← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 631–670 · переход к 636.

стр. 631

• والمزَيِّن إما أن يكون الله، كما في قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ زَيَّنَّا لَهُمْ أَعْمَالَهُمْ) وإما أن يكون الشيطان، كما قال تعالى (وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ) ولا منافاة بين الأمرين، فإن الله زين لهم سوء أعمالهم، لأنهم أساءوا كما يفيده قوله تعالى (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ)، والتزيين من الله باعتبار التقدير، أما الذي باشر التزيين ووسوس لهم بذلك فهو الشيطان. (ابن عثيمين). • فعلى المسلم أن يحذر من الحياة الدنيا وشهواتها، ولهذا نهانا الله عن الاغترار بالكفار وما عليهم من الشهوات والملذات. قال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ. مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). وقال تعالى (وَلا تَمُدَّنَ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجاً مِنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ وَرِزْقُ رَبِّكَ خَيْرٌ وَأَبْقَى). (وَيَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: ويستهزؤن بأهل الإيمان ويرمونهم بقلة العقل لتركهم الدنيا والتقلل منها. • فيسخرون من أهل الإيمان: لفقرهم، ولتصديقهم بالبعث، ولإيمانهم بمحمد ﷺ . والسخرية والاستهزاء سنة ماضية من قِبل أعداء الإسلام لأهله، فقد سخر واستهزأ بالأنبياء عليهم الصلاة والسلام. قال تعالى (يَا حَسْرَةً عَلَى الْعِبَادِ مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ). وقال تعالى (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ). ذَكَرَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ: أَنَّ الْكُفَّارَ اسْتَهْزَءُوا بِرُسُلٍ قَبْلَ نَبِيِّنَا ﷺ وَأَنَّهُمْ حَاقَ بِهِمُ الْعَذَابُ بِسَبَبِ ذَلِكَ، وَلَمْ يُفَصِّلْ هُنَا كَيْفِيَّةَ اسْتِهْزَائِهِمْ، وَلَا كَيْفِيَّةَ الْعَذَابِ الَّذِي أُهْلِكُوا بِهِ، وَلَكِنَّهُ فَصَّلَ كَثِيرًا مِنْ ذَلِكَ مِنْ مَوَاضِعَ مُتَعَدِّدَةٍ، فِي ذِكْرِ نُوحٍ وَقَوْمِهِ، وَهُودٍ وَقَوْمِهِ، وَصَالِحٍ وَقَوْمِهِ، وَلُوطٍ وَقَوْمِهِ، وَشُعَيْبٍ وَقَوْمِهِ، إِلَى غَيْرِ ذَلِكَ. فَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِنُوحٍ قَوْلُهُمْ لَهُ (بَعْدَ أَنْ كُنْتَ نَبِيًّا صِرْتَ نَجَّارًا). وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ نُوحٍ (إِنْ تَسْخَرُوا مِنَّا فَإِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ). وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَأَخَذَهُمُ الطُّوفَانُ وَهُمْ ظَالِمُونَ)، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ.

стр. 632

وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِهُودٍ مَا ذَكَرَهُ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ قَوْلِهِمْ (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ). وَقَوْلِهِ عَنْهُمْ أَيْضًا (قَالُوا يَا هُودُ مَا جِئْتَنَا بِبَيِّنَةٍ وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِكَ الْآيَةَ). وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ مِنَ الْعَذَابِ فِي قَوْلِهِ (أَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الرِّيحَ الْعَقِيمَ .. )، وَأَمْثَالَهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِصَالِحٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا ذَكَرَ اللَّهُ عَنْهُمْ (يَا صَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ). وَقَوْلُهُمْ (يَا صَالِحُ قَدْ كُنْتَ فِينَا مَرْجُوًّا قَبْلَ هَذَا .. ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِلُوطٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ (فَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوا آلَ لُوطٍ مِنْ قَرْيَتِكُمْ … ) وَقَوْلُهُمْ لَهُ أَيْضًا (لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ يَا لُوطُ لَتَكُونَنَّ مِنَ الْمُخْرَجِينَ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ. وَمِنَ اسْتِهْزَائِهِمْ بِشُعَيْبٍ قَوْلُهُمْ فِيمَا حَكَى اللَّهُ عَنْهُمْ (قَالُوا يَا شُعَيْبُ مَا نَفْقَهُ كَثِيرًا مِمَّا تَقُولُ وَإِنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفًا وَلَوْلَا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيزٍ) وَذَكَرَ مَا حَاقَ بِهِمْ بِقَوْلِهِ (فَأَخَذَهُمْ عَذَابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ إِنَّهُ كَانَ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ) وَنَحْوِهَا مِنَ الْآيَاتِ.

стр. 633

قال تعالى (كَذَلِكَ مَا أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ. أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ). (وَالَّذِينَ اتَّقَوْا فَوْقَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ) فيكون المتقون في أعلى الدرجات، متمتعين بأنواع النعيم والسرور والبهجة والحبور، والكفار تحتهم في أسفل الدركات، معذبين بأنواع العذاب والإهانة والشقاء السرمدي الذي لا منتهى له • قال الشوكاني: والمراد بالفوقية هنا: العلوّ في الدرجة؛ لأنهم في الجنة، والكفار في النار، ويحتمل أن يراد بالفوق: المكان؛ لأن الجنة في السماء، والنار في أسفل سافلين، أو أن المؤمنين هم الغالبون في الدنيا كما وقع ذلك من ظهور الإسلام، وسقوط الكفر، وقتل أهله، وأسرهم، وتشريدهم، وضرب الجزية عليهم، ولا مانع من حمل الآية على جميع ذلك لولا التقييد بكونه في يوم القيامة. • ويوم القيامة سمي بذلك لأمور ثلاثة: أولاً: لقيام الناس من قبورهم. قال تعالى (يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ). ثانياً: ولقيام الأشهاد. كما قال تعالى (إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ). ثالثاً: ولقيام الملائكة. لقوله تعالى (يوم يقوم الروح والملائكة صفاً). • وفي الآية فضل التقوى. (وَاللَّهُ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: يرزق من يشاء من خلقه، ويعطيه عطاء كثيراً جزيلاً بلا حصر ولا تعداد في الدنيا والآخرة. كما قال تعالى (وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ). وقال ﷺ (ما من يوم يصبح فيه العباد إلا وينزل فيه ملكان: يقول أحدهما: اللهم أعط منفقاً خلفاً، ويقول الآخر: اللهم أعط ممسكاً تلفاً) متفق عليه.

стр. 634

ومن أسماء الله: الرزاق، كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ) المتضمن لصفة الرَّزْق (بالتشديد وفتح الراء). وأما الرِّزق بالكسر فهو العين المرزوقة، فإذا أتاك طعام فهو رِزق، وإذا أتاك مال فهو رِزق. • قال السعدي: (الرزاق) لجميع عباده فما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها، ورزقه لعباده نوعان: الأول: رزق عام شمل البر والفاجر والأولين والآخرين وهو رزق الأبدان. والثاني: رزق خاص وهو رزق القلوب وتغذيتها بالعلم والإيمان والرزق الحلال الذي يعين على صلاح الدين، وهذا خاص بالمؤمنين على مراتبهم منه بحسب ما تقتضيه حكمته ورحمته. • وقد جاء في السنة اسم (الرازق): عن أنس، قال: قد غلا السعر على عهد رسول الله ﷺ ، فقالوا: يا رسول الله، قد غلا السعر فسعر لنا، فقال: (إن الله هو المسعر القابض الباسط الرزاق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا مال). رواه أبو داود

стр. 635

• الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا: أولاً: محبة الله، وإفراده سبحانه بالعبادة والانخلاع من الشرك بجميع أنواعه وأشكاله، لأن الخالق لعباده والرازق لهم هو وحده المستحق للعبادة وحده لا شريك له. وهذا ما احتج به سبحانه على المشركين حيث قال تعالى (وَيَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لا يَمْلِكُ لَهُمْ رِزْقاً مِنَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ شَيْئاً وَلا يَسْتَطِيعُونَ). وقال تعالى (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ ثُمَّ رَزَقَكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ هَلْ مِنْ شُرَكَائِكُمْ مَنْ يَفْعَلُ مِنْ ذَلِكُمْ مِنْ شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمَّا يُشْرِكُونَ). ثانياً: إن اليقين بأنه سبحانه المتفرد برزق عباده، يثمر التوكل الصادق على الله، والتعلق به وحده مع فعل الأسباب الشرعية في طلب الرزق (وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا). ثالثاً: كما أن اليقين بذلك يثمر ترك الأسباب المحرمة في طلب الرزق، وعدم الخوف من المخلوق في قطع الرزق. رابعاً: قدرة الله، حيث إن المتكفل بأرزاق جميع خلقه لا يمكن أن يكون إلا قادراً مقتدراً على فعل كل ما يشاء. خامساً: إن أعظم ما استجلب به رزق الله والبركة فيه تقوى الله وطاعته، كما قال تعالى (ومَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجاً. وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لا يَحْتَسِبُ). وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). سادساً: إيمان العبد باسمه سبحانه (الرزاق) يبعد عن القلب الشح والبخل. سابعاً: وجوب طلب الرزق من الله لا من غيره. قال تعالى عن الخليل (فَابْتَغُوا عِنْدَ اللَّهِ الرِّزْقَ) ولم يقل: فابتغوا الرزق عند الله، لأن تقديم الظرف يشعر بالاختصاص والحصر، كأنه قال: لا تبتغوا الرزق إلا عند الله. (قاله ابن تيمية).

