← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 561–600 · переход к 566.

стр. 561

• موانع إجابة الدعاء. أولاً: أن يكون في كسب الرجل حرام. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أيها الناس؛ إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً، وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين … ثم ذكر الرجل يطيل السفر أشعث أغبر يمد يديه إلى السماء يا رب يا رب، ومطعمه حرام، ومشربه حرام، وغذي بالحرام، فأنى يستجاب لذلك). رواه مسلم وعن سعد بن أبي وقاص أنه قال: يا رسول الله؛ ادعو الله أن يجعلني مستجاب الدعوة؟ فقال النبي ﷺ : (يا سعد؛ أطب مطعمك تكن مستجاب الدعوة، والذي نفس محمد بيده، إن العبد ليقذف اللقمة الحرام في جوفه ما يتقبل الله منه عملاً أربعين يوماً، وأيما عبد نبت لحمه من سحت فالنار أولى به). رواه الطبراني ثانياً: أن يكون الدعاء في إثم أو ظلم. لحديث عبادة بن الصامت أن رسول الله ﷺ قال: (ما على الأرض مسلم يدعو بدعوة إلا آتاه الله إياها، أو صرف عنه من السوء مثلها، ما لم يدع بإثم أو قطيعة رحم) فقال رجل من القوم: إذن نكثر؟ قال: الله أكثر) رواه الترمذي وحسنه ثالثاً: ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. عن حذيفة ﵁ عن النبي ﷺ قال: (والذي نفسي بيده؛ لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، أو ليوشكن الله أن يبعث عليكم عقاباً منه، ثم تدعونه فلا يستجاب لكم). رواه أحمد والترمذي رابعاً: أن يعتدي في دعائه، كأن يرفع صوته، أو يحدث فيه بدعة. قال تعالى: (ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعاً وَخُفْيَةً إِنَّهُ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). وقال ﷺ : (سيكون قوم يعتدون في الدعاء). رواه أحمد ٤ - أن الله قريب من عباده. ٥ - الحذر من الله، لأنه سميع وقريب وبصير.

стр. 562

(أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنتُمْ تَخْتانُونَ أَنفُسَكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ وَعَفَا عَنكُمْ فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُواْ مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُواْ وَاشْرَبُواْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ ثُمَّ أَتِمُّواْ الصِّيَامَ إِلَى الَّليْلِ وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَقْرَبُوهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (١٨٧)). [البقرة: ١٨٧]. (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) هذه رخصة من الله للمسلمين، ورفع لما كان عليه الأمر في ابتداء الإسلام، فإنه كان إذا أفطر أحدهم إنما يحل له الأكل والشرب والجماع إلى صلاة العشاء أو ينام قبل ذلك، فمتى نام أو صلى العشاء حرم عليه الطعام والشراب والجماع إلى الليلة القابلة، فوجدوا في ذلك مشقة عظيمة. وكأن السبب في نزول هذه الآية حديث البراء قال (كان أصحاب محمد ﷺ إذا كان الرجل صائماً، فحضر الإفطار، فنام قبل أن بفطر، لم يأكل ليلته ولا يومه حتى يمسي، وأن قيس بن صرمة الأنصاري كان صائماً، فلما حضر الإفطار أتى امرأته فقال لها: أعندك طعام؟ قالت: لا، ولكن انطلق فاطلب لك، وكان يومه يعمل، فغلبته عيناه، فقالت: خيبة لك، فلما انتصف النهار غشي عليه، فذكر ذلك للنبي ﷺ فنزلت هذه الآية: أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ، ففرحوا بها فرحاً شديداً، ونزلت: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ) والرفث هنا: الجماع. • قال الرازي: ذهب جمهور المفسرين إلى أن في أول شريعة محمد ﷺ ، كان الصائم إذا أفطر حل له الأكل والشرب والوقاع بشرط أن لا ينام وأن لا يصلي العشاء الأخيرة فإذا فعل أحدهما حرم عليه هذه الأشياء، ثم إن الله تعالى نسخ ذلك بهذه الآية. (أُحِلَّ لَكُمْ) أي أبيح لكم. (لَيْلَةَ الصِّيَامِ) في ليلة الصيام. (الرَّفَثُ) الرفث هنا: الجماع. (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) يعني تعالى بذلك نساؤكم لباس لكم وأنتم لباس لهن. • قال أبو السعود (هُنَّ لِبَاسٌ لَّكُمْ وَأَنتُمْ لِبَاسٌ لَّهُنَّ) استئنافٌ مبينٌ لسبب الإحلالِ وهو صعوبةُ الصبر عنهنّ مع شِدة المخالطة وكَثرةِ الملابَسة بهن. • قال ابن كثير: يعني هن سكن لكم وأنتم سكن لهن. • قال بعض العلماء: سكون لكم، كما قال تعالى: (جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاساً) يعني بذلك تسكنون فيه، وكذلك زوجة الرجل سكنه يسكن إليها، فيكون كل واحد منهما (لباساً) لصاحبه، بمعنى سكون إليه. وقيل: أن يكون كل واحد منهما جعل لصاحبه لباساً، لتجردهما عند النوم، واجتماعهما في ثوب واحد، وانضمام جسد كل واحد منهما لصاحبه، بمنزلة ما يلبسه على جسده من ثيابه، فقيل لكل واحد منهما هو لباس.

стр. 563

• سؤال: لم قدَّم قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) على (وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ)؟ الجواب: قدَّم قوله (هُنَّ لِبَاسٌ لَكُمْ) على (وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنَّ) تنبيهاً على ظهور احتياج الرجل للمرأة وعدم صبره عنها؛ ولأنَّه هو البادئُ بطلب ذلك، وكنى باللباس عن شِدَّةِ المخالطة. (عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ تَخْتَانُونَ أَنْفُسَكُمْ) إن قال قائل: ما هذه الخيانة التي كان القوم يختانون أنفسهم التي تاب الله فيها عليهم فعفا عنهم؟ قيل: كانت خيانتهم أنفسهم التي ذكرها الله في شيئين: الجماع، والمطعم والمشرب في الوقت الذي كان حراماً ذلك عليهم. • قال بعضهم: (تختانون) من الخيانة، أي تخونون أنفسكم بمخالفة الأمر وترك الوقاية. (فَتَابَ عَلَيْكُمْ … ) أي: تاب عليكم مما وقع منكم من الخيانة لأنفسكم، وتاب عليكم أيضاً بالتوسعة لكم، والتخفيف عنكم بنسخ المنع من الجماع والأكل والشرب بعد النوم، أو بعد صلاة العشاء ليالي الصيام بإباحة ذلك. والنسخ إلى أخف توبة من الله على عباده، كما قال تعالى في نسخ وجوب الصدقة بين يدي مناجاة الرسول (أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ). وكما قال تعالى في نسخ وجوب قيام الليل إلى استحبابه كما قال تعالى (عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ فَتَابَ عَلَيْكُمْ فَاقْرَأُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ). (وَعَفَا عَنْكُمْ) أي: تجاوز عن عقوبتكم. (فَالْآنَ) فالآن بعد هذه الرخصة والسعة من الله (بَاشِرُوهُنَّ) وطئاً وقبلة ولمساً وغير ذلك. • وسمي الجماع مباشرة لالتقاء البشرتين فيه، بشرة المرأة وبشرة الرجل. (وَابْتَغُوا) أي: اطلبوا. (مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) أي: واطلبوا ما كتب الله لكم. اختلف العلماء في المراد من ذلك: قال بعضهم: الولد. قاله أبو هريرة وابن عباس وأنس وشريح والقاضي ومجاهد وعكرمة وسعيد بن جبير وعطاء والربيع بن أنس والسدي وزيد بن أسلم والحكم بن عتبة ومقاتل بن حيان والحسن البصري والضحاك وقتادة وغيرهم. وقال بعضهم: ليلة القدر. وقال بعضهم: الجماع.

стр. 564

ورجح ابن جرير أن الآية أعم من هذا كله، حيث قال: ..... غير أن أشبه المعاني بظاهر الآية قول من قال: معناه: وابتغوا ما كتب الله لكم من الولد، لأنه عقيب قوله (فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ) بمعنى جامعوهن، فلأن يكون قوله (وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ) بمعنى: وابتغوا ما كتب الله في مباشرتكم إياهن من الولد والنسل، أشبه بالآية من غيره من التأويلات التي ليس على صحتها دلالة من ظاهر التنزيل، ولا خبر عن الرسول ﷺ . • قد أبحنا لكم الإفضاء إلى نسائكم في ليالي رمضان بعد أن كان محرما عليكم فضلا منا ورحمة بكم فالآن باشروهن واطلبوا من وراء هذه المباشرة ما كتبه لكم اللّه من الذرية الصالحة ومن التعفف عن إتيان الحرام. وفي هذا إشعار بأن النكاح شرع ليبتغى به النسل حتى يتحقق ما يريده اللّه تعالى من بقاء النوع الإنساني، ومن صيانة المرء نفسه عن الوقوع في فاحشة الزنا. (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ … ) أباح الله تعالى الأكل والشرب مع ما تقدم من إباحة الجماع في أي الليل شاء الصائم إلى أن يتبين ضياء الصبح من سواد الليل، وعبر عن ذلك بالخيط الأبيض من الخيط الأسود، ورفع اللبس بقوله (مِنَ الْفَجْرِ). والمقصود من الخيط الأبيض: أول ما يبدو من الفجر الصادق المعترض في الأفق قبل انتشاره. والمقصود من الخيط الأسود: ما يمتد مع بياض الفجر من ظلمة الليل. كما جاء في الحديث عند البخاري عن سهل بن سعد قال (أنزلت: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، ولم ينزل (مِنَ الْفَجْرِ) فكان رجال إذا أرادوا الصوم ربط أحدهم في رجله الخيط الأبيض والخيط الأسود ولم يزل يأكل حتى يتبين له رؤيتهما، فأنزل بعد (مِنَ الْفَجْرِ) فعلموا أنه يعني الليل والنهار). رواه البخاري وعن عدي بن حاتم قال (لما نزلت هذه الآية: وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ، عمدت إلى عقالين: أحدهما أسود والآخر أبيض، فجعلتهما تحت وسادتي، قال: فجعلت أنظر إليهما، فلما تبين لي الأبيض من الأسود أمسكت، فلما أصبحت غدوت إلى رسول الله ﷺ فأخبرته بالذي صنعت، فقال: إن وسادتك إذاً لعريض، إنما ذلك بياض النهار وسواد الليل). متفق عليه

