← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 421–460 · переход к 426.

стр. 421

• وللإخلاص فضائل: أولاً: أنه سبب لمغفرة الذنوب. والدليل: قصة المرأة الزانية التي سقت الكلب فغفر الله لها "والقصة عند البخاري ومسلم. قال ابن القيم ﵀: فتأمل ما قام في قلبها من حقائق الإيمان والعبودية في هذه اللحظة فمنها: أنها لم تعمله ابتغاء الأجر من أحد لأنها تعطي كلباً فلا تنتظر منه جزاء أو شيئاً - وأنه لم يرها أحد إلا الله وهذا يدل عليه ظاهر الحديث - أنها أتعبت نفسها في سقايتها لهذا الكلب فنزلت في البئر مع أنها امرأة ثم ملئت خفها بالماء وحملته بفيها ثم سقت هذا الكلب الحقير، فتأمل ما قام في قلبها من أسرار الإخلاص فعندما تمت هذه الحقائق في قلبها، أحرقت أنوار هذا القدر من التوحيد ما تقدم منها من البغاء والزنا فغفر الله لها. ثانياً: أنه يصرف الفتنه عن القلب. قال الإمام ابن تيميه في الفتاوى (١/ ٦٠): فلا تزول الفتنة عن القلب إلا إذا كان دين العبد كلّه لله . ويوسف ﵇ ما نجى من فتنة المرأة إلا بالإخلاص لله تعالى قال تعالى (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء اِنه من عبادنا المخلصين). وقال أيضاً في الفتاوى (١٠/ ٢٦١): فإن قوة إخلاص يوسف ﵇ وخشيته من الله كان أقوى من جمال امرأة العزيز وحسنها وحبه لها. ثالثاً: أنه به تكمل العبودية لله تعالى. قال الإمام ابن تيمية في الفتاوى (١٠/ ١٩٨): وكلما قوي إخلاص العبد كملت عبوديته. لأن بالإخلاص تقبل الأعمال وترفع إلى الله، وكلما قبل العمل ارتفعت المنزلة والدرجة عند الله تعالى لذلك العبد، ولهذا كان من أبرز صفات المقربين والسابقين عند الله هو "إخلاصهم لله"فبالإخلاص ارتفعوا عن الناس وأصبحوا في أعالي عليين. رابعاً: أنه سبب لاستغناء القلب عن الناس. قال الإمام ابن تيميه في الفتاوى: لا يستغني القلب عن جميع المخلوقات إلا بأن يكون الله هو مولاه الذي لا يعبد إلا إياه، ولا يستعين إلا به، ولا يحب إلا له ولا يبغض إلا له. خامساً: أنه سبب لمضاعفة الحسنات. قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ). قال ابن كثير: وقوله ههنا (وَاللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ) أي: بحسب إخلاصه في عمله. وقال ﷺ (والحسنة بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف … ) رواه البخاري. قال ابن رجب: ومضاعفة الأجر بحسب كمال الإسلام، وبكمال وقوة الإخلاص في ذلك العمل. وقال ﷺ (صلاة الرجل تطوعاً حيث لا يراه الناس تعدل صلاته على أعين الناس بخمس وعشرين درجه) رواه ابن ماجه وصححه الألباني.

стр. 422

سادساً: أنه سبب لقبول الدعاء وتفريج الكرب. والدليل على ذلك: قصة الثلاثة الذين دخلوا الغار وفيها أنهم قالوا: (اللهم إن كنا فعلنا ذلك ابتغاء وجهك، فافرج عنا ما نحن فيه ففرج الله عنهم) والقصة معروفه وهي عند البخاري ومسلم. سابعاً: أنه سبب للنصر على الأعداء. لحديث سعد ﵁ قال: قال ﷺ (إنما ينصر الله هذه الأمة بضعيفها، بدعوتهم وصلاتهم وإخلاصهم). ثامناً: أنه ينجي العبد من النار يوم القيامة. لقول النبي ﷺ (فإن الله حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بها وجه الله) رواه البخاري. قال ابن تيمية في الفتاوى (١٠/ ٢٦١): فإن الإخلاص ينفي أسباب دخول النار، فمن دخل النار من القائلين لا إله إلا الله، فإن ذلك دليل على أنه لم يحقق إخلاصها المحرم له على النار. وقال ابن القيم في عدة الصابرين: من عوّد نفسه العمل لله لم يكن عليه أشق من العمل لغيره، ومن عوّد نفسه العمل لهواه وحظه لم يكن عليه أشق من الإخلاص والعمل لله، وهذا في جميع أبواب الأعمال، فليس شيء أشق على المنفق لله من الإنفاق لغيره وكذا بالعكس. وقال في المدارج: ومما يخلصه من طلب العوض: علمه بأنه عبد محض والعبد لا يستحق على خدمته لسيده عوضا ولا أجرة إذ هو يخدمه بمقتضى عبوديته. قال الربيع بن خثيم: كل ما لا يراد به وجه الله يضمحل. وقال ابن المبارك: ما رأيت أحداً ارتفع مثل مالك، ليس له كثير صلاة ولا صيام، إلا أن تكون له سريرة. (أَمْ تَقُولُونَ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطَ كَانُوا هُوداً أَوْ نَصَارَى) ينكر تعالى عليهم في دعواهم أن إبراهيم ومن ذكر بعده من الأنبياء والأسباط كانوا على ملتهم، إما اليهودية وإما النصرانية، فقال: (قُلْ أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) يعني بل الله أعلم، وقد أخبر تعالى أنهم لم يكونوا هوداً ولا نصارى كما قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ). • قال السعدي: رد الله عليهم بقوله (أَأَنْتُمْ أَعْلَمُ أَمِ اللَّهُ) فالله يقول (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وهم يقولون: بل كان يهوديا أو نصرانيا. فإما أن يكونوا، هم الصادقين العالمين، أو يكون الله تعالى هو الصادق العالم بذلك، فأحد الأمرين متعين لا محالة، وصورة الجواب مبهم، وهو في غاية الوضوح والبيان، حتى إنه - من وضوحه - لم يحتج أن يقول بل الله أعلم وهو أصدق، ونحو ذلك، لانجلائه لكل أحد، كما إذا قيل: الليل أنور، أم النهار؟ والنار أحر أم الماء؟ والشرك أحسن أم التوحيد؟ ونحو ذلك. (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ) أي: لا أحد أظلم ممن أخفى وكتم ما اشتملت عليه آيات التوراة والإنجيل من البشارة برسول الله.

стр. 423

• وفي الذي كتموه قولان: قيل: هي ما في كتبهم من أن الأنبياء على الحنيفية لا على ما ادعوا هم. وقيل: المراد هنا ما كتموه من صفة محمد ﷺ . (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ) تهديد ووعيد شديد، أي: أن علمه محيط بعلمكم وسيجزيكم عليه. (تِلْكَ أُمَّةٌ قَدْ خَلَتْ لَهَا مَا كَسَبَتْ وَلَكُمْ مَا كَسَبْتُمْ وَلا تُسْأَلونَ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ) تقدم شرحها. وقد قيل في تكرارها أقوال: قيل: أنه كررها للتهديد والتخويف، والمعنى: أنه إذا كان أولئك الأنبياء على طاعتهم لله وفضلهم يُجازون يوم القيامة بكسبهم فأنتم أحرى أن تجازون بكسبكم كذلك. [تفسير القرطبي: ٢/ ٤٧]. وقيل: أنه كررها لقطع التعلق بالمخلوقين وتنبيهاً لليهود ولمن يتكل على فضل آبائه وأجداده وشرفهم كي لا يتكلوا على فضل الآباء. وقيل: كررها لشدة الحاجة إليها. الفوائد: ١ - وجوب البراءة من أعمال الكفار. ٢ - أنه لا يجوز التشبه بأعداء الله. ٣ - وجوب الإخلاص لله تعالى. ٤ - إبطال دعوى هؤلاء اليهود والنصارى أن إبراهيم وإسماعيل كانوا هوداً أو نصارى. ٥ - عظم كتم العلم. ٦ - كمال علم الله ومراقبته. ٧ - تخويف الإنسان وتحذيره من المخالفة.

стр. 424

(سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (١٤٢)). [سورة البقرة: ١٤٢]. (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا) أي: سيقول ضعفاء العقول من الناس. (مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا) ما صرفهم وحولهم عن القبلة التي كانوا عليها وهي بيت المقدس، قبلة المرسلين قبلهم؟ • اختلف العلماء بالمراد بالسفهاء هنا: فقيل: مشركوا العرب، وقيل: أحبار اليهود، وقيل: المنافقون، قال ابن كثير: والآية عامة في هؤلاء كلهم. • قال السعدي: دلت الآية على أنه لا يعترض على أحكام الله إلا سفيه جاهل معاند، وأما الرشيد المؤمن العاقل فيتلقى أحكام ربه بالقبول والانقياد والتسليم. • قال ابن القيم: وكان لله في جعل القبلة إلى بيت المقدس؛ ثم تحويلها إلى الكعبة حِكَم عظيمة، ومحنةٌ للمسلمين والمشركين واليهود والمنافقين. فأما المسلمون، فقالوا: سمعنا وأطعنا، وقالوا (آمنا به كل من عند ربنا) وهم الذين هدى الله، ولم تكن كبيرة عليهم. وأما المشركون، فقالوا: كما رجع إلى قبلتنا يوشك أن يرجع إلى ديننا، وما رجع إليها إلا أنه الحق. وأما اليهود، فقالوا: خالف قبلة الأنبياء قبله، ولو كان نبياً لكان يصلي إلى قبلة الأنبياء. وأما المنافقون، فقالوا: ما يدري محمد أين يتوجه، إن كانت الأولى حقاً فقد تركها، وإن كانت الثانية هي الحق، فقد كان على باطل، وكثرت أقاويل السفهاء من الناس. • قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ … ) فيه قولان. القول الأول: أن هذا إخبار من الله تعالى لنبيه ﷺ وللمؤمنين بأن السفهاء من اليهود والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وفائدة ذلك: أولاً: أنه ﵊ إذا أخبر عن ذلك قبل وقوعه، كان هذا إخباراً عن الغيب فيكون معجزاً. وثانيها: أنه تعالى إذا أخبر عن ذلك أولاً ثم سمعه منهم، فإنه يكون تأذيه من هذا الكلام أقل مما إذا سمعه منهم. وثالثها: أن الله تعالى إذا أسمعه ذلك أولاً ثم ذكر جوابه معه فحين يسمعه النبي ﵇ منهم يكون الجواب حاضراً، فكان ذلك أولى مما إذا سمعه ولا يكون الجواب حاضراً. [مفاتيح الغيب: ٤/ ٨٣].

