← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 456–495 · переход к 461.

стр. 456

• قال السعدي: أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية. [تفسير السعدي: ٧٤]. • ينبغي للمسلم أن يسعى في تزكية نفسه، كما قال تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا). فقد أقسم الله ثمان أقسام (وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا. وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا. وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا. وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا. وَالسَّمَاء وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا. قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا). فينبغي على المسلم أن يحمل نفسه ويجاهدها على تزكية نفسه، لأن من زكى نفسه فقد أفلح، ولهذا كان النبي ﷺ يقول: (اللهم آتي نفسي تقواها وزكها أنت خير من زكاها). من تزكية النفس غض البصر: كما قال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ). ومن تزكية النفس رجوع الإنسان إذا قيل له ارجع. كما قال تعالى (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَداً فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ). أن تزكية الله من فضل الله. كما قال تعالى (وَلَوْلا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَى مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ أَبَداً وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ). (وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ) وهو القرآن، وسبق لماذا سمي القرآن كتاباً.

стр. 457

(وَالْحِكْمَةَ) تقدم الخلاف في المراد بها. (وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أي: يعلمكم من أخبار الأنبياء وقصص الأمم الخالية، والخبر عما هو حادث وكائن من الأمور التي لم تكن العرب تعلمها، فعلموها من رسول الله ﷺ ، فأخبرهم جل ثناؤه أن ذلك كله إنما يدركونه برسوله ﷺ . [تفسير الطبري: ٤٦٢]. الفوائد: ١ - بيان نعمة الله بإرسال الرسل. ٢ - أن النبي ﷺ بلغ جميع ما أوحي إليه. ٣ - أن من مهمات الرسول تزكية النفوس وتطهيرها. ٤ - أن الأصل في الإنسان الجهل. ٥ - فضل الله علينا حيث علمنا ما لم نكن نعلم.

стр. 458

(فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ وَاشْكُرُواْ لِي وَلَا تَكْفُرُونِ (١٥٢)) [البقرة: ١٥٢]. (فَاذْكُرُونِي) بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم (أَذْكُرْكُمْ) أي: أثيبكم بالثواب والأجر العظيم، كما في الحديث قال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم) متفق عليه. قال سعيد بن جبير: اذكروني بطاعتي أذكركم بمغفرتي. • قال الطبري: فاذكروني أيها المؤمنون بطاعتكم إياي فيما آمركم به وفيما أنهاكم عنه، أذكركم برحمتي إياكم ومغفرتي لكم. • وهذه الآية من أعظم الآيات في فضل ذكر الله تعالى، وللذكر فضائل عظيمة: منها: أنه يورث العبد ذكر الله له. كما في هذه الآية (فَاذْكُرُونِي أَذْكُرْكُمْ). قال ابن القيم: ولو لم يكن في الذكر إلا هذه وحدها لكفى بها فضلاً وشرفاً. وقال ﷺ (قال تعالى: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأٍ ذكرتُه في ملأٍ خير منهم) متفق عليه. ومنها: أنه سبب لنزول السكينة وغشيان الرحمن. كما في حديث أبي هريرة في قوله ﷺ (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. ومنها: أنه غرس الجنة. كما في قوله ﷺ (لقيت ليلة اسري بي إبراهيم الخليل فقال: يا محمد، أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان، وأن غراسها: سبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر) رواه الترمذي. ومنها: أن دوام ذكر الرب يوجب الأمان من نسيانه وهو سبب شقاء العبد. فإن نسيان الرب سبحانه يوجب نسيان نفسه ومصالحها، قال تعالى (وَلا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).

стр. 459

ومنها: أن الذكر يعدل عتق الرقاب ونفقة الأموال. كما قال ﷺ (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير، كانت له عدل عشر رقاب، وكتبت له مائة حسنة، ومحيت عنه مائة سيئة، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك حتى يمسي .. ) متفق عليه. ومنها: أن العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله. كما في الحديث ( … وآمركم أن تذكروا الله تعالى، فإن مثل ذلك رجل خرج العدو في أثرهِ سراعاً، حتى أتى إلى حصن حصين، فأحرز نفسه منهم، كذلك العبد لا يحرز نفسه من الشيطان إلا بذكر الله … ) رواه الترمذي. قال ابن القيم: فلو لم يكن في الذكر إلا هذه الخصلة الواحدة، لكان حقيقاً بالعبد أن لا يفتر لسانه من ذكر الله تعالى. وكما في الحديث السابق (من قال في يوم مائة مرة: لا إله إلا الله وحده … ، وكانت له حرزاً من الشيطان يومه ذلك). ومنها: أن سيد المرسلين كان كثير الذكر. كما في حديث عائشة قالت (كان رسول الله ﷺ يذكر الله على كل أحيانه) رواه مسلم. ومنها: أن مجالس الذكر مجالس الملائكة، فليس من مجالس الدنيا لهم مجلس إلا مجلس يذكر الله فيه. كما سبق في حديث (لا يقعد قوم في مجلس يذكرون الله فيه إلا حفتهم الملائكة، وغشيتهم الرحمة، ونزلت عليهم السكينة، وذكرهم الله فيمن عنده) رواه مسلم. وكما في حديث أبي هريرة. قال: قال ﷺ (إن لله ملائكة فُضُلاً سيارة يطوفون في الطرق يلتمسون أهل الذكر، فإذا وجدوا قوماً يذكرون الله تنادّوا: هلموا إلى حاجتكم، قال: فيحفونهم بأجنحتهم إلى السماء الدنيا … ) رواه مسلم. ومنها: أن الله يباهي بالذاكرين ملائكته. كما في حديث معاوية (أن رسول الله ﷺ خرج على حلقة من أصحابه، فقال: ما أجلسكم؟ قالوا: جلسنا نذكر الله ونحمده على ما هدانا للإسلام، قال: آلله ما أجلسكم إلا ذاك؟ قالوا: والله ما أجلسنا إلا ذاك، قال: أما إني لم استحلفكم تُهمة لكم، ولكنه أتاني جبريل فأخبرني: أن الله ﵎ يباهي بكم الملائكة) رواه مسلم.

стр. 460

ومنها: أن الذكر يعطي الذاكر قوة حتى إنه ليفعل مع الذكر ما لا يطيق فعله بدونه. كما في الحديث (أن النبي ﷺ علم ابنته فاطمة وعلياً أن يسبحا كل ليلة إذا أخذا مضاجعهما ثلاثاً وثلاثين، ويحمدا ثلاثاً وثلاثين، ويكبرا أربعاً وثلاثين، لما سألته الخادم، فعلمها ﷺ ذلك وقال: إنه خير لك من خادم) متفق عليه. قال ابن القيم: قيل: إن من داوم على ذلك وجد قوة في بدنه مغنية عن خادم. ومنها: أن كثرة ذكر الله أمان من النفاق. قال تعالى في المنافقين وَإِذَا قَامُوا إِلَى الصَّلاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاؤُونَ النَّاسَ وَلا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إِلَّا قَلِيلاً). وقال كعب: من أكثر ذكر الله برئ من النفاق. ومنها: أن العبادات إنما شرعت لذكر الله. ومنها: أنه من أحب الأعمال إلى الله. كما أوصى ﷺ رجلاً بقوله (لا يزال لسانك رطباً من ذكر الله) رواه الترمذي. ومنها: أنه سبب لاشتغال اللسان عن الغيبة والنميمة والكذب والفحش والباطل. فإن العبد لابد أن يتكلم، فإن لم يتكلم بذكر الله تعالى، وذكر أوامره، تكلم بهذه المحرمات أو بعضها. • من أقوال السلف في ذكر الله تعالى: قال أبو الدراء: لكل شيء جلاء، وإن جلاء القلوب ذكر الله. وقال معاذ: ما عمل العبد عملاً أنجى له من عذاب الله من ذكر الله. وقال ابن عباس: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله خنس. وقال كعب: من أكثر من ذكر الله برأ من النفاق. وقال ابن تيمية: الذكر للقلب مثل الماء للسمك، فكيف يكون حال السمك إذا فارق الماء. وقال ابن القيم: الذكر باب المحبة وشارعها الأعظم وصراطها الأقوم.

