٍ لَا يَنْفَعُ وَمِنْ قَلْبٍ لَا يَخْشَعُ وَمِنْ نَفْسٍ لَا تَشْبَعُ وَمِنْ دَعْوَةٍ لَا يُسْتَجَابُ لَهَا) رواه مسلم.
(إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيز) اسم من أسماء الله وهو: العزيز، وهو متضمن لصفة العزة الكاملة لله، وهي ثلاثة أنواع:
عزة القدْر: بمعنى أن الله ذو قدْر شريف عظيم، كما قال النبي ﷺ (السيد الله).
وعزة القهر: بمعنى أن الله القاهر لكل شيء، لا يُغلب، كما قال تعالى (وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ).
وعزة الامتناع: بمعنى أنه يمتنع أن يناله أحد بسوء أو نقص.
• قال السعدي: (العزيز) الذي له العزة كلها: عزة القوة، وعزة الغلبة، وعزة الامتناع، فامتنع أن يناله أحد من المخلوقات، وقهر جميع الموجودات، ودانت له الخليقة وخضعت لعظمته.
стр. 403
• الآثار المترتبة على معرفة هذا الاسم:
أولاً: أن اسمه سبحانه (العزيز) يستلزم توحيده وعبادته وحده لا شريك له، إذ الشركة تنافي كمال العزة.
ثانياً: ومن كمال العزة تبرئته سبحانه من كل سوء وتنزيهه من كل شر ونقص، قال ابن القيم: ومن تمام عزته: براءته عن كل سوء وشر وعيب، فإن ذلك ينافي العزة التامة.
ثالثاً: من كمال عزته سبحانه نفاذ حكمه وأمره في عباده وتصريف قلوبهم على ما يشاء، وهذا ما لا يقدر عليه إلا الله، وهذا يجعل العبد خائفاً من ربه سبحانه، لائذاً بجنابه معتصماً به متبرئاً من الحول والقوة ذليلاً حقيراً بين يدي ربه سبحانه.
رابعاً: أن الإيمان بهذا الاسم الكريم يثمر العزة في قلب المؤمن، ومهما ابتغى العبد العزة عند غير الله وفي غير دينه فلن يجدها ولن يجد إلا الذل والضعف والهوان كما قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً). والشعور بهذه العزة تثمر التعالي على الباطل وأهله وعدم الاستكانة لهم مهما تسلطوا على العبد.
خامساً: أن الإيمان بهذا الاسم يثمر عدم الركون إلى شيء من هذه الدنيا الفانية وجعلها مصدر العزة والقوة، فكم رأينا وسمعنا من كثير من الناس اغتر بعضهم بماله أو جاهه أو ولده أو سلطانه ومنصبه فكانت كلها سبباً في إذلاله وشقائه.
سادساً: من أسباب العزة: العفو والتواضع والذلة للمؤمنين، قال تعالى في وصف عباده الذين يحبهم ويحبونه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) وقال ﷺ ( … وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً) رواه مسلم.
(الْحَكِيمُ) في أفعاله وأقواله، فيضع الأشياء في محالها لعلمه وحكمته وعدله [وقد تقدم مباحثه].
стр. 404
الفوائد:
١ - استجابة الله لدعاء إبراهيم ﵇.
٢ - ضرورة الناس إلى بعث الرسل.
٣ - أن كون الرسول منهم أقرب إلى قبول دعوته.
٤ - أن دعوة الرسول تتضمن تعليم الكتاب تلاوة ومعنى.
٥ - أهمية تزكية الأخلاق وتطهيرها، وأن ذلك من منهج الرسل.
٦ - على الداعية أن يحرص أن يزكي نفسه ويزكي غيره بتطهيرها من الأخلاق الرديئة وإلزامها بالأخلاق الرفيعة، وقد قال تعالى (قد أفلح من زكاه).
٧ - إثبات اسمين من أسماء الله: العزيز والحكيم.
٨ - إثبات الحكمة الكاملة لله تعالى.
٩ - أن الإنسان لا يعترض على قضاء الله، لأنه صادر عن حكمة.
١٠ - إثبات العزة الله، فمن أراد العزة فليطلبها من الله، وذلك بطاعته.
стр. 405
(وَمَن يَرْغَبُ عَن مِّلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلاَّ مَن سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (١٣١) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ (١٣٢)). [البقرة: ١٣٠ - ١٣٢].
(وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ) أي: عن طريقته ومنهجه، فيخالفُها ويرغب عنها.
• وملة إبراهيم: هي الحنيفية السمحة، وهي الإسلام كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِيناً قِيَماً مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
• والْحَنِيفِيَّةُ: دِينُ جَمِيعِ الأنْبِيَاءِ؛ ولكِن أُضِيفت إلى إِبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ﵇؛ لأنَّه أكْمَلُ الخلْقِ تحقِيقًا للتَّوحيدِ مع نبيِّنا ﷺ ؛ وإِبْرَاهِيمُ: الأبُ، ومُحَمَّدٌ ﷺ : الِابنُ؛ فاستَحَقَّ أن تُنْسَبَ إلى الأَبِ دُون الابْنِ؛ فيقال: مِلَّةُ إِبْرَاهِيمَ على جهةِ التَّشْريفِ له؛ وإن كانَت هي ملَّةَ الأنبيَاء جَميعاً.
(إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ) أي: فقد ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره بتركه الحق إلى الضلال، حيث خالف طريق من اصطُفيَ في الدنيا للهداية والرشاد من حداثة سنه إلى أن اتخذه الله خليلاً، فمن ترك طريقة هذا ومسلكه وملته، واتبع طريق الضلالة والغي، فأي سفه أعظم من هذا؟ أم أي ظلم أكبر من هذا؟
• فمعنى (سَفِهَ نَفْسَهُ):
قيل: ظلم نفسه بسفهه وسوء تدبيره.
