Полный текст (1 874 стр.). Показаны 666–705 · переход к 671.
стр. 666
• قال ابن كثير: أما إثمهما فهو في الدين، وأما المنافع فدنيوية، من حيث إن فيها نفع البدن، وتهضيم الطعام، وإخراجَ الفضلات، وتشحيذ بعض الأذهان، ولذّة الشدّة المطربة التي فيها، كما قال حسان بن ثابت في جاهليته:
ونشربها فتتركنا ملوكًا … وأسْدًا لا يُنَهْنهها اللقاءُ
وكذا بيعها والانتفاع بثمنها، وما كان يُقَمِّشه بعضهم من الميسر فينفقه على نفسه أو عياله، ولكن هذه المصالح لا توازي مضرّته ومفسدته الراجحة، لتعلقها بالعقل والدين، ولهذا قال:
(وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا) فإثمهما كبير وكثير، لا تساويه تلك المنافع، وذلك لأن إثمهما وضررهما في الدين، ومنافعهما في
الدنيا فقط، ومنافع الدنيا كلها لا تساوي شيئاً بالنسبة للدين.
• أي أن المفاسد والاضرار التي تترتب على تعاطيهما، أعظم من المنافع التي تنشأ عن تعاطيهما، إذ تعاطيهما يؤدى إلى منفعة بعض الناس، أما مضارهما فكثيرة، من ذلك أن تعاطى الخمر يضعف الضمير، ويفسد الأخلاق، ويميت الحياء، ويفقد الرشد ويتلف المال، ويغرى بالتنازع بين الناس، ويتسبب - كما قال الأطباء الثقاة - في كثير من الأمراض كأمراض الكبد والرئتين والقلب .. إلخ.
• أما تعاطى الميسر فمن مضاره -كما قال بعض العلماء- إفساد التربية بتعويد النفس الكسل، وانتظار الرزق من الأسباب الوهمية، وإضعاف القوة العقلية، بترك الأعمال المفيدة في طرق الكسب الطبيعية، وإهمال المقامرين للزراعة والتجارة والصناعة التي هي أركان العمران، وتخريب البيوت فجأة بالانتقال من الغنى إلى الفقر في ساعة واحدة، فكم من عشيرة كبيرة نشأت في العز والغنى وانحصرت ثروتها في رجل أضاعها عليها في ليلة واحدة فأصبحت غنية وأمست فقيرة.
إذن فالمنافع الدنيوية التي تعود إلى بعض الناس من تعاطى الخمر والميسر لا تساوي شيئاً.
стр. 667
• وهذه الآية نزلت تمهيداً وتعريضاً بتحريم الخمر، فإن الخمر نزل على مراحل حتى حرم بتاتاً:
ففي هذه الآية التعريض بتحريمها، فكان في هذه الآية تهيئة للنفوس لقبول تحريمه حيث إن العقل يقتضي أن لا يمارس شيئاً إثمه أكبر من نفعه.
ثم نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ) فكان في هذه الآية تمرين على تركه في بعض الأوقات وهي أوقات الصلوات.
ثم نزلت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
عن عمر أنَّه قال: لما نزل تحريم الخمر قال: اللهم بَيِّن لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت هذه الآية التي في البقرة (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ) فدُعي عمر فقرئتْ عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في النساء (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى) فكان منادي رسول الله ﷺ إذا أقام الصلاة نادى: ألا يقربنّ الصلاة سكرانُ. فدُعي عمر فقرئت عليه، فقال: اللهم بين لنا في الخمر بيانًا شافيًا. فنزلت الآية التي في المائدة. فدعي عمر، فقرئت عليه، فلما بلغ (فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ)؟ قال عمر: انتهينا، انتهينا) رواه أحمد.
• فيرى كثير من العلماء أن هذه الآية هي أول آية نزلت في الخمر. ثم نزلت الآية التي في سورة النساء يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَأَنْتُمْ سُكارى حَتَّى تَعْلَمُوا ما تَقُولُونَ ثم نزلت الآية التي في سورة المائدة يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصابُ وَالْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ.
ويرى بعض العلماء أن أول آية نزلت في الخمر هي قوله تعالى في سورة النحل: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً.
стр. 668
وعلى هذا الرأي سار صاحب الكشاف وتبعه بعض العلماء، فقد قال: نزلت في الخمر أربع آيات، نزل بمكة قوله تعالى: وَمِنْ ثَمَراتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً فكان المسلمون يشربونها وهي حلال لهم. ثم إن عمر ومعاذا ونفرا من الصحابة قالوا: يا رسول اللّه، أفتنا في الخمر فإنها مذهبة للعقل مسلبة للمال، فنزلت: (قُلْ فِيهِما إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ) فشربها قوم وتركها آخرون.
• وهذا من حكم نزول القرآن مفرقاً، فمن هذه الحكم:
أولاً: تثبيت قلب النبي ﷺ .
لقوله تعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْلا نُزِّلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ جُمْلَةً وَاحِدَةً كَذَلِكَ لِنُثَبِّتَ بِهِ فُؤَادَكَ وَرَتَّلْنَاهُ تَرْتِيلاً وَلا يَأْتُونَكَ بِمَثَلٍ إِلَّا جِئْنَاكَ بِالْحَقِّ وَأَحْسَنَ تَفْسِيراً).
ثانياً: أن يسهل على الناس حفظه وفهمه والعمل به، حيث يقرأ عليهم شيئا فشيئاً.
لقوله تعالى (وَقُرْآناً فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلاً).
ثالثاً: تنشيط الهمم لقبول ما نزل من القران وتنفيذه، حيث يتشوق الناس بلهف وشوق إلى نزول الآية، لا سيما عند اشتداد الحاجة إليها كما في آيات الإفك واللعان.
стр. 669
رابعاً: التدرج في التشريع حتى يصل إلى درجة الكمال، كما في آيات الخمر الذي نشأ الناس عليه، ألفوه، وكان من الصعب عليهم أن يجابهوا بالمنع منه منعا باتاً. [الأربعاء: ٢٧/ ١٢/ ١٤٣٢ هـ]
(وَيَسْأَلونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ) أي: ويسألك أصحابك يا محمد ما الذي ينفقون.
(قُلِ الْعَفْوَ) أي: الفضل، وما لا يبلغ الجهد واستفراغ الوسع.
والمعنى: أنفقوا ما يفضل عن حاجتكم ولا يشق عليكم.
عن أبي هريرة. قال: قال ﷺ (خير الصدقة ما كان عن ظهر غنى واليد العليا خير من اليد السفلى، وابدأ بمن تعول). متفق عليه
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي: مثل ذلك البيان والإيضاح والتفصيل لحكم الخمر والميسر وبيان قدر المنفَق.
(يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمُ الْآياتِ) أي: يوضح لكم الآيات ويفصلها في سائر الأحكام كما قال تعالى (قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) وقال تعالى (قَدْ فَصَّلْنَا الْآياتِ لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ).
(لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تتفكروا، والتفكر: إعمال الفكر والعقل، والتأمل والنظر والتدبر.
(فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: لعلكم تتفكرون فيما هو أنفع لكم في الدنيا والآخرة من البعد عن الخمر والميسر، ومن إنفاق العفو، وتتفكرون في الدنيا وأنها دار ابتلاء وعمل، دار حقيرة، نهايتها الزوال والفناء، وتتفكرون في الآخرة وقربها، وعظم مكانتها، وأنها دار ثواب وجزاء، وخلود وبقاء (وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَهْوٌ وَلَعِبٌ وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ).
وقال تعالى (وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ).
(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْيَتَامَى) أي: ويسألك أصحابك يا محمد عن اليتامى، كيف يعاملونهم، إشفاقاً منهم وخوفاً من التقصير في حقوقهم.
عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ (لَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ (وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ) وَ (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا)، الآيَةَ انْطَلَقَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ يَتِيمٌ فَعَزَلَ طَعَامَهُ مِنْ طَعَامِهِ وَشَرَابَهُ مِنْ شَرَابِهِ، فَجَعَلَ يَفْضُلُ مِنْ طَعَامِهِ فَيُحْبَسُ لَهُ حَتَّى يَأْكُلَهُ أَوْ يَفْسُدَ، فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللهِ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْيَتَامَى قُلْ إِصْلَاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ)، فَخَلَطُوا طَعَامَهُمْ بِطَعَامِهِ وَشَرَابَهُمْ بِشَرَابِه) رواه أبو داود.
стр. 670
(قُلْ إِصْلاحٌ لَهُمْ خَيْرٌ) أي: عمل الأصلح لهم، أو اعملوا الأصلح لهم في أنفسهم وأموالهم وغير ذلك، من تربيتهم وتعليمهم وتأديبهم وحفظ أموالهم وتنميتها.