стр. 425

القول الثاني: أن (سيقول) بمعنى قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته واستمراره عليه. • قال الشوكاني: قوله (سَيَقُولُ) هذا إخبار من الله سبحانه لنبيه ﷺ وللمؤمنين، بأن السفهاء من اليهود، والمنافقين سيقولون هذه المقالة عند أن تتحول القبلة من بيت المقدس إلى الكعبة. وقيل: إن (سَيَقُولُ) بمعنى: قال، وإنما عبر عن الماضي بلفظ المستقبل للدلالة على استدامته، والاستمرار عليه، وقيل: إن الإخبار بهذا الخبر كان قبل التحول إلى الكعبة، وأن فائدة ذلك أن الإخبار بالمكروه إذا وقع قبل وقوعه كان فيه تهوين لصدمته، وتخفيف لروعته، وكسراً لسَوْرته. • قوله تعالى (سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ … ) فائدة وصفهم بأنهم من الناس مع كونه معلوماً هو التنبيه على بلوغهم الحد الأقصى من السفاهة بحيث لا يوجد في الناس سفهاء غير هؤلاء فإذا قسم نوع الإنسان أصنافاً كان هؤلاء صنف السفهاء فيفهم أنه لا سفيه غيرهم على وجه المبالغة، والمعنى أن كل من صدر منه هذا القول هو سفيه سواء كان القائل اليهود أو المشركين من أهل مكة. • سميت القبلة قبلة لأن المصلي يستقبلها. • النبي ﷺ حينما كان يستقبل بيت المقدس هل كان ذلك بوحي من الله أو باجتهاد منه؟ اختلف العلماء في ذلك: فقيل: كان ذلك منه عن رأي واجتهاد، وقيل: أنه كان مخيراً بين بيت المقدس والكعبة فاختار القدس طمعاً في إيمان اليهود واستمالتهم، وقيل: أن ذلك كان بأمر الله ووحيه ثم نسخ بعد ذلك وأمره أن يستقبل بصلاته الكعبة، واستدلوا بقوله تعالى (وما جعلنا القبلة التي كنت عليها إلا لنعلم … ) وهي واضحة الدلالة، وهذا القول هو الصحيح. • قال القرطبي: دلت الآية على جواز نسخ السنة بالقرآن، وذلك أن النبي ﷺ صلى نحو بيت المقدس، وليس في ذلك قرآن، فلم يكن الحكم إلا من جهة السنة ثم نسخ ذلك بالقرآن، وعلى هذا يكون (كنت عليها) بمعنى أنت عليها. … (قُلْ) أي: أنزل الله جواباً لهم. (لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ) أي: الحكم والتصرف والأمر كله لله (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) و (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) فحيثما وجهنا توجهنا، فالطاعة في امتثال أمره ولو وجهنا في كل يوم مرات إلى جهات متعددة، فنحن عبيده وفي تصرفه، وخدامه حيثما وجهنا توجهنا، وهو تعالى له بعبده ورسوله محمد ﷺ وأمته عناية عظيمة، إذ هداهم إلى قبلة إبراهيم خليل الرحمن، وجعل توجههم إلى الكعبة المبنية على اسمه تعالى وحده لا شريك له أشرف بيوت الله في الأرض، إذ هي بناء الخليل ﵇.

стр. 426

• وقال القرطبي: أي: له ملك المشارق والمغارب وما بينهما، فله أن يأمر بالتوجه إلى أي جهة شاء. (يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) إشعار بأن تحويل القبلة إلى الكعبة من الهداية للنبي لأهل ملته إلى الصراط المستقيم الذي لا اعوجاج فيه. • قوله تعالى (مَنْ يَشَاءُ) فيه إثبات المشيئة لله، وليعلم أن كل شيء علّقه الله بالمشيئة فإنه مقرون بالحكمة، أي: أنه ليست مشيئة الله مجردة هكذا تأتي عفواً، لا، هي مشيئة مقرونه بالحكمة، والدليل على ذلك، قوله تعالى (وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيماً حَكِيماً) فلما بيّن أن مشيئتهم بمشيئة الله، بيّن أن ذلك مبني عن علم وحكمة. (الشيخ ابن عثيمين)

стр. 427

الفوائد: ١ - سفه من يعترض على أقدار الله. ٢ - تسلية النبي ﷺ وأصحابه. ٣ - الرد على المعترضين، ومن الرد العام الذي يرد به: أن الله رب العالمين مالك الملك، وأن الخلق كلهم ملكه وعبيده، فله أن يشرع لهم ما يشاء، لأنه يعلم ما صلح لهم (أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ). ٤ - وجوب الانقياد لله والسمع والطاعة، لأن هذا هو مقتضى العبودية الحق. ٥ - عموم ملك الله تعالى. ٦ - الرد على من يقول: لماذا الله أعطى فلاناً ولم يعط فلاناً. ٧ - أن الهداية بيد الله. ٨ - استحباب طلب الهداية من الله، وفي الحديث القدسي (فاستهدوني أهدكم). ٩ - إثبات مشيئة الله.

стр. 428

(وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ (١٤٣)). [البقرة: ١٤٣]. (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) أي: كما هديناكم إلى قبلة هي أوسط القبل وكذلك جعلناكم أمة وسطاً. • قال ابن كثير: يقول تعالى: إنما حولناكم إلى قبلة إبراهيم ﵇، واخترناها لكم لنجعلكم خيار الأمم، والوسط ههنا الخيار والأجود، كما يقال: قريش أوسط العرب نسباً وداراً، أي: خيرها، وكان رسول الله ﷺ وسطاً في قومه، أي: أشرفهم نسباً، ومنه الصلات الوسطى التي هي أفضل الصلوات وهي العصر، وفي القرآن (قَالَ أَوْسَطُهُمْ) أي: أعدلهم وخيرهم. وقد روى الترمذي عن أبي سعيد الخدري. عن النبي ﷺ في قوله (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً) قال: عدلاً). • وقال السعدي: وما عدا الوسط، فأطراف داخلة تحت الخطر، فجعل الله هذه الأمة، وسطاً في كل أمور الدين. وسطاً في الأنبياء: بين من غلا فيهم، كالنصارى، وبين من جفاهم، كاليهود، بأن آمنوا بهم كلهم على الوجه اللائق بذلك. ووسطاً في الشريعة: لا تشديدات اليهود وآصارهم، ولا تهاون النصارى. وفي باب الطهارة والمطاعم: لا كاليهود الذين لا تصح لهم صلاة إلا في بيعهم وكنائسهم، ولا يطهرهم الماء من النجاسات، وقد حرمت عليهم الطيبات، عقوبة لهم، ولا كالنصارى الذين لا ينجسون شيئاً، ولا يحرمون شيئا، بل أباحوا ما دب ودرج. بل طهارتهم أكمل طهارة وأتمها، وأباح الله لهم الطيبات من المطاعم والمشارب والملابس والمناكح، وحرم عليهم الخبائث من ذلك، فلهذه الأمة من الدين أكمله، ومن الأخلاق أجلها، ومن الأعمال أفضلها. ووهبهم الله من العلم والحلم، والعدل والإحسان، ما لم يهبه لأمة سواهم، فلذلك كانوا (أُمَّةً وَسَطًا). • وهذا يدل على فضيلة هذه الأمة، ومن فضائلها: قوله تعالى (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ). وقوله تعالى (مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ).

стр. 429

وقال ﷺ (خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم … ) متفق عليه. وقال ﷺ (إنكم توفون سبعين أمة أنتم خيرها، وأكرمها على الله) رواه أحمد. وقال ﷺ (نحن الآخرون السابقون يوم القيامة، بيْدَ أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا ثم هذا يومهم الذي فرض عليهم فاختلفوا فيه فهدانا الله … ) متفق عليه. وقوله ﷺ (عرضت علي الأمم فرأيت النبي ومعه الرجل … الحديث وفيه: ولكن انظر إلى الأفق فنظرت فإذا سواد كثير، قال: هؤلاء أمتك، ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب) متفق عليه. وقال ﷺ (وجعلت أمتي خير الأمم) رواه أحمد. (لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) أي: لتشهدوا على الأمم والناس كافة يوم القيامة أن رسلهم بلّغتهم، كما جاء في الحديث الصحيح عن أبي سعيد الخدري. قال: قال رسول الله ﷺ (يدعى نوح يوم القيامة، فيقول: لبيك وسعديك يا رب، فيقول: هل بلغت؟ فيقول: نعم، فيقال: لأمته هل بلغكم؟ فيقولون: ما أتانا من نذير، فيقول: من يشهد لك؟ فيقول: محمد وأمته، فتشهدون أنه قد بلغ ويكون الرسول عليكم شهيداً، فذلك قوله جل ذكره: (وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً) والوسط: العدل، فتدعون فتشهدون له بالبلاغ ثم أشهد عليكم) رواه البخاري. • ووصفت أمة محمد ﷺ بالوسط، لتوسطهم في الدين، فلا هم أهل غلو فيه غلو النصارى الذي غلوا بالترهب وقيلهم في عيسى ما قالوا فيه، ولا هم أهل تقصير فيه تقصير اليهود الذين بدلوا كتاب الله وقتلوا أنبياءهم وكذبوا على ربهم وكفروا به، ولكنهم أهل توسط واعتدال فيه، فوصفهم الله بذلك إذ كان أحب الأمور إلى الله أوسطها. [تفسير الطبري: ٢/ ١١] (وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً) أي: يشهد عليكم بالتبليغ أنه قد بلغ.

