← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 596–635 · переход к 601.

стр. 596

وممن قال بهذا القول: ابن مسعود، ومجاهد وعطاء وقتادة وعروة بن الزبير وإبراهيم النخعي وعلقمة والثوري والحسن وأبو ثور وداود، وهو مذهب أبي حنيفة، ورجحه الطبري. وحجة هذا القول من جهة شموله لإحصار العدو قد تقدم في حجة الذي قبله. ومن جهة شموله للإحصار بمرض فهي ما رواه الإمام أحمد وأصحاب السنن الأربعة وابن خزيمة والحاكم والبيهقي عن عكرمة عن الحجاج بن عمرو الأنصاري قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (من كسر أو عرج فقد حل وعليه حجة أخرى) فذكرت ذلك لابن عباس وأبي هريرة فقالا: صدق. قال النووي في شرح المهذب بعد أن ساق حديث عكرمة هذا: رواه أبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه والبيهقي وغيرهم بأسانيد صحيحة. وهذا القول هو الصحيح. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي: فاذبحوا ما تيسر من الهدي، أي: فعليكم للخروج من النسك والتحلل من الإحرام ذبح أو نحر الذي تيسر من الهدي. • فالذي يجب على المحصر: أولاً: أن يذبح هدي. لظاهر القرآن (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) والجمهور على أن مكان ذبح الهدي هو مكان الإحصار، سواء كان حلاً أو حرماً، حيث أن الرسول ﷺ أحصر بالحديبية ونحر بها، وهي ليست من الحرم. ثانياً: الحلق أو التقصير. قال بعض العلماء: إنه يلزمه أيضاً الحلق أو التقصير، وهو مذهب مالك وأصحابه. لما ثبت في الأحاديث الصحيحة عنه ﷺ أنه حلق لما صده المشركون عام الحديبية وهو محرم، وأمر أصحابه أن يحلقوا. وهذا أمر والأمر للوجوب.

стр. 597

وذهب بعض العلماء إلى أنه لا يلزمه حلق، وهذا قول مذهب الحنفية، وهو إحدى الروايتين عن الإمام أحمد، وهو ظاهر كلام الخرقي. واحتج أهل هذا القول بأن الله تعالى قال (فما استيسر من الهدي) ولم يذكر الحلق، ولو كان لازماً لبينه. والراجح القول الأول، ورجحه الشنقيطي. • الصحيح أن المحصر إذا لم يستطع على الهدي فلا شيء عليه لا صيام ولا غيره، خلافاً للمذهب. (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) قوله (وَلا تَحْلِقُوا رُؤُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) معطوف على قوله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ) وليس معطوفاً على قوله (فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) لأن النبي ﷺ وأصحابه عام الحديبية لما أحصرهم كفار قريش عن الدخول إلى الحرم، حلقوا وذبحوا هديهم خارج الحرم، فأما في حال الأمن والوصول إلى الحرم فلا يجوز الحلق (حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ) ويفرغ الناسك من أفعال الحج والعمرة إن كان قارناً، أو من فعل أحدهما إن كان مفرداً أو متمتعاً. ومعنى الآية: لا تزيلوا شعر رؤوسكم، لأن ذلك من محظورات الإحرام، إلى غاية وصول الهدي محله، ومحله: أي زمان حلوله وهو يوم العيد، ومكان حلوله وهو الحرم، والمعنى: حتى يذبح الهدي يوم العيد.

стр. 598

• في هذا أن حلق الرأس من محظورات الإحرام، وقاس جمهور العلماء بقية شعور البدن، كالشارب والإبط والعانة وغير ذلك. (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً) أي: به مرض يحتاج بسببه إلى حلق رأسه. (أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ) بسبب القمل ونحو ذلك، واحتاج إلى حلقه. (فَفِدْيَةٌ) أي: فليحلق رأسه وعليه فدية. (مِنْ صِيَامٍ) أي: تكون هذه الفدية من صيام، وهو ثلاثة أيام. (أَوْ صَدَقَةٍ) وهي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع. (أَوْ نُسُكٍ) وهو ذبح شاة. وقد جاء ذلك مبيناً في حديث كعب بن عجرة: عن كَعْبُ بْنُ عُجْرَةَ. (أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ وَقَفَ عَلَيْهِ وَرَأْسُهُ يَتَهَافَتُ قَمْلاً فَقَالَ: أَيُؤْذِيكَ هَوَامُّكَ. قُلْتُ نَعَمْ. قَالَ: فَاحْلِقْ رَأْسَكَ، قَالَ: فَفِيَّ نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ) فَقَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : صُمْ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ تَصَدَّقْ بِفَرَقٍ بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ أَوِ انْسُكْ مَا تَيَسَّر) متفق عليه. • ومثل حلق الرأس حلق الشارب والإبط والعانة ونحو ذلك. • وفي الآية أنه يجوز فعل المحظور للضرورة وفيه الفدية، ففاعل المحظور له ثلاث حالات: أولاً: أن يفعل المحظور عالماً متعمداً ذاكراً غير معذور. فهذا آثم وعليه الفدية. ثانياً: أن يفعله عالماً مختاراً ذاكراً معذوراً. فهذا عليه الفدية ولا إثم عليه. فلو احتاج الإنسان إلى تغطية رأسه من أجل برد أو حر يخاف منه، جاز له تغطيته وعليه الفدية. ثالثاً: أن يفعله معذور بجهل أو نسيان. فهذا لا شيء عليه لأنه جاهل أو ناسي.

стр. 599

• وفي التخيير في الفدية بين الصيام والصدقة والنسك تيسير على من احتاج إلى حلق الرأس ونحوه من المحظورات. (فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي: بأن قدرتم على البيت من غير مانع عدو وغيره. (فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى الْحَجِّ) أي: من اعتمر في أشهر الحج، واستمتع بما يستمتع به غير المحرم، من الطيب والنساء وغيرها. (فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ) أي: فعليه ما تيسر من الهدي وهو شاة يذبحها شكراً لله تعالى على نعمة التحلل والتمتع بين النسكين. • ففيه أن المتمتع يجب عليه هدي، وأما القارن، فذهب جمهور العلماء على وجوب الهدي عليه، وخالف داود الظاهري ولم يوجب على القارن دم، قال: لأن الله قال (فمن تمتع بالعمرة إلى الحج) فلا بد من تمتع فاصل بين العمرة والحج، وهذا قول قوي. لكن قول الجمهور أحوط، وأما المفرد فليس عليه هدي، قال النووي: بالإجماع. (فَمَنْ لَمْ يَجِدْ) أي الهدي، بأن عدمه، وله صورتان: الأولى: ألا يوجد هدي، بحيث لا يجد في الأسواق شيئاً من بهيمة الأنعام. الثانية: أن لا يوجد معه ثمن.

стр. 600

(فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ) أي: فعليه صيام ثلاثة أيام. (فِي الْحَجِّ) أي: في أثناء الحج. • وأول وقتها منذ إحرامه إلى آخر أيام التشريق، عدا يوم العيد فيحرم صومه لنهي النبي ﷺ عن صوم يومي العيد. وقد ذكر بعض العلماء أن الأفضل أن تكون اليوم السابع والثامن والتاسع، لكون آخرها يوم عرفة، قالوا: وفي هذه الحال ينبغي أن يحرم بالحج في اليوم السابع. وفي هذا نظر من جهتين: من جهة تقديم الإحرام بالحج، ومن جهة كون آخرها يوم عرفة. أما الأول: فإن تقديم إحرام الحج على اليوم الثامن خلاف هدي النبي ﷺ . وأما الثاني: وهو كون آخرها يوم عرفة، ففيه نظر أيضاً، لأن النبي ﷺ (نهى عن صوم يوم عرفة بعرفة). رواه أبو داود، وأتي بقدح فشربه أمام الناس ضحى يوم عرفة. متفق عليه والذي يظهر أن الصحابة كانوا يصومونها في أيام التشريق، لقول عائشة وابن عمر (لم يرخص في أيام التشريق أن يصمن إلا لمن لم يجد الهدي). رواه البخاري فظاهر هذا النص: أن الصحابة كانوا يصومونها أيام التشريق، وصومها في أيام التشريق صوم لها في أيام الحج، لأن أيام التشريق أيام للحج، ففيها: الرمي. ويجوز أن يبدأ بصيامها من حين أن يحرم بالعمرة. • هل يشترط أن تكون متتابعة؟ إن ابتدأها في أول يوم من أيام التشريق؛ لزم أن تكون متتابعة ضرورة، لأنه لم يبق من أيام التشريق إلا ثلاثة، ولا يجوز أن تؤخر عن أيام التشريق، وأما إذا صامها قبل أيام التشريق؛ فيجوز أن يصومها متفرقة ومتتابعة. (وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) قيل: إلى رحالكم، وقيل: إلى أوطانكم، روي هذا عن سعيد بن جبير، وأبي العالية، ومجاهد، وعطاء، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والزهري، والربيع بن أنس، وحكى على ذلك ابن جرير الإجماع. • وإذا صامها في الطريق أجزأه ذلك، لأن المقصود من كونها رجع إلى أهله أن لا تكون في الحج. (تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ) تأكيد لقوله تعالى (فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي الْحَجِّ وَسَبْعَةٍ إِذَا رَجَعْتُمْ) كما في قوله تعالى (وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ) وقوله تعالى (ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ).