стр. 636

الفوائد: ١ - بيان كثرة ما أعطاه الله بني إسرائيل من الآيات البينات. ٢ - تقريع وتوبيخ بني إسرائيل. ٣ - التحذير من تبديل نعمة الله. ٤ - تهديد ووعيد من يبدل نعمة الله كفراً. ٥ - انخداع الكافرين بالحياة الدنيا. ٦ - أن المؤمن الحق ليست الدنيا في عينه شيئاً. ٧ - حقارة الدنيا. ٨ - أن الاستهزاء بالمؤمنين سنة ماضية من أعداء الإسلام. ٩ - أن العبرة بكمال النهاية. ١٠ - البشرى للمؤمنين. ١١ - كثرة رزق الله. [الثلاثاء ١٩/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ].

стр. 637

(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ لِمَا اخْتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَن يَشَاء إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ (٢١٣)). [البقرة: ٢١٣]. (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) أي: كان الناس على الإيمان والفطرة، وهذا بين آدم ونوح. • فالمراد بالناس هنا: الذين هم بين آدم ونوح، فسار هؤلاء على التوحيد من عهد آدم إلى أن انتشر الشرك في عهد نوح، وهذا قول أكثر المحققين. قال ابن عباس: كان بين نوح وآدم عشرة قرون كلهم على شريعة من الحق، فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (كان الناس أمةً واحدةً) في المراد بـ (الناس) ها هنا ثلاثة أقوال: أحدها: جميع بني آدم، وهو قول الجمهور. والثاني: آدم وحده، قاله مجاهد. والثالث: آدم وأولاده كانوا على الحق، فاختلفوا حين قتل قابيلُ هابيلَ. ذكره ابن الأنباري. والأمَّة هاهنا: الصنف الواحد على مقصد واحد. • قال ابن عاشور: والأمة بضم الهمزة: اسم للجماعة الذين أمرهم واحد، مشتقة من الأم بفتح الهمزة وهو القصد أي يؤمون غاية واحدة، وإنما تكون الجماعة أمة إذا اتفقوا في الموطن أو الدين أو اللغة أو في جميعها. (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) أي: فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. • قال ابن عاشور: ولأجل هذه القرينة يتعين تقدير فاختلفوا بعد قوله (أُمَّةً وَاحِدَةً) لأن البعثة ترتبت على الاختلاف لا على الكون أمة واحدة، وعلى هذا الفهم قرأ ابن مسعود (كان الناس أمة واحدة فاختلفوا فبعث الله … )، ويؤيد هذا التقدير قوله في آية سورة يونس (وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا) لأن الظاهر اتحاد غرض الآيتين، ولأنه لما أخبر هنا عن الناس بأنهم كانوا أمة واحدة ونحن نرى اختلافهم علمنا أنهم لم يدوموا على تلك الحالة. والمقصود من الآية على هذا الوجه التنبيه على أن التوحيد والهدى والصلاح هي الفطرة التي فطر الله الناس عليها حين خلقهم كما دلت عليه آية (أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ).

стр. 638

• فيه أن مهمة الرسل والنبيين التبشير والإنذار، وإرسال الرسل له حكم: أولاً: التبشير للمؤمن والإنذار للكافر. قال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ). وقال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى (وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلاَّ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ). وقال تعالى (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِداً وَمُبَشِّراً وَنَذِيراً). ثانياً: رحمة للناس. قال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ). ثالثاً: البلاغ المبين. قال تعالى (وإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). وقال تعالى (مَّا عَلَى الرَّسُولِ إِلاَّ الْبَلَاغُ وَاللّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). وقال تعالى (فَإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ الْمُبِينُ).

стр. 639

رابعاً: الدعوة إلى الله. قال تعالى (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولاً أَنِ اعْبُدُواْ اللّهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ). وقال تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ). خامساً: إقامة الحجة. وقال تعالى (رُّسُلاً مُّبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئَلاَّ يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ). وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُم بِعَذَابٍ مِّن قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِن قَبْلِ أَن نَّذِلَّ وَنَخْزَى). وعندما يصيحون بالنار بعد أن يحيط بهم العذاب من كل جانب وينادون ويصرخون تقول لهم خزنة جهنم: كما قال تعالى (قَالُوا أَوَلَمْ تَكُ تَأْتِيكُمْ رُسُلُكُم بِالْبَيِّنَاتِ قَالُوا بَلَى قَالُوا فَادْعُوا وَمَا دُعَاء الْكَافِرِينَ إِلَّا فِي ضَلَالٍ). • قوله (النَّبِيِّينَ) النبي مشتق من النبأ، وهو الخبر، قال تعالى (عم يتساءلون عن النبأ العظيم)، وإنما سمي النبي نبياً لأنه مخبرٌ مخبَر، أي: أن الله أخبره وأوحى إليه. وقيل: مشتق من النبْوة، وهي ما ارتفع من الأرض. • قال شيخ الإسلام ابن تيمية: والتحقيق أن هذا المعنى - أي العلو والارتفاع - داخل في الأول، فمن أنبأه الله فلا يكون إلا رفيع القدر علياً. • واختلف العلماء في الفرق بين الرسول والنبي: فجماهير العلماء يرون أن الرسول: من أوحي إليه بشرع وأمِر بتبليغه، والنبي من أوحي إليه بشرع ولم يؤمر بتبليغه. والدليل على التفريق قوله تعالى (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ وَلا نَبِيٍّ إِلَّا إِذَا تَمَنَّى أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِي أُمْنِيَّتِهِ). وشيخ الإسلام يرى: أن الرسول من أوحي إليه بشرع جديد، أو من أوحي إليه بشرع من قبله ولكنه بعث إلى قوم مخالفين يدعوهم إلى هذا الشرع الذي معه، وأما النبي فهو المبعوث لتقرير شرع من قبله، فالنبي مأمور بالبلاغ، لكنه يبلغه لقوم مؤمنين كأكثر أنبياء بني إسرائيل الذين كانوا يعملون بالتوراة من بعد موسى. (وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ) أي: وأنزل مع كل نبي كتاب، فالكتاب هنا جنس يشمل جميع الكتب. وقد قال تعالى (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ).

стр. 640

• قال ابن الجوزي: والكتاب: اسم جنس، كما تقول: كثر الدرهم في أيدي الناس. وذكر بعضهم أنه في التوراة. (بِالْحَقِّ) الباء للملابسة وللتعدية: أي أن القرآن نفسه نزل حقاً من عند الله لا من عند غيره، وتكون للتعدية: بمعنى أن الكتاب نزل بالحق أي: أن ما اشتمل عليه القرآن فهو حق، فعلى الوجه يكون المراد بقوله: بالحق تأكيد أنه نزل من عند الله، وعلى الوجه الثاني يكون المعنى: أن كل ما اشتمل عليه القرآن من أوامر ونواهي وأخبار فهو حق. وكلا المعنيين صحيح، فهي حق من عند الله، وما جاءت به من الشرائع والأخبار فهو حق. (لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ) في الحاكم هاهنا ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الله تعالى. والثاني: أنه النبي الذي أنزل عليه الكتاب. والثالث: الكتاب، كقوله تعالى (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق). والمعنى ليحكم النبي بالكتاب كما قال تعالى (إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدىً وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا). (فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ) فكل شيء اختلفوا فيه فالكتاب يحكم بينهم. (وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ) أي: في الكتاب المذكور، وقيل: يعود في الحق. (إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ) أي: أوتوا وأعطوا الكتاب.

стр. 641

(مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: الآيات الواضحات، والحجج الساطعات. (بَغْياً بَيْنَهُمْ) أي: أن ذلك بسبب الحسد والتعدي والبغي من بعضهم على بعض. قال الشوكاني: أي لم يختلفوا إلا للبغي: أي الحسد والحرص على الدنيا، وفي هذا تنبيه على السفه في فعلهم، والقبح الذي وقعوا فيه، لأنهم جعلوا نزول الكتاب سبباً في شدّة الخلاف. • قال ابن عاشور: والمعنى أن داعي الاختلاف هو التحاسد، وقصد كل فريق تغليط الآخر، فيحمل الشريعة غير محاملها ليفسد ما حملها عليه الآخر فيفسد كل فريق صواب غيره وأما خطؤه فأمره أظهر. وقوله (بَيْنَهُمْ) متعلق بقوله (بَغْياً) للتنصيص على أن البغي بمعنى الحسد، وأنه ظلم في نفس الأمة وليس ظلما على عدوها. (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ) في جميع الأبواب، فهداهم للدين الحق وهو الإسلام، وهداهم إلى الحق فيما اختلفوا فيه في أنبيائهم كعيسى، وهداهم إلى الحق. عن أبي هريرة في قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) قال: قال النبي ﷺ (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أوّلُ الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى) متفق عليه. قال ابن كثير: قال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد. فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك.