(وَإِنْ تُخَالِطُوهُمْ فَإِخْوَانُكُمْ) أي: وإن تخالطوهم في طعامهم وأموالهم، وتخلطوا أموالهم مع أموالكم فتتجروا فيها جميعاً فهم إخوانكم في الدين أو في النسب أو فيهما جميعاً.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) أي: والله تعالى أعلم وأدرى بمن يقصد بمخالطتهم الخيانة والإفساد لأموالهم، ويعلم كذلك من يقصد لهم الإصلاح فيجازي كلاً بعمله.
قال ابن كثير: أي: يعلم من قَصدُه ونيته الإفساد أو الإصلاح.
• قال ابن عاشور: (وَاللَّهُ يَعْلَمُ الْمُفْسِدَ مِنَ الْمُصْلِحِ) وعد ووعيد، لأن المقصود من الإخبار بعلم الله الإخبار بترتب آثار العلم عليه.
وفي هذا إشارة إلى أن ما فعله بعض المسلمين من تجنب التصرف في أموال اليتامى تنزه لا طائل تحته، لأن الله يعلم المتصرف بصلاح والمتصرف بغير صلاح.
وفيه أيضاً ترضية لولاة الأيتام فيما ينالهم من كراهية بعض محاجيرهم وضربهم على أيديهم في التصرف المالي وما يلاقون في ذلك من الخصاصة، فإن المقصد الأعظم هو إرضاء الله تعالى لا إرضاء المخلوقات، وكان المسلمون يومئذٍ لا يهتمون إلاّ بمرضاة الله تعالى وكانوا يحاسبون أنفسهم على مقاصدهم.
وفي هذه إشارة إلى أنه ليس من المصلحة أن يعرض الناس عن النظر في أموال اليتامى اتقاء لألسنة السوء، وتهمة الظن بالإثم فلو تمالأ الناس على ذلك وقاية لأعراضهم لضاعت اليتامى، وليس هذا من شأن المسلمين، فإن على الصلاح والفساد دلائل ووراء المتصرفين عدالة القضاة وولاة الأمور يجازون المصلح بالثناء والحمد العلن، ويجازون المفسد بالبعد بينه وبين اليتامى وبالتغريم بما أفاته بدون نظر.
стр. 671
(وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لاعْنَتَكُمْ) أي: ولو شاء الله لشدد عليكم وشق عليكم وأحرجكم، فيما شرعه لكم من أمر اليتامى وغيره، ومن ذلك أن يحظر عليكم مخالطتهم في طعامهم وشرابهم وأموالهم ولكنه تعالى خفف عنكم، فطلب منكم الإصلاح لليتامى ما استطعتم.
(إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ) له معان العزة كاملة.
(حَكِيمٌ) في أقواله وأحكامه يضع الأمور مواضعها.
• قال أبو حيان: في وصفه تعالى بالعزة، وهو الغلبة والاستيلاء، إشارة إلى أنه مختص بذلك لا يشارك فيه، فكأنه لما جعل لهم ولاية على اليتامى نبههم على أنهم لا يقهرونهم، ولا يغالبونهم، ولا يستولون عليهم استيلاء القاهر، فإن هذا الوصف لا يكون إلاَّ لله.
وفي وصفه تعالى بالحكمة إشارة إلى أنه لا يتعدّى ما أذن هو تعالى فيهم وفي أموالهم، فليس لكم نظر إلاَّ بما أذنت فيه لكم الشريعة، واقتضته الحكمة الإلهية. إذ هو الحكيم المتقن لما صنع وشرع، فالإصلاح لهم ليس راجعاً إلى نظركم، إنما هو راجع لاتباع ما شرع في حقهم.
الفوائد:
١ - حرص الصحابة على معرفة ما ينفعهم في دينهم ودنياهم.
٢ - عظم إثم الخمر والميسر.
٣ - أن في الخمر بعض المنافع.
٤ - أن دفع المضار والمفاسد مقدم على جلب المصالح.
٥ - أن الخمر أشد ضرراً على الميسر، لهذا قدم في الذكر.
٦ - أن الإنفاق إنما يكون مما فضل عن حاجة المنفق وأهله.
٧ - فضل الإنفاق.
٨ - أن الحكمة من إنزال الآيات وتبيينها وتفصيلها التفكر في آيات الله.
٩ - عناية الإسلام في اليتامى.
١٠ - الحث على الإصلاح لليتامى في أنفسهم وأموالهم.
١١ - إثبات مبدأ الإخوة الدينية في الإسلام.
١٢ - إثبات علم الله، وفي هذا وعيد للمفسد وتحذير من الإفساد، ووعد للمصلح وترغيب في الإصلاح.
стр. 672
(وَلَا تَنكِحُواْ الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلَا تُنكِحُواْ الْمُشِرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُواْ وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ أُوْلَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللَّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِ وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (٢٢١)). [البقرة: ٢٢١].
(وَلا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ) هذا تحريم من الله على المؤمنين أن يتزوّجوا المشركات من عبدة الأوثان، ثم إن كان عمومُها مرادًا، وأنَّه يدخل فيها كل مشركة من كتابية ووثنية، فقد خَص من ذلك نساء أهل الكتاب بقوله (وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إِذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ).
(وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ) أي: ولامرأة مؤمنة حرة كانت أو مملوكة خير وأفضل من مشركة ولو أعجبتكم هذه المشركة بجمالها وحسبها ومالها، فكل هذا لا قيمة له ولا يساوي شيئاً مع الإشراك بالله تعالى وفقدان الدين، فالمؤمنة طيبة والمشركة خبيثة وقد قال تعالى (قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ).
• قال ابن الجوزي: وفي المراد بالأمة قولان:
أحدهما: أنها المملوكة، وهو قول الأكثرين، فيكون المعنى: ولَنكاح أمَة مؤمنة خير من نكاح حرة مشركة.
والثاني: أنها المرأة، وإن لم تكن مملوكة، كما يقال: هذه أمة الله، وهذا قول الضحاك، والأول أصح.
• قال الشوكاني مرجحاً أن المراد (الأمَة): لأنه الظاهر من اللفظ، ولأنه أبلغ، فإن تفضيل الأمة الرقيقة المؤمنة على الحرّة المشركة يستفاد منه تفضيل الحرّة المؤمنة على الحرّة المشركة بالأولى.
• وقال ابن عاشور: ووقع في (الكشاف) حمل الأمة على مطلق المرأة، لأن الناس كلهم إماء الله وعبيده وأصله منقول عن القاضي أبي الحسن الجرجاني كما في القرطبي وهذا باطل من جهة المعنى ومن جهة اللفظ، أما المعنى فلأنه يصير تكراراً مع قوله (ولا تنكحوا المشركات) إذ قد علم الناس أن المشركة دون المؤمنة، ويُفيت المقصود من التنبيه على شرفِ أقلِّ أَفرادِ أحد الصنفين على أشرَف أفراد الصنف الآخر، وأما من جهة اللفظ فلأنه لم يرد في كلام العرب إطلاق الأمة على مطلق المرأة، ولا إطلاق العبد على الرجل إلاّ مقيَّدين بالإضافة إلى اسم الجلالة في قولهم يا عبدَ الله ويا أمةَ الله، وكونُ الناس إماءَ الله وعبيدَه إنما هو نظر للحقائق لا للاستعمال، فكيف يخرَّج القرآن عليه.
• قوله تعالى (وَلَأَمَةٌ مُؤْمِنَةٌ خَيْرٌ … ) الأمَة تطلق على المرأة كما في حديث ابن عمر. أن رسول الله ﷺ قال (لا تمنعوا إماء الله مساجد الله) متفق عليه، وتطلق الأمة على المملوكة كما في قوله ﷺ (ورجل كانت عنده أمة فأدبها فأحسن تأديبها).
стр. 673
ولهذا قال ﷺ (تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها ولجمالها ولدينها، فاظفر بذات الدين تربت يداك).
وقال ﷺ (الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة) رواه مسلم.
(وَلا تُنْكِحُوا الْمُشْرِكِينَ حَتَّى يُؤْمِنُوا) أي: لا تُزَوّجوا الرجال المشركين النساء المؤمنات، كما قال تعالى (لا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلا هُمْ
يَحِلُّونَ لَهُنَّ)، والخطاب للمؤمنين، وبخاصة أولياء الأمور منهم.
لأن للزوج ولاية على الزوجة كما قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ) والإسلام يعلو ولا يعلى عليه، فلا يجوز أن يكون لمشرك ولاية على مؤمنة، قال تعالى (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلاً).
• قال القرطبي: وأجمعت الأمة على أن المشرك لا يطأ المؤمنة بوجه؛ لما في ذلك من الغضاضة على الإسلام، وأجمع القراء على ضم التاء من تنكحوا.
• وقال الرازي: فلا خلاف ههنا أن المراد به الكل، وأن المؤمنة لا يحل تزويجها من الكافر البتة على اختلاف أنواع الكفرة.
• وفي الآية دليل على اشتراط الولي في النكاح.
(وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ) أي: ولعبد مؤمن حراً كان أو مملوكاً خير وأفضل من مشرك خيرية مطلقة من جميع الوجوه.