стр. 461

وقال: من أراد أن ينال محبة الله فليلهج بذكره. وقال: وكل شيء له صدأ، وصدأ القلب الغفلة والهوى، وجلاؤه الذكر والتوبة. وعن عكرمة: أن أبا هريرة كان يسبح كل يوم اثني عشر ألف تسبيحة ويقول: أسبح بقدر ذنوبي. وقال ابن السماك: رأيت مسعراً في النوم، فقلت: أي العمل وجدت أنفع؟ قال: ذكر الله. وقال أحمد بن حنبل: صحبت هشيْماً أربع سنين أو خمس، ما سألته عن شيء إلا مرتين هيبة له، وكان كثير التسبيح بين الحديث، يقول بين ذلك: لا إله إلا الله، يمد بها صوته. وقال رياح القيسي: لي نيف وأربعون ذنباً، قد استغفرت لكل ذنب مأئة ألف مرة. وقالت رابعة العدوية لصالح المري: يا صالح، من أحب شيئاً أكثر من ذكره. وعن ابن عون قال: ذكر الناس داء، وذكر الله دواء. وعن ميمون بن سياه قال: إذا أراد الله بعبده خيراً: حبب إليه ذكره. وعن ذي النون المصري: ما طابت الدنيا بذكره، ولا طابت الآخرة إلا بعفوه، ولا طابت الجنان إلا برؤيته. (وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ) أي: اشكروا لي أيها المؤمنون فيما أنعمت عليكم من الإسلام، والهداية للدين الذي شرعته لأنبيائي وأصفيائي (ولا تكفرون) أي: ولا تجحدوا إحساني إليكم، فأسلبكم نعمتي التي أنعمت عليكم، ولكن اشكروا لي عليها، أزيدكم فأتمم نعمتي عليكم. • والشكر: هو القيام بطاعة المنعم اعترافاً بالقلب، وثناء باللسان، وطاعة بالأركان. وفي ذلك يقول الشاعر: أفادتكم النعماءُ مني ثلاثةً … يدي ولساني والضمير المحجبا فنعمة العين: أن لا ينظر بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة اليد أن لا يبطش بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة الرجِل أن لا يمشي بها إلا فيما يرضي الله، وشكر نعمة المال: أن لا يستعين به ويصرفه إلا فيما يرضي الله.

стр. 462

• كيف يتحقق الشكر؟ أولاً: سؤال الله ذلك. كما قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ). وقال ﷺ لمعاذ: (يا معاذ، لا تدعن دبر كل صلاة أن تقول: اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك). رواه أبو داود ثانياً: أن يعلم الإنسان أن النعم إذا شكرت قرت وزادت. قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). ثالثاً: أن يعلم الإنسان أن الله سيسأله يوم القيامة عن شكر نعمه. قال تعالى: (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ). قال ابن كثير: أي ثم لتسألن عن شكر ما أنعم الله به عليكم من الصحة والأمن والرزق وغير ذلك، ما ذا قابلتم به نعمه من شكر وعبادة. رابعاً: أن ينظر إلى من هو دونه في أمور الدنيا، فإذا فعل ذلك استعظم ما أعطاه الله. قال ﷺ : (انظروا إلى من هو أسفل منكم ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فإنه أجدر أن لا تزدروا نعمة الله عليكم). الشكر يكون من الله لعبده ومن العبد لربه. فشكر العبد لربه كقوله تعالى (وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ). وقوله تعالى (كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآياتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ). وتعريفه كما سبق وهو أن يستعمل نعمه في طاعة الله. وشكر الله لعبده: كقوله تعالى (ومَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ). وقوله تعالى (إِنَّ رَبَّنَا لَغَفُورٌ شَكُورٌ) ومعنى شكر الله لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردّه عليه أضعافاً مضاعفة. لما عقر سليمان الخيل غضباً له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح. ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم. ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء.

стр. 463

• فضائل الشكر: أولاً: الله أمر به. قال تعالى: (بَلِ اللَّهَ فَاعْبُدْ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ). ثانياً: التوبيخ على عدم الشكر. قال تعالى: (وَلَهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ وَمَشَارِبُ أَفَلا يَشْكُرُونَ). ثالثاً: الثناء على الشاكرين وأنه سبل الرسل. قال تعالى: (ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كَانَ عَبْداً شَكُوراً). رابعاً: الشكر نفع للشاكر نفسه. قال تعالى: (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ). خامساً: أن الشكر إذا صدر من المؤمنين فهو مانع من نزول العذاب. قال تعالى: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ). سادساً: أن الشكر سبب لزيادة النعم. قال تعالى: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ). سابعاً: أن الصفوة من عباد الله يسألون الله أن يوزعهم شكر نعمته. قال تعالى عن سليمان: (وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ).

стр. 464

ثامناً: أن الشاكرين قليلون. قال تعالى: (وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ). وقال تعالى: (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ). وهذا يدل على أنهم هم خواص الله. الفوائد: ١ - الأمر بذكر الله. ٢ - أن من ذكر الله ذكره الله. ٣ - فضيلة ذكر الله. ٤ - وجوب الشكر. ٥ - تحريم كفر النعمة.

стр. 465

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ (١٥٣)). [البقرة: ١٥٣]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به والتنبيه. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (ابن عثيمين). والمعنى: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم. • والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. (الشنقيطي). (اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاةِ) تقدم شرحها عند آية [٤٥]. الاستعانة بالصبر يكون: في المصائب: بأن يحبس نفسه عن الجزع والتسخط. وفي النّعم: بأن يحبس نفسه عن البطر، وكذلك يحبسها على فعل طاعة الله شكراً على هذا الإنعام والإفضال. فالصبر يكون: صبر على طاعة الله، وصبر عن المعاصي، وصبر على الأقدار المؤلفة، وأفضلها الأول لأنه هو المقصود. والاستعانة بالصلاة: فهي من أعظم من يعين على طاعة الله، وتحمل الأكدار والآلام والمصائب، ولذلك كان النبي ﷺ إذا حزبه أمر صلى. (إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ) الذين يصبرون على طاعة الله، وعن معصية الله، وعلى اقدار الله المؤلمة. الفوائد: ١ - الإرشاد إلى الاستعانة بالصلاة. ٢ - فضل الصلاة وأنها سبب لمعونة العبد في أموره. ٣ - أن الاستعانة بالصلاة من آثار الإيمان. ٤ - فضيلة الصبر، لأنه يعين على الأمور. ٥ - إثبات معية الله.

стр. 466

(ولا تَقُولُواْ لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاء وَلَكِن لاَّ تَشْعُرُونَ (١٥٤)). [البقرة: ١٥٤]. (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) ينهى تعالى عباده المؤمنين عن أن يقولوا للشهداء أمواتا؛ بمعنى الذين تلفت نفوسهم وعدموا الحياة، وتصرمت عنهم اللذات، وأضحوا كالجمادات، كما يتبادر من معنى الميت، ويأمرهم سبحانه بأن يقولوا لهم: الأحياء؛ لأنهم أحياء عند ربهم يرزقون، كما قال تعالى في آل عِمْرَان (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ * يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِّنَ اللّهِ وَفَضْلٍ وَأَنَّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ). • قال ابن كثير: يخبر تعالى أن الشهداء في برزخهم أحياء يرزقون كما جاء في صحيح مسلم (أن أرواح الشهداء في حواصل طير خضر تسرح في الجنة حيث شاءت ثم تأوي إلى قناديل معلقة تحت العرش فاطلع عليهم ربك اطلاعة، فقال: ماذا تبغون؟ فقالوا: يا ربنا وأي شيء نبغي، وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ ثم عاد عليهم بمثل هذا، فلما رأوا أنهم لا يتركون من أن يسألوا، قالوا: نريد أن تردنا إلى الدار الدنيا فنقاتل في سبيلك حتى نقتل فيك مرة أخرى لما يرون من ثواب الشهادة، فيقول الرب ﷻ : إني كتبت أنهم إليها لا يرجعون. • قال الماوردي: قوله تعالى (بَلْ أَحْيَاءٌ) في الآية تأويلان: أحدهما: أنهم ليسوا أمواتاً وإن كانت أجسامهم أجسام الموتى بل هم عند الله أحياء النفوس منعّمو الأجسام. والثاني: أنهم ليسوا بالضلال أمواتاً بل هم بالطاعة والهدى أحياء، كما قال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ في النَّاسِ كَمَن مَّثَلُهُ في الظُّلُمَاتِ لَيْسَ بِخَارِجٍ مِنْهَا) فجعل الضالَّ ميتاً، والمُهْتَدي حياً. ويحتمل تأويلاً ثالثاً: أنهم ليسوا أمواتاً بانقطاع الذكر عند الله وثبوت الأجر. وقد رجح القول الأول الإمام فخر الدين الرازي فقال: اعلم أن أكثر العلماء على ترجيح القول الأول. • قال الشيخ ابن عثيمين: (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ) المراد لا تقولوا أموات موتاً مطلقاً - دون الموت الذي هو مفارقة الروح للجسد - فهذا موجود، ولولا أن أرواحهم فارقت أجسادهم لما دفناهم، ولكن الموت المطلق لم يقع منهم بدليل الإضراب الإبطالي في قوله تعالى (بل أحياء) يعني: بل هم أحياء، والمراد أنهم أحياء عند ربهم، كما في آية آل عمران، وهي حياة برزخية لا نعلم كيفيتها ولهذا قال: (وَلَكِنْ لا تَشْعُرُونَ) أي: لا تشعرون بحياتهم، لأنها حياة برزخية، ولولا أن الله أخبرنا بها ما كنا نعلم بها

