Полный текст (1 874 стр.). Показаны 526–565 · переход к 531.
стр. 526
• والسبيل الطريق، وسمي بابن السبيل لأنه ملازم لها.
(وَالسَّائِلِينَ) وهم الذين يتعرضون للطلب، فيعطون من الزكوات والصدقات.
(وَفِي الرِّقَابِ) وهم المكاتبون الذين لا يجدون ما يؤدونه في كتابتهم (والمكاتب: العبد إذا اشترى نفسه من سيده بمبلغ من المال على أقساط معلومة)، ويدخل في الرقاب إعتاق العبيد ابتداء، وكذلك يدخل فيه فك الأسارى.
(وَأَقَامَ الصَّلاةَ) أي وأتم أفعال الصلاة في أوقاتها بركوعها وسجودها وطمأنينتها وخشوعها على الوجه الشرعي المرضي.
(وَآتَى الزَّكَاةَ) أي: وأعطى الزكاة الواجبة.
والزكاة: هي قدر واجب في مال مخصوص لطائفة أو جهة مخصوصة بشروط مخصوصة، وسميت بذلك لأنها تزكي المال وصاحب المال (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا وَصَلِّ عَلَيْهِمْ).
ويكون المذكور من إعطاء هذه الجهات والأصناف المذكورين قبل ذلك، إنما هو التطوع والصلة.
(وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُوا) أي: ويوفون بالعهود ولا يخلفون الوعود.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ).
وقال تعالى (الَّذِينَ يُوفُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَلا يَنْقُضُونَ الْمِيثَاقَ).
وقال تعالى (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ).
وعكس هذه الصفة النفاق كما في الحديث عنه ﷺ أنه قال (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) متفق عليه.
(وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاءِ) أي في حال الفقر.
• قال السعدي: لأن الفقير يحتاج إلى الصبر من وجوه كثيرة، لكونه يحصل له من الآلام القلبية والبدنية المستمرة ما لا يحصل لغيره.
стр. 527
فإن تنعم الأغنياء بما لا يقدر عليه تألم، وإن جاع أو جاعت عياله تألم، وإن أكل طعاماً غير موافق لهواه تألم، وإن عرى أو كاد تألم، وإن نظر إلى ما بين يديه وما يتوهمه من المستقبل الذي يستعد له تألم، وإن أصابه البرد الذي لا يقدر على دفعه تألم، فكل هذه ونحوها، مصائب، يؤمر بالصبر عليها، والاحتساب، ورجاء الثواب من الله عليها.
(وَالضَّرَّاءِ) وفي حال المرض والأسقام، وخصوصاً مع تطاول ذلك، لأن النفس تضعف، والبدن يألم، وذلك في غاية المشقة على النفوس، فإنه يؤمر بالصبر، احتساباً لثواب الله.
(وَحِينَ الْبَأْسِ) أي: في حال القتال والتقاء الأعداء.
قال السعدي: لأن الجلاد، يشق غاية المشقة على النفس، ويجزع الإنسان من القتل، أو الجراح أو الأسر، فاحتيج إلى الصبر في ذلك احتساباً، ورجاء لثواب الله الذي منه النصر والمعونة، التي وعدها الصابرين.
• ونص على هذا الصبر في هذه المواضع لصعوبته وشدته.
• والبأس يطلق في القرآن على (٣) إطلاقات:
بمعنى العذاب: كقوله تعالى (لينذر بأساً شديداً من لدنه) وقوله (فَمَنْ يَنْصُرُنَا مِنْ بَأْسِ اللَّهِ إِنْ جَاءَنَا).
وبمعنى القتال والمعركة: كقوله تعالى (وَلا يَأْتُونَ الْبَأْسَ إِلَّا قَلِيلاً).
وبمعنى: الفقر والضيق: كقوله تعالى (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ).
стр. 528
(أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا) أي هؤلاء الذين اتصفوا بهذه الصفات، هم الذين صدقوا في إيمانهم، لأنهم حققوا الإيمان القلبي بالأقوال والأفعال، فهؤلاء هم الذين صدقوا.
(وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ) لأنهم اتقوا المحارم وفعلوا الطاعات.
• قال القرطبيُّ: تضمَّنت هذه الآية الكريمة ستَّ عشرة قاعدةً من أُمَّهات الأحكام:
الإيمان بالله وبأسمائه، وصفاته، والحشر، والنشر، والصراط، والحوض، والشَّفاعة، والجنة، والنار، والملائكة، والرُّسل، والكتب المنزلة، وأنَّها حقٌّ من عند الله؛ كما تقدم، والنَّبيين، وإنفاق المال فيما يعنُّ له من الواجب، والمندوب، وإيصال القرابة، وترك قطعهم، وتفقُّد اليتيم، وعدم إهماله المساكين كذلك، ومراعاة ابن السبيل، وهو: المسافر المنقطع، وقيل: الضعيف، والسُّؤَّال، وفكّ الرقاب، والمحافظة على الصَّلوات، وإيتاء الزَّكاة، والوفاء بالعهود، والصَّبر في الشَّدائد، وكلُّ قاعدةٍ من هذه القواعد تحتاج إلى كتاب.
• وقال ابن عاشور: فلله هذا الاستقراء البديع الذي يعجز عنه كل خطيب وحكيم غير العلام الحكيم. وقد جمعت هذه الخصال جماع الفضائل الفردية والاجتماعية الناشئ عنها صلاح أفراد المجتمع من أصول العقيدة وصالحات الأعمال.
فالإيمان وإقام الصلاة هما منبع الفضائل الفردية، لأنهما ينبثق عنهما سائر التحليات المأمور بها، والزكاة وإيتاء المال أصل نظام الجماعة صغيرها وكبيرها، والمواساة تقوى عنها الأخوة والاتحاد وتسدد مصالح للأمة كثيرة، وببذل المال في الرقاب يتعزز جانب الحرية المطلوبة للشارع حتى يصير الناس كلهم أحراراً. والوفاء بالعهد فيه فضيلة فردية وهي عنوان كمال النفس، وفضيلة اجتماعية وهي ثقة الناس بعضهم ببعض.
والصبر فيه جماع الفضائل وشجاعة الأمة ولذلك قال تعالى هنا (أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون) فحصر فيهم الصدق والتقوى حصراً ادعائياً للمبالغة، ودلت على أن المسلمين قد تحقق فيهم معنى البر، وفيه تعريض بأن أهل الكتاب لم يتحقق فيهم، لأنهم لم يؤمنوا ببعض الملائكة وبعض النبيين، ولأنهم حرموا كثيراً من الناس حقوقهم، ولم يفوا بالعهد، ولم يصبروا.
وفيها أيضاً تعريض بالمشركين إذ لم يؤمنوا باليوم الآخر، والنبيين، والكتب وسلبوا اليتامى أموالهم، ولم يقيموا الصلاة، ولم يؤتوا الزكاة.
стр. 529
الفوائد:
١ - أن البر حقيقة هو الإيمان بالله وما ذكره تعالى في هذه الآية.
٢ - أن الإيمان باليوم بالآخر من أكبر الحوافز على الإيمان بالله، ولذلك دائماً يقرن الله بينه وبين الإيمان به.
٣ - وجوب الإيمان بالملائكة.
٤ - وجوب الإيمان بالكتب.
٥ - وجوب الإيمان بالرسل جميعهم وأنهم بلغوا الأمانة ونصحوا للأمة.
٦ - فضل ومنزلة إعطاء المال على حبه وفي الحديث (والصدقة برهان).
٧ - أن المال محبوب للنفوس.
٨ - أن إعطاء القريب من الصدقة وغيرها أفضل وأولى.
٩ - فضل الصدقة على المسكين واليتيم وابن السبيل والسائلين.
١٠ - أن إقامة الصلاة من البر.
١١ - أن المعتبر إقامتها بخشوعها وأركانها ليس فقط فعلها جسدياً من غير خشوع.
١٢ - الحرص والاجتهاد في إقامة الصلاة على أكمل الوجوه.
١٣ - عظم منزلة الزكاة وأنها بعد الصلاة.
١٤ - الثناء على الموفين بالعهد سواء مع الله أو مع الخلق.
١٥ - فضل الصبر وأنه من أعلى المنازل.
١٦ - أن من حقق هذه الصفات فقد صدق مع الله.
١٧ - أن الصدق ليس بالدعاوى ولكن بالعمل والفعل.
١٨ - أن القيام بالبر من التقوى.
стр. 530
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ (١٧٨)). [سورة البقرة: ١٧٨]
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) أي: يا أيها الذين آمنوا بقلوبهم وانقادوا وعملوا بجوارحهم.
• والإيمان إذا أفرد ولم يذكر معه (وعملوا الصالحات) فإنه يشمل جميع خصال الدين من اعتقادات وعمليات، وأما إذا عُطف العمل الصالح على الإيمان كقوله (والذين آمنوا وعملوا الصالحات) فإن الإيمان حينئذ ينصرف إلى ركنه الأكبر الأعظم وهو الاعتقاد القلبي، وهو إيمان القلب واعتقاده وانقياده بشهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وبكل ما يجب الإيمان به.
• والإيمان شرعاً: قول باللسان واعتقاد بالجنان وعمل بالأركان.
• تصدير الخطاب بهذا النداء فيه ثلاثة فوائد:
الأولى: العناية والاهتمام به.
الثانية: الإغراء، وأن من يفعل ذلك فإنه من الإيمان، كما تقول يا ابن الأجود جُد.
الثالثة: أن امتثال هذا الأمر يعد من مقتضيات الإيمان، وأن عدم امتثاله يعد نقصاً في الإيمان. (الشيخ ابن عثيمين).
(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي: فرض عليكم المماثلة والعدل في القصاص حركم بحركم، وعبدِكم بعبدِكم وأنثاكم بأنثاكم، ولا تتجاوزا وتعتدوا فتقتلوا غير الجاني، فإن أخْذ غير الجاني ليس بقصاص بل هو ظلم واعتداء.
• قال السعدي: يمتن تعالى على عباده المؤمنين، بأنه فرض عليهم (الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى) أي: المساواة فيه، وأن يقتل القاتل على الصفة، التي قتل عليها المقتول، إقامة للعدل والقسط بين العباد.