(وَلَوْ أَعْجَبَكُمْ) الواو: حالية، أي: ولو أعجبكم وسركم المشرك بمظهره أو بماله، أو بمنصبه ونحو ذلك كما قال تعالى (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِنْ يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُسَنَّدَةٌ).
(أُولَئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ) هذه الجملة كالتعليل لما قبلها، أي: معاشَرتهم ومخالطتهم تبعث على حب الدنيا واقتنائها وإيثارها على الدار الآخرة، وعاقبة ذلك وخيمة.
стр. 674
• قال السعدي: ويستفاد من تعليل الآية، النهي عن مخالطة كل مشرك ومبتدع، لأنه إذا لم يجز التزوج مع أن فيه مصالح كثيرة فالخلطة المجردة من باب أولى، وخصوصاً الخلطة التي فيها ارتفاع المشرك ونحوه على المسلم، كالخدمة ونحوها.
(وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى الْجَنَّةِ) أي: والله يدعو بما أرسل به الرسل من الوحي والشرع، والأمر والنهي إلى الجنة، دار السلام كما قال تعالى (وَاللَّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلامِ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ).
(وَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ) أي: ويدعو إلى مغفرة الذنوب، كما قال تعالى (قَالَتْ رُسُلُهُمْ أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَدْعُوكُمْ لِيَغْفِرَ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُؤَخِّرَكُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً).
(وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: ويوضح ويبين ويفصل آياته الشرعية والكونية (لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ) أي: لأجل أن يتذكروا ويتعظوا بما فيها من الوعد والوعيد ونحو ذلك، ويمتثلوا ما فيها من الأمر والنهي، فيثابوا بالجنة والمغفرة بإذنه .
الفوائد:
١ - تحريم نكاح المؤمنين للمشركات، وسبق أنه خص من ذلك الكتابيات.
٢ - إذا آمنت المشركة جاز نكاحها.
٣ - أن المؤمنة حرة كانت أو كتابية خير من المشركة خيرية مطلقة من جميع الوجوه.
٤ - تحريم تزويج المشركين بالمؤمنات.
٥ - يشترط لصحة النكاح الولي.
٦ - إذا آمن المشرك جاز تزويجه.
٧ - عدم الاغترار بمظاهر المشركين والمشركات.
٨ - أن الميزان المعتبر في تفاضل الناس هو الدين والإيمان.
٩ - التحذير من المشركين ومخالطتهم، لأنهم دعاة إلى النار.
١٠ - إقامة الله الحجة على الناس. [السبت/ ١/ ١/ ١٤٣٣ هـ]
стр. 675
(وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُواْ النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ (٢٢٢) نِسَآؤُكُمْ حَرْثٌ لَّكُمْ فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ وَقَدِّمُواْ لأَنفُسِكُمْ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّكُم مُّلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ (٢٢٣)). [البقرة: ٢٢٢ - ٢٢٣].
(وَيَسْأَلونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ) أي: ويسألونك يا محمد عن إتيان النساء في حالة الحيض أيحل أم يحرم؟
• قال ابن عاشور: والباعث على السؤال أن أهل يثرب قد امتزجوا باليهود واستنوا بسنتهم في كثير من الأشياء، وكان اليهود يتباعدون عن الحائض أشد التباعد بحكم التوراة.
(قُلْ هُوَ أَذىً) أي: قذر نتن نجس، قدره الله على النساء، ولهذا أوجب الشرع على الحائض الاغتسال بعد انقطاعه، ومنعت بسببه الحائض من الصلاة والصوم والطواف ومس المصحف.
(فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) أي: فاجتنبوا جماع النساء الحائضات في مكان الحيض وهو الفرج، وقت الحيض.
• قال الشوكاني: والمراد من هذا الاعتزال: ترك المجامعة لا ترك المجالسة، أو الملامسة، فإن ذلك جائز، بل يجوز الاستمتاع منها بما عدا الفرج.
عَنْ أَنَسٍ (أَنَّ الْيَهُودَ كَانُوا إِذَا حَاضَتِ الْمَرْأَةُ فِيهِمْ لَمْ يُؤَاكِلُوهَا وَلَمْ يُجَامِعُوهُنَّ فِي الْبُيُوتِ فَسَأَلَ أَصْحَابُ النَّبيِّ ﷺ النَّبيَّ ﷺ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْمَحِيضِ قُلْ هُوَ أَذًى فَاعْتَزِلُوا النِّسَاءَ فِي الْمَحِيضِ) إِلَى آخِرِ الآيَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (اصْنَعُوا كُلَّ شَيْءٍ إِلاَّ النِّكَاحَ) رواه مسلم (النكاح: الجماع).
وفي هذا إبطال لما عليه اليهود في معاملة الحائض، حيث إنهم لا يؤاكلونها ولا يجتمعون معها في البيوت، فلا يحرم من الحائض إلا جماعها في الفرج.
عن عائشة. قالت (كان رسول الله ﷺ يتكئ في حجري، وأنا حائض فيقرأ القرآن) متفق عليه.
(وَلا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ) أي: حتى يطهرن من الدم، وفي قراءة (حتى يَطّهّرنَ) أي: حتى يغتسلن، أي: لا تجامعونهن حتى ينقطع الدم عنهن ويغتسلن.
وبسبب اختلاف القراء اختلف أهل العلم، فذهب الجمهور إلى أن الحائض لا يحل وطؤها لزوجها حتى تتطهر بالماء، وذهب بعض العلماء إلى أنه يجوز بمجرد انقطاع الدم.
• قال الشوكاني: … والأولى أن يقال: إن الله سبحانه جعل للحلّ غايتين كما تقتضيه القراءتان: إحداهما: انقطاع الدم، والأخرى: التطهر منه، والغاية الأخرى مشتملة على زيادة على الغاية الأولى، فيجب المصير إليها. وقد دلّ أن الغاية الأخرى هي المعتبرة. قوله تعالى بعد ذلك (فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) فإن ذلك يفيد أن المعتبر التطهر، لا مجرد انقطاع الدم، وقد تقرر أن القراءتين بمنزلة الآيتين، فكما أنه يجب الجمع بين الآيتين المشتملة إحداهما على زيادة بالعمل بتلك الزيادة، كذلك يجب الجمع بين القراءتين.
стр. 676
(فَإِذَا تَطَهَّرْنَ) أي: اغتسلن بالماء.
(فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) أي: فجامعوهن في المكان الذي أمركم الله بإتيانهن فيه وأحله لكم وهو الفرج كما قال تعالى (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ)، وقيل: طاهرات غير حيّض.
• قال ابن عاشور: وقوله (فأتوهن) الأمر هنا للإباحة لا محالة لوقوعه عقب النهي مثل (وإذا حللتم فاصطادوا).
(إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ) تعليل لما سبق من الأمر باعتزال النساء في المحيض وعدم جماعهن حتى يطهرن.
والتوابين جمع تواب على وزن (فعال) صيغة مبالغة تفيد الكثرة.
والتوبة هي الإنابة والرجوع إلى الله، من معصيته إلى طاعته.
• وفي الآية فضل عظيم للتوبة.
عن أبي هريرةَ ﵁ قَالَ: سمعْتُ رسولَ الله ﷺ ، يقول (والله إنِّي لأَسْتَغْفِرُ الله وأَتُوبُ إِلَيْه في اليَوْمِ أَكْثَرَ مِنْ سَبْعِينَ مَرَّة). رواه البخاري
وعن الأَغَرِّ بنِ يسار المزنِيِّ ﵁ قَالَ: قَالَ رَسُول الله ﷺ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ، تُوبُوا إِلى اللهِ واسْتَغْفِرُوهُ، فإنِّي أتُوبُ في اليَومِ مئةَ مَرَّة). رواه مسلم
وعن أبي حمزةَ أنسِ بنِ مالكٍ الأنصاريِّ ﵁ خادِمِ رسولِ الله ﷺ قَالَ: قَالَ رَسُولُ الله ﷺ : ((للهُ أفْرَحُ بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ مِنْ أَحَدِكُمْ سَقَطَ عَلَى بَعِيرهِ وقد أضلَّهُ في أرضٍ فَلاة) مُتَّفَقٌ عليه.
وعن أبي موسَى عبدِ اللهِ بنِ قَيسٍ الأشْعريِّ ﵁، عن النَّبيّ ﷺ ، قَال (إنَّ الله تَعَالَى يَبْسُطُ يَدَهُ بالليلِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ النَّهَارِ، ويَبْسُطُ يَدَهُ بالنَّهَارِ لِيَتُوبَ مُسِيءُ اللَّيلِ، حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِها) رواه مسلم.
стр. 677
• فضائل التوبة:
أولاً: أن التوبة سبب الفلاح، والفوز بسعادة الدارين.
قال تعالى (وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعاً أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
قال شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀: فالقلب لا يصلح، ولا يفلح، ولا يتلذذ، ولا يسر، ولا يطيب، ولا يسكن، ولا يطمئن إلا بعبادة ربه وحبه، والإنابة إليه.