стр. 467

• هذه الآية فيها دلالة واضحة على فضل الشهادة، وللشهادة فضائل كثيرة: أولاً: من أسباب دخول الجنة. كما في حديث الباب. وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقّاً فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). وعن جابر. قال (قال رجل للنبي ﷺ يوم أحد: أرأيت إن قتلت فأين أنا؟ قال: في الجنة، فألقى تمرات في يده ثم قاتل حتى قتل) متفق عليه. ثانياً: الحياة بعد الاستشهاد مباشرة. قال تعالى (وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لا تَشْعُرُون). وقال تعالى (وَلا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتاً بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ). ثالثاً: مغفرة الذنوب وتكفير السيئات. قال تعالى (فَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأُوذُوا فِي سَبِيلِي وَقَاتَلُوا وَقُتِلُوا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلَأُدْخِلَنَّهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ثَوَاباً مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الثَّوَابِ). وقال ﷺ (يغفر للشهيد كل شيء إلا الدين) رواه مسلم. وقال ﷺ (إن للشهيد عند الله ست خصال يغفر له عند أول دفعة من دمه … ) رواه الترمذي. رابعاً: تمني الرجوع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى بل عشر مرات. عن أنس قال: قال ﷺ (ما من عبد يموت له عند الله خير يسره أن يرجع إلى الدنيا، وأن له الدنيا وما فيها، إلا الشهيد لما يرى من فضل الشهادة، فإنه يسرهُ أن يرجع إلى الدنيا فيقتل مرة أخرى وفي رواية: لما يرى من الكرامة) متفق عليه. صحيح مسلم (٣/ ١٤٩٨)

стр. 468

وعَنْ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنِ النَّبِيِّ ﷺ قَالَ: «مَا مِنْ أَحَدٍ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا، وَأَنَّ لَهُ مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ شَيْءٍ، غَيْرُ الشَّهِيدِ، فَإِنَّهُ يَتَمَنَّى أَنْ يَرْجِعَ، فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرَّاتٍ، لِمَا يَرَى مِنَ الْكَرَامَةِ». رواه مسلم خامساً: الشهيد في الفردوس الأعلى. وعن أنس (أن أم حارثة أتت النبي ﷺ فقالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، وكان قتل يوم بدر، أصابه سهم، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت عليه بالبكاء، فقال رسول الله: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة وإن ابنك أصاب الفردوس الأعلى) متفق عليه. سادساً: الملائكة تظل الشهيد بأجنحتها. عن جابر قال (جيء بأبي إلى النبي ﷺ وقد مثّل به ووضع بين يديه، فذهبت أكشف عن وجهه، فنهاني قومي، فسمع صوت نائحة، فقيل: ابنة عمرو -أو أخت عمرو- فقال: لم تبكي أو لا تبكي، ما زالت الملائكة تظله بأجنحتها). متفق عليه سابعاً: الشهداء لا يفتنون في قبورهم: عن المقداد بن معد يكرب. قال: قال رسول الله ﷺ (للشهيد عند الله ست خصال: يغفر له في أول دفعة، ويرى مقعده من الجنة، ويجار من عذاب القبر) رواه الترمذي. وقال ﷺ لما سئل لماذا الشهداء لا يسألون في قبورهم؟ قال: (كفى ببارقة السيوف على رأسه فتنة) رواه النسائي. قال ابن النحاس: ولا شك بأن من وقف للقتال ورأى السيوف تلمع وتقطع، والأسنة تبرق وتخرق، والسهام ترشق وتمرق، والرؤوس تندر، والدماء تثعب، والأعضاء تتطاير، وجاد بنفسه لله تعالى إيماناً به وتصديقاً بوعده ووعيده، فيكفيه هذا امتحاناً لإيمانه واختباراً له وفتنة، إذ لو كان عنده شك أو ارتياب لولى الدبر، وذهل عما هو واجب عليه من الثبات، وداخله الشك والارتياب.

стр. 469

ثامناً: الشهيد لا يشعر بألم القتل. عن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (ما يجد الشهيد من مس القتل إلا كما يجد أحدكم من مس القرصة) رواه الترمذي. قال علي: إن لم تقتلوا تموتوا، والذي نفسي بيده لألف ضربة بالسيف أهون من موت على فراش. تاسعاً: دم الشهيد أحب شيء إلى الله. عن أبي أمامة. قال: قال رسول الله ﷺ (ليس شيء أحب إلى الله من قطرتين وأثرين: قطرة من دموع في خشية الله، وقطرة دم تهرق في سبيل الله، وأما الأثران: فأثر في سبيل الله، وأثر في فريضة من فرائض الله) رواه الترمذي. عاشراً: الشهيد يشفع في أهل بيته. عن أم الدرداء قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: (يشفع الشهيد في سبعين من أهل بيته) رواه الترمذي. الحادي عشر: لا يشترط للشهيد أعمال صالحة قبل الشهادة. عن البراء بن عازب قال (أتى النبي ﷺ رجل مقنع بالحديد، فقال: يا رسول الله أقاتل أو أسلم؟ قال: أسلم ثم قاتل، فأسلم ثم قاتل فقتل، فقال رسول الله ﷺ : عمل قليل وأجر كثير) رواه البخاري. فائدة: سمي الشهيد بذلك: قال النووي: " قال النضر بن شميل: لأنه حي، فإن أرواحهم شهدت وحضرت دار الإسلام وأرواح غيرهم إنما تشهدها يوم القيامة ". وقال ابن الأنباري: " إن الله تعالى وملائكته عليهم الصلاة والسلام يشهدون له بالجنة ".

стр. 470

وقيل: لأنه شهد عند خروج روحه ما أعده الله تعالى له من الثواب والكرامة. وقيل: لأن ملائكة الرحمة يشهدونه فيأخذون روحه. وقيل: لأنه شهد له بالإيمان وخاتمة الخير بظاهر حاله. وقيل: لأن عليه شاهداً بكونه شهيداً وهو الدم. الفوائد: ١ - النهي عن القول بأن الذين قتلوا في سبيل الله أموات. ٢ - التنبيه على الإخلاص في القتال. ٣ - إثبات حياة الشهداء، لكنها حياة برزخية، لا تماثل حياة الدنيا، بل هي أجل وأعظم. ٤ - إثبات نعيم القبر.

стр. 471

(وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِّنَ الْخَوفْ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِّنَ الأَمَوَالِ وَالأنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ (١٥٥) الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعونَ (١٥٦) أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ (١٥٧)). [البقرة: ١٥٥ - ١٥٧]. (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ) أخبرنا تعالى أنه يبتلي عباده، أي: يختبرهم ويمتحنهم كما قال تعالى (وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ) فتارة بالسراء وتارة بالضراء من خوف وجوع … وكل هذا وأمثاله مما يختبر الله به عباده، فمن صبر أثابه ومن قنط أحل به عقابه. (بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ) أي: بقليلٍ من ذلك. • المراد بالخوف: ما يحصل لمن يخشى من نزول ضرر به من عدو أو غيره، وبالجوع: المجاعة التي تحصل عند الجدب والقحط. • قال الخازن: قوله تعالى (بشيء .. ) وإنما قلله لأن ما واقاهم منه أكثر بالنسبة إلى ما أصابهم بألف مرة. • قال ابن عاشور: وجيءَ بكلمة (شيءٍ) تهويناً للخبر المفجع. (وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ) أي: ذهاب بعضِها. (وَالْأَنْفُسِ) كموت الأصحاب والأقارب والأحباب. (وَالثَّمَرَاتِ) أي: لا تغل الحدائق والمزارع كعادتها، أو ما يصيبها من الآفات. • وقد أخبر الله في آيات كثيرة أنه يبتلي عباده في هذه الدار الدنيا: قال تعالى (وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ). وقال تعالى (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). وقال تعالى عن سليمان لما رأى عرش ملكة سبأ مستقراً عنده (قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ). • وقد ذكر بعض العلماء فوائد الابتلاء: • قال القاسمي: وللإمام عز الدين محمد بن عبد السلام، رحمه الله تعالى، كلام على فوائد المحن والرزايا يحسن إيراده هنا. . .