стр. 601

(ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: ذلك الهدي خاص بغير أهل الحرم. • قال ابن جرير: واختلف أهل التأويل فيمن عني بقوله: (ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) بعد إجماعه في أن أهل الحرم معنيون به وأنه لا هدي لهم. فقال بعضهم: هم من كان من دون المواقيت. وقيل: هم أهل مكة فقط. وقيل: هم أهل الحرم من أهل مكة وغيرهم. وقيل: أهل الحرم ممن بينهم وبينه مسافة قصر، لأن من دون المسافة يعتبر من أهل البلد. • قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: وأحسن ما يقال: إن حاضري المسجد الحرام هم: أهل مكة، أو أهل الحرم، أي من كان من أهل مكة ولو كان في الحل، أو من كان في الحرم ولو كان خارج مكة. (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه. (وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: واعلموا أن الله شديد العقوبة والمؤاخذة لمن خالف أمره وارتكب نهيه، لأن العلم بذلك مع توفيق الله، يحمل الإنسان على تقوى الله.

стр. 602

الفوائد: ١ - وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما. ٢ - أن الحج والعمرة يخالفان غيرهما في وجوب إتمام نفلهما. ٣ - وجوب الهدي على من أحصر. ٤ - استدل بعض العلماء بهذه الآية على أن وجوب الحج على التراخي ليس على الفورية. قالوا: لأن فرض الحج كان بقوله (وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ … ) فهذه الآية نزلت في السنة السادسة، ولم يحج الرسول ﷺ إلا في العام العاشر من الهجرة. وهذا قول ضعيف، والصحيح: أن وجوب الحج على الفور. وهذا قول المالكية وبعض الشافعية، وهو ظاهر المذهب عند الحنابلة. قالوا: لأن فرض كان في السنة التاسعة في قوله تعالى: (وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ) وأما الآية السابقة فإنما فيها وجوب إتمام الحج والعمرة بعد الشروع فيهما. ثم إن الرسول ﷺ في قصة الحديبية أنه قال لأصحابه (قوموا فانحروا، ثم احلقوا، قال: فوالله ما قام منهم رجل … فغضب النبي ﷺ … دخل على أم سلمة مغضباً) ولو لم يكن الأمر للفور ما دخل رسول الله ﷺ على أم سلمة مغضباً. ٥ - استدل بعض العلماء في هذه الآية على وجوب العمرة، وهذا مذهب الحنابلة. قال ابن قدامة: روي ذلك عن عمر وابن عباس وزيد بن ثابت وابن عمر وسعيد بن المسيب وسعيد بن جبير وعطاء وطاووس ومجاهد والحسن وابن سيرين والشعبي. واستدلوا أيضاً بما رواه أحمد وابن ماجه عن عائشة قالت (قلت: يا رسول الله؛ على النساء جهاد؟ قال: نعم، عليهم جهاد لا قتال فيه: الحج والعمرة). قال الشيخ محمد بن عثيمين ﵀: فقوله (عليهن) ظاهرة في الوجوب، لأن (على) من صيغ الوجوب. وبما رواه الخمسة وصححه الترمذي أن النبي ﷺ قال للسائل (حج عن أبيك واعتمر). وذهب بعض العلماء إلى أنها غير واجبة، وهذا مذهب المالكية وأهل الرأي. لحديث جابر قال (أتى النبي ﷺ أعرابي فقال: يا رسول الله؛ أخبرني عن العمرة، أواجبة هي؟ قال: (لا، وأن تعتمر خير لك) رواه أحمد والترمذي وهو ضعيف.

стр. 603

وعن طلحة قال: قال رسول الله ﷺ : (الحج جهاد والعمرة تطوع). رواه ابن ماجه وهو ضعيف. ورجح هذا القول الشوكاني والصنعاني، حيث قال في سبل السلام: الأدلة لا تنهض عند التحقيق على الإيجاب الذي الأصل فيه عدمه. ٥ - تحريم حلق شعر الرأس، وأن حلقه من محظورات الإحرام. قال العلماء: إن العلة هي الترفه، لأن حلق شعر الرأس تحصل به النظافة. وأكثر العلماء أن ذلك يشمل شعر الرجل والساق والصدر والشارب قياساً على شعر الرأس لاتحاد العلة. وقاس كثير من العلماء على إزالة الشعر، تقليم الأظافر بجامع الترفه. ٦ - أن من حلق رأسه لمرض أو قمل أو غيره؛ فعليه الفدية، لقوله (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). والفدية: ما يعطى فداء لشيء. والفدية: هي إطعام ستة مساكين لكل مسكين نصف صاع، أو صيام ثلاثة أيام متتابعة أو متفرقة، أو ذبح شاة. الدليل قوله تعالى: (فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ). (صيام) مجمل لم يبينه الله ، لكن بينها رسول الله ﷺ . (أو صدقة) مجملة أيضاً، لكن بينها الرسول ﷺ . (أو نسك) مبين، لأن النسك هو الذبيحة، كما مر في حديث كعب بن عجرة. وقد اختلف العلماء في القدر الذي تجب فيه الفدية. قال بعضهم: إذا حلق ثلاث شعرات، قال القاضي: هذا المذهب، وهو قول الحسن وعطاء والشافعي. وقال بعضهم: إذا حلق أربع شعرات. وقال بعضهم: إذا حلق ما به إماطة الأذى فعليه الفدية، وهذا مذهب مالك. وهذا القول هو الراجح، لأن النبي ﷺ حجم وهو محرم في رأسه، ولم ينقل عن النبي ﷺ أنه افتدى. ٧ - أن هذه الفدية على التخيير. ٨ - التيسير على العباد، وذلك بوقوع هذه الفدية على التخيير. ٩ - جواز التمتع. ١٠ - أن من لم يجد الهدي فإنه يصوم ثلاثة في الحج وسبعة إذا رجع. ١١ - وجوب تقوى الله وتهديد من خالف ذلك.

стр. 604

(الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَّعْلُومَاتٌ فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلَا رَفَثَ وَلَا فُسُوقَ وَلَا جِدَالَ فِي الْحَجِّ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى وَاتَّقُونِ يَا أُوْلِي الأَلْبَابِ (١٩٧)). [البقرة: ١٩٧]. (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ) أي: الحج وقته أشهر معلومات. • قوله (مَعْلُومَاتٌ) أي: معروفات مشهورات، وهي ثلاثة أشهر: شول وذو القعدة وذو الحجة. وقيل: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة وهذا المذهب والصحيح الأول، وأن أشهر الحج ثلاثة: شوال وذو القعدة وشهر ذي الحجة كاملاً لأن الله يقول (الحج أشهر معلومات) وأشهر جمع، وأقل الجمع ثلاثة في اللغة، وما يضعف القول الأول أن من أيام الحج (١١، ١٢، ١٣) من ذي الحجة يفعل فيها الحج الرمي والمبيت، فكيف نخرجها من أشهر الحج؟ • فلا يصح الإحرام بالحج قبل أشهره كرمضان. (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أي: فمن أحرم فيهن بالإحرام، لأن الإحرام والشروع به يصيره فرضاً حتى ولو كان حج نفل. • قال ابن كثير: (فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ) أي: أوجب بإحرامه حجاً، وفيه دلالة على لزوم الإحرام بالحج والمضي فيه. • قال ابن جرير: أجمعوا على أن المراد من الفرْض هاهنا الإيجاب والإلزام. • قوله (فِيهِنَّ) أي: في أشهر الحج، والمراد بعضها، أي: شوال وذو القعدة وعشر من ذي الحجة، لأن ما بعد طلوع الفجر يوم النحر ليس محلاً للإحرام لانتهاء وقت الوقوف بعرفة، وقد قال ﷺ (الحج عرفة، فمن جاء ليلة جمع قبل الفجر فقد أدرك) رواه أبو داود. (فَلا رَفَثَ) الرفث: الجماع ومقدماته القولية والفعلية.