ثانياً: بالتوبة تكفر السيئات: فإذا تاب العبد توبة نصوحاً كفَّر الله بها جميع ذنوبه وخطاياه.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُكَفِّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ).
ثالثاً: بالتوبة تبدل السيئات حسنات: فإذا حسنت التوبة بدَّل الله سيئات صاحبها حسنات.
قال تعالى (إِلاَّ مَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ عَمَلاً صَالِحاً فَأُوْلَئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئَاتِهِمْ حَسَنَاتٍ وَكَانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً).
وهذا من أعظم البشارة للتائبين إذا اقترن بتوبتهم إيمان وعمل صالح.
رابعاً: التوبة سبب للمتاع الحسن، ونزول الأمطار، وزيادة القوة، والإمداد بالأموال والبنين.
قال تعالى (وَأَنْ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُمَتِّعْكُمْ مَتَاعاً حَسَناً إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى وَيُؤْتِ كُلَّ ذِي فَضْلٍ فَضْلَه).
وقال تعالى على لسان هود ﵇ (وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ وَلا تَتَوَلَّوْا مُجْرِمِينَ).
وقال على لسان نوح ﵇ (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً. يُرْسِلْ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً. وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً).
خامساً: أن الله يحب التوبة والتوابين، فعبودية التوبة من أحب العبوديات إلى الله وأكرمها؛ كما أن للتائبين عنده محبة خاصة.
стр. 678
قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ التَّوَّابِينَ وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ).
سادساً: أن الله يفرح بتوبة التائبين.
كما في حديث أنس السابق (لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم .... ).
(وَيُحِبُّ الْمُتَطَهِّرِينَ) أي: ويحب المتطهرين من الأذى والنجاسات الحسية.
فجمعوا بين طهارة الباطن بالتطهر من النجاسات المعنوية ومن الشرك والمعاصي، وبين طهارة الظاهر بالتطهر من النجاسات الحسية باعتزال النساء في المحيض وفي أدبارهن.
(نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ) أي: زوجاتكم أيها المؤمنون (حرث لكم) أي: موضع حرث وزرع وبذر لكم تضعون فيه هذا الماء الدافق فيخرج الولد بإذن الله.
(فَأْتُوا حَرْثَكُمْ) أي: موضع حرثكم وهو الفرج.
(أَنَّى شِئْتُمْ) أي: من أي وجه شئتم مقبلة ومدبرة ما دمت تأتي الحرث، والحرث موطن الزرع وهو الفرج.
عن جَابر قال (كَانَتِ الْيَهُودُ تَقُولُ إِذَا أَتَى الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِى قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَنَزَلَتْ (نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ).
стр. 679
• قال الشنقيطي: (مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللَّهُ) لم يبين هنا هذا المكان المأمور بالإتيان منه المعبر عنه بلفظه " حيث " ولكنه بين أن المراد به الإتيان في القبل في آيتين.
إحداهما: هي قوله هنا (فَأْتُواْ حَرْثَكُمْ) لأن قوله (فَأْتُواْ) أمر بالإتيان بمعنى الجماع، وقوله (حَرْثَكُمْ) يبين أن الإتيان المأمور به إنما هو في محل الحرث، يعني بذر الولد بالنطفة، وذلك هو القبل دون الدبر كما لا يخفى؛ لأن الدبر ليس محل بذر للأولاد، كما هو ضروري.
الثانية: قوله تعالى (فالآن بَاشِرُوهُنَّ وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ) لأن المراد بما كتب الله لكم الولد، على قول الجمهور، وهو اختيار ابن جرير، وقد نقله عن ابن عباس، ومجاهد، والحكم، وعكرمة والحسن البصري، والسدي، والربيع، والضحاك بن مزاحم، ومعلوم أن ابتغاء الولد إنما هو بالجماع في القبل، فالقبل إذن هو المأمور بالمباشرة فيه، بمعنى الجماع، فيكون معنى الآية: فالآن باشروهن، ولتكن تلك المباشرة في محل ابتغاء الولد، الذي هو القبل دون غيره، بدليل قوله (وابتغوا مَا كَتَبَ الله لَكُمْ) يعني الولد.
• وفي الآية تحريم إتيان الزوجة في دبرها.
وقد جاءت أحاديث في ذلك يقوي بعضها بعضاً:
قال ﷺ (إن الله لا يستحي من الحق، لا تأتوا النساء في أدبارهن) رواه الدارمي، والطحاوي، والخطابي وسنده صحيح
وقال ﷺ (إن الله لا ينظر إلى رجلٍ يأتي امرأته في دبرها) رواه النسائي والترمذي وابن حبان وسنده حسن، وحسنه الترمذي، وصححه ابن راهويه.
وقال ﷺ (ملعون من يأتي النساء في محاشّهن. يعني: أدبارهن) رواه ابن عدي بسند حسن.
وقال ﷺ (من أتى حائضاً، أو امرأة في دبرها، أو كاهناً فصدقه بما يقول؛ فقد كفر بما أُنزل على محمد) رواه الترمذي.
(وَقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ) أي: من التقرب إلى الله بفعل الخيرات، ومن ذلك أن يباشر الرجل امرأته ويجامعها على وجه القربة والاحتساب، وعلى رجاء تحصيل الذرية الذين ينفع الله بهم.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) وذلك باجتناب نواهيه عموماً، وفي أمر النساء خصوصاً.
(وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ مُلاقُوهُ) أي: واعلموا أنكم ملاقوه يوم القيامة، فيحاسبكم على أعمالكم، ويجازيكم عليها.
كما قال تعالى (يَا أَيُّهَا الْإِنْسَانُ إِنَّكَ كَادِحٌ إِلَى رَبِّكَ كَدْحاً فَمُلاقِيهِ).
стр. 680
وقال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ).
(وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) أي: وبشر يا محمد المؤمنين بشارة مطلقة في الدنيا والآخرة بما يسرهم.
كما قال تعالى (لَهُمُ الْبُشْرَى فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ).
وقال تعالى (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ).
• قال السعدي: قوله تعالى (وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ) لم يذكر المبشر به ليدل على العموم، وأن لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وكل خير واندفاع كل ضير رتب على الإيمان فهو داخل في هذه البشارة، وفيها محبة الله للمؤمنين، ومحبة ما يسرهم، واستحباب تنشيطهم وتشويقهم بما أعد الله لهم من الجزاء الدنيوي والأخروي.
الفوائد:
١ - حرص الصحابة على العلم.
٢ - أن الحيض قذر وأذى.
٣ - تعليل الأحكام الشرعية.
٤ - تحريم جماع المرأة حال الحيض.
٥ - تحريم الوطء بعد الطهر قبل الغسل.
٦ - جواز وطء المرأة في فرجها من ورائها.
٧ - تحريم الوطء في الدبر.
٨ - إثبات المحبة لله تعالى.
٩ - محبة الله للمتطهرين.
١٠ - فضل التوبة.
١١ - وجوب تقوى الله.
١٢ - تهديد الإنسان من المخالفة.
١٣ - البشارة للمؤمنين.
١٤ - فضيلة الإيمان حيث علق البشارة عليه.
стр. 681
(وَلَا تَجْعَلُواْ اللَّهَ عُرْضَةً لِّأَيْمَانِكُمْ أَن تَبَرُّواْ وَتَتَّقُواْ وَتُصْلِحُواْ بَيْنَ النَّاسِ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٤)). [البقرة: ٢٢٤].
(وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) يقول تعالى: لا تجعلوا أيمانكم بالله تعالى مانعة لكم من البر وصلة الرحم إذا حلفتم على تركها، كقوله تعالى (وَلا يَأْتَلِ أُولُو الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ أَنْ يُؤْتُوا أُولِي الْقُرْبَى وَالْمَسَاكِينَ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ)، فالاستمرار على اليمين آثَمُ لصاحبها من الخروج منها بالتكفير.
قال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى (وَلا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لأيْمَانِكُمْ) قال: لا تجعلن عرضة ليمينك ألا تصنع الخير، ولكن كفر عن يمينك واصنع الخير.
وهكذا قال مسروق، والشعبي، وإبراهيم النخعي، ومجاهد، وطاوس، وسعيد بن جبير، وعطاء، وعكرمة، ومكحول، والزهري، والحسن، وقتادة، ومقاتل بن حيان، والربيع بن أنس، والضحاك، وعطاء الخراساني، والسدي. ويؤيد ما قاله هؤلاء الجمهور ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ (إني والله -إن شاء الله -لا أحلف على يمين فأرى
غيرها خيرًا منها إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها).
وثبت فيهما أيضًا أن رسول الله ﷺ قال لعبد الرحمن بن سمرة (يا عبد الرحمن بن سمرة، لا تسأل الإمارة، فإنك إن أعطيتها من غير مسألة أعنت عليها، وإن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها، وإذا حلفت على يمين فرأيت خيرًا منها فأت الذي هو خير وكفر عن يمينك).