стр. 642

واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى ﵇، فكذّبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه، وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك. • قال ابن الجوزي: وفي الذي اختلفوا فيه ستة أقوال: أحدها: أنه الجمعة، جعلها اليهود السبت، والنصارى الأحد، وسبق الحديث في ذلك. والثاني: أنه الصلاة، فمنهم من يصلي إلى المشرق، ومنهم من يصلي إلى المغرب. والثالث: أنه إبراهيم. قالت اليهود: كان يهودياً، وقالت النصارى: كان نصرانياً. والرابع: أنه عيسى، جعلته اليهود لِفرية، وجعلته النصارى إلهاً. والخامس: أنه الكتب، آمنوا ببعضها، وكفروا ببعضها. والسادس: أنه الدين، وهو الأصح، لأن جميع الأقوال داخلة في ذلك. • في الآية أنه كلما قوي إيمان العبد كان أقرب إلى إصابة الحق لقوله تعالى (فهدى الله الذين آمنوا) لأن الله علق الهداية على وصف الإيمان، وما علق على وصف يقوى بقوته ويضعف بضعفه. (بِإِذْنِهِ) أي: بعلمه، بما هداهم له، وقيل: بأمره. (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: من خلقه، أي ممن يستحق الهداية، لأن كل شيء علق بمشيئة الله فإنه تابع لحكمته، كما أنه سبحانه يجعل الرسالة في أهلها كما قال تعالى (اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ) فكذلك هو أعلم حيث يجعل هدايته. (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) الذي يجمع بين العلم والعمل، كما قال تعالى (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلا الضَّالِّينَ).

стр. 643

عن عَائِشَةَ. قَالَتْ كَانَ النبي ﷺ إِذَا قَامَ مِنَ اللَّيْلِ افْتَتَحَ صَلَاتَهُ (اللَّهُمَّ رَبَّ جِبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ إِنَّكَ تَهْدِى مَنْ تَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم) رواه مسلم. وفي الدعاء المأثور (اللهم، أرنا الحق حَقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفّقنا لاجتنابه، ولا تَجْعَلْه ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماماً). فالإنسان قد يعرف الحق ولا يعمل به ولا يوفق لاتباعه، وقد لا يعرف الحق. الفوائد: ١ - أن دين الإسلام هو الفطرة. ٢ - الحكمة في إرسال الرسل وهي التبشير والإنذار. ٣ - أن الشرائع التي جاءت بها الرسل تنقسم إلى قسمين: أوامر ونواهي. ٤ - الترغيب والترهيب في الدعوة. ٥ - إثبات علو الله تعالى بأنواعه. ٦ - أن الكتب منزلة من عند الله. ٧ - أن الواجب الرجوع إلى الكتاب عند النزاع. ٨ - أن الناس لو رجعوا إلى الكتاب المنزل لحصل بينهم الائتلاف. ٩ - أن كل مخالف للحق بعدما تبين فهو باغ ضال. ١٠ - رحمة الله بالمؤمنين. ١١ - أن الإيمان سبب للهداية للحق. ١٢ - ينبغي على العبد أن يسأل ربه الهداية. ١٣ - أن كل ما سوى دين الله فهو معوج.

стр. 644

(أَمْ حَسِبْتُمْ أَن تَدْخُلُواْ الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُم مَّثَلُ الَّذِينَ خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُم مَّسَّتْهُمُ الْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء وَزُلْزِلُواْ حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُواْ مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ (٢١٤)). [البقرة: ٢١٤]. (أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ … ) أي: أم حسبتم أنكم أيها المؤمنون بالله ورسله تدخلون الجنة. (وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ) أي: والحال أنه لم يصبكم مثلُ ما أصاب مَن قبلكم مِن أتباع الأنبياء والرسل من الشدائد والمحن والاختبار. • (مثل) أي: صفة ما وقع لهم، و المثل يكون بمعنى الصفة مثل قوله تعالى (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: صفتها كذا وكذا. ويكون بمعنى الشبه، كقوله تعالى (مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَاراً) أي: شبههم كشبه الذي استوقد ناراً. (مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ) أي: الفقر. (وَالضَّرَّاءُ) أي: الأمراض في أبدانهم. (وَزُلْزِلُوا) بأنواع المخاوف من التهديد بالقتل، والنفي، وأخذ الأموال، وقتل الأحبة، وأنواع المضار حتى وصلت بهم الحال وآل بهم الزلزال إلى أن استبطأوا نصر الله مع يقينهم به. فتكون الإصابات هنا في ثلاثة مواضع: في المال، والبدن، والنفس. • قال ابن عاشور: إن القصد من ذكر الأمم السالفة حيثما وقع في القرآن هو العبرة والموعظة والتحذير من الوقوع فيما وقعوا فيه بسوء عملهم والاقتداءُ في المحامد، فكان في قوله تعالى (كان الناس أمة واحدة) الآية إجمال لذلك وقد ختم بقوله (فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه)، ولما كان هذا الختام منقبة للمسلمين أُوقِظوا أنْ لا يُزْهَوْا بهذا الثناء فيحسبوا أنهم قضَوْا حق شكر النعمة، فعقب بأن عليهم أن يصبروا لما عسى أن يعترضهم في طريق إيمانهم من البأساء والضراء اقتداء بصالحي الأمم السالفة، فكما حذرهم الله من الوقوع فيما وقع فيه الضالون من أولئك الأمم، حرضهم هنا على الاقتداء بهدي المهتدين منهم على عادة القرآن في تعقيب البشارة بالنذارة وعكس ذلك. كما جاء في الحديث الصحيح عن خَبَّاب بن الأرَتّ قال (قلنا: يا رسول الله، ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ فقال: إنّ من كان قبلكم كان أحدهم يوضع المنشار على مفْرَق رأسه فيخلص إلى قدميه، لا يَصْرفه ذلك عن دينه، ويُمْشَطُ بأمشاط الحديد ما بين لحمه وعظمه، لا يصرفه ذلك عن دينه، والله ليتمن الله هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله والذئب على غنمه، ولكنكم قوم تستعجلون).

стр. 645

وقال الله تعالى (الم أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لا يُفْتَنُونَ* وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). وقد حصل من هذا جانب عظيم للصحابة ﵁ في يوم الأحزاب، كما قال الله تعالى (إِذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتِ الأبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا* هُنَالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالا شَدِيدًا. وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلا غُرُورًا). ولما سأل هرقلُ أبا سفيان: هل قاتلتموه؟ قال: نعم. قال: فكيف كان الحرب بينكم؟ قال: سِجَالاً يدال علينا ونُدَال عليه. قال: كذلك الرسل تُبْتَلى، ثم تكون لها العاقبة. • قال السعدي: من سنة الله التي لا تتغير ولا تتبدل، أن من قام بدينه وشرعه، لا بد أن يبتليه، فإن صبر على أمر الله، ولم يبال بالمكاره الواقفة في سبيله، فهو الصادق الذي قد نال من السعادة كمالها، ومن السيادة آلتها، ومن جعل فتنة الناس كعذاب الله، بأن صدته المكاره عما هو بصدده، وثنته المحن عن مقصده، فهو الكاذب في دعوى الإيمان، فإنه ليس الإيمان بالتحلي والتمني، ومجرد الدعاوى، حتى تصدقه الأعمال أو تكذبه. • وقال ابن تيمية في الحكمة من هذا الابتلاء: فإن النفس لا تزكو وتصلح حتى تمحص بالبلاء كالذهب الذي لا يخلص جيده من رديئه حتى يفتن في كير الامتحان، إذ كانت النفس جاهلة ظالمة وهي منشأ كل شر يحصل للعبد، فلا يحصل له شر إلا منها، قال تعالى (مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللَّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيِّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ).

стр. 646

قال ابن القيم مبيناً الحكمة مما أصاب النبي وأصحابه يوم أحد: فمنها: تعريفُهم سوءَ عاقبة المعصية، والفَشَل، والتنازُعِ، وأن الذي أصابَهم إنما هو بِشُؤمِ ذلِكَ، كما قال تعالى (وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللهُ وَعْدَهُ إذْ تَحُسُّونَهُم بِإذْنِهِ، حَتَّى إذَا فَشِلْتُمْ وتَنَازَعْتُمْ فِي الأَمْرِ وَعَصَيْتُم مِّنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُم مَّا تُحِبُّونَ، مِنْكُم مَّن يُرِيدُ الدُّنْيَا وَمِنْكُم مَّن يُرِيدُ الآخِرَةَ، ثُمَّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ، وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ ومنها: أن حِكمة الله وسُنَّته في رُسله، وأتباعِهم، جرت بأن يُدَالوا مَرَّةً، ويُدَالَ عليهم أُخرى، لكن تكونُ لهم العاقبةُ، فإنهم لو انتصرُوا دائماً، دخلَ معهم المؤمنون وغيرُهم، ولم يتميَّز الصَّادِقُ مِن غيره، ولو انتُصِرَ عليهم دائماً، لم يحصل المقصودُ من البعثة والرسالة، فاقتضت حِكمة الله أن جمع لهم بينَ الأمرين ليتميز مَن يتبعُهم ويُطيعهُم للحق، وما جاؤوا به ممن يتبعُهم على الظهور والغلبة خاصة. ومنها: أن هذا مِن أعلام الرسل، كما قال هِرَقْلُ لأبى سفيان: هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ؟ قال: نعم. قَالَ: كَيْفَ الحَرْبُ بَيْنَكُم وبَيْنَه؟ قالَ: سِجَال، يُدالُ علينا المرة، ونُدالُ عليه الأخرى. قال: كَذلِكَ الرُّسُل تُبْتَلَى، ثُمَّ تَكُونُ لَهُمُ العَاقِبَة. ومنها: أن يتميَّز المؤمنُ الصَّادِقُ مِن المنافقِ الكاذب. ومنها: استخراجُ عبوديةِ أوليائه وحزبِه في السَّراء والضرَّاء، وفيما يُحبُّون وما يكرهون، وفى حال ظفرهم وظفر أعدائهم بهم، فإذا ثبتُوا على الطاعة والعبودية فيما يُحبون وما يكرهون، فهم عبيدهُ حقاً، وليسوا كمن يعبد الله على حرف واحد مِن السَّراء والنعمة والعافية. ومنها: أنه سبحانه لو نصرهم دائماً، وأظفرهم بعدوِّهم في كُلِّ موطن، وجعل لهم التَّمْكِينَ والقهرَ لأعدائهم أبداً، لطغتْ نفوسُهم، وشمخت وارتفعت. ومنها: أن النفوسَ تكتسِبُ من العافية الدائمة والنصر والغنى طغياناً ورُكوناً إلى العاجلة، وذلك مرض يَعُوقُها عن جِدِّها فى سيرها إلى الله والدارِ الآخرة، فإذا أراد بها ربُّهَا ومالِكُهَا وراحِمُهَا كرامته، قيَّض لها من الابتلاء والامتحان ما يكون دواء لذلك المرض العائق عن السير الحثيث إليه، فيكون ذلك البلاء والمحنة بمنزلة الطبيب يسقي العليلَ الدواءَ الكريه، ويقطع منه العروقَ المؤلمةَ لاستخراج الأدواء منه، ولو تركه، لَغَلَبَتْهُ الأدواءُ حتى يكون فيها هلاكه. (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ) من شدة الكرب والبلاء، قالوا ذلك: استعجالاً للنصر وليس للشك. (أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ) يحتمل أن يكون جواباً من الله تعالى لهم، إذ قالوا (متى نَصْرُ الله) فيكون كلامهم قد انتهى عند قوله (متى نَصْرُ الله) ثم قال الله عند ذلك (أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ).