وقيل: أي: جهل أمر نفسه فيما يصلحها ويُقَوِمُهَا.
وقيل: سفه نفسه أي: أهلكها.
وقيل: لم يفكر في نفسه.
• وقال ابن جرير: وما يرغب عن ملة إبراهيم الحنيفية إلا سفيه جاهل بموضع حظ نفسه فيما ينفعها ويضرها في معادها.
• قال قتادة: نزلت هذه الآية في اليهود، أحدثوا طريقاً ليست من عند الله، وخالفوا ملة إبراهيم فيما أحدثوه، ويشهد لصحة هذا القول قول الله تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
• فإن ملة إبراهيم هي عبادة الله مخلصين له الدين، فهي توحيد الله فلم يدعو معه غيره ولا أشرك به طرفة عين، وتبرأ من كل معبود سواه، وخالف في ذلك سائر قومه حتى تبرأ من أبيه فقال (يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ. إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ). وقال تعالى (وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لِأبِيهِ إِلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَأَوَّاهٌ حَلِيمٌ).
стр. 406
وقال تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتاً لِلَّهِ حَنِيفاً وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
(وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا) أي: ولقد اخترناه من بين سائر الخلق بالرسالة والنبوة والإمامة.
(وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ) الذين لهم أعلى الدرجات.
(إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) أي استسلم لأمر ربك وأخلص لربك.
• قال بعض العلماء: الإسلام ورد في القرآن على ثلاثة أَوجه:
الأَوّل: بمعنى الإِخلاص.
قال تعالى (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ) أي أَخْلِص.
الثاني: بمعنى الإِقرار.
قال تعالى (وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ) أي أَقرّ له العبوديّة.
الثالث: بمعنى الدّين.
قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ). وقال تعالى (وَرَضِيتُ لَكُمُ الإِسْلامَ دِيناً).
(قَالَ) امتثالاً لأمر ربه مبادراً.
(أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) إخلاصاً وتوحيداً ومحبة وإنابة.
قال بعض العلماء: إنما قال لرب العالمين دون أن يقول أسلمت لك ليكون قد أتى بالإسلام وبدليله.
• من أسباب اصطفاء إبراهيم في الدنيا وعلو منزلته في الآخرة:
سرعة امتثاله لأمر الله .
وصبره، فلما ابتلاه ربه بالكلمات أتمهن ووفى بهن.
وشكره لنعم الله كما قال تعالى (شَاكِراً لَأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
(وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ) اختلف في مرجع الضمير في قوله [بها]:
فقيل: هذه الملة.
стр. 407
وقيل: هذه الكلمة: (أسلمت لرب العالمين) ورجحه القرطبي وقال: هو أصوب لأنه أقرب مذكور، ورجح الشوكاني الأول وقال: لأن المطلوب ممن بعده هو اتباع لا مجرد التكلم لكلمة الإسلام، فالتوصية بذلك أليق بإبراهيم وأولى بهم.
• قوله تعالى (وَوَصَّى بِهَا) الوصية: العهد المؤكد في الأمر الهام.
• قال ابن الجوزي: ووصى أبلغ من أوصى، لأنها تكون لمرات كثيرة.
• وقال الماوردي: ووصّى أبلغ من أوصى، لأن أوصى يجوز أن يكون قاله مرة واحدة، وَوَصَّى لا يكون إلا مراراً.
• فإن قلت، لم قال: وصى بها إبراهيم بنيه ولم يقل أمرهم؟.
الجواب: قلت: لأن لفظ الوصية أوكد من لفظ الأمر لأن الوصية إنما تكون عند الخوف من الموت وفي ذلك الوقت يكون احتياط الإنسان لولده أشد وأعظم، وكانوا هم إلى قبول وصيته أقرب وإنما خص بنيه بهذه الوصية لأن شفقة الرجل على بنيه أكثر من شفقته على غيرهم. وقيل: لأنهم كانوا أئمة يقتدى بهم فكان صلاحهم صلاحاً لغيرهم. [تفسير الخازن: ١/ ٨٥].
(وَيَعْقُوبُ) معطوف على إبراهيم: أي وأوصى يعقوب بنيه كما أوصى إبراهيم بنيه.
قال ابن كثير: لحرصهم عليها ومحبتهم لها، حافظوا عليها إلى حين الوفاة، ووصوا أبناءهم بها من بعدهم كقوله تعالى (وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
• وقرأ بعض السلف (ويعقوبَ) بالنصب عطفاً على بنيه، وكأن إبراهيم وصى بنيه وابن ابنه يعقوب ابن إسحاق وكان حاضراً ذلك، ورجح هذا ابن كثير وقال: فإن وصية يعقوب لبنيه سيأتي ذكرها قريباً، وهذا يدل على أنه ههنا من جملة الموصين.
• قال الشيخ ابن عثيمين: وسمي يعقوب، قيل: لأنه عقب إسحاق.
(يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ) أي: اختار لكم دين الإسلام ديناً، وهذه حكاية لما قاله إبراهيم ويعقوب لأبنائهما.
стр. 408
• والدين هو الإسلام وذلك لقوله (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) كما قال تعالى (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ).
وقال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلامِ دِيناً فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). [أضواء البيان: ١/ ١٠٢].
(فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) أي: أحسنوا في حال الحياة، والزموا هذا ليرزقكم الله الوفاة عليه، فإن المرء يموت غالباً على ما كان عليه، ويبعث على ما مات عليه، وقد أجرى الله الكريم عادته بأن من قصد الخير وفق له ويسر عليه، ومن نوى صالحاً ثُبّتَ عليه. [قاله ابن كثير: ١/ ١٧٤].