стр. 472

قال عليه الرحمة: للمصائب والبلايا والمحن والرزايا فوائد تختلف باختلاف رتب الناس: أحدها: معرفة عز الربوبية وقهرها. والثانية: معرفة ذلة العبودية وكسرها، وإليه الإشارة بقوله تعالى الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده، وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه. والثالثة: الإخلاص لله تعالى؛ إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه، ولا معتمد في كشفها إلا عليه (وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ) (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ). الرابعة: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه (وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيباً إِلَيْهِ). الخامسة: التضرع والدعاء (وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا) (وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلَّا إِيَّاهُ) (بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ). السادسة: الصبر عليها، وهو موجب لمحبة الله تعالى وكثرة ثوابه. قال تعالى (وَاللَّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ) وقال (إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ). السابعة: تمحيصها للذنوب والخطايا. قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِير). الثامنة: معرفة نعمة العافية والشكر عليها. فإن النعم لا تعرف أقدارها إلا بعد فقدها. التاسعة: ما أعده الله تعالى على هذه الفوائد من ثواب الآخرة على اختلاف مراتبها.

стр. 473

العاشرة: ما في طيّها من الفوائد الخفية. قال تعالى (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْراً كَثِيراً). وقال تعالى (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ جَاؤُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ). ولما أخذ الجبار سارة من إبراهيم كان في طيّ تلك البلية أن أخدمها هاجر. فولدت إسماعيل لإبراهيم عليهما الصلاة والسلام، فكان من ذرية إسماعيل خاتم النبيين، فأعظم بذلك من خبر كان في طي تلك البلية. الحادية عشرة: إن المصائب والشدائد تمنع من الأشر والبطر والفخر والخيلاء والتكبر والتجبر. فإن نمرود، لو كان فقيراً سقيماً، فاقد السمع والبصر، لما حاجّ إبراهيم في ربه، لكن حمله بطرُ الملك على ذلك، وقد علل الله مُحاجّته بإتيانه الملك، ولو ابتلى فرعون بمثل ذلك لما قال (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى) وقال تعالى (وَمَا نَقَمُوا إِلّا أَنْ أَغْنَاهُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ مِنْ فَضْلِهِ) وقال تعالى (إِنَّ الْإِنْسَاْن لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى) وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قَالَ مُتْرَفُوهَا إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ). الثانية عشرة: الرضا الموجب لرضوان الله تعالى، فإن المصائب تنزل بالبَرِّ والفاجر، فمن سخطها فله السخط وخسران الدنيا والآخرة، ومن رضيها فله الرضا والرضا أفضل من الجنة وما فيها؛ لقوله تعالى (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: من جنات عدن ومساكنها الطيبة. • وقال ابن القيم: منها: معرفة عز الربوبية وقهرها. ومنها: معرفة ذل العبودية وكسرها، وإليه الإشارة بقوله (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) اعترفوا بأنهم ملكه وعبيده وأنهم راجعون إلى حكمه وتدبيره وقضائه وتقديره لا مفر لهم منه ولا محيد لهم عنه. ومنها: الإخلاص لله تعالى، إذ لا مرجع في رفع الشدائد إلا إليه ولا معتمد في كشفها إلا عليه. ومنها: الإنابة إلى الله تعالى والإقبال عليه. ومنها: التضرع والدعاء.

стр. 474

• وقال ابن رجب: في فوائد البلاء: تذكير العبد بذنوبه فربما تاب ورجع. زوال قسوة القلوب وحدوث رقتها. انكساره لله وذلهِ وذلك أحب إلى الله من كثير من طاعات الطائعين. انها توجب للعبد الرجوع بقلبه إلى الله والوقوف ببابه والتضرع له والاستكانة. أن البلاء يقطع قلب المؤمن عن الالتفات إلى المخلوق أن البلاء يوصل إلى قلبه لذة الصبر عليه أو الرضا به. قال بعض السلف: إن العبد ليُمرَض فيذكر ذنوبه فيخرج منه مثل رأس الذباب من خشية الله فيغفر له. وقال بعض العلماء: في بعض الكتب السابقة إن الله ليبتلي العبد وهو يحبه ليسمع تضرعه. (وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ) الصابرين على المصائب بالثواب، و التبشير: الإخبار بما يسر، وهذا أمر للرسول ﷺ أو لكل من يقدر على التبشير. • ثم بيّن من هم فقال: (الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ) من موت قريب أو هلاك مال أو غيرها من المصائب. (قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ) أي: تسلوا بقولهم هذا عما أصابهم، وعلموا أنهم ملك لله يتصرف في عبيده بما يشاء، وعلموا أنه لا يضيع لديه مثقال ذرة يوم القيامة، فأحدث لهم ذلك اعترافهم بأنهم عبيده، وأنهم إليه راجعون في الدار الآخرة. • قال الطبري: يعني تعالى: وبشر يا محمد الصابرين الذين يعلمون أن جميع ما بهم من نعمة فمني، فيقرون بعبوديتي، ويوحدوني بالربوبية، ويصدقون بالمعاد والرجوع إلي، فيستسلمون لقضائي، ويرجون ثوابي، ويخافون عقابي، ويقولون - عند امتحاني إياهم ببعض محني - إنا مماليك ربنا ومعبودنا أحياء، ونحن عبيده وإنا إليه بعد مماتنا صائرون، تسليماً لقضائي ورضاً بأحكامي.

стр. 475

• وقال القرطبي: جعل الله تعالى هذه الكلمات ملجأ لذوي المصائب، وعصمة للممتَحنين؛ لما جمعت من المعاني المباركة؛ فإن قوله: "إنَّا لِلَّهِ" توحيد وإقرار بالعبودية والملك. وقوله (وَإِنَّآ إِلَيْهِ رَاجِعونَ) إقرار بالهلْك على أنفسنا والبعث من قبورنا؛ واليقين أن رجوع الأمر كله إليه كما هو له. قال سعيد بن جبير رحمه الله تعالى: لم تعط هذه الكلمات نبيًّا قبل نبيّنا، ولو عرفها يعقوب لما قال: يا أسَفي على يوسف. • وقد جاء في صحيح مسلم عن أُم سَلَمَة. قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ (مَا مِنْ مُسْلِمٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا. إِلاَّ أَخْلَفَ اللَّهُ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا». قَالَتْ فَلَمَّا مَاتَ أَبُو سَلَمَةَ قُلْتُ أَيُّ الْمُسْلِمِينَ خَيْرٌ مِنْ أَبِى سَلَمَةَ أَوَّلُ بَيْتٍ هَاجَرَ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ ﷺ ، ثُمَّ إِنِّي قُلْتُهَا فَأَخْلَفَ اللَّهُ لِي رَسُولَ اللَّهِ ﷺ . قَالَتْ أَرْسَلَ إِلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ حَاطِبَ بْنَ أَبِى بَلْتَعَةَ يَخْطُبُنِي لَهُ … ). (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ) أي: ثناء عليهم من ربهم في الملأ الأعلى. (وَرَحْمَةٌ) عطفها على الصلوات من باب عطف العام على الخاص، لأن الثناء عليهم في الملأ الأعلى من الرحمة. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ) أي: الذين اهتدوا إلى طريق الحق، فإن هذا الكلام الذي يقولونه مع الصبر هو الهداية. • قال ابن القيم: الصبر على البلاء ينشأ من أسباب عديدة: أحدها: شهود جزائها وثوابها. الثاني: شهود تكفيرها للسيئات ومحوها لها. الثالث: شهود القدر السابق الجاري بها، وأنها مقدرة في أم الكتاب قبل أن تخلق فلا بد منها. الرابع: شهوده حق الله عليه في تلك البلوى، وواجبه فيها الصبر. الخامس: شهود ترتبها عليه بذنبه. السادس: أن يعلم أن الله قد ارتضاها له واختارها وقسمها، وأن العبودية تقتضي رضاه بما رضي له به سيده ومولاه. السابع: أن يعلم أن هذه المصيبة هي دواء نافع، ساقه إليه الطبيب العليم بمصلحته الرحيم له.

