← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 491–530 · переход к 496.

стр. 491

وَفِي اَلصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُبَادَةَ عَنْ اَلنَّبِيِّ ﷺ قَال (مَنْ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اَللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اَللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ، وَأَنَّ اَلْجَنَّةَ حَقٌّ وَأَنَّ اَلنَّارَ حَقٌّ وَأَنَّ اَللَّهَ يَبْعَثُ مَنْ فِي اَلْقُبُورِ فُتِحَتْ لَهُ ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ مِنَ اَلْجَنَّةِ يَدْخُلُ مِنْ أَيِّهَا. الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ) اسمان مشتقان من الرحمة على وجه المبالغة، والرحمن أشد مبالغة من الرحيم. • لكن ما الفرق بينهما؟ قيل: الرحمن: ذو الرحمة الشاملة لجميع الخلائق في الدنيا وللمؤمنين في الآخرة، والرحيم ذو الرحمة الخاصة للمؤمنين يوم القيامة واستدلوا بقوله تعالى (وكان بالمؤمنين رحيماً). وقيل: الرحمن يدل على الصفة العائدة على الله من الرحمة، والرحيم يدل على تعلقها بالمرحوم، فالرحمن دال على أن الرحمة صفته، والرحيم دال على أنه يرحم خلقه برحمته. وهذا أصح وهو اختيار ابن القيم إذن: الرحمن تدل على الوصف، والرحيم تدل على الفعل، أي: على أنه يرحم. ومما يضعف القول الأول قوله تعالى (إن الله بالناس لرؤوف رحيم). • (الرحمن) على وزن فعلان، وهو ذو الرحمة الواسعة. (والرحيم) الموصل رحمته لمن يشاء من عباده. • (الرحمن) مختص بالله لا يسمى به غيره ولا يعرف أحد تسمى به، قال ابن كثير: ولما تجهرم مسيلمة الكذاب وتسمى برحمن اليمامة كساه الله جلباب الكذب وشهر به فلا يقال إلا مسيلمة الكذاب فصار يضرب به المثل في الكذب. • والفرق بين الرحمن والله: الله مختص بالله لفظاً ومعنى، وأما الرحمن مختص بالله لفظاً لا معنى، فإن المخلوق يوصف بالرحمة.

стр. 492

• وقد قسّم العلماء ﵏ الرحمة إلى قسمين: عامة - وخاصة. فأما العامة: فهي الشاملة لجميع الخلق (المؤمن والكافر والبر والفاجر)، فكل الخلق تحت رحمة الله . وأما الرحمة الخاصة: فهي التي تختص بالمؤمنين. والفرق بينهما: أن الرحمة الخاصة تتصل برحمة الآخرة، فيكون لله على المؤمنين رحمة في الدنيا ورحمة في الآخرة. وأما الرحمة العامة: فلا أثر لها إلا في الدنيا، ولذلك الكفار في الآخرة يعاملون بالعدل ولا يعاملون بالرحمة (وقد تقدم الكلام على صفة الرحمة). الفوائد: ١ - وحدانية الله تعالى. ٢ - تحريم اتخاذ ند وشريك مع الله. ٣ - وجوب عبادة الله وحده لا شريك له. ٤ - أنه لا إله حق إلا الله. ٥ - أن كل آلهة غير الله فهي باطلة. ٦ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الرحمن والرحيم. ٧ - إثبات صفة الرحمة لله تعالى.

стр. 493

(إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاء مِن مَّاء فَأَحْيَا بِهِ الأرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَآبَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاء وَالأَرْضِ لآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (١٦٤)). [البقرة: ١٦٤] (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) أي: تلك في ارتفاعها ولطافتها واتساعها وكواكبها السيارة والثوابت ودوران فلكها، وهذه الأرض في كثافتها وانخفاضها وجبالها وبحارها وقفارها ووهادها وعمرانها وما فيها من المنافع. وقد أمرنا الله بالنظر والتفكر في السماوات والأرض الدالة على توحيده وعظمته وجلاله في آيات كثيرة: فقال تعالى (أَفَلَمْ يَنْظُرُوا إِلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ). وقال تعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْحُبُكِ). وقال تعالى (وَإِلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ). وقال تعالى (إِنَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِلْمُؤْمِنِينَ). وقال تعالى (أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ). وقال تعالى (قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآياتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لا يُؤْمِنُونَ). وقال تعالى (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). وقال تعالى (وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ). • وهما من أعظم المخلوقات، بل جعلها الله من أدلة البعث، حيث أن من قدر على خلق الأعظم فهو على غيره من باب أحرى. قال تعالى (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ). وقال تعالى (أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ بَلَى وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ). وقال تعالى (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى بَلَى إِنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ).

стр. 494

وقال تعالى (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا). • وخلقهما سبحانه بالحق كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً). وقال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا لاعِبِينَ). فمن الحق الذي كان خلقهما من أجله: إقامة البرهان على أنه الواحد المعبود وحده جل وعلا. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ. الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشاً وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَاداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ). وقال تعالى (خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ تَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ولما بين تعالى في أول سورة الفرقان، صفات من يستحق أن يعبد ومن لا يستحق، قال في صفات من يستحق العبادة (الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَداً وَلَمْ يَكُنْ لَهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيراً). والآيات في مثل ذلك كثيرة تدل دلالة واضحة على أنه تعالى ما خلق السماوات والأرض وما بينهما إلا خلقاً متلبساً بالحق. ومن الحق الذي من أجله خلق السموات والأرض، تعليمه لخلقه أنه تعالى على كل شيء قدير، وأنه قد أحاط بكل شيء علماً، كما قال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاَطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْماً). ومن الحق الذي من أجله خلق السماوات والأرض وما بينهما: هو تكليف الخلق، وابتلاؤهم أيهم أحسن عملاً ثم جزاؤهم على أعمالهم، كما قال تعالى (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) هذا يجيء ثم يذهب ويخلفه الآخر ويعقبه، لا يتأخر عنه لحظة (لا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ) وتارة يطول هذا ويقصر هذا وتارة يأخذ هذا من هذا ثم يتعاوضان كما قال تعالى (يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَيُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ). • قال السعدي: قوله تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ) وهو تعاقبهما على الدوام، إذا ذهب أحدهما، خلفه الآخر، وفي اختلافهما في الحر، والبرد، والتوسط، وفي الطول، والقصر، والتوسط، وما ينشأ عن ذلك من الفصول، التي بها انتظام مصالح بني آدم وحيواناتهم، وجميع ما على وجه الأرض، من أشجار ونوابت، كل ذلك بانتظام وتدبير، وتسخير، تنبهر له العقول، وتعجز عن إدراكه من الرجال الفحول، ما يدل ذلك على قدرة مصرفها، وعلمه وحكمته، ورحمته الواسعة، ولطفه الشامل، وتصريفه وتدبيره، الذي تفرد به، وعظمته، وعظمة ملكه وسلطانه، مما يوجب أن يؤله ويعبد، ويفرد بالمحبة والتعظيم، والخوف والرجاء، وبذل الجهد في محابه ومراضيه.

стр. 495

• وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع: قال تعالى (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ). وقال تعالى (وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ). وقال تعالى (قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ الليل سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِضِيَآءٍ أَفَلَا تَسْمَعُونَ قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن جَعَلَ الله عَلَيْكُمُ النهار سَرْمَداً إلى يَوْمِ القيامة مَنْ إله غَيْرُ الله يَأْتِيكُمْ بِلَيْلٍ تَسْكُنُونَ فِيهِ أَفلَا تُبْصِرُونَ وَمِن رَّحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ الليل والنهار لِتَسْكُنُواْ فِيهِ وَلِتَبتَغُواْ مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُون). (وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ) أي: والسفن الضخمة الكبيرة التي تسير في البحر على وجه الماء، بما فيه مصالح الناس من أنواع المتاجر والبضائع. فمن الذي ألهمهم صنعتها، وأقدرهم عليها، وخلق لهم من الآلات ما به يعملونها؟ أم من الذي سخر لها البحر، تجري فيه بإذنه وتسخيره، والرياح؟ أم من الذي خلق للمراكب البرية والبحرية، النار والمعادن المعينة على حملها، وحمل ما فيها من الأموال؟ فهل هذه الأمور، حصلت اتفاقاً، أم استقل بعملها هذا المخلوق الضعيف العاجز، الذي خرج من بطن أمه، لا علم له ولا قدرة، ثم خلق له ربه القدرة، وعلمه ما يشاء تعليمه، أم المسخر لذلك رب واحد، حكيم عليم، لا يعجزه شيء، ولا يمتنع عليه شيء؟ بل الأشياء قد دانت لربوبيته، واستكانت لعظمته، وخضعت لجبروته. وغاية العبد الضعيف، أن جعله الله جزءاً من أجزاء الأسباب، التي بها وجدت هذه الأمور العظام، فهذا يدل على رحمة الله وعنايته بخلقه، وذلك يوجب أن تكون المحبة كلها له، والخوف والرجاء، وجميع الطاعة، والذل والتعظيم. (تفسير السعدي). (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا) أي: وما أنزل الله من السحاب المطر به حياة البلاد والعباد. كمال تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ). • أليس ذلك دليلاً على قدرة من أنزله، وأخرج به ما أخرج ورحمته، ولطفه بعباده، وقيامه بمصالحهم، وشدة افتقارهم وضرورتهم إليه من كل وجه؟ أما يوجب ذلك أن يكون هو معبودهم وإلههم؟ أليس ذلك دليلاً على إحياء الموتى ومجازاتهم بأعمالهم؟ (تفسير السعدي).