стр. 565

وعليه فمعنى الآية: وكلوا بالليل في شهر صومكم واشربوا وباشروا نساءكم مبتغين ما كتب الله لكم من الولد، من أول الليل إلى أن يقع لكم ضوء النهار بطلوع الفجر من ظلمة الليل وسواده. (مِنَ الْفَجْرِ) أي: حتى طلوع الفجر. (ثُمَّ) أي: إذا طلع الفجر (أَتِمُّوا الصِّيَامَ) أي: أكملوا الصيام، وهو الإمساك عن المفطرات. (إِلَى اللَّيْلِ) وهو غروب الشمس. عن عمر بن الخطاب قال: قال ﷺ (إذا أقبل الليل من ههنا وأدبر النهار من ههنا، وغربت الشمس فقد أفطر الصائم). متفق عليه (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ) أي ولا تقربوهن ما دمتم عاكفين في المسجد ولا في غيره. فلا يجوز للمعتكف في المسجد في رمضان ولا في غيره جماع زوجته، ولا فعل مقدمات الجماع، لا ليلاً ولا نهاراً، ولو خرج لحاجة فليس له فعل شيء من ذلك. وأما المباشرة بمعنى لمس البشرة لمعاطاة شيء ونحو ذلك فلا حرج فيها، لما روته عائشة قالت (كان النبي ﷺ يدني إليّ رأسه وهو معتكف، فأرجله وأنا حائض) متفق عليه. • الاعتكاف لغة: لزوم الشيء والمداومة عليه، كما قال تعالى (مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ). وشرعاً: لزوم مسجد لطاعة الله والتعبد له والانقطاع إليه. وفي الآية مشروعية الاعتكاف، ومن أدلة مشروعيته: أ- قوله تعالى (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ). ب- حديث الباب. ج- قوله ﷺ ( … فمن أحب أن يعتكف فليعتكف العشر الأواخر) رواه مسلم. • والحكمة منه: التفرغ للعبادة، والانقطاع عن العوائق والشواغل. قال ابن تيمية: ولما كان المرء لا يلزم ويواظب إلا من يحبُّه ويعظِّمه، كما كان المشركون يعكفون على أصنامهم وتماثيلهم، ويعكف أهل الشهوات على شهواتهم شرع الله لأهل الإيمان أن يعكفوا على ربهم . • ويجب بالنذر. قال الحافظ: وليس واجباً إجماعاً إلا على من نذره. لحديث عمر أنه قال (يا رسول الله إني نذرت أني أعتكف ليلة في المسجد الحرام، فقال: أوف بنذرك). متفق عليه ولحديث عائشة (من نذر أن يطيع الله فليطعه). رواه البخاري • وآكد الاعتكاف في رمضان، وأفضله العشر الأواخر، لأن النبي ﷺ اعتكفها حتى توفاه الله . ففي حديث الباب (كَانَ يَعْتَكِفُ اَلْعَشْرَ اَلْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ، حَتَّى تَوَفَّاهُ اَللَّهُ).

стр. 566

• مبطلات الاعتكاف؟ أولاً: الجماع. قال ابن المنذر: وأجمعوا على أنه من جامع امرأته وهو معتكف عامداً لذلك في فرجها أنه يفسد اعتكافه. وقال ابن حجر: واتفقوا على فساده بالجماع. قال تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). وقد نقل ابن المنذر الإجماع على أن المراد بالمباشرة في الآية الجماع. ثانياً: الخروج بجميع بدنه بلا عذر. فهذا يبطل اعتكافه باتفاق الأئمة. لحديث عائشة ﵂ قالت: (السنة للمعتكف أن لا يخرج لحاجة إلا لما لا بد له). رواه أبو داود • هل يشترط لصحة الاعتكاف أن يكون في مسجد؟ نعم، يشترط أن يكون في مسجد. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قال القرطبي: أجمع العلماء على أن الاعتكاف لا يكون إلا في مسجد. وقال في المغني: لا نعلم فيه خلافاً. • اذكر الخلاف في ضابط المسجد الذي يصح فيه الاعتكاف: اختلف العلماء في ذلك على أقوال: القول الأول: أنه لا يصح إلا في المساجد الثلاثة. لحديث حذيفة مرفوعاً (لا اعتكاف إلا في المساجد الثلاثة) رواه سعيد بن منصور القول الثاني: لا يصح إلا في مسجد تقام فيه الجماعة. وهذا مذهب الحنفية والحنابلة. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ).

стр. 567

وجه الدلالة: أن الآية تعم كل مسجد، وخص منها ما تقام فيه الجماعة لأدلة وجوب الجماعة. قال ابن قدامة في المغني: وَإِنَّمَا اُشْتُرِطَ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ وَاجِبَةٌ، وَاعْتِكَافُ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدٍ لَا تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ يُفْضِي إلَى أَحَدِ أَمْرَيْنِ: إمَّا تَرْكُ الْجَمَاعَةِ الْوَاجِبَةِ، وَإِمَّا خُرُوجُهُ إلَيْهَا، فَيَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ كَثِيرًا مَعَ إمْكَانِ التَّحَرُّزِ مِنْهُ، وَذَلِكَ مُنَافٍ لِلِاعْتِكَافِ، إذْ هُوَ لُزُومُ الْمُعْتَكَفِ وَالْإِقَامَةُ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ فِيهِ. القول الثالث: أنه في كل مسجد سواء تقام فيه الجماعة أم لا. وهذا مذهب الشافعية. لقوله تعالى (وَلا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ). قالوا: وهذا عام يشمل كل المساجد ولا يقبل تخصيصها ببعض المساجد إلا بدليل. القول الرابع: أنه لا بد في مسجد جامع. وهذا اختيار الصنعاني. لقول عائشة (لا اعتكاف إلا في مسجد جامع) أخرجه ابن أبي شيبة. والراجح القول الأول وأنه يصح في كل مسجد جماعة. (تِلْكَ) الإشارة إلى ما سبق في الآية من إحلال الجماع والأكل والشرب ليالي الصيام حتى يتبين الخيط الأبيض من الخيط الأسود بطلوع الفجر الثاني، ومن ثم إتمام الصيام إلى الليل بغروب الشمس، والنهي عن المباشرة حال الاعتكاف في المساجد. (حُدُودُ اللَّهِ) حدود الله تنقسم إلى قسمين: حدود أوامر وواجبات يجب فعلها، وعدم تركها وتعديها كما قال تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَعْتَدُوهَا). والقسم الثاني: حدود نواه ومحرمات وممنوعات يجب تركها والبعد عنها وعدم قربها كما قال تعالى (تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا). (فَلا تَقْرَبُوهَا) أي: فلا تقربوا حدود الله ومحرماته، بل ابتعدوا عنها واجتنبوها كما قال تعالى (وَلا تَقْرَبُوا الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلاً). وذلك لأن الوسائل لها أحكام الغايات والمقاصد، فالوسيلة المؤدية إلى المحرّم محرمة.

стр. 568

• قال السعدي: قوله تعالى (فَلا تَقْرَبُوهَا) أبلغ من قوله (فلا تفعلوها) لأن القربان، يشمل النهي عن فعل المحرم بنفسه، والنهي عن وسائله الموصلة إليه، والعبد مأمور بترك المحرمات، والبعد عنها، غاية ما يمكنه، وترك كل سبب يدعو إليه. (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ) أي كما بين الصيام وأحكامه، وبين سائر الأحكام على لسان عبده ورسوله محمد ﷺ . (لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) أي أبيّن لهم ذلك ليتقوا محارمي ومعاصيّ، ويتجنبوا سخطي وغضبي. • قال السعدي: قوله تعالى (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ) فإنهم إذا بان لهم الحق اتبعوه، وإذا تبين لهم الباطل اجتنبوه، فإن الإنسان قد يفعل المحرم على وجه الجهل بأنه محرم، ولو علم تحريمه لم يفعله، فإذا بين الله للناس آياته، لم يبق لهم عذر ولا حجة، فكان ذلك سبباً للتقوى. قال ابن عاشور: (لعلهم يتقون) أي إرادةً لاتقائهم الوقوع في المخالفة، لأنه لو لم يبين لهم الأحكام لما اهتدوا لطريق الامتثال، أو لعلهم يلتبسون بغاية الامتثال والإتيان بالمأمورات على وجهها فتحصل لهم صفة التقوى الشرعية، إذ لو لم يبين الله لهم لأتوا بعبادات غير مستكملة لما أراد الله منها؛ وهم وإن كانوا معذورين عند عدم البيان وغير مؤاخذين بإثم التقصير إلاّ أنهم لا يبلغون صفة التقوى، أي كمال مصادفة مراد الله تعالى، فلعل يتقون على هذا منزل منزلة اللازم لا يقدَّر له مفعول مثل (هل يستوي الذين يعلمون)، وهو على الوجه الأول محذوف المفعول للقرينة.

стр. 569

الفوائد: ١ - رحمة الله بعباده لنسخ الحكم الأول. ٢ - جواز الجماع ليالي رمضان. ٣ - أن الزوجة ستر للزوج، وهو ستر لها. ٤ - علم الله بما في النفوس. ٥ - إثبات العفو لله. ٦ - أن النسخ إلى الأخف نوع من النوبة. ٧ - جواز مباشرة الزوجة على الإطلاق بدون تقييد، ويستثنى من ذلك الوطء في الدبر وحال الحيض أو النفاس. ٨ - جواز الأكل والشرب والجماع ليالي رمضان. ٩ - جواز أن يصبح الصائم جنباً. ١٠ - أن الأفضل المبادرة بالفطر. ١١ - أن الصيام الشرعي من طلوع الفجر إلى غروب الشمس. ١٢ - مشروعية الاعتكاف. ١٣ - أن الجماع مبطل للاعتكاف. ١٤ - أن الله يبين للناس الآيات الكونية والشرعية. ١٥ - أن العلم سبب للتقوى. ١٦ - علو مرتبة التقوى.