وتوجيه الخطاب لعموم المؤمنين، فيه دليل على أنه يجب عليهم كلهم، حتى أولياء القاتل حتى القاتل بنفسه إعانة ولي المقتول، إذا طلب القصاص وتمكينه من القاتل، وأنه لا يجوز لهم أن يحولوا بين هذا الحد، ويمنعوا الولي من الاقتصاص، كما عليه عادة الجاهلية، ومن أشبههم من إيواء المحدثين.
• كتب عليكم: أي فرض عليكم.
• قال الرازي: قوله تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) فمعناه: فرض عليكم فهذه اللفظة تقتضي الوجوب من وجهين:
أحدهما: أن قوله تعالى (كتب) يفيد الوجوب في عرف الشرع قال تعالى (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصيام).
والثاني: لفظة (عَلَيْكُمْ) مشعرة بالوجوب كما في قوله تعالى (وَللَّهِ عَلَى الناس حِجُّ البيت).
والقصاص: لغة تتبع الأثر كالقصص، واصطلاحاً: هو أن يفعل بالجاني كما فَعل، إن قَتَل قُتِل، وإن قطع طرفاً قُطِع طرفه،
وهكذا.
стр. 531
• قال الرازي: أما القصاص فهو أن يفعل بالإنسان مثل ما فعل، من قولك: اقتص فلان أثر فلان إذا فعل مثل فعله، قال تعالى (فارتدا على ءاثَارِهِمَا قَصَصًا) وقال تعالى (وَقَالَتْ لأُخْتِهِ قُصّيهِ) أي اتبعي أثره، وسميت القصة قصة لأن بالحكاية تساوي المحكي، وسمي القصص لأنه يذكر مثل أخبار الناس، ويسمى المقص مقصاً لتعادل جانبيه.
• ففي هذه الآية وجوب القصاص، لكن إذا عفا أولياء المقتول أو قبلوا الهدية سقط القصاص لقوله تعالى بعد ذلك (فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) ولقوله ﷺ (ومن قتُل له قتيل فهو بخير النظرين إما أن يُودي وإما أن يُقاد) متفق عليه.
• قوله تعالى (الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ … ) أي: فإذا قتل الحرُّ الحرَّ فاقتلوه به، وإذا قتل العبدُ العبدَ فاقتلوه به، وإذا قتلت الأنثى الأنثى فاقتلوا الأنثى، وهذا لا إشكال فيه.
• وظاهر الآية أن الرجل لا يقتل بالمرأة لقوله (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى) مع أن جماهير العلماء على أن الرجل يقتل بالمرأة بل نقل بعضهم الإجماع كالقرطبي، ويدل لذلك حديث أنس (أن يهودياً قتل جارية على أوضاح لها فقتلها بحجر فجيء بها إلى النبي ﷺ وبها رمق، فقال: أقتلك فلان؟ فأشارت برأسها أن لا، ثم قال الثانية فأشارت برأسها أن لا، ثم سألها الثالثة فأشارت برأسها أن نعم، فقتله النبي ﷺ بحجرين) متفق عليه.
والجواب عن ظاهر الآية:
أولاً: قال بعض العلماء: إن الآية نزلت في قوم لا يرضون إذا قُتل العبد منهم أن يقتل قاتله العبد من القبيلة التي تركته ويقولون لا نرضى مقابله إلا رجلاً حراً أفضل من قاتله، وإذا قتلت امرأة من غيرهم امرأة منهم لا يرضون بقتل المرأة القاتلة فقط ولكنهم يقولون نقتل مكانها رجلاً، وإذا قُتل منهم حر قالوا لا نرض بأن نقتل قاتله فقط بل لا بد أن نقتل أكثر من قاتله فنزلت الآية فيهم.
ثانياً: أنها منسوخة بقوله تعالى (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
(فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ) أي: إذا عفا ولي المقتول عن القاتل إلى الدية، أو عفا بعض الأولياء، فإنه يسقط القصاص وتجب الدية.
стр. 532
• قال الشيخ ابن عثيمين (فمن عفي له) المعفو عنه القاتل (من أخيه) المراد به المقتول - أي من دم أخيه - فأيّ قاتل عفي له من دم أخيه شيء سقط القصاص.
• قال السعدي (فمن عفي له من أخيه) ترقيق وحث على العفو إلى الدية، وأحسن من ذلك العفو مجاناً.
• وقال الخازن: (فمن عفي له من أخيه شيء) أي: ترك له وصفح عنه من الواجب عليه وهو القصاص في قتل العمد، ورضي بالدية أو العفو عنها، أو قبول الدية في قتل العمد من أخيه أي من دم أخيه وأراد بالأخ ولي المقتول، وإنما قيل له أخ لأنه لابسه من قبل أنه ولي الدم والمطالب به. وقيل: إنما ذكره بلفظ الأخوة ليعطف أحدهما على صاحبه بما هو ثابت بينهما من الجنسية وأخوة الإسلام.
• وقال ابن عاشور (فمن عفي له) هو ولي المقتول وإن المراد بأخيه هو القاتل وصفاً بأنه أخ تذكيراً بأخوة الإسلام وترقيقاً لنفس ولي المقتول؛ لأنه إذا اعتبر القاتل أخاً له كان من المروءة ألا يرضى بالقَوَد منه؛ لأنه كمن رضي بقتل أخيه.
وقال: في قوله (وأخيه) دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى سائر المعاصي التي هي دون الكفر، ولا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.
(فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) أي: فإذا عفى عنه، وجب على الولي (أي ولي المقتول) أن يتبع القاتل ويطالبه (بالمعروف) من غير أن يشق عليه ولا يحمله ما لا يطيق، بل يحسن الاقتضاء والطلب ولا يحرجه.
• قال الخازن (فاتباع بالمعروف) أي: فليتبع الولي القاتل بالمعروف فلا يأخذ أكثر من حقه ولا يعنفه.
• قال الرازي: الاتباع بالمعروف أن لا يشدد بالمطالبة، بل يجرى فيها على العادة المألوفة فإن كان معسراً فالنظرة، وإن كان واجداً لعين المال فإنه لا يطالبه بالزيادة على قدر الحق، وإن كان واجداً لغير المال الواجب، فالإمهال إلى أن يبتاع ويستبدل، وأن لا يمنعه بسبب الاتباع عن تقديم الأهم من الواجبات.
(وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ) وعلى القاتل [أداء إليه بإحسان] من غير مطل ولا نقص ولا إساءة فِعْليّة أو قولية، فهل جزاء الإحسان بالعفو، إلا الإحسان بحسن القضاء، فكما أنه عفَى عنه فينبغي أن يحسن إليه بحسن القضاء. فالضمير في قوله (إليه) يعود على العافي بإحسان، والمُؤدَّى: ما وقع الاتفاق عليه.
• قال الرازي: فأما الأداء بإحسان فالمراد به أن لا يدعي الإعدام في حال الإمكان ولا يؤخره مع الوجود، ولا يقدم ما ليس بواجب عليه، وأن يؤدي ذلك المال على بشر وطلاقة وقول جميل.
• قال الخازن (وأداء إليه بإحسان) أي: على القاتل أداء الدية إلى ولي الدم من غير مماطلة، أمر كل واحد منهما بالإحسان فيما له وعليه.
стр. 533
• وحسن القضاء هذا مأمور به في كل ما يثبت في ذمم الناس للإنسان، مأمور من له حق بالاتباع بالمعروف، ومن عليه الحق بالأداء بالإحسان.
(ذَلِكَ) المشار إليه كل ما سبق من جواز العفو إلى الدية.
(تَخْفِيفٌ مِنْ رَبِّكُمْ) إِشارة إِلى ما شرعه لهذه الأمة، من أخذ الدية، وكانت بنو إِسرائيل لا ديَةَ عندهم، إِنما هو القِصَاصُ فَقَط.
(وَرَحْمَةٌ) بالجميع، بالقاتل، حيث سقط عنه القتل، وبأولياء المقتول حيث أبيح لهم أن يأخذوا العوض.
(فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ) أي: فمن اعتدى بعد أخذ الدية وقبولها.
• قال الرازي: المراد أن لا يقتل بعد العفو والدية، وذلك لأن أهل الجاهلية إذا عفوا وأخذوا الدية، ثم ظفروا بعد ذلك بالقاتل قتلوه، فنهى الله عن ذلك.
وقيل المراد: أن يقتل غير قاتله، أو أكثر من قاتله أو طلب أكثر مما وجب له من الدية أو جاوز الحد بعد ما بين له كيفية القصاص ويجب أن يحمل على الجميع لعموم اللفظ.
(فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ) عذاب أليم موجع شديد يوم القيامة وقد جاء في الحديث (من أصيب بقتل فإنه يختار إحدى ثلاث: إما أن يقتص منه، وإما أن يعفو، وإما أن يأخذ الدية، ومن اعتدى بعد ذلك فله نار جهنم خالداً فيها) رواه أحمد.
وقيل: العذاب في الدنيا: القتل في الدنيا، لأنه قتله بعد عفوه وأخذ الدية منه، فلما قتله بعد ذلك صار معتدياً قاتلاً فوجب قتله.
ورجح الرازي الأول وقال المراد العذاب الأليم في الآخرة، وضعف القول الثاني وأن المراد به العذاب في الدنيا، لأن المفهوم من العذاب الأليم عند الإطلاق هو عذاب الآخرة.
стр. 534
الفوائد:
١ - وجوب إقامة القصاص.
٢ - أن تنفيذ القصاص من مقتضى الإيمان، لأن الخطاب موجه للمؤمنين.
٣ - أن ترك تنفيذه نقص في الإيمان.
٤ - أن الذكر يقتل بالذكر، وهذا بالإجماع، لقوله (الحر بالحر) لكن يشترط أن يكون القاتل مكلفاً، فأما الصبي والمجنون فلا قصاص عليهما بلا خلاف. قاله في الشرح.
ويشترط أن يكون المقتول معصوماً، فلا يجب القصاص بقتل حربي.
والمعصوم هو المسلم والذمي والمعاهد والمستأمن.
٥ - أن العبد يقتل بالعبد، لقوله (والعبد بالعبد).
• واختلف العلماء: هل يقتل الحر بالعبد؟
القول الأول: أن الحر يقتل بالعبد.
وهذا مذهب الجمهور. الأدلة:
قوله تعالى: (الحر بالحر … ).