стр. 496

• وهذا البرهان ذكره الله تعالى في عدة مواضع: قال تعالى (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ رِزْقٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا). وقال تعالى (وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَسْمَعُونَ). وقال تعالى (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِهَا لَيَقُولُنَّ اللَّهُ). • المراد بالسماء هنا العلو، وذلك أن السماء يُطلق على معنيين: المعنى الأول: العلو، كقوله تعالى هنا (وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ) المراد بالسماء هنا العلو، لأن المطر ليس ينزل من السماء السقف، بل ينزل من العلو. المعنى الثاني: المراد بالسماء السقف، كما في قوله تعالى (والسَّمَاءَ بِنَاءً). (وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ) أي: نشر وفرّق في الأرض من كل ما يدب عليها من أنواع الدواب، على اختلاف أشكالها وألوانها ومنافعها وصغرها وكبرها، وهو يعلم ذلك كله ويرزقه، لا يخفى عليه شيء من ذلك. كما قال تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ). • قوله تعالى (من كل دابة) قال القرطبي: ودابة تجمع الحيوان كله، وقد أخرج بعض الناس الطير وهو مردود، قال الله تعالى (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا) فإن الطير يدب على رجليه في بعض حالاته. • فمن الدواب: ما يأكلون من لحمه، ويشربون من دره، ومنها: ما يركبون، ومنها: ما هو ساع في مصالحهم وحراستهم، ومنها: ما يعتبر به، ومع أنه بث فيها من كل دابة، فإنه سبحانه هو القائم بأرزاقهم، المتكفل بأقواتهم، فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ويعلم مستقرها ومستودعها. (تفسير السعدي). (وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ) أي: تقليب الرياح في هبوبها جنوباً وشمالاً، حارة وباردة، وليّنة وعاصفة. • قال ابن كثير: فتارة تأتي بالرحمة، وتارة تأتي بالعذاب، وتارة تأتي مبشرة بين يدي السحاب، وتارة تسوقه، وتارة تجمعه، وتارة تفرقه، وتارة تصرفه، ثم تارة تأتي من الجنوب وهي الشامية، وتارة تأتي من ناحية اليمن.

стр. 497

• وقال الطبري وتصريف الله إياها: أن يرسلها مرة لواقح، ومرة يجعلها عقيماً، ويبعثها عذاباً تدمر كل شيء بأمر ربها. (وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ) أي: سائر بين السماء والأرض، مسخر إلى ما يشاء الله من الأراضي والأماكن كما يصرفه تعالى. • قال الشنقيطي: لم يبين هنا كيفية تسخيره، ولكنه بين ذلك في مواضع أخر كقوله (وَهُوَ الذي يُرْسِلُ الرياح بُشْرىً بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حتى إِذَآ أَقَلَّتْ سَحَاباً ثِقَالاً سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ المآء فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثمرات كذلك نُخْرِجُ الموتى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُون)، وقوله (أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُزْجِي سَحَاباً ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَاماً فَتَرَى الودق يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ). (لَآياتٍ) أي: لعلامات ودلالات وبراهين. • قال القاسمي: عظيمة كثيرة، فالتنكير للتفخيم كَمّاً وكيفاً. (لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: يتفكرون فيها وينظرون إليها بعين العقول، فيستدلون على قدرته، سبحانه، القاهرة، وحكمته الباهرة، ورحمته الواسعة المقتضية لاختصاص الألوهية به جل شأنه. • قال السعدي: والحاصل، أنه كلما تدبر العاقل في هذه المخلوقات، وتغلغل فكره في بدائع المبتدعات، وازداد تأمله للصنعة وما أودع فيها من لطائف البر والحكمة، علم بذلك، أنها خلقت للحق وبالحق، وأنها صحائف آيات، وكتب دلالات، على ما أخبر به الله عن نفسه ووحدانيته، وما أخبرت به الرسل من اليوم الآخر، وأنها مسخرات، ليس لها تدبير ولا استعصاء على مدبرها ومصرفها. فتعرف أن العالم العلوي والسفلي كلهم إليه مفتقرون، وإليه صامدون، وأنه الغني بالذات عن جميع المخلوقات، فلا إله إلا الله، ولا رب سواه. • يختم الله كثيرًا من الآيات عندما يبين للعباد الأصول و الأحكام النافعة بقوله: لعلكم تعقلون وهذا يدل على أمور: منها: أن الله يحب منا أن نعقل أحكامه و إرشاداته و تعليماته، فنحفظها و نفهمها و نعقلها بقلوبنا، ونؤيد هذا العقل ونثبته بالعمل بها. ومنها: أنه كما يحب منا أن نعقل هذا الحكم الذي بينه بيانًا خاصًا، فإنه يحب أن نعقل بقية ما أنزل من الكتاب و الحكمة، وأن نعقل آياته المسموعة و آياته المشهودة.

стр. 498

و منها: أن هذا أكبر دليل على أن معرفة ما أنزل الله إلينا من أعظم ما يربي عقولنا ويجعلها عقولاً تفهم الحقائق النافعة والضارة، وترجح هذه على هذه، ولا تميل بها الأهواء و الأعراض و الخيالات و الخرافات المفسدة للعقول. • قال البقاعي: وسبب تكثير الأدلة أنّ عقول الناس متفاوتة. • قال ابن القيم: الرب ﵎ يدعو عباده في القرآن إلى معرفته من طريقين: أحدهما: النظر في مفعولاته، والثاني: التفكر في آياته وتدبرها، فتلك آياته المشهودة، وهذه آياته المسموعة. فالنوع الأول كقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ … ). وقوله (إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآياتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ) وهو كثير في القرآن والثاني كقوله (أفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ) وقوله (أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا الْقَوْلَ) وقوله (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ مُبَارَكٌ لِيَدَّبَّرُوا آيَاتِهِ). • قال ابن القيم مبيناً من يعتبر بآيات الله الكونية والشرعية: قال تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ) وقال (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآياتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ) فأخبر عن آياته المشهودة العيانية أنها إنما ينتفع بها أهل الصبر والشكر، كما أخبر عن آياته الإيمانية القرآنية أنها إنما ينتفع بها أهل التقوى والخشية والإنابة ومَن كان قصده اتباع رضوانه، وأنها إنما يتذكر بها من يخشاه سبحانه كما قال (طه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى) وقال في الساعة (إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ يَخْشَاهَا). وأما من لا يؤمن بها ولا يرجوها ولا يخشاها فلا تنفعه الآيات العيانية ولا القرآنية، ولهذا لما ذكر سبحانه في سورة هود عقوبات الأمم المكذبين للرسل وما حل بهم في الدنيا من الخزي، قال بعد ذلك (إن في ذلك لآية لمن خاف عذاب الآخرة) فأخبر أن في عقوباته للمكذبين عبرة لمن خاف عذاب الآخرة.

стр. 499

• وآيات الله تنقسم إلى قسمين: الآيات الكونية القدرية. (فهي مما نشاهده مما لا يستطيع البشر أن يخلقوا مثلها). وهي ما نصبه الله (جل وعلا) ليدل به خلقه على أنه الواحد الأحد المستحق للعبادة، كالشمس والسماء والأرض ونحوها، وكل ما في الكون من مخلوقات الله شاهد بكمال الله وقدرته وعزته وأنه المستحق للعبادة. قال تعالى (إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنْفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِنْ مَاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) أي: لعلامات واضحة جازمة قاطعة بأن من خلقها هو رب هذا الكون، وهو المعبود وحده. الآيات الشرعية الدينية، كآيات هذا القرآن العظيم. (لا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله). ومنه قوله تعالى (رَسُولاً يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِ اللَّهِ) وقوله تعالى (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ). وسميت آيات، جمع آية، لأنها علامة على صدق من جاء بها. الكفر بالآيات الكونية يكون بأمور: أن يجحد أن الخالق سبحانه خلقها فيدعي أن الذي خلقها غير الله، أو أن يعتقد أن له شريكاً في خلقه، أو أن له معيناً في خلقه. والكفر بالآيات الشرعية إما بجحودها، أو بتكذيبها، أو بالاستكبار والعناد. الفوائد: ١ - عظم خلق السماوات والأرض. ٢ - أن السموات متعددة. ٣ - أنه ينبغي للإنسان أن يتأمل في هذه المخلوقات وعظم خلقتها، ليزداد إيمانه. ٤ - أن من أعظم الآيات اختلاف الليل والنهار وما يحدث بسبب ذلك. ٥ - أن اختلاف الليل والنهار من رحمة الله وحكمته. ٦ - عظم نعمة الله بالفلك التي تجري بالبحر. ٧ - من رحمة الله إنزال المطر. ٨ - قدرة الله العظيمة. ٩ - وجوب تعظيم الله. ١٠ - أن الله يدعو للنظر والتفكر في آياته الكونية والشرعية.