• وما ذكره ابن كثير هنا كلام رائع، لأن لقائل أن يقول في قوله تعالى (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) هل يملك الإنسان أن يحدد الأمر الذي يموت عليه؟ فالجواب ما ذكره ابن كثير، فالمراد: الإحسان في حال الحياة مع ملازمة هذا حتى يختم للإنسان خاتمة طيبة. [قاله الشيخ خالد السبت حفظه الله].
• ولهذا قال الطبري في معنى الآية: أي: فلا تفارقوا هذا الدين وهو الإسلام أيام حياتكم، وذلك أن أحداً لا يدري متى يأتيه منيته، فلذلك قالا لهم (فلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ) لأنكم لا تدرون متى تأتيكم مناياكم من ليل أو نهار، فلا تفارقوا الإسلام فتأتيكم مناياكم وأنتم على غير الدين الذي اصطفاه لكم ربكم فتموتوا وربكم ساخط عليكم فتهلكوا.
• وقال الخازن: أي مؤمنون مخلصون، فالمعنى دوموا على إسلامكم حتى يأتيكم الموت وأنتم مسلمون لأنه لا يعلم في أي وقت يأتي الموت على الإنسان.
• الموت على الإسلام مطلب لأهل الصلاح:
كما قال تعالى عن يوسف أنه قال (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
وقول المؤمنين بموسى (رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْراً وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ).
وقول إبراهيم ويعقوب لأبنائهما (فَلا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ).
• ولذلك تمنى جماعة من السلف الموت خشية الفتنة.
لما حج عمر آخر حجة حجها رفع يديه وقال: اللهم إنه كبر سني ورق عظمي وانتشرت رعيتي فاقبضني إليك غير مضيِّع ولا مفتون، ثم رجع إلى المدينة، فما انسلخ حتى قتل.
ودعا علي ربه أن يريحه من رعيته حيث سئم منهم فقتل عن قريب.
ودعت زينب بنت جحش لما جاءها عطاء عمر من المال فاستكثرته وقالت: اللهم لا يدركني عطاء لعمر بعدها، فماتت قبل العطاء الثاني.
стр. 409
ولما ضجر عمر بن عبد العزيز من رعيته حيث ثقل عليهم قيامه فيهم بالحق طلب من رجل كان معروفاً بإجابة الدعوة أن يدعو له بالموت، فدعا له ولنفسه بالموت فماتا.
ودعي طائفة من السلف الصالح إلى ولاية القضاء فاستُهْمِلوا ثلاثة أيام، فدعوا الله لأنفسهم بالموت فماتوا.
واطلع على حال بعض الصالحين ومعاملاته التي كانت سراً بينه وبين ربه، فدعا الله أن يقبضه إليه خوفاً من فتنة الاشتهار، فمات، فإن الشهرة بالخير فتنة.
وكان سفيان الثوري يتمنى الموت كثيراً فسئل عن ذلك فقال: ما يدريني لعلي أدخل في بدعة، لعلي أدخل فيما لا يحل لي، لعلي أدخل في فتنة أكون قد مت فسبقت هذا.
وفي الحديث (وإذا أردت بعبادك فتنة فاقبضني إليك غير مفتون).
جاء في الحديث في المسند قال ﷺ (اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتنة، ويكره قلة المال، وقلة المال
أقل للحساب).
ولما ابتلي الإمام أحمد بفتنة الضراء صبر ولم يجزع وقال: كانت زيادة في إيماني، فلما ابتلي بفتنة السراء جزع وتمنى الموت صباحاً ومساء وخشي أن يكون نقصاً في دينه.
стр. 410
الفوائد:
١ - أن الرشد في اتباع ملة إبراهيم.
٢ - أن مخالفة ملة إبراهيم سفه.
٣ - فضيلة إبراهيم حيث اصطفاه الله.
٤ - إثبات الآخرة.
٥ - أن الصلاح وصف للأنبياء.
٦ - فضل المبادرة للإسلام وعدم التردد.
٧ - إثبات ربوبية الله تعالى.
٨ - أهمية هذه الوصية، لأنه اعتنى بها إبراهيم ويعقوب.
٩ - ينبغي التواصي على الحق والثبات عليه.
١٠ - على الإنسان أن يدعو ربه بالثبات والموت على الإسلام.
١١ - أن الأعمال بالخواتيم.
стр. 411
(أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِن بَعْدِي قَالُواْ نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٣) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ (١٣٤)). [البقرة: ١٣٣ - ١٣٤].
(أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ) أم هنا منقطعة، وهي بمعنى بل والمعنى: بل أكنتم حضوراً.
• والخطاب قيل: إنه لليهود الذين ادعوا إنهم على حق، وأن هذه وصية أبيهم يعقوب.
ويحتمل أن يكون عائداً على جميع المخاطبين، ويكون المقصود الإعلام بما حصل من يعقوب حين حضره الموت.
• قال الشوكاني: قوله (أَمْ كُنتُمْ شُهَدَاء) أم هذه قيل: هي المنقطعة. وقيل: هي المتصلة. وفي الهمزة الإنكار المفيد للتقريع والتوبيخ، والخطاب لليهود والنصارى الذين ينسبون إلى إبراهيم، وإلى بنيه أنهم على اليهودية والنصرانية، فردّ الله ذلك عليهم، وقال لهم: أشهدتم يعقوب، وعلمتم بما أوصى به بنيه، فتدّعون ذلك عن علم، أم لم تشهدوا بل أنتم مفترون.
(إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ) أي حين احتضر وأشرف على الموت وجاءت مقدماته.
(إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ) على وجه الاختبار، ولتقر عينه في حياته بامتثالهم ما وصاهم به.
• وبنيه: يوسف وإخوته: أحد عشر رجلاً.
(مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي) أي: من بعد موتي.
• إن هذا المشهد بين يعقوب وبنيه في لحظة الموت والاحتضار لمشهد عظيم الدلالة، قوي الإيحاء، عميق التأثير، ميت يحتضر، فما هي القضية التي تشغل باله في ساعة الاحتضار؟ ما هو الشاغل الذي يعني خاطره وهو في سكرات الموت؟ ما هو
الأمر الجلل الذي يريد أن يطمئن عليه ويستوثق منه؟ ما هي التركة التي يريد أن يخلفها لأبنائه ويحرص على سلامة وصولها إليهم فيسلمها لهم في محضر، يسجل فيه كل التفصيلات؟.
إنها العقيدة .. هي التركة، وهي الذخر، وهي القضية الكبرى، وهي الشغل الشاغل، وهي الأمر الجلل، الذي لا تشغل عنه سكرات الموت وصرعاته (ما تعبدون من بعدي).
هذا هو الأمر الذي جمعتكم من أجله. وهذه هي القضية التي أردت الاطمئنان عليها. وهذه هي الأمانة والذخر والتراث (قالوا: نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحاق. إلهاً واحداً. ونحن له مسلمون).
стр. 412
إنهم يعرفون دينهم ويذكرونه، إنهم يتسلمون التراث ويصونونه. [في ظلال القرآن: ١/ ٩٠].
(قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) أي: لا نعبد إلا إلهاً واحداً هو اله رب العالمين.
• قال الطبري: تأويل الكلام: أكنتم يا معشر اليهود والنصارى المكذبين بمحمد ﷺ الجاحدين نبوته حضور يعقوب وشهوده إذ حضره الموت: أي: أنكم لم تحضروا ذلك، فلا تدّعوا على أنبيائي ورسلي الأباطيل وتنحلوهم اليهودية والنصرانية، فإني ابتعثت خليلي إبراهيم وولده إسحاق وإسماعيل وذريتهم بالحنيفية المسلمة، وبذلك وصّوا بنيهم، وبه عهدوا إلى أولادهم من بعدهم، فلو حضرتموهم فسمعتم منهم علمتم أنهم على غير ما نحلتموهم من الأديان والملل من بعدهم.
• وقال ابن عطية: هذا الخطاب لليهود والنصارى الذين انتحلوا الأنبياء صلوات الله عليهم ونسبوهم إلى اليهودية والنصرانية فرد الله عليهم وكذّبهم وأعلمهم أنهم كانوا على الحنيفية والإسلام.
• قوله (وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ) هذا من باب التغليب، لأن إسماعيل عمه، قال النحاس: والعرب تسمي العم أباً، وقيل: إن العم يقال له: أب.
(إِلَهاً وَاحِداً) نوحده بالألوهية ولا نشرك به شيئاً.
(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: مطيعون خاضعون كما قال تعالى (وله أسلم من في السموات والأرض طوعاً وكرهاً وإليه يرجعون) والإسلام هو ملة الأنبياء قاطبة وإن تنوعت شرائعهم واختلفت مناهجهم كما قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ).
كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
وقال تعالى (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ).
وقال تعالى (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ).
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ) أي: مضت، يعني إبراهيم وإسماعيل وإسحاق ويعقوب ولهذا جاء في الحديث (من بطأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم. وقال تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى) وقال تعالى (وَلا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا).
• الأمة في القرآن تطلق على معان:
منها: الجماعة من الناس.
كما في قوله تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). وقوله تعالى (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ رَسُولٌ).
ومنها: الإمام في الدين المقتدى به.
كما في قوله تعالى (إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً).
стр. 413
ومنها: البرهة من الزمن.
كما في قوله تعالى (وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ) أي: تذكر بعد بُرهة من الزمن.
وكقوله تعالى (وَلَئِنْ أَخَّرْنَا عَنْهُمُ الْعَذَابَ إِلَى أُمَّةٍ مَعْدُودَةٍ) أي: إلى قطعة من الزمن معينة.
ومنها: الشريعة والدين.
كقوله تعالى (إنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ) أي: على شريعة وملة ودين.
(لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ) أي إن السلف الماضين من آبائكم من الأنبياء والصالحين لا ينفعكم انتسابكم إذا لم تفعلوا خيراً يعود نفعه عليكم، فإن لهم أعمالهم التي عملوها ولكم أعمالكم.
(وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) أي: لا تسألون يوم القيامة عما كانوا يعملون في الدنيا، بل كل نفس تتحمل وحدها تبعة ما اكتسبت من سوء.
• قال الشوكاني: وفيه الرد على من يتكل على عمل سلفه ويرّوح نفسه بالأماني الباطلة، والمعنى: أنكم لا تنتفعون بحسناتهم ولا تؤاخذون بسيآتهم ولا تسألون عن أعمالهم كما لا يسألون عن أعمالكم.
كما قال تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى وَإِنْ تَدْعُ مُثْقَلَةٌ إِلَى حِمْلِهَا لا يُحْمَلْ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى).
وقال تعالى (وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى).
وقال تعالى (فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ).
стр. 414
وقال ﷺ (من بطّأ به عمله لم يسرع به نسبه) رواه مسلم.
وفي حديث أبي هريرة. قال (قام رسول الله ﷺ حين أنزل الله (وأنذر عشيرتك الأقربين) قال: يا معشر قريش - أو كلمة نحوها - اشتروا أنفسكم لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا بني عبد مناف لا أغني عنكم من الله شيئاً، يا عباس بن عبد المطلب لا أغني عنك من الله شيئاً، يا صفية عمة رسول الله لا أغني عنك من الله شيئاً، ويا فاطمة بنت محمد ﷺ سليني من مالي ما شئتِ، لا أغني عنك من الله شيئاً) متفق عليه.