стр. 647

ويحتمل أن يكون ذلك قولاً لقوم منهم، كأنهم لما قالوا (متى نَصْرُ الله) رجعوا إلى أنفسهم فعلموا أن الله لا يعلي عدوهم عليهم، فقالوا (أَلا إِنَّ نَصْرَ الله قَرِيبٌ) فنحن قد صبرنا يا ربنا ثقة بوعدك، وكلاهما صحيح. • في هذه الآية البشارة العظيمة بأن نصر الله وتفريج الكربات مقرون بالكرب. كما قال ﷺ (وَأَنْ الْفَرَجَ مَعَ الْكَرْبِ، وَأَنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا) ويشهد لهذا: قوله تعالى (وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ مَا قَنَطُوا). وقوله تعالى (حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا). وقوله تعالى (حَتَّى يَقُولَ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللَّهِ أَلا إِنَّ نَصْرَ اللَّهِ قَرِيبٌ). قال ابن رجب ﵀: وكم قص سبحانه من قصص تفريج كربات أنبيائه عند تناهي الكرب، كإنجاء نوح ومن معه في الفلك، وإنجاء إبراهيم من النار، وفدائه لولده الذي أمر بذبحه، وإنجاء موسى وقومه من اليم، وإغراق عدوهم. قال ﵀: ومن لطائف اقتران الفرج بالكرب واليُسر بالعسر: أن الكربَ إذا اشتد وعظُمَ وتناهي، حصل للعبد الإياس من كشفه من جهة المخلوقين، وتعلق قلبه بالله وحده، وهذا هو حقيقة التوكل على الله، وهو من أعظم الأسباب التي تُطلبُ بها الحوائج، فإن الله يكفي من توكل عليه، كما قال تعالى (وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ). قال الفضيل: لو يئست من الخلق حتى لا تريد منهم شيئاً، لأعطاك مولاك كل ما تريد. الفوائد: ١ - إثبات الجنة. ٢ - أن الإيمان ليس بالتمني ولا بالتحلي. ٣ - حكمة الله في الابتلاء بهذه المصائب. ٤ - حكمة الله حيث يمنع النصر لفترة معينة من الزمن. ٥ - أن الصبر على البلاء من أسباب دخول الجنة. ٦ - تبشير المؤمنين بالنصر ليتقووا على الاستمرار في الجهاد. ٧ - أنه لا وصول إلى الكمال إلا بعد تجرع الصبر.

стр. 648

(يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلْ مَا أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)). [البقرة: ٢١٥]. (يَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) أي: الصحابة يسألونك ماذا ينفقون، والسؤال هنا عن المنفَق، لا على المنفق عليه، أي: يسألونك ماذا ينفقون من أموالهم جنساً وقدراً وكيفاً. والعلة من سؤال الصحابة: حرصهم على تعلم دينهم وتطبيقه. وقد تكرر سؤال الصحابة للنبي ﷺ في عدة مواطن. والنفقة: هي بذل المال في وجوه الخير. (قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ) أي: مال قليل أو كثير. (فَلِلْوَالِدَيْنِ) فهما أعظم الناس به وأحقهم بالتقديم، وأعظمهم حقاً عليه. • قد يبدو للإنسان في أول وهلة أن الله إنما أجابهم عن محل الإنفاق؛ لا عن (ماذا ينفقون) لكن من تأمل الآية تبين له أن الله أجابهم عما ينفقون، وعما ينفقون فيه، لقوله (ما أنفقتم من خير) ففي هذا بيان ما ينفقون، وفي قوله (فللوالدين … ) بيان ما ينفقون فيه. ففي قوله (من خير) جواب سؤالهم، وهو أن الإنفاق يكون من أي أنواع الخير والمال، من غير تحديد جنس المال، ولا قدر المنفق منه وكيفيته. وأما الزيادة في الإجابة على سؤالهم فهي قوله (فللوالدين .... ) وهو بيان محل ومصرف النفقة. وفي هذا التنبيه إلى أن معرفة محل النفقة ومصرفها أهم من معرفة المنفَق، وذلك لعظم حق من ذكروا وفضل النفقة عليهم من بين سائر وجوه النفقة التي لا تحصى. (وَالْأَقْرَبِينَ) على اختلاف طبقاتهم، الأقرب فالأقرب، على حسب القرب والحاجة، فالإنفاق عليه صدقة وصلة. عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ (قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَنْ أَحَقُّ بِحُسْنِ الصُّحْبَةِ قَالَ: أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أُمُّكَ ثُمَّ أَبُوكَ ثُمَّ أَدْنَاكَ أَدْنَاكَ). رواه مسلم وأبا طلحة لما أراد أن يتصدق ببيرحاء قال له رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (بَخْ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ قَدْ سَمِعْتُ مَا قُلْتَ فِيهَا وَإِنِّي أَرَى أَنْ تَجْعَلَهَا فِي الأَقْرَبِينَ». فَقَسَمَهَا أَبُو طَلْحَةَ فِي أَقَارِبِهِ وَبَنِي عَمِّهِ) متفق عليه.

стр. 649

(وَالْيَتَامَى) واليتيم: هو من مات أبوه وهو لم يبلغ. • قال في التسهيل: جمع يتيم: وهو من فقد والده قبل البلوغ، واليتيم من سائر الحيوان من فقد أمه. • وقد أوصت الشريعة بالعناية باليتيم وبماله وحذرت من أكل ماله. فقد أوصى الله باليتيم في آيات كثيرة: كقوله تعالى (وَلا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ). وقال تعالى (فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ). وحذر الله من أكل مال اليتامى: فقال تعالى (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً). وأخبر النبي ﷺ أن كافل اليتيم في الجنة: فقال ﷺ (أنا وكافل اليتيم في الجنة كهذا، وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) متفق عليه. وقال ﷺ (اللهم إني أحرّج حق الضعيفين اليتيم والمرأة) رواه النسائي، أي: ألحق الحرج وهو الإثم بمن ضيع حقهما، وأحذّر من ذلك تحذيراً بليغاً. (وَالْمَسَاكِينِ) والمساكين جمع مسكين، وهو من لا يجد تمام كفايته، سموا بذلك، لأن الفقر أذله وأسكنه، وقد استعاذ النبي ﷺ من الفقر والجوع، فعن أبي هريرة. أن النبي ﷺ كان يقول (اللهم إني أعوذ بك من الجوع، فإنه بئس الضجيع). رواه أبو داود وفي حديث أبي بكرة أن النبي ﷺ كان يقول دبر كل صلاة (اللهم إني أعوذ بك من الكفر والفقر وعذاب القبر). رواه النسائي • ويدخل في المساكين هنا: الفقراء، لأن كلاً منهما يطلق على الآخر إذا انفرد كل واحد منهما، لكن إذا ذكرا معاً كما في قوله تعالى (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) كان لكل واحد منهما معنى غير معنى الآخر. • وسمي المعدم مسكيناً، لأن الفقر أسكنه وأذله، فلا يطمع أن يصل إلى مرتبة الأغنياء. (وَابْنِ السَّبِيلِ) وهو المسافر المنقطع به.

стр. 650

• ولم يتعرض سبحانه هنا لبقية المحتاجين كالسائلين والغارمين إما اكتفاء بذكرهم في مواضع أخرى، وإما بناء على دخولهم تحت عموم قوله تعالى: في آخر الآية وَما تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ فإنه شامل لكل خير واقع في أي مصرف كان. (وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ) من صدقة على هؤلاء وعلى غيرهم، بل ومن جميع أنواع الطاعات والقربات. (فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ) فيجازيكم به ويحفظه لكم، كل حسب نيته وإخلاصه، وكثرة نفقته وقلتها، وشدة الحاجة إليها، وعظم وقعها وموقعها، فإنه سبحانه لا يَظلم أحداً مثقال ذرة. كما قال تعالى (أَنِّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى). وقال (فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْراً يَرَهُ). الفوائد: ١ - حرص الصحابة على السؤال عن العلم. ٢ - فضل الإنفاق على الوالدين والأقربين. ٣ - اهتمام الشريعة باليتامى والمساكين. ٤ - فضل الإنفاق والصدقة. ٥ - الحث على فعل الخير ولو كان قليلاً. ٦ - عموم علم الله تعالى. ٧ - في الآية وعد من الله بالإثابة على العمل الصالح.