стр. 605

• قال ابن كثير: أي: من أحرم بالحج أو العمرة فليجتنب الرفث، وهو الجماع كما قال تعالى (أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ) وكذلك يحرم تعاطي دواعيه من المباشرة والتقبيل ونحو ذلك. (وَلا فُسُوقَ) الفسوق المعاصي جميعها، بترك المأمورات وارتكاب المحظورات. فالواجب على الحاج اجتناب جميع المعاصي لقوله ﷺ (من حج ولم يرفث ولم يفسق رجع كيوم ولدته أمه) رواه البخاري، وقيل المراد بالفسوق هاهنا السباب، والأول أرجح ورجحه ابن كثير. • قال ابن الجوزي: وفي الفسوق ثلاثة أقوال: أحدها: أنه السباب، قاله ابن عمر، وابن عباس، وإبراهيم في آخرين. والثاني: أنه التنابز بالألقاب، مثل أن تقول لأخيك: يا فاسق، يا ظالم، رواه الضحاك عن ابن عباس. والثالث: أنه المعاصي، قاله الحسن، وعطاء، وطاووس، ومجاهد، وقتادة في آخرين، وهو الذي نختاره، لأن المعاصي تشمل الكل، ولأن الفاسق: الخارج من الطاعة إلى المعصية. (وَلا جِدَالَ فِي الْحَجِّ) الجدال والخصام والمنازعة والمغاضبة، أي: ولا جدال ولا خصام في الحج، لا في أحكامه ومسائله، ولا في غير ذلك من المخاصمات والمنازعات في أمور الدين والدنيا وقت الحج. • قال ابن عاشور: واتفقوا على أن المجادلة في إنكار المنكر وإقامة حدود الدين ليست من المنهي عنه، فالمنهي عنه هو ما يجر إلى المغاضبة والمشاتمة وينافي حرمة الحج، ولأجل ما في أحوال الجدال من التفصيل كانت الآية مجملة فيما يفسد الحج من أنواع الجدال فيرجع في بيان ذلك إلى أدلة أخرى. • وقال السعدي: والمقصود من الحج، الذل والانكسار لله، والتقرب إليه بما أمكن من القربات، والتنزه عن مقارفة السيئات، فإنه بذلك يكون مبروراً، والمبرور ليس له جزاء إلا الجنة، وهذه الأشياء وإن كانت ممنوعة في كل مكان وزمان، فإنه يتغلظ المنع عنها في الحج. (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) قليلاً كان أو كثيراً، صغيراً كان أو كبيراً. (يَعْلَمْهُ اللَّهُ) أي: يحيط به علماً ويحصيه عدداً ويجازيكم عليه.

стр. 606

• وفي هذا ترغيب وحث على الإكثار من أفعال الخير من أنواع القربات، وأنه لن يضيع عند الله. كما قال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ). وقال تعالى (فَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا كُفْرَانَ لِسَعْيِهِ وَإِنَّا لَهُ كَاتِبُونَ). وقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِين). وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً). (وَتَزَوَّدُوا) أي: تزودكم في سفركم إلى الحج بما تحتاجونه من مال ومأكل ومشرب وأثاث وغير ذلك، لأن الواجب على الإنسان أن يستغني بما آتاه الله عما في أيدي الناس ما استطاع إلى ذلك سبيلاً. عن عكرمة عن ابن عباس قال (كان أهل اليمن يحجون ولا يتزودون ويقولون: نحن المتوكلون، فإذا قدموا مكة سألوا الناس، فأنزل الله (وَتَزَوَّدُوا فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) رواه البخاري. • قال في التسهيل: (وَتَزَوَّدُواْ) قيل: احملوا زاداً في السفر، وقيل: تزوّدوا للآخرة بالتقوى، وهو الأرجح لما بعده. • وقال الشوكاني: قوله (وَتَزَوَّدُواْ) فيه الأمر باتخاذ الزاد؛ لأن بعض العرب كانوا يقولون كيف نحجّ بيت ربنا، ولا يطعمنا؟ فكانوا يحجون بلا زاد، ويقولون: نحن متوكلون على الله سبحانه، وقيل: المعنى تزوّدوا لمعادكم من الأعمال الصالحة (فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى) والأوّل أرجح كما يدل على ذلك سبب نزول الآية.

стр. 607

(فَإِنَّ خَيْرَ الزَّادِ التَّقْوَى) أي: فإن خير الزاد وأنفعه للعباد في الحال والمآل والمعاد وأبلغه وأوصله إلى المقصود: تقوى الله، بفعل أوامره واجتناب نواهيه، فهي خير الزادين في الدنيا والآخرة، وهي الزاد الذي لا ينقطع نفعه، للدار التي لا تزول ولا تحول، في جنات الخلود. • قال ابن كثير: لما أمرهم بالزاد للسفر في الدنيا أرشدهم إلى زاد الآخرة، وهو استصحاب التقوى. قال الشاعر: إذا أنت لم ترحل بزاد من التقى … وشاهدتَ بعد الموت من قد تزودا ندمتَ على ألا تكون كمثلهِ … وأنك لم ترصد لما كان أرصدا. وقال النبي ﷺ لابن عمر (كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) وكان ابن عمر يقول: إذا أصبحت فلا تنتظر المساء، وإذا أمسيت فلا تنتظر الصباح. قال ابن رجب: وهذا الحديث أصلٌ في قِصَر الأمل في الدنيا، وأنَّ المؤمنَ لا ينبغي له أن يتَّخذ الدُّنيا وطناً ومسكناً، فيطمئنّ فيها، ولكن ينبغي أنْ يكونَ فيها كأنَّه على جناح سفر: يُهَيِّئُ جهازَه للرحيل. وقد اتَّفقت على ذلك وصايا الأنبياء وأتباعهم، قال تعالى حاكياً عن مؤمن آل فرعون أنّه قال (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ). وكان النَّبيُّ ﷺ يقول (مالي ولِلدُّنيا إنَّما مَثَلي ومَثَلُ الدُّنيا كمثل راكبٍ قالَ في ظلِّ شجرةٍ ثم راحَ وتركها). ومن وصايا المسيح ﵇ لأصحابه أنَّه قال لهم: اعبُروها ولا تَعمُرُوها، ورُوي عنه أنَّه قال: من ذا الذي يبني على موجِ البحر داراً، تلكُمُ الدُّنيا، فلا تتَّخذوها قراراً. ودخلوا على بعض الصالحين، فقلبوا بصرهم في بيته، فقالوا له: إنَّا نرى بيتَك بيتَ رجلٍ مرتحلٍ، فقال: أمرتحلٌ؟ لا، ولكن أُطْرَدُ طرداً. وكان عليُّ بنُ أبي طالب ﵁ يقول: إنَّ الدُّنيا قدِ ارتحلت مدبرةً، وإنَّ الآخرة قدِ ارتحلت مقبلةً، ولكُلٍّ منهما بنون، فكونوا من أبناء الآخرة، ولا تكونوا من أبناء الدنيا، فإنَّ اليومَ عملٌ ولا حساب، وغداً حسابٌ ولا عمل.

стр. 608

قال بعضُ الحكماء: عجبتُ ممَّنِ الدُّنيا موليةٌ عنه، والآخرة مقبلةٌ إليه، يشتغلُ بالمدبرة، ويُعرِض عن المقبلة. وقال عُمرُ بنُ عبد العزيز في خطبته: إنَّ الدُّنيا ليست بدارِ قرارِكُم، كتب الله عليها الفناء، وكتب على أهلها منها الظَّعَن، فكم من عامرٍ موثَّق عن قليلٍ يَخْرَبُ، وكم من مقيمٍ مُغتَبطٍ عما قليل يَظعَنُ، فأحسنوا - رحمكم الله - منها الرِّحلة بأحسن ما بحضرتكم مِن النقلة، وتزوَّدوا فإنَّ خيرَ الزَّاد التقوى. وإذا لم تكن الدنيا للمؤمن دار إقامة، ولا وطناً، فينبغي للمؤمن أنْ يكون حالُه فيها على أحد حالين: إما أنْ يكونَ كأنَّه غريب مقيمٌ في بلد غُربةٍ، هَمُّه التزوُّد للرجوع إلى وطنه، أو يكون كأنَّه مسافرٌ غير مقيم البتَّة، بل هو ليله ونهارَه، يسيرُ إلى بلدِ الإقامة، فلهذا وصّى النَّبيُّ ﷺ ابنَ عمر أنْ يكونَ في الدُّنيا على أحد هذين الحالين. (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) بعد الترعيب بالتقوى، أمر بها (يَا أُولِي الْأَلْبَاب) أي: يا أصحاب العقول والأفهام النيرة، التي تهدي أصحابها وترشدهم إلى ما ينفعهم، وتمنعهم عما يضرهم. • قال ابن كثير: (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) يقول: واتقوا عقابي، ونكالي، وعذابي لمن خالفني ولم يأتمر بأمري، يا ذوي العقول والأفهام. • قال الشوكاني: وقوله (وَاتَّقُونِ يَا أُولِي الْأَلْبَاب) فيه التخصيص لأولي الألباب بالخطاب بعد حثّ جميع العباد على التقوى؛ لأن أرباب الألباب هم القابلون لأوامر الله الناهضون بها، ولبّ كل شيء خالصه. • والألباب: جمع لُبٍ. الفوائد: ١ - أن للحج أشهر معلومات. ٢ - أن الإحرام بالحج لا يصح إلا في أشهره. ٣ - أن الإحرام بالحج أو العمرة ينعقد بمجرد نية الدخول في النسك. ٤ - أن من أحرم بالحج وجب عليه إتمامه ولو كان نفلاً. ٥ - تحريم الجماع ومقدماته والفسوق والجدال والخصام والنزاع على المحرم. ٦ - الترغيب في فعل الخير. ٧ - علم الله بجميع الأشياء. ٨ - وجوب الاستعداد بالزاد لسفر الحج والعمرة والاستغناء عن الناس. ٩ - الحث على التزود بتقوى الله.