стр. 430

• قال الشنقيطي: لم يبين هنا هل هو شهيد عليهم في الدنيا أو الآخرة؟ ولكنه بين في موضع آخر أنه شهيد عليهم في الآخرة، وذلك في قوله (فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ على هؤلاء شَهِيداً يَوْمَئِذٍ يَوَدُّ الذين كَفَرُواْ وَعَصَوُاْ الرسول … ). (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا) وهي بيت المقدس، كما روى البخاري عَنِ الْبَرَاءِ (أَنَّ النَّبيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّي قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ. قَالَ زُهَيْرٌ حَدَّثَنَا أَبُو إِسْحَاقَ عَنِ الْبَرَاءِ فِي حَدِيثِهِ هَذَا أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ). ويدل له أيضاً قوله (الَّتِي كُنْتَ عَلَيْهَا). (إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ) أي: إنما شرعنا لك يا محمد التوجه أولاً إلى بيت المقدس ثم صرفناك عنها إلى الكعبة ليظهر حال من يتبعك ويطيعك، ويستقبل معك حيثما توجهت ممن ينقلب على عقبيه، أي: مرتداً عن دينه. قوله تعالى (إلا لنعلم … ) المراد علماً يترتب عليه الثواب والعقاب، فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس. • قال القرطبي: هذا العلم هو العلم الذي يقع عليه به الجزاء، لأنه إنما يجازيهم بأعمالهم لا بعلمه القديم عليهم. • قال الشنقيطي: ظاهر هذه الآية قد يتوهم منه الجاهل أنه تعالى يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه، عن ذلك علوًّا كبيراً، بل هو تعالى عالم بكل ما سيكون قبل أن يكون، وقد بين أنه لا يستفيد بالاختبار علماً لم يكن يعلمه بقوله جل وعلا (وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور) فقوله (والله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصدور) بعد قوله (وَلِيَبْتَلِيَ) دليل قاطع على أنه لم يستفد بالاختبار شيئاً لم يكن عالماً به، … ومعنى (إِلاَّ لِنَعْلَمَ) أي علماً يترتب عليه الثواب والعقاب فلا ينافي أنه كان عالماً به قبل ذلك، وفائدة الاختبار ظهور الأمر للناس. أما عالم السر والنجوى فهو عالم بكل ما سيكون، كما لا يخفى.

стр. 431

• وقال الشيخ ابن عثيمين: المراد علم ظهور أو علم يترتب عليه الجزاء، لأن علم الله الكائن في الأزل لا يترب عليه الجزاء حتى يُمتحن العبد ويُنظر. • ومثل هذه الآية قوله تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) وقوله تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) وقوله تعالى (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ). (وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً) أي: هذه الفعلة، وهو صرف التوجه عن بيت المقدس إلى الكعبة، أي: وإن كان هذا الأمر عظيماً في النفوس. (إِلَّا عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) قلوبهم وأيقنوا بتصديق الرسول، وأن كل ما جاء به فهو الحق الذي لا مرية فيه، وأن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، فله أن يكلف عباده بما شاء وينسخ ما يشاء، وله الحكمة التامة والحجة البالغة في جميع ذلك بخلاف الذين في قلوبهم مرض، فإنه كلما حدث أمر أحدث لهم شكاً كما يحصل للذين آمنوا إيقان وتصديق، كما قال تعالى (وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَاناً فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَاناً وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ. وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْساً إِلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ). (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: صلاتكم إلى بيت المقدس قبل ذلك ما كان يضيع ثوابها عند الله. كما جاء في الحديث السابق عن البراء قال (أَنَّ النَّبِيَّ ﷺ كَانَ أَوَّلَ مَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ نَزَلَ عَلَى أَجْدَادِهِ - أَوْ قَالَ أَخْوَالِهِ - مِنَ الأَنْصَارِ، وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ، فَدَارُوا كَمَا هُمْ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَكَانَتِ الْيَهُودُ قَدْ أَعْجَبَهُمْ إِذْ كَانَ يُصَلِّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ، وَأَهْلُ الْكِتَابِ، فَلَمَّا وَلَّى وَجْهَهُ قِبَلَ الْبَيْتِ أَنْكَرُوا ذَلِكَ، أَنَّهُ مَاتَ عَلَى الْقِبْلَةِ قَبْلَ أَنْ تُحَوَّلَ رِجَالٌ وَقُتِلُوا، فَلَمْ نَدْرِ مَا نَقُولُ فِيهِمْ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) فجمهور المفسرين فسروا (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي : صلاتكم.

стр. 432

• قال السعدي: (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ) أي: ما ينبغي له ولا يليق به تعالى، بل هي من الممتنعات عليه، فأخبر أنه ممتنع عليه، ومستحيل، أن يضيع إيمانكم، وفي هذا بشارة عظيمة لمن مَنَّ الله عليهم بالإسلام والإيمان، بأن الله سيحفظ عليهم إيمانهم، فلا يضيعه … ، وفي هذه الآية، دليل لمذهب أهل السنة والجماعة، أن الإيمان تدخل فيه أعمال الجوارح. (إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ) قال الطبري: إن الله بجميع عباده ذو رأفة، والرأفة أعلى معاني الرحمة. وقال الخطابي: الرؤوف هو الرحيم العاطف برأفته على عباده. وقال بعضهم: الرأفة أبلغ الرحمة وأرقها. • ومن رأفته : أنه لا يضيع لعباده طاعة أطاعوه بها فلا يثيبهم عليها، فمن مات قبل تحويل القبلة لهم ثوابهم وأجرهم. ومن رأفته بنا: أنه خوفنا من عقوبته وعذابه، ونهانا عن معصيته، قبل أن يلقاه العبد يوم القيامة ليستعد للقائه، ويتجنب سخطه وغضبه ((يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَراً وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَداً بَعِيداً وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ). ومن رأفته: أنه أرسل رسله وأنزل كتبه التي تبين شرعه، لينقذ الناس من ظلمات الشرك والجاهلية إلى نور التوحيد والهداية (هُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ عَلَى عَبْدِهِ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لِيُخْرِجَكُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَإِنَّ اللَّهَ بِكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ). ومن رأفته: أنه يقبل توبة التائبين، ولا يُرد عن بابه العاصين المنيبين، مهما كثرت سيئاتهم، وتعاظمت خطيئاتهم (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَؤُوفٌ رَحِيمٌ). ومن رأفته: تسخيره لما في السماوات وما في الأرض لمصلحة الإنسان ومنفعته، وخلقه الأنعام ليركب على ظهرها فتحمله المسافات الشاسعة، هو ومتاعه وزاده (وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ إِلَى بَلَدٍ لَمْ تَكُونُوا بَالِغِيهِ إِلَّا بِشِقِّ الْأَنْفُسِ إِنَّ رَبَّكُمْ لَرَؤُوفٌ رَحِيمٌ). (رَحِيمٌ) الرحيم اسم من أسماء الله، فيجب إثبات ذلك، وهو متضمن لصفة الرحمة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ). وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ). (وقد تقدمت مباحث الرحمة).

стр. 433

الفوائد: ١ - أن هذه الأمة هي خير الأمم وأفضلها. ٢ - إثبات رسالته ﷺ وشهادته على أمته وتشريفه وتكريمه ﷺ . ٣ - تشريف هذه الأمة وتكريمها بحيث تشهد على جميع الأمم، ولا يشهد عليها إلا رسولها. ٤ - اشتراط العدالة في الشهود. ٥ - أن في أمره ﷺ بالتوجه في الصلاة إلى بيت المقدس ثم تحويله إلى الكعبة ابتلاءً وامتحاناً للناس، ليظهر من يتبع الرسول ويطيعه، وحال من يرجع على عقبيه ويرتد. ٦ - وجوب اتباع الرسول وتأكيد ذلك. ٧ - إثبات علم الله. ٨ - أن صرف القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام أمر كبير وحدث عظيم، ليس من السهل التسليم به وقبوله إلا على من هداهم الله من أهل الإيمان واليقين.