стр. 570

(وَلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ (١٨٨)). [سورة البقرة: ١٨٨] (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ) يعني ﵎ بذلك: ولا يأكل بعضكم مال بعض بالباطل، فجعل سبحانه بذلك أكل مال أخيه بالباطل كالآكل مال نفسه بالباطل. ونظير ذلك قوله تعالى (وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ) وقوله (وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ) بمعنى: لا يلمز بعضكم بعضاً ولا يقتل بعضكم بعضاً، لأن الله جعل المؤمنين إخوة، فقاتل أخيه كقاتل نفسه، ولامزه كلامز نفسه. فتأويل الكلام: ولا يأكل بعضكم أموال بعض فيما بينكم بالباطل. • قال السعدي: (وَلا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ) أي: ولا تأخذوا أموالكم أي: أموال غيركم، أضافها إليهم، لأنه ينبغي للمسلم أن يحب لأخيه ما يحب لنفسه، ويحترم ماله كما يحترم ماله؛ ولأن أكله لمال غيره يجرئ غيره على أكل ماله عند القدرة. • قوله تعالى (ولا تأكلوا .. ) المراد الأكل وسائر الانتفاعات، وإنما خص الأكل، لأنه الأهم في جمع المال، وأقوى وجوه الانتفاع. • قال البقاعي: (ولا تأكلوا) أي: يتناول بعضكم مال بعض، ولكنه عبر بالأكل لأنه المقصد الأعظم من المال. • قوله (بِالْبَاطِلِ) الباطل في اللغة: الذاهب الزائل، وآكل المال بالباطل: آكله من غير الوجه الذي أباحه الله لآكليه. قال السعدي: ويدخل بذلك أكلها على وجه الغصب، والسرقة، والخيانة في وديعة أو عارية أو نحو ذلك، ويدخل في ذلك أيضاً أخذها على وجه المعاوضة بمعاوضة محرمة؛ كعقود الربا، والقمار كلها فإنها من أكل المال بالباطل، لأنه ليس في مقابلة عوض مباح، ويدخل بذلك أخذها بسبب غش في البيع والشراء والإجارة ونحوها، ويدخل في ذلك استعمال الأجراء وأكل أجرتهم، وكذلك أخذهم أجرة على عمل لم يقوموا بواجبه، ويدخل في ذلك الأخذ من الزكوات والصدقات والأوقاف والوصايا لمن ليس له حق منها أو فوق حقه، فكل هذا ونحوه من أكل المال بالباطل، فلا يحل ذلك بوجه من الوجوه. (وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ) قال الطبري: فإنه يعني: وتخاصموا بها، يعني بأموالكم إلى الحكام. فالضمير في (بها) يعود على الأموال، أي: تتوصلوا وتتقدموا بها إلى الحكام والقضاة احتيالاً منكم، لتجعلوها وسيلة لأكلها، وذلك بالتلبيس عليهم، والأيْمان الفاجرة، وقد قال ﷺ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ - رضى الله عنها - أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) متفق عليه.

стр. 571

قال ابن كثير: فدلت هذه الآية، وهذا الحديث، على أن حكم الحاكم لا يغير الشيء في نفس الأمر، فلا يحل في نفس الأمر حراماً وهو حرام، ولا يحرم حلالاً وهو حلال، وإنما هو ملزم في الظاهر، فإن طابقه في نفس الأمر فذاك، وإلا فللحاكم أجره وعلى المحتال وزره. • قال ابن عاشور: (وتدلوا بها إلى الحكام) عطف على (تأكلوا) أي لا تدلوا بها إلى الحكام لتتوسلوا بذلك إلى أكل المال بالباطل، وخص هذه الصورة بالنهي بعد ذكر ما يشملها وهو أَكل الأموال بالباطل؛ لأن هذه شديدة الشناعة جامعة لمحرمات كثيرة، وللدلالة على أن معطي الرشوة آثم مع أنه لم يأكل مالاً بل آكلَ غيره. قوله تعالى (تدلوا) من إرسال الدلو، والرشوة من الرشاء، كأنه يمد بها ليقضي الحاجة. (لِتَأْكُلُوا فَرِيقاً) طائفة، واللام للعاقبة: أي: لتكون العاقبة والنهاية أن تأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم، ويحتمل أن تكون اللام للتعليل، أي: لأجل أن تأكلوا فريقاً من أموال الناس بالإثم. (مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ) وهي أموال المدلى بأموالهم إلى الحكام أو بعضها. (بِالْإِثْمِ) أي: بالذنب، لأنه أكل بغير حق. (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) الواو حالية، أي: والحال أنكم تعلمون أن أكلكم لها باطل وإثم، وأنها حرام عليكم. • قال القرطبي: (وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ) أي بطلان ذلك وإثمه، وهذه مبالغة في الجرأة والمعصية. وقد ورد في الصحيحين عن أم سلمة أن رسول الله ﷺ قال (إِنَّكُمْ تَخْتَصِمُونَ إِلَىَّ، وَلَعَلَّ بَعْضَكُمْ أَلْحَنُ بِحُجَّتِهِ مِنْ بَعْضٍ، فَمَنْ قَضَيْتُ لَهُ بِحَقِّ أَخِيهِ شَيْئاً بِقَوْلِهِ، فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنَ النَّارِ فَلَا يَأْخُذْهَا) متفق عليه.

стр. 572

الفوائد: ١ - تحريم أكل أموال الناس بالباطل، من أي طريق كان. وقد قال ﷺ (إن دماءكم وأموالكم وأعرضاكم حرام عليكم … ). ٢ - وجوب حفظ المال، لأن به قوام الحياة والمعاش، وهو أحد الضروريات التي جاء الدين بحفظها. ٣ - تحريم الرشوة، وهي محرمة لما يلي: أولاً: للحديث الصحيح: أن النبي ﷺ (لعن الراشي والمرتشي) واللعن هو الطرد والإبعاد عن رحمة الله، وهذا يقتضي أن تكون الرشوة من كبائر الذنوب. ثانياً: أن فيها فساد الخلق؛ فإن الناس إذا كانوا يُحكم لهم بحسب الرشوة فسد الناس، وصاروا يتباهون فيها أيهم أكثر رشوة، فإذا كان الخصم إذا أعطى ألفاً حكم له، وإذا أعطى ثمانمائة لم يحكم له، فسيعطي ألفاً، وإذا ظن أن خصمه سيعطي ألفاً أعطى ألفين، وهكذا فيفسد الناس. ثالثاً: أنها سبب لتغيير حكم الله ؛ لأنه بطبيعة الحال النفس حيّافة ميّالة، تميل إلى من أحسن إليها، فإذا أعطي القاضي رشوة حكم بغير ما أنزل الله، فكان في هذا تغيير لحكم الله . رابعاً: أن فيها ظلماً وجَوراً، لأنه إذا حكم للراشي على خصمه بغير حق فقد ظلم الخصم، ولا شك أن الظلم ظلمات يوم القيامة، وأن الجور من أسباب البلايا العامة، كالقحط وغيره. خامساً: أن فيها أكلاً للمال بالباطل، أو تسليطاً على أكل. سادساً: أن فيها ضياع الأمانات، وأن الإنسان لا يؤتمن، والإنسان لا يدري أيحكم له بما معه من الحق، أو يحكم عليه؟ وهذا فساد عظيم، ولذلك استحق الراشي والمرتشي لعنة الله ـ والعياذ بالله ـ. ٤ - الوعيد والتهديد لمن يُقدمون على أكل أموال الناس بالباطل. ٥ - وجوب الحذر من فتنة الدنيا والمال.

стр. 573

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الأهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوْاْ الْبُيُوتَ مِن ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُواْ الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا وَاتَّقُواْ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (١٨٩)). [سورة البقرة: ١٨٩]. (يَسْأَلونَكَ عَنِ الْأَهِلَّةِ) قيل في سبب نزولها: أن الناس سألوا رسول الله ﷺ عن كون الهلال يبدو ضعيفاً ثم يأخذ في الزيادة حتى يتم، ثم يأخذ في النقص، فأجيبوا عن الحكمة في ذلك، لأنها الأهم، وهي التي يحتاجون لبيانها. (الْأَهِلَّةِ) جمع هلال، وهو اسم للقمر أول ما يبدو دقيقاً، وإنما سمي الهلال هلالاً، لأن الناس يرفعون أصواتهم عند رؤيته، يقال: استهل الصبي إذا صاح بالبكاء. سؤال: لم جمع الأهلة؟ الجواب: جمع الأهلة إما لتعددها بتعدد الأشهر أو لاختلاف أحواله وإن كان واحداً فهو كالمتعدد. (قُلْ) الأمر للنبي ﷺ . (هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ) أي جعلها الله بلطفه ورحمته على هذا التدبير - يبدو الهلال ضعيفاً، ثم يشرع في النقص إلى كماله، وهكذا - ليعرف الناس بذلك مواقيت عباداتهم من الصيام وأوقات الزكاة والكفارات وأوقات الحج، وكذلك تعرف أوقات الديون المؤجلات، ومدة الإجارات، ومدة التعدد والحمل، وغير ذلك مما هو من حاجات الخلق. وخص الحج بالذكر لكثرة أشهره، ولأن هذه الآيات توطئة وتمهيد لذكر أشهر الحج وأحكامه. وقال ابن عاشور: وعطف الحج على الناس مع اعتبار المضاف المحذوف من عطف الخاص على العام للاهتمام به واحتياج الحج للتوقيت ضروري؛ إذ لو لم يوقّت لجاء الناس للحج متخالفين فلم يحصل المقصود من اجتماعهم، ولم يجدوا ما يحتاجون إليه في أسفارهم وحلولهم بمكة وأسواقها. (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى وَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ أَبْوَابِهَا) روى البخاري عن البراء قال (كانوا إذا أحرموا في الجاهلية أتوا البيوت من ظهورها، فأنزل الله: (وَلَيْسَ الْبِرُّ بِأَنْ تَأْتُوا الْبُيُوتَ مِنْ ظُهُورِهَا). فالأنصار كانوا إذا أحرموا لم يدخلوا البيوت من أبوابها تعبداً بذلك وظناً أنه بر، فأخبر تعالى أنه ليس من البر، لأن الله تعالى لم يشرعه لهم، وأمرهم أن يأتوا البيوت من أبوابها لما فيه من السهولة عليهم، ثم بين تعالى أن البر من اتقى الله فخافه وتجنب محارمه، وأطاعه بأداء فرائضه التي أمره بها، فأما إتيان البيوت من ظهورها فلا بر لله فيه.