стр. 500

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لِّلّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلّهِ جَمِيعاً وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ (١٦٥) إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُواْ مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ وَرَأَوُاْ الْعَذَابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الأَسْبَابُ (١٦٦) وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُواْ لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّؤُواْ مِنَّا كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ وَمَا هُم بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ (١٦٧)). [البقرة: ١٦٥ - ١٦٧]. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَاداً يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) يخبر تعالى عن حال المشركين حيث جعلوا له نداً يعبدونهم معه ويحبونهم كحبه، والند: النظير والمماثل المناوئ، والمراد به هنا الأوثان. • وقد اختلف العلماء في معنى (يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ) على قولين: أحدهما: يحبونهم كما يحبون الله، فيكون قد أثبت لهم محبة الله، ولكنها محبة يشركون فيها مع الله أنداداً. ورجح هذا القول ابن تيمية وقال: إنما ذموا بأن أشركوا بين الله وبين أندادهم في المحبة، ولم يخلصوها لله كمحبة المؤمنين له. والثاني: أن المعنى يحبون أندادهم كما يحب المؤمنون الله. • قال ابن القيم: فأخبر سبحانه أن المشرك يحب الند كما يحب الله تعالى، وأن المؤمن أشد حبا لله من كل شيء وقال أهل النار في النار (تالله إن كنا لفي ضلال مبين إذ نسويكم برب العالمين) ومن المعلوم أنهم إنما سووهم به سبحانه في الحب والتأله والعبادة، وإلا فلم يقل أحد قط أن الصنم أو غيره من الأنداد مساو لرب العالمين في صفاته وفي أفعاله، وفي خلق السماوات والأرض، وفي خلق عباده أيضاً، وإنما كانت السوية في المحبة والعبادة. • وعقوبة جعل لله نداً النار، لأنه ارتكب أعظم ذنب. قال ﷺ (من مات وهو يدعو من دون الله نداً دخل النار) متفق عليه. وحينما سئل النبي ﷺ : أي الذنب أعظم؟ قال: (أن تجعل لله نداً وهو خلقك) متفق عليه. (وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبّاً لِلَّه) أي: أثبت وأدوم على حبه لأنهم لا يختارون على الله ما سواه، والمشركون إذا اتخذوا صنماً ثم رأوا أحسن منه طرحوا الأول واختاروا الثاني. قال قتادة: إن الكافر يعرض عن معبوده في وقت البلاء ويقبل على الله تعالى كما أخبر الله عنهم فقال (فإذا ركبوا في الفلك دعوا الله مخلصين له الدين) والمؤمن لا يعرض عن الله في السراء والضراء والشدة والرخاء. • قال ابن كثير: ولحبهم لله وتمام معرفتهم به وتوقيرهم وتوحيدهم له، لا يشركون به شيئاً بل يعبدونه وحده، ويتوكلون عليه، ويلجأون في جميع أمورهم إليه. (وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا) أي: الذين جعلوا مع الله أنداداً وأشركوا به. • فإن الشرك ظلم، لأن أصل الظلم وضع الشيء في غير موضعه، والمشرك ظالم، لأنه وضع العبادة التي هي حق لله تعالى وحده، وضعها في المخلوق الضعيف الفقير، أو وضعها لصنم أو حجر أو شجر، ولأجل هذا البيان فإن القرآن يكثر الله فيه إطلاق الظلم على الشرك.

стр. 501

كما قال تعالى عن العبد الصالح (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وثبت في صحيح البخاري أن النبي ﷺ فسر قوله (الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ) قال: بشرك، ثم تلا قول لقمان (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين. ولم يأت الظلم في القرآن إلا بهذا المعنى، إلا في موضع واحد في سورة الكهف، بمعنى النقص، كما قال تعالى (كلنا الجنتين آتت أكلها ولم تظلم منه شيئاً) أي ولم تنقص. • الظلم ينقسم إلى ثلاثة أقسام: الأول: الشرك. وهو أعظم الظلم وأشده. كما قال تعالى (إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ). وقال تعالى (وَلا تَدْعُ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَنْفَعُكَ وَلا يَضُرُّكَ فَإِنْ فَعَلْتَ فَإِنَّكَ إِذاً مِنَ الظَّالِمِينَ) أي: من المشركين. قال ابن رجب: فإن المشرك جعل المخلوق في منزلة الخالق، فعبده وتألهه، فوضع الأشياء في غير موضعها، وأكثر ما ذكر في القرآن من وعيد الظالمين، إنما أريد به المشركون كما قال الله تعالى (وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ). والثاني: ظلم العبد نفسه بالمعاصي. كما قال تعالى: (ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ). والثالث: ظلم العبد لغيره.

стр. 502

كما في الحديث (قال الله: إني حرمت الظلم وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا) رواه مسلم. وقال ﷺ في خطبته في حجة الوداع (إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في شهركم هذا، في بلدكم هذا) متفق عليه. وعن ابن عمر. قال: قال ﷺ (الظلم ظلمات يوم القيامة) متفق عليه. (إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ) أي: حين يرون العذاب. • والرؤية هنا بصرية (على قراءة فتح الياء: يَرون)، أي: بأبصارهم. والمعنى: لو يرى الذين ظلموا في الدنيا عذاب الآخرة لعلموا حين يرونه أن القوة لله جميعاً. (أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً) أي: أن الحكم له وحده لا شريك له، وأن جميع الأشياء تحت قهره وغلبته وسلطانه. (وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ) أي: قوي العقوبة. (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي: (إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا) تبرأ الذين عُبدوا من دون الله كالأوثان والملائكة والجن والشيطان والرؤساء وعيسى ﵇، فكل من عُبِد من دون الله يتبرأ من عابديه (مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا) أي: من أتباعهم. فالملائكة تتبرأ: كما قال تعالى (وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعاً ثُمَّ يَقُولُ لِلْمَلائِكَةِ أَهَؤُلاءِ إِيَّاكُمْ كَانُوا يَعْبُدُونَ قَالُوا سُبْحَانَكَ أَنْتَ وَلِيُّنَا مِنْ دُونِهِمْ بَلْ كَانُوا يَعْبُدُونَ الْجِنَّ أَكْثَرُهُمْ بِهِمْ مُؤْمِنُونَ). وكذلك الشيطان يتبرأ من تابعيه: كما قال تعالى عنه (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدْتُكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُمْ مِنْ سُلْطَانٍ إِلَّا أَنْ دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنْفُسَكُمْ مَا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنْتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِنْ قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ). وكذلك الأوثان تتبرأ من عابديها: قال تعالى (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). والجن تتبرأ منهم وينتصلون من عبادتهم لهم: كما قال تعالى (وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنْ يَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَنْ لا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَنْ دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ. وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ). [بعض العلماء حمل هذه الآية على أن المعبودين من دون الله هم الجن].

стр. 503

وقال تعالى (وَاتَّخَذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ آلِهَةً لِيَكُونُوا لَهُمْ عِزّاً. كَلَّا سَيَكْفُرُونَ بِعِبَادَتِهِمْ وَيَكُونُونَ عَلَيْهِمْ ضِدّاً) أي: سيخونونهم أحوج ما يكونون إليهم. وقال الخليل لقومه (وَقَالَ إِنَّمَا اتَّخَذْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَوْثَاناً مَوَدَّةَ بَيْنِكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ثُمَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَكْفُرُ بَعْضُكُمْ بِبَعْضٍ وَيَلْعَنُ بَعْضُكُمْ بَعْضاً وَمَأْوَاكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). وكذلك الجبابرة والرؤساء والظلمة يتبرأون: قال تعالى (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ مَوْقُوفُونَ عِنْدَ رَبِّهِمْ يَرْجِعُ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ الْقَوْلَ يَقُولُ الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِلَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لَوْلا أَنْتُمْ لَكُنَّا مُؤْمِنِينَ. قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا أَنَحْنُ صَدَدْنَاكُمْ عَنِ الْهُدَى بَعْدَ إِذْ جَاءَكُمْ بَلْ كُنْتُمْ مُجْرِمِينَ). (وَرَأَوُا الْعَذَابَ) أي: عاينوا عذاب الله. (وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبَاب) أي: تقطعت بهم الحيَل وأسباب الخلاص ولم يجدوا عن النار معدلاً ولا مصرفاً. (وَقَالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنَا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَمَا تَبَرَّأُوا مِنَّا) أي: لو أن لنا عودة إلى الدار الدنيا حتى نتبرأ من هؤلاء ومن عبادتهم، فلا نلتفت إليهم بل نوحد الله وحده بالعبادة، وهم كاذبون في هذا كما قال تعالى (ولَوْ رُدُّوا لَعَادُوا لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَإِنَّهُمْ لَكَاذِبُون). (كَذَلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمَالَهُمْ حَسَرَاتٍ عَلَيْهِمْ) أي: أنه تعالى كما أراهم شدة عذابه، كذلك يريهم أعمالهم حسرات عليهم، أي: كذلك يري الله الكافرين أعمالهم الخبيثة حسرات عليهم، لِمَ عملوا بها؟ وهلاّ عملوا بغيرها؟ فندموا على ما فرط منهم من أعمالهم الرديئة إذ رأوا جزاءها من الله وعقابها، لأن الله أخبر أنه يريهم أعمالهم ندماً عليهم. [تفسير الطبري: ٢/ ٩١] فأعمالهم تذهب وتضمحل.

стр. 504

كما قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً). وقال تعالى (مَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ أَعْمَالُهُمْ كَرَمَادٍ اشْتَدَّتْ بِهِ الرِّيحُ فِي يَوْمٍ عَاصِفٍ لا يَقْدِرُونَ مِمَّا كَسَبُوا عَلَى شَيْءٍ ذَلِكَ هُوَ الضَّلالُ الْبَعِيدُ). وقال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ بِقِيعَةٍ يَحْسَبُهُ الظَّمْآنُ مَاءً حَتَّى إِذَا جَاءَهُ لَمْ يَجِدْهُ شَيْئاً وَوَجَدَ اللَّهَ عِنْدَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ). قال تعالى عن يوم القيامة (وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِراً وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً). • قال ابن عاشور: سؤال: لم أضيفت الأعمال إليهم؟ الجواب: وأضيفت هذه الأعمال إليهم من حيث هم مأمورون بها، وأما إضافة الفاسدة إليهم فمن حيث عملوها. • قوله تعالى (حسرات .. ) الحسرة شدة الأسف. (وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنَ النَّارِ) أي: ليس لهم سبيل إلى الخروج من النار، بل هم في عذاب سرمدي وشقاء أبدي. كما قال تعالى (وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لا يُقْضَى عَلَيْهِمْ فَيَمُوتُوا وَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ) وقال تعالى (إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي عَذَابِ جَهَنَّمَ خَالِدُونَ. لا يُفَتَّرُ عَنْهُمْ وَهُمْ فِيهِ مُبْلِسُون). وقال تعالى (يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ وَمَا هُمْ بِخَارِجِينَ مِنْهَا وَلَهُمْ عَذَابٌ مُقِيمٌ). الفوائد: ١ - تحريم اتخاذ الند لله. ٢ - وجوب إخلاص العبادة لله في المحبة. ٣ - أن المحبة من العبادة. ٤ - أن من جعل لله نداً في المحبة فهو ظالم. ٥ - تحريم الظلم، وأشده الشرك بالله تعالى. ٦ - أن المتبوعين بالباطل لا ينفعون أتباعهم. ٧ - ثبوت العقاب. ٨ - ثبوت العذاب. ٩ - تحسر هؤلاء وأمثالهم تحسراً عظيماً. ١٠ - إثبات نكال الله بهم. ١١ - أن المشركين مخلدون في النار. ١٢ - إثبات النار.