ولحديث ابن عباس: (لا يقتل حر بعبد) رواه الدار قطني وفيه ضعف.
القول الثاني: أن الحر يقتل بالعبد.
وهذا مذهب الأحناف، واختاره شيخ الإسلام ابن تيمية، لقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
قال ابن كثير: ذهب أبو حنيفة إلى أن الحر يقتل بالعبد، لعموم آية المائدة، وإليه ذهب الثوري وابن أبي ليلى وداود، وهو مروي عن علي وابن مسعود وإبراهيم النخعي وقتادة والحكم.
стр. 535
• وأما قوله: (الحر بالحر) فقد اختلف في تأويلها:
فقالت طائفة: جاءت الآية مبينة لحكم النوع إذا قتل نوعه، فبينت حكم الحر إذا قتل حراً، والعبد إذا قتل عبداً، والأنثى إذا قتلت أنثى، ولم تتعرض لأحد النوعين إذا قتل الآخر، فالآية محكمة وفيها إجمال بينه قوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ) وبينه النبي ﷺ بسنته لما قتل اليهودي بالمرأة. قاله مجاهد.
وروي عن ابن عباس أنها منسوخة بآية المائدة.
٦ - أن الأنثى تقتل بالأنثى.
لقوله تعالى: (وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى).
وتقتل المرأة بالرجل والرجل بالمرأة.
قال القرطبي: وأجمع العلماء على قتل الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل.
وقال في المغني: وهذا قول أكثر أهل العلم.
لقوله تعالى: (وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ).
ولما رواه أنس أن النبي ﷺ قتل يهودياً بجارية قتلها على أوضاح لها. رواه البخاري
• هل يقتل أحد الأبوين بالولد؟
ذهب جمهور العلماء إلى أنه لا يقتل الوالد بولده.
لحديث عمر قال: سمعت النبي ﷺ يقول (لا يقاد الوالد بولده) رواه أحمد
قال الترمذي بعد إخراجه: والعمل على هذا عند أهل العلم، أن الأب إذا قتل ابنه لا يقتل بولده.
ولأن الأب هو سبب لوجود الابن.
وقال بعض العلماء: إن الوالد يقتل بالولد.
وهذا قول ابن نافع وابن الحكم وابن المنذر، لعموم قوله تعالى: (النفس بالنفس) ورجحه الشيخ محمد ﵀.
• لا يقتل مسلم بكافر.
стр. 536
قال في الشرح: هذا قول أكثر أهل العلم، وروي ذلك عن عمر وعثمان وعلي وزيد بن ثابت ومعاوية، وهو قول جمهور العلماء.
لحديث: (لا يقتل مؤمن بكافر) رواه أبو داود
وأما الكافر فيقتل بالمسلم بإجماع العلماء، كما في الصحيح أن النبي ﷺ قتل يهودياً رضخ رأس جارية من الأنصار.
ولأن المسلم أعلى مرتبة بإسلامه من الكافر.
٧ - فضيلة العفو في القصاص.
قال في الشرح: وهو أفضل بالإجماع.
لقوله تعالى: (فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ) وقوله: (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ).
واختار شيخ الإسلام أنه إذا كان القاتل معروفاً بالشر والفساد، فإن القصاص منه أفضل
٨ - في قوله (أخيه) قال الشيخ السعدي: دليل على أن القاتل لا يكفر، لأن المراد بالأخوة هنا أخوة الإيمان، فلم يخرج بالقتل منها، ومن باب أولى أن سائر المعاصي التي هي دون الكفر؛ لا يكفر بها فاعلها، وإنما ينقص بذلك إيمانه.
٩ - أن فاعل الكبيرة لا يخرج من الإيمان.
١٠ - الرد على الخوارج والمعتزلة.
١١ - وجوب الأداء على القاتل بالإحسان بلا مماطلة ولا تأخير.
١٢ - أن المعتدي بعد انتهاء القصاص أو أخذ الدية متوعد بالعذاب الأليم.
стр. 537
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٧٩)). [سورة البقرة: ١٧٩]
(وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) يقول تعالى: وفي شرع القصاص لكم، وهو قتل القاتل، حكمة عظيمة وهي بقاء المهج وصونها، لأنه إذا علم القاتل أنه يقتل، انكف عن صنيعه، فكان في ذلك حياة للنفوس، وفي الكتب المتقدمة: القتل أنفى للقتل، فجاءت هذه العبارة في القرآن أفصح وأبلغ وأوجز (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ) قال أبو العالية: جعل الله القصاص حياة، فكم من رجل يريد أن يقتل، فتمنعه مخافة أن يقتل. (ابن كثير).
• قال البقاعي (ولكم) أي يا أيها الذين آمنوا (في القصاص) أي: هذا الجنس وهو قتل النفس القاتلة بالنفس المقتولة من غير مجاوزة ولا عدوان (حياة) أي: عظيمة بديعة لأن من علم أنه يُقتل لا يَقْتُل.
• قال الرازي: اعلم أنه ليس المراد من هذه الآية أن نفس القصاص حياة، لأن القصاص إزالة للحياة وإزالة الشيء يمتنع أن تكون نفس ذلك الشيء، بل المراد أن شرع القصاص يفضي إلى الحياة في حق من يريد أن يكون قاتلاً، وفي حق من يراد جعله مقتولاً، وفي حق غيرهما أيضاً، أما في حق من يريد أن يكون قاتلاً فلأنه إذا علم أنه لو قَتل قُتل ترك القتل فلا يقتل فيبقى حياً، وأما في حق من يراد جعله مقتولاً فلأن من أراد قتله إذا خاف من القصاص ترك قتله فيبقى غير مقتول، وأما في حق غيرهما فلأن في شرع القصاص بقاء من هَمّ بالقتل، أو من يهم به وفي بقائهما بقاء من يتعصب لهما، لأن الفتنة تعظم بسبب القتل فتؤدي إلى المحاربة التي تنتهي إلى قتل عالم من الناس، وفي تصور كون القصاص مشروعاً زوال كل ذلك وفي زواله حياة الكل.
• وقال الرازي: اتفق علماء البيان على أن هذه الآية في الإيجاز مع جمع المعاني باللغة بالغة إلى أعلى الدرجات، وذلك لأن العرب عبروا عن هذا المعنى بألفاظ كثير، كقولهم: قتل البعض إحياء للجميع، وقول آخرين: أكثروا القتل ليقل القتل، وأجود.
стр. 538
الألفاظ المنقولة عنهم في هذا الباب قولهم: القتل أنفى للقتل، ثم إن لفظ القرآن أفصح من هذا، وبيان التفاوت من وجوه:
أحدها: أن قوله (وَلَكُمْ فِي القصاص حياة) أخصر من الكل، لأن قوله (وَلَكُمْ) لا يدخل في هذا الباب، إذ لا بد في الجميع من تقدير ذلك، لأن قول القائل: قتل البعض إحياء للجميع لا بد فيه من تقدير مثله، وكذلك في قولهم: القتل أنفى للقتل فإذا تأملت علمت أن قوله (فِي القصاص حياة) أشد اختصاراً من قولهم: القتل أنفى للقتل.
وثانيها: أن قولهم: القتل أنفى للقتل ظاهرة يقتضي كون الشيء سبباً لانتفاء نفسه وهو محال، وقوله (فِي القصاص حياة) ليس كذلك، لأن المذكور هو نوع من القتل وهو القصاص، ثم ما جعله سبباً لمطلق الحياة لأنه ذكر الحياة منكرة، بل جعله سبباً لنوع من أنواع الحياة.
وثالثها: أن قولهم القتل أنفى للقتل، فيه تكرار للفظ القتل وليس قوله (فِي القصاص حياة) كذلك.
ورابعها: أن قول القائل: القتل أنفى للقتل لا يفيد إلا الردع عن القتل، وقوله (فِي القصاص حياة) يفيد الردع عن القتل وعن الجرح وغيرهما فهو أجمع للفوائد.
وخامسها: أن نفي القتل مطلوب تبعاً من حيث إنه يتضمن حصول الحياة، وأما الآية فإنها دالة على حصول الحياة وهو مقصود أصلي، فكان هذا أولى.
• وقال الإمام السيوطي: وقوله تعالى (ولكم في القصاص حياة) فإن معناه كثير، ولفظه قليل، لأن معناه أن الإنسان إذا علم أنه متى قَتل قُتل كان ذلك داعياً إلى أن لا يقدم على القتل، فارتفع بالقتل الذي هو القصاص كثير من قتل الناس بعضهم لبعض، وكان ارتفاع القتل حياة لهم.
وقد فضلت هذه الجملة على أوجز ما كان عند العرب في هذا المعنى وهو قولهم: القتل أنفى للقتل بعشرين وجهاً أو أكثر.
(يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) يقول: يا أولي العقول والأفهام والنهى.
• قيل: إنما خصهم بالنداء مع أن الخطاب السابق عام لأنهم أهل التأمل في حكمة القصاص من استبقاء الأرواح وحفظ النفوس.
قال ابن عاشور: (يَا أُولِي الْأَلْبَابِ) فالمراد به العقلاء الذين يعرفون العواقب ويعلمون جهات الخوف، فإذا أرادوا الإقدام على قتل أعداءهم، وعلموا أنهم يطالبون بالقود صار ذلك رادعاً لهم، لأن العاقل لا يريد إتلاف غيره بإتلاف نفسه، فإذا خاف ذلك كان خوفه سبباً للكف والامتناع، إلا أن هذا الخوف إنما يتولد من الفكر الذي ذكرناه ممن له عقل يهديه إلى هذا الفكر، فمن لا عقل له يهديه إلى هذا الفكر لا يحصل له هذا الخوف، فلهذا السبب خص الله سبحانه بهذا الخطاب أولي الألباب.
стр. 539
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) لعلكم تنزجرون وتتركون محارم الله ومآثمه، لأن من عرف ربه وعرف ما في دينه وشرعه من الأسرار العظيمة، والحكم البديعة، والآيات الرفيعة، أوجب ذلك أن ينقاد لأمر الله، ويعظم معاصيه فيتركها، فيستحق بذلك أن يكون من المتقين.
• والتقوى اسم جامع لفعل الطاعات وترك المنكرات.
الفوائد:
١ - الحكمة العظمى في القصاص وهي الحياة الكاملة.