стр. 651

(كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢١٦)). [البقرة: ٢١٦]. (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ) هذا إيجاب من الله تعالى للجهاد على المسلمين. والجهاد في الأصل فرض كفاية. والدليل على ذلك: قول الله تعالى (لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلّاً وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى) وهذا يدل على أن القاعدين غير آثمين مع جهاد غيرهم. وقال الله تعالى (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا). ولأن رسول الله ﷺ كان يبعث السرايا ويقيم هو وسائر أصحابه. قال ابن قدامة: ويتعين الجهاد في ثلاثة مواضع: أحدها: إذا التقا الزحفان وتقابل الصفان حرم على من حضر الانصراف وتعين عليه المقام. لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). وقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفاً فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبَارَ. وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفاً لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزاً إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ). الثاني: إذا نزل الكفر ببلد تعين على أهله قتالهم ودفعهم. الثالث: إذا استنفر الإمام قوماً لزمهم النفي معه. لقول الله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَا لَكُمْ إِذَا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ أَرَضِيتُمْ بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا مِنَ الْآخِرَةِ فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ). وقال النبي ﷺ (وإذا استنفرتم فانفروا) متفق عليه.

стр. 652

• والجهاد في سبيل الله فضله عظيم، وقد تقدمت فضائله. (وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ) أي: شديد عليكم ومشقة، وهو كذلك، فإنه إما أن يُقتلَ أو يجرح مع مشقة السفر ومجالدة الأعداء. • قال الرازي: أن المراد من الكره، كونه شاقاً على النفس، والمكلف وإن علم أن ما أمره الله به فهو صلاحه، لكن لا يخرج بذلك عن كونه ثقيلاً شاقاً على النفس، لأن التكليف عبارة عن إلزام ما في فعله كلفة ومشقة، ومن المعلوم أن أعظم ما يميل إليه الطبع الحياة، فلذلك أشق الأشياء على النفس القتال. (وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ) لما فيه من الثواب العظيم، والتحرز من العقاب الأليم، والنصر على الأعداء والظفر بالغنائم، والأمن والاطمئنان، ورد العدو عن التفكير في غزو المسلمين. • قال ابن تيمية: فَأَمَرَ بِالْجِهَادِ وَهُوَ مَكْرُوهٌ لِلنُّفُوسِ لَكِنَّ مَصْلَحَتَهُ وَمَنْفَعَتَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى مَا يَحْصُلُ لِلنُّفُوسِ مِنْ أَلَمِهِ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَشْرَبُ الدَّوَاءَ الْكَرِيهَ لِتَحْصُلَ لَهُ الْعَافِيَةُ، فَإِنَّ مَصْلَحَةَ حُصُولِ الْعَافِيَةِ لَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى أَلَمِ شُرْبِ الدَّوَاءِ، وَكَذَلِكَ التَّاجِرُ الَّذِي يَتَغَرَّبُ عَنْ وَطَنِهِ وَيَسْهَرُ وَيَخَافُ وَيَتَحَمَّلُ هَذِهِ الْمَكْرُوهَاتِ، مَصْلَحَةُ الرِّبْحِ الَّذِي يَحْصُلُ لَهُ رَاجِحَةٌ عَلَى هَذِهِ الْمَكَارِهِ. وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ (حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ). • وقال الرازي: معنى الآية أنه ربما كان الشيء شاقاً عليكم في الحال، وهو سبب للمنافع الجليلة في المستقبل وبالضد، ولأجله حسن شرب الدواء المر في الحال لتوقع حصول الصحة في المستقبل، وحسن تحمل الأخطار في الأسفار لتوقع حصول الربح في المستقبل، وحسن تحمل المشاق في طلب العلم للفوز بالسعادة العظيمة في الدنيا وفي العقبى، وههنا كذلك وذلك لأن ترك الجهاد وإن كان يفيد في الحال صون النفس عن خطر القتل، وصون المال عن الإنفاق، ولكن فيه أنواع من المضار: منها: أن العدو إذا علم ميلكم إلى الدعة والسكون قصد بلادكم وحاول قتلكم فإما أن يأخذكم ويستبيح دماءكم وأموالكم، وإما أن تحتاجوا إلى قتالهم من غير إعداد آلة وسلاح، وهذا يكون كترك مداواة المرض في أول ظهوره بسبب نفرة النفس عن تحمل مرارة الدواء، ثم في آخر الأمر يصير المرء مضطراً إلى تحمل أضعاف تلك النفرة والمشقة، والحاصل أن القتال سبب لحصول الأمن، وذلك خير من الانتفاع بسلامة الوقت. ومنها: وجدان الغنيمة. ومنها: السرور العظيم بالاستيلاء على الأعداء.

стр. 653

أما ما يتعلق بالدين فكثيرة: منها ما يحصل للمجاهد من الثواب العظيم إذا فعل الجهاد تقرباً وعبادة وسلك طريقة الاستقامة فلم يفسد ما فعله، ومنها أنه يخشى عدوكم أن يستغنمكم فلا تصبرون على المحنة فترتدون عن الدين، ومنها أن عدوكم إذا رأى جدكم في دينكم وبذلكم أنفسكم وأموالكم في طلبه مال بسبب ذلك إلى دينكم، فإذا أسلم على يدكم صرتم بسبب ذلك مستحقين للأجر العظيم عند الله، ومنها أن من أقدم على القتال طلباً لمرضاة الله تعالى كان قد تحمل ألم القتل بسبب طلب رضوان الله، وما لم يصر الرجل متيقناً بفضل الله وبرحمته وأنه لا يضيع أجر المحسنين، وبأن لذات الدنيا أمور باطلة لا يرضى بالقتل ومتى كان كذلك فارق الإنسان الدنيا على حب الله وبغض الدنيا، وذلك من أعظم سعادات الإنسان. • وقال القرطبي: ومثاله في الدنيا إزالة ما يؤلم الإنسان ويخاف منه كقطع عضو وقلع ضرس وفصدٍ وحِجامةٍ ابتغاء العافية ودوام الصحة، ولا نعيم أفضل من الحياة الدائمة في دار الخلد والكرامة في مقعد صدقٍ. • وقال ابن القيم: … الإنسان كما وصفه به خالقه ظلوم جهول، فلا ينبغي أن يجعل المعيار على ما يصره وينفعه ميله وحبه ونفرته وبغضه، بل المعيار علي ذلك ما اختاره الله له بأمره ونهيه، فأنفع الأشياء له على الإطلاق طاعة ربه بظاهره وباطنه، وأضر الأشياء عليه على الإطلاق معصيته بظاهره وباطنه، فإذا قام بطاعته وعبوديته مخلصاً له، فكل ما يجرى عليه مما يكرهه يكون خيراً له، وإذا تخلى عن طاعته وعبوديته فكل ما هو فيه من محبوب هو شر له، فمن صحت له معرفة ربه والفقه في أسمائه وصفاته، علم يقيناً أن المكروهات التي تصيبه والمحن التي تنزل به فيها ضروب من المصالح والمنافع لتي لا يحصيها علمه ولا فكرته، بل مصلحة العبد فيما يكره أعظم منها فيما يحب، فعامة مصالح النفوس في مكروهاتها، كما أن عامة مضارها وأسباب هلكتها في محبوباتها. • وقال ﵀: في هذه الآية عدة حكم وأسرار ومصالح للعبد: فان العبد إذا علم أن المكروه قد يأتي بالمحبوب والمحبوب قد يأتي بالمكروه، لم يأمن أن توافيه المضرة من جانب المسرة، ولم ييأس أن تأتيه المسرة من جانب المضرة، لعدم علمه بالعواقب، فإن الله يعلم منها مالا يعلمه العبد وأوجب له ذلك أمورا: منها: أنه لا أنفع له من امتثال الأمر وإن شق عليه في الابتداء، لأن عواقبه كلها خيرات ومسرات ولذات وأفراح، وإن كرهته نفسه فهو خير لها وأنفع، وكذلك لا شيء أضر عليه من ارتكاب النهى وان هويته نفسه ومالت إليه وإن عواقبه كلها آلام وأحزان وشرور ومصائب.

стр. 654

ومن أسرار هذه الآية: أنها تقتضي من العبد التفويض إلى من يعلم عواقب الأمور والرضا بما يختاره له ويقضيه له لما يرجو فيه من حسن العاقبة. ومنها: أنه لا يقترح على ربه ولا يختار عليه ولا يسأله ما ليس له به علم، فلعل مضرته وهلاكه فيه وهو لا يعلم فلا يختار على ربه شيئاً بل يسأله حسن الاختيار له وأن يرضيه بما يختاره فلا أنفع له من ذلك. ومنها: أنه إذا فوض إلى ربه ورضى بما يختاره له، أمده فيما يختاره له بالقوة عليه والعزيمة والصبر وصرف عنه الآفات التي هي عرضة اختيار العبد لنفسه، وأراه من حسن عواقب اختياره له ما لم يكن ليصل إلى بعضه بما يختاره هو لنفسه. ومنها: أنه يريحه من الأفكار المتعبة في أنواع الاختيارات، ويفرغ قلبه من التقديرات والتدبيرات التي يصعد منه في عقبة وينزل في أخرى، ومع هذا فلا خروج له عما قدر عليه، فلو رضى باختيار الله أصابه القدر وهو محمود مشكور ملطوف به فيه، وإلا جرى عليه القدر وهو مذموم غير ملطوف به فيه. (وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ) وذلك مثل القعود عن الجهاد لطلب الراحة، فإنه شر، لأنه يعقب الخذلان، وتسلط الأعداء على الإسلام وأهله، وحصول الذل والهوان، وفوات الأجر العظيم وحصول العقاب. وهذه الآيات عامة مطردة، في أن أفعال الخير التي تكرهها النفوس لما فيها من المشقة أنها خير بلا شك، وأن أفعال الشر التي تحب النفوس لما تتوهمه فيها من الراحة واللذة فهي شر بلا شك. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فاللائق بكم أن تتمشوا مع أقداره، سواء سرتكم أو ساءتكم.