стр. 609

(لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلاً مِّن رَّبِّكُمْ فَإِذَا أَفَضْتُم مِّنْ عَرَفَاتٍ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ وَإِن كُنتُم مِّن قَبْلِهِ لَمِنَ الضَّآلِّينَ (١٩٨) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (١٩٩)). [البقرة: ١٩٨ - ١٩٩]. (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلاً مِنْ رَبِّكُمْ) عن ابن عباس، قال (كانت عكاظ ومَجَنَّة، وذو المجاز أسواق الجاهلية، فتأثَّموا أن يتجروا في المواسم فنزلت (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ) في مواسم الحج. وروى أبو داود عن ابن عباس، قال: كانوا يَتَّقون البيوع والتجارة في الموسم، والحج، يقولون: أيام ذكر، فأنزل الله (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ). • والمعنى: ليس عليكم حرج ولا إثم أن تطلبوا زيادة الرزق من ربكم بالتجارة في موسم الحج، بالبيع والشراء وغير ذلك. • لكن إن كان هو المقصود بالسفر للحج، فليس لصاحبه سواه، لأن الأعمال بالنيات ولكل امرئ ما نوى. (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) الإفاضة من عرفات: الدفع والانصراف منها إلى مزدلفة. وعرفات: علم على مكان وقوف الحجاج يوم التاسع من ذي لحجة. • سميت بذلك: قيل: لارتفاعها عما حولها. وقيل: لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم. وقيل: لأن آدم لما أهبط هو وزوجته حواء تعارفا في هذا المكان، وقيل غير ذلك. • قال الشوكاني: وسميت عرفات؛ لأن الناس يتعارفون فيه. وقيل: إن آدم التقى هو وحواء فيها، فتعارف. وقيل: غير ذلك، قال ابن عطية: والظاهر: أنه اسم مرتجل كسائر أسماء البقاع.

стр. 610

• والوقوف بعرفة هو أهم وأعظم أعمال الحج وأركانه قال ﷺ (الحج عرفة). (فَاذْكُرُوا اللَّهَ عِنْدَ الْمَشْعَرِ الْحَرَامِ) المشعر الحرام مكان أداء الشعيرة من شعائر الله، والمراد هنا المزدلفة كلها، أي: فاذكروا الله بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم بصلاة المغرب والعشاء والفجر ودعائه وتكبيره وتهليله وتوحيد. وقيل: المشعر الحرام جبل هناك، لحديث جابر في صفة حج النبي ﷺ وفيه ( … حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب والعشاء بأذان واحد وإقامتين وصلى الفجر حين تبين له الصبح … ثم ركب القصواء حتى أتى المشعر الحرام فاستقبل القبلة فدعاه وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً حتى أسفر جداً فدفع قبل أن تطلع الشمس … ) رواه مسلم. ففي قوله: حتى أتى المزدلفة … ثم قال: حتى أتى المشعر الحرام ما يدل على التغاير، ويفيد أن المشعر الحرام جزء من مزدلفة. • وقوله (الحرام) أي: ذو الحرمة، لأنه داخل الحرم، فمزدلفة داخل الحرم. (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) أمر الله بذكره عند المشعر الحرام، ثم أكد الأمر بذلك مقروناً بتنبيههم بما أنعم به عليهم من هدايتهم وتوفيقهم للطريق المستقيم، ولمعرفة مشاعر الحج ومناسكه وأحكامه خاصة. • الكاف في قوله (كما هداكم) يحتمل أن تكون للتشبيه، أي: واذكروه على الصفة التي هداكم وأرشدكم إليها، أي: وفق شرعه. ويحتمل أن تكون للتعليل، أي: واذكروه لهدايته لكم. قال السعدي: قوله تعالى (وَاذْكُرُوهُ كَمَا هَدَاكُمْ) أي: اذكروا الله تعالى، كما منّ عليكم بالهداية بعد الضلال، وكما علمكم ما لم تكونوا تعلمون، فهذه من أكبر النعم التي يجب شكرها ومقابلتها بذكر المنعِم بالقلب واللسان. (وَإِنْ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلِهِ) أي: قبل هداه لكم بما أنزل عليكم من القرآن وبعثة محمد ﷺ . (لَمِنَ الضَّالِّينَ) أي: التائهين البعيدين عن طريق الحق، وعن معرفة مشاعر الحج ومناسكه وأحكامه. (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ) يحتمل: أن يكون المراد بالإفاضة هنا الدفع من المشعر الحرام، أي: من مزدلفة إلى منى لرمي جمرة العقبة وذبح الهدي. ويحتمل أن يكون تأكيد لقوله تعالى قبل هذا (فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ) أي: ثم ادعوا (مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ) من المكان الذي وقف فيه الناس ودفعوا منه وهو عرفات.

стр. 611

• قال الشوكاني: قيل: الخطاب في قوله (ثُمَّ أَفِيضُواْ) للحمس من قريش، لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفات، بل كانوا يقفون بالمزدلفة، وهي من الحرم، فأمروا بذلك، وعلى هذا تكون «ثم» لعطف جملة على جملة لا للترتيب. وقيل: الخطاب لجميع الأمة، والمراد بالناس إبراهيم، أي: ثم أفيضوا من حيث أفاض إبراهيم، فيحتمل أن يكون أمراً لهم بالإفاضة من عرفة، ويحتمل أن يكون إفاضة أخرى، وهي التي من المزدلفة، وعلى هذا تكون، «ثم» على بابها أي: للترتيب، وقد رجح هذا الاحتمال الأخير ابن جرير. (وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) أي: اطلبوا من الله مغفرة الذنوب. • وكثيراً ما يأتي الأمر بالاستغفار بعد الانتهاء من الأعمال: ففي هذه الآية أمر الله وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وقال تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ). وفي الصحيح (أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثاً … ). وأمره بالاستغفار بعد أداء الرسالة، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً).

стр. 612

• والحكمة من ذلك: قال ابن القيم: لشهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه. ولعل من الحِكم: دفع العجب ورؤية النفس. • قال السعدي: ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومنّ بها على ربه، وجعلت له محلاً ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: ذو مغفرة واسعة كما قال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ) وقال تعالى (إِنَّ رَبَّكَ لَذُو مَغْفِرَةٍ). • قال السعدي: الغفور: الذي لم يزل يغفر الذنوب ويتوب على كل من يتوب. • قال ابن القيم: وهو الغفور فلو أتى بقرابها … من غير شرك بل من العصيان لأتاه بالغفران ملء قرابها … سبحانه هو واسع الغفران والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم. ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام. • الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: محبة الله وحمده وشكره على رحمته لعباده وغفرانه لذنوبهم. ثانياً: فتح باب الرجاء والمغفرة للشاردين عن الله تعالى والمسرفين على أنفسهم، فمهما عظمت ذنوب العبد فإن مغفرة الله ورحمته أعظم كما قال تعالى (إن ربك واسع المغفرة)، وقد تكفل الله بالمغفرة لمن تاب (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى)، بل من فضله وجود وكرمه أن تعهد بأن يبدل سيئات المذنبين إلى حسنات قال تعالى عن التائبين (إِلَّا مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُولَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).

стр. 613

ثالثاً: الإكثار من الأعمال الصالحة والحسنات لأنها من أسباب الحصول على مغفرة الله للسيئات السالفة، قال سبحانه (وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى). رابعاً: أن كونه سبحانه غفوراً وغفاراً للذنوب لا يعني أن يسرف المسلم في الخطايا والذنوب ويتجرأ على معصية الله تعالى بحجة أن الله غفور رحيم، لأن المغفرة لا تكون إلا بشروطها وانتفاء موانعها قال سبحانه (إنْ تَكُونُوا صَالِحِينَ فَإِنَّهُ كَانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً). خامساً: سؤال الله بهذا الاسم الكريم مغفرة الذنوب ووقاية شرها، لأنه سبحانه وحده الذي يملك غفران الذنوب، ولا يملك ذلك أحد سواه. سادساً: مجاهدة النفس على التخلق بخلق الصفح عن الناس وستر أخطائهم وعوراتهم والاهتداء بهدي القرآن الكريم الذي يأمر بالعفو عن الناس ومقابلة السيئة بالحسنة، قال سبحانه في وصف المتقين (والْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ). (رَحِيمٌ). اسم من أسماء الله، متضمن لصفة الرحمة لله الواسعة كما قال تعالى (فَإِنْ كَذَّبُوكَ فَقُلْ رَبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ) وقال تعالى (وَرَبُّكَ الْغَنِيُّ ذُو الرَّحْمَةِ) وقال تعالى (وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآياتِنَا يُؤْمِنُونَ). • من آثار رحمته: من رحمته إرسال الرسل وإنزال الكتب هداية للناس وإخراجاً لهم من الظلمات إلى النور، فالرسل رحمة من عند الله لعباده قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ). ومن رحمته مغفرته لذنوب عباده والصفح عنهم، وتكفير سيئاتهم، وفتح باب التوبة لهم. إلى غير ذلك. الفوائد: ١ - جواز الاتجار في الحج وطلب الرزق في البيع والشراء. ٢ - امتنان الله على عباده والتوسعة عليهم ودفع الحرج عنهم. ٣ - مشروعية الوقوف بعرفات. ٤ - وجوب المبيت بمزدلفة. ٥ - مشروعية ذكر الله عند المشعر الحرام. ٦ - وجوب ذكر الله وشكره على نعمه العظيمة ومنها هدايته لعباده. ٧ - فضل ذكر الله، وأن العبادات إنما شرعت لذكر الله. ٨ - تأكيد الوقوف بعرفة والإفاضة منها. ٩ - مشروعية الاستغفار بعد الاستفاضة من عرفات والانتهاء من أعمال الحج. ١٠ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: الغفور والرحيم.