стр. 434

(قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاء فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوِهَكُمْ شَطْرَهُ وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ (١٤٤)). [سورة البقرة: ١٤٤]. (قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) (قد) إذا دخلت على المضارع منسوباً إلى الله، فإن ذلك يعني المبالغة في التحقيق. أي: قد رأينا ذلك (تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ) أي: توجهك بوجهك وبصرك إلى السماء حال الدعاء، تنظر إليها، وتنتظر أمر الله لك ووحيه إليك، بتحويل القبلة إلى الكعبة. قال ابن عباس: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة، وذلك أن رسول الله ﷺ لما هاجر إلى المدينة وكان أكثر أهلها اليهود فأمره الله أن يستقبل بيت المقدس، ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهراً، وكان يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو إلى الله وينظر إلى السماء فأنزل الله (قد نرى … إلى قوله: فولوا وجوهكم شطره). (تفسير ابن كثير). • قال ابن عطية: المقصد تقلب البصر، وذكر الوجه لأنه أعم وأشرف، وهو المستعمل في طلب الرغائب، تقول: بذلت وجهي في كذا، وفعلت لوجه فلان. (فَلَنُوَلِّيَنَّكَ) أي: فلنجعلنك متولياً إلى جهتها، وقيل: هو من الولاية، أي: فلنعطينك ذلك، والأول أولى. (قِبْلَةً تَرْضَاهَا) وهي المسجد الحرام، كما في حديث البراء بن عازب وفيه ( … وَأَنَّهُ صَلَّى قِبَلَ بَيْتِ الْمَقْدِسِ سِتَّةَ عَشَرَ شَهْراً، أَوْ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْراً، وَكَانَ يُعْجِبُهُ أَنْ تَكُونَ قِبْلَتُهُ قِبَلَ الْبَيْتِ، وَأَنَّهُ صَلَّى أَوَّلَ صَلَاةٍ صَلاَّهَا صَلَاةَ الْعَصْرِ، وَصَلَّى مَعَهُ قَوْمٌ، فَخَرَجَ رَجُلٌ مِمَّنْ صَلَّى مَعَهُ، فَمَرَّ عَلَى أَهْلِ مَسْجِدٍ، وَهُمْ رَاكِعُونَ فَقَالَ أَشْهَدُ بِاللَّهِ لَقَدْ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ … ). • قوله تعالى (تَرْضَاهَا) المراد بهذا الرضا رضا المحبة بالطبع، لا رضا التسليم والانقياد لأمر الله. (فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) المراد بالشطر هنا: الناحية والجهة، والمراد بشطر المسجد: الكعبة. (وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) أي: وحيثما كنتم أيها المؤمنون فتوجهوا في صلاتكم نحو الكعبة. • بهذا الخطاب والأمر له ﷺ ولأمته، حولت القبلة من بيت المقدس إلى المسجد الحرام، ونسخ التوجه إلى بيت المقدس بالتوجه إلى الكعبة. • وكان أول صلاة صلاها رسول الله ﷺ إلى الكعبة صلاة العصر، كما في حديث البراء، وروي أن أول صلاة صلاها إلى الكعبة صلاة الظهر، وكان ذلك في منتصف رجب، وقيل في منتصف شعبان.

стр. 435

• قال ابن كثير: أمر تعالى باستقبال الكعبة من جميع جهات الأرض شرقاً وغرباً وشمالاً وجنوباً، ولا يستثنى من هذا شيء سوى النافلة في حال السفر، فإنه يصليها حيثما توجه قالبه وقلبه نحو الكعبة، وكذا في حال المسايفة في القتال يصلي على كل حال، وكذا من جهل جهة القبلة يصلي باجتهاده وإن كان مخطئاً في نفس الأمر، لأن الله تعالى لا يكلف نفساً إلا وسعها. • قال الرازي: قوله تعالى (وجوهكم) المراد من الوجه ههنا جملة بدن الإنسان لأن الواجب على الإنسان أن يستقبل القبلة بجملته لا بوجهه فقط والوجه يذكر ويراد به نفس الشيء لأن الوجه أشرف الأعضاء ولأن بالوجه تميز بعض الناس عن بعض، فلهذا السبب قد يعبر عن كل الذات بالوجه. • قوله تعالى (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) وإنما ذكر الحق تعالى شطر المسجد، أي: جهته، دون عين الكعبة، لأنه ﵇ كان في المدينة، والبعيد يكفيه مراعاة الجهة، فإن استقبال عينها حَرجٌ عليه، بخلاف القريب، فإنه يسهل عليه مسامته العين. وقيل: إن جبريل ﵇ عيّنها له بالوحي فسميت قبلة وحْي. • فإن قيل: هل في الآية الكريمة تكرار؟ هذا ليس بتكرار، وبيانه من وجهين. أحدهما: أن قوله تعالى (فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام) خطاب مع الرسول ﵇ لا مع الأمة، وقوله (حيثمَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) خطاب مع الكل. وثانيهما: أن المراد بالأولى مخاطبتهم وهم بالمدينة خاصة، وقد كان من الجائز لو وقع الاختصار عليه أن يظن أن هذه القبلة قبلة لأهل المدينة خاصة، فبين الله تعالى أنهم أينما حصلوا من بقاع الأرض يجب أن يستقبلوا نحو هذه القبلة. (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: وإن اليهود يعلمون أن تحويل القبلة من بيت المقدس هو الحق من ربهم. • فإن قيل: كيف يعلمون أنه حق وليس ذلك من دينهم ولا في كتابهم؟ قيل: أنهم لما علموا من كتابهم أن محمداً ﷺ نبي علموا أنه لا يقول إلا الحق. وقيل: أنهم علموا من دينهم جواز النسخ. وقيل: أن في كتابهم الأمر بالتوجه إليها.

стр. 436

وقيل: أنهم يعلمون أن المسجد الحرام قبلة إبراهيم. [زاد المسير: ١/ ١٥٧]. [تفسير القرطبي: ٢/ ١٠٩] • قال ابن كثير: أي: وإن اليهود الذين أنكروا استقبالكم الكعبة، وانصرافكم عن بيت المقدس - يعلمون أن الله تعالى - سيوجهك إليها، بما في كتبهم عن أنبيائهم، من النعت والصفة لرسول الله ﷺ وأمته، وما خصه الله تعالى به وشرفه، من الشريعة الكاملة العظيمة، ولكن أهل الكتاب يتكاتمون ذلك بينهم حسداً وكفراً وعناداً. (وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) لكمال علمه . الفوائد: ١ - إثبات علو الله. ٢ - إثبات عظمة الله لقوله (فلنولينك) فإن ضمير الجمع للتعظيم. ٣ - وجوب الاتجاه إلى المسجد الحرام في الصلاة. ٤ - عظمة هذا المسجد لوصفه بالحرام. ٥ - بيان عناد اليهود والنصارى. ٦ - انتفاء الغفلة عن الله تعالى لكمال علمه وإحاطته بهم. ٧ - تهديد هؤلاء المعاندين.

стр. 437

(وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ (١٤٥)). [سورة البقرة: ١٤٥]. (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَا تَبِعُوا قِبْلَتَكَ) يخبر تعالى عن كفر اليهود وعنادهم ومخالفتهم ما يعرفونه من شأن رسول الله ﷺ ، وأنه لو قام عليهم كل دليل على صحة ما جاءهم به لما اتبعوه وتركوا أهواءهم كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). • وفائدة إخبار النبي ﷺ بذلك: إراحة قلب النبي ﷺ وإبعاد الشغل والفكر في هؤلاء عنه، أي: لا تشتغل بهم ولا تفكر فيهم. (وَمَا أَنْتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ) هذا الإخبار يمكن أن يكون بمعنى النهي من الله سبحانه لنبيه ﷺ ، أي: لا تتبع يا محمد قبلتهم، ويمكن أن يكون على ظاهره دفعاً لأطماع أهل الكتاب، وقطعاً لما يرجونه من رجوعه ﷺ إلى القبلة التي كان عليها. (قاله الشوكاني). والثاني أولى، ولهذا قال ابن كثير: هو إخبار عن شدة متابعة الرسول ﷺ لما أمره الله تعالى به، وأنه كما هم مستمسكون بآرائهم وأهوائهم، فهو أيضاً مستمسك بأمر الله وطاعته واتباع مرضاته، وأنه لا يتبع أهواءهم في جميع أحواله. (وَمَا بَعْضُهُمْ بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ) أي: إن النصارى لا يتبعون قبلة اليهود، كما أن اليهود لا يتبعون قبلة النصارى، لما بينهم من العداوة والخلاف الشديد. كما قال تعالى (وَقَالَتِ الْيَهُودُ لَيْسَتِ النَّصَارَى عَلَى شَيْءٍ وَقَالَتِ النَّصَارَى لَيْسَتِ الْيَهُودُ عَلَى شَيْءٍ وَهُمْ يَتْلُونَ الْكِتَابَ). (وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُمْ) أي: ما يهوونه ويريدونه. والهوى: هو الميل عن الحق والمخالفة له بلا دليل من شرع أو عقل، وهو ضد الهدى كما قال تعالى (إنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَمَا تَهْوَى الْأَنْفُسُ وَلَقَدْ جَاءَهُمْ مِنْ رَبِّهِمُ الْهُدَى). • قال السعدي: إنما قال: (أهواءهم) ولم يقل دينهم، لأن ما هم عليه مجرد أهوية نفس، حتى هم في قلوبهم يعلمون أنه ليس بدين، ومن ترك الدين، اتبع الهوى ولا محالة، قال تعالى (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ).