стр. 505

(يا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُواْ مِمَّا فِي الأَرْضِ حَلَالاً طَيِّباً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (١٦٨) إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاء وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (١٦٩)). [البقرة: ١٦٨ - ١٦٩]. (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلالاً طَيِّباً) الخطاب لجميع البشر، أي: كلوا مما أحله الله لكم من الطيبات. • قوله تعالى (حلالاً) أي: ما كان حلالاً في كسبه. (طيباً) أي: طيباً في ذاته. نافعاً لآكله في دينه. وهذا القول أولى من قول إن (طيباً) تأكيد، لأن حمل الكلام على التأسيس أولى من حمله على التوكيد. • قوله تعالى (حلالاً طيباً) فلا يجوز أكل الخبيث والمحرّم. (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) نهي من الله عن اتباع خطوات الشيطان وهي: طرائقُه ومسالكه. والخطوات جمع خُطْوة، ويقال بالفتح خَطوة، وهي ما بين القدمين حال الخَطُو. (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) أي: ظاهر العداوة، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله) وثلاثة منها في قوله تعالى (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين) فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك. [تفسير الرازي]. • وقد حذرنا الله في آيات كثيرة عن اتباع خطواته: كما قال تعالى (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (ومِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ). وقال تعالى (إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوّاً إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ). وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ).

стр. 506

• فيجب الحذر من خطوات الشيطان لأنه عدو ظاهر مبين لنا: • فهو يحب أن يحزن المؤمن. كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا) وأحب شيء إلى الشيطان: أن يحزن العبد ليقطعه عن سيره ويوقفه عن سلوكه. • وهو يخوف المؤمنين بالأعداء. كما قال تعالى (إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ) أي: يخوفكم بأوليائه. • ويخوف بالفقر. كما قال تعالى (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ) فيخوف المسلم من الفقر وذلك لأمور: أولاً: ليُمسك عن الصدقة فيحرمه أجرها وثوابها العظيم. ثانياً: ليصيبه بالقلق والحزن. ثالثاً: ليشك بوعد الله (وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه). رابعاً: ليقدم على أكل الحرام خوفاً من الفقر كما قال تعالى (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان إنه لكم عدو مبين). • ويحث على الرياء في الإنفاق والتبذير. قال تعالى (وَالَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِيناً فَسَاءَ قَرِيناً). وكما قال تعالى (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُوراً). • ومن أعماله: الدعوة إلى الكفر والارتداد عن الدين. كما قال تعالى (كَمَثَلِ الشَّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمَّا كَفَرَ قَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ رَبَّ الْعَالَمِينَ). وقال تعالى عن الهدهد (وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ فَهُمْ لا يَهْتَدُونَ). وقال تعالى (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطَانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلَى لَهُمْ). • ومن أعماله: زرع العداوة والبغضاء بين الناس. كما قال تعالى (إِنَّمَا النَّجْوَى مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئاً إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ). وقال تعالى (إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ). وقال تعالى عن يعقوب (قَالَ يَا بُنَيَّ لا تَقْصُصْ رُؤْياكَ عَلَى إِخْوَتِكَ فَيَكِيدُوا لَكَ كَيْداً إِنَّ الشَّيْطَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (وَقُلْ لِعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنْزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنْسَانِ عَدُوّاً مُبِيناً).

стр. 507

• ومن تزيينه تسمية المعاصي بأسماء محببة لكي يخفي خبثها. كما قال لآدم (فَوَسْوَسَ إِلَيْهِ الشَّيْطَانُ قَالَ يَا آدَمُ هَلْ أَدُلُّكَ عَلَى شَجَرَةِ الْخُلْدِ وَمُلْكٍ لا يَبْلَى). قال ابن القيم: وقد ورّث أتباعه تسمية الأمور المحرمة بالأسماء التي تُحِبُ النفوسُ مسمياتها، فسموا الخمر بأم الأفراح. وفي عصرنا يسمون الربا بالفائدة، والتبرج الفاضح بحرية المرأة، والمغنية الفاسقة بالفنانة. • عقبات الشيطان: العقبة الأولى: عقبة الكفر بالله تعالى. فإنه إن ظفر في هذه به بردت نار عداوته واستراح. العقبة الثانية: عقبة البدعة. إما باعتقاد خلاف حق الذي أرسل الله به رسوله وأنزل به كتابه، وإما بالتعبد بما لم يأذن به الله. فإن نجا منها بنور السنة: العقبة الثالثة: عقبة الكبائر. فإن ظفر به فيها زينها له، وحسنها في عينه، وسوّف به. فإن قطع هذه العقبة بعصمة من الله أو بتوبة نصوح طلبه على: العقبة الرابعة: عقبة الصغائر. فكان له منها بالقُفز، وقال: ما عليك إذا اجتنبت الكبائر ما غشيت من اللمم، أوَما علمت بأنها تكفّر باجتناب الكبائر وبالحسنات، ولا يزال يهون عليه أمرها حتى يصر عليها، فيكون مرتكب الكبيرة الخائف الوجل النادم أحسن حالاً منه.

стр. 508

العقبة الخامسة: عقبة المباحات التي لا حرج على فعلها. فشغله بها عن الاستكثار من الطاعات، وعن الاجتهاد في التزود لمعاده، وأقل ما ينال منه: تفويته الأرباح والمكاسب العظيمة والمنازل العالية. العقبة السادسة: عقبة الأعمال المرجوحة المفضولة من الطاعات. فأمره بها وحسنها في عينه، وزينها له، وأراه ما فيها من الفضل والربح، ليشغله بها عما هو أفضل منها، وأعظم كسباً وربحاً؟ [مدارج السالكين: ١/ ٢٣٧]. (إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لا تَعْلَمُونَ) فهذا كالتفصيل لجملة عداوته، وهو مشتمل على أمور ثلاثة: أولها: السوء، وهو متناول جميع المعاصي سواء كانت تلك المعاصي من أفعال الجوارح أو من أفعال القلوب، أي: إنما يأمركم عدوكم الشيطان بالأفعال السيئة. وثانيها: الفحشاء: وهي نوع من السوء، لأنها أقبح أنواعه، وهو الذي يستعظم ويستفحش من المعاصي. وثالثها: (أَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لَا تَعْلَمُونَ) وكأنه أقبح أنواع الفحشاء، لأنه وصف الله تعالى بما لا ينبغي من أعظم أنواع الكبائر، فصارت هذه الجملة كالتفسير لقوله تعالى (وَلَا تَتَّبِعُواْ خطوات الشيطان) فيدخل في الآية أن الشيطان يدعو إلى الصغائر والكبائر والكفر والجهل بالله. • قوله تعالى (والسوء) أي الأعمال السيئة، وسميت سيئة، لأنها تسوء صاحبها في الدنيا وفي الآخرة، في الدنيا بظهور آثارها عليه من الهمّ والضيق في الصدر والخلق والرزق، فيفقد من السعادة في الحياة بقدر ما عمل من السوء، قال تعالى (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ وَمَنْ يُرِدْ أَنْ يُضِلَّهُ يَجْعَلْ صَدْرَهُ ضَيِّقاً حَرَجاً كَأَنَّمَا يَصَّعَّدُ فِي السَّمَاءِ) وقال تعالى (أَفَمَنْ شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلامِ فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ فَوَيْلٌ لِلْقَاسِيَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ). وتسوؤه آجلاً بعد موته لمعاقبته عليها إن لم يتب منها أو يتداركه الله بعفوه، وربما تسوء غيره بأن يتعدى ضررها إلى الغير مباشرة، أو بأن يكون لها أثرها السيئ على البلاد والعباد عامة بمحق البركات وقلة الخيرات، كما قال تعالى (ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ) وقال ﷺ (ما منع قوم زكاة أموالهم إلا منعوا القطر من السماء). رواه ابن ماجه

стр. 509

• قوله تعالى (والفحشاء … ) أي: الزنا واللواط هذه نوع من السوء، فيكون من باب عطف الخاص على العام، فالفحشاء: ما قبح من الأعمال الشنيعة. الفوائد: ١ - منّة الله على عباده، حيث أباح لهم جميع ما في الأرض. ٢ - أن الأصل في الأشياء الطهارة. ٣ - تحريم اتباع خطوات الشيطان. ٤ - ينبغي على المسلم معرفة عدوه الشيطان ليتجنبه. ٥ - تأكيد عداوة الشيطان لبني آدم. ٦ - أن الشيطان لا يأمر بالخير. ٧ - أن الإنسان إذا وقع في قلبه همّ بالسيئة أو بالفاحشة فليعلم أنها من الشيطان. ٨ - تحريم القول على الله بلا علم. ٩ - أن القول على الله بلا علم من أوامر الشيطان.