٢ - أن أحكام الله كلها غاية في الحكمة والعلم.
٣ - فضل معرفة حكم الله في تشريعاته وأحكامه.
٤ - أن يُفعل بالجاني كما فَعل، لأن بذلك يتم القصاص.
٥ - أن من فوائد القصاص أن يتقي الجناة القتل، واتقاهم للقتل من تقوى الله.
стр. 540
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (١٨٠) فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَمَا سَمِعَهُ فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (١٨١) فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٨٢)). [سورة البقرة: ١٨٠ - ١٨٢]
(كُتِبَ عَلَيْكُمْ) أي فرض عليكم يا معشر المؤمنين.
(إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) أي أسبابه، كالمرض المشرف على الهلاك، وحضور أسباب المهالك.
(إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) وهو المال الكثير عرفاً، فعليه أن يوصي لوالديه وأقرب الناس إليه بالمعروف، على قدر حاله من غير سرف، ولا اقتصار على الأبعد دون الأقرب.
• قال القرطبي: قوله تعالى: (كُتِبَ عَلَيْكُمْ) هذه آية الوصية، وليس في القرآن ذكر للوصية إلا في هذه الآية، وفي " النساء" (مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ) وفي " المائدة" (حِينَ الوصية) والتي في البقرة أتمها وأكملها ونزلت قبل نزول الفرائض والمواريث.
• قوله تعالى (إن ترك خيراً) قال الرازي: فلا خلاف أنه المال ههنا، والخير يراد به المال في كثير من القرآن كقوله (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ) (وَإِنَّهُ لِحُبّ الخير)، والمراد بالمال هنا الكثير: ويدل لهذا وجوه:
أولاً: أن من ترك درهماً لا يقال: إنه ترك خيراً، كما يقال: فلان ذو مال، فإنما يراد تعظيم ماله ومجاوزته حد أهل الحاجة، وإن كان اسم المال قد يقع في الحقيقة على كل ما يتموله الإنسان من قليل أو كثير، وكذلك إذا قيل: فلان في نعمة، وفي رفاهية من العيش، فإنما يراد به تكثير النعمة، وإن كان أحد لا ينفك عن نعمة الله.
ثانياً: لو كانت الوصية واجبة في كل ما ترك، سواء كان قليلاً، أو كثيراً، لما كان التقييد بقوله (إِن تَرَكَ خَيْرًا) كلاماً مفيداً، لأن كل أحد لا بد وأن يترك شيئاً ما، قليلاً كان أو كثيراً، أما الذي يموت عرياناً ولا يبقى معه كسرة خبز، ولا قدر من الكرباس الذي يستر به عورته، فذاك في غاية الندرة.
стр. 541
• قال الخازن (إن ترك خيراً) يعني مالاً، قيل يطلق على القليل والكثير وهو قول الزهري، فتجب الوصية في الكل، وقيل: إن لفظة الخير لا تطلق إلاّ على المال الكثير وهو قول الأكثرين.
• والمراد بالمعروف: أن يوصي لأقربيه وصيةً لا تجحف بورثته من غير إسراف ولا تقتير، كما ثبت في الصحيحين أن سعداً قال (يا رسول الله! إن لي مالاً ولا يرثني إلا ابنةٌ لي، أفأوصي بثلثيْ مالي؟ قال: لا، قال: فبالشطر؟ قال: لا، قال: فالثلث؟ قال: الثلث والثلث كثير، إنك أن تذرَ ورثتك أغنياء خير من أن تدعهم عالة يتكففون الناس) متفق عليه.
• اختلف العلماء في هذه الآية التي تدل على وجوب الوصية، هل هي منسوخة أم لا؟
القول الأول: أنها منسوخة.
ومن المفسرين الذين قالوا بالنسخ: الزمخشري، وابن عطية، والرازي، والألوسي، وابن عاشور.
فذهب جمهور أهل التفسير والفقه: إلى أنها منسوخة بآية المواريث (لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالْأَقْرَبُونَ … ).
وبعضهم يرى أنها منسوخة بحديث (إن الله أعطى كل ذي حق حقه فلا وصية لوارث). رواه الترمذي
ورجح هذا القول ابن كثير.
وذهب بعضهم إلى عدم النسخ، وأنه يمكن الجمع، فقالوا: وهنا يمكن الجمع عن طريق التخصيص، بأن يخرج من الآية الوارث منهما فلا وصية له بمقتضى الحديث، فتكون الآية في حق غير الوارث، ويكون الحديث في حق الوارث.
ورجح عدم النسخ السعدي وقال بالجمع حيث قال: واعلم أن جمهور المفسرين يرون أن هذه الآية منسوخة بآية المواريث، وبعضهم يرى أنها في الوالدين والأقربين غير الوارثين، مع أنه لم يدل على التخصيص بذلك دليل، والأحسن في هذا أن يقال: إن هذه الوصية للوالدين والأقربين مجملة، ردها الله تعالى إلى العرف الجاري.
ثم إن الله تعالى قدر للوالدين الوارثين وغيرهما من الأقارب الوارثين هذا المعروف في آيات المواريث، بعد أن كان مجملاً وبقي الحكم فيمن لم يرثوا من الوالدين الممنوعين من الإرث وغيرهما ممن حجب بشخص أو وصف، فإن الإنسان مأمور بالوصية لهؤلاء وهم أحق الناس ببره، وهذا القول تتفق عليه الأمة، ويحصل به الجمع بين القولين المتقدمين، لأن كلاً من القائلين بهما كل منهم لحظ ملحظاً، واختلف المورد.
стр. 542
فبهذا الجمع، يحصل الاتفاق، والجمع بين الآيات، لأنه مهما أمكن الجمع كان أحسن من ادعاء النسخ، الذي لم يدل عليه دليل صحيح.
• قوله تعالى (إن تَرَكَ خَيْراً) لم يبين الله في كتابه مقدار ما يوصى به من المال، لكن بينت السنة على أنه يجوز الوصية بالثلث، لحديث سعد أن رسول الله ﷺ قال له: (الثلث والثلث كثير) متفق عليه.
والأفضل أن يوصي بالخمس، اقتداء بأبي بكر فإنه أوصى بالخمس وقال (رضيت بما رضي الله به لنفسه) يعني قوله (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ).
(حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) قال ابن عاشور: لم خص هذا الحق بالمتقين؟
وخص هذا الحق بالمتقين ترغيباً في الرضى به؛ لأن ما كان من شأن المتقي فهو أمر نفيس فليس في الآية دليل على أن هذا الوجوب على المتقين دون غيرهم من العصاة، بل معناه أن هذا الحكم هو من التقوى وأن غيره معصية، وقال ابن عطية: خص المتقون بالذكر تشريفاً للرتبة ليتبارى الناس إليها.
стр. 543
• بعض أحكام الوصية:
o < رمز> تعريفها:
الوصية: هي الأمر بالتبرع بالمال بعد الموت، أو الأمر بالتصرف بعد الموت.
مثال تبرع بالمال: أوصيت لفلان بعد موتي بـ (١٠٠) درهم.
مثال تصرف: وَصِيٍّ على أولادي الصغار فلان من الناس.
o < رمز> تجري الوصية في الأحكام التكليفية الخمسة:
١. الاستحباب: تستحب الوصية لمن ترك خيراً، وهو المال الكثير.
٢. لا تجوز الوصية بأكثر من الثلث لغير الوارث، لحديث سعد: (الثلث والثلث كثير).
ولا تجوز الوصية لوارث بشيء، وهذا بالإجماع.
٣. تكره وصية فقير محتاج، لأن هذا يضر بالوارث.
٤. تجوز بالمال كله لكن لا وارث له.
٥. تجب الوصية على من عليه دين لا بينة به. مثال: إنسان في ذمته دين لشخص، وليس لصاحب الحق بينة، فهنا يجب أن يوصي حتى لا يضيع الحق.
o < رمز>يجوز الرجوع في الوصية من الموصي وتغييرها، لأن الوصية لا تثبت إلا بعد الموت، أما قبل الموت فهو حر.
(فَمَن بَدَّلَهُ بَعْدَ مَا سَمِعَهُ) يقول تعالى: فمن بدل الوصية وحرفها، فغير حكمها وزاد فيها أو نقص، ويدخل في ذلك الكتمان لها بطريق الأولى.
كمن أوصى لفلان من الناس، فجاء أحد الورثة وكتم هذه الوصية لئلا يذهب شيء من الميراث.
• قال القرطبيُّ: لا خلاف أنه إذا أوصى بما لا يجوز؛ مثل: أن يوصي بخمرٍ، أو خنزير، أو شيءٍ من المعاصي، فإنه لا يجوز إمضاؤه، ويجوز تبديله.
стр. 544
• قوله تعالى (فمن بدله) عائد إلى الوصية، مع أن الكناية المذكورة مذكرة والوصية مؤنثة، وذكروا فيه وجوهاً:
أحدها: أن الوصية بمعنى الإيصاء ودالة عليه، كقوله تعالى (فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ) أي وعظ، والتقدير: فمن بدل ما قاله الميت، أو ما أوصى به أو سمعه عنه.
وثانيها: قيل الهاء راجعة إلى الحكم والفرض، والتقدير: فمن بدل الأمر المقدم ذكره.
وثالثها: أن الضمير عائد إلى ما أوصى به الميت فلذلك ذكره، وإن كانت الوصية مؤنثة.
ورابعها: أن الكناية تعود إلى معنى الوصية وهو قول أو فعل.
(فَإِنَّمَا إِثْمُهُ عَلَى الَّذِينَ يُبَدِّلُونَهُ) قال ابن عباس وغير واحد: وقد وقع أجر الميت على الله، وتعلق الإثم بالذين بدّلوا ذلك.
(إِنَّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيم) تهديد ووعيد، أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك وبما بدّله الموصَى إليهم.
قال ابن عاشور: (إن الله سميع عليم) وعيد للمبدل، لأن الله لا يخفى عليه شيء وإن تحيل الناس لإبطال الحقوق بوجوه الحيل، وجارُوا بأنواع الجور فالله سميع وصية الموصي ويعلم فعل المبدل، وإذا كان سميعاً عليماً وهو قادر فلا حائل بينه وبين مجازاة المبدل.