стр. 438

(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ) أي: من بعد ما وصل إليك من العلم بإبلاغي إياك أنهم مقيمون على باطل وعلى عناد منهم للحق ومعرفة منهم أن القبلة التي وجهتك إليها هي القبلة التي فرضت على أبيك إبراهيم ﵇ وسائر ولده من بعده من الرسل التوجه نحوها. (إِنَّكَ إِذاً لَمِنَ الظَّالِمِينَ) يعني: إنك إذا فعلت ذلك من عبادي الظلمة أنفسهم المخالفين أمري والتاركين طاعتي. … وأي ظلم أعظم، من ظلم، من علم الحق والباطل، فآثر الباطل على الحق، وهذا وإن كان الخطاب له ﷺ فإن أمته داخلة في ذلك، وأيضاً، فإذا كان هو ﷺ لو فعل ذلك -وحاشاه- صار ظالماً مع علو مرتبته، وكثرة حسناته، فغيره من باب أولى وأحرى. (تفسير السعدي). • هذا الخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. • وفي الآية تهديد ووعيد للعالم عن مخالفة الحق الذي يعلمه، فإن العالم الحجة عليه أقوم من غيره. كما قال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ حُمِّلُوا التَّوْرَاةَ ثُمَّ لَمْ يَحْمِلُوهَا كَمَثَلِ الْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَاراً). وقال تعالى (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ. وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ … ). وفي الحديث ( … يؤتى بالرجل فتندلق أقتاب بطنه فيدور بها في النار كما يدور الحمار برحاه … الحديث وفيه: أنه يقول: كنت آمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه) متفق عليه. وحديث (أول من تسعر بهم النار ثلاثة، … ومنهم: عالم تعلم العلم ليقال: عالم) رواه مسلم. • قال الشوكاني: وإن كان من أهل العلم والفهم المميزين بين الحق والباطل كان في اتباعه لأهويتهم ممن أضله الله على علم وختم على قلبه، وصار نقمة على عباد الله ومصيبة صبها الله على المقصرين، لأنهم يعتقدون أنه في علمه وفهمه لا يميل إلا إلى حق، ولا يتبع إلا الصواب، فيضلون بضلاله، فيكون عليه إثمه وإثم من اقتدى به إلى يوم القيامة. … الفوائد: ١ - أن رد الحق بعد معرفته وقيام الأدلة عليه من صفات أهل الكتاب وبخاصة اليهود. ٢ - اختلاف قبلة اليهود والنصارى، فاليهود قبلتهم إلى بيت المقدس، والنصارى قبلتهم إلى المشرق. ٣ - ذم أهل الكتاب باتباعهم أهواءهم. ٤ - وجوب اتباع الحق إذا ظهرت آياته. ٥ - تحذير الأمة من اتباع أهواء غير المؤمنين.

стр. 439

(الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ (١٤٦) الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ فَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ (١٤٧)). [سورة البقرة: ١٤٦ - ١٤٧]. (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ) من علماء أهل الكتاب. (يَعْرِفُونَهُ) اختلف في مرجع الضمير: فقيل: إنه عائد إلى رسول الله ﷺ أي يعرفونه معرفة جلية، يميزون بينه وبين غيره كما يعرفون أبناءهم، لا تشتبه عليهم وأبناء غيرهم. وقيل: إن الضمير في قوله (يَعْرِفُونَهُ) راجع إلى أمر القبلة: أي علماء أهل الكتاب يعرفون أمر القبلة التي نقلت إليها كما يعرفون أبناءهم وهو قول ابن عباس وقتادة والربيع وابن زيد. ورجح هذا القول الطبري والشوكاني، لأن السياق في أمر القبلة. ورجح الرازي القول الأول، وقال: واعلم أن القول الأول أولى من وجوه: أحدها: أن الضمير إنما يرجع إلى مذكور سابق، وأقرب المذكورات العلم في قوله (مّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم) والمراد من ذلك العلم: النبوة، فكأنه تعالى قال: إنهم يعرفون ذلك العلم كما يعرفون أبناءهم، وأما أمر القبلة فما تقدم ذكره البتة. وثانيها: أن الله تعالى ما أخبر في القرآن أن أمر تحويل القبلة مذكور في التوراة والإنجيل، وأخبر فيه أن نبوة محمد ﷺ مذكورة في التوراة والإنجيل، فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. وثالثها: أن المعجزات لا تدل أول دلالتها إلا على صدق محمد ﵇، فأما أمر القبلة فذلك إنما يثبت لأنه أحد ما جاء به محمد ﷺ فكان صرف هذه المعرفة إلى أمر النبوة أولى. (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) أي: كما يعرف أحدهم ابنه لا امتراء ولا شك. • قال في التسهيل (كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ) مبالغة في وصف المعرفة، وقال عبد الله بن سلام معرفتي بالنبي ﷺ أشدّ من معرفتي بابني؛ لأن ابني قد يمكن فيه الشك. • وإنما كانوا يعرفونه كمعرفتهم أبناءهم، لما جاء في كتبهم من البشارة به ﷺ وذكر صفاته، وكمال دينه، وفضيلة أمته، قال تعالى (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوباً عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ).

стр. 440

عن عمر ﵁ أنه سأل عبد الله بن سلام عن رسول الله ﷺ فقال (أنا أعلم به مني بابني، قال: ولم؟ قال: لأني لست أشك في محمد أنه نبي وأما ولدي فلعل والدته خانت. فقبل عمر رأسه). وقيل: كما يعرفون أبناءهم من بين أبناء الناس كلهم، لا يشك أحد ولا يمتري في معرفة ابنه إذا رآه من أبناء الناس كلهم. • فإن قيل: لم خص الأبناء الذكور؟ الجواب: لأن الذكور أعرف وأشهر وهم بصحبة الآباء ألزم وبقلوبهم ألصق. (وَإِنَّ فَرِيقاً مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ) أي: ومع هذا التحقق والإتقان العلمي ليكتمون الحق وما في كتبهم من صفة محمد ﷺ ، وعلى القول الثاني يكتمون الحق في أمر القبلة. (وَهُمْ يَعْلَمُونَ) أن محمد على الحق ومع هذا كتموه. • فيه تحريم كتم العلم والحق، وأن من فعل ذلك ففيه شبه من اليهود. • قال السعدي: فالعالم عليه إظهار الحق، وتبيينه وتزيينه، بكل ما يقدر عليه من عبارة وبرهان ومثال، وغير ذلك، وإبطال الباطل وتمييزه عن الحق، وتشيينه، وتقبيحه للنفوس، بكل طريق مؤد لذلك، فهؤلاء الكاتمون، عكسوا الأمر، فانعكست أحوالهم. (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) أي: ما أوحاه الله إليك يا محمد من أمر القبلة هو الحق الثابت. (فَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُمْتَرِينَ) أي: فلا تكونين من الشاكين.

стр. 441

• والخطاب للنبي ﷺ والمراد أمته. • قال الطبري: فإن قال قائل: أو كان النبي ﷺ شاكاً في أن الحق من ربه، أو في أن القبلة التي وجهه الله إليها حق من الله حتى نهي عن الشك؟ قيل: ذلك من الكلام الذي تخرجه العرب مخرج الأمر أو النهي للمخاطب به والمراد به غيره، كما قال جل ثناؤه (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللَّهَ وَلا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ). الفوائد: ١ - معرفة أهل الكتاب للنبي ﷺ وصدق رسالته، وأن ما جاء به حق، كما يعرفون أبناءهم. ٢ - أن من صفات أهل الكتاب كتم العلم. ٣ - أن من كتم العلم من هذه الأمة ففيه شبه من اليهود. ٤ - أن من رد الحق وخالفه عن علم ومعرفة أعظم جرماً وأشد ذماً ممن رده وخالفه عن جهل. ٥ - إثبات ربوبية الله الخاصة لرسله وأوليائه.

стр. 442

(وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُواْ الْخَيْرَاتِ أَيْنَ مَا تَكُونُواْ يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٤٨)). [سورة البقرة: ١٤٨]. (وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا) أي: لكل أمة من الأمم قبلة هو موليها ومتوجه لها، يعني بذلك أهل الأديان، لليهودي وجهة هو موليها، وللنصراني وجهة هو موليها، وهداكم أنتم أيتها الأمة إلى القبلة التي هي القبلة. • قال ابن كثير: وهذه الآية شبيهة بقوله تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ إِلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً). وقيل: المراد لكل قوم من المسلمين وجهة أي جهة من الكعبة يصلي إليها: جنوبية أو شمالية، أو شرقية أو غربية، لكن هذا فيه ضعف والأول أصح. • قوله تعالى (هو موليها) الضمير راجع إلى لفظ (كل) أي: لكل صاحب ملة قبلة، صاحب القبلة موليها وجهه، وقيل: إن الضمير في قوله (هو موليها) إلى الله، والمعنى: ولكلٍّ وجهة الله موليه إياها، والأول أصح. (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) أي: بادروا إلى ما أمركم الله من استقبال البيت الحرام كما يفيده السياق، وإن كان ظاهره الأمر بالاستباق إلى كل ما يصدق عليه أنه خير كما يفيده العموم المستفاد من تعريف الخيرات. • قال السعدي: والأمر بالاستباق إلى الخيرات قدر زائد على الأمر بفعل الخيرات، فإن الاستباق إليها يتضمن فعلها وتكميلها، وإيقاعها على أكمل الأحوال، والمبادرة إليها. • فينبغي للمسلم أن يبادر للخيرات والأعمال الصالحات الواجبات والمستحبات كما أمر الله بذلك. كما قال تعالى (وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ). وقال تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). وقال تعالى (فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ مِنْهُ نَذِيرٌ مُبِينٌ). وقال تعالى (وفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ). وامتدح أولياءه بأنهم (يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) و (أُولَئِكَ يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَهُمْ لَهَا سَابِقُونَ).