стр. 510

(وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنزَلَ اللَّهُ قَالُواْ بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلَا يَهْتَدُونَ (١٧٠) وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لَا يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (١٧١)). [البقرة: ١٧٠ - ١٧١]. (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ) قيل: المراد بهؤلاء: متخذي الأنداد، ويكون المعنى: ومن الناس من يتخذ من دون الله أنداداً يحبونهم كحب الله، وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، واختاره ابن كثير حيث لم يذكر في تفسيره غيره. [تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٠]. وقيل: أن المراد (وإذا قيل لهم) أي الناس الذين خوطبوا بقوله (يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً) والمعنى: يا أيها الناس كلوا مما في الأرض حلالاً طيباً ولا تتبعوا خطوات الشيطان … وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا، وهذا اختيار ابن جرير الطبري ﵀. [تفسير الطبري: ٢/ ٩٤]. (اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ) على رسوله، واتركوا ما أنتم عليه من الضلالة والجهل. • فيه وجوب اتباع ما أنزل الله: كما قال تعالى (اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلاً مَا تَذَكَّرُونَ). وقال تعالى (اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ). (قَالُوا) في جواب ذلك: (بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) بل نتبع ما وجدنا عليه آباءنا، أي: من عبادة الأصنام والأنداد، كما في الآية الأخرى (وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا) والقرآن يفسر بعضه بعضاً. قال الرازي: (أَلْفَيْنَا) بمعنى وجدنا، بدليل قوله تعالى في آية أخرى (بَلْ نَتَّبِعُ مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ ءَابَاءَنَا) ويدل عليه أيضاً قوله تعالى (إِنَّهُمْ أَلْفَوْاْ ءَابَاءهُمْ ضَالّينَ).

стр. 511

قال تعالى منكراً عليهم: (أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ) الذين يقتدون بهم ويقتفون أثرهم. (لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ) أي: ليس لهم فهم ولا هداية. (وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: فيما هم فيه من الغي والضلال والجهل. (كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إِلَّا دُعَاءً وَنِدَاءً) أي: كالدواب السارحة التي لا تفقه ما يقال لها، بل إذا نعق بها راعيها، أي: دعاها إلى ما يرشدها لا تفقه ما يقول ولا تفهمه، بل إنما تسمع صوته فقط. هذا التأويل الأول للآية: أي: مثل واعظ الذين كفروا الذي يعظهم مع هؤلاء الكفار كمثل صاحب بقر أو غنم أو بهيمة يناديها وينعق بها فتسمع ما يقول لكنها لا تفقه منه شيئاً، واختار هذا ابن كثير. • قال السعدي: … أخبر تعالى أن مثلهم - عند دعاء الداعي لهم إلى الإيمان - كمثل البهائم التي ينعق لها راعيها، وليس لها علم بما يقول راعيها ومناديها. وعلى هذا القول يكون المثل قد ضُرب بالمدعو الذي لا يستجيب لا الداعي. والتأويل الثاني: أن هذا مثل ضرب لهم في دعائهم الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر ولا تعقل شيئاً، ورجح هذا ابن جرير. وعلى هذا القول يكون هذا المثل في حال المشركين مع معبوداتهم، والأول أصح.

стр. 512

(صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ) أي: صم عن سماع الحق، بكم لا يتفوهون به، عمي عن رؤية طريقه ومسلكه. (فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ) أي: لا يعلمون شيئاً ولا يفهمونه. الفوائد: ١ - ذم التعصب بغير هدى. ٢ - أن من تعصب لمذهب مع مخالفة الدليل ففيه شبه من هؤلاء. ٣ - وجوب اتباع ما أنزل الله. ٤ - أن كل من خالف الحق، وما أنزل الله فليس بعاقل، وليس عنده هدى، وقد قال تعالى (فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدىً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ). ٥ - ذم من يسمع ولا يستجيب. ٦ - أن من يسمع الحق ولا يستجيب له فيه شبه من هؤلاء الذين ذكرهم الله. ٧ - فضل من سمع الحق واستجاب له وقد قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ). وقال تعالى (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعاً فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدىً فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقَى). ٨ - أن من طبع الله على قلبه فإنه يكون كالبهيمة، فلا يسمعون الحق ولا يقولون به.

стр. 513

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَاشْكُرُواْ لِلّهِ إِن كُنتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ (١٧٢) إنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ وَالدَّمَ وَلَحْمَ الْخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٧٣)). [البقرة: ١٧٢ - ١٧٣]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ) يأمر الله تعالى عباده المؤمنين أن يأكلوا من طيبات ما رزقهم تعالى. والآيات الدالة على إباحة الطيبات وتحريم الخبائث كثيرة: قال تعالى (ويُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ). وقال تعالى (يَسْأَلونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ). وقال تعالى (الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ). والله أمر المرسلين بذلك فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الرُّسُلُ كُلُوا مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَاعْمَلُوا صَالِحاً إِنِّي بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ) وفي الحديث قال ﷺ (إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً .. ). • واختلف بالمراد بالطيب الذي أباحه الله: فقيل: الطيبات هي المحللات، وقيل: المراد بالطيبات ما تستطبه العرب، وقيل: الطيبات التي أحلها الله ما كان نافعاً لآكلهِ في دينه، وهذا اختيار ابن تيمية. • هذه الآية تدل على أن الأصل في الأشياء الحل والإباحة. (وَاشْكُرُوا لِلَّهِ) أي: قوموا بشكره على نعمه عليكم، بقلوبكم وألسنتكم وجوارحكم. [وقد تقدم مباحث الشكر] (إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ) أي: اشكروا لله تعالى إن كنتم فعلاً تعبدونه وتخضعونه له. والعبادة: هي التذلل لله بالطاعة، وذلك بفعل أوامره واجتناب نواهيه. • إن رزق الله للعبد يستلزم شكره: فسليمان عندما رأى عرش بلقيس عنده مستقراً (هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ).

стр. 514

ونبينا ﷺ كان يقوم الليل حتى تتفطر قدماه، ويقول: أفلا أحب أن أكون عبداً شكوراً. (إِنَّمَا حَرَّمَ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةَ) أي: ما حرم عليكم ربكم إلا الخبائث كالميتة وهي: التي تموت حتف أنفها من غير تذكية وسواء كانت منخنقة أو موقوذة أو متردية أو نطيحة. • والميتة إنما حرمت لاحتقان الرطوبات والفضلات والدم الخبيث فيها، والذكاة لما كانت تزيل ذلك الدم والفضلات كانت سبب الحل. • يستثنى من ذلك: ميتة البحر لقوله تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ)، قال ابن عباس: صيد البحر ما أخذ حي، وطعامه ما أخذ ميتاً. وعن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال في البحر (هو الطهور ماؤه الحل ميتته) رواه أبو داود. ويستثنى كذلك الجراد. (وَالدَّمَ) أي: وحرم عليكم الدم، والمراد هنا الدم المسفوح كما قال تعالى (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ). (وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ) أي: وحرم عليكم لحم الخنزير. قال القرطبي: لا خلاف في تحريم خنزير البر. وقد ذكر الله تحريمه في عدة آيات: فقال تعالى كما في سورة المائدة (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ). وقال تعالى في سورة الأنعام (قُلْ لا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّماً عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَماً مَسْفُوحاً أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ). • وهو حيوان سمج والعين تكرهه، له نابان كنابي الفيل، ورأسه كرأس الجاموس، وهو حرام لحمه وشحمه وجميع أجزائه. • الحكمة من تحريمه: كثرة الديدان في لحم الخنزير، ولأن أشهى غذائه القاذورات والنجاسات، وأكل لحمه من أسباب الدودة الوحيدة القاتلة، ويقال: إن له تأثيراً سيئاً في العفة والغيرة. (وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ) الإهلال المراد به رفع الصوت، والمعنى: وما ذبح وذكر عليه اسم غير الله ﵎، وكانوا يذكرون اسم آلهتهم على الذبيحة ويرفعون أصواتهم بذلك.

стр. 515

(فَمَنِ اضْطُرَّ) أي: ألجأته الضرورة إلى الأكل من المحرمات. لكن بشرط: (غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ) لا يكون باغياً ولا عادياً [وسيأتي المراد بهما] (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: فلا عقوبة عليه في الأكل. • في هذه الآية جواز الأكل من الميتة عند الضرورة، وهنا مباحث: أولاً: تعريف الضرورة لغة وشرعاً: قال ابن منظور: الاضطرار الاحتياج إلى الشيء وقد اضطره إليه أمر. وشرعاً: للضرورة تعاريف متقاربة في المعنى عند الفقهاء، ومن ذلك ما يأتي: قيل: إنها بلوغه حداً إن لم يتناول الممنوع هلك إذا قارب وهذا يبيح تناول الحرام. وقيل: ومعنى الضرورة هاهنا خوف الضرر على نفسه أو بعض أعضائه بتركه الأكل، والمعنى متقارب. ثانياً: بيان حد الاضطرار الذي يبيح تناول المحرم: حد الاضطرار هنا يتبين من مجموع الآيات الواردة في الموضوع، وهي: قوله تعالى (وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إِلَّا مَا اضْطُرِرْتُمْ إِلَيْهِ). فأطلق في هذه الآية الإباحة بوجود الضرورة في كل حال وجدت الضرورة فيها. قوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ). فقيد الإباحة في هذه الآية بأن يكون المضطر غير باغ ولا عاد لكنه لم يبين سبب الاضطرار ولم يبين المراد بالباغي والعادي. قوله تعالى (فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). فبين سبحانه سبب الاضطرار وهو المخمصة. وإذاً: يمكننا أن نقول: إن حد الاضطرار المبيح لتناول المحرم هو أن يخاف على نفسه التلف بسبب الجوع ولم يجد ما يتغذى به من الحلال، بشرط أن يكون غير متجانف لإثم، وهو الباغي والعادي. • وقد اختلف العلماء في المراد بالباغي والعادي على قولين: القول الأول: أن المراد بالباغي هو الخروج على إمام المسلمين، والإثم الذي يتجانف إليه العادي هو إخافة الطريق وقطعها على المسلمين، ويلحق بذلك كل سفر معصية لله، لأن في ذلك إباحة على المعصية وذلك لا يجوز. فعلى هذا القول: الباغي: الخارج على الإمام، والعادي: قاطع الطريق، وكل مسافر سفر معصية.