فائدة: حكي عن بعض العلماء أنه سئل عما وقع من الفتن بين علي ومعاوية وطلحة والزبير وعائشة - رضوان الله عليهم - فقرأ (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
الفوائد:
١ - أن التوحيد وصية الأنبياء.
٢ - ينبغي الاقتداء بالأنبياء والوصية بالتوحيد.
٣ - أهمية التوحيد.
٤ - أن الموت حق على الأنبياء.
٥ - وجوب إخلاص الإسلام لله تعالى.
٦ - أن الاعتماد على أعمال الآباء لا يجدي شيئاً.
٧ - أن الإنسان يجازى بعمله إن خيراً فخير وإن شراً فشر.
стр. 415
(وَقَالُواْ كُونُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)). [البقرة: ١٣٥].
(وَقَالُوا) أي: اليهود والنصارى الزاعمين أنهم على حق.
(كُونُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُوا) أي: قالت اليهود كونوا على ملتنا يهوداً تهتدوا، وقالت النصارى كونوا نصارى تهتدوا.
• والمراد بقولهم (تهتدوا) أي: إلى الحق وتدخلون الجنة كما قالوا (وَقَالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى).
(قُلْ) أي: قل لهم يا محمد.
(بَلْ) نتبع.
(مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً) مستقيماً مائلاً عن الشرك إلى التوحيد.
(وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) هذه توكيد للتي قبلها.
• في هذا ثناء على إبراهيم من وجوه ثلاثة:
أولاً: إمامته، ووجهها: أننا أمرنا باتباعه، والمتبوع هو الإمام.
ثانياً: أنه حنيف، والحنيف هو المائل عن كل دين سوى الإسلام.
ثالثاً: أنه ليس فيه شرك في عمله لقوله (وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
الفوائد:
١ - أن أهل الباطل يدعون إلى باطلهم.
٢ - أن كل داع إلى ضلال ففيه شبه من اليهود والنصارى.
٣ - أن الشرك ممتنع في حق الأنبياء.
٤ - أن ملة إبراهيم أفضل الملل.
стр. 416
(قُولُواْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ (١٣٦) فَإِنْ آمَنُواْ بِمِثْلِ مَا آمَنتُم بِهِ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (١٣٧)). [البقرة: ١٣٦ - ١٣٧].
(قُولُوا) الخطاب هنا للرسول ﷺ وأمته، وهذا القول يشمل القول باللسان مع اعتقاد القلب.
• فالخطاب هنا للمؤمنين، ولهذا قال ابن كثير: أرشد الله تعالى عباده المؤمنين إلى الإيمان بما أنزل إليهم بواسطة رسوله محمد ﷺ مفصلاً وما أنزل على الأنبياء المتقدمين مجملاً، ونص على أعيان من الرسل، وأجمل ذكر بقية الأنبياء.
وقيل: الخطاب للكفار، أي: أمروا أن يقولوا: آمنا بالله، حتى يكون على الحق، ورجح الشوكاني الأول.
• قال السعدي: في قوله (قولوا) فيها إشارة إلى الإعلان بالعقيدة والصدع بها والدعوة لها، إذ هي أصل الدين وأساسه.
(آمَنَّا بِاللَّهِ) والإيمان بالله يتضمن الإيمان بوجود الله، والإيمان بربوبيته، والإيمان بألوهيته، والإيمان بأسمائه وصفاته.
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْنَا) أي القرآن العظيم، ويشمل السنة لقوله تعالى (وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ).
(وَمَا أُنْزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: وآمنا بما أنزل على إبراهيم.
• ولم يبين هنا هذا الذي أنزل إلى إبراهيم، ولكن بيّن في سورة الأعلى أنه صحف، وأن من جملة ما في تلك الصحف (بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا. وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأَبْقَى) وذلك في قوله (إِنَّ هَذَا لَفِي الصُّحُفِ الْأُولَى. صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى). [أضواء البيان: ١/ ١٠٢].
(وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ) أي: آمنا بما أنزل على هؤلاء، ولم يذكر ما أنزل إليهم بالتحديد.
• والأسباط: هم بنو يعقوب اثنا عشر رجلاً، ولد كل رجل منهم أمة من الناس، فسموا الأسباط، وقال الخليل بن أحمد
وغيره: الأسباط في بني إسرائيل كالقبائل في بني إسماعيل.
قال البخاري: الأسباط قبائل بني إسرائيل، وهذا يقتضي أن المراد بالأسباط ههنا شعوب بني إسرائيل، وما أنزل الله من الوحي على الأنبياء الموجودين منهم، وهذا اختيار الطبري.
(وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى) أي من التوراة والإنجيل والآيات كاليد والعصا وكإخراج الموتى بإذن الله.
قال تعالى (ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ) وهو التوراة بالإجماع، وذكر ما أوتيه عيسى وهو الإنجيل كما في قوله تعالى (وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ).
стр. 417
• سؤال: لم أفرد موسى وعيسى بالذكر (وَمَا أُوتِىَ موسى وعيسى)؟
الجواب: لكون أهل الكتاب زادوا ونقصوا وحرفوا فيهما وادعوا أنهما أنزلا كذلك، والمؤمنون ينكرونه اهتم بشأنهما فأفردهما بالذكر وبين طريق الإيمان بهما ولم يدرجهما في الموصول السابق.
(وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: ونؤمن بما أنزل على غيرهم من الأنبياء جميعاً ونصدق بما جاءوا به من عند الله من الآيات البينات والمعجزات الباهرات.