стр. 574

• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى) لم يصرح بالمراد بمن اتقى، ولكنه بينه بقوله (وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَالْمَلائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّائِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ … ). والبر يفسر بالتقوى، كما تفسر التقوى بالبر في حال انفراد كل منهما عن الآخر، لكن في حال اجتماعهما يفسر كل منهما بمعنى كما في قوله تعالى (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى) فالبر هنا يراد به فعل المأمورات، والتقوى ترك المنهيات. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، إذ إن هذا هو حقيقة البر. (لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) أي: لأجل أن تفلحوا، وتفوزوا وتحصلوا على المطلوب، وهي الجنة غاية المطالب، وتنجو من المرهوب وهي النار. الفوائد: ١ - حرص الصحابة على العلم ومعرفة أمور دينهم ودنياهم. ٢ - أن معرفة الحكمة من جعل الأهلة أهم من معرفة ماهيتها. ٣ - تولي الله الإجابة عن رسوله ﷺ . ٤ - رحمة الله تعالى بعباده، حيث جعل لهم ما يعرفون به عباداتهم ومعاملاتهم. ٥ - أن ما لا يشرعه الله قربة ولا ندب إليه لا يصير قربة يتقرب به متقرب. ٦ - أن حقيقة البر: تقوى الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. ٧ - وجوب تقوى الله. ٨ - أن تقوى الله سبب للفلاح والسعادة في الدنيا.

стр. 575

(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبِّ الْمُعْتَدِينَ (١٩٠)). [البقرة: ١٩٠]. (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) هذا أمر من الله بقتال الكفار الذين يقاتلوننا. وهذا الأمر قد يكون واجباً عينياً وقد يكون واجباً كفائياً. • قال الشنقيطي: هذه الآية تدل بظاهرها على أنهم لم يؤمروا بقتال الكفار إلا إذا قاتلوهم، وقد جاءت آيات أخر تدل على وجوب قتال الكفار مطلقا؛ قاتلوا أم لا، كقوله تعالى (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ)، وقوله (فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَد) والجواب عن هذه بأمور: الأول: وهو من أحسنها وأقربها - أنّ المراد بقوله (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) تهييج المسلمين، وتحريضهم على قتال الكفار، فكأنه يقول لهم: هؤلاء الذين أمرتكم بقتالهم هم خصومكم وأعداؤكم الذين يقاتلونكم، ويدل لهذا المعنى قوله تعالى (وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً) وخير ما يفسر به القرآن القرآن. الوجه الثاني: أنها منسوخة، بقوله تعالى (فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ) وهذا من جهة النظر ظاهر حسن جدا، وإيضاح ذلك أنّ من حكمة الله البالغة في التشريع أنه إذا أراد تشريع أمر عظيم على النفوس ربما يشرعه تدريجيا لتخف صعوبته بالتدريج. الوجه الثالث: وهو اختيار بن جرير، ويظهر لي أنه الصواب: أن الآية محكمة، وأن معناها: قاتلوا الذين يقاتلونكم أي من شأنهم أن يقاتلوكم، أما الكافر الذي ليس من شأنه القتال كالنساء، والذراري، والشيوخ الفانية، والرهبان، وأصحاب الصوامع، ومن ألقى إليكم السلم، فلا تعتدوا بقتالهم؛ لأنهم لا يقاتلونكم، ويدل لهذا الأحاديث المصرحة بالنهي عن قتال الصبي، وأصحاب الصوامع، والمرأة، والشيخ الهرم إذا لم يستعن برأيه، أما صاحب الرأي فيقتل كدريد بن الصمة، وقد فسر هذه الآية بهذا المعنى عمر بن العزيز ﵁ وابن عباس والحسن البصري.

стр. 576

• قوله تعالى (فِي سَبِيلِ اللَّهِ) حث على الإخلاص، أي: لأجل دين الله ورفعته. عن عبد الله بن قيس قال (سئل رسول الله ﷺ عن الرجل يقاتل شجاعة، ويقاتل حمية، ويقاتل رياء، أي ذلك في سبيل الله؟ فقال رسول الله ﷺ : من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). متفق عليه لا يذكر في القرآن الكريم لفظ (القتال) أو (الجهاد) إلا وهو مقرون بعبارة (سبيل الله) وذلك يدل على أن الغاية من القتال غاية مقدسة نبيلة، هي (إعلاء كلمة الله) لا السيطرة أو المغنم، أو إظهار الشجاعة، أو الاستغلال في الأرض، وقد وضح هذه الغاية النبيلة قوله ﷺ (من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله). (الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ) ليصدوكم عن دين الله. وفي هذا أن الذين يقاتَل هو من يقاتل المسلمين حقيقة أو حكماً، ممن يساعدون على ذلك بالمال والرأي ونحو ذلك، وأما من لا يقاتل فإنهم لا يقتلون كالنساء والصبيان والشيوخ والرهبان. عن بريدة. أن رسول الله ﷺ كان يقول (اغزوا في سبيل الله، قاتلوا من كفر بالله، اغزوا ولا تغلوا، ولا تغدروا، ولا تمثلوا، ولا تقتلوا الوليد). رواه مسلم وعن ابن عمر (أن رسول الله ﷺ رأى امرأة مقتولة في بعض مغازيه، فأنكر قتل النساء والصبيان). متفق عليه (وَلا تَعْتَدُوا) الاعتداء: مجاوزة الحد المباح، أي قاتلوا في سبيل الله، ولا تعتدوا في ذلك. ويدخل في ذلك ارتكاب المناهي من المثلة والغلول كما سبق في الحديث ( … ولا تغدروا، ولا تغُلّوا، ولا تُمثّلوا … ). ومن الاعتداء أيضاً: ابتداء القتال في الأشهر الحرام، وفي الحرم. لقوله تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ). وقال تعالى (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ). (إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ) تعليل للنهي عن الاعتداء.

стр. 577

الفوائد: ١ - وجوب القتال في سبيل الله. ٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله. عن عبد الرحمن بن جبر قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري ٣ - الحكمة من الجهاد في سبيل الله: أولاً: إعلاء كلمة الله. قال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ). ثانياً: تمحيص المؤمنين، ومحق الكافرين. قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ). ٤ - أن ترك الجهاد له عواقب: أولاً: ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا، فإن الجبان يكون ذليلاً مستعبداً تابعاً غير متبوع. وأما في الآخرة، فهو يهلك إن لم يتغمده الله برحمته بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه، بها عز الإسلام والمسلمين. ثانياً: ترك الجهاد سبب للذل والهوان. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواه البخاري ثالثاً: وترك الجهاد سبب للبلاء. قال رسول الله ﷺ (إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم). رواه أبو داود وقال ﷺ : (من لم يغز أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة). رواه أبو داود

стр. 578

رابعاً: ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه. قال تعالى (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً). خامساً: وترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم. قال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). سادساً: وترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين، منها: الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد، ودفع شر الكفار وإذلالهم. ٥ - تحريم الاعتداء. ٦ - إثبات محبة الله.

стр. 579

(وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ وَأَخْرِجُوهُم مِّنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِن قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ كَذَلِكَ جَزَاء الْكَافِرِينَ (١٩١) فَإِنِ انتَهَوْاْ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٩٢) وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلّهِ فَإِنِ انتَهَواْ فَلَا عُدْوَانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ (١٩٣)). [البقرة: ١٩٠ - ١٩٣]. (وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ ثَقِفْتُمُوهُمْ) أمر الله بقتال الكفار أينما وجدوا في كل وقت وفي كل زمان، قتال مدافعة، وقتال مهاجمة. (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) قال الطبري: يعني بذلك المهاجرين الذين أخرجوا من ديارهم ومنازلهم بمكة، فقال لهم تعالى ذكره: أخرجوا هؤلاء الذين يقاتلونكم - وقد أخرجوكم من دياركم - من مساكنهم وديارهم كما أخرجوكم منها. • قال ابن عاشور: قوله (وَأَخْرِجُوهُمْ مِنْ حَيْثُ أَخْرَجُوكُمْ) أي يحل لكم حينئذٍ أن تخرجوهم من مكة التي أخرجوكم منها، وفي هذا تهديد للمشركين ووعد بفتح مكة، فيكون هذا اللقاء لهذه البشرى في نفوس المؤمنين ليسْعوا إليه حتى يدركوه وقد أدركوه بعد سنتين، وفيه وعد من الله تعالى لهم بالنصر كما قال تعالى (لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيا بِالْحَقِّ لَتَدْخُلُنَّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللَّهُ آمِنِينَ مُحَلِّقِينَ رُؤُوسَكُمْ وَمُقَصِّرِينَ لا تَخَافُونَ). ولما كان الجهاد فيها إزهاق النفوس وقتل الرجال، نبه تعالى على أن ما هم مشتملون عليه من الكفر بالله، والشرك بالله، والصد عن سبيله، أبلغ وأشد وأعظم من القتل، فقال: (وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ) قال مجاهد: أي من أن يقتل المؤمن، فالقتل أخف عليه من الفتنة. • قال الطبري: وابتلاء المؤمن في دينه حتى يرجع عنه فيصير مشركاً بالله بعد إسلامه، أشد عليه وأضر من أن يقتل مقيماً على دينه، متمسكاً عليه محقاً فيه. (وَلا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتَّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ) أي لا تبدءوا - أيها المؤمنون - المشركين بالقتال عند المسجد الحرام، حتى يبدأوكم به هناك عند المسجد الحرام في الحرم، فاقتلوهم، فإن الله جعل ثواب الكافرين على كفرهم وأعمالهم السيئة القتل في الدنيا والخزي الطويل في الآخرة.