стр. 516

القول الثاني: أن المراد بالباغي: الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه. ورجح هذا التفسير شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، وقال: وأما الآية فأكثر المفسرين قالوا: المراد بالباغي الذي يبغي المحرم من الطعام مع قدرته على الحلال، والعادي الذي يتعدى القدر الذي يحتاج إليه، وهذا التفسير هو الصواب، وهو قول أكثر السلف … وليس في الشرع ما يدل على أن العاصي بسفره لا يأكل الميتة ولا يقصر، بل نصوص الكتاب والسنة عامة مطلقة. ورجح هذا القول القرطبي والإمام ابن جرير. ثالثاً: بيان حكم تناول الطعام المحرم في حال الضرورة. اختلف العلماء في ذلك على قولين: القول الأول: يجب على المضطر الأكل من الميتة ونحوها. وهذا قول الحنفية والصحيح من مذهب المالكية وأحد الوجهين في مذهب الحنابلة، وأصح الوجهين عند الشافعية. لقوله تعالى (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ). ولقوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) وترك الأكل مع إمكانه في هذه الحال؛ إلقاء بيده إلى التهلكة، ولأنه قادر على إحياء نفسه بما أحل الله له فلزمه، كما لو كان معه طعام حلال. القول الثاني: أنه لا يلزمه في هذه الحال الأكل من المحرم. لأن له غرضاً في تركه وهو أن يتجنب ما حرم عليه، ولأن إباحة الأكل رخصة فلا تجب عليه كسائر الرخص. والراجح القول الأول أنه يجب عليه أن يأكل في هذه الحال، وهو اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀، حيث قال: ويجب على المضطر أن يأكل ويشرب ما يقيم به نفسه، فمن اضطر إلى الميتة أو الماء النجس فلم يشرب ولم يأكل حتى مات دخل النار. رابعاً: بيان مقدار ما يباح للمضطر تناوله من المحرم. يباح له أكل ما يسد به الرمق ويأمن معه الموت بالإجماع، ويحرم ما زاد على الشبع بالإجماع. واختُلف في حكم الشبع على ثلاثة أقوال: القول الأول: لا يباح له الشبع. وهو قول أبي حنيفة وأحد الروايتين عن أحمد وأحد القولين للشافعي. وهو قول ابن الماجشون من المالكية. قالوا: لأن الآية دلت على تحريم ما ذكر فيها، واستثنى ما اضطر إليه، فإذا اندفعت الضرورة لم يحل الأكل كحال الابتداء. ولأنه بعد سد الرمق غير مضطر فلم يحل له الأكل للآية، يحققه أن حاله بعد سد رمقه كحاله قبل أن يضطر وثم لم يبح له الأكل كذا هاهنا. القول الثاني: أن له الشبع. وهذا قول مالك وأحد القولين في مذهب الشافعي.

стр. 517

لحديث جابر بن سمرة (أن رجلاً نزل الحرة فنفقت عنده ناقة، فقالت له امرأته: اسلخها حتى نقدر شحمها ولحمها ونأكله، فقال: حتى أسأل رسول الله ﷺ ، فسأله فقال: (هل عندك غنى يغنيك؟) قال: لا، قال: فكلوها) فأطلق النبي ﷺ الأمر بأكل ولم يحدد. القول الثالث: التفصيل بين من يخشى استمرار الضرورة فيحل له الشبع، ومن ضرورته مرجوة الزوال فلا يحل له إلا سد الرمق، لأن من ضرورته مستمرة إذا اقتصر على سد الرمق عادت الضرورة إليه عن قرب ولا يتمكن من البعد من الميتة مخافة الضرورة، ويفضي إلى ضعف بدنه، وربما أدى ذلك إلى تلفه بخلاف من ليست ضرورته مستمرة فإنه يرجو الغنى عنها بما يحل له. وهذا احتمال في مذهب الحنابلة، ذكره صاحب المغني، وقول في مذهب الشافعي. وهذا القول هو الراجح. خامساً: هل يجوز للمضطر أن يتزود من الطعام المحرم؟ الصحيح أنه يجوز له ذلك، وهذا قول مالك ورواية عن أحمد وهو قول الشافعية. لأنه لا ضرر في استصحابها ولا في إعدادها لدفع ضرورته وقضاء حاجته، ولا يأكل منها إلا عند ضرورته. سادساً: إذا وجد المضطر ميتة وطعام الغير بحيث لا قطع فيه ولا أذى، فإنه لا يحل له أكل الميتة بل يأكل طعام الغير. سابعاً: كل المحرمات إذا اضطر إليها، وزالت بها الضرورة كانت مباحة، قلنا (وزالت بها الضرورة) احترازاً مما لا تزول به الضرورة، كما إذا ما اضطر الإنسان إلى أكل سم، فلا يجوز أن يأكل، لأنه لا تزول بها ضرورته، بل يموت به، ولو اضطر إلى شرب خمر لعطش لم يحل له، لأنه لا تزول به ضرورته، ولذلك لو احتاج إلى شربه لدفع لقمة غص بها حل له، لأنه تزول به ضرورته.

стр. 518

ثامناً: لو اضطر لميتة آدمي، فالمشهور عند الحنابلة أنه لا يجوز أن يأكلها، وقالت الشافعية: إنه يجوز أكلها عند الضرورة، وهو الصحيح. (الشيخ ابن عثيمين). (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) هذا تعليل للحكم، فالحكم انتفاء الإثم، والعلة (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). (غَفُورٌ) سبق شرحها. • قال السعدي: ولما كان الحل مشروطاً بهذين الشرطين، وكان الإنسان في هذه الحالة، ربما لا يستقصي تمام الاستقصاء في تحقيقها، أخبر تعالى أنه غفور، فيغفر ما أخطأ فيه في هذه الحال، خصوصاً وقد غلبته الضرورة، وأذهبت حواسه المشقة. وفي هذه الآية دليل على القاعدة المشهورة (الضرورات تبيح المحظورات) فكل محظور، اضطر إليه الإنسان، فقد أباحه له، الملك الرحمن، فله الحمد والشكر، أولاً وآخراً، وظاهراً وباطناً. (رَحِيمٌ) ومن رحمته أنه أباح المحرمات حال الضرورة، ومن رحمته يغفر الزلات والخطيئات. الفوائد: ١ - فضيلة الإيمان. ٢ - الأمر بالأكل من طيبات ما رزق الله. ٣ - أن الخبائث لا يؤكل منها. ٤ - أن ما يحصل للإنسان من مأكول فإنه من رزق الله. ٥ - وجوب شكر الله. ٦ - وجوب الإخلاص لله تعالى. ٧ - أن الشكر من تحقيق العبادة. ٨ - تحريم أكل الميتة. ٩ - نجاسة الميتة والدم ولحم الخنزير وكل ما أهل لغير الله. ١٠ - أن التحريم والتحليل إلى الله. ١١ - أن الضرورة تبيح المحظور، لكن هذه الضرورة تبيح المحرم بشرطين: الأول: صدق الضرورة، بحيث لا يندفع الضرر إلا بتناول المحرّم. والثاني: زوال الضرورة به حيث يندفع الضرر، كما تقدم. ١٢ - أن تناول المحرم بدون عذر إثم ومعصية. ١٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور، والرحيم.

стр. 519

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَنًا قَلِيلاً أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ النَّارَ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٤) أُولَئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُاْ الضَّلَالَةَ بِالْهُدَى وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ (١٧٥) ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُواْ فِي الْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ (١٧٦)). [البقرة: ١٧٤ - ١٧٦]. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ الْكِتَابِ) يعني اليهود الذين كتموا صفة محمد ﷺ في كتبهم التي بأيديهم مما تشهد له بالرسالة والنبوة، فكتموا ذلك لئلا تذهب رياستهم وما كانوا يأخذونه من العرب من الهدايا والتحف، فخشوا - لعنهم الله - إن أظهروا ذلك أن يتبعه الناس ويتركوهم، فكتموا ذلك إبقاءً على ما كان يحصل لهم من ذلك، وهو نزر يسير، فباعوا أنفسهم بذلك واعتاضوا عن الهدى واتباع الحق وتصديق الرسول والإيمان بما جاء عن الله بذلك النزر اليسير، فخابوا وخسروا في الدنيا والآخرة. ولهذا قال تعالى: (وَيَشْتَرُونَ بِهِ ثَمَناً قَلِيلاً) الضمير في قوله (به) يرجع إلى الشيء المكتوم، أي: أنهم يشترون بالشيء الذي كتموه ثمناً قليلاً من متاع الدنيا، كالرشا أو المناصب أو الجاه عند أتباعهم. • معنى اشتروا: أي استعاضوا عنه بثمن قليل من المنافع الدنيوية. • وسماه قليلاً لانقطاع مدته وسوء عاقبته. • وفي الآية أن من موانع الهداية أن يكون للإنسان في الباطل شهرة ومكانة. • وهذه الآية وإن كانت في اليهود لكنها لا تختص بهم، فكل من كتم علماً فهو داخل في هذه الآية. • قال الشيخ ابن عثيمين: المنحرف عن الدين وعن نشر العلم ينحرف لأحد سببين: السبب الأول: خشية الناس. السبب الثاني: الطمع في الدنيا. قال تعالى في سورة المائدة (فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَناً قليلاً). (أُولَئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) أي: إنما يأكلون ما يأكلونه في مقابلة كتمان الحق ناراً تأجج في بطونهم يوم القيامة كما قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً) وفي الحديث الصحيح عن رسول الله ﷺ (إن الذي يأكل أو يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم). [تفسير ابن كثير: ١/ ٩٢]