стр. 443

وقال ﷺ (لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول، ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبواً) متفق عليه. وقال ﷺ (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً) رواه مسلم. • وقد كان الرسول ﷺ وصحابته يبادرون للخيرات. فقد ثبت في البخاري عن عقبة بن الحارث قال (صليتُ وراء النبي ﷺ بالمدينة العصر، فسلم ثم قام مسرعاً فتخطى رقاب الناس إلى بعض حُجَر نسائه، ففزع الناس من سرعته، فخرج عليهم، فرأى أنهم قد عجبوا من سرعته، قال: ذكرت شيئاً من تِبْرٍ عندنا، فكرهت أن يحبسني فأمرت بقسمته) [التبر: قطع ذهب أو فضة]. وعن ربيعة بن كعب قال (كنت أبيت مع رسول الله ﷺ فأتيته بوضوئه وحاجته، فقال لي: سلني، فقلت: أسألك مرافقتك في الجنة، قال: فأعني على نفسك بكثرة السجود) رواه مسلم. وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ - وَهَذَا حَدِيثُ قُتَيْبَةَ أَنَّ فُقَرَاءَ الْمُهَاجِرِينَ أَتَوْا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالدَّرَجَاتِ الْعُلَى وَالنَّعِيمِ الْمُقِيمِ. فَقَالَ «وَمَا ذَاكَ». قَالُوا يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونُ وَلَا نَتَصَدَّقُ وَيُعْتِقُونَ وَلَا نُعْتِقُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «أَفَلَا أُعَلِّمُكُمْ شَيْئاً تُدْرِكُونَ بِهِ مَنْ سَبَقَكُمْ وَتَسْبِقُونَ بِهِ مَنْ بَعْدَكُمْ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ أَفْضَلَ مِنْكُمْ إِلاَّ مَنْ صَنَعَ مِثْلَ مَا صَنَعْتُمْ». قَالُوا بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ «تُسَبِّحُونَ وَتُكَبِّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلِّ صَلَاةٍ ثَلَاثاً وَثَلَاثِينَ مَرَّةً». قَالَ أَبُو صَالِحٍ فَرَجَعَ فُقَرَاءُ الْمُهَاجِرِينَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ فَقَالُوا سَمِعَ إِخْوَانُنَا أَهْلُ الأَمْوَالِ بِمَا فَعَلْنَا فَفَعَلُوا مِثْلَهُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ «ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) رواه مسلم. قال ابن القيم: … كما كان أصحاب رسول الله ﷺ يتنافسون في الخير ويفرح بعضهم ببعض باشتراكهم فيه، بل يحض بعضهم بعضاً، وهي نوع من المسابقة، وقد قال تعالى: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السموات والأرض). وعن عبد الله بن عمرو (أن رجلاً قال: يا رسول الله! إن المؤذنين يفضلوننا، فقال رسول الله ﷺ : قل كما يقولون، فإذا انتهيت فسل تعط) رواه أبو داود.

стр. 444

• ومن المسارعة إلى الخيرات التأسف على فواتها، ومن الأمثلة على ذلك: أولاً: ما جاء في الحديث السابق: حيث كان الفقراء يحزنون على ما يتعذر عليهم فعله من الخير مما يقدر عليه غيرهم. ثانياً: الحزن على التخلف عن الخروج في الجهاد لعدم القدرة على آلته. كما قال تعالى (وَلا عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلّا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ). ثالثاً: التأسف على فعل الطاعة. فإن ابن عمر لما بلغه حديث (من شهد الجنازة حتى تدفن فله قيراط، ومن شهدها حتى يصلى عليها فله قيراطان) قال: لقد فرطنا في قراريط كثيرة.

стр. 445

• لماذا ينبغي أن نبادر ونسارع إلى الخيرات؟ أولاً: استجابة لأمر الله ورسوله. كما في الآيات والأحاديث التي سبقت، وقد تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ … ). ثانياً: قبل حدوث الشواغل من فقر أو موت أو هرم أو .... كما في الحديث قال ﷺ (بادروا بالأعمال سبعاً، هل تنتظرون إلى فقْراً منسياً، أو غنى مطغياً، أو مرضاً مفسداً، أو موتاً مجهزاً … ) رواه الترمذي وفيه ضعف. وفي الحديث قال ﷺ (اغتنم خمساً قبل خمس: حياتك قبل موتك، وفراغك قبل شغلك، وصحتك قبل مرضك، وغناك قبل فقرك، … ) رواه الحاكم. فالإنسان إذا انشغل بفقره لا يستطيع أن يؤدي ويسارع للأعمال الصالحات، وكذا إذا مرض، فإنه ينشغل بمرضه، وكذا لا يدري متى يأتيه الموت، فالموت يأتي بغتة والقبر صندوق العمل. ثالثاً: قبل الفتن المانعة من العمل. كما قال ﷺ (بادروا بالأعمال فتناً كقطع الليل المظلم، يصبح الرجل مؤمناً ويمسي كافراً، ويمسي مؤمناً ويصبح كافراً). رواه مسلم فالإنسان ينبغي أن يبادر بالأعمال الصالحة قبل وقوع الفتن فينشغل بها، فتشغله عن التفرغ للعمل الصالح، كما هو حال كثير من الناس الآن، وأيضاً الأعمال الصالحة سبب للنجاة من الفتن، ولهذا قال (بادروا بالأعمال - أي الصالحة - فتناً، أي، قبل وقوع الفتن، فالعمل الصالح من إخلاص لله ومتابعة للرسول وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر وصلاة وخاصة بالليل وغيره سبب للنجاة من الفتن إذا حدثت وانتشرت، ولهذا قام النبي ﷺ ليلة من الليل فزعاً وهو يقول: (من يوقظ صواحب الحجرات كي يصلين، ما أنزل الليلة من الفتن). • من أقوال السلف: قال عمر بن عبد العزيز: إن الليل والنهار يعملان فيك فاعمل فيهما. وقال أبو حازم: إن بضاعة الآخرة كاسدة فاستكثروا منها في أوان كسادها فإنه لو جاء وقت نفاقها لم تصلوا فيها إلى قليل ولا كثير. وكان أبو بكر بن عياش يقول: لو سقط من أحدكم درهم لظل يومه يقول: إنا لله ذهب درهمي وهو يذهب عمره ولا يقول: ذهب عمري وقد كان لله أقوام يبادرون الأوقات ويحفظون الساعات ويلازمونها بالطاعات. وقال سعيد بن المسيب: ما تركت الصلاة في جماعة منذ أربعين سنة. وكان سعيد بن جبير يختم القرآن في ليلتين. وقيل لعمرو بن هانئ: لا نرى لسانك يفتر من الذكر فكم تسبح كل يوم؟ قال: مائة ألف إلا ما تخطئ الأصابع.

стр. 446

وصام منصور بن المعتمر أربعين سنة وقام ليلها وكان الليل كله يبكي فتقول له أمه: يا بني قتلت قتيلاً فيقول: أنا أعلم بما صنعت نفسي. قال الجماني: لما حضرت أبو بكر بن عياش الوفاة بكت أخته فقال: لا تبك وأشار إلى زاوية في البيت: إنه قد ختم أخوك في هذه الزاوية ثمانية عشر ألف ختمة. من قدم اليوم شيئاً قدم عليه غداً، ومن لم يقدم شيئاً قدم على غير شيء، قيل لبعضهم جمع فلان مالاً؟ قال: هل جمع عمراً ينفقه فيه، قالوا: لا، قال: ما جمع شيئاً. وقال بعض السلف: اعمل للدنيا على قدر مكثك فيها، واعمل للآخرة على قدر مكثك فيها. • قال السعدي: ولما كان أقوى ما يحث النفوس على المسارعة إلى الخير وينشطها، ما رتب الله عليها من الثواب قال: (أَيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعاً) أي: في موضع تكونوا من أعماق الأرض أو قمم الجبال يجمعكم الله للحساب فيفصل بين المحق والمبطل (لِيَجْزِيَ الَّذِينَ أَسَاءُوا بِمَا عَمِلُوا وَيَجْزِيَ الَّذِينَ أَحْسَنُوا بِالْحُسْنَى). (إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) ومن قدرته جمعكم من الأرض وإن تفرقت أجسادكم وأبدانكم. الفوائد: ١ - أن الإنسان يجب عليه أن يتبع الحق أينما كان ولا ينظر إلى كثرة المخالف. ٢ - الحث على المسابقة إلى الخير. ٣ - إحاطة الله بالخلق أينما كانوا. ٤ - إثبات البعث والجزاء. ٥ - عموم قدرة الله لكل شيء.

стр. 447

(وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (١٤٩) وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلاَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنْهُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِي وَلأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (١٥٠)). [سورة البقرة: ١٤٩ - ١٥٠]. (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ. وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُ مَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) هذا أمر ثالث من الله تعالى باستقبال المسجد الحرام من جميع أقطار الأرض، وقد اختلفوا في حكمة التكرار ثلاث مرات: أحدها: أن الأحوال ثلاثة، أولها: أن يكون الإنسان في المسجد الحرام، وثانيها: أن يخرج عن المسجد الحرام ويكون في البلد، وثالثها: أن يخرج عن البلد إلى أقطار الأرض، فالآية الأولى محمولة على الحالة الأولى، والثانية على الثانية، والثالثة على الثالثة، لأنه قد كان يتوهم أن للقرب حرمة لا تثبت فيها للعبد، فلأجل إزالة هذا الوهم كرر الله تعالى هذه الآيات. والجواب الثاني: أنه سبحانه إنما أعاد ذلك ثلاث مرات لأنه علق بها كل مرة فائدة. أما في المرة الأولى فبين أن أهل الكتاب يعلمون أن أمر نبوة محمد ﷺ وأمر هذه القبلة حق، لأنهم شاهدوا ذلك في التوراة والإنجيل، وأما في المرة الثانية فبين أنه تعالى يشهد أن ذلك حق، وشهادة الله بكونه حقاً مغايرة لعلم أهل الكتاب بكونه حقاً، وأما في المرة الثالثة فبين أنه إنما فعل ذلك لئلا يكون للناس عليكم حجة، فلما اختلفت هذه الفوائد حسنت إعادتها لأجل أن يترتب في كل واحدة من المرات واحدة من هذه الفوائد، ونظيره قوله تعالى (فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله لِيَشْتَرُواْ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً فَوَيْلٌ لَّهُمْ مّمَّا كَتَبَتْ أيديهم وويل لهم مما يكسبون).