стр. 476

الثامن: أن يعلم أن في عقبى هذا الدواء من الشفاء والعافية والصحة وزوال الألم ما لا تحصل بدونه. التاسع: أن يعلم أن المصيبة ما جاءت لتهلكه وتقتله، وإنما جاءت لتمتحن صبره وتبتليه. العاشر: أن يعلم أن الله سبحانه يربي عبده على السراء والضراء والنعمة والبلاء. [طريق الهجرتين: ٢٨٣]. الفوائد: ١ - ابتلاء العباد بما ذكر اختباراً وامتحاناً. ٢ - أن الناس ينقسمون عند المصائب إلى قسمين: صابر، وساخط. ٣ - البشرى للصابرين. ٤ - أن من سمة الصابرين تفويض أمورهم إلى الله. ٥ - مشروعية هذا القول عند المصيبة (إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ اللَّهُمَّ أْجُرْنِي فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا … ).

стр. 477

(إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِن شَعَآئِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَن يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)). [سورة البقرة: ١٥٨]. (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) جبلان معروفان بمكة، يسعى بينهما الحاج أو المعتمر. (مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) أي: من أعلام دينه ومناسكه التي تعبّدنا الله بها. • قال الشيخ ابن عثيمين: (من شعائر الله) من: للتبعيض، يعني بعض شعائر الله، والشعائر جمع شعيرة، وهي التي تكون عَلَماً في الدين، يعني من معالم الدين الظاهرة، وليس المراد أن نفس الجبل من الشعائر، بل المراد الطواف بهما من الشعائر. قال تعالى (ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ). • وفي هذا مشروعية السعي بين الصفا والمروة. (فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ) أي: قصد البيت الحرام لأداء مناسك الحج. (أَوِ اعْتَمَرَ) (أو) للتنويع، لأن قاصد البيت إما أن يكون حاجاً، وإما أن يكون معتمراً. والعمرة لغة: الزيارة، والمراد بها: زيارة البيت لأداء مناسك العمرة. (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) أي: لا حرج ولا إثم عليه أن يسعى بينهما. وهذه الآية يوضح معناها سبب النزول، كما قال ابن تيمية: إن سبب النزول يوضح معنى الآية. عن عُرْوَةُ قال: سَأَلْتُ عَائِشَةَ - رضى الله عنها - فَقُلْتُ لَهَا أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) فَوَاللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. قَالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إِنَّ هَذِهِ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتَهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَتَطَوَّفَ بِهِمَا، وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الأَنْصَارِ، كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ، فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ ﷺ عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) الآيَةَ. قَالَتْ عَائِشَةُ - رضى الله عنها - وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا، فَلَيْسَ لأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا) متفق عليه.

стр. 478

وعَنْ عَاصِمِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَأَلْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ ﵁ عَنِ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ. فَقَالَ كُنَّا نَرَى أَنَّهُمَا مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ، فَلَمَّا كَانَ الإِسْلَامُ أَمْسَكْنَا عَنْهُمَا، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ) إِلَى قَوْلِهِ (أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا). • قال البغوي: سبب نزول هذه الآية أنه كان على الصفا والمروة صنمان إساف ونائلة، وكان إساف على الصفا ونائلة على المروة، وكان أهل الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة تعظيما للصنمين ويتمسحون بهما، فلما جاء الإسلام وكسرت الأصنام كان المسلمون يتحرجون عن السعي بين الصفا والمروة لأجل الصنمين فأذن الله فيه وأخبر أنه من شعائر الله. فكان الناس يتحرجون أن يطوفوا بين الصفا والمروة، لأن الناس كانوا في الجاهلية يطوفون بين الصفا والمروة لصنمين كانا عليهما، فلما جاء الإسلام وتركوا الأوثان والأصنام تحرجوا من الطواف بهما، فنزلت هذه الآية. وعلى هذا يكون النفي هنا لدفع ما وقع في نفوسهم من التحرج، وليس لبيان أصل الحكم. وقال بعض العلماء: أنهم كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية، وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة فأنزل الله (إن الصفا والمروة من شعائر الله). (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) قيل: يطوف بينهما في حجة تطوع أو عمرة تطوع، وقيل: المراد تطوع خيراً في سائر العبادات. • قول من قال (وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً) أي: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب فهو ضعيف. (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ) هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل، فإنه يعطي العبد ويوفقه لما يشكره عليه، ويشكر القليل من العمل والعطاء فلا يستقله أن يشكره، ويشكر الحسنة بعشر أمثالها إلى أضعاف مضاعفة، وإذا ترك له شيئاً أعطاه أفضل منه، وإذا بذل له شيئاً ردّه عليه أضعافاً مضاعفة. لما عقر سليمان الخيل غضباً له إذ شغلته عن ذكره، فأراد ألا تشغله مرة أخرى، أعاضه عنها متن الريح.

стр. 479

ولما ترك الصحابة ديارهم وخرجوا منها في مرضاته، أعاضهم عنها أن ملّكهم الدنيا وفتحها عليهم. ولما احتمل يوسف الصديق ضيق السجن شكر له ذلك بأن مكّن له في الأرض يتبوأ منها حيث يشاء. (عَلِيمٌ) أي: ذو علم واسع محيط بكل شيء، فهو سبحانه عليم بجميع أعمال عباده وما يستحقونه من الجزاء. الفوائد: ١ - أن السعي بين الصفا والمروة من شعائر الدين. ٢ - أن من حج أو اعتمر فلا بد أن يسعى بينهما. ٣ - أهمية معرفة سبب النزول، لأنه يوضح المعنى ويزيل الإشكال. ٤ - فضل التطوع بالخير والإكثار منه. ٥ - أن شاكر، يثيب على القليل الكثير، فضلاً منه ونعمة. ٦ - رحمة الله بعباده. ٧ - إثبات علم الله الكامل.

стр. 480

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ (١٥٩) إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ وَأَصْلَحُواْ وَبَيَّنُواْ فَأُوْلَئِكَ أَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١٦٠)). [البقرة: ١٥٩ - ١٦٠] (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ) هذا وعيد شديد لمن كتم ما جاء به الرسل من الدلالات البينة على المقاصد الصحيحة، والهدى النافع للقلوب من بعد ما بينه الله تعالى لعباده من كتبه أنزلها على رسله. • واختلف في المراد من ذلك: فقيل: أحبار اليهود ورهبان النصارى الذين كتموا أمر محمد ﷺ ، وقيل: كل من كتم الحق وترك بيان ما أوجب الله بيانه، وهو الراجح، لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فعلى فرض أن سبب النزول ما وقع من اليهود والنصارى من الكتم فلا ينافي ذلك تناول هذه الآية كل من كتم الحق. … [فتح القدير: ١/ ١٧٧]. • قال الطبري: وهذه الآية وإن كانت نزلت في خاص من الناس، فإنها معنيّ بها كل كاتم علماً فرض الله تعالى بيانه للناس. • وقد رجح الإمام فخر الدين الرازي أيضاً: أن الآية تتناول كل من كتم شيئاً من الدين واستدل له بوجوه: أحدها: أن اللفظ عام والعارض الموجود، وهو نزوله عند سبب معين لا يقتضي الخصوص على ما ثبت في أصول الفقه أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب. وثانيها: أنه ثبت أيضاً في أصول الفقه أن ترتيب الحكم على الوصف مشعر بكون الوصف علة لذلك الحكم لا سيما إذا كان الوصف مناسباً للحكم، ولا شك أن كتمان الدين يناسبه استحقاق اللعن من الله تعالى، وإذا كان هذا الوصف علة لهذا الحكم وجب عموم هذا الحكم عند عموم الوصف. وثالثها: أن جماعة من الصحابة حملوا هذا اللفظ على العموم، وعن عائشة ﵂ أنها قالت: من زعم أن محمداً ﵊ كتم شيئاً من الوحي فقد أعظم الفرية على الله، والله تعالى يقول (إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى) فحملت الآية على العموم، وعن أبي هريرة ﵁ قال: لولا آيتان من كتاب الله ما حدثت حديثاً بعد أن قال الناس: أكثر أبو هريرة. وتلا (إِنَّ الذين يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلْنَا مِنَ البينات والهدى). [مفاتيح الغيب: ١٤٨].