стр. 520

وقيل: معنى (مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلَّا النَّارَ) أي: أنه يوجب عليهم عذاب النار، فسمى ما أكلوه (من الرشا وغيرها) ناراً لأنه يؤول بهم إليها، وما ذكره ابن كثير أقرب وأصح. • وهذا الحكم وإن كان خاصاً فالاعتبار بعموم اللفظ، فهو يشمل كل من كتم ما شرعه الله، وأخذ عليه الرشا. (وَلا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) أي: لا يكلمهم تكليم رضا، فالنفي هنا ليس نفياً لمطلق الكلام، وإلا فالله يكلم الكفار ويوبخهم كما قال تعالى (قَالُوا رَبَّنَا غَلَبَتْ عَلَيْنَا شِقْوَتُنَا وَكُنَّا قَوْماً ضَالِّينَ. رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْهَا فَإِنْ عُدْنَا فَإِنَّا ظَالِمُونَ. قَالَ اخْسَأُوا فِيهَا وَلا تُكَلِّمُونِ). • يوم القيامة، سمي بذلك: أولاً: لأن الناس يقومون من قبورهم، قال تعالى (يوم يقوم الناس لرب العالمين). ثانياً: ولقيام الأشهاد، لقوله تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: ولقيام الملائكة، لقوله تعالى (يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلائِكَةُ صَفّاً … ). (وَلا يُزَكِّيهِمْ) أي: لا يثني عليهم بخير. (وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: موجع، والعذاب هو: النكال والعقوبة. (أُولَئِكَ) المشار إليهم (الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب). (الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدَى) أي: (الَّذِينَ اشْتَرَوُا) أي: اختاروا واعتاضوا (الضَّلالَةَ) وهي هنا كتمان العلم، وهو تكذيب النبي ﷺ وكتم صفته التي في كتبهم (بِالْهُدَى) وهو نشر ما في كتبهم من صفة الرسول وذكر مبعثه والبشارة به واتباعه وتصديقه. • قال أبو حيان: وفي لفظ اشتروا إشعار بإيثارهم الضلالة والعذاب، لأن الإنسان لا يشتري إلا ما كان له فيه رغبة ومودة، واختيار وذلك يدل على نهاية الخسارة، وعدم النظر في العواقب. • قال الشيخ ابن عثيمين: (اشتروا) بمعنى اختاروا، ولكنه عبر بهذا، لأن المشتري طالب راغب في السلعة، فكان هؤلاء - والعياذ بالله - طالبون راغبون في الضلالة بمنزلة المشتري.

стр. 521

(وَالْعَذَابَ بِالْمَغْفِرَةِ) أي: واختاروا العذاب بالمغفرة، وهو ما تعاطوه من أسبابه المذكورة وهو كتم العلم. (فَمَا أَصْبَرَهُمْ عَلَى النَّارِ) هذه الآية للتعجب، قال الطبري: أي: ما أجرأهم على النار، أي: ما أجرأهم على عذاب النار وأعملهم بأعمال أهلها. • وقال ابن كثير: يخبر تعالى أنهم في عذاب شديد هائل يتعجب من رآهم فيها من صبرهم على ذلك مع شدة ما هم فيه من العذاب والنكال والأغلال عياذاً بالله من ذلك. [تفسير ابن كثير: ١/ ١٩٢]. وقيل: إن (ما) استفهامية، والمعنى: ما الذي أصبرهم على النار؟ والقول الأول هو الصحيح وهو مذهب الجمهور كما ذكر ذلك الشوكاني. (ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ نَزَّلَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ) أي: ذلك العذاب الذي يجازون به بسبب كتمهم للكتاب، بسبب أن الله أنزل الكتاب -التوراة - بالحق، فكفروا به واختلفوا فيه. وقيل: المراد ب (الكتاب) جنس الكتب ويشمل التوراة والإنجيل والقرآن. (وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْكِتَابِ) قيل: المراد بالكتاب التوراة، والذين اختلفوا فيه هم اليهود والنصارى، وقيل: المراد بالكتاب القرآن، والذين اختلفوا فيه هم اليهود والنصارى والمشركين، فبعضهم يقول: هو سحر، وبعضهم يقول: هو شعر، وبعضهم يقول: كهانة. (لَفِي شِقَاقٍ بَعِيد) أي: في خلاف بعيد عن الحق والصواب مستوجب لأشد العذاب. الفوائد: ١ - تحريم كتم العلم. ٢ - أن كتم العلم من صفات اليهود. ٣ - عظم جرم كتم العلم. ٤ - وجوب نشر العلم. ٥ - أن الكتب منزلة من عند الله. ٦ - علو الله . ٧ - أن متاع الدنيا قليل ولو كثر. ٨ - خطر فتنة الدنيا، ولذلك قال ﷺ (فاتقوا الدنيا .. ). ٩ - إقامة العدل في الجزاء. ١٠ - إثبات الكلام لله تعالى.

стр. 522

(لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ (١٧٧)). [البقرة: ١٧٧]. (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ) لما أمر الله تعالى المؤمنين أولاً بالتوجه إلى بيت المقدس، ثم حولهم إلى الكعبة، شق ذلك على نفوس طائفة من أهل الكتاب وبعض المسلمين، فأنزل الله تعالى بيان حكمته في ذلك، وهو أن المراد إنما هو طاعة الله ، وامتثال أوامره، والتوجه حيثما وجه، واتباع ما شرع، فهذا هو البر والتقوى والإيمان الكامل، وليس في لزوم التوجه إلى جهة المشرق أو المغرب بر ولا طاعة إن لم يكن عن أمر الله وشرعه، ولهذا قال (لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ … ) وقال الثوري: (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ … ) قال: هذه أنواع البر كلها. قال ابن كثير: وصدق ﵀، فإن من اتصف بهذه الآية، فقد دخل في عرى الإسلام كلها وأخذ بمجامع الخير كله. • البر اسم جامع للطاعات، وأعمال الخير المقربة إلى الله تعالى. (مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ) الإيمان بالله يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بوجود الله تعالى. وقد دل على وجوده: الفطرة، والعقل، والشرع، والحس. أما دلالة الفطرة على وجوده: فإن كل مخلوق قد فطر على الإيمان بخالقه. وأما دلالة العقل على وجوده تعالى: فلأن هذه المخلوقات سابقها ولاحقها، لا بد لها من خالق أوجدها، إذ لا يمكن أن توجد نفسها بنفسها، ولا يمكن أن توجد صدفة. وأما دلالة الحس على وجود الله: فإننا نسمع ونشاهد من إجابة الداعين، وغوث المكروبين، ما يدل دلالة قاطعة على وجوده تعالى، قال تعالى: (وَنُوحاً إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ). الثاني: الإيمان بربوبيته. أي بأنه وحده الرب لا شريك له ولا معين. الثالث: الإيمان بألوهيته. أي بأنه وحده الإله لا شريك له. الرابع: الإيمان بأسمائه وصفاته. أي إثبات ما أثبته الله لنفسه في كتابه، أو سنة رسوله ﷺ من الأسماء والصفات على الوجه اللائق به من غير تحريف ولا تعطيل ولا تكييف ولا تمثيل. (وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) ويشمل الإيمان بجميع ما يكون بعد الموت. (وَالْمَلائِكَةِ) الملائكة: عالم غيبي مخلوقون، عابدون لله تعالى، وليس لهم من خصائص الروبية والألوهية شيء، خلقهم الله تعالى من نور، ومنحهم الانقياد التام لأمره، والقوة على تنفيذه.

стр. 523

والإيمان بالملائكة يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بوجودهم. الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم باسمه، كجبريل، ومن لم نعلم اسمه نؤمن بهم إجمالاً. الثالث: الإيمان بما علمنا من صفاتهم، كصفة جبريل، فقد أخبر النبي ﷺ أنه رآه على صفته التي خلق عليها وله ستمائة جناح قد سد الأفق. الرابع: الإيمان بما علمنا من أعمالهم التي يقومون بها بأمر الله تعالى، وقد يكون لبعضهم أعمال خاصة. (وَالْكِتَابِ) اسم جنس يشمل جميع الكتب المنزلة على الأنبياء حتى ختمت بأشرفها وهو القرآن المهيمن على ما قبله من الكتب الذي انتهى إليه كل خير واشتمل على كل سعادة في الدنيا والآخرة، ونسخ به كل ما سواه من الكتب قبله. • والإيمان بالكتب يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن نزولها من عند الله حقاً. الثاني: الإيمان بما علمنا اسمه من عند الله باسمه. الثالث: تصديق ما صح من أخبارها، كأخبار القرآن، وأخبار ما لم يبدل أو يحرف من الكتب السابقة. الرابع: العمل بأحكام ما لم ينسخ منها، والرضا والتسليم به. (وَالنَّبِيِّينَ) أي: وآمن برسل الله كلهم من أولهم إلى آخرهم. والإيمان بالرسل والأنبياء يتضمن أربعة أمور: الأول: الإيمان بأن رسالتهم حق من الله تعالى. الثاني: الإيمان بمن علمنا اسمه منهم، مثل: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وأما من لم نعلم اسمه منهم فنؤمن به إجمالاً. الثالث: تصديق ما صح عنهم من أخبارهم. الرابع: العمل بشريعة من أرسل إلينا منهم، وهو خاتمهم محمد ﷺ . (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) أي أخرجه وهو محب له راغب فيه، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة مرفوعاً (أفضل الصدقة أن تصدق وأنت صحيح شحيح، تأمل الغنى وتخشى الفقر). • وهذه الآية مثل: قوله تعالى (وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً. إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزَاءً وَلا شُكُوراً). وقوله (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ). وقوله (وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).