стр. 580

وقد جاء في الصحيحين قال ﷺ : (إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السماوات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، ولم يحل إلا ساعة من نهار، وإنها ساعتي هذه، حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة). وقد ذهب بعض العلماء إلى أنها منسوخة، ورجحه الطبري. نسخها قوله تعالى (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ). وحكى ابن عطية في المحرر على أن الجمهور على القول بالنسخ. • قال القرطبي: ومما احتجوا به أن (براءة) نزلت بعد سورة البقرة بسنتين، وأن النبي ﷺ دخل مكة وعليه المغفر، فقيل: ابن خطل متعلق بأستار الكعبة، فقال: (اقتلوه). وقال مكي في الإيضاح: والبين الظاهر في الآية أنها منسوخة، وهو قول أكثر العلماء، لأن قتال المشركين فرض لازم في كل موضع كانوا فيه. والراجح الأول وأنها غير منسوخة. • قال مجاهد: الآية محكمة، ولا يجوز قتال أحد في المسجد الحرام إلا بعد أن يقاتل، وبه قال طاووس. • قال القرطبي: وهو الذي يقتضيه نص الآية، وهو الصحيح من القولين، وإليه ذهب أبو حنيفة وأصحابه. واستدلوا بقوله ﷺ (إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دماً ولا يعضد بها شوكاً، فإن أحد ترخص بقتال رسول الله ﷺ فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم، وإنما أذن لي ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها كحرمتها بالأمس). متفق عليه فبين ﷺ أنه خص في تلك الساعة بالإباحة على سبيل التخصيص، لا على وجه النسخ. وكذلك آية السيف عامة وهذه الآية خاصة، والعام لا ينسخ الخاص، بل يعمل العام فيما عدا الخاص. • قال القرطبي: وأما ما استدلوا به من قتل ابن خطل فلا حجة فيه، فإن ذلك كان في الوقت الذي أحلت له مكة وهي دار حرب وكفر، وكان له أن يريق دماء من شاء من أهلها في الساعة التي أحل له فيها القتال. (فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ) أي: فإن قاتلوكم في الحرم، ولم يراعوا حرمة الحرم فاقتلوهم فيه معاملة لهم بالمثل، ودفاعاً عن دينكم ودمائكم وأعراضكم وأوطانكم وأموالكم وحرمات المسلمين.

стр. 581

(كَذَلِكَ جَزَاءُ الْكَافِرِينَ) أي: ذلك عقوبة الكافرين بالله، المكذبين لرسله وشرعه، وهي قتلهم في الدنيا، مع ما أعد لهم في الآخرة من العذاب الأليم كما قال تعالى (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ). (فَإِنِ انْتَهَوْا) أي: فإن انتهى الكافرون الذين يقاتلونكم عن قتالكم وكفرهم بالله، فتركوا ذلك وتابوا. (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لذنوب من آمن منهم وتاب من شركه. ومثل هذه الآية: (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ) (رَحِيمٌ) بعباده. (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ) أمر الله بقتال المشركين حتى لا تكون فتنة، يعني: لا يكون شرك بالله حتى لا يعبد دونه أحد. قال أكثر العلماء: المراد بالفتنة هنا: الشرك، أي: حتى لا يَبْقَى شِرْكٌ على وَجْهِ الأرض، ويدل لهذا المعنى قوله بعده -يليه- (وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ) لأن الدين لا يكون كله لله إلا إذا لم يَبْقَ عَلَى وَجْهِ الأرْضِ شِرْكٌ، فعندئذٍ يكون الدين كله لله. ويؤيد هذا المعنى وهذا التفسير الذي دلت عليه القرينة القرآنية قوله ﷺ (أُمِرْتُ أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا: لَا إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، فَإِذَا قَالُوهَا منعُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إِلاَّ بِحَقِّهَا، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللهِ). • قال ابن تيمية: والدين هو الطاعة، فإذا كان بعض الدين لله وبعضه لغير الله وجب القتال حتى يكون الدين كله تعالى. • قال السعدي: يستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة وهي: أنه يرتكب أخف المفسدتين لدفع أعلاهما. (وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ) أي: يكون دين الله هو الظاهر العالي على سائر الأديان، كما ثبت في الصحيحين أنه ﷺ قال: (أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله، فإن قالوها عصموا مني دماءهم وأموالهم إلا بحقها وحسابهم على الله تعالى).

стр. 582

فالحكمة من قتال الكفار: حتى لا تكون فتنة، ويكون الدين كله لله تعالى. قال تعالى في سورة الأنفال (وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ). • وسمي الكفر فتنة لأنه يؤدي إلى الهلاك. (فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ) أي فإن انتهى الذين يقاتلونكم من الكفار عن قتالكم، ودخلوا في ملتكم، وأقروا بما ألزمكم الله من فرائضه، وتركوا ما هم عليه من عبادة الأوثان، فدعوا الاعتداء عليهم وقتالهم وجهادهم، فإنه لا ينبغي أن يعتدي إلا على الظالمين، وهم المشركون بالله. وسمي ما يصنع بالظالمين عدواناً من حيث هو جزاء عدوان، إذ الظلم يتضمن العدوان، فسمي جزاء العدوان عدواناً، كقوله: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا). قال الرازي: فإن قيل: لم سمي ذلك القتل عدواناً مع أنه حق وصواب؟ قلنا: لأن ذلك القتل جزاء العدوان، فصح إطلاق اسم العدوان عليه، كقوله تعالى: (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا). قال الزجاج: والعرب تقول: ظلمني فلان فظلمته، أي جازيته بظلمه. الفوائد: ١ - وجوب القتال في سبيل الله. ٢ - فضيلة الجهاد في سبيل الله. عن عبد الرحمن بن جبر قال: قال رسول الله ﷺ : (ما اغبرت قدما عبد في سبيل الله فتمسه النار). رواه البخاري ٣ - الحكمة من الجهاد في سبيل الله: أولاً: إعلاء كلمة الله. قال تعالى (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ). ثانياً: تمحيص المؤمنين، ومحق الكافرين. قال تعالى (وَلِيُمَحِّصَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ). ٤ - أن ترك الجهاد له عواقب: أولاً: ترك الجهاد سبب للهلاك في الدنيا والآخرة. فأما في الدنيا، فإن الجبان يكون ذليلاً مستعبداً تابعاً غير متبوع. وأما في الآخرة، فهو يهلك إن لم يتغمده الله برحمته بترك فريضة محكمة أنزلها الله في كتابه، بها عز الإسلام والمسلمين.

стр. 583

ثانياً: ترك الجهاد سبب للذل والهوان. عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة وأخذتم أذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواه البخاري ثالثاً: وترك الجهاد سبب للبلاء. قال رسول الله ﷺ (إذا ظن الناس بالدينار والدرهم، وتبايعوا بالعينة، واتبعوا أذناب البقر، وتركوا الجهاد في سبيل الله، أنزل الله بهم بلاءً فلم يرفعه عنهم حتى يراجعوا دينهم). رواه أبو داود وقال ﷺ : (من لم يغز أو يجهز غازياً أو يخلف غازياً في أهله بخير، أصابه الله بقارعة قبل يوم القيامة). رواه أبو داود رابعاً: ترك الجهاد سبب لعذاب الله وبطشه. قال تعالى (إِلاّ تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَاباً أَلِيماً وَيَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَلا تَضُرُّوهُ شَيْئاً). خامساً: وترك الجهاد سبب لإفساد أهل الأرض بالقضاء على دينهم. قال تعالى (وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ). سادساً: وترك الجهاد يفوت مصالح عظيمة للمسلمين، منها: الأجر والثواب والشهادة والمغنم والتربية الإيمانية التي لا تحصل بدون الجهاد، ودفع شر الكفار وإذلالهم. ٥ - تحريم الاعتداء. ٦ - إثبات محبة الله. ٧ - الإشارة إلى أن المسلمين أحق الناس بأرض الله. ٨ - أن الفتنة بالكفر والصد عن سبيل الله أعظم من القتل. ٩ - تعظيم حرمة المسجد الحرام. ١٠ - جواز القتال عند المسجد الحرام إذا بدأنا بذلك أهله.

стр. 584

(الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُواْ عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ (١٩٤)). [البقرة: ١٩٤]. (الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ) (ال) في الشهر للجنس، لأن الشهر الحرام ليس شهراً واحداً وإنما هي أربعة أشهر، كما قال تعالى (إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ)، وهي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب. و كما في حديث أبي بكرة. أن رسول الله ﷺ قال (إِنَّ الزَّمَانَ قَدِ اسْتَدَارَ كَهَيْئَتِهِ يَوْمَ خَلَقَ اللَّهُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ السَّنَةُ اثْنَا عَشَرَ شَهْراً مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ثَلَاثَةٌ مُتَوَالِيَاتٌ ذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجَّةِ وَالْمُحَرَّمُ وَرَجَبٌ) متفق عليه. وسميت هذه الأشهر بالأشهر الحرم، لأن الله حرم فيها القتال، والاعتداء والظلم، كما قال تعالى (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ). ومعنى الآية: لما منعكم المشركون من دخول مكة في الشهر الحرام (ذي القعدة) سنة ست من الهجرة، قاضاكم الله بالدخول من قابل، سنة سبع في (ذي القعدة) أي: هذا بهذا. • قال الرازي: روي عن ابن عباس ومجاهد والضحاك أن رسول الله ﷺ خرج عام الحديبية للعمرة وكان ذلك في ذي القعدة سنة ست من الهجرة، فصده أهل مكة عن ذلك ثم صالحوه عن أن ينصرف ويعود في العام القابل، حتى يتركوا له مكة ثلاثة أيام، فرجع رسول الله ﷺ في العام القابل وهو في ذي القعدة سنة سبع ودخل مكة واعتمر، فأنزل الله تعالى هذه الآية يعني إنك دخلت الحرم في الشهر الحرام، والقوم كانوا صدوك في السنة الماضية في هذا الشهر فهذا الشهر بذاك الشهر وفي هذا تطييب لقلوب الصحابة بتمام نسكهم.