стр. 614

(فَإِذَا قَضَيْتُم مَّنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْرًا فَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ (٢٠٠) وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ (٢٠١) أُولَئِكَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِّمَّا كَسَبُواْ وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ (٢٠٢)). [البقرة: ٢٠٠ - ٢٠٢]. (فَإِذَا قَضَيْتُمْ مَنَاسِكَكُمْ فَاذْكُرُوا اللَّهَ) يأمر تعالى بذكره والإكثار منه بعد قضاء المناسك وفراغها. (كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ) عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يقفون في الموسم فيقول الرجل منهم: كان أبي يطعم، ويحمل الحَمَالات، ويحمل الديات، ليس لهم ذكر غير فعال آبائهم، فأنزل الله على محمد ﷺ (فَاذْكُرُوا اللَّهَ كَذِكْرِكُمْ آبَاءَكُمْ أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً). وقيل: استغيثوا بالله والجئوا إليه كما يستغيث الصغير بأبيه إذا مسه سوء. • قال ابن عاشور: والمراد تشبيه ذكر الله بذكر آبائهم في الكثرة والتكرير وتعمير أوقات الفراغ به. (أَوْ أَشَدَّ ذِكْراً) ليست (أو) هاهنا للشك قطعاً، وإنما هي لتحقيق الخبر عنه بأنه كذلك أو أزيد منه. (فَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلاقٍ) هذا ذم لمن يسأل الله تعالى الدنيا وملذاتها دون الآخرة. • قال الشوكاني: والخَلاق: النصيب، أي: وما لهذا الداعي في الآخرة من نصيب؛ لأن همه مقصور على الدنيا لا يريد غيرها، ولا يطلب سواها، وفي هذا الخبر معنى النهي عن الاقتصار على طلب الدنيا، والذمّ لمن جعلها غاية رغبته، ومعظم مقصوده. (وَمِنْهُمْ) أي: ومن الناس قسم موفقون يدعون ربهم ويسألونهم من خيري الدارين، في أمور دينهم ودنياهم فيقولون: (رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً) المراد بالحسنة في الدنيا، تشمل كل خير الدنيا من التوفيق للعلم النافع والعمل الصالح، ومن المتاع الحسن في هذه الحياة، من صحة في البدن، وفسحة في السكن، وسعة في الرزق. (وَفِي الْآخِرَةِ حَسَنَةً) الحسنة في الآخرة الجنة وما فيها من ألوان وأنواع النعيم، وأعلاها النظر إلى وجه الله الكريم. (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: اجعل لنا وقاية من عذاب النار، ولك بحفظنا من الذنوب الموجبة لها، وحفظنا أيضاً من دخولها. ومن صفات عباد الله الخوف منها، كما قال تعالى (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً). • فإن قيل: لم زاد في الدعاء (وقنا عذاب النار)؟ الجواب: إنما زاد في الدعاء (وقنا عذاب النار) لأن حصول الحسنة في الآخرة قد يكون بعد عذاب منها فأريد التصريح في الدعاء بطلب الوقاية من النار. (تفسير ابن عاشور). • وهذا الدعاء من أعظم الأدعية وأجمعها وأكملها. عن أنس. قال (كان أكثر دعاء النبي ﷺ (اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة … ).

стр. 615

• قال ابن كثير: جمعت هذه الدعوةُ كلَّ خير في الدنيا، وصرَفت كلّ شر، فإن الحسنة في الدنيا تشملُ كلّ مطلوب دنيوي، من عافية، ودار رحبة، وزوجة حسنة، ورزق واسع، وعلم نافع، وعمل صالح، ومركب هنيء، وثناء جميل، إلى غير ذلك مما اشتملت عليه عباراتُ المفسرين، ولا منافاة بينها، فإنها كلها مندرجة في الحسنة في الدنيا، وأما الحسنة في الآخرة فأعلى ذلك دخول الجنة وتوابعه من الأمن من الفزع الأكبر في العَرَصات، وتيسير الحساب وغير ذلك من أمور الآخرة الصالحة، وأما النجاة من النار فهو يقتضي تيسير أسبابه في الدنيا، من اجتناب المحارم والآثام وترك الشبهات والحرام. (أُولَئِكَ) فيه قولان: أحدهما: أنه إشارة إلى الفريق الثاني فقط الذين سألوا الدنيا والآخرة، والدليل عليه أنه تعالى ذكر حكم الفريق الأول حيث قال (وَمَا لَهُ فِي الآخرة مِنْ خلاق). والقول الثاني: أنه راجع إلى الفريقين أي لكل من هؤلاء نصيب من عمله على قدر ما نواه. (لَهُمْ نَصِيبٌ) أي: لهم حظ. (مِمَّا كَسَبُوا) أي: فكل من هؤلاء وهؤلاء نصيب من كسبهم وجزاء أعمالهم كما قال تعالى (وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ). (وَاللَّهُ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يحتمل معنيان: يحتمل أن يوم الأخر - الذي يقع فيه الحساب - أن مجيئه قريب وسريع، وكل ما هو آت قريب والله أخبر عن أمر الساعة أنه كلمح البصر أو هو أقرب. كما قال تعالى (اقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُعْرِضُونَ). وقال تعالى (اقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَانْشَقَّ الْقَمَرُ). ويحتمل - وهو المتبادر -: أن ذلك الحساب لا يطول لكثرة الخلق الذين يحاسبهم، بخلاف حال المخلوقين فإنهم إذا كثر ذلك عليهم فإن ذلك يقتضي طول الوقت الذي تستغرقه تلك المحاسبة.

стр. 616

كما قال تعالى (ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللَّهِ مَوْلاهُمُ الْحَقِّ أَلا لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَ أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ). • ووصف نفسه بسرعة حساب الخلائق على كثرة عددهم وكثرة أعمالهم ليدلّ على كمال قدرته ووجوب الحذر منه. الفوائد: ١ - فضل ذكر الله. ٢ - ينبغي أن يكون ذكر الله أكثر من كل شيء. ٣ - انقسام الناس فيما يطلبون. ٤ - إثبات الآخرة. ٥ - فضل هذا الدعاء: (ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار). ٦ - عدل الله. ٧ - إثبات الحساب. ٨ - تمام قدرة الله تعالى. ٩ - إثبات علم الله

стр. 617

(وَاذْكُرُواْ اللَّهَ فِي أَيَّامٍ مَّعْدُودَاتٍ فَمَن تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ فَلَا إِثْمَ عَلَيْهِ وَمَن تَأَخَّرَ فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ لِمَنِ اتَّقَى وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٠٣)). [البقرة: ٢٠٣]. (وَاذْكُرُوا اللَّهَ) بألسنتكم وقلوبكم وجوارحكم، بتكبيره وتهليله وتحميده وغير ذلك من أنواع الذكر. (فِي أَيَّامٍ مَعْدُودَاتٍ) وهي أيام التشريق، الحادي عشر، والثاني عشر، والثالث عشر من ذي الحجة. (فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ) أي: خرج من منى ونفر منها قبل غروب شمس اليوم الثاني. (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: فلا حرج عليه. (وَمَنْ تَأَخَّرَ) بأن بات بها ليلة الثالث ورمى من الغد. (فَلا إِثْمَ عَلَيْهِ) أي: فلا حرج عليه أيضاً. فكل ذلك، التعجل في يومين والتأخر، وهذا من التخفيف والتيسير على الأمة، لكن لمن تأخر زيادة أجر عمله في اليوم الثالث. (لِمَنِ اتَّقَى) للذي اتقى الله في أعمال الحج ومناسكه وغيرها، فعلاً لما أمر الله به، وانتهاء عما نهى الله عنه. كما قال ﷺ (من حج فلم يرفث ولم يفسق … ). وقال ﷺ (الحج المبرور ليس جزاء إلا الجنة). (وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه. • قال ابن عاشور: (واتقوا الله) وصية جامعة للراجعين من الحج أن يراقبوا تقوى الله في سائر أحوالهم وأماكنهم، ولا يجعلوا تقواه خاصة بمدة الحج كما كانت تفعله الجاهلية فإذا انقضى الحج رجعوا يتقاتلون ويغيرون ويفسدون، وكما يفعله كثير من عصاة المسلمين عند انقضاء رمضان. (وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) أي: واعلموا أنكم إليه ترجعون، ولديه تجمعون، وعليه تعرضون يوم القيامة وتحاسبون. قال تعالى (وَاتَّقُوا يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ).