стр. 655

• قال الرازي: (والله يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) فالمقصود منه الترغيب العظيم في الجهاد، وذلك لأن الإنسان إذا اعتقد قصور علم نفسه، وكمال علم الله تعالى، ثم علم أنه سبحانه لا يأمر العبد إلا بما فيه خيرته ومصلحته، علم قطعاً أن الذي أمره الله تعالى به وجب عليه امتثاله، سواء كان مكروهاً للطبع أو لم يكن فكأنه تعالى قال: يا أيها العبد اعلم أن علمي أكمل من علمك فكن مشتغلاً بطاعتي ولا تلتفت إلى مقتضى طبعك فهذه الآية في هذا المقام تجري مجرى قوله تعالى في جواب الملائكة (إِنّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). الفوائد: ١ - فرضية الجهاد. ٢ - فضل الجهاد. ٣ - الحث على الجهاد. ٤ - أن النفس قد تكره الشيء لمشقته، لكن قد يكون فيه خيراً عظيماً كالجهاد. ٥ - أن البشر لا يعلمون الغيب. ٦ - ينبغي على المسلم أن يثق بأن أوامر الله كلها خير ومصالح ولو كانت بظاهرها مشقة. ٧ - عموم علم الله تعالى.

стр. 656

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِندَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّىَ يَرُدُّوكُمْ عَن دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُواْ وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)) [البقرة: ٢١٧]. (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ) أي: يسألك يا محمد الناس عن القتال في الشهر الحرام. • قال ابن الجوزي: وفي السائلين النبي ﷺ عن ذلك قولان: أحدهما: أنهم المسلمون سألوه: هل أخطؤوا أم أصابوا، قاله ابن عباس، وعكرمة ومقاتل. والثاني: أنهم المشركون سألوه على وجه العيب على المسلمين، قاله الحسن وعروة، ومجاهد. • وقد روي عن جمع من المفسرين أنها نزلت في سرية عبد الله بن جحش، حين بعثه رسول الله ﷺ ومن معه لترصد قريش بنخلة بين مكة والطائف، فمرت بهم عير لقريش فيهم عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كيسان، فأغاروا عليهم، فقتلوا عمرو بن الحضرمي، وأسروا عثمان والحكم بن كيسان، وأفلت نوفل فهرب، وذلك في آخر يوم من رجب، فقالت قريش: استحل محمد وأصحابه الشهر الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال، فأنزل الله (يَسْأَلونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ … ). • والمراد بالشهر الحرام، الجنس، أي: أن المراد الأشهر كلها وهي ثلاث متواليات: ذو القعدة وذو الحجة ومحرم، ورجب. وقد اختلف العلماء هل القتال في الأشهر الحرم منسوخ أم لا على قولين: القول الأول: أنه منسوخ. وهذا مذهب جماهير العلماء. القول الثاني: أنه محكم ليس بمنسوخ. (قِتَالٍ فِيهِ) أي: أيحل القتال فيه. (قُلْ) لهم مجيباً. (قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) أي: القتال فيه عظيم عند الله، لكن هناك ما هو أعظم خطراً. • وأما قتال الدفاع فهو جائز جماعاً. (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ) أي: ومنع الناس عن دين الله. (وَكُفْرٌ بِهِ) أي: والكفر بالله.

стр. 657

(وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) أي: وصدهم عن المسجد الحرام كما قال تعالى (هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ). • فقوله (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) قيل معطوف على الضمير في قوله (وكفر به) أي: وكفر بالمسجد الحرام، بانتهاك حرمته وعم احترامه وتعظيمه. ويحتمل عطفه على (عن سبيل الله) وهو أظهر، أي: وص عن سبيل الله وعن المسجد الحرام. (وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ) أي: أهل المسجد الحرام، وهم النبي ﷺ وأصحابه، لأنهم أحق به من المشركين، وهم عماره على الحقيقة فأخرجوهم منه ولم يمكنوهم من الوصول إليه، مع أن هذا البيت سواء العاكف فيه والباد. (أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ) أي: أعظم إثماً وجرماً عند الله من القتال في الشهر الحرام. أي: إن صدكم بأنفسكم وللناس عن دين الله وصراطه المستقيم وكفركم بالله والمسجد الحرام، وصد الناس عنه وإخراج أهله منه أكبر عن الله وأعظم إثماً وجرماً عند الله من القتال في الشهر الحرام. (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: فتنة المسلم وصده عن دين الله أكبر عند الله من القتل. قال ابن القيم: والمقصود: أن الله سبحانه حكم بين أوليائه وأعدائه بالعدل والإنصاف، ولم يُبرئ أولياءَه من ارتكاب الإثم بالقتالِ في الشهر الحرام، بل أخبر أنه كبير، وأن ما عليه أعداؤه المشركون أكبرُ وأعظمُ مِن مجردِ القتالِ في الشهر الحرام، فهم أحقُّ بالذمِّ والعيبِ والعُقوبَةِ، لا سيما وأولياؤه كانوا متأوِّلين في قتالهم ذلك، أو مقصِّرين نوعَ تقصير يغفِره الله لهم في جنب ما فعلوه مِن التوحيد والطاعات، والهِجرة مع رسوله، وإيثارِ ما عند الله، فهم كما قيل: وإذَا الحَبِيبُ أَتى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ … جَاءَتْ مَحَاسِنُه بِأَلْفِ شَفِيع فكيف يُقاس ببغيضٍ عدوٍ جاء بكُلِّ قبيح، ولم يأت بشفيع واحد مِن المحاسن.

стр. 658

• فالفتنة في الدين بالكفر والشرك والصد عن ين الله، أعظم وأشد من القتل، لأن غاية القتل أن يموت الإنسان فيخسر الحياة الدنيا، أما الشرك والصد عن ين الله ففيه خسارة الدارين، الدنيا والآخرة - ولهذا توعد الله الذين يفتنون الناس ويصدونهم عن دينهم بعذاب جهنم وعذاب الحريق. (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) ابتداء خبر من الله تعالى، وتحذير منه للمؤمنين من شرّ الكفرة، أي: ولا يزال هؤلاء الكفار جاهدين في قتالكم حتى يرجعوكم إلى الكفر والضلال. • قال أبو حيان: وهذا إخبار من الله للمؤمنين بفرط عداوة الكفار، ومباينتهم لهم، ودوام تلك العداوة، وأن قتالهم إياكم معلق بإمكان ذلك منهم لكم، وقدرتهم على ذلك. كما قال تعالى (وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً). وقال تعالى (وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ). وقال تعالى (وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ) وقال تعالى (وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلاً عَظِيماً). وقال تعالى (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّاراً حَسَداً مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ … ). • قال ابن عاشور: قوله (إن استطاعوا) تعريض بأنهم لا يستطيعون رد المسلمين عن دينهم. (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) أي: ومن يرجع منكم عن دينه إلى الكفر. (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) ثم يستمر حتى الموت. (فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: بطلت واضمحلت أعمالهم الصالحة في الدنيا والآخرة. • قال ابن عاشور: وحَبَطُ الأعمال: زوال آثارها المجعولة مرتبة عليها شرعاً، فيشمل آثارها في الدنيا والثواب في الآخرة وهو سر قوله (في الدنيا والآخرة).