стр. 585

وقيل: فإن بدأوكم في القتال في الشهر الحرام، فانتهكوا حرمته، فقاتلوهم فيه ولا تبالوا بحرمته، فإنه قصاص بما فعلوا. والراجح القول الأول ولذلك قال القرطبي في تفسيره: والقول الأول أشهر وعليه الأكثر. (وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ) الحرمات: جمع حرمة، كالظلمات جمع ظلمة، والحجرات جمع حجرة. قال الشوكاني: وإنما جمعت الحرمات؛ لأنه أراد حرمة الشهر الحرام، وحرمة البلد الحرام، وحرمة الإحرام. والحرمة: ما منعْت من انتهاكه (يعني كل ما حرّم الشارع انتهاكه)، والقصاص: المساواة. والمعنى: أن هذه الحرمات إذا انتهك شيء منها أو اعتدي عليه يقتص من المعتدي بمثله، فمن قاتل في الشهر الحرام قوتل في الشهر الحرام، ومن اعتدى في الحرم اقتص منه في الحرم. • قال ابن عاشور: ومعنى كونها قصاصاً أي مماثلة في المجازاة والانتصاف، فمن انتهكها بجناية يعاقب فيها جزاء جنايته، وذلك أن الله جعل الحرمة للأشهر الحرم لقصد الأمن، فإذا أراد أحد أن يتخذ ذلك ذريعة إلى غدر الأمن أو الإضرار به، فعلى الآخر الدفاع عن نفسه، لأن حرمة الناس مقدمة على حرمة الأزمنة، ويشمل ذلك حرمة المكان كما تقدم في قوله تعالى (ولا تقاتلوهم عند المسجد الحرام حتى يقاتلونكم فيه)، والإخبار عن الحرمات بلفظ (قصاص) إخبار بالمصدر للمبالغة. (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) أي: فمن اعتدى عليكم من الكفار بقتال أو قتل أو انتهاك عرض أو سلب مال، فخذوا حقكم منه بمثل اعتدائه عليكم، في هيئته، وفي كيفيته، وفي زمانه، وفي مكانه. • قال القرطبي: (فَمَنِ اعتدى) الاعتداء هو التجاوز؛ قال الله تعالى (وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ الله) أي يتجاوزها؛ فمن ظلمك فخذ حقّك منه بقدر مظلمتك، ومن شتمك فردّ عليه مثلَ قوله، ومن أخذ عِرْضَك فخذ عِرضه؛ لا تتعدّى إلى أبويه ولا إلى ابنه أو قريبه، وليس لك أن تَكذِب عليه وإن كذب عليك، فإن المعصية لا تُقابل بالمعصية. • روى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس: أن قوله (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ … ) نزلت بمكة حيث لا شوكة ولا جهاد، ثم نسخ بآية القتال بالمدينة.

стр. 586

وقد رد هذا القول ابن جرير وقال: بل الآية مدنية بعد عمر القضية. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (بمثل ما اعتدى عليكم) يشمل المماثلة في المقدار وفي الأحوال ككونه في الشهر الحرام أو البلد الحرام. • قوله (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ … ) سمى أخذهم بحقهم اعتداء، لأن سببه الاعتداء عليهم. وأيضاً من باب المجانسة والمشاكلة، كما قال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا). • أمر الله بالعدل حتى في المشركين. كما قال تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ). وقال تعالى (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا). • والأمر في قوله تعالى (فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ … ) للإباحة بدليل قوله تعالى في آخر سورة النحل (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِينَ). وقوله تعالى (فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ). وقوله تعالى (وَأَنْ تَعْفُوا أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى). • قال الشنقيطي: قوله تعالى (فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ) الآية. هذه الآية تدل على طلب الانتقام، وقد أذن الله في الانتقام في آيات كثيرة: كقوله تعالى (وَلَمَنِ انْتَصَرَ بَعْدَ ظُلْمِهِ فَأُولَئِكَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ سَبِيلٍ، إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ) الآية. وكقوله (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ). وكقوله (ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ) الآية. وقوله (وَالَّذِينَ إِذَا أَصَابَهُمُ الْبَغْيُ هُمْ يَنْتَصِرُونَ). وقوله (وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا).

стр. 587

وقد جاءت آيات أخر تدل على العفو وترك الانتقام: كقوله (فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) وقوله (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ) وقوله (وَلَمَنْ صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الأُمُورِ)، وقوله (خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ)، وكقوله: (وَإِذَا خَاطَبَهُمُ الْجَاهِلُونَ قَالُوا سَلاماً) والجواب عن هذا بأمرين: أحدهما: أن الله بيّن مشروعية الانتقام ثم أرشد إلى أفضلية العفو. ويدل لهذا قوله تعالى (وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرِين). وقوله (لا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلا مَنْ ظُلِمَ)، أذن في الانتقام بقوله (إِلا مَنْ ظُلِمَ)، ثم أرشد إلى العفو بقوله (إِنْ تُبْدُوا خَيْراً أَوْ تُخْفُوهُ أَوْ تَعْفُوا عَنْ سُوءٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوّاً قَدِيراً). الوجه الثاني: أنّ الانتقام له موضع يحسن فيه، والعفو له موضع كذلك. وإيضاحه أن من المظالم ما يكون في الصبر عليه انتهاك حرمة الله، ألا ترى أنّ من غصبت منه جاريته مثلاً إذا كان الغاصب يزني بها فسكوته وعفوه عن هذه المظلمة قبيح وضعف وخور، تنتهك به حرمات الله، فالانتقام في مثل هذه الحالة واجب، وعليه يحمل الأمر (فَاعْتَدُوا) الآية، أي كما بدأ الكفار بالقتال فقتالهم واجب، بخلاف من أساء إليه بعض إخوانه من المسلمين بكلام قبيح، ونحو ذلك فعفوه أحسن وأفضل. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه، أي: اتقوا الله إذا انتصرتم ممن ظلمكم فلا تظلموهم بأخذ أكثر من حقكم ولا تعتدوا إلى ما لم يرخص لكم. • قال ابن عاشور: أمر بالاتقاء في الاعتداء أي بألا يتجاوز الحد، لأن شأن المنتقم أن يكون عن غضب فهو مظنة الإفراط. • قال السعدي: ولما كانت النفوس - في الغالب - لا تقف على حدها إذا رخص لها في المعاقبة لطلبها التشفي، أمر تعالى بلزوم تقواه، التي هي الوقوف عند حدوده، وعدم تجاوزها.

стр. 588

(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) معية خاصة بنصره وعونه وتوفيقه. • قال السعدي: ومن كان الله معه، حصل له السعادة الأبدية، ومن لم يلزم التقوى تخلى عنه وليه، وخذله، فوكله إلى نفسه فصار هلاكه أقرب إليه من حبل الوريد. • وفي هذا فضل عظيم للمتقين، (وقد تقدمت فضائل التقوى في أول السورة). الفوائد: ١ - أن الحرمات قصاص. ٢ - أن المعتدي لا يجازى بأكثر من عدوانه. ٣ - وجوب تقوى الله في معاملة الآخرين. ٤ - فضل التقوى. ٥ - إثبات معية الله تعالى.

стр. 589

(وَأَنفِقُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (١٩٥)). [البقرة: ١٩٥]. (وَأَنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) قال حذيفة وابن عباس وعكرمة وعطاء ومجاهد وجمهور الناس: المعنى؛ لا تلقوا بأيديكم بأن تتركوا النفقة في سبيل الله وتخافوا العيلة. • قال ابن عاشور: هذه الجملة معطوفة على جملة (وقاتلوا في سبيل الله) الخ فإنهم لما أمروا بقتال عدوهم، وكان العدو أوفر منهم عدة حرب أيقظهم إلى الاستعداد بإنفاق الأموال في سبيل الله، فالمخاطبون بالأمر بالإنفاق جميع المسلمين لا خصوص المقاتلين. ووجه الحاجة إلى هذا الأمر مع أن الاستعداد للحرب مركوز في الطباع: تنبيه المسلمين فإنهم قد يقصرون في الإتيان على منتهى الاستعداد لعدو قوي، لأنهم قد ملئت قلوبهم إيماناً بالله وثقة به، وملئت أسماعهم بوعد الله إياهم النصر وأخيراً بقوله (واعلموا أن الله مع المتقين) نبهوا على أن تعهد الله لهم بالتأييد والنصر لا يسقط عنهم أخذ العدة المعروفة فلا يحسبوا أنهم غير مأمورين ببذل الوسع لوسائل النصر التي هي أسباب أناط الله تعالى بها مسبباتها على حسب الحكمة التي اقتضاها النظام الذي سنه الله في الأسباب ومسبباتها، فطلب المسببات دون أسبابها غلط وسوء أدب مع خالق الأسباب ومسبباتها كي لا يكونوا كالذين قالوا لموسى (فاذهب أنت وربك فقاتلا إنا هاهنا قاعدون). روى البخاري عن حذيفة قال: نزلت الآية في النفقة. وأخرج أبو داود والترمذي وصححه، وابن حبان عن أبي أيوب الأنصار قال (نزلت الآية فينا معشر الأنصار لما أعز الله الإسلام وكثر ناصروه، قال بعضنا لبعض سراً: إن أموالنا قد ضاعت، وإن الله قد أعز الإسلام، فلو أقمنا في أموالنا فأصلحنا ما ضاع منا، فأنزل الله يرد علينا … ). فكانت التهلكة الإقامة على أموالنا وصلاحها وتركنا الغزو. وقال بعضهم: أن يذنب الرجل الذنب، فيقول: لا يغفر لي، فيلقي بيده إلى التهلكة، أي يستكثر من الذنوب فيهلك. فالتهلكة والهلاك نوعان: حسي بالموت، وهلاك معنوي: بالكفر والمعاصي، وترك الجهاد والإنفاق في سبيل الله والعمل للآخرة، والتعرض لعذاب الله، والحرمان من ثوابه، وهذا أشد وأعظم، وهذا هو المراد بالتهلكة في الآية، كما قال أبو أيوب في سبب نزول الآية (فكانت التهلكة الإقامة في الأهل والمال وترك الجهاد).