стр. 481

• (مِنَ الْبَيِّنَاتِ) أي: من الآيات البينات (وَالْهُدَى) وهو العلم النافع الذي يهتدي به الخلق (مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ) أي: أظهرناه، والضمير راجع إلى قوله: ما أنزلنا (لِلنَّاسِ) عموماً (فِي الْكِتَابِ) المراد جميع الكتب. (أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ) أي: يطردهم ويبعدهم عن رحمته. (وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) أي: يطلبون من الله أن يلعنهم، ولم يبين هنا ما اللاعنون، ولكنه أشار إلى ذلك في قوله (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ). وقيل: المراد باللاعنين هنا دواب الأرض وهوامها كالعقارب والخنافس وغير ذلك. وقيل: كل من يتأتى منه اللعن فيدخل في ذلك الجن، وقيل: المراد باللاعنين الملائكة والمؤمنون، ورجحه ابن عطية. [فتح القدير: ١/ ١٧٧]. • في الآية وعيد شديد وتحريك كبير لمن يكتمون العلم. قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). وقال تعالى (وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ). وعن أبي هريرة. قال: قال رسول الله ﷺ (من كتم علماً ألجم بلجام من نار يوم القيامة) رواه أبو داود. • قال ابن تيمية: معلم الخير يستغفر له كل شيء حتى الحيتان في البحر، والله وملائكته يصلون على معلم الناس الخير، لما في ذلك من عموم النفع لكل شيء، وعكسه كاتموا العلم، فإنهم يلعنهم الله ويلعنهم اللاعنون. … وقال: فَتَرْكُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِتَبْلِيغِ الدِّينِ كَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْجِهَادِ وَتَرْكِ أَهْلِ الْقِتَالِ لِلْقِتَالِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كَتَرْكِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلتَّبْلِيغِ الْوَاجِبِ عَلَيْهِمْ كِلَاهُمَا ذَنْبٌ عَظِيم.

стр. 482

• قال ابن رجب: وأيضًا فإن العلم إذا ظهر في الأرض وعمل به درّت البركات ونزلت الأرزاق فيعيش أهل الأرض كلهم، حتى النملة وغيرها من الحيوانات ببركته، ويستبشر أهل السماء بما يرتفع لأهل الأرض من الطاعات والأعمال الصالحات فيستغفرون لمن كان السبب في ذلك. وعكس هذا أن من كتم العلم الذي أمر الله بإظهاره لعنه الله وملائكته وأهل السماء والأرض، حيث سعى في إطفاء نور الله في الأرض، الذي بسبب إخفائه تظهر المعاصي والظلم والعداوة والبغي. قال الله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِنْ بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ). وقد قيل أنها نزلت في أهل الكتاب، الذين كتموا ما عندهم في كتابهم من صفة النبي ﷺ . وكان أبو هريرة يقول: "لَوْلَا آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مَا حَدَّثْتُكُمْ شَيْئًا أَبَدًا. وَيَتْلُو هَذِه الآيَةَ". وفي سنن ابن ماجه عن البراء بن عازب، عن النبي ﷺ في قوله (يَلْعَنُهُمُ اللَّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللَّاعِنُونَ) قَالَ: "دَوَابّ الأَرْضِ". وقد روي هذا موقوفًا على البراء. • قال ابن المبارك ﵀: وهل أَفْسَدَ الدينَ إلا الملوكُ … وأحْبَارُ سُوءٍ ورُهْبَانُهَا وباعُوا النفوسَ ولم يَرْبَحُوا … ولم تغْلُ في البَيْع أثْمَانُهَا لقدْ رتعَ القومُ في جِيفَةٍ … يَبِينُ لذِي العَقْلِ إنْتَانُهَا وكان يحيى بن معاذ الرازي ﵁ يقول لعلماء وقته (يا معْشرَ العلماء، ديارُكم هَامَانيَّة، وملابِسُكُم قَارُونية، ومَرَاكِبُكُم فرعونية وولائمُكُمْ جالوتية، فأين السنّةُ المحمدية؟). قال عبد الله بن المبارك: إذا كتم العالم علمه، ابتلي: إما بموت القلب، أو ينسى، أو يتبع السلطان (إلَّا الَّذِينَ تَابُوا) هذا استثناء من الله من هؤلاء من تاب إليه فقال (إلَّا الَّذِينَ تَابُوا) أي: رجعوا عما كانوا فيه، والتوبة الرجوع من معصية الله إلى طاعته، والمراد بالتوبة هنا الرجوع عن كتمان ما أنزل الله إلى بيانه ونشره. (وَأَصْلَحُوا) أي: أصلحوا نياتهم وأحوالهم وأعمالهم، وأصلحوا ما بينهم وبين الله. • قال ابن عاشور: وشُرط للتوبة أن يصلحوا ما كانوا أفسدوا وهو بإظهار ما كتموه وأن يبينوه للناس فلا يكفي اعترافهم وحدهم أو في خلواتهم.

стр. 483

(وَبَيَّنُوا) أي: الذي كتموه. (فَأُولَئِكَ) الذين تابوا وأصلحوا وبينوا. (أَتُوبُ عَلَيْهِمْ) أي: أقبل منهم التوبة، لأن توبة الله على العبد نوعان: أحدهما: توفيق الله للعبد للتوبة، كما قال تعالى (ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا) بمعنى وفقهم للتوبة ليتوبوا. الثاني: قبولها من العبد إذا تاب، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوبَةَ عَنْ عِبَادِهِ). [قاله الشيخ ابن عثيمين]. (وَأَنَا التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) تقدم تفسيرها عند آية: ١٢٨. الفوائد: ١ - اليهود والنصارى كتموا صفات النبي لصدّ الناس عن الإيمان به. ٢ - كتم العلم خيانة للأمانة التي جعلها الله في أعناق العلماء. ٣ - يجب نشر العلم وتبليغه إلى الناس لتعمّ الهداية جميع البشر. ٤ - من كتم شيئاً من أحكام الشرع الحنيف استحق اللعنة المؤبدة.

стр. 484

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (١٦١) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ (١٦٢)) [البقرة: ١٦١ - ١٦٢]. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ) أي: من كفر واستمر كفره حتى الممات. (أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ) أي: أبعدهم من رحمته وطردهم. (وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: يطلبون من الله أن يلعنهم. واختلف العلماء بالمراد في الناس هنا، فقيل: المؤمنون فقط، وقيل: المراد أغلب الناس، لكن هذا ضعيف، لأن أغلب الناس كفار كما قال تعالى (وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ) وقال تعالى (وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) ولذلك الصحيح أن الكافر يلعن الكافر، ويكون لذلك في الدنيا والآخرة، أما في الدنيا، فكوْن الكافر يلعن الكافر في الدنيا بأن يدعو الكافر مثلاً على الظالم، فإذا قال الكافر - مثلاً - اللعن الظالم، دخل هو نفسه في اللعنة، وأما كون الكفار يلعن بعضهم بعضاً في الآخرة فهذا واضح من قوله تعالى (وَقَالُوا رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءَنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلا. رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْناً كَبِيراً) وكذلك من قوله تعالى (كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا). • استدل بهذه الآية من قال بجواز لعن الكافر، ولعن الكافر على أنواع: أولاً: لعن الكفار جملة فهذا جائز كما في هذه الآية. وقوله تعالى (فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الْكَافِرِينَ). ثانياً: الكافر المعين، فهذا فيه خلاف: فقيل: لا يجوز. وممن ذهب إلى هذا الغزالي، وذكره الإمام النووي. قالوا: ربما يسلم. وقيل: يجوز.