• والسميع: اسم من أسماء الله متضمن لصفة السمع لله تعالى، فهو سبحانه يسمع جميع الأقوال والأصوات، السر والجهر عنده سواء.
كما قال تعالى (سَوَاءٌ مِنْكُمْ مَنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَنْ جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ).
وقال تعالى (وَإِنْ تَجْهَرْ بِالْقَوْلِ فَإِنَّهُ يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى).
وقال تعالى (وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ).
وقال تعالى (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ).
стр. 545
• وسمع الله ينقسم إلى قسمين:
أولاً: سمع إدراك: أي أن الله يسمع كل صوت خفي أو ظهر.
قال تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِي … ).
هذا السمع قد يراد به الإحاطة، كالآية السابقة.
وقد يراد به التهديد، كقوله تعالى: (قَدْ سَمِعَ اللّهُ قَوْلَ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّ اللّهَ فَقِيرٌ وَنَحْنُ أَغْنِيَاء).
وقد يراد به التأييد، ومنه قوله تعالى لموسى: (قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى) أي أسمعك وأؤيدك.
ثانياً: سمع إجابة: أي أن الله يستجيب لمن دعاه.
ومنه قول إبراهيم: (إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاء) أي مجيب الدعاء.
ومنه قول المصلي: (سمع الله لمن حمده) يعني استجاب لمن حمده.
• وسمع الله ليس كسمع أحد من خلقه، فإن الخلق وإن وصفوا بالسمع والبصر كما في قوله تعالى (إِنَّا خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ نُطْفَةٍ أَمْشَاجٍ نَبْتَلِيهِ فَجَعَلْنَاهُ سَمِيعاً بَصِيراً)، لكن هيهات أن يكون سمعهم وبصرهم كسمع وبصر خالقهم جل شأنه، قد نفى الرب سبحانه المشابهة عن نفسه بقوله (لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ) لأن سمع الله وبصره مستغرق لجميع المسموعات والمرئيات، لا يعزب عن سمعه مسموع وإن دق وخفي سراً كان أو جهراً.
• والله هو السميع الذي يسمع المناجاة ويجيب الدعاء عند الاضطرار، ويكشف السوء ويقبل الطاعة، وقد دعا الأنبياء والصالحون ربهم سبحانه بهذا الاسم ليقبل منهم طاعتهم أو ليستجيب لدعائهم، فإبراهيم وإسماعيل قالا (وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وامرأة عمران عندما نذرت ما في بطنها خالصاً لله لعبادته ولخدمة بيت المقدس قالت (فَتَقَبَّلْ مِنِّي إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
ودعا زكريا ربه أن يرزقه ذرية صالحة ثم قال (إِنَّكَ سَمِيعُ الدُّعَاءِ).
ودعا يوسف ﵇ ربه أن يصرف عنه كيد النسوة (فَاسْتَجَابَ لَهُ رَبُّهُ فَصَرَفَ عَنْهُ كَيْدَهُنَّ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).
وأمر بالالتجاء إليه عند حصول وساوس شياطين الإنس والجن قال تعالى (وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ
عَلِيمٌ).
стр. 546
(عَلِيمٌ) أي: قد اطلع على ما أوصى به الميت، وهو عليم بذلك، وبما بدّله الموصي إليهم.
• وفي الآية وعيد شديد.
(فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفاً) الخطاب لجميع المسلمين، قيل لهم: إن خفتم من موص ميلاً في الوصية، وعدولاً عن الحق.
• الجنف، الميل، وذلك بأن يقع منه بغير قصد لجهله.
• قال الرازي: اعلم أنه تعالى لما توعد من يبدل الوصية، بين أن المراد بذلك التبديل أن يبدله عن الحق إلى الباطل، أما إذا غيره عن باطل إلى حق على طريق الإصلاح فقد أحسن، وهو المراد من قوله (فَمَنْ خَافَ مِن مُّوصٍ جَنَفًا أَوْ إِثْمًا فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ) لأن الإصلاح يقتضي ضرباً من التبديل والتغيير فذكر تعالى الفرق بين هذا التبديل وبين ذلك التبديل الأول، بأن أوجب الإثم في الأول وأزاله عن الثاني بعد اشتراكهما في كونهما تبديلين وتغييرين، لئلا يقدر أن حكمهما واحد في هذا الباب.
• قوله تعالى (فمن خاف) بعض العلماء فسره بالعلم فقال (فمن خاف) أي: من علِم، وبعضهم فسرها على بابها.
(أَوْ إِثْماً) أي: ووقوعاً في إثم - عن عمد - ولم يخرجها بالمعروف، وذلك بأن يوصي بالمال إلى زوج ابنته، أو لولد ابنته، لينصرف المال إلى ابنته، أو إلى ابن ابنه، والغرض أن ينصرف المال إلى ابنه، أو أوصى لبعيد وترك القريب.
(فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: أصلح الوصية وبدل فيها وغيرها إلى الوجه الصحيح الشرعي، وهذا الإصلاح والتوفيق ليس من التبديل بشيء.
وقيل: أصلح بينهم: بين الموصِي والموصَىَ له وبين الورثة، وهذا اختيار ابن جرير.
قال ابن جرير: وأولى الأقوال في تأويل الآية أن يكون تأويلها: فمن خاف من موصٍ جنفاً أو إثماً، وهو أن يميل إلى غير الحق خطأ منه، أو يتعمد إثماً في وصيته بأن يوصي لوالديه وأقربيه الذين لا يرثونه بأكثر مما يجوز له أن يوصي لهم به من ماله، وغيّر ما أذن الله له به مما جاوز الثلث، أو بالثلث كله، وفي المال قلة، وفي الورثة كثرة، فلا بأس على من حضره أن يصلح بين الذين يوصَى لهم وبين ورثة الميت وبين الميت، بأن يأمر الميت في ذلك بالمعروف، ويعرّفه ما أباح الله له في ذلك، وأذن له فيه من الوصية في ماله، وينهاه أن يجاوز في وصيته المعروف الذي قال الله تعالى ذكره في كتابه (كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْراً الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ) وذلك هو الإصلاح الذي قال الله تعالى (فَأَصْلَحَ بَيْنَهُمْ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ) وكذلك إذا كان في المال فضل وكثرة، وفي الورثة قلة، فأراد أن يقصّر في وصيته لوالديه وأقربيه عن ثلثه، فأصلح من حضره بينه وبين ورثته وبين والديه وأقربيه الذين يريد أن يوصي لهم بأن يأمر المريض أن يزيد في وصيته لهم، ويبلغ بها ما رخص الله فيه من الثلث، فلذلك أيضاً هو من الإصلاح بينهم بالمعروف.
стр. 547
• والإصلاح فرض على الكفاية، فإذا قام أحدهم به، سقط عن الباقين، وإن لم يفعلوا أثم الكل.
(إِنَّ اللّهَ غَفُورٌ) الغفور اسم من أسماء الله متضمن للمغفرة الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)، وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَفُورُ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (ورحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ).
والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم.
ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام.
• فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك وسع المغفرة).
وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى).
بل من فضله وجوده وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
стр. 548
(رَحِيمٌ) اسم من أسماء الله، متضمن لصفة الرحمة لله الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ).
الفوائد:
١ - مشروعية الوصية.
٢ - أن الوصية تكون مستحبة لمن ترك مالاً كثيراً.
٣ - تأكيد الوصية على من ترك مالاً كثيراً.
٤ - أن المتقين هم الذين يراعون فرائض الله.
٥ - أن من فعل الخير ثم غُيّر بعده كتِبَ له ما أراد.
٦ - أن من بدل الوصية جهلاً فلا إثم عليه.
٧ - تحريم تغيير الوصية.
٨ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع - العليم.
٩ - أن من خاف جوراً أو معصية من موص فإنه يصلح.
١٠ - رفع الإثم عن الوصي إذا أصلح لخوفه جنفاً أو إثماً.
١١ - فضيلة الإصلاح.
стр. 549
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (١٨٣) أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ وَأَن تَصُومُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٤)). [سورة البقرة: ١٨٣ - ١٨٤].
(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) يقول تعالى مخاطباً للمؤمنين من هذه الأمة، وآمراً لهم بالصيام، وهو الإمساك عن الطعام والشراب والوقاع، بنية خالصة لله لما فيه من زكاة النفوس وطهارتها وتنقيتها من الأخلاط الرديئة والأخلاق الرذيلة، وذكر كما أنه أوجبه عليهم فقد أوجبهم على من كان قبلهم فلهم فيهم أسوة، وليجتهد هؤلاء في أداء الفرض أكمل مما فعله أولئك، كما قال تعالى (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجاً وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ
أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ) ولهذا قال هاهنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ).
• قال الرازي: قوله تعالى (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) في هذا التشبيه قولان:
أحدهما: أنه عائد إلى أصل إيجاب الصوم، يعني هذه العبادة كانت مكتوبة واجبة على الأنبياء والأمم من لدن آدم إلى عهدكم.
والقول الثاني: أن التشبيه يعود إلى وقت الصوم وإلى قدره.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (كما كتب على الذين من قبلكم) تشبيه في أصل فرض ماهية الصوم لا في الكيفيات، والتشبيهُ يكتفَى فيه ببعض وجوه المشابهة وهو وجه الشبه المراد في القصد، وليس المقصود من هذا التشبيه الحوالةَ في صفة الصوم على ما كان عليه عند الأمم السابقة، ولكن فيهم أغراضاً ثلاثة تضمنها التشبيه:
أحدها: الاهتمام بهذه العبادة، والتنويه بها لأنها شرعَها الله قبلَ الإسلام لمن كانوا قبل المسلمين، وشرعها للمسلمين، وذلك يقتضي اطِّراد صلاحها ووفرة ثوابها، وإنهاض همم المسلمين لتلقي هذه العبادة كي لا يتميز بها من كان قبلهم.
стр. 550
والغرض الثاني: أن في التشبيه بالسابقين تهويناً على المكلفين بهذه العبادة أن يستثقلوا هذا الصوم؛ فإن في الاقتداء بالغير أسوة في المصاعب، فهذه فائدة لمن قد يستعظم الصوم من المشركين فيمنعه وجوده في الإسلام من الإيمان ولمن يستثقله من قريبي العهد بالإسلام، وقد أكَّد هذا المعنى الضّمني قوله بعده (أياماً معدودات).