стр. 590

وقد قال ﷺ (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم أذناب البقر، وتركتم الجهاد، سلط الله عليكم ذلاً لا ينزعه عنكم حتى ترجعوا إلى دينكم) رواه أبو داود. ولا يمتنع أن يشمل النهي في الآية أيضاً المعنى الأول وهو التسبب لإهلاك النفس بالموت، بقتل الإنسان نفسه بأي سبب من الأسباب. عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (من تردى من جبل فقتل نفسه، فهو في نار جهنم يتردى فيها خالداً مخلداً فيها أبداً، ومن تحسى سماً فقتل نفسه، فسمه في يده يتحساه في نار جهنم خالداً مخلداً فيها أبداً .. ) متفق عليه. ومع ذلك، فإن العلماء - من المتقدمين والمتأخرين - يستدلون بهذه الآية أيضاً على النهي عن قتل النفس وإيذائها وإلقائها إلى التهلكة بأي طريقة من طرق التهلكة، آخذين بعموم لفظ الآية، وبالقياس الجلي، مقررين بذلك القاعدة الأصولية القائلة (العبرة بعموم اللفظ، لا بخصوص السبب). • قال الحافظ ابن حجر ﵀: وأما قصرها عليه -يعني قصر الآية على موضوع ترك النفقة في سبيل الله- ففيه نظر، لأن العبرة بعموم اللفظ. • وقال الشوكاني: أي: لا تأخذوا فيما يهلككم، وللسلف في معنى الآية أقوال. والحق أن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب، فكل ما صدق عليه أنه تهلكة في الدين أو الدنيا فهو داخل في هذا، وبه قال ابن جرير الطبري. ويدل على ذلك أيضاً تنوع تفسيرات السلف لهذه الآية، فقد ورد عن البراء بن عازب ﵁ أنه اعتبر من يذنب الذنب ثم ييأس من رحمة الله: أنه ألقى بيده إلى التهلكة، قال ابن حجر: أخرجه ابن جرير وابن المنذر بإسناد صحيح. (وَأَحْسِنُوا) يأمر الله تعالى بالإحسان، وهذا يشمل جميع أنواع الإحسان، لأنه لم يقيده بشيء دون شيء، فيدخل فيه الإحسان بالمال، ويدخل فيه الإحسان بالجاه، وبالشفاعة ونحو ذلك، وتعليم العلم النافع، وقضاء حوائج الناس من تفريج كرباتهم، وإزالة شدائدهم، وعيادة مرضاهم، وتشييع جنائزهم، وإرشاد ضالهم.

стр. 591

ويدخل في ذلك الإحسان في عبادة الله، إخلاصاً لله تعالى، ومتابعة للرسول ﷺ ، كما قال تعالى (وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ) وقال تعالى (بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِنْدَ رَبِّهِ). فالإحسان في عبادة الله: أن تقوم بالعمل متقناً فيه إخلاصاً ومتابعة. والإحسان إلى المخلوق: بأداء حقوقهم الواجبة والمستحبة، وأن تعامل الناس بما تحب أن يعاملوك. وأعظم دافع للإحسان مراقبة الله تعالى، ولذلك قال النبي ﷺ في تعريفه (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تره فإنه يراك). وسؤال جبريل هذا ليعلم أصحاب النبي ﷺ معنى الإحسان، وأن إحسان العمل إنما يكون لمن راقب الله وعلم يقينياً أن الله مطلع عليه. لأن الإحسان هو الغاية التي من أجلها خلق الخلق، وأنه سبحانه يختبر عباده في إحسانهم للعمل. كما قال تعالى في أول سورة هود (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). ولم يقل أيكم أكثر عملاً. وقال تعالى في أول سورة الكهف (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا) ثم بيّن الحكمة بقوله (لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). وقال تعالى في أول سورة الملك (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ) ثم بيّن الحكمة فقال (لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). فالإحسان: أن يأتي بالعمل حسناً متقناً لا نقص فيه ولا وصم، وإحسان العمل لا يمكن إلا بمراقبة خالق هذا الكون

стр. 592

• قال ابن رجب: قوله تعالى (لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ)، وقد ثبت في "صحيح مسلم" عنِ النَّبيِّ ﷺ تفسيرُ الزِّيادةِ بالنّظرِ إلى وجهِ الله في الجنة، وهذا مناسبٌ لجعلِه جزاءً لأهلِ الإحسّانِ؛ لأنَّ الإحسانَ هو أنْ يَعبُدَ المؤمنُ ربّه في الدُّنيا على وجهِ الحُضورِ والمُراقبةِ، كأنّه يراهُ بقلبِهِ وينظرُ إليه في حال عبادتِهِ، فكانَ جزاءُ ذلك النَّظرَ إلى الله عياناً في الآخرة، وعكس هذا ما أخبرَ الله تعالى به عَنْ جَزاءِ الكُفَّار في الآخرةِ (إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ)، وجعلَ ذلك جزاءً لحالهم في الدُّنيا، وهو تراكُم الرَّانِ على قُلوبِهم، حتّى حُجِبَتْ عن معرفتِهِ ومُراقبته في الدُّنيا، فكان جزاؤُهم على ذلك أنْ حُجِبوا عن رُؤيته في الآخرة. (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) هذا تعليل للأمر بالإحسان، أي: إن الله يحب المحسنين بنوعي الإحسان، الإحسان في عبادته، والإحسان إلى عباده. (وقد تقدمت فضائل الإحسان). • وفي هذا إثبات المحبة لله تعالى. الفوائد: ١ - وجوب الإنفاق في سبيل الله. ٢ - الإشارة إلى الإخلاص في الإنفاق. ٣ - تحريم إلقاء النفس بالتهلكة، ومن ذلك ترك الجهاد في سبيل الله. ٤ - الأمر بالإحسان. ٥ - فضل الإحسان والحث عليه. ٦ - إثبات المحبة لله.

стр. 593

(وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ وَلَا تَحْلِقُواْ رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ فَمَن كَانَ مِنكُم مَّرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِّن رَّأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِّن صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ فَإِذَا أَمِنتُمْ فَمَن تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ ذَلِكَ لِمَن لَّمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١٩٦)). [سورة البقرة: ١٩٦] (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) لمَا ذكر تعالى أحكام الصيام، وعطف بذكر الجهاد، شرع في بيان المناسك، فأمر بإتمام الحج والعمرة. والمعنى: أي وأكملوا الحج والعمرة لله بأركانهما وواجباتهما وسننهما بعد الإحرام بهما، على الصفة التي شرع الله. فمن أحرم بنسك حج أو عمرة وجب عليه إتمام ذلك النسك حتى ولو كان نفلاً. • قوله (لله) أي: مخلصين لله ، وهكذا في جميع الطاعات والعبادات تنبغي أن تكون لله تعالى وحده. قال تعالى (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابْتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ). وقال تعالى (وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ زَكَاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ). وقال تعالى (وَمَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ). وقال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً). وقال ﷺ (من بنى مسجداً لله بنى الله … ) متفق عليه. وقال ﷺ (من صام رمضان إيماناً واحتساباً … ) متفق عليه. وقال ﷺ (صَلَاةُ الرَّجُلِ في جماعةٍ تزيدُ عَلَى صَلَاتِهِ في سُوقِهِ وَبَيْتِهِ بضْعاً وعِشْرينَ دَرَجَةً، وذلِكَ أَنَّ أَحَدَهُمْ إِذا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ، ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِد لا يُرِيدُ إِلاَّ الصَّلَاةَ، لا يَنْهَزُهُ إِلاَّ الصَّلَاةُ، لَمْ يَخطُ خُطوَةً إِلاَّ رُفِعَ لَهُ بِها دَرجةٌ، وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطيئَةٌ حتَّى يَدْخلَ الْمَسْجِدَ، فَإِذَا دخل الْمَسْجِدَ كانَ في الصَّلَاةِ مَا كَانَتِ الصَّلاةُ هِيَ التي تحبِسُهُ، وَالْمَلائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدكُمْ ما دام في مَجْلِسهِ الَّذي صَلَّى فِيهِ، يقُولُونَ: اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ، اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ، اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ، ما لَمْ يُؤْذِ فِيهِ، مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ» متفقٌ عليه، وهَذَا لَفْظُ مُسْلمٍ. وَقَوْلُهُ ﷺ : «ينْهَزُهُ» هُوَ بِفتحِ الْياءِ وَالْهاءِ وَبالزَّاي: أَي يُخْرِجُهُ ويُنْهِضُهُ.