• قوله تعالى (أَنْ تَبَرُّوا) أي: أن تعملوا الخير (وَتَتَّقُوا) المراد بها هنا اجتناب النواهي لذكر البر قبلها وهو فعل الأمر (وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ) أي: التوفيق بين المتنازعين والمتخاصمين.
• والإصلاح بين الناس من أعمال البر، وخص بالذكر لفضله وعظيم أثره، لأنه من النفع المتعدي، ولأن فساد ذات البين من أعظم وأخطر ما يقع بين الناس، ولهذا قال تعالى (لا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ).
стр. 682
(وَاللَّهُ سَمِيعٌ) أي: لجميع الأصوات.
(عَلِيمٌ) بالمقاصد والنيات، ومنه سماعه لأقوال الحالفين، وعلمه بمقاصدهم هل هي خير أم شر.
الفوائد:
١ - نهي الإنسان أن يجعل اليمين مانعة له من فعل البر والتقوى والإصلاح.
٢ - الحث على البر والتقوى والإصلاح بين الناس.
٣ - فضيلة الإصلاح بين الناس، لأنه نص عليها بعد التعميم، والتنصيص على الشيء بعد التعميم يدل على العناية به والاهتمام به.
٤ - يستدل بهذه الآية على القاعدة المشهورة، أنه " إذا تزاحمت المصالح، قدم أهمها " فهنا تتميم اليمين مصلحة، وامتثال أوامر الله في هذه الأشياء، مصلحة أكبر من ذلك، فقدمت لذلك.
٥ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: السميع والعليم.
стр. 683
(لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِيَ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٢٥)). [البقرة: ٢٢٥].
(لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) أي: لا يعاقبكم الله بما صدر منكم من لغو الأيمان، أي: لا يلزمكم بها ولا بكفارتها.
ولغو اليمين: ما يجري على اللسان من غير قصد اليمين ولا توكيدها، كقول الرجل: لا والله، وبلى والله.
قالت عائشة في قوله تعالى (لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ) هي في قول الرجل: لا والله، وبلى والله) رواه البخاري.
(وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) أي: ولكن يؤاخذكم بما قصدتم إليه وعقدتم القلب عليه من الأيمان إذا حنثم، كما قال تعالى في المائدة (ولَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ).
كأن يحلف على شيء وهو يعلم أنه كاذب، وهي اليمين الغموس، وهذا متوعد عليه بالنار.
وكأن يحلف على شيء أن يفعله أو لا يفعله ثم يحنث في يمينه فعليه الكفارة.
• واليمين الغموس من الكبائر:
عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنِ النَّبيِّ ﷺ قَالَ (الْكَبَائِرُ الإِشْرَاكُ بِاللَّهِ، وَعُقُوقُ الْوَالِدَيْنِ، وَقَتْلُ النَّفْسِ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ). رواه البخاري
عَنْ أَبِى أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ). فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ شَيْئاً يَسِيراً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ «وَإِنْ قَضِيباً مِنْ أَرَاكٍ) رواه مسلم.
وعن ابْن مَسْعُودٍ قال سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ «مَنْ حَلَفَ عَلَى مَالِ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِغَيْرِ حَقِّهِ [وفي رواية هو فيها فاجر] لَقِىَ اللَّهَ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ» قَالَ عَبْدُ اللَّهِ ثُمَّ قَرَأَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ ﷺ مِصْدَاقَهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ (إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً) إِلَى آخِرِ الآيَةِ) متفق عليه.
وعَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ (ثَلَاثٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ: رَجُلٌ عَلَى فَضْلِ مَاءٍ بِالْفَلَاةِ يَمْنَعُهُ مِنِ ابْنِ السَّبِيلِ، وَرَجُلٌ بَايَعَ رَجُلاً بِسِلْعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ فَحَلَفَ لَهُ بِاللَّهِ لأَخَذَهَا بِكَذَا وَكَذَا فَصَدَّقَهُ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ، وَرَجُلٌ بَايَعَ إِمَاماً لَا يُبَايِعُهُ إِلاَّ لِدُنْيَا فَإِنْ أَعْطَاهُ مِنْهَا وَفَى وَإِنْ لَمْ يُعْطِهِ مِنْهَا لَمْ يَفِ) متفق عليه.
وهذا لا كفارة لها عند جماهير العلماء، قال ابن قدامة: وهو قول أكثر أهل العلم.
• وقال شيخ الإسلام ابن تيمية: وأما الأكثرون فقالوا: هذه أعظم من أن تكفر، وهذا قول مالك وأبي حنيفة وأحمد في المشهور عنه، قالوا: والكبائر لا كفارة فيها كما لا كفارة في السرقة والزنا وشرب الخمر.
стр. 684
• اليمن المنعقدة، وهي التي تجب فيها الكفارة:
كأن يحلف على شيء أن يفعله أو لا يفعله، ثم يحنث في يمينه، فعليه الكفارة (لا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمُ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
• تجب الكفارة بشروط:
الشرط الأول: الحنث.
وهو: أن يفعل ما حلف على تركه، أو يترك ما حلف على فعله مختاراً.
مثال: لو أن رجلاً قال: والله لأصومن غداً، فلما جاء الغد صام، فإنه لا كفارة عليه لأنه لم يحنث.
الشرط الثاني: أن يحلف مختاراً.
فإن كان مكرهاً فلا تنعقد يمينه وهذا مذهب الجمهور.
لقوله ﷺ (إن الله رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه) رواه ابن ماجه.
الشرط الثالث: القصد.
لأنه لا مؤاخذة إلا بقصد ونية، ولذلك أسقط الله ﵎ الكفارة في لغو اليمين.
الشرط الرابع: أن تكون على مستقبل.
فلا كفارة على أمر ماض، لأنه إن كان صادقاً فالأمر ظاهر [قد برت يمينه] وإن كان كاذباً فهو آثم [وهي اليمين الغموس كما سبق].
الشرط الخامس: العقل.
فإن كان مجنوناً فلا يعتد بيمينه، لأنه لا قصد له، ولحديث (رفع القلم عن ثلاثة: عن المجنون حتى يفيق).
الشرط السادس: البلوغ
الصبي لا يخلو من حالين:
أن كان غير مميز فلا عبرة بيمينه.
أن يكون مميزاً لكنه لم يبلغ، فالراجح لا تجب عليه الكفارة إذا حنث.
стр. 685
الشرط السابع: ذاكراً.
فلو حنث ناسياً فلا شيء عليه، كأن يقول: والله لا أسافر إلى مكة، ثم نسي فسافر إلى مكة، فإنه لا يحنث، لكن لا تنحل يمينه بل لا تزال باقية.
والكفارة: قال تعالى (فكفارتهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ).
• فالثلاثة الأولى على التخيير (إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة).
فإن لم يجد فإنه ينتقل لصيام ثلاثة أيام، فلا يجوز أن يصوم وهو قادر على الإطعام أو الكسوة أو العتق.
(وَاللَّهُ غَفُورٌ) أي: ذو مغفرة واسعة لذنوب عباده.
(حَلِيمٌ) لا يعاجل من عصاه بالعقوبة، بل يمهله لعله يتوب.
الفوائد:
١ - عدم مؤاخذة العبد بما لم يقصده في لفظه.
٢ - أن اليمين تنقسم إلى قسمين منعقدة وغير منعقدة.
٣ - أن المدار على ما في القلوب.
٤ - إثبات هذين الاسمين: الغفور والحليم.
стр. 686
(لِّلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِن نِّسَآئِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَآؤُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ (٢٢٦) وَإِنْ عَزَمُواْ الطَّلَاقَ فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٢٧)). [البقرة: ٢٢٦ - ٢٢٧].
(لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ) أي: يحلفون على ترك الجماع من نسائهم.
• الإيلاء: هو الحلف على ترك جماع زوجته أكثر من أربعة أشهر.
• فيه دلالة على أن الإيلاء يختص بالزوجات دون الإماء كما هو مذهب الجمهور.
(تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) أي: ينتظر الزوج أربعة أشهر من حين الحلف، ثم يوقف ويطالب بالفيئة أو الطلاق.
• اختلف العلماء إن حلف أربعة أشهر فأقل هل يسمى إيلاء أم لا؟
رجح بعض العلماء أنه يسمى إيلاء، لأن الله يقول (تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فأثبت الله الإيلاء لكن جعل المدة التي ينظرون فيها أربعة أشهر، فإذا حلف أن لا يطأ زوجته ثلاثة أشهر فهو إيلاء، فإذا انتهت المدة انحلت اليمين.
• واختلف العلماء متى تبدأ مدة الإيلاء، والصحيح أنها تبدأ من الإيلاء لا من المطالبة، لقوله تعالى (لِلَّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبُّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ) فجعل الله التربص مقروناً بالوصف وهو الإيلاء، ويثبت هذا الوصف من اليمين، لأنه من حين أن يحلف يصدق عليه بأنه مولٍ.