• سؤال: فإن قيل: كيف يجوز الإيمان بإبراهيم وموسى وعيسى مع القول بأن شرائعهم منسوخة؟ قلنا: نحن نؤمن بأن كل واحد من تلك الشرائع كان حقاً في زمانه فلا يلزم منا المناقضة، أما اليهود والنصارى لما اعترفوا بنبوة بعض من ظهر المعجز عليه، وأنكروا نبوة محمد ﷺ مع قيام المعجز على يده، فحينئذ يلزمهم المناقضة فظهر الفرق. (مفاتيح الغيب).
(لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ) أي نؤمن على هذا الوجه، فلا نفرق بين أحد منهم في الإيمان بهم، لا في الاتباع، فلا نؤمن بالبعض ونكفر بالبعض كما فعلت اليهود والنصارى.
(وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) أي: منقادون لأمر الله خاضعون لحكمه، ظاهراً وباطناً.
(فَإِنْ آمَنُوا) يعني الكفار من أهل الكتاب وغيرهم.
(بِمِثْلِ مَا آمَنْتُمْ بِهِ) أي: بمثل ما آمنتم به يا معشر المؤمنين من الإيمان بجميع كتب الله ورسله، الذين أول من دخل فيهم وأولى: هو خاتمهم وأفضلهم محمد ﷺ والقرآن، من غير تحريف لهذه الكتب.
• قال ابن عاشور: والباء في قوله (بمثل ما آمنتم به) للملابسة وليست للتعدية أي إيماناً مماثلاً لإيمانكم.
(فَقَدِ اهْتَدَوْا) أي فقد أصابوا الحق وأُرشِدوا إليه، فلا سبيل للهداية إلا بهذا الإيمان، لا كما زعموا بقولهم (كونوا هوداً أو نصارى تهتدوا).
• والهدى: هو العلم بالحق والعمل به.
(وَإِنْ تَوَلَّوْا) أي عن الحق إلى الباطل بعد قيام الحجة عليهم.
• التولي هو الإعراض.
(فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) معنى الشقاق في الأصل الفراق، والمراد أن هؤلاء المعاندين أصبحوا في شق، والحق والحنيفية السمحة في شق آخر.
стр. 418
قال قتادة: (فَإِنَّمَا هُمْ فِي شِقَاقٍ) أي: في فراق.
قال القرطبي: … وقيل: الشقاق المجادلة والمخالفة والتعادي، وأصله من الشِّق وهو الجانب، فكأن كل واحد من الفريقين في شق غير شق صاحبه، وقيل: إن الشقاق مأخوذ من فعل ما يشق ويصعب، فكأن كل واحد من الفريقين يحرص على ما يشق على صاحبه.
(فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ) أي: فسينصرك عليهم ويظفر بهم.
• وقد أتم الله لنبيه ﷺ هذا الوعد الذي وعده إياه فسلطه على بعضهم بالقتل والإجلاء من الديار وسبي بعضهم وضرب الجزية على آخرين منهم.
• قال ابن عاشور: وفرع قوله (فسيكفيكهم الله) على قوله (فإنما هم في شقاق) تثبيتاً للنبي ﷺ لأن إعلامه بأن هؤلاء في شقاق مع ما هو معروف من كثرتهم وقوة أنصارهم مما قد يتحرج له السامع فوعده الله بأنه يكفيه شرهم الحاصل من توليهم.
(وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ) فالله سينصر نبيه لأنه هو السميع لجميع الأصوات، باختلاف اللغات، العليم بما بين أيديهم وما خلفهم، وبالغيب والشهادة، بالظواهر والبواطن، فإذا كان كذلك كفاك الله شرهم.
الفوائد:
١ - وجوب الإيمان بالله.
٢ - إثبات علو الله لقوله (وما أنزل إلينا).
٣ - وجوب الإيمان بالأنبياء.
٤ - أنه يجب الإيمان بجميع الأنبياء والرسل.
٥ - أن من خالف عليه النبي فهو ضلال.
٦ - الوعيد الشديد لمن تولى عن شريعة محمد ﷺ .
٧ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع العليم.
٨ - الحذر من معصية الله، لأن الله يسمع ويعلم كل شيء.
стр. 419
(صِبْغَةَ اللَّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ (١٣٨)). [البقرة: ١٣٨].
(صِبْغَةَ اللَّهِ) أي الزموا صبغة الله، وهو دينه، وقوموا به قياماً تاماً بجميع أعماله الظاهرة والباطنة، وجميع عقائده في جميع الأوقات، حتى يكون لكم صبغة وصفة من صفاتكم.
• والمراد بصبغة الله: دين الله، والصبغ مأخوذة من الصَّبغ وهو تغيير الشيء بلون من الألوان، وسمي الدين صبغة لظهور أثره على العامل به، وقيل: سمي صبغة كلزوم الصبغ للثوب.
قال قتادة: إن اليهود تصبغ أبناءها يهود، والنصارى تصبغ أبناءها نصارى، وإن صبغة الله الإسلام فلا صبغة أحسن من الإسلام ولا أطهر، وهو دين الله الذي بعث به نوحاً والأنبياء بعده.
(وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً) أي: لا أحسن صبغة من صبغته.
(وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) أي: نحن نعبده جل وعلا ولا نعبد أحداً سواه.
• قال السعدي: (وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ) فوصفهم باسم الفاعل الدال على الثبوت والاستقرار ليدل على اتصافهم بذلك وكونه صار صبغة لهم ملازماً.
الفوائد:
١ - وجوب الالتزام بدين الله.
٢ - أن دين الله أحسن الأديان.
٣ - وجوب إخلاص العبادة لله.
стр. 420
(قُلْ أَتُحَآجُّونَنَا فِي اللَّهِ وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ (١٣٩) أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطَ كَانُواْ هُودًا أَوْ نَصَارَى قُلْ أَأَنتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٠) تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُم مَّا كَسَبْتُمْ وَلَا تُسْأَلُونَ عَمَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ (١٤١)). [البقرة: ١٣٩ - ١٤١].
(قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) يقول تعالى مرشداً نبيه ﷺ إلى درء مجادلة المشركين (قُلْ أَتُحَاجُّونَنَا فِي اللَّهِ) أي: تناظروننا في توحيد الله والإخلاص له والانقياد واتباع أوامره وترك زواجره.
• اختلف العلماء في هذه المحاجة كانت مع من؟ ذكروا فيه وجوهاً:
أحدها: أنه خطاب لليهود والنصارى.
وثانيها: أنه خطاب مع مشركي العرب حيث قالوا (لَوْلا أُنزِلَ هذا القرءان على رَجُلٍ مّنَ القريتين عَظِيمٍ) والعرب كانوا مقرين بالخالق.
وثالثها: أنه خطاب مع الكل، والقول الأول أليق بنظم الآية. [مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٠].
(وَهُوَ رَبُّنَا وَرَبُّكُمْ) المتصرف فينا وفيكم المستحق لإخلاص الإلهية له وحده لا شريك له.
(وَلَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ) أي: نحن برآء منكم ومما تعبدون وأنتم برآء منا.
كما في الآية الأخرى (وَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ لِي عَمَلِي وَلَكُمْ عَمَلُكُمْ أَنْتُمْ بَرِيئُونَ مِمَّا أَعْمَلُ وَأَنَا بَرِيءٌ مِمَّا تَعْمَلُونَ).
وقال تعالى (فَإِنْ حَاجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ).
وقال تعالى إخباراً عن إبراهيم (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ).
(وَنَحْنُ لَهُ مُخْلِصُونَ) أي: مخلصون له في العبادة والتوجه. وفيه توبيخ لليهود والنصارى، والمعنى وأنتم به مشركون.
• والإخلاص أن يخلص العبد دينه، وعمله لله تعالى فلا يشرك في دينه ولا يرائي بعمله.
والأدلة على وجوب الإخلاص كثيرة.
قال تعالى (قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ).
وقال تعالى (فَادْعُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ).
وقال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصاً لَهُ الدِّينَ).
وقال تعالى (قُلِ اللَّهَ أَعْبُدُ مُخْلِصاً لَهُ دِينِي).
وقال تعالى (قُلْ إني أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ الله مُخْلِصاً لَّهُ الدين).
وقال تعالى (هُوَ الْحَيُّ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ).
وقال ﷺ (إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل امرئ ما نوى) متفق عليه.
وقال ﷺ (إن الله لا يقبل من العمل إلا ما كان خالصاً وابتغي به وجه الله) رواه النسائي.
وقال ﷺ . قال تعالى (من عمِل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركَه) رواه مسلم.
وعن محمود بن لبيد أن رسول الله ﷺ قال (إن أخوفَ ما أخاف عليكم الشرك الأصغر؟ قالوا: وما الشرك الأصغر؟ قال: الرياء، يقول الله إذا جزى الناس بأعمالهم: اذهبوا إلى الذين كنتم تراءون في الدنيا فانظروا هل تجدون عندهم جزاء). رواه أحمد
стр. 421
• وللإخلاص فضائل:
أولاً: أنه سبب لمغفرة الذنوب.
والدليل: قصة المرأة الزانية التي سقت الكلب فغفر الله لها "والقصة عند البخاري ومسلم.
قال ابن القيم ﵀: فتأمل ما قام في قلبها من حقائق الإيمان والعبودية في هذه اللحظة فمنها: أنها لم تعمله ابتغاء الأجر من أحد لأنها تعطي كلباً فلا تنتظر منه جزاء أو شيئاً - وأنه لم يرها أحد إلا الله وهذا يدل عليه ظاهر الحديث - أنها أتعبت نفسها في سقايتها لهذا الكلب فنزلت في البئر مع أنها امرأة ثم ملئت خفها بالماء وحملته بفيها ثم سقت هذا الكلب الحقير، فتأمل ما قام في قلبها من أسرار الإخلاص فعندما تمت هذه الحقائق في قلبها، أحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء والزنا فغفر الله لها.
ثانياً: أنه يصرف الفتنه عن القلب.
قال الإمام ابن تيميه في الفتاوى (١/ ٦٠): فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كلّه لله .
ويوسف ﵇ ما نجى من فتنة المرأة إلا بالإخلاص لله تعالى قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء اِنه من عبادنا المخلصين).
وقال أيضاً في الفتاوى (١٠/ ٢٦١): فإن قوة إخلاص يوسف ﵇ وخشيته من الله كان أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها.
ثالثاً: أنه به تكمل العبودية لله تعالى.
قال الإمام ابن تيمية في الفتاوى (١٠/ ١٩٨): وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته.
لأن بالإخلاص تقبل الأعمال وترفع إلى الله، وكلما قبل العمل ارتفعت المنزلة والدرجة عند الله تعالى لذلك العبد، ولهذا كان من أبرز صفات المقربين والسابقين عند الله هو "إخلاصهم لله"فبالإخلاص ارتفعوا عن الناس وأصبحوا في أعالي عليين.
رابعاً: أنه سبب لاستغناء القلب عن الناس.
قال الإمام ابن تيميه في الفتاوى: لا يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يحب إلا له ولا يبغض إلا له.
خامساً: أنه سبب لمضاعفة الحسنات.
قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ
يَشَاءُ).
قال ابن كثير: وقوله ههنا (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: بحسب إخلاصه في عمله.
وقال ﷺ (والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف … ) رواه البخاري.
قال ابن رجب: ومضاعفة الأجر بحسب كمال الإسلام، وبكمال وقوة الإخلاص في ذلك العمل.