стр. 618

وقال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ). وأمر الله بأن نعلم بأننا إليه راجعون، لأن العلم بذلك أعظم واعظ يحمل على تقوى الله. • قال السمرقندي: وإنما حذرهم الله تعالى، لأنهم إذا رجعوا من حجهم، يجترئون على الله تعالى بالمعاصي، فحذرهم عن ذلك فقال (واتقوا الله واعلموا أَنَّكُمْ إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ) فيجازيكم بأعمالكم. الفوائد: ١ - ذكر الله في هذه الأيام المعدودات. ٢ - جواز التعجل والتأخر في الحج. ٣ - سعة فضل الله وتيسيره على عباده. ٤ - وجوب تقوى الله. ٥ - قرن المواعظ بالتخويف.

стр. 619

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ (٢٠٤) وَإِذَا تَوَلَّى سَعَى فِي الأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيِهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الفَسَادَ (٢٠٥) وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالإِثْمِ فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ (٢٠٦)). [البقرة: ٢٠٤ - ٢٠٦]. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) أي: ومن الناس فريق يروقك كلامه يا محمد ويثير إعجابك بخلابة لسانه وقوة بيانه. • و (من) بمعنى بعض كما في قوله تعالى (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ). • قال ابن عاشور: والخطاب إما للنبي ﷺ أي ومن الناس من يظهر لك ما يعجبك من القول وهو الإيمان وحب الخير والإعراض عن الكفار. ويجوز أن الخطاب لغير معين ليعم كل مخاطب، تحذيراً للمسلمين من أن تروج عليهم حيل المنافقين، وتنبيهه لهم إلى استطلاع أحوال الناس وذلك لا بد منه. • قال بعض العلماء: إنها نزلت في الأخنس بن شَرِيق الثقفي، جاء إلى رسول الله ﷺ وأظهر الإسلام وفي باطنه خلاف ذلك. وقال بعضهم: أنها نزلت في نفر من المنافقين تكلموا في خُبَيب وأصحابه الذين قتلوا بالرّجيع وعابُوهم، فأنزل الله في ذم المنافقين ومدح خُبَيب وأصحابه (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّه). قال ابن كثير: وقيل بل ذلك عام في المنافقين كلهم وهذا قول قتادة، ومجاهد، والرّبيع ابن أنس، وغير واحد، وهو الصحيح. • قال الرازي: اختيار أكثر المحققين من المفسرين، أن هذه الآية عامة في حق كل من كان موصوفاً بهذه الصفات المذكورة. • قال ابن عاشور: والمراد من القول هنا ما فيه من دلالته على حاله في الإيمان والنصح للمسلمين، لأن ذلك هو الذي يهم الرسول ويعجبه، وليس المراد صفة قوله في فصاحة وبلاغة؛ إذ لا غرض في ذلك هنا، لأن المقصود ما يضاد قوله: وهو ألد الخصام إلى آخره.

стр. 620

• قوله تعالى (في الحياة الدنيا) قيل: أي في هذه الحيا الدنيا فقط، وأما في الآخرة فالحاكم فيها علام الغيوب الذي يطلع على القلوب والسرائر. (وَيُشْهِدُ اللَّهَ عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ) قيل: معناه أنه إذا أظهر للناس الإسلام حَلَف وأشهد الله لهم: أن الذي في قلبه موافق للسانه. وهذا المعنى صحيح، وقاله عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، واختاره ابن جرير. • قال ابن عاشور: ومعنى (يشهد الله على ما في قلبه) أنه يقرن حسن قوله وظاهر تودده بإشهاد الله تعالى على أن ما في قلبه مطابق لما في لفظه، ومعنى إشهاد الله حلفه بأن الله يعلم إنه لصادق. قال تعالى (إِذَا جَاءَكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ اللَّهِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَاللَّهُ يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ). وقال تعالى (يَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ). (وَهُوَ أَلَدُّ الْخِصَامِ) الألد في اللغة هو الأعوج، وهكذا المنافق في حال خصومته يكذب، ويَزْوَرَّ عن الحق ولا يستقيم معه، بل يفتري ويفجر، كما قال ﷺ (آية المنافق ثلاث: إذا حدث كذب وإذا وعد أخلف وإذا أؤتمن خان) متفق عليه. وفي البخاري عن عائشة. قالت. قال رسول الله ﷺ (أبغض الرجال إلى الله الألد الخصم). (وَإِذَا تَوَلَّى) أي: أدبر، وذهب عنك يا محمد، وقيل: إنه بمعنى الولاية: أي: إذا كان والياً فعل ما يفعله ولاة السوء من الفساد في الأرض، قال الرازي: والقول الأول أقرب إلى نظم الآية، لأن المقصود بيان نفاقه، وهو أنه عند الحضور يقول الكلام الحسن ويظهر المحبة، وعند الغيبة يسعى في إيقاع الفتنة والفساد. (سَعَى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيهَا وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ) السعي هنا القصد، كما قال تعالى إخباراً عن فرعون (ثم أدبر يسعى … ) وقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسَعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ) أي: اقصدوا واعمدوا ناوين بذلك صلاة الجمعة، فإن السعي الحسي منهي عنه بالسنة النبوية (إذا أتيتم الصلاة فلا تأتوها وأنتم تسعون، وأتوها وعليكم السكينة والوقار).

стр. 621

• قال الشوكاني: والسعي المذكور يحتمل أن يكون المراد به: السعي بالقدمين إلى ما هو فساد في الأرض، كقطع الطريق، وحرب المسلمين، ويحتمل أن يكون المراد به العمل في الفساد، وإن لم يكن فيه سعي بالقدمين، كالتدبير على المسلمين بما يضرّهم، وأعمال الحيل عليهم، وكل عمل يعمله الإنسان بجوارحه، أو حواسه يقال له سعي، وهذا هو الظاهر من هذه الآية. • قال ابن كثير: فهذا المنافق ليس له همة إلا الفساد في الأرض، وإهلاك الحرث، وهو مَحل نماء الزروع والثمار، والنسل، وهو نتاج الحيوانات الذين لا قوَام للناس إلا بهما. • والحرث هنا مراد منه الزرع، والنسل أطفال الحيوان. • وقال مجاهد: إذا سُعي في الأرض فسادًا، منع الله القَطْرَ، فهلك الحرث والنسل. • قال الشوكاني: قال الزجاج: وذلك، لأن النفاق يؤدي إلى تفريق الكلمة، ووقوع القتال، وفيه هلاك الخلق، وقيل معناه: أن الظالم يفسد في الأرض، فيمسك الله المطر، فيهلك الحرث والنسل. • فالمعاصي سبب لنزول المصائب وزوال النعم. قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ). وقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ). وقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً).

стр. 622

وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). وقال تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ). وقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ). (وَاللَّهُ لا يُحِبُّ الْفَسَادَ) بيان أن عمله هذا مكروه إلى الله، لأن الله لا يحب الفساد، وإذا كان لا يحب هذا الفعل فإنه لا يحب من اتصف به، ولهذا جاء في آية أخرى (واللَّهُ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ). (وَإِذَا قِيلَ لَهُ اتَّقِ اللَّهَ أَخَذَتْهُ الْعِزَّةُ بِالْإِثْمِ) أي: إذا وُعظ هذا الفاجر في مقاله وفعاله، وقيل له: اتق الله، وانزع عن قولك وفعلك، وارجع إلى الحق امتنع وأبى، وأخذته الحميَّة والغضب بالإثم، أي: بسبب ما اشتمل عليه من الآثام. وقيل المعنى: حملته العزة على الإثم، من قولك أخذته بكذا: إذا حملته عليه، وألزمته إياه. وقيل: الباء في قوله (بالإثم) بمعنى اللام، أي: أخذته العزّة، والحمية عن قبول الوعظ للإثم الذي في قلبه، وهو: النفاق. وقيل: الباء بمعنى: مع، أي: أخذته العزّة مع الإثم. (فَحَسْبُهُ جَهَنَّمُ) أي: هي كافيته عقوبة في ذلك، فتكون له جهنم مهاداً وفرشاً. (وَلَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: ولبئس هذا الفراش والمهاد. • والمهاد جمع المهد، وهو الموضع المهيأ للنوم، ومنه مهد الصبي، وسميت جهنم مهاداً لأنها مستقرّ الكفار.