стр. 659

فالآثار التي في الدنيا هي ما يترتب على الإسلام من خصائص المسلمين وأولها آثار كلمة الشهادة من حُرمة الأنفس والأموال والأعراض والصلاة عليه بعد الموت والدفن في مقابر المسلمين، وآثار العبادات وفضائل المسلمين بالهجرة والأخُوَّة التي بين المهاجرين والأنصار وولاء الإسلام وآثار الحقوق مثل حق المسلمين في بيت المال والعطاء وحقوق التوارث والتزويج فالولايات والعدالة وما ضمنه الله للمسلمين مثل قوله (من عمل صالحاً من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة). وأما الآثار في الآخرة فهي النجاة من النار بسبب الإسلام وما يترتب على الأعمال الصالحات من الثواب والنعيم. • اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي الْمُرْتَدِّ، هَلْ يُحْبِطُ عَمَلَهُ نَفْسُ الرِّدَّةِ أَمْ لَا يَحْبَطُ إلَّا عَلَى الْمُوَافَاةِ عَلَى الْكُفْرِ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا يَحْبَطُ لَهُ عَمَلٌ إلَّا بِالْمُوَافَاةِ كَافِرًا، وهذا هو الصحيح. وَقَالَ مَالِكٌ: يَحْبَطُ بِنَفْسِ الرِّدَّةِ. وَيَظْهَرُ الْخِلَافُ فِي الْمُسْلِمِ إذَا حَجَّ ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ، فَقَالَ مَالِكٌ: يَلْزَمُهُ الْحَجُّ لِأَنَّ الْأَوَّلَ قَدْ حَبَطَ بِالرِّدَّةِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ: لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ لِأَنَّ عَمَلَهُ بَاق. قال الإمام النووي: ومن حج ثم ارتد ثم أسلم لم يلزمه الحج بل يجزئه حجته السابقة عندنا، وقال أبو حنيفة وآخرون يلزمه الحج، ومبنى الخلاف على أن الردة متى تحبط العمل؟ فعندهم تحبطه في الحال سواء أسلم بعدها أم لا فيصير كمن لم يحج. وعندنا لا تحبطه إلا إذا اتصلت بالموت لقوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ). وقال أيضاً: … وهو أنه عندنا لا تبطل الأعمال بالردة إلا أن تتصل بالموت وعندهم يبطل بنفس الارتداد احتجوا بقول الله تعالى: (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) واحتج أصحابنا بقول الله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) فعلق الحبوط بشرطين الردة والموت عليها والمعلق بشرطين لا يثبت بأحدهما والآية التي احتجوا بها مطلقة وهذه مقيدة فيحمل المطلق على المقيد. • قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ) هذه الآية الكريمة تدل على أن الرّدة لا تحبط العمل إلا بقيد الموت على الكفر بدليل قوله (فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ) وقد جاءت آيات أخر تدل على أن الردة تحبط العمل مطلقاً ولو رجع إلى الإسلام؛ فكل ما عمل قبل الردة أحبطته الردة كقوله تعالى (وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْأِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ) الآية، وقوله (لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ) وقوله (وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ). والجواب عن هذا: أن هذه من مسائل التعارض المطلق والمقيد، فيحمل المطلق على المقيد، فتقيد الآيات المطلقة بالموت على الكفر، وهذا مقتضى الأصول، وعليه الإمام الشافعي ومن وافقه، وخالف مالك في هذه المسألة، وقدم آيات الإطلاق، وقول الشافعي في هذه المسألة أجرى على الأصول، والعلم عند الله تعالى.

стр. 660

(وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ) الملازمون لها. (هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) لا يخرجون منها أبداً. الفوائد: ١ - أن النبي ﷺ هو المرجع للصحابة في الفتوى. ٢ - تحريم القتال في الأشهر الحرم. ٣ - أن الذنوب تنقسم إلى قسمين: كبائر وصغائر. ٤ - أن الصد عن سبيل الله أعظم من القتال في الأشهر الحرم. ٥ - عظم الصد عن الحق. ٦ - عِظم الصد عن المسجد الحرام. ٧ - تفاوت الذنوب. ٨ - أن الفتنة - وهي صد الناس عن دينهم - أكبر من قتلهم. ٩ - حرص الكفار على ارتداد المشركين. ١٠ - الحذر من الكافرين. ١١ - أن الردة مبطلة للإعمال إذا مات عليها. ١٢ - أن المرتد مخلد في النار.

стр. 661

(إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَالَّذِينَ هَاجَرُواْ وَجَاهَدُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢١٨)). [البقرة: ٢١٨]. (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا) أي: الذين صدقوا بالله ورسوله وعملوا بشرعه. (وَالَّذِينَ هَاجَرُوا) أي: تركوا ديارهم وهاجروا إلى الله ورسوله. • قال ابن عاشور: هم الذين خرجوا من مكة إلى المدينة فراراً بدينهم. (وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) لإعلاء كلمة الله تعالى. والجهاد: بذل الوسع في قتال الكفار. (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ) أي: أولئك يطمعون في فضل الله وثوابه. • قال ابن عاشور: الرجاء: ترقب الخير مع تغليب ظن حصوله، فإن وعد الله وإن كان لا يخلف فضلاً منه وصدقاً، ولكن الخواتم مجهولة ومصادفة العمل لمراد الله قد تفوت لموانع لا يدريها المكلف ولئلا يتكلوا في الاعتماد على العمل. • وقال ﵀: والذي يظهر لي أن تعقيب ما قبلها بها من باب تعقيب الإنذار بالبشارة وتنزيه للمؤمنين من احتمال ارتدادهم فإن المهاجرين لم يرتد منهم أحد، وهذه الجملة معترضة بين آيات التشريع. • قال السعدي: وفي قوله (أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ) إشارة إلى أن العبد ولو أتى من الأعمال بما أتى به لا ينبغي له أن يعتمد عليها، ويعول عليها، بل يرجو رحمة ربه، ويرجو قبول أعماله ومغفرة ذنوبه، وستر عيوبه. • هذه الأعمال الثلاثة (الإيمان والهجرة والجهاد) من أفضل الأعمال. • قال السعدي: هذه الأعمال الثلاثة، هي عنوان السعادة وقطب رحى العبودية، وبها يعرف ما مع الإنسان، من الربح والخسران، فأما الإيمان، فلا تسأل عن فضيلته، وكيف تسأل عن شيء هو الفاصل بين أهل السعادة وأهل الشقاوة، وأهل الجنة من أهل النار؟ وهو الذي إذا كان مع العبد، قبلت أعمال الخير منه، وإذا عدم منه لم يقبل له صرف ولا عدل، ولا فرض، ولا نفل. وأما الهجرة: فهي مفارقة المحبوب المألوف، لرضا الله تعالى، فيترك المهاجر وطنه وأمواله، وأهله، وخلانه، تقرباً إلى الله ونصرة لدينه.

стр. 662

وأما الجهاد: فهو بذل الجهد في مقارعة الأعداء، والسعي التام في نصرة دين الله، وقمع دين الشيطان، وهو ذروة الأعمال الصالحة، وجزاؤه أفضل الجزاء، وهو السبب الأكبر، لتوسيع دائرة الإسلام وخذلان عباد الأصنام، وأمن المسلمين على أنفسهم وأموالهم وأولادهم. فمن قام بهذه الأعمال الثلاثة على لأوائها ومشقتها كان لغيرها أشد قياماً به وتكميلاً. فحقيق بهؤلاء أن يكونوا هم الراجون رحمة الله، لأنهم أتوا بالسبب الموجب للرحمة، وفي هذا دليل على أن الرجاء لا يكون إلا بعد القيام بأسباب السعادة، وأما الرجاء المقارن للكسل، وعدم القيام بالأسباب، فهذا عجز وتمن وغرور، وهو دال على ضعف همة صاحبه، ونقص عقله، بمنزلة من يرجو وجود ولد بلا نكاح، ووجود الغلة بلا بذر وسقي، ونحو ذلك. • فضل الإيمان بالله: مِنْهَا: الْأَجْرُ الْعَظِيمُ (وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا). وَمِنْهَا: الدَّفْعُ عَنْهُمْ شُرُورَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا). وَمِنْهَا: اسْتِغْفَارُ حَمَلَةِ الْعَرْشِ لَهُمُ. قال تعالى (الَّذِينَ يَحْمِلُونَ الْعَرْشَ وَمَنْ حَوْلَهُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ وَيُؤْمِنُونَ بِهِ وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا). وَمِنْهَا: مُوَالَاةُ اللَّهِ لَهُمْ، وَلَا يَذِلُّ مَنْ وَالَاهُ اللَّهُ. قَالَ اللَّهُ تَعَالَى (اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا). وَمِنْهَا: أَمْرُهُ مَلَائِكَتَهُ بِتَثْبِيتِهِمْ. قال تعالى (إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا). وَمِنْهَا: الْعِزَّةُ. قال تعالى (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ). وَمِنْهَا: مَعِيَّةُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِيمَانِ. قال تعالى (وَأَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ). وَمِنْهَا: الرِّفْعَةُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ. قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ). وَمِنْهَا: أَمَانُهُمْ مِنَ الْخَوْفِ يَوْمَ يَشْتَدُّ الْخَوْفُ. قال تعالى (فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).

стр. 663

وَمِنْهَا: أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا هُوَ هُدًى لَهُمْ وَشِفَاء. قال تعالى: (قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى أُولَئِكَ يُنَادَوْنَ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ). وَالْمَقْصُودُ أَنَّ الْإِيمَانَ سَبَبٌ جَالِبٌ لِكُلِّ خَيْرٍ، وَكُلُّ خَيْرٍ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَبَبُهُ الْإِيمَانُ، وَكُلُّ شَرٍّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَسَبَبُهُ عَدَمُ الْإِيمَانِ. • في الآية فضل الهجرة لله تعالى. فمن فضائلها: أن الله يعوضه خيراً مما ترك. كما قال تعالى (وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلَّا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيّاً فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَكُلّاً جَعَلْنَا نَبِيّاً. وَوَهَبْنَا لَهُمْ مِنْ رَحْمَتِنَا وَجَعَلْنَا لَهُمْ لِسَانَ صِدْقٍ عَلِيّاً). ومن فضائلها: يجد مراغماً وسعة. كما قال تعالى (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَماً كَثِيراً وَسَعَةً). ففي هذه الآية وعد الله تعالى أن من هاجر في سبيله سيجد أمرين: أولهما: مراغماً كثيراً، وثانيهما: سعة والمراد بالأمر الأول كما يقول الرازي: (مراغماً) ومن يهاجر في سبيل الله إلى بلد آخر يجد في أرض ذلك البلد من الخير والنعمة ما يكون سبباً لرغم أنف أعدائه الذين كانوا معه في بلدته الأصلية. والمراد بالأمر الثاني (سعة) السعة في الرزق. وفي الآية فضل الجهاد، وقد سبقت فضائله. وفي هذه الآية أن هؤلاء جمعوا بين فعل السبب بحسن العمل بالإيمان والهجرة والجهاد وبين حسن الظن بالله تعالى. قال ابن القيم: فتأمل كيف جعل رجاءهم بإتيانهم بهذه الطاعات، وقال المغترون: إن المفرطين المضيعين لحقوق الله المعطلين لأوامره الباغين على عباده المتجرئين على محارمه، أولئك يرجون رحمة الله. وسر المسألة: أن الرجاء وحسن الظن إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله في شرعه وقدره وثوابه وكرامته، فيأتي العبد بها ثم يحسن ظنه بربه ويرجوه أن لا يكله إليها، وأن يجعلها موصلة إلى ما ينفعه، ويصرف ما يعرضها للحبوط ويبطل أثرها.