стр. 524

• فقوله تعالى (على حبه) على حب المال، هذا القول هو الصحيح، وهو قول الأكثر، خلافاً لمن قال إن الضمير في قوله (على حبه) يرجع إلى الله، أو من قال يرجع إلى الإيتاء، أي على حب الإيتاء. • فإنفاق المال على حبه من أفضل القربات وأعظمها، لأن المال محبوب للنفس. • واختلف العلماء في هذه الآية (وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ) فقيل: يَحْتَمِلُ بِهِ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الصَّدَقَةَ الْوَاجِبَةَ ويحتمل: أَنْ يُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهَا الْوَاجِبَةُ، وَإِنَّمَا فِيهَا حَثٌّ عَلَى الصَّدَقَةِ، وَوَعْدٌ بِالثَّوَابِ عَلَيْهَا؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ مَا فِيهَا أَنَّهَا مِنْ الْبِرِّ، وَهَذَا لَفْظٌ يَنْطَوِي عَلَى الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ، إلَّا أَنَّ فِي سِيَاقِ الْآيَةِ، وَنَسَقِ التِّلَاوَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ الزَّكَاةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى (وَأَقَامَ الصَّلَاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ) فَلَمَّا عَطَفَ الزَّكَاةَ عَلَيْهَا دَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ الزَّكَاةَ بِالصَّدَقَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا. • قال الرازي: وهذا التأويل يدل على أن الصدقة حال الصحة أفضل منها عند القرب من الموت، والعقل يدل على ذلك أيضاً من وجوه: أحدها: أن عند الصحة يحصل ظن الحاجة إلى المال وعند ظن قرب الموت يحصل ظن الاستغناء عن المال، وبذل الشيء عند الاحتياج إليه أدل على الطاعة من بذله عند الاستغناء عنه على ما قال (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ). وثانيها: أن إعطاءه حال الصحة أدل على كونه متيقناً بالوعد والوعيد من إعطاءه حال المرض والموت. وثالثها: أن إعطاءه حال الصحة أشق، فيكون أكثر ثواباً قياساً على ما يبذله الفقير من جهد المقل فإنه يزيد ثوابه على ما يبذله الغني. ورابعها: أن من كان ماله على شرف الزوال فوهبه لأحد مع العلم بأنه لو لم يهبه لضاع فإن هذه الهبة لا تكون مساوية لما إذا لم يكن خائفاً من ضياع المال ثم إنه وهبه منه طائعاً وراغباً فكذا ههنا. وخامسها: أنه متأيد بقوله تعالى (لَن تَنَالُواْ البر حتى تُنفِقُواْ مِمَّا تُحِبُّونَ) وقوله (وَيُطْعِمُونَ الطعام على حُبّهِ) أي على حب الطعام. • وقال السعدي: بيَّن به أن المال محبوب للنفوس، فلا يكاد يخرجه العبد، فمن أخرجه مع حبه له تقرباً إلى الله تعالى، كان هذا برهاناً لإيمانه.

стр. 525

ومن إيتاء المال على حبه: أن يتصدق وهو صحيح شحيح، يأمل الغنى، ويخشى الفقر، وكذلك إذا كانت الصدقة عن قلة، كانت أفضل، لأنه في هذه الحال، يحب إمساكه، لما يتوهمه من العدم والفقر. وكذلك إخراج النفيس من المال، وما يحبه من ماله كما قال تعالى (لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ) فكل هؤلاء ممن آتى المال على حبه. (تفسير السعدي). (ذَوِي الْقُرْبَى) وهم قرابات الرجل، وهم أولى من أعطي من الصدقة كما ثبت في الحديث (الصدقة على المساكين صدقة، وعلى ذوي الرجم ثنتان: صدقة وصلة) رواه الترمذي، فهم أولى الناس بك وببرِك وإحسانِك، وقد أمر الله تعالى بالإحسان إليهم في غير موضع من كتابه العزيز. (وَالْيَتَامَى) هم الذين لا كاسب لهم، وقد مات آباؤهم وهم ضعفاء صغار دون البلوغ والقدرة على التكسب. (وَالْمَسَاكِينَ) وهم الذين لا يجدون ما يكفيهم في قوتهم وكسوتهم وسكناهم، فيعطون ما تسد به حاجتهم وخلتهم. • قيل: سمي المسكين بذلك لأن الفقر أسكنه، وقيل: سمي بذلك لأنه ساكن إلى الناس من أجل أن يجد كفايته. (وَابْنَ السَّبِيلِ) وهو المسافر المجتاز الذي قد فرغت نفقته، فيعطى ما يوصله إلى بلده، وكذا الذي يريد سفراً في طاعة الله، فيعطى ما يكفيه في ذهابه وإيابه.

стр. 526

• والسبيل الطريق، وسمي بابن السبيل لأنه ملازم لها. (وَالسَّائِلِينَ) وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات. (وَفِي الرِّقَابِ) وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم (والمكاتب: العبد إذا اشترى نفسه من سيده بمبلغ من المال على أقساط معلومة)، ويدخل في الرقاب إعتاق العبيد ابتداء، وكذلك يدخل فيه فك الأسارى. (وَأَقَامَ الصَّلاةَ) أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي. (وَآتَى الزَّكَاةَ) أي: وأعطى الزكاة الواجبة. والزكاة: هي قدر واجب في مال مخصوص لطائفة أو جهة مخصوصة بشروط مخصوصة، وسميت بذلك لأنها تزكي المال وصاحب المال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ). ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين قبل ذلك، إنما هو التطوع والصلة. (وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) أي: ويوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود. كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ). وقال تعالى (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ). وقال تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ). وعكس هذه الصفة النفاق كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) متفق عليه. (وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ) أي في حال الفقر. • قال السعدي: لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره.

стр. 527

فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاماً غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم، فكل هذه ونحوها، مصائب، يؤمر بالصبر عليها، والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها. (وَالضَّرَّاءِ) وفي حال المرض والأسقام، وخصوصاً مع تطاول ذلك، لأن النفس تضعف، والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، فإنه يؤمر بالصبر، احتساباً لثواب الله. (وَحِينَ الْبَأْسِ) أي: في حال القتال والتقاء الأعداء. قال السعدي: لأن الجلاد، يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان من القتل، أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتساباً، ورجاء لثواب الله الذي منه النصر والمعونة، التي وعدها الصابرين. • ونص على هذا الصبر في هذه المواضع لصعوبته وشدته. • والبأس يطلق في القرآن على (٣) إطلاقات: بمعنى العذاب: كقوله تعالى (لينذر بأساً شديداً من لدنه) وقوله (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا). وبمعنى القتال والمعركة: كقوله تعالى (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً). وبمعنى: الفقر والضيق: كقوله تعالى (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ).

стр. 528

(أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات، هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا. (وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات. • قال القرطبيُّ: تضمَّنت هذه الآية الكريمة ستَّ عشرة قاعدةً من أُمَّهات الأحكام: الإيمان بالله وبأسمائه، وصفاته، والحشر، والنشر، والصراط، والحوض، والشَّفاعة، والجنة، والنار، والملائكة، والرُّسل، والكتب المنزلة، وأنَّها حقٌّ من عند الله؛ كما تقدم، والنَّبيين، وإنفاق المال فيما يعنُّ له من الواجب، والمندوب، وإيصال القرابة، وترك قطعهم، وتفقُّد اليتيم، وعدم إهماله المساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل، وهو: المسافر المنقطع، وقيل: الضعيف، والسُّؤَّال، وفكّ الرقاب، والمحافظة على الصَّلوات، وإيتاء الزَّكاة، والوفاء بالعهود، والصَّبر في الشَّدائد، وكلُّ قاعدةٍ من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب. • وقال ابن عاشور: فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم. وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشئ عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال. فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة، وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحراراً. والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض. والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) فحصر فيهم الصدق والتقوى حصراً ادعائياً للمبالغة، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين، ولأنهم حرموا كثيراً من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا. وفيها أيضاً تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر، والنبيين، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة.

стр. 529

الفوائد: ١ - أن البر حقيقة هو الإيمان بالله وما ذكره تعالى في هذه الآية. ٢ - أن الإيمان باليوم بالآخر من أكبر الحوافز على الإيمان بالله، ولذلك دائماً يقرن الله بينه وبين الإيمان به. ٣ - وجوب الإيمان بالملائكة. ٤ - وجوب الإيمان بالكتب. ٥ - وجوب الإيمان بالرسل جميعهم وأنهم بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة. ٦ - فضل ومنزلة إعطاء المال على حبه وفي الحديث (والصدقة برهان). ٧ - أن المال محبوب للنفوس. ٨ - أن إعطاء القريب من الصدقة وغيرها أفضل وأولى. ٩ - فضل الصدقة على المسكين واليتيم وابن السبيل والسائلين. ١٠ - أن إقامة الصلاة من البر. ١١ - أن المعتبر إقامتها بخشوعها وأركانها ليس فقط فعلها جسدياً من غير خشوع. ١٢ - الحرص والاجتهاد في إقامة الصلاة على أكمل الوجوه. ١٣ - عظم منزلة الزكاة وأنها بعد الصلاة. ١٤ - الثناء على الموفين بالعهد سواء مع الله أو مع الخلق. ١٥ - فضل الصبر وأنه من أعلى المنازل. ١٦ - أن من حقق هذه الصفات فقد صدق مع الله. ١٧ - أن الصدق ليس بالدعاوى ولكن بالعمل والفعل. ١٨ - أن القيام بالبر من التقوى.

стр. 530

(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)). [سورة البقرة: ١٧٨] (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم. • والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به. • والإيمان شرعاً: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان. • تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد: الأولى: العناية والاهتمام به. الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد. الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (الشيخ ابن عثيمين). (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي: فرض عليكم المماثلة والعدل في القصاص حركم بحركم، وعبدِكم بعبدِكم وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزا وتعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإن أخْذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء. • قال السعدي: يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم (الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد. وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين. • كتب عليكم: أي فرض عليكم. • قال الرازي: قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين: أحدهما: أن قوله تعالى (كتب) يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام). والثاني: لفظة (عَلَيْكُمْ) مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى (وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت). والقصاص: لغة تتبع الأثر كالقصص، واصطلاحاً: هو أن يفعل بالجاني كما فَعل، إن قَتَل قُتِل، وإن قطع طرفاً قُطِع طرفه، وهكذا.
следующие страницы →