والغرض الثالث: إثارة العزائم للقيام بهذه الفريضة حتى لا يكونوا مقصرين في قبول هذا الفرض بل ليأخذوه بقوة تفوق ما أدى به الأمم السابقة.
• قال القفال ﵀: انظروا إلى عجيب ما نبّه الله عليه من سعة فضله ورحمته في هذا التكليف، فقد نبّه إلى ما يلي:
أولاً: أنّ لهذه الأمة في شريعة الصيام أسوة بالأمم المتقدمة.
ثانياً: أن الصوم سبب لحصول التقوى، فلو لم يُفرض لفات هذا المقصود الشريف.
ثالثاً: أنه مختص بأيام معدودات، فإنه لو جعله أبداً لحصلت المشقة العظيمة.
رابعاً: أنه خصّه من بين الشهور بالشهر الذي أُنزل فيه القرآن، لكونه أشرف الشهور.
خامساً: إزالة المشقة في إلزامه - فقد أباح تأخيره لمن يشق عليه من المسافرين والمرضى - فهو سبحانه قد راعى في فريضة الصيام هذه الوجوه من الرحمة، فله الحمد على نعمه التي لا تحصى.
(لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ) بيان لحكمة الصيام وما لأجله شرع.
فالصيام فيه تقوى لله، لأن الصوم فيه تزكية للبدن وتضييق لمسالك الشيطان، ولهذا ثبت في الصحيحين (يا معشر الشباب من استطاع منكم الباءة فليتزوج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء).
• قال القاسمي (لعلكم تتقون) تأكيد للحكم، وترغيب فيه، وتطييب لأنفس المخاطبين به، فإن الشاق إذا عمّ سهل عمله. والمماثلة إنما هي في أصل الوجوب لا في الوقت والمقدار، وفيه دليل على أن الصوم عبادة قديمة.
• فالصوم شرع من أجل حصول التقوى.
• قال ابن رجب الحنبلى: الصيام يقي صاحبه من المعاصي في الدنيا كما قال (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) فإذا كان له جنة من المعاصي كان له في الآخرة جنة من النار ومن لم يكن له جنة في الدنيا من المعاصي لم يكن له جنة في الآخرة من النار.
стр. 551
• الصيام من أسباب تقوى الله ، لماذا؟
أ- لأن فيه امتثال أمر الله واجتناب نهيه.
ب- أن الصائم يترك ما أحل الله له من الأكل والشرب والجماع ونحوها مما تميل إليه نفسه متقرباً بذلك إلى الله.
ج- أن الصائم يدرب نفسه على مراقبة الله، فيترك ما تهوى نفسه مع قدرته عليه، لعلمه باطلاع الله عليه.
د- أن الصيام يضيق مجاري الشيطان، فإنه يجري من ابن آدم مجرى الدم.
هـ- أن الصائم في الغالب تكثر طاعته، والطاعات من خصال التقوى.
و- أن الغني إذا ذاق ألم الجوع، أوجب له ذلك مواساة الفقراء المعدمين، وهذا من خصال التقوى.
ولهذا قال ابن رجب: في التقرب بترك هذه الشهوات بالصيام فوائد:
منها: كسر النفس، فإن الشبع والري ومباشرة النساء تحمل النفس على الأشَر والبطر والغفلة.
ومنها: تخلي القلب للفكر والذكر، فإن تناول هذه الشهوات قد تقسي القلب وتُعميه.
ومنها: أن الغني يعرف قدر نعمة الله عليه بإقداره له على ما منعه كثيراً من الفقراء.
ومنها: أن الصيام يضيق مجاري الدم التي هي مجاري الشيطان من ابن آدم، فتسكن بالصيام وساوس الشيطان.
• قوله تعالى (كتب عليكم الصيام) الصيام لغة: الإمساك، يقال: صامت الخيل، إذا أمسكت عن العلف والسير، ومنه قوله تعالى: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْماً) أي صمتاً، والصمت إمساك عن الكلام.
وأما في الشرع: إمساك بنية عن جميع المفطرات، كالأكل والشرب وغيرهما مما يفطر الصوم، من طلوع الفجر إلى غروب الشمس.
• (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ) أي فرض، كان فرض صوم رمضان في السنة الثانية للهجرة، وقد صام النبي ﷺ تسع رمضانات إجماعاً.
• (كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ) اختلفوا في هذا التشبيه: قال سعيد بن جبير: كان الصوم في ابتداء الإسلام واجباً من العتمة إلى الليلة القابلة، وكذا كان واجباً على من قبلنا.
стр. 552
وقيل: أراد صوم رمضان كتب على المسلمين كما كتب على الذين من قبلهم، يعني: النصارى.
(أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) أي: والصيام أيامه معدودات، وهي أيام قلائل، فلم يفرض عليكم الدهر كله تخفيفاً ورحمة بكم.
• اختلف في المراد بها: فقال بعض العلماء: ثلاثة أيام من كل شهر، وقال بعضهم: هي رمضان، وهذا هو الراجح، ورجحه الطبري.
• قال الطبري: وأولى الأقوال بالصواب عندي قول من قال: عنى جل ثناؤه بقوله (أَيَّاماً مَّعْدُودَاتٍ) أيام شهر رمضان، وذلك أنه لم يأت خبر تقوم به حجة بأن صوماً فرض على أهل الإسلام غير صوم شهر رمضان ثم نسخ بصوم رمضان، لأن الله تعالى قد بيّن في سياق الآية أن الصوم الذي أوجبه علينا هو صوم شهر رمضان دون غيره من الأوقات، بإبانته عن الأيام التي كتب علينا صومها بقوله (شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنْزِلَ فِيهِ القرآن) فتأويل الآية كتب عليكم أيها المؤمنون الصيام، كما كتب على من قبلكم لعلكم تتقون، أياماً معدودات هي شهر رمضان.
قال ابن عاشور: المراد بالأيام من قوله (أياماً معدودات) شهر رمضان عند جمهور المفسرين، وإنما عبر عن رمضان بأيام وهي جمع قلة ووصف بمعدودات وهي جمع قلة أيضاً؛ تهوينا لأمره على المكلفين، والمعدودات كناية عن القلة؛ لأن الشيء القليل يعد عداً؛ ولذلك يقولون: الكثير لا يعد، ولأجل هذا اختير في وصف الجمع مجيئه في التأنيث على طريقة الجمع بألف وتاء وإن كان مجيئه على طريقة الجمع المكسر الذي فيه هاء تأنيث أكثر.
(فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) أي: كان به مرض يؤلمه ويؤذيه أو يخاف تماديه أو تزيُّده فإنه يفطر.
(أَوْ عَلَى سَفَرٍ) أي: كان صحيحاً لبس مرض لكنه على سفر.
(فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) أي: فعليه عدة الأيام التي أفطرها مرضه أو في سفره.
قال ابن كثير: المريض والمسافر لا يصومان في حال المرض والسفر لما في ذلك من المشقة عليهما بل يفطران ويقضيان بعد ذلك من أيام أخر.
(وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كان ذلك في ابتداء الإسلام: من شاء صام، ومن شاء أفطر وأطعم عن كل يوم مسكيناً، ثم نسخ ذلك بقوله تعالى (فمن شهد منكم الشهر فليصمه) فقد روى البخاري عن سلمة بن الأكوع أنه قال لما نزلت (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ) كان من أراد أن يفطر يفتدي، حتى نزلت الآية التي بعدها فنسختها، وبالنسخ قال أكثر المفسرين.
• فالمراد بقوله (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ) المقيم الصحيح فخيره الله تعالى أولاً بين هذين، ثم نسخ ذلك وأوجب الصوم عليه مضيقاً معيناً، وهذا قول أكثر المفسرين.
стр. 553
وقيل: وعلى الذين يطيقونه في حال الشباب، وعجزوا عنه في الكبر، الفدية إذا أفطروا، وهو مروي عن علي، فعلى هذا لا تكون الآية منسوخة.
(فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ) قال ابن عباس: أراد به من أطعم مسكينين وعليه طعام مسكين واحد، أو أطعم صاعاً وعليه مد، فهو خير له.
قال الرازي: أما قوله تعالى (فَمَن تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ) ففيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن يطعم مسكيناً أو أكثر.
والثاني: أن يطعم المسكين الواحد أكثر من القدر الواجب.
والثالث: قال الزهري: من صام مع الفدية فهو خير له.
(وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي ما كتب عليكم من شهر رمضان، فهو خير لكم من أن تفطروا أو تفتدوا. (وسبق أن الآية منسوخة).
الفوائد:
١ - أهمية الصيام، حيث فرضه الله على الأمم من قبلنا، وهذا يدل على محبة الله له وأنه لازم لكل أمة.
٢ - التخفيف على هذه الأمة، حيث أنها لم تكلف وحدها بالصيام الذي قد يكون فيه مشقة على النفوس والأبدان.
٣ - الإشارة إلى أن الله تعالى أكمل لهذه الأمة دينها، حيث أكمل لها الفضائل التي سبقت لغيرها.
٤ - أن الصيام من أسباب تقوى الله .
٥ - كان فرض رمضان على التدرج، على ثلاث مراحل:
أ-فرض صيام عاشوراء، فقد أمر النبي ﷺ بصيامه.
ب-فرض صوم رمضان على التخيير بين الصيام وبين الفدية، قال تعالى: (وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعَامُ مِسْكِينٍ فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْراً فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ وَأَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ … ).
ج-التأكد على فرض الصوم بدون تخيير، قال تعالى: (فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ).
стр. 554
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِيَ أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدًى لِّلنَّاسِ وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ وَمَن كَانَ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِّنْ أَيَّامٍ أُخَرَ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ وَلِتُكْمِلُواْ الْعِدَّةَ وَلِتُكَبِّرُواْ اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ (١٨٥)). [سورة البقرة: ١٨٥]
(شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ) يمدح تعالى شهر الصيام من بين سائر الشهور، بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه.
سمي الشهر بذلك لشهرته، وأما رمضان فقيل: سمي بذلك لأنهم كانوا يصومون في الحر الشديد، ومنه الرمضاء للرمل الذي حمي بالشمس.
• أن إنزال القرآن كان في رمضان.