وقال ﷺ (صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس بخمس وعشرين درجه) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.
стр. 422
سادساً: أنه سبب لقبول الدعاء وتفريج الكرب.
والدليل على ذلك: قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار وفيها أنهم قالوا: (اللهم إن كنا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه ففرج الله عنهم) والقصة معروفه وهي عند البخاري ومسلم.
سابعاً: أنه سبب للنصر على الأعداء.
لحديث سعد ﵁ قال: قال ﷺ (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم).
ثامناً: أنه ينجي العبد من النار يوم القيامة.
لقول النبي ﷺ (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله) رواه البخاري.
قال ابن تيمية في الفتاوى (١٠/ ٢٦١): فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار، فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله، فإن ذلك دليل على أنه لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار.
وقال ابن القيم في عدة الصابرين: من عوّد نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عوّد نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال، فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس.
وقال في المدارج: ومما يخلصه من طلب العوض: علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته.
قال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل.
وقال ابن المبارك: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة.
(أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى) ينكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية، فقال:
(قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) يعني بل الله أعلم، وقد أخبر تعالى أنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).
• قال السعدي: رد الله عليهم بقوله (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) فالله يقول (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهم يقولون: بل كان يهوديا أو نصرانيا.
فإما أن يكونوا، هم الصادقين العالمين، أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك، فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم، وهو في غاية الوضوح والبيان، حتى إنه - من وضوحه - لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق، ونحو ذلك، لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل: الليل أنور، أم النهار؟ والنار أحر أم الماء؟ والشرك أحسن أم التوحيد؟ ونحو ذلك.
(وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) أي: لا أحد أظلم ممن أخفى وكتم ما اشتملت عليه آيات التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله.
стр. 423
• وفي الذي كتموه قولان:
قيل: هي ما في كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم.
وقيل: المراد هنا ما كتموه من صفة محمد ﷺ .
(وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعلمكم وسيجزيكم عليه.
(تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تقدم شرحها.
وقد قيل في تكرارها أقوال:
قيل: أنه كررها للتهديد والتخويف، والمعنى: أنه إذا كان أولئك الأنبياء على طاعتهم لله وفضلهم يُجازون يوم القيامة بكسبهم فأنتم أحرى أن تجازون بكسبكم كذلك. [تفسير القرطبي: ٢/ ٤٧].
وقيل: أنه كررها لقطع التعلق بالمخلوقين وتنبيهاً لليهود ولمن يتكل على فضل آبائه وأجداده وشرفهم كي لا يتكلوا على فضل الآباء.
وقيل: كررها لشدة الحاجة إليها.
الفوائد:
١ - وجوب البراءة من أعمال الكفار.
٢ - أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله.
٣ - وجوب الإخلاص لله تعالى.
٤ - إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل كانوا هوداً أو نصارى.
٥ - عظم كتم العلم.
٦ - كمال علم الله ومراقبته.
٧ - تخويف الإنسان وتحذيره من المخالفة.
стр. 424
(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٤٢)). [سورة البقرة: ١٤٢].
(سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا) أي: سيقول ضعفاء العقول من الناس.
(مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا) ما صرفهم وحولهم عن القبلة التي كانوا عليها وهي بيت المقدس، قبلة المرسلين قبلهم؟
• اختلف العلماء بالمراد بالسفهاء هنا:
فقيل: مشركوا العرب، وقيل: أحبار اليهود، وقيل: المنافقون، قال ابن كثير: والآية عامة في هؤلاء كلهم.
• قال السعدي: دلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل فيتلقى أحكام ربه بالقبول والانقياد والتسليم.
• قال ابن القيم: وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس؛ ثم تحويلها إلى الكعبة حِكَم عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين.
فأما المسلمون، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا (آمنا به كل من عند ربنا) وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم.
وأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحق.
وأما اليهود، فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبياً لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء.
وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه، إن كانت الأولى حقاً فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان
على باطل، وكثرت أقاويل السفهاء من الناس.
• قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ … ) فيه قولان.
القول الأول: أن هذا إخبار من الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وفائدة ذلك:
أولاً: أنه ﵊ إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً.
وثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم.
وثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي ﵇ منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً. [مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٣].
стр. 425
القول الثاني: أن (سيقول) بمعنى قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته واستمراره عليه.
• قال الشوكاني: قوله (سَيَقُولُ) هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه ﷺ وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود، والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة.
وقيل: إن (سَيَقُولُ) بمعنى: قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته، والاستمرار عليه، وقيل: إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوين لصدمته، وتخفيف لروعته، وكسراً لسَوْرته.
• قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ … ) فائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلوماً هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافاً كان هؤلاء صنف السفهاء فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة، والمعنى أن كل من صدر منه هذا القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة.
• سميت القبلة قبلة لأن المصلي يستقبلها.
• النبي ﷺ حينما كان يستقبل بيت المقدس هل كان ذلك بوحي من الله أو باجتهاد منه؟ اختلف العلماء في ذلك:
فقيل: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقيل: أنه كان مخيراً بين بيت المقدس والكعبة فاختار القدس طمعاً في إيمان اليهود واستمالتهم، وقيل: أن ذلك كان بأمر الله ووحيه ثم نسخ بعد ذلك وأمره أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم … ) وهي واضحة الدلالة، وهذا القول هو الصحيح.
• قال القرطبي: دلت الآية على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي ﷺ صلى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون (كنت عليها) بمعنى أنت عليها. … (قُلْ) أي: أنزل الله جواباً لهم.
(لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) و (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصرفه، وخدامه حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد ﷺ وأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء الخليل ﵇.
следующие страницы →