стр. 594

وقال ﷺ (إِذَا قَالَ الْمُؤَذِّنُ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. فَقَالَ أَحَدُكُمْ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ ثُمَّ قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّداً رَسُولُ اللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ حَيَّ عَلَى الْفَلَاحِ. قَالَ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ. ثُمَّ قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. قَالَ اللَّهُ أَكْبَرُ اللَّهُ أَكْبَرُ. ثُمَّ قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. قَالَ لَا إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ. مِنْ قَلْبِهِ دَخَلَ الْجَنَّةَ) رواه مسلم. وقال ﷺ (وَرَجُلٌ تَصَدَّقَ بصَدَقَةٍ، فَأَخْفَاهَا حَتَّى لا تَعْلَمَ شِمَالُهُ ما تُنْفِقُ يَمِينُهُ) متفقٌ عليه. وقال ﷺ (من تواضع لله رفعه الله) رواه مسلم. وقال ﷺ (مَنِ اتَّبَعَ جَنَازَةَ مُسْلِمٍ إِيمَاناً وَاحْتِسَاباً، وَكَانَ مَعَهُ حَتَّى يُصَلَّى عَلَيْهَا، وَيَفْرُغَ مِنْ دَفْنِهَا، فَإِنَّهُ يَرْجِعُ مِنَ الأَجْرِ بِقِيرَاطَيْنِ، كُلُّ قِيرَاطٍ مِثْلُ أُحُدٍ، وَمَنْ صَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ رَجَعَ قَبْلَ أَنْ تُدْفَنَ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ بِقِيرَاطٍ) متفق عليه. • قال السعدي: يستدل بقوله تعالى (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ) على أمور: أحدها: وجوب الحج والعمرة، وفرضيتهما .. الثاني: وجوب إتمامهما بأركانهما، وواجباتهما، التي قد دل عليها فعل النبي ﷺ وقوله: (خذوا عني مناسككم). الثالث: أن فيه حجة لمن قال بوجوب العمرة .. الرابع: أن الحج والعمرة يجب إتمامهما بالشروع فيهما، ولو كانا نفلاً .. الخامس: الأمر بإتقانهما وإحسانهما، وهذا قدر زائد على فعل ما يلزم لهما .. السادس: وفيه الأمر بإخلاصهما لله تعالى. السابع: أنه لا يخرج المحرم بهما بشيء من الأشياء حتى يكملهما، إلا بما استثناه الله، وهو الحصر .. (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) الإحصار في اللغة: المنع والحبس، يقال: حصره عن السفر وأحصره عنه إذا حبسه ومنعه. والمعنى: أي: منعتم من إتمام الحج أو العمرة أو أحدهما.

стр. 595

واختلف العلماء هل المراد بالإحصار فقط بالعدو أو هو عام بالعدو وغيره كمرض أو ضياع نفقة أو غير ذلك على قولين: القول الأول: أن المراد به حصر العدو دون المرض ونحوه. وهذا قول ابن عباس وابن عمر وأنس وابن الزبير، وهو قول سعيد بن المسيب وسعيد بن جبير. وهو الرواية المشهورة الصحيحة عن أحمد بن حنبل، وهو مذهب مالك والشافعي. وعلى هذا القول أن المراد بالإحصار ما كان من العدو خاصة، فمن أحصر بمرض ونحوه لا يجوز له التحلل حتى يبرأ من مرضه، ويطوف بالبيت ويسعى. وحجة هذا القول متركبة من أمرين: الأمر الأول: أن الآية الكريمة التي هي (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) نزلت في صد المشركين النبي ﷺ وأصحابه وهم محرمون بعمرة عام الحديبية عام ست بإطباق العلماء، قاله الشنقيطي. الأمر الثاني: ما ورد من الآثار من أن المحصر بمرض ونحوه لا يتحلل إلا بالطواف والسعي. عن ابن عباس أنه قال (لا حصر إلا حصر العدو) رواه البيهقي. قال النووي في شرح المهذب: إسناده صحيح على شرط البخاري ومسلم، وصححه أيضاً ابن حجر. القول الثاني: أن الإحصار أنه يشمل ما كان من عدو ونحوه، وما كان من مرض ونحوه من جميع العوائق المانعة من الوصول إلى الحرم.

стр. 596

وممن قال بهذا القول: ابن مسعود، ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعلقمة والثوري والحسن وأبو ثور وداود، وهو مذهب أبي حنيفة، ورجحه الطبري. وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدم في حجة الذي قبله. ومن جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى) فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. قال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة هذا: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة. وهذا القول هو الصحيح. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي: فاذبحوا ما تيسر من الهدي، أي: فعليكم للخروج من النسك والتحلل من الإحرام ذبح أو نحر الذي تيسر من الهدي. • فالذي يجب على المحصر: أولاً: أن يذبح هدي. لظاهر القرآن (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والجمهور على أن مكان ذبح الهدي هو مكان الإحصار، سواء كان حلاً أو حرماً، حيث أن الرسول ﷺ أحصر بالحديبية ونحر بها، وهي ليست من الحرم. ثانياً: الحلق أو التقصير. قال بعض العلماء: إنه يلزمه أيضاً الحلق أو التقصير، وهو مذهب مالك وأصحابه. لما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا. وهذا أمر والأمر للوجوب.

стр. 597

وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه حلق، وهذا قول مذهب الحنفية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي. واحتج أهل هذا القول بأن الله تعالى قال (فما استيسر من الهدي) ولم يذكر الحلق، ولو كان لازماً لبينه. والراجح القول الأول، ورجحه الشنقيطي. • الصحيح أن المحصر إذا لم يستطع على الهدي فلا شيء عليه لا صيام ولا غيره، خلافاً للمذهب. (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) قوله (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) معطوف على قوله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وليس معطوفاً على قوله (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما أحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان مفرداً أو متمتعاً. ومعنى الآية: لا تزيلوا شعر رؤوسكم، لأن ذلك من محظورات الإحرام، إلى غاية وصول الهدي محله، ومحله: أي زمان حلوله وهو يوم العيد، ومكان حلوله وهو الحرم، والمعنى: حتى يذبح الهدي يوم العيد.

стр. 598

• في هذا أن حلق الرأس من محظورات الإحرام، وقاس جمهور العلماء بقية شعور البدن، كالشارب والإبط والعانة وغير ذلك. (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) أي: به مرض يحتاج بسببه إلى حلق رأسه. (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) بسبب القمل ونحو ذلك، واحتاج إلى حلقه. (فَفِدْيَةٌ) أي: فليحلق رأسه وعليه فدية. (مِنْ صِيَامٍ) أي: تكون هذه الفدية من صيام، وهو ثلاثة أيام. (أَوْ صَدَقَةٍ) وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. (أَوْ نُسُكٍ) وهو ذبح شاة. وقد جاء ذلك مبيناً في حديث كعب بن عجرة: عن كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلاً فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ. قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسَّر) متفق عليه. • ومثل حلق الرأس حلق الشارب والإبط والعانة ونحو ذلك. • وفي الآية أنه يجوز فعل المحظور للضرورة وفيه الفدية، ففاعل المحظور له ثلاث حالات: أولاً: أن يفعل المحظور عالماً متعمداً ذاكراً غير معذور. فهذا آثم وعليه الفدية. ثانياً: أن يفعله عالماً مختاراً ذاكراً معذوراً. فهذا عليه الفدية ولا إثم عليه. فلو احتاج الإنسان إلى تغطية رأسه من أجل برد أو حر يخاف منه، جاز له تغطيته وعليه الفدية. ثالثاً: أن يفعله معذور بجهل أو نسيان. فهذا لا شيء عليه لأنه جاهل أو ناسي.

стр. 599

• وفي التخيير في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك تيسير على من احتاج إلى حلق الرأس ونحوه من المحظورات. (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره. (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي: من اعتمر في أشهر الحج، واستمتع بما يستمتع به غير المحرم، من الطيب والنساء وغيرها. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي: فعليه ما تيسر من الهدي وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى على نعمة التحلل والتمتع بين النسكين. • ففيه أن المتمتع يجب عليه هدي، وأما القارن، فذهب جمهور العلماء على وجوب الهدي عليه، وخالف داود الظاهري ولم يوجب على القارن دم، قال: لأن الله قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) فلا بد من تمتع فاصل بين العمرة والحج، وهذا قول قوي. لكن قول الجمهور أحوط، وأما المفرد فليس عليه هدي، قال النووي: بالإجماع. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي الهدي، بأن عدمه، وله صورتان: الأولى: ألا يوجد هدي، بحيث لا يجد في الأسواق شيئاً من بهيمة الأنعام. الثانية: أن لا يوجد معه ثمن.

стр. 600

(فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فعليه صيام ثلاثة أيام. (فِي الْحَجِّ) أي: في أثناء الحج. • وأول وقتها منذ إحرامه إلى آخر أيام التشريق، عدا يوم العيد فيحرم صومه لنهي النبي ﷺ عن صوم يومي العيد. وقد ذكر بعض العلماء أن الأفضل أن تكون اليوم السابع والثامن والتاسع، لكون آخرها يوم عرفة، قالوا: وفي هذه الحال ينبغي أن يحرم بالحج في اليوم السابع. وفي هذا نظر من جهتين: من جهة تقديم الإحرام بالحج، ومن جهة كون آخرها يوم عرفة. أما الأول: فإن تقديم إحرام الحج على اليوم الثامن خلاف هدي النبي ﷺ . وأما الثاني: وهو كون آخرها يوم عرفة، ففيه نظر أيضاً، لأن النبي ﷺ (نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة). رواه أبو داود، وأتي بقدح فشربه أمام الناس ضحى يوم عرفة. متفق عليه والذي يظهر أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، لقول عائشة وابن عمر (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي). رواه البخاري فظاهر هذا النص: أن الصحابة كانوا يصومونها أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج، لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها: الرمي. ويجوز أن يبدأ بصيامها من حين أن يحرم بالعمرة. • هل يشترط أن تكون متتابعة؟ إن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق؛ لزم أن تكون متتابعة ضرورة، لأنه لم يبق من أيام التشريق إلا ثلاثة، ولا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق، وأما إذا صامها قبل أيام التشريق؛ فيجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة. (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) قيل: إلى رحالكم، وقيل: إلى أوطانكم، روي هذا عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس، وحكى على ذلك ابن جرير الإجماع. • وإذا صامها في الطريق أجزأه ذلك، لأن المقصود من كونها رجع إلى أهله أن لا تكون في الحج. (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) تأكيد لقوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) كما في قوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله تعالى (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ).
следующие страницы →