فإن قال قائل: إنما أنزل القرآن في ثلاث وعشرين سنة، فكيف أنزل فيه القرآن؟
فالجواب: قال ابن عباس: أنزل الله تعالى القرآن جملة في رمضان إلى بيت في السماء يسمى (بيت العز) ثم منه أنزله إلى الأرض أرسالاً.
(هُدىً لِلنَّاسِ) أي: هدى لقلوب العباد ممن آمن به وصدقه واتبعه.
• في هذه الآية أن القرآن هدى لجميع الناس، وجاء في آية أخرى أنه هدى للمتقين؟
والجمع: أن الهدى يستعمل في القرآن استعمالين: أحدهما عام، والثاني خاص.
أما الهدى العام فمعناه: إبانة طريق الحق وإيضاح المحجة، سواء سلكها المبيَّن له أم لا.
ومنه بهذا المعنى قوله تعالى (وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ) أي: بينا لهم طريق الحق على لسان نبينا صالح ﵇ مع أنهم لم يسلكوها، ومنه قوله تعالى (إِنَّا هَدَيْنَاهُ السَّبِيلَ) أي: بينا له طريق الخير والشر.
وأما الهدى الخاص: فهو تفضل الله بالتوفيق على العبد حتى يهتدي إلى ما يرضي ربه، ويكون سبب دخوله الجنة.
ومنه بهذا المعنى قوله تعالى (أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ) وقوله (فَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يَهْدِيَهُ يَشْرَحْ صَدْرَهُ لِلإِسْلامِ)
فإذا علمت ذلك فاعلم أن الهدى الخاص بالمتقين هو الهدى الخاص، وهو التفضل بالتوفيق عليهم.
(وَبَيِّنَاتٍ مِنَ الْهُدَى وَالْفُرْقَانِ) أي: دلائل وحجج بينة واضحة جلية لمن فهمها وتدبرها، دالة على صحة ما جاء به من الهدى المنافي للضلال، والرشد، المخالف للغي، ومفرقاً بين الحق والباطل والحلال والحرام.
• قال ابن عاشور: المراد بالهدى الأول: ما في القرآن من الإرشاد إلى المصالح العامة والخاصة التي لا تنافي العامة، وبالبينات من الهدى: ما في القرآن من الاستدلال على الهدى الخفي الذي ينكره كثير مِن الناس مثل أدلة التوحيد وصدق الرسول وغير ذلك من الحجج القرآنية.
стр. 555
• وقد وصف الله القرآن بأوصاف منها:
أ-أنه (نور)، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُوراً مُبِيناً).
ب- (هدىً) و (شفاء) و (رحمة) و (موعظة)، قال تعالى (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصُّدُورِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ).
ج- (مبارك)، قال تعالى (وَهَذَا كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ مُصَدِّقُ الَّذِي بَيْنَ يَدَيْهِ).
د- (مبين)، قال تعالى (قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ).
هـ- (بشرى)، قال تعالى (مُصَدِّقاً لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُدىً وَبُشْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ).
و- (عزيز)، قال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ).
ز- (مجيد)، قال تعالى (بَلْ هُوَ قُرْآنٌ مَجِيدٌ).
(فَمَنْ شَهِدَ مِنْكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ … ) هذا إيجاب حكم على من شهد استهلال الشهر، أي كان مقيماً في البلد حين دخل شهر رمضان، وهو صحيح في بدنه أن يصوم لا محالة، ونسخت هذه الآية الإباحة المتقدمة لمن كان صحيحاً مقيماً أن يفطر ويفدي بإطعام مسكين عن كل يوم، ولما ختم الصيام أعاد ذكر الرخصة للمريض وللمسافر في الإفطار بشرط القضاء، فقال:
(وَمَنْ كَانَ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) معناه: ومن كان به مرض في بدنه يشق عليه الصيام معه، أو يؤذيه، أو كان على سفر، أي في حالة سفر، فله أن يفطر، فإذا أفطر فعليه عدة ما أفطره في السفر من الأيام، ولهذا قال:
(يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ) أي إنما رخص لكم في الفطر في حال المرض والسفر مع تحتمه في حق المقيم الصحيح تيسيراً عليكم ورحمة بكم.
• وفي هذا دليل على أن الدين يسر.
стр. 556
عن أبي قتادة عن الأعرابي الذي سمع النبي ﷺ يقول (إن خير دينكم أيسره، إن خير دينكم أيسره). رواه أحمد
وعن أنس بن مالك قال: إن رسول الله ﷺ قال (يسروا ولا تعسروا، وسكنوا ولا تفرقوا). متفق عليه
(وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ) وهو ضد اليسر.
(وَلِتُكْمِلُوا الْعِدَّةَ) أي عدة ما أفطرتم من أيام أخر.
(وَلِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ) أي ولتذكروا الله عند انقضاء عبادتكم.
كما قال تعالى (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا).
وقال (فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ).
وقال تعالى (فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وقال (وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ الْغُرُوبِ وَمِنَ اللَّيْلِ فَسَبِّحْهُ وَأَدْبَارَ السُّجود).
ولهذا جاءت السنة باستحباب التسبيح، والتحميد والتكبير بعد الصلوات المكتوبات.
(وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ) أي لتشكروا الله على ما أنعم به عليكم من الهداية والتوفيق وتيسير ما لو شاء عسر عليكم. (وقد تقدمت مباحث الشكر).
الفوائد:
١ - فضيلة هذا الشهر.
٢ - أن الله أنزل القرآن في هذا الشهر.
٣ - أن القرآن منزل.
٤ - القرآن هداية لجميع الناس.
٥ - وجوب الصوم إذا ثبت الشهر.
٦ - يسر الشريعة الإسلامية.
٧ - انتفاء الحرج والمشقة.
٨ - مشروعية التكبير عند اكتمال العدة.
٩ - أن الله يشرع الشرائع لحكم عظيمة.
١٠ - فضل شكر الله.
١١ - الإشارة إلى أن القيام بطاعة الله من شكر الله.
١٢ - أن من عصى الله فإنه لم يقم بالشكر.
стр. 557
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُواْ لِي وَلْيُؤْمِنُواْ بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ (١٨٦)) [سورة البقرة: ١٨٦]
(وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي) روي أن سبب نزول هذه الآية: أن أعرابياً قال: يا رسول الله؛ أقريب ربنا فنناجيه، أم بعيد فنناديه؟ فسكت النبي ﷺ ، فأنزل الله: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ … )، لأنه تعالى، الرقيب الشهيد، المطلع على السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور، فهو قريب أيضاً من داعيه، بالإجابة، ولهذا قال:
(فَإِنِّي قَرِيبٌ) والقرب نوعان: قرب بعلمه من كل خلقه، وقرب من عابديه وداعيه بالإجابة والمعونة والتوفيق.
فمن دعا ربه بقلب حاضر، ودعاء مشروع، ولم يمنع مانع من إجابة الدعاء، كأكل الحرام ونحوه، فإن الله قد وعده بالإجابة، وخصوصاً إذا أتى بأسباب إجابة الدعاء، وهي الاستجابة لله تعالى بالانقياد لأوامره ونواهيه القولية والفعلية، والإيمان به، الموجب للاستجابة، فلهذا قال: (فليستجيبوا لي وليؤمنوا بي لعلهم يرشدون) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة.
• وقُرب الله تعالى هل هو مختص بالمؤمنين أو يعم غيرهم؟
بعض أهل السنة - وهو جمهورهم - من يجعل القُرب نوعان:
القرب الأول: قرب عام.
وهو قرب الله من جميع الخلائق جميعاً.
كما قال تعالى (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ).
والثاني: القرب الخاص.
وهو قربه تعالى من المؤمنين بالإجابة والرعاية.
كما قال تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ).
وحديث ( … اربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائباً إنما تدعون سميعاً بصيراً وإن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته).
قال السعدي في تفسير (إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُجِيبٌ) أي: قريب ممن دعاه دعاء مسألة، أو دعاء عبادة، يجيبه بإعطائه سؤاله، وقبول عبادته، وإثابته عليها، أجل الثواب.
стр. 558
واعلم أن قربه تعالى نوعان:
عام، وخاص. فالقرب العام، قربه بعلمه، من جميع الخلق، وهو المذكور في قوله تعالى (ونحن أقرب إليه من حبل الوريد).
والقرب الخاص، قربه من عابديه، وسائليه، ومحبيه، وهو المذكور في قوله تعالى (واسجد واقترب).
وفي هذه الآية، وفي قوله تعالى (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ)، وهذا النوع، قرب يقتضي
إلطافه تعالى، وإجابته لدعواتهم، وتحقيقه لمراداتهم، ولهذا يقرن باسمه (القريب).
وذهب شيخ الإسلام ابن تيمية إلى أن القرب خاص بالمؤمنين وهذا القول أصح.
لأن الآيات التي استدل بها من عمم القرب وأن له قرباً عاماً إنما المذكور فيها قرب الملائكة.
فقوله تعالى (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) قال ابن القيم: … أنه قربه من العبد بملائكته الذين يصلون إلى قلبه، فيكون أقرب إليه من ذلك العرق، اختاره شيخنا.
وقال أيضاً ابن القيم: المراد بقوله (نحن) أي: ملائكتنا كما قال (فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ) أي: إذا قرأه عليك رسولنا جبريل، قال: ويدل عليه قوله (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) فقيد القرب المذكور بتلقي الملكين، فلا حجة في الآية لحلولي ولا معطل.
(أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ) والدعاء نوعان: دعاء عبادة، ودعاء مسألة.
• قال القرطبي: قوله تعالى (أُجِيبُ دَعْوَةَ الداع إِذَا دَعَانِ) أي: أقبل عبادة من عبدني؛ فالدعاء بمعنى العبادة، والإجابة بمعنى القبول، دليله ما رواه أبو داود عن النُّعمان بن بَشير عن النبيّ ﷺ قال (الدعاء هو العبادة) ثم قرأ (وقال ربكم ادعوني أستجب لكم) فسُمِّيَ الدعاء عبادة؛ ومنه قوله تعالى (إِنَّ الذين يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) أي دعائي. فأمر تعالى بالدعاء وحض عليه وسمّاه عبادة، ووعد بأن يستجيب لهم.
(فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي) فليدعو لي، وقيل: فليطلبوا أن أجيبهم.