• قال القرطبي: وأما فائدة توقيت الأربعة الأشهر فيما ذكر ابن عباس عن أهل الجاهلية كما تقدّم، فمنع الله من ذلك وجعل للزوج مدّة أربعة أشهر في تأديب المرأة بالهجر؛ لقوله تعالى (واهجروهن فِي المضاجع) وقد آلى النبي ﷺ من أزواجه شهراً تأديباً لهنّ. وقد قيل: الأربعة الأشهر هي التي لا تستطيع ذات الزوج أن تصبر عنه أكثر منها؛ وقد روي أن عمر بن الخطاب ﵁ كان
يطوف ليلة بالمدينة فسمع امرأة تنشِد:
ألا طال هذا اللّيْلُ واسود جانبُه … وأرّقَنِي أن لا حَبِيبَ ألَاعِبُهْ
فواللّهِ لولا اللَّهُ لا شيءَ غيره … لزُعْزِعَ من هذا السّريرِ جوانِبُهْ
مخافةَ ربّي والحَيَاءُ يكفّني … وإكرامَ بَعْلِي أن تُنال مراكِبُهْ
стр. 687
فلما كان من الغد استدعى عمر بتلك المرأة وقال لها: أين زوجك؟ فقالت: بعثتَ به إلى العراق! فاستدعى نساء فسألهنّ عن المرأة كم مقدار ما تصبِر عن زوجها؟ فقلن: شهرين، ويَقلّ صبرها في ثلاثة أشهر، وينفَدُ صبرُها في أربعة أشهر، فجعل عمر مدّة غزوِ الرجل أربعة أشهر؛ فإذا مضت أربعةُ أشهر استرد الغازين ووجه بقوم آخرين؛ وهذا والله أعلم يقوِّي اختصاص مدّة الإيلاء بأربعة أشهر.
(فَإِنْ فَاءُوا) أي: رجعوا إلى ما كانوا عليه، وهو كناية عن الجماع، قاله ابن عباس، ومسروق والشعبي، وسعيد بن جبير، وغير واحد، ومنهم ابن جرير ﵀.
(فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) أي: لما سلف من التقصير في حقهن بسبب اليمين.
وفي ختم الآية بقوله (فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) ترغيب بالفيء والعود إلى جماع الزوجة والإحسان إليها، لأنه أحب إلى الله.
(رَحِيمٌ) حيث جعل لأيمانهم كفارة وتحلة، ولم يجعلها لازمة لهم، غير قابلة للانفكاك.
(وَإِنْ عَزَمُوا الطَّلاقَ) أي: قصدوا الطلاق، أي: طلاق زوجاتهم اللاتي مضى على إيلائهم منهن أربعة أشهر.
• وفي هذا دلالة على أنه لا يقع الطلاق بمجرد مضي أربعة أشهر على الإيلاء، وهذا مذهب جماهير العلماء، فإذا انقضت المدة يخيّر الحالف إما أن يفيء (يرجع) وإما أن يطلق، فإن أبى أن يطلق أمره الحاكم بالطلاق إذا طلبت المرأة، لأن الحق لها.
(فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) ذو سمع تام يسمع جميع الأصوات.
(عَلِيمٌ) ذو علم واسع يعلم كل شيء، كما قال تعالى (وَسِعَ كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً).
• وفي ختم الآية بذلك ما يشبه التخويف والتحذير، وذلك لعظم أمر الطلاق وبغضه عند الله، ولوجوب مراعاة أحكامه، والإشارة إلى أنه خلاف الأولى.
стр. 688
• قال السعدي: قوله تعالى (فَإِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ) فيه وعيد وتهديد، لمن يحلف هذا الحلف، ويقصد بذلك المضارة والمشاقة.
الفوائد:
١ - ثبوت حكم الإيلاء.
٢ - وجوب معاشرة الزوجة بالمعروف.
٣ - أن للزوجة حقاً في الجماع.
٤ - أن الإيلاء خاص بالزوجة لقوله (من نسائهم).
٥ - أن المولي يضرب له مدة أربعة أشهر من إيلائه.
٦ - أن رجوع الإنسان عما هو عليه من المعصية سبب للمغفرة.
٧ - أن الله لا يحب الطلاق.
٨ - إثبات هذه الأسماء لله تعالى: وهي الغفور، والرحيم، والسميع، والعليم.
стр. 689
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوَءٍ وَلَا يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ إِن كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُواْ إِصْلَاحًا وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكُيمٌ (٢٢٨)). [البقرة: ٢٢٨].
(وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) هذا الأمر من الله للمطلقات المدخول بهن من ذوات الأقراء بأن يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء، أي: بأن تمكث إحداهن بعد طلاق زوجها لها ثلاثة قروء، ثم تتزوج إن شاءت.
• قال ابن عاشور: وجملة (والمطلقات يتربصن) خبرية مراد بها الأمر.
• الطلاق حل قيد النكاح كله أو بعضه.
قوله تعالى (والمطلقات. . . ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) ظاهره يشمل عموم المطلقات، لكن هذا العموم مخصوص:
أولاً: الحامل فعدتها الوضع.
قال تعالى (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
ثانياً: المطلقة قبل الدخول فليس لها عدة.
قال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا).
ثالثاً: الأمَة تعتد بقرءين (أي حيضتين).
وهذا مذهب الأئمة الأربعة.
وأما اللواتي لا يحضن لكبر أو صغر فقد بيّن أن عدتهن ثلاثة أشهر في قوله (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ).
стр. 690
• الحكمة من العدة:
أولاً: تعظيم حق الزوج، وإتاحة الفرصة له لمراجعتها إذا كان الطلاق رجعياً.
ثانياً: التأكد من براءة الرحم وخلوه من الحمل.
ثالثاً: تعظيم أمر عقد النكاح.
كما قال تعالى (وَأَخَذْنَ مِنْكُمْ مِيثَاقاً غَلِيظاً).
وقال ﷺ (اتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهن بأمانة الله واستحللتم فرجهن بكلمة الله).
• قوله تعالى (ثَلاثَةَ قُرُوءٍ) اختلف العلماء في المراد بالقروء هنا على قولين:
القول الأول: هو الحيض.
وهو مروي عن الخلفاء الراشدين وأكابر الصحابة والصحيح عند الإمام أحمد وهو مذهب الحنفية.
وتفسير القروء بالحيض مستقر معلوم مستفيض وأدلتهم في ذلك.
أ-أن الأصل الاعتداد بالحيض، فإن لم يكن فبالأشهر قال تعالى (وَاللَّائِي يَئِسْنَ مِنَ الْمَحِيضِ مِنْ نِسَائِكُمْ إِنِ ارْتَبْتُمْ فَعِدَّتُهُنَّ ثَلاثَةُ أَشْهُرٍ وَاللَّائِي لَمْ يَحِضْنَ وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْراً).
والمبدل - الحيض - هو الذي يشترط عدمه لجواز إقامة البدل - الأشهر - مقامه، والمبدل هو الحيض فكان هو المراد من القرء.
ب-ظاهر النص في قوله تعالى (والْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ … ).
أن العدة ثلاثة، فمن جعل معنى القروء الطهر لم يوجب ثلاثة لأنه يحسب لها الطهر الذي طلقت فيه ولو بقي منه جزء يسير،
وهذا يخالف ظاهر النص، ومن جعل معناه الحيض فاشترط له ثلاثة كاملة وهذا الموافق للنص.
ج-قوله ﷺ (دعي الصلاة أيام أقرائك).
والصلاة لا تترك إلا في الحيض، لذلك استعمل لفظ القروء هنا بمعنى الحيض وهو أصل ما تنقضي به العدة، ولفظ القرء لم يستعمل في الشرع إلا للحيض، وحمله في الآية على ذلك متعين.
د-قوله ﷺ (طلاق الأمة تطليقتان وقرؤها حيضتان) وفيه تصريح بأن القرؤ هو الحيض، وقد أمرت عائشة ﵂ بريرة أن تعتد ثلاث حيض.
هـ-ما يدل على الاستبراء هو الحيض، والاستبراء من حكم العدة. والطهر بعد الطلاق لا يدل على براءة الرحم فلا يجوز إدخاله في العدة الدالة على البراءة.
стр. 691
القول الثاني: هو الطهر.
وذلك عند الشافعية والمالكية ورواية للحنابلة وهو مروي عن عدد من الصحابة ﵃.
أ-قوله تعالى (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَأَحْصُوا الْعِدَّةَ وَاتَّقُوا اللَّهَ رَبَّكُمْ … ).
أي لوقت عدتهن كقوله تعالى (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة) أي: في يوم القيامة، فدل على أنه وقت العدة.
ب-أمره ﷺ في حديث ابن عمر لعمر بن الخطاب ﵁ أن يراجع ابن عمر زوجته والحديث الوارد في ذلك عن ابن عمر ﵄ (أنه طلق امرأته وهي حائض في عهد رسول الله ﷺ فسأل عمر بن الخطاب رسول الله ﷺ فقال: مره فليراجعها. ثم ليتركها حتى تطهر ثم تحيض ثم تطهر ثم إن شاء أمسك بعد وإن شاء طلق قبل أن يمس فتلك العدة التي أمر الله أن يطلق لها النساء).