стр. 448

والجواب الثالث: أنه تعالى قال في الآية الأولى (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) فكان ربما يخطر ببال جاهل أنه تعالى إنما فعل ذلك طلباً لرضا محمد ﷺ ـ لأنه قال (فَلَنُوَلّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا) فأزال الله تعالى هذا الوهم الفاسد بقوله: (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ) أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك، بل لأجل أن هذا التحويل هو الحق الذي لا محيد عنه فاستقبالها ليس لأجل الهوى والميل كقبلة اليهود المنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والميل، ثم أنه تعالى قال ثالثاً (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَحَيْثُ مَا كُنتُمْ فَوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ) والمراد دوموا على هذه القبلة في جميع الأزمنة والأوقات، ولا تولوا فيصير ذلك التولي سبباً للطعن في دينكم، والحاصل أن الآية السالفة أمر بالدوام في جميع الأمكنة والثانية أمر بالدوام في جميع الأزمنة والأمكنة، والثالثة أمر بالدوام في جميع الأزمنة وإشعار بأن هذا لا يصير منسوخاً ألبتة. والجواب الرابع: أن الأمر الأول مقرون بإكرامه إياهم بالقبلة التي كانوا يحبونها وهي قبلة أبيهم إبراهيم ﵇، والثاني مقرون بقوله تعالى (وَلِكُلّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلّيهَا) أي لكل صاحب دعوة وملة قبلة يتوجه إليها فتوجهوا أنتم إلى أشرف الجهات التي يعلم الله تعالى أنها حق وذلك هو قوله (وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ المسجد الحرام وَإِنَّهُ للْحَقُّ مِن رَّبّكَ) والثالث مقرون بقطع الله تعالى حجة من خاصمه من اليهود في أمر القبلة فكانت هذه عللاً ثلاثاً، قرن بكل واحدة منها أمر بالتزام القبلة، نظيره أن يقال: الزم هذه القبلة فإنها القبلة التي كنت تهواها، ثم يقال: الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى، وهو قوله (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِن رَّبّكَ) ثم يقال: الزم هذه القبلة فإن في لزومك إياها انقطاع حجج اليهود عنك، وهذا التكرار في هذا الموضع كالتكرار في قوله تعالى (فَبِأَيّ ءَالاء رَبّكُمَا تُكَذّبَانِ) وكذلك ما كرر في قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً وَمَا كَانَ أَكْثَرُهُمْ مُّؤْمِنِينَ).

стр. 449

والجواب الخامس: أن هذه الواقعة أول الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرار لأجل التأكيد والتقرير وإزالة الشبهة وإيضاح البينات. (تفسير الرازي). ورجح القرطبي القول الأول. والخلاصة: أن الأمر الأول: لتقرير حكم النسخ واستجابة لرغبة النبي ﷺ . والأمر الثاني: لبيان أن الحق من ربك، وأن لكل ملة وجهة وهذا وجهتكم. والأمر الثالث: حيثما توجهتم فهذه قبلتكم، ولقطع حجج المعاندين. (لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ) المراد بالناس هنا أهل الكتاب، وهذا قول جمهور المفسرين، ووجه حجتهم: أنهم يقولون يجحد ديننا ويتبع قبلتنا. (إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ) المراد بهم: مشركي قريش. ذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء هنا منقطع - على القول الراجح - ويكون بمعنى (لكن) الذين ظلموا منهم (وهم مشركوا العرب) لا حجة لهم فلا يلتفت إليهم. • قال الشيخ ابن عثيمين: والأقرب عندي -والله أعلم - أنه استثناء منقطع والمعنى: لئلا يكون للناس عليكم حجة، لكن الذين ظلموا منهم لن تنجوا من محاجتهم ومخاصمتهم. وذهب بعض العلماء إلى أن الاستثناء متصل، أي: لئلا يكون للناس عليكم حجة إلا الذين ظلموا سيحتجون ولن تنقطع دعواهم الباطلة. (يقولون رجع محمد إلى قبلتنا فسيرجع إلى ديننا).

стр. 450

• فإن قيل: لماذا سميت حجة؟ فالجواب: الحجة تأتي بالقرآن بمعنى ما يحتج وبه ويتمسك به سواء كان صحيحاً أو باطلاً كما قال الله تعالى (حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِندَ رَبّهِم) فسماها حجة مع أنها باطلة، وقال تعالى (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ العلم) والمحاجة هي أن يورد كل واحد منهم على صاحبه حجة، وهذا يقتضي أن يكون الذي يورد المبطل يسمى بالحجة، ولأن الحجة اشتقاقها من حجه إذا علا عليه، فكل كلام يقصد به غلبة الغير فهو حجة، وقال بعضهم: إنها مأخوذة من محجة الطريق، فكل كلام يتخذه الإنسان مسلكاً لنفسه في إثبات أو إبطال فهو حجة، وإذا ثبت أن الشبهة قد تسمى حجة كان الاستثناء متصلاً. وممن رجح أن الاستثناء متصلاً ابن جرير الطبري ورجحه ابن تيمية وابن القيم. • قال السعدى: وكان صرف المسلمين إلى الكعبة، مما حصلت فيه فتنة كبيرة، أشاعها أهل الكتاب، والمنافقون، والمشركون، وأكثروا فيها من الكلام والشبه، فلهذا بسطها الله تعالى، وبينها أكمل بيان، وأكدها بأنواع من التأكيدات، التي تضمنتها هذه الآيات. منها: الأمر بها، ثلاث مرات، مع كفاية المرة الواحدة. ومنها: أن المعهود أن الأمر، إما أن يكون للرسول، فتدخل فيه الأمة تبعاً، أو للأمة عموماً، وفي هذه الآية أمر فيها الرسول ﷺ بالخصوص في قوله (فَوَلِّ وَجْهَكَ) والأمة عموماً في قوله (فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ). ومنها: أنه رد فيه جميع الاحتجاجات الباطلة، التي أوردها أهل العناد وأبطلها شبهة شبهة، كما تقدم توضيحها. ومنها: أنه قطع الأطماع من اتباع الرسول قبلة أهل الكتاب. ومنها: قوله (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ) فمجرد إخبار الصادق العظيم كاف شاف، ولكن مع هذا قال (وَإِنَّهُ لَلْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ). ومنها: أنه أخبر - وهو العالم بالخفيات - أن أهل الكتاب متقرر عندهم، صحة هذا الأمر، ولكنهم يكتمون هذه الشهادة مع العلم. (فَلا تَخْشَوْهُمْ) أي: فلا تخشوا هؤلاء الظلمة المعاندين المخالفين للحق من اليهود والمشركين والمنافقين مهما قالوا، ومهما أرادوا بكم من أذى. (وَاخْشَوْنِي) أي: وخافوني وأفردوني بالخشية، فأنا القادر على نصركم، وحفظكم منهم.

стр. 451

• والخشية أخص من الخوف، والفرق بينهما من وجوه: أولاً: الخشية مع العلم، والخوف قد لا يكون. ثانياً: الخشية تكون لعظمة المخشي، وأما الخوف لضعف الخائف أو يكون المخوف منه قوياً، قال تعالى (إِنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ). • قال الرازي: فالمعنى لا تخشوا من تقدم ذكره ممن يتعنت ويجادل ويحاج، ولا تخافوا مطاعنهم في قبلتكم فإنهم لا يضرونكم، واخشوني، يعني احذروا عقابي إن أنتم عدلتم عما ألزمتكم وفرضت عليكم، وهذه الآية يدل على أن الواجب على المرء في كل أفعاله وتروكه أن ينصب بين عينيه: خشية عقاب الله، وأن يعلم أنه ليس في يد الخلق شيء ألبتة، وأن لا يكون مشتغل القلب بهم، ولا ملتفت الخاطر إليهم. • وقال القرطبي: ومعنى الآية التّحقير لكل مَن سوى الله تعالى، والأمر باطراح أمرهم ومراعاة أمر الله تعالى. • في الآية الأمر بخشية الله وخوفه، وللخوف من الله فضائل: أولاً: أنه من علامات الإيمان. قال تعالى (فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ). ثانياً: مدح الله أنبياءه بالخوف منه. كما قال تعالى (إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَباً وَرَهَباً وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ). ثالثاً: الخوف من الله يجعل الإنسان في ظل العرش يوم القيامة. ذكر النبي ﷺ في حديث السبعة (ورجل طلبته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله، ورجل ذكر الله خالياً ففاضت عيناه) فالخشية الموجبة لدمع العين تؤدي إلى أن النار لا تمس العين يوم القيامة. رابعاً: الخوف سبب للنجاة من كل سوء قال ﷺ (ثلاث منجيات: وذكر منها: خشية الله تعالى في السر والعلانية). خامساً: أثنى الله على ملائكته بشدة خوفهم منه. كما قال تعالى (وَهُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ). سادساً: من صفات الرجال العظماء. قال تعالى (رِجَالٌ لا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ يَخَافُونَ يَوْماً تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ). سابعاً: من صفات الأبرار خوفهم من عدم القبول. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ أَنَّهُمْ إِلَى رَبِّهِمْ رَاجِعُونَ) أي: والذين يعطون ويعملون ويخافون أن لا يتقبل منهم.