стр. 623

الفوائد: ١ - عدم الاغترار بظواهر الحال. ٢ - وجود النفاق والمنافقين في كل زمان ومكان. ٣ - من أعظم صفات المنافقين الكذب، فهم يحلفون على صدقهم وهم كاذبون. ٤ - الإشارة إلى ذم الجدل والخصام. ٥ - أن المعاصي سبب لهلاك الحرث والنسل. ٦ - إثبات محبة الله للصلاح. ٧ - الحرص على السعي للصلاح. ٨ - التحذير من الفساد في الأرض. ٩ - الحذر من رد النصيحة. ١٠ - أن رد النصيحة من علامات المنافقين. ١١ - أن الأنفة تحمل صاحبها على الإثم. ١٢ - الحذر من الكبر.

стр. 624

(وَمِنَ النَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ (٢٠٧)). [البقرة: ٢٠٧]. (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) لما أخبر تعالى عن المنافقين بصفاتهم الذميمة، ذكر صفات المؤمنين الحميدة فقال (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ) أي: ومن الناس فريق من أهل الخير باع نفسه. • قال ابن كثير: قال ابن عباس، وأنس، وسعيد بن المسيب، وأبو عثمان النّهدي، وعكرمة، وجماعة: نزلت في صُهيب بن سنَان الرومي، وذلك أنَّه لما أسلم بمكة وأراد الهجرة، منعه الناس أن يهاجر بماله، وإنْ أحب أن يتجرّد منه ويهاجر، فَعَل، فتخلص منهم وأعطاهم ماله، فأنزل الله فيه هذه الآية، فتلقاه عمر بن الخطاب وجماعة إلى طرف الحرّة، فقالوا: رَبح البيع. فقال: وأنتم فلا أخسر الله تجارتكم، وما ذاك؟ فأخبروه أنّ الله أنزل فيه هذه الآية، ويروى أن رسول الله ﷺ قال له (ربِح البيع صهيب، ربح البيع صهيب). وأما الأكثرون فحمَلوا ذلك على أنها نزلت في كل مُجَاهد في سبيل الله، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ فَاسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)، ولما حمل هشام بن عامر بين الصفين، أنكر عليه بعضُ الناس، فردّ عليهم عُمَر بن الخطاب وأبو هريرة وغيرهما، وتلوا هذه الآية (وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَشْرِي نَفْسَهُ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَاد). (ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ) أي: طلباً لمرضات الله ورغبة في ثوابه لا يتحرى بعمله إلا وجه الله. • قال الرازي: أكثر المفسرين على أن المراد بهذا الشراء: البيع، قال تعالى (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ) أي باعوه، وتحقيقه أن المكلف باع نفسه بثواب الآخرة، وهذا البيع هو أنه بذلها في طاعة الله، من الصلاة والصيام والحج والجهاد، ثم توصل بذلك إلى وجدان ثواب الله، كان ما يبذله من نفسه كالسلعة، وصار الباذل كالبائع، والله كالمشتري، كما قال (إِنَّ الله اشترى مِنَ المؤمنين أَنفُسَهُمْ وأموالهم بِأَنَّ لَهُمُ الجنة) وقد سمى الله تعالى ذلك تجارة، فقال (ياأيها الذين ءَامَنُواْ هَلْ أَدُلُّكمْ على تجارة تُنجِيكُم مّنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بالله وَرَسُولِهِ وتجاهدون فِى سَبِيلِ الله بأموالكم وَأَنفُسِكُمْ).

стр. 625

(وَاللَّهُ رَؤُوفٌ بِالْعِبَادِ) أي: ذو رأفة، وهي أشد الرحمة. • قال الرازي: فمن رأفته أنه جعل النعيم الدائم جزاء على العمل القليل المنقطع، ومن رأفته جوز لهم كلمة الكفر إبقاء على النفس، ومن رأفته أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها، ومن رأفته ورحمته أن المصر على الكفر مائة سنة إذا تاب ولو في لحظة أسقط كل ذلك العقاب وأعطاه الثواب الدائم، ومن رأفته أن النفس له والمال، ثم أنه يشتري ملكه بملكه فضلاً منه ورحمة وإحساناً. الفوائد: ١ - فضل من باع نفسه لله. ٢ - الإشارة إلى الإخلاص في سبيل الله. ٣ - تقديم مرضات الله على النفس. ٤ - رأفة الله بعباده.

стр. 626

(يَآ أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ ادْخُلُواْ فِي السِّلْمِ كَآفَّةً وَلَا تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ (٢٠٨) فَإِن زَلَلْتُمْ مِّن بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٠٩)). [البقرة: ٢٠٨ - ٢٠٩]. (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) يقول تعالى آمراً عباده المؤمنين المصدقين برسوله، أن يأخذوا بجميع عُرَى الإسلام وشرائعه، والعمل بجميع أوامره، وترك جميع زواجره ما استطاعوا من ذلك. وذهب بعض العلماء إلى أن المعنى: ادخلوا في الإسلام كلكم. وقيل: إنها نزلت في قوم من اليهود أسلموا وأرادوا أن يعظموا السبت كما كانوا فالمعنى على هذا: ادخلوا في الإسلام، واتركوا سواه. وقيل: (السلم) بفتح السين المسالمة، والمراد بها هنا عقد الذمة بالجزية، والأمر على هذا لأهل الكتاب، وخوطبوا بالذين آمنوا لإيمانهم بأنبيائهم وكتبهم المتقدمة. • قال ابن كثير: والصحيح الأول، وأنهم أمروا أن يعملوا بجميع شعب الإيمان وشرائع الإسلام. • قال ابن تيمية: (ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً) أي: الإسلام كافة، أي في جميع شرائع الإسلام. ورجحه الشيخ ابن عثيمين، فقال: هل المراد ادخلوا في السلم جميعه، فتكون (كافة) حالاً من (السلم) أو ادخلوا أنتم جميعاً في السلم وتكون (كافة) حالاً من الواو في قوله (ادخلوا)؟ الأقرب المعنى الأول، لأننا لو قلنا بالمعنى الثاني: ادخلوا جميعاً في السلم صار معنى ذلك أن بعض المؤمنين لم يدخل في الإسلام وحينئذ فلا يصح أن يوجه إليه النداء بوصف الإيمان، فالمعنى الأول هو الصواب أن (كافة) حال من (السلم) يعني ادخلوا في الإسلام كله، ولا تدعوا شيئاً من شعائره. (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ) تقدم شرحها. ومناسبتها هنا، لأن الشيطان يريد منكم عدم الدخول في الإسلام، ويريد أيضاً عدم العمل بجميع شرائع الإسلام. (إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ) جملة تعليلية أي: لا تتبعوا خطوات ومسالك الشيطان، لأنه ظاهر العداوة لكم، وذلك لأن الشيطان التزم أموراً سبعة في العداوة أربعة منها في قوله تعالى (وَلأُضِلَّنَّهُمْ وَلأُمَنّيَنَّهُمْ وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الأنعام وَلأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ الله) وثلاثة منها في قوله تعالى (لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صراطك المستقيم ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أيمانهم وَعَن شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شاكرين) فلما التزم الشيطان هذه الأمور كان عدواً متظاهراً بالعداوة فلهذا وصفه الله تعالى بذلك. [مفاتيح الغيب: ٥/ ٤]

стр. 627

• وقد حذرنا الله في آيات كثيرة عن اتباع خطواته: كما قال تعالى (وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). وقال تعالى (ومِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشاً كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ). (فَإِنْ زَلَلْتُمْ) أي: عدلتم عن الحق. (مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْكُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: بعد ما قامت عليكم الحُجَجُ. • قال الشوكاني: (مّن بَعْدِ مَا جَاءتْكُمُ البينات) أي: الحجج الواضحة، والبراهين الصحيحة، أن الدخول في الإسلام هو الحق. (فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) فاعلموا أن الله عزيز في انتقامه، لا يفوته هارب، ولا يَغلبه غالب. (حَكِيمٌ) حكيم في أحكامه ونقضه وإبرامه. قال في التسهيل: (فاعلموا أَنَّ الله عَزِيزٌ حَكِيمٌ) تهديد لمن زل بعد البيان. الفوائد: ١ - فضل الإيمان. ٢ - أن الإيمان مقتض لامتثال الأوامر. ٣ - وجوب العمل بالشرع جملة وتفصيلاً. ٤ - تحريم اتباع خطوات الشيطان. ٥ - أن من أعظم خطوات الشيطان الصد عن الدخول في الإسلام. ٦ - عداوة الشيطان. ٧ - شدة عداوة الشيطان للإنسان كما قال تعالى عنه (ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ). ٨ - قرن الحكم بعلته. ٩ - الوعيد لمن زل بعد قيام الحجة عليه. ١٠ - أن الله تعالى أقام البينات على العباد. ١١ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم. ١٢ - إثبات الحكمة الكاملة لله تعالى. ١٣ - إثبات العزة - بجميع أنواعها - لله تعالى.