стр. 664

(وَاللَّهُ غَفُورٌ) أي: لمن تاب توبة نصوحاً. (رَحِيمٌ) وسعت رحمته كل شيء، وعم جوده وإحسانه كل حي. قال السعدي: وفي هذا دليل على أن من قام بهذه الأعمال المذكورة، حصل له مغفرة الله، إذ الحسنات يذهبن السيئات وحصلت له رحمة الله. وإذا حصلت له المغفرة، اندفعت عنه عقوبات الدنيا والآخرة، التي هي آثار الذنوب، التي قد غفرت واضمحلت آثارها، وإذا حصلت له الرحمة، حصل على كل خير في الدنيا والآخرة؛ بل أعمالهم المذكورة من رحمة الله بهم، فلولا توفيقه إياهم لم يريدوها، ولولا إقدارهم عليها، لم يقدروا عليها، ولولا إحسانه لم يتمها ويقبلها منهم، فله الفضل أولاً وآخراً، وهو الذي منّ بالسبب والمسبب. الفوائد: ١ - أن الإيمان أساس وشرط لصحة الأعمال. ٢ - فضل الإيمان والهجرة والجهاد في سبيل الله. ٣ - أن الإيمان ليس بالتحلي ولا بالتمني. ٤ - وجوب الإخلاص لله في الهجرة والجهاد. ٥ - تعظيم الله للمؤمنين المهاجرين المجاهدين في سبيله، والتنويه بهم، وأنهم هم الراجون لرحمة الله. ٦ - فضل الرجاء. ٧ - إثبات صفة المغفرة لله تعالى. ٨ - إثبات صفة الرحمة الواسعة لله تعالى.

стр. 665

(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَآ أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ (٢١٩) فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَّهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لأعْنَتَكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٢٠)). [البقرة: ٢١٩ - ٢٢٠]. (يَسْأَلونَكَ) الخطاب للنبي ﷺ ، والسائلون هم الصحابة ﵃. • السائلون هم المؤمنون وسؤالهم إنما هو عن الحكم الشرعي من حيث الحل والتحريم. لا عن الحقيقة والذات فإنهم يعرفون حقيقة الخمر والميسر وذاتهما. (عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ) أي: عن حكمهما. والخمر: لغة مأخوذ من الستر والتغطية ومنه قوله ﷺ (خمروا آنيتكم .. ) أي: غطوا آنيتكم. وفي الشرع: اسم لكل ما أسكر العقل، أي: خامره وستره وغطاه على سبيل اللذة والنشوة والطرب، قال ﷺ (كل مسكر خمر). والميسر: مأخوذ من اليسر وهو القمار، وكسب المال على وجه المخاطرة والمراهنة والمغالبة التي يكون فيها عوض من الطرفين، ويكون الطرفان فيها بين غانم وغارم. • قال السعدي: وأما الميسر: فهو كل المغالبات التي يكون فيها عوض من الطرفين، من النرد، والشطرنج، وكل مغالبة قولية أو فعلية، بعوض سوى مسابقة الخيل، والإبل، والسهام، فإنها مباحة، لكونها معينة على الجهاد، فلهذا رخص فيها الشارع. • وقدم الخمر على الميسر، لأنه أكثر انتشاراً، وأعم ضرراً، ولأنه يذهب العقل مع المال. (قُلْ) أي: قل لهم محمد. (فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ) أي: ذنب عظيم في الدين، وكبيرة من كبائر الذنوب يستوجب العقوبة الشديدة، لأنهما رجس من عمل الشيطان يسبب العداوة والبغضاء. فالخمر فيه إزالة العقل الذي هو من أعظم نعم الله تعالى على الإنسان وميزه به. وأما الميسر فلما فيه من المقامرة والمخاطرة، وأكل أموال الناس بالباطل، وتعريض النفس للإضطرابات النفسية. (وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) أي: وفيهما منافع للناس دنيوية فقط. فالمنافع في الخمر ما فيها من اللذة والنشوة والطرب، وكذا ما فيها من منافع ثمنها والاتجار بها. وأما منافع الميسر فهي ما فيها من الترويح عن النفس، والكسب لمن حالفه الحظ في هذه المقامرة، وكون المال يجلب لبعضهم من غير تعب.

стр. 666

• قال ابن كثير: أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراجَ الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدّة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته: ونشربها فتتركنا ملوكًا … وأسْدًا لا يُنَهْنهها اللقاءُ وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يُقَمِّشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال: (وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) فإثمهما كبير وكثير، لا تساويه تلك المنافع، وذلك لأن إثمهما وضررهما في الدين، ومنافعهما في الدنيا فقط، ومنافع الدنيا كلها لا تساوي شيئاً بالنسبة للدين. • أي أن المفاسد والاضرار التي تترتب على تعاطيهما، أعظم من المنافع التي تنشأ عن تعاطيهما، إذ تعاطيهما يؤدى إلى منفعة بعض الناس، أما مضارهما فكثيرة، من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف الضمير، ويفسد الأخلاق، ويميت الحياء، ويفقد الرشد ويتلف المال، ويغرى بالتنازع بين الناس، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - في كثير من الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب .. إلخ. • أما تعاطى الميسر فمن مضاره -كما قال بعض العلماء- إفساد التربية بتعويد النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التي هي أركان العمران، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في العز والغنى وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة. إذن فالمنافع الدنيوية التي تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر لا تساوي شيئاً.

стр. 667

• وهذه الآية نزلت تمهيداً وتعريضاً بتحريم الخمر، فإن الخمر نزل على مراحل حتى حرم بتاتاً: ففي هذه الآية التعريض بتحريمها، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئاً إثمه أكبر من نفعه. ثم نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات. ثم نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ). عن عمر أنَّه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فدُعي عمر فقرئتْ عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربنّ الصلاة سكرانُ. فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)؟ قال عمر: انتهينا، انتهينا) رواه أحمد. • فيرى كثير من العلماء أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الخمر. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ثم نزلت الآية التي في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ. ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت في الخمر هي قوله تعالى في سورة النحل: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً.

стр. 668

وعلى هذا الرأي سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء، فقد قال: نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول اللّه، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون. • وهذا من حكم نزول القرآن مفرقاً، فمن هذه الحكم: أولاً: تثبيت قلب النبي ﷺ . لقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً). ثانياً: أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، حيث يقرأ عليهم شيئا فشيئاً. لقوله تعالى (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً). ثالثاً: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القران وتنفيذه، حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.

стр. 669

رابعاً: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه، ألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتاً. [الأربعاء: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ] (وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) أي: ويسألك أصحابك يا محمد ما الذي ينفقون. (قُلِ الْعَفْوَ) أي: الفضل، وما لا يبلغ الجهد واستفراغ الوسع. والمعنى: أنفقوا ما يفضل عن حاجتكم ولا يشق عليكم. عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول). متفق عليه (كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي: مثل ذلك البيان والإيضاح والتفصيل لحكم الخمر والميسر وبيان قدر المنفَق. (يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي: يوضح لكم الآيات ويفصلها في سائر الأحكام كما قال تعالى (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال تعالى (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ). (لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تتفكروا، والتفكر: إعمال الفكر والعقل، والتأمل والنظر والتدبر. (فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: لعلكم تتفكرون فيما هو أنفع لكم في الدنيا والآخرة من البعد عن الخمر والميسر، ومن إنفاق العفو، وتتفكرون في الدنيا وأنها دار ابتلاء وعمل، دار حقيرة، نهايتها الزوال والفناء، وتتفكرون في الآخرة وقربها، وعظم مكانتها، وأنها دار ثواب وجزاء، وخلود وبقاء (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ). وقال تعالى (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ). (وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) أي: ويسألك أصحابك يا محمد عن اليتامى، كيف يعاملونهم، إشفاقاً منهم وخوفاً من التقصير في حقوقهم. عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وَ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا)، الآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِه) رواه أبو داود.

стр. 670

(قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي: عمل الأصلح لهم، أو اعملوا الأصلح لهم في أنفسهم وأموالهم وغير ذلك، من تربيتهم وتعليمهم وتأديبهم وحفظ أموالهم وتنميتها. (وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) أي: وإن تخالطوهم في طعامهم وأموالهم، وتخلطوا أموالهم مع أموالكم فتتجروا فيها جميعاً فهم إخوانكم في الدين أو في النسب أو فيهما جميعاً. (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: والله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح فيجازي كلاً بعمله. قال ابن كثير: أي: يعلم من قَصدُه ونيته الإفساد أو الإصلاح. • قال ابن عاشور: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) وعد ووعيد، لأن المقصود من الإخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه. وفي هذا إشارة إلى أن ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته، لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح. وفيه أيضاً ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات، وكان المسلمون يومئذٍ لا يهتمون إلاّ بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم. وفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى، وليس هذا من شأن المسلمين، فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن، ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر.
следующие страницы →