стр. 559
(وَلْيُؤْمِنُوا بِي) الإيمان الحق، وليثقوا بوعدي.
(لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ) أي: يحصل لهم الرشد الذي هو الهداية للإيمان والأعمال الصالحة، ويزول عنهم الغي المنافي للإيمان والأعمال الصالحة. ولأن الإيمان بالله والاستجابة لأمره، سبب لحصول العلم كما قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَاناً). (تفسير السعدي).
• قوله تعالى (عبادي) تأمل في هذا اللفظ من الرأفة بالعباد، حيث أضافهم إلى نفسه العليّة سبحانه وبحمده، فأين الداعون؟ وأين الطارقون لأبواب فضله.
الفوائد:
١ - الحث على الدعاء، وأنه لا يضيع تعالى لديه شيء، ولا يشغله عنه شيء.
عن سلمان الفارسي قال: قال رسول الله ﷺ (إن الله تعالى ليستحي أن يبسط العبد إليه يديه يسأله فيهما خيراً فيردهما خائبتين). رواه أبو داود
وعن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يدعو الله تعالى بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخرها له في الأخرى، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها، قالوا: إذاً نكثر، قال: الله أكثر). رواه أحمد
٢ - أن الدعاء عبادة (وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ) ولولا ذلك ما صح أن يقال: (إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي).
وإذا ثبت أنه عبادة فصرفه لغير الله شرك أكبر.
٣ - إن قيل: فما للداعي قد يدعو فلا يجاب؟
قال بعض العلماء: إن قوله (أجيب) إن شئت، كما قال: (فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ) فيكون هذا من باب المطلق المقيد.
وقال بعضهم: إنما مقصود هذا الإخبار تعريف جميع المؤمنين أن هذا وصف ربهم سبحانه أن يجيب دعوة الداعين في الجملة، وأنه قريب من العبد يسمع دعاءه ويعلم اضطراره.
وقال بعضهم: إن الله يجيب كل الدعاء، فإما أن تظهر الإجابة في الدنيا، وإما أن يدخر له في الآخرة، وإما أن يكفر عنه، لما رواه أبو سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ : (ما من مسلم يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته، وإما أن يدخر له، وإما أن يكف عنه من السوء بمثلها).
стр. 560
• آداب الدعاء:
أولاً: أن لا يستعجل الإجابة.
عن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم يستجب لي). متفق عليه
ثانياً: أن يرفع يديه.
لحديث سلمان قال: قال رسول الله ﷺ : (إن الله تعالى حيي كريم يستحي إذا رفع الرجل إليه يديه أن يردهما صفراً خائبتين). رواه أحمد وأبو داود
ثالثاً: الإلحاح بالدعاء موقناً بالإجابة.
قال ﷺ : (ادعوا الله وأنتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءً من قلبٍ غافلٍ لاهٍ). رواه الترمذي وحسنه
رابعاً: أن يتحرى الأوقات الفاضلة:
(الثلث الأخير) عن جابر ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (في الليلة ساعة لا يسأل فيها عبد سؤالاً إلا أعطاه الله وذلك كل ليلة). رواه مسلم
وعن أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (ينزل الله كل ليلة إلى السماء الدنيا الثلث الآخر يقول: من ذا الذي يدعوني فأستجب له، من ذا الذي يسألني فأعطيه … ). متفق عليه
(بين الأذان والإقامة) قال ﷺ : (الدعاء لا يرد بين الأذان والإقامة). رواه الترمذي
(وفي يوم الجمعة ويوم عرفة) عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ ، قال: (إن في الجمعة ساعة لا يوافقها عبد مسلم يسأل الله فيها خيراً إلا أعطاه).
стр. 561
• موانع إجابة الدعاء.
أولاً: أن يكون في كسب الرجل حرام.
لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس؛ إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين … ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك). رواه مسلم
وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: يا رسول الله؛ ادعو الله أن يجعلني مستجاب الدعوة؟ فقال النبي ﷺ : (يا سعد؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملاً أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به). رواه الطبراني
ثانياً: أن يكون الدعاء في إثم أو ظلم.
لحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) فقال رجل من القوم: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر) رواه الترمذي وحسنه
ثالثاً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده؛ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). رواه أحمد والترمذي
رابعاً: أن يعتدي في دعائه، كأن يرفع صوته، أو يحدث فيه بدعة.
قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ).
وقال ﷺ : (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). رواه أحمد
٤ - أن الله قريب من عباده.
٥ - الحذر من الله، لأنه سميع وقريب وبصير.
стр. 562
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)). [البقرة: ١٨٧].
(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) هذه رخصة من الله للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا في ذلك مشقة عظيمة.
وكأن السبب في نزول هذه الآية حديث البراء قال (كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن بفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فاطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فقالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) والرفث هنا: الجماع.
• قال الرازي: ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد ﷺ ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية.
(أُحِلَّ لَكُمْ) أي أبيح لكم.
(لَيْلَةَ الصِّيَامِ) في ليلة الصيام.
(الرَّفَثُ) الرفث هنا: الجماع.
(هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) يعني تعالى بذلك نساؤكم لباس لكم وأنتم لباس لهن.
• قال أبو السعود (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) استئنافٌ مبينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن.
• قال ابن كثير: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن.
• قال بعض العلماء: سكون لكم، كما قال تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً) يعني بذلك تسكنون فيه، وكذلك زوجة
الرجل سكنه يسكن إليها، فيكون كل واحد منهما (لباساً) لصاحبه، بمعنى سكون إليه.
وقيل: أن يكون كل واحد منهما جعل لصاحبه لباساً، لتجردهما عند النوم، واجتماعهما في ثوب واحد، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه، بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما هو لباس.
стр. 563
• سؤال: لم قدَّم قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) على (وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)؟
الجواب: قدَّم قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) على (وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) تنبيهاً على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها؛ ولأنَّه هو البادئُ بطلب ذلك، وكنى باللباس عن شِدَّةِ المخالطة.
(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) إن قال قائل: ما هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم التي تاب الله فيها عليهم فعفا عنهم؟
قيل: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين: الجماع، والمطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراماً ذلك عليهم.
• قال بعضهم: (تختانون) من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بمخالفة الأمر وترك الوقاية.
(فَتَابَ عَلَيْكُمْ … ) أي: تاب عليكم مما وقع منكم من الخيانة لأنفسكم، وتاب عليكم أيضاً بالتوسعة لكم، والتخفيف عنكم بنسخ المنع من الجماع والأكل والشرب بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء ليالي الصيام بإباحة ذلك.
والنسخ إلى أخف توبة من الله على عباده، كما قال تعالى في نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ).
وكما قال تعالى في نسخ وجوب قيام الليل إلى استحبابه كما قال تعالى (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ).
(وَعَفَا عَنْكُمْ) أي: تجاوز عن عقوبتكم.
(فَالْآنَ) فالآن بعد هذه الرخصة والسعة من الله
(بَاشِرُوهُنَّ) وطئاً وقبلة ولمساً وغير ذلك.
• وسمي الجماع مباشرة لالتقاء البشرتين فيه، بشرة المرأة وبشرة الرجل.
(وَابْتَغُوا) أي: اطلبوا.
(مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي: واطلبوا ما كتب الله لكم.
اختلف العلماء في المراد من ذلك:
قال بعضهم: الولد.
قاله أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح والقاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم.
وقال بعضهم: ليلة القدر.
وقال بعضهم: الجماع.
стр. 564
ورجح ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله، حيث قال: ..... غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال: معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد، لأنه عقيب قوله (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) بمعنى جامعوهن، فلأن يكون قوله (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل، أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول ﷺ .
• قد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم في ليالي رمضان بعد أن كان محرما عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم اللّه من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام.
وفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى يتحقق ما يريده اللّه تعالى من بقاء النوع الإنساني، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا.
(وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ … ) أباح الله تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصبح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله (مِنَ الْفَجْرِ).
والمقصود من الخيط الأبيض: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره.
والمقصود من الخيط الأسود: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل.
كما جاء في الحديث عند البخاري عن سهل بن سعد قال (أنزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل بعد (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه يعني الليل والنهار). رواه البخاري
وعن عدي بن حاتم قال (لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: إن وسادتك إذاً لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل). متفق عليه
стр. 565
وعليه فمعنى الآية: وكلوا بالليل في شهر صومكم واشربوا وباشروا نساءكم مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده.
(مِنَ الْفَجْرِ) أي: حتى طلوع الفجر.
(ثُمَّ) أي: إذا طلع الفجر
(أَتِمُّوا الصِّيَامَ) أي: أكملوا الصيام، وهو الإمساك عن المفطرات.
(إِلَى اللَّيْلِ) وهو غروب الشمس.
عن عمر بن الخطاب قال: قال ﷺ (إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم). متفق عليه
(وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) أي ولا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره.
فلا يجوز للمعتكف في المسجد في رمضان ولا في غيره جماع زوجته، ولا فعل مقدمات الجماع، لا ليلاً ولا نهاراً، ولو خرج لحاجة فليس له فعل شيء من ذلك.
وأما المباشرة بمعنى لمس البشرة لمعاطاة شيء ونحو ذلك فلا حرج فيها، لما روته عائشة قالت (كان النبي ﷺ يدني إليّ رأسه وهو معتكف، فأرجله وأنا حائض) متفق عليه.
• الاعتكاف لغة: لزوم الشيء والمداومة عليه، كما قال تعالى (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ).
وشرعاً: لزوم مسجد لطاعة الله والتعبد له والانقطاع إليه.
وفي الآية مشروعية الاعتكاف، ومن أدلة مشروعيته:
أ- قوله تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ).
ب- حديث الباب.
ج- قوله ﷺ ( … فمن أحب أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر) رواه مسلم.
• والحكمة منه: التفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل.
قال ابن تيمية: ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبُّه ويعظِّمه، كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم .
• ويجب بالنذر.
قال الحافظ: وليس واجباً إجماعاً إلا على من نذره.
لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه
ولحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه). رواه البخاري
• وآكد الاعتكاف في رمضان، وأفضله العشر الأواخر، لأن النبي ﷺ اعتكفها حتى توفاه الله .
ففي حديث الباب (كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ).
следующие страницы →