стр. 628

(هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الامُورُ (٢١٠)). [البقرة: ٢١٠]. (هَلْ يَنْظُرُونَ) يقول تعالى مهدداً للكافرين بمحمد ﷺ (هَلْ يَنْظُرُونَ) أي: ما ينتظر هؤلاء المكذبون الذين زلوا بعدما جاءتهم البينات. (إِلَّا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ) أي: لفصل القضاء. • وفيه إثبات إتيان الله تعالى إتياناً يليق بجلاله. (فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ) (في) بمعنى (مع) يعني يأتي مصاحباً لهذه الظلل، وإنما أخرجناها عن الأصل الذي هو الظرفية، لأنا لو أخذناها على أنها للظرفية صارت هذه الظلل محيطة بالله ، والله أعظم وأجل من أن يحيط به شيء من مخلوقاته. • والغمام قيل إنه السحاب الأبيض الرقيق، وهذا الغمام يأتي مقدمة بين يدي مجئ الله تعالى كما قال تعالى (وَيَوْمَ تَشَقَّقُ السَّمَاءُ بِالْغَمَامِ وَنُزِّلَ الْمَلائِكَةُ تَنْزِيلاً). (وَالْمَلائِكَةُ) أي: وتأتيهم الملائكة أيضاً محيطة بهم. قال ابن كثير: يقول تعالى مُهَدّدًا للكافرين بمحمد ﷺ (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ يَأْتِيَهُمُ اللَّهُ فِي ظُلَلٍ مِنَ الْغَمَامِ وَالْمَلائِكَةُ) يعني: يوم القيامة، لفصل القضاء بين الأولين والآخرين، فيجزي كُلّ عامل بعمله، إن خيرًا فخير، وإن شرًا فشر. كما قال (كَلا إِذَا دُكَّتِ الأرْضُ دَكًّا دَكًّا* وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفاً. وَجِيءَ يَوْمَئِذٍ بِجَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ يَتَذَكَّرُ الإنْسَانُ وَأَنَّى لَهُ الذِّكْرَى). وقال (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ). (وَقُضِيَ الْأَمْرُ) أي: فرغ منه، وصار أهل النار إلى النار وأهل الجنة إلى الجنة.

стр. 629

(وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ) أي: إلى الله وحده لا إلى غيره ترجع الأمور، أمور الدنيا والآخرة كما قال تعالى (وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلُّهُ) ومنها أن الناس يرجعون يوم القيامة إلى ربهم فيحاسبهم. الفوائد: ١ - وعيد هؤلاء بيوم القيامة. ٢ - إثبات إتيان الله يوم القيامة للفصل بين عباده. ٣ - إثبات الملائكة. ٤ - إثبات عظمة الله تعالى. ٥ - أن الملائكة أجسام. ٦ - أن يوم القيامة به ينقضي كل شيء، فليس بعده شيء، إما إلى الجنة وإما إلى النار. ٧ - عظمة الله وتمام سلطانه. ٨ - إثبات البعث والجزاء. [الاثنين ١٨/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ].

стр. 630

(سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُم مِّنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَن يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢١١) زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُواْ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ اتَّقَواْ فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢١٢)). [البقرة: ٢١١ - ٢١٢]. (سَلْ بَنِي إِسْرائيلَ) يقول الله تعالى لنبيه ﷺ ، سل - أيها الرسول - بني إسرائيل المعاندين لك. • وفي المراد بالسؤال: التقرير والإذكار بالنعم، والتوبيخ على ترك الشكر. • قال الشوكاني: وهو سؤال تقريع وتوبيخ. (كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) أي: كم شاهدوا مع موسى (مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ) أي: حجة قاطعة على صدقه فيما جاءهم به، كيده وعصاه وفَلقِهِ البحر وضربهِ الحجر، وما كان من تظليل الغمام عليهم في شدة الحر، ومن إنزال المنّ والسلوى وغير ذلك من الآيات الدالات على وجود الفاعل المختار، وصدق من جرت هذه الخوارق على يديه، ومع هذا أعرض كثير منهم عنها، وبدلوا نعمة الله كفراً، أي: استبدلوا بالإيمان بها الكفر بها والإعراض عنها. كما قال تعالى عن كفار قريش (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ. جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ). • قال السعدي: وسمى الله تعالى كفر النعمة تبديلاً لها، لأن من أنعم الله بنعمةٍ دينية أو دنيوية فلم يشكرها ولم يقم بواجبها اضمحلت عنه وذهبت، وتبدلت بالكفر والمعاصي، فصار الكفر بدل النعمة. (وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: قوي الجزاء بالعقوبة. • وسمي الجزاء عقوبة وعقاباً، لأنه يقع عقب الذنب مؤاخذة به. (زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) أي: زين وحسّن للذين كفروا بالله وبرسله الحياة الدنيا وشهواتها وما فيها من المتاع الزائل ونسوا الآخرة، فجمعوا الأموال من غير حلها، وصرفوها في غير مصرفها، وعظموا الدنيا وأهلها وعملوا من أجلها، فرضوا بها، واطمأنوا لها، وصارت أهواؤهم وإراداتهم وأعمالهم كلها لها، فأقبلوا عليها، وأكبوا على تحصيلها، وعظموها وعظموا من شاركهم في صنيعهم. • والتزيين جعل الشيء بهياً في عين الإنسان أو في سمعه أو في مذاقه أو في فكره.

стр. 631

• والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) وإما أن يكون الشيطان، كما قال تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) ولا منافاة بين الأمرين، فإن الله زين لهم سوء أعمالهم، لأنهم أساءوا كما يفيده قوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، والتزيين من الله باعتبار التقدير، أما الذي باشر التزيين ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان. (ابن عثيمين). • فعلى المسلم أن يحذر من الحياة الدنيا وشهواتها، ولهذا نهانا الله عن الاغترار بالكفار وما عليهم من الشهوات والملذات. قال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). وقال تعالى (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ويستهزؤن بأهل الإيمان ويرمونهم بقلة العقل لتركهم الدنيا والتقلل منها. • فيسخرون من أهل الإيمان: لفقرهم، ولتصديقهم بالبعث، ولإيمانهم بمحمد ﷺ . والسخرية والاستهزاء سنة ماضية من قِبل أعداء الإسلام لأهله، فقد سخر واستهزأ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ). وقال تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ). ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَنَّهُمْ حَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هُنَا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَلَا كَيْفِيَّةَ الْعَذَابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، فِي ذِكْرِ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، وَهُودٍ وَقَوْمِهِ، وَصَالِحٍ وَقَوْمِهِ، وَلُوطٍ وَقَوْمِهِ، وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهُمْ لَهُ (بَعْدَ أَنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجَّارًا). وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ). وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ.

стр. 632

وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِهُودٍ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ). وَقَوْلِهِ عَنْهُمْ أَيْضًا (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ الْآيَةَ). وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ (أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ .. )، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِصَالِحٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ). وَقَوْلُهُمْ (يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا .. ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ … ) وَقَوْلُهُمْ لَهُ أَيْضًا (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.

стр. 633

قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة والشقاء السرمدي الذي لا منتهى له • قال الشوكاني: والمراد بالفوقية هنا: العلوّ في الدرجة؛ لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق: المكان؛ لأن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم، وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة. • ويوم القيامة سمي بذلك لأمور ثلاثة: أولاً: لقيام الناس من قبورهم. قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: ولقيام الأشهاد. كما قال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: ولقيام الملائكة. لقوله تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً). • وفي الآية فضل التقوى. (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). وقال ﷺ (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل فيه ملكان: يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه.

стр. 634

ومن أسماء الله: الرزاق، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) المتضمن لصفة الرَّزْق (بالتشديد وفتح الراء). وأما الرِّزق بالكسر فهو العين المرزوقة، فإذا أتاك طعام فهو رِزق، وإذا أتاك مال فهو رِزق. • قال السعدي: (الرزاق) لجميع عباده فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ورزقه لعباده نوعان: الأول: رزق عام شمل البر والفاجر والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان. والثاني: رزق خاص وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. • وقد جاء في السنة اسم (الرازق): عن أنس، قال: قد غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، قد غلا السعر فسعر لنا، فقال: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال). رواه أبو داود

стр. 635

• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا: أولاً: محبة الله، وإفراده سبحانه بالعبادة والانخلاع من الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، لأن الخالق لعباده والرازق لهم هو وحده المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وهذا ما احتج به سبحانه على المشركين حيث قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ). وقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ثانياً: إن اليقين بأنه سبحانه المتفرد برزق عباده، يثمر التوكل الصادق على الله، والتعلق به وحده مع فعل الأسباب الشرعية في طلب الرزق (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا). ثالثاً: كما أن اليقين بذلك يثمر ترك الأسباب المحرمة في طلب الرزق، وعدم الخوف من المخلوق في قطع الرزق. رابعاً: قدرة الله، حيث إن المتكفل بأرزاق جميع خلقه لا يمكن أن يكون إلا قادراً مقتدراً على فعل كل ما يشاء. خامساً: إن أعظم ما استجلب به رزق الله والبركة فيه تقوى الله وطاعته، كما قال تعالى (ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ). وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). سادساً: إيمان العبد باسمه سبحانه (الرزاق) يبعد عن القلب الشح والبخل. سابعاً: وجوب طلب الرزق من الله لا من غيره. قال تعالى عن الخليل (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله، لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله. (قاله ابن تيمية).
следующие страницы →