стр. 485

لحديث عمر بن الخطاب (أن رجلاً كان على عهد النبي ﷺ ، كان اسمه عبد الله، وكان يلقب حماراً، وكان يُضحك رسول الله ﷺ ، وكان النبي ﷺ قد جلده في الشراب، فأتي به يوماً فأمر به فجلد، فقال رجل من القوم: اللهم العنه، ما أكثر ما يؤتى به، فقال النبي ﷺ : لا تلعنوه، فوالله ما علمت إنه يحب الله ورسوله) رواه البخاري. قالوا: فدل على من لا يحب الله ورسوله يلعن. والذي يظهر الجواز خاصة إذا كان ممن يؤذي المسلمين. • وأما العصاة لمسلمين: فلعنهم جملة جائز ولا بأس. قال تعالى (لعنة الله على الظالمين). وقال تعالى (لعنة الله على الكاذبين). وقال ﷺ (لعن الله السارق … ) وقال ﷺ (لعن الله آكل الربا … ). • وأما العاصي المعين: فلا يجوز لعنه اتفاقاً. للحديث السابق (حيث كان يؤتى به ويجلد في شرب الخمر، قال ﷺ : لا تلعنوه، وفي رواية: لا تكونوا أعواناً للشيطان على أخيكم). (خَالِدِينَ فِيهَا) قيل: في اللعنة، وقيل: في النار، ورجح الرازي الأول وقال: والأول أولى لوجوه. الأول: أن الضمير إذا وجد له مذكور متقدم فرده إليه أولى من رده إلى ما لم يذكر. الثاني: أن حمل هذا الضمير على اللعنة أكثر فائدة من حمله على النار، لأن اللعنة هو الإبعاد من الثواب بفعل العقاب في الآخرة وإيجاده في الدنيا فكان اللعن يدخل فيه النار وزيادة فكان حمل اللفظ عليه أولى. الثالث: أن قوله (خالدين فِيهَا) إخبار عن الحال، وفي حمل الضمير على اللعن يكون ذلك حاصلاً في الحال، وفي حمله على النار لا يكون حاصلاً في الحال، بل لا بد من التأويل؛ فكان ذلك أولى.

стр. 486

(لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) أي: لا يخفف عنهم طرفة عين. بل هو دائم متواصل. كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ). وقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون). وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). (وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: ولا يُمهلون أو يؤجلون، بل يكون حاضراً متصلاً بعذاب مثله فكأنه تعالى أعلمنا أن حكم دار العذاب والثواب بخلاف حكم الدنيا فإنهم يمهلون فيها إلى آجال قدرها الله تعالى، وفي الآخرة لا مهلة ألبتة فإذا استمهلوا لا يمهلون، وإذا استغاثوا لا يغاثون وإذا استعتبوا لا يعتبون، وقيل لهم (اخسئوا فِيهَا وَلَا تُكَلّمُونِ). وقيل: هومن النظر أي: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم. • قال الماوردي: (وَلَا هُمْ يُنظَرُونَ) يحتمل وجهين: أحدهما: لا يؤخرون عنه ولا يمهلون. والثاني: لا ينظر الله إليهم فيرحمهم. الفوائد: ١ - أن من مات على الكفر فهو ملعون. ٢ - أن من مات على الكفر فإن مأواه النار خالداً فيها. ٣ - من أنواع عذاب الكفار في النار، أنهم لا يخفف عنهم ولا يمهلون.

стр. 487

(وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ (١٦٣)). [البقرة: ١٦٣]. (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) يخبر تعالى عن تفرده بالألوهية، وأنه لا شريك له ولا عديل، هو الله الواحد الأحد الفرد الصمد. كما قال تعالى (قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنْذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). وقال تعالى (قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ). وقال تعالى (فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انْتَهُوا خَيْراً لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ). وقال تعالى (لِمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ). معنى (الأحد) المتوحد بجميع الكمالات، بحيث لا يشاركه فيها مشارك. ومعنى (الواحد) هو الفرد الذي لم يزل وحده بلا شريك. ففي هذه الآية: إثبات وحدانية الله تعالى، الذي لا إله إلا هو، وحده لا شريك له في ذاته ولا في صفاته ولا في أفعاله، فهو الواحد الذي ليس له ند ولا نظير ولا شبيه ولا مثيل قال تعالى (وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) وقال (وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ). وقد بيّن سبحانه بأنه لم يأمر إلا بأن يعبد وحده ويفرد بالعبادة فقال (وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَهاً وَاحِداً لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ). وكفّر وضل من اتخذ إلهاً سواه أو معه، قال تعالى (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) وقال سبحانه (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا إِلَهٌ وَاحِدٌ). • وكيف يعبد غيره، والله سبحانه قد تفرد بالخلق والإيجاد والرزق والإمداد والبسط والقبض، والرفع والخفض، قال تعالى (أَيُشْرِكُونَ مَا لا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ. وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ). • وقد أمر الرسول ﷺ رسوله إلى اليمن أن يبدأ أولاً بدعوتهم إلى توحيد الله، كما في حديث ابن عباس قال (بعث النبي ﷺ معاذاً إلى اليمن … قاله له: إنك تقدم على قوم من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم أن يوحدوا الله) متفق عليه. (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) أي: لا إله بحق إلا هو سبحانه.

стр. 488

كما قال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ وَأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ) وقال تعالى (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّهُ يُحْيِي الْمَوْتَى وَأَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ). • فالله هو المنفرد باستحقاق العبودية، فلا يُعبد أحد سواه كائناً من كان، بأي نوع من أنواع العبادات، فلا قيام ولا ركوع ولا سجود ولا ذبح ولا نذر إلا له وحده تعالى، ولا يدعى في السر والضراء واليسر والعسر والفرح والغم إلا هو . • وهذا الذي بُدء به آية الكرسي هو أصل دعوة جميع الأنبياء والمرسلين، ما بعث الله تعالى من نبي إلا وأوحي إليه أنه لا إله إلا هو. قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ) وهذه عقيدة لم تختلف فيها النبوات. وبيّن تعالى أن دعوة الرسل ﵈ كانت لدعوة الناس إلى هذا الأساس، فقال سبحانه (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولاً أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ). • قال ابن كثير: وبعث في كل أمة، أي في كل قرن وطائفة رسولاً، وكلهم يدعون إلى عبادة الله وينهون عن عبادة ما سواه. وهكذا الأنبياء كانت دعوة كل واحد منهم (اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ). والله تعالى خاطب نبيه ﷺ بقوله (فَاعْلَمْ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ). وقد طبق ﷺ ذلك ونشره ودعا غليه. كان يأتي سوق المجاز ويقول: (يا أيها الناس، قولوا: لا إله إلا الله تفلحوا) رواه أحمد. وأمر معاذاً حينما أرسله لليمن بأن يكون أول ما يدعوهم إليه توحيد الله فقال له: (فليكن أول ما تدعوهم إليه: شهادة أن لا إله إلا الله، وأني رسول الله .. ) متفق عليه. • وقد وردت أحاديث في فضل: لا إله إلا الله: منها: قوله ﷺ (من قال: لا إله إلا الله ابتغاء الله ختم له بها دخل الجنة) رواه أحمد. وقال ﷺ (فإن الله حرم على النار من قال: لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله) متفق عليه. وقال ﷺ (ما من عبد قال: لا إله إلا الله ثم مات على ذلك إلا دخل الجنة) متفق عليه.