وهنا قد فسر النبي ﷺ القرء بالطهر بأن جعله زمان العدة والطلاق؛ لأن الطلاق المأمور به في الطهر فوجب أن يكون الطهر هو العدة دون الحيض.
وفي رواية أخرى (طلق ابن عمر امرأته وهي حائض، فسأل عمر النبي ﷺ قال: مره فليراجعها، قلت: تحتسب؟ قال: أرأيته إن عجز واستحمق؟).
وعن ابن عمر ﵄ قال (حسبت على تطليقة).
الراجح: القول الأول القائل بأن معنى القروء الحيض لا الطهر لذهاب أكابر الصحابة رضوان الله عليهم إليه ومنهم الخلفاء الراشدون، وقد رجحه وصوبه جمع من العلماء.
(وَلا يَحِلُّ لَهُنَّ أَنْ يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللَّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ) أي: حبَل أو حيض.
• قال الرازي: وذلك لأن المرأة لها أغراض كثيرة في كتمانهما، أما كتمان الحبل فإن غرضها فيه أن انقضاء عدتها بالقروء أقل زماناً من انقضاء عدتها بوضع الحمل، فإذا كتمت الحبل قصرت مدة عدتها فتزوج بسرعة، وربما كرهت مراجعة الزوج الأول، وربما أحبت التزوج بزوج آخر.
أو أحبت أن يلتحق ولدها بالزوج الثاني، فلهذه الأغراض تكتم الحبل، وأما كتمان الحيض فغرضها فيه أن المرأة إذا طلقها الزوج وهي من ذوات الأقراء فقد تحب تطويل عدتها لكي يراجعها الزوج الأول، وقد تحب تقصير عدتها لتبطيل رجعته ولا يتم لها ذلك إلا بكتمان بعض الحيض في بعض الأوقات.
стр. 692
• وقال السعدي: وأما كتمان الحيض، فإن استعجلت فأخبرت به وهي كاذبة، ففيه من انقطاع حق الزوج عنها وإباحتها لغيره، وما يتفرع عن ذلك من الشر، وإن كذبت وأخبرت بعدم وجود الحيض لتطول العدة، فتأخذ منه نفقة غير واجبة عليه،
بل هي سحت عليها محرمة من وجهين:
من كونها لا تستحقه، ومن كونها نسبته إلى حكم الشرع وهي كاذبة، وربما راجعها بعد انقضاء العدة، فيكون ذلك سفاحاً لكونها أجنبية عنه.
(إِنْ كُنَّ يُؤْمِنَّ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: إن كن يصدقن بالله واليوم الآخر، وفي هذا تخويف وتحذير لهن من الكتمان.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (إن كن يؤمن بالله واليوم الآخر) شرط أريد به التهديد دون التقييد.
والإيمان بالله: هو الإيمان بوجوده وربوبيته وألوهيته وأسمائه وصفاته وشرعه.
والإيمان باليوم الآخر: هو التصديق بالبعث والحساب والجزاء على الأعمال، وسمي يوم القيامة باليوم الآخر لأنه آخر الأيام.
• وكثيراً ما يقرن الله تعالى بين الإيمان به واليوم الآخر، لأن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحمل الناس على مراقبة الله، ولهذا قال عمر: لولا الإيمان باليوم الآخر لرأيت من الناس غير ما ترى.
• قال ابن كثير: ودل هذا على أن المرجع في هذا إليهن، لأنه لا يعلم إلا من جهتهن، وتتعذر إقامة البينة غالباً على ذلك، فرد الأمر إليهن، وتوعدن فيه، لئلا تخبر بغير الحق، إما استعجالاً منها لانقضاء العدة، أو رغبة منها في تطويلها، لما لها في ذلك من المقاصد، فأمرت أن تخبر بالحق في ذلك، من غير زيادة ولا نقصان.
وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: وأزواجهن أحق وأولى برجعتهن منهن ومن أوليائهن وغيرهم، فكما أن الطلاق بأيدي الأزواج، فكذلك الرجعة بأيديهم.
• قال ابن كثير: أي وزوجها الذي طلقها أحق بردتها ما دامت في عدتها.
• قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ) جمع بعل، وهو الزوج كما قال تعالى (قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخاً) أي: زوجي.
• قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ) يقتضي أنهن أزواج بعد الطلاق الرجعي.
• قوله تعالى (فِي ذَلِكَ) الإشارة إلى التربص المفهوم من قوله تعالى (يتربصن).
والمعنى: وأزواجهن أحق بإرجاعهن إذا رغبوا في ذلك مادمن في العدة.
стр. 693
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ إِنْ أرادوا إِصْلَاحاً).
ظاهر هذه الآية الكريمة أن أزواج كل المطلقات أحق بردهن، لا فرق في ذلك بين رجعية وغيرها.
ولكنه أشار في موضع آخر إلى أن البائن لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا).
وذلك لأن الطلاق قبل الدخول بائن.
كما أنه أشار هنا إلى أنها إذا بانت بانقضاء العدة لا رجعة له عليها، وذلك في قوله تعالى (وَبُعُولَتُهُنَّ أَحَقُّ بِرَدِّهِنَّ فِي ذَلِكَ) لأن الإشارة بقوله (ذَلِكَ) راجعة إلى زمن العدة المعبر عنه في الآية بثلاثة قروء.
(إِنْ أَرَادُوا إِصْلاحاً) في هذا الإرجاع، ويفهم من هذا أنهم إن لم يريدوا الإصلاح، بل أرادوا المضارة وتطويل العدة عليهن ونحو ذلك، فليسوا أحق بردهن ولا تجوز لهم مراجعتهن.
• قال الشنقيطي: واشترط هنا في كون بعولة الرجعيات أحق بردهن إرادتهم الإصلاح بتلك الرجعة، في قوله (إِنْ أرادوا إِصْلَاحاً) ولم يتعرض لمفهوم هذا الشرط هنا، ولكنه صرح في مواضع أخر: أن زوج الرجعية إذا ارتجعها لا بنية الإصلاح بل بقصد الإضرار بها لتخالعه أو نحو ذلك، أن رجعتها حرام عليه، كما هو مدلول النهي في قوله تعالى (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً
لِّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تتخذوا آيَاتِ الله هُزُواً).
فالرجعة بقصد الإضرار حرام إجماعاً، كما دل عليه مفهوم الشرط المصرح به في قوله (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً).
(وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: ولهن على الرجال من الحق مثل ما للرجال عليهن، فليؤد كل واحد منهما إلى الآخر ما يجب عليه بالمعروف.
• قال ابن عاشور: وكان الاعتناء بذكر ما للنساء من الحقوق على الرجال، وتشبيهه بما للرجال على النساء؛ لأن حقوق الرجال على النساء مشهورة، مسلمة من أقدم عصور البشر، فأما حقوق النساء فلم تكن مما يلتفت إليه أو كانت متهاوناً بها، وموكولة إلى مقدار حظوة المرأة عند زوجها، حتى جاء الإسلام فأقامها.
стр. 694
• قال ابن القيم: فأخبر أن للمرأة من الحق مثل الذي عليها، فإذا كان الجماع حقاً للزوج عليها، فهو حق لها على الزوج، بنص القرآن، وأيضاً فإنه سبحانه أمر الأزواج أن يعاشروا الزوجات بالمعروف، ومن ضد المعروف أن يكون عنده شابة شهوتها تعدل شهوة الرجل أو تزيد عليها بأضعاف مضاعفة، ولا يذيقها لذة الوطء مرة واحدة.
كما ثبت في صحيح مسلم، عن جابر، أن رسول الله ﷺ قال في خطبته، في حجة الوداع (فاتقوا الله في النساء، فإنكم أخذتموهُنّ بأمانة الله، واستحللتم فروجهن بكلمة الله، ولكم عليهن ألا يُوطِئْنَ فُرُشَكم أحدًا تكرهونه، فإن فعلن ذلك فاضربوهن ضربًا غير مُبَرِّح، ولهن رزقهن وكسوتهن بالمعروف).
وفي حديث بهز بن حكيم، عن معاوية بن حَيْدَة القُشَيري، عن أبيه، عن جده، أنه قال: يا رسول الله، ما حق زوجة أحدنا؟ قال: "أن تطعمها إذا طعمْتَ، وتكسوها إذا اكتسيت، ولا تضرب الوجه، ولا تُقَبِّح، ولا تهجر إلا في البيت) رواه أبو داود وقال معنى (لا تقبح) أي: لا تقل قبحكِ الله.
وقال ﷺ (أكمل المؤمنين إيماناً أحسنهم خلقاً، وخياركم خياركم لنسائهم) رواه الترمذي.