стр. 452

ثامناً: وعد الله الخائفين الجنة. كما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). تاسعاً: أنه من صفات نبينا محمد ﷺ وأصحابه. قال ﷺ (إني أخشاكم لله وأتقاكم له) رواه مسلم. وعن أنس قال (خطبنا رسول الله ﷺ خطبة ما سمعت مثلها قط قال: لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً، فغطى أصحاب رسول الله وجوههم ولهم خنين) متفق عليه. عاشراً: من أسباب النجاة من النار. قال ﷺ (عينان لا تمسهما النار: عين باتت تحرس في سبيل الله، وعين بكت من خشية الله) رواه الترمذي. وقد قال ﷺ (من خاف أدلج ومن أدلج بلغ المنزل، ألا إن سلعة الله غالية، ألا إن سلعة الله الجنة). الحادي عشر: الخوف سبب للبعد عن المعاصي. قال تعالى (قُلْ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ. مَنْ يُصْرَفْ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمَهُ وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْمُبِينُ). قال بعض السلف: إذا سكن الخوف في القلب أحرق موضع الشهوات منه. الثاني عشر: سبب في إخلاص العمل لله. قال تعالى (إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً. إِنَّا نَخَافُ مِنْ رَبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً). الثالث عشر: سبب لعلو الهمة في العبادة. قال تعالى (تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفاً وَطَمَعاً وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ). الرابع عشر: الخوف يجعل العبد سائراً على طريق الهداية. قال ذو النون المصري: الناس على الطريق ما لم يزل عنهم الخوف فإذا زال عنهم الخوف ضلوا عن الطريق. الخامس عشر: الخوف يضفي المهابة على صاحبه. قال عمر بن عبدالعزيز ﵀: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله خاف من كل شيء. وقال يحيى بن معاذ الرازي: على قدر حبك لله يحبك الخلق، وعلى قدر خوفك من الله يهابك الخلق. السادس عشر: الخوف من أسباب قبول الدعاء: قال تعالى (وادعوه خوفاً وطمعاً إن رحمت الله قريب من المحسنين). السابع عشر: الخوف من أسباب الانتفاع بكلام الله تعالى. قال تعالى (فذكر بالقرآن من يخاف وعيد).

стр. 453

• من أقوال السلف: قال أبو سليمان الداراني: ما فارق الخوف قلباً إلا خرب. وقال حاتم الأصم: لكل شيء زينة، وزينة العبادة الخوف من الله. وقال عامر بن قيس: من خاف الله أخاف الله منه كل شيء، ومن لم يخف الله أخافه الله من كل شيء. وحين سئل عطاء السليمي: ما هذا الحزن؟ قال ويحك؟ الموت في عنقي، والقبر بيتي، وفي القيامة موقفي، وعلى جسر جهنم طريقي، لا أدري ما يصنع بي؟ وقال الفضيل: من خاف الله دله الخوف على كل خير. وقال يزيد بن حوشب: ما رأيت أخوف من الحسن وعمر بن عبدالعزيز كأن النار لم تخلق إلا لهما. وقال السبكي ﵀: ما خفت الله يوما، إلا رأيت له بابا من الحكمة والعبرة ما رأيته قط. وقال حكيم: الحزن يمنع الطعام، والخوف يمنع الذنوب، والرجاء يقوي على الطاعة، وذكر الموت يزهد في الفضول. وقال الحسن: الرجا والخوف مطيتا المؤمن. وقال إبراهيم التيمي: ينبغي لمن لم يحزن أن يخاف أن يكون من أهل النار لأن أهل الجنة قالوا (الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن). (وَلِأُتِمَّ نِعْمَتِي عَلَيْكُمْ) أي: لأتم نعمتي عليكم فيما شرعت لكم من استقبال الكعبة، لتكمل لكم الشريعة من جميع وجوهها. • فبين الله تعالى أنه حولهم إلى هذه الكعبة لهاتين الحكمتين: إحداهما: لانقطاع حجتهم عنه. والثانية: لتمام النعمة. (وَلَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ) أي: إلى ما ضلت عنه الأمم وهديناكم إليه وخصصناكم به. • قال الشنقيطي: (لعل) تأتي في القرآن بمعنيين، قال بعض العلماء: هي على الترجي، ولكن الترجي بحسب ما يظهر للناس، أما الله فهو عالم بما كان فلا يصدق عليه الترجي كقوله لموسى وهارون (فَقُولا لَهُ قَوْلاً لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشى) أي: على رجائِكما وعلم بني آدم القاصر، أما الله فهو عالم أنه لا يذكر ولا يخشى.

стр. 454

الثاني: ما قاله بعض العلماء: إن كل (لعل) في القرآن مشتملة معنى التعليل بمعنى (لأجل) وعليه فـ (لعلكم تذكرون)، لأجل أن تتذكروا وتتعظوا بآياتنا وغرائب صنعنا وعجائبنا. الفوائد: ١ - تكرار الأمر الهام. ٢ - أن أهل الباطل يحاجون في الحق لإبطاله. ٣ - وجوب تنفيذ شرع الله، وألا يخشى الإنسان لومة لائم. ٤ - أن خشية الناس من أسباب كتم العلم وتبديله. ٥ - أن تنفيذ أوامر الله وخشيته سبب للهداية.

стр. 455

(كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (١٥١)). [سورة البقرة: ١٥١]. (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ) الكلام متعلق بما سبق في قوله (ولأتم نعمتي) والمعنى: كما أتممت عليكم نعمتي كذلك أرسلت فيكم رسولاً منكم. • قال ابن كثير: يذكر تعالى عباده المؤمنين ما أنعم به عليهم من بعثة الرسول ﷺ محمد إليهم. والمخاطب بذلك هم العرب، قال الطبري: (كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ) فإنه يعني بذلك العرب، قال لهم جل ثناؤه: الزموا أيها العرب طاعتي وتوجهوا إلى القبلة التي أمرتكم بالتوجه إليها لتنقطع حجة اليهود عنكم، فلا تكون لهم عليكم حجة، ولأتم نعمتي عليكم وتهتدوا كما ابتدأتكم بنعمتي فأرسلت فيكم رسولاً إليكم منكم، وذلك الرسول الذي أرسله إليهم منهم محمد ﷺ . [تفسير الطبري: ٢/ ٤٦]. (يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا) أي: يقرأ عليكم آياتنا، والمراد بالآيات هنا الشرعية، وهي الوحي. • لأن آيات الله تنقسم إلى قسمين: الآيات الكونية القدرية. (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها). وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة. قال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده. الآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله). ومنه قوله تعالى (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ). وسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها. (وَيُزَكِّيكُمْ) أي: يطهرهم من رذائل الأخلاق ودنس النفوس وأفعال الجاهلية، ويخرجهم من الظلمات إلى النور.

стр. 456

• قال السعدي: أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية. [تفسير السعدي: ٧٤]. • ينبغي للمسلم أن يسعى في تزكية نفسه، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا). فقد أقسم الله ثمان أقسام (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا. وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا). فينبغي على المسلم أن يحمل نفسه ويجاهدها على تزكية نفسه، لأن من زكى نفسه فقد أفلح، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: (اللهم آتي نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها). من تزكية النفس غض البصر: كما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ). ومن تزكية النفس رجوع الإنسان إذا قيل له ارجع. كما قال تعالى (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ). أن تزكية الله من فضل الله. كما قال تعالى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وسبق لماذا سمي القرآن كتاباً.

стр. 457

(وَالْحِكْمَةَ) تقدم الخلاف في المراد بها. (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أي: يعلمكم من أخبار الأنبياء وقصص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلموها من رسول الله ﷺ ، فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله ﷺ . [تفسير الطبري: ٤٦٢]. الفوائد: ١ - بيان نعمة الله بإرسال الرسل. ٢ - أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أوحي إليه. ٣ - أن من مهمات الرسول تزكية النفوس وتطهيرها. ٤ - أن الأصل في الإنسان الجهل. ٥ - فضل الله علينا حيث علمنا ما لم نكن نعلم.

стр. 458

(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)) [البقرة: ١٥٢]. (فَاذْكُرُونِي) بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم (أَذْكُرْكُمْ) أي: أثيبكم بالثواب والأجر العظيم، كما في الحديث قال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) متفق عليه. قال سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. • قال الطبري: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم. • وهذه الآية من أعظم الآيات في فضل ذكر الله تعالى، وللذكر فضائل عظيمة: منها: أنه يورث العبد ذكر الله له. كما في هذه الآية (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ). قال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً. وقال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه. ومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن. كما في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. ومنها: أنه غرس الجنة. كما في قوله ﷺ (لقيت ليلة اسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي. ومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد. فإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

стр. 459

ومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال. كما قال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي .. ) متفق عليه. ومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله. كما في الحديث ( … وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعاً، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله … ) رواه الترمذي. قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى. وكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده … ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك). ومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر. كما في حديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم. ومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه. كما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. وكما في حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إن لله ملائكة فُضُلاً سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا … ) رواه مسلم. ومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته. كما في حديث معاوية (أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.

стр. 460

ومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه. كما في الحديث (أن النبي ﷺ علم ابنته فاطمة وعلياً أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها ﷺ ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه. قال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم. ومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق. قال تعالى في المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً). وقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق. ومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله. ومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله. كما أوصى ﷺ رجلاً بقوله (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) رواه الترمذي. ومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل. فإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها. • من أقوال السلف في ذكر الله تعالى: قال أبو الدراء: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله. وقال معاذ: ما عمل العبد عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس. وقال كعب: من أكثر من ذكر الله برأ من النفاق. وقال ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء. وقال ابن القيم: الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.
следующие страницы →