стр. 489

• فضائل كلمة التوحيد: أولاً: هِيَ كَلِمَةُ اَلْإِخْلَاصِ، وَشَهَادَةُ اَلْحَقِّ وَدَعْوَةُ اَلْحَقِّ، وَبَرَاءةٌ مِنْ اَلشِّرْكِ، وَلِأَجْلِهَا خُلِقَ اَلْخَلْقُ. كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُون). ثانياً: وَلِأَجْلِهَا أُرْسِلَتْ اَلرُّسُلُ وَأُنْزِلَتْ اَلْكُتُبُ. قَالَ تَعَالَى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُون). وقال تعالى (يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ). ثالثاً: هي ثَمَنُ اَلْجَنَّةِ. قال ﷺ (مَنْ كَانَتْ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ اَلْجَنَّة) رواه أبو داود. رابعاً: وهي نَجَاةٌ مِنْ اَلنَّارِ. وَسَمِعَ اَلنَّبِيَّ ﷺ مُؤَذِّنًا يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، فَقَالَ خَرَجَ مِنْ اَلنَّارِ. خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ خامساً: وهي أَحْسَنُ اَلْحَسَنَاتِ: قَالَ أَبُو ذَرٍّ: (قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ! عَلِّمْنِي عَمَلاً يُقَرِّبُنِي مِنَ اَلْجَنَّةِ، وَيُبَاعِدُنِي مِنْ اَلنَّارِ، قَالَ: إِذَا عَمِلْتَ سَيِّئَةً فَاعْمَلْ حَسَنَةً، فَإِنَّهَا عَشْرُ أَمْثَالِهَا قُلْتُ: يَا رَسُولَ اَللَّهِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ مِنَ اَلْحَسَنَاتِ؟ قَالَ هِيَ أَحْسَنُ اَلْحَسَنَات). سادساً: وَهِيَ: تُجَدِّدُ مَا دُرِسَ مِنَ اَلْإِيمَانِ فِي اَلْقَلْبِ. كما في اَلْمُسْنَدِ أَنَّ اَلنَّبِيَّ ﷺ قَالَ لِأَصْحَابِهِ (جَدِّدُوا إِيمَانَكُمْ قَالُوا كَيْفَ نُجَدِّدُ إِيمَانَنَا؟ قَالَ: قُولُوا: لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه). سابعاً: وَهِيَ اَلَّتِي لَا يَعْدِلُهَا شَيْءٌ فِي اَلْوَزْنِ، فَلَوْ وُزِنَتْ اَلسَّمَاءِ وَالْأَرْضِ رَجَحَتْ بِهِنَّ. كَمَا فِي اَلْمُسْنَدِ عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّ نُوحًا قَالَ لِابْنِهِ عِنْدَ مَوْتِهِ: آمُرُكَ بِلَا إِلَهِ إِلَّا اَللَّهُ، فَإِنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ كُنَّ فِي حَلْقَةٍ مُبْهَمَةٍ قَصَمَتْهُنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه).

стр. 490

وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اَللَّهِ بْنِ عَمْرٍو. عَنْ اَلنَّبِي ﷺ (أَنَّ مُوسَى ﵇ قَالَ: يَا رَبُّ عَلِّمْنِي شَيْئًا أَذْكُرُكَ بِهِ وَأَدْعُوكَ بِهِ، قَالَ: يَا مُوسَى! قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ، قَالَ: يَا رَبِّ! كُلُّ عِبَادِكَ يَقُولُونَ هَذَا. قَالَ: قُلْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ. فَقَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ، إِنَّمَا أُرِيدُ شَيْئًا تَخُصُّنِي بِهِ. قَالَ: يَا مُوسَى! لَوْ أَنَّ اَلسَّمَاوَاتِ اَلسَّبْعَ وَعَامِرَهُنَّ غَيْرِي وَالْأَرَضِينَ اَلسَّبْعَ فِي كِفَّةٍ، وَلَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ فِي كِفَّةٍ، مَالَتْ بِهِنَّ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه). ثامناً: وَهِيَ أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ. كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ اَلْمَرْفُوع (أَفْضَلُ اَلذِّكْرِ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّه) رواه الترمذي. تاسعاً: ومن أعظم فضائلها: ما جاء فِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ﵁ عَنْ اَلنَّبِي ﷺ مَنْ قَالَ (لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، لَهُ اَلْمُلْكُ وَلَهُ اَلْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، مِائَةَ مَرَّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلُ عَشْرِ رِقَابٍ، وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ، وَمُحِيَ عَنْهُ مِائَةُ سَيِّئَةٍ، وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ اَلشَّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتَّى يُمْسِيَ، وَلَمْ يَأْتِ بِأَفْضَلَ مِمَّا جَاءَ بِهِ، إِلَّا أَحَدٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِك). وَفِيهِمَا أَيْضًا عَنْ أَبِي أَيُّوبَ، عَنْ اَلنَّبِي ﷺ قال (مَنْ قَالَهَا عَشْرَ مَرَّاتٍ كَانَ كَمَنْ أَعْتَقَ أَرْبَعَةَ أَنْفُسٍ مِنْ وَلَدِ إِسْمَاعِيل). عاشراً: وَمِنْ فَضَائِلِهَا أَنَّهَا تَفْتَحُ لِقَائِلِهَا أَبْوَابَ اَلْجَنَّةِ اَلثَّمَانِيَةِ. يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا شَاءَ. كَمَا فِي حَدِيثِ عُمَر. قَالَ رَسُولُ اَللَّهِ ﷺ (مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ يَتَوَضَّأُ، فَيُسْبِغُ اَلْوُضُوءَ، ثُمَّ يَقُولُ: أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، إِلَّا فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ اَلْجَنَّةِ") أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ

стр. 491

وَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا. الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم. • لكن ما الفرق بينهما؟ قيل: الرحمن: ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة للمؤمنين يوم القيامة واستدلوا بقوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً). وقيل: الرحمن يدل على الصفة العائدة على الله من الرحمة، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دال على أن الرحمة صفته، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته. وهذا أصح وهو اختيار ابن القيم إذن: الرحمن تدل على الوصف، والرحيم تدل على الفعل، أي: على أنه يرحم. ومما يضعف القول الأول قوله تعالى (إن الله بالناس لرؤوف رحيم). • (الرحمن) على وزن فعلان، وهو ذو الرحمة الواسعة. (والرحيم) الموصل رحمته لمن يشاء من عباده. • (الرحمن) مختص بالله لا يسمى به غيره ولا يعرف أحد تسمى به، قال ابن كثير: ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب. • والفرق بين الرحمن والله: الله مختص بالله لفظاً ومعنى، وأما الرحمن مختص بالله لفظاً لا معنى، فإن المخلوق يوصف بالرحمة.

стр. 492

• وقد قسّم العلماء ﵏ الرحمة إلى قسمين: عامة - وخاصة. فأما العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق (المؤمن والكافر والبر والفاجر)، فكل الخلق تحت رحمة الله . وأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين. والفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. وأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة (وقد تقدم الكلام على صفة الرحمة). الفوائد: ١ - وحدانية الله تعالى. ٢ - تحريم اتخاذ ند وشريك مع الله. ٣ - وجوب عبادة الله وحده لا شريك له. ٤ - أنه لا إله حق إلا الله. ٥ - أن كل آلهة غير الله فهي باطلة. ٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الرحمن والرحيم. ٧ - إثبات صفة الرحمة لله تعالى.

стр. 493

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)). [البقرة: ١٦٤] (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع. وقد أمرنا الله بالنظر والتفكر في السماوات والأرض الدالة على توحيده وعظمته وجلاله في آيات كثيرة: فقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ). وقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ). وقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ). وقال تعالى (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). وقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ). وقال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). • وهما من أعظم المخلوقات، بل جعلها الله من أدلة البعث، حيث أن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره من باب أحرى. قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ). وقال تعالى (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ). وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

стр. 494

وقال تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا). • وخلقهما سبحانه بالحق كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً). وقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ). فمن الحق الذي كان خلقهما من أجله: إقامة البرهان على أنه الواحد المعبود وحده جل وعلا. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وقال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق، قال في صفات من يستحق العبادة (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً). والآيات في مثل ذلك كثيرة تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. ومن الحق الذي من أجله خلق السموات والأرض، تعليمه لخلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً). ومن الحق الذي من أجله خلق السماوات والأرض وما بينهما: هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وتارة يطول هذا ويقصر هذا وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان كما قال تعالى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ). • قال السعدي: قوله تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه.

стр. 495

• وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع: قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ). وقال تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون). (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) أي: والسفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء، بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع. فمن الذي ألهمهم صنعتها، وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها البحر، تجري فيه بإذنه وتسخيره، والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية، النار والمعادن المعينة على حملها، وحمل ما فيها من الأموال؟ فهل هذه الأمور، حصلت اتفاقاً، أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز، الذي خرج من بطن أمه، لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة، وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد، حكيم عليم، لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته، واستكانت لعظمته، وخضعت لجبروته. وغاية العبد الضعيف، أن جعله الله جزءاً من أجزاء الأسباب، التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع الطاعة، والذل والتعظيم. (تفسير السعدي). (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: وما أنزل الله من السحاب المطر به حياة البلاد والعباد. كمال تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ). • أليس ذلك دليلاً على قدرة من أنزله، وأخرج به ما أخرج ورحمته، ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلاً على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ (تفسير السعدي).
следующие страницы →