كما أن للزوج حقوقاً على زوجته:
قال ﷺ (إذا باتت المرأة هاجرة فراش زوجها لعنتها الملائكة حتى تصبح).
وقال ﷺ (لو كنت آمراً أحداً أن يسجد لأحد لامرأة المرأة أن تسجد لزوجها) رواه الترمذي.
وقال ﷺ (لا يحل لامرأة أن تصوم وزوجها شاهد إلا بإذنه، ولا تأذن في بيته إلا بإذنه) متفق عليه.
وهذه الحقوق على الزوجين لكل منهما على الآخر تشمل جميع حقوق المعاشرة بالمعروف قولاً وفعلاً وبذلاً وخلقاً وغير
ذلك.
قال ابن عباس: إني أحب أن أتزين للمرأة كما أحب أن تتزين لي المرأة لأن الله يقول (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
• وقدم - في الذكر - حق النساء فقال (ولهن) - والله أعلم - تأكيداً لذلك، ولئلا يعتقد الرجال أن جعل القوامة فيهم يبرر لهم التساهل في حقوقهن عليهم، وقدم حقهن أيضاً، لأن المرأة أسيرة عند الرجل، فلا يجوز التهاون في حقها كما قال ﷺ (فاتقوا الله في النساء، فإنهن عوان عندكم).
(وَلِلرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ دَرَجَةٌ) أي: في الفضيلة في العقل والدين الخلُق والمنزلة وطاعة الأمر والإنفاق والقيام بالمصالح والفضل في الدنيا والآخرة.
стр. 695
• وذكر تعالى ذلك عقب قوله (وَلَهُنَّ مِثْلُ الَّذِي عَلَيْهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ) احترازاً من أن يظن مساواة النساء للرجال مطلقاً.
قال تعالى (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ).
قال ﷺ ( … وَمَا رَأَيْتُ مِنْ نَاقِصَاتِ عَقْلٍ وَدِينٍ أذهب لِذِى لُبٍّ مِنْكُنَّ». قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَالدِّينِ قَالَ
«أَمَّا نُقْصَانُ الْعَقْلِ فَشَهَادَةُ امْرَأَتَيْنِ تَعْدِلُ شَهَادَةَ رَجُلٍ فَهَذَا نُقْصَانُ الْعَقْلِ وَتَمْكُثُ اللَّيَالِيَ مَا تُصَلِّى وَتُفْطِرُ فِي رَمَضَانَ فَهَذَا نُقْصَانُ الدِّينِ).
ولهم فضل في خَلقهم وخلقهم، فهم أشد خَلقاً وأقوى أجساماً منهن، وهم أقدر منهن على الصبر والتحمل.
قال تعالى (أَوَمَنْ يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ وَهُوَ فِي الْخِصَامِ غَيْرُ مُبِينٍ).
وأيضاً لهم فضل في كون النبوة فيهم والقضاء والإمامة الصغرى والكبرى، ولهذا قال ﷺ (لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة). رواه البخاري
وقال القرطبي: ولا يخفى على لبيب فضل الرجال على النساء؛ ولو لم يكن إلا أن المرأة خلقت من الرجل فهو أصلها، وله أن يمنعها من التصرف إلا بإذنه؛ فلا تصوم إلا بإذنه ولا تحج إلا معه.
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ) له العزة التامة بأنواعها الثلاثة: عزة القوة، وعزة القهر، وعزة الغلبة.
(حَكِيمٌ) له الحكمة البالغة الكاملة، فهو سبحانه حكيم في شرعه وخلقه وأمره، يضع الأمور مواضعها.
стр. 696
• وكثيراً ما يقرن الله بين هذين الوصفين، لأن باجتماعهما في حقه - تعالى - زيادة كماله إلى كمال، فعزته مقرونة بالحكمة، وحكمته مقرون بالعزة.
الفوائد:
١ - إباحة الطلاق.
٢ - وجوب العدة على المطلقة.
٣ - تحريم كتمان المطلقات ما خلق الله في أرحامهن من الحمل و الحيض.
٤ - وجوب الإيمان بالله واليوم الآخر.
٥ - أن الإيمان باليوم الآخر من أعظم ما يحمل على مراقبة الله.
٦ - أن للزوج الحق أن يرجع زوجته الرجعية ما دامت في زمن العدة.
٧ - يجب أن يكون قصد من يراجع مطلقته الإصلاح لا المضارة.
٨ - وجوب العناية بأداء حقوق الزوجات وعدم التهاون بها.
٩ - اهتمام الإسلام بحقوق النساء.
١٠ - فضل الرجال وزيادة حقهم على النساء من حيث العموم.
١١ - إثبات صفة العزة التامة لله تعالى.
١٢ - إثبات صفة الحكمة الكاملة البالغة لله تعالى.
[٨/ ١/ ١٤٣٢ هـ].
стр. 697
(الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئًا إِلاَّ أَن يَخَافَا أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلَا تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ (٢٢٩) فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا تَحِلُّ لَهُ مِن بَعْدُ حَتَّىَ تَنكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ فَإِن طَلَّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَن يَتَرَاجَعَا إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ يُبَيِّنُهَا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (٢٣٠)). [البقرة: ٢٢٩ - ٢٣٠].
(الطَّلاقُ مَرَّتَانِ) أي: الطلاق الذي تمكن فيه الرجعة ما دامت المطلقة في العدة (مَرَّتَانِ) أي: طلقتان، بأن يطلق مرة ثم يراجع، ثم يطلق مرة ثم يراجع، وهو طلاق السنة.
• وقد كانوا في الجاهلية، بل وفي أول الإسلام يطلق الرجل امرأته ما شاء، وهو أحق برجعتها ما دامت في العدة، ولو طلقها مائة طلقة، فأبطل الله ذلك، لما فيه من الضرر على الزوجات، وبيّن أن الطلاق الذي تمكن فيه الرجعة الطلقة والطلقتان فقط.
(فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ) أي: إذا طلقها واحدة أو اثنتين، فأنت مخير مادامت العدة باقية، بين أن تردها إليك ناوياً الإصلاح بها والإحسان إليها، وبين أن تتركها حتى تنقضي عدتها، فتَبين منك، وتطلق سراحها محسناً إليها، لا تظلمها من حقها شيئاً، ولا تضارّ بها.
إمساك بمعروف: بما عرف عند الله وعند الناس من حسن المعاشرة قولاً وفعلاً وبذلاً.
• قال الرازي: ومعنى الإمساك بالمعروف هو أن يراجعها لا على قصد المضارة، بل على قصد الإصلاح والإنفاع.
• وقدم الإمساك بمعروف لأنه أحب إلى الله، لما فيه من استمرار الحياة الزوجية، وذلك خير من الفراق.
• قال ابن عاشور: وقدم الإمساك على التسريح إيماء إلى أنه الأهم، المرغب فيه في نظر الشرع.
• (أو تسريح بإحسان) أي إطلاق لهن بإحسان، بتركهن حتى تنقضي عدتهن، وتخلية سبيلهن، وإعطائهن مالهن من حقوق، وتمتيعهن جبراً لخواطرهن، وتطييباً لقلوبهن، وتخفيفاً لمرارة الفراق عليهن كما قال تعالى (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ).
стр. 698
• قال الرازي: واعلم أن المراد من الإحسان، هو أنه إذا تركها أدى إليها حقوقها المالية، ولا يذكرها بعد المفارقة بسوء ولا ينفر الناس عنها.
(وَلا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمَّا آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً) هذا من التسريح بإحسان، بأن لا يأخذوا مما أعطوهن شيئاً.
أي: لا يحل لكم أيها الأزواج أن تأخذوا من الذي أعطيتموهن من المهور والنفقات والهدايا وسائر الأعطيات (شيئاً) مهما كان صغيراً أو كبيراً، قليلاً أو كثيراً.
كما قال تعالى (وَلا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ).
• لكن لو أعطت المرأة زوجها شيئاً مما دفعه إليها عن طيب نفس منها حل له أخذه لقوله تعالى (وَآتُوا النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً فَكُلُوهُ هَنِيئاً مَرِيئاً).
(إِلَّا أَنْ يَخَافَا أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: إلا أن يخافا الزوجان أن لا يقيما حدود الله فيما بينهما.
وقرئت بضم الياء (يُخافا) والمعنى: إلا أن يَخاف الحاكم أو القاضي أو أهل الزوجين أو من علم حالهما من المسلمين (أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ).
(فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) الخطاب لحكام المسلمين وقضاتهم وأهل الزوجين، ومن علم حالهما من المسلمين ممن يمكنه الإصلاح بينهما.
• قال الشوكاني: (فَإِنْ خِفْتُمْ ألاَّ يُقِيمَا حُدُودَ الله) أي: إذا خاف الأئمة، والحكام، أو المتوسطون بين الزوجين، وإن لم يكونوا أئمة، وحكاماً عدم إقامة حدود الله من الزوجين، وهي: ما أوجبه عليهما كما سلف.
(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: فلا حرج ولا إثم عليهما.
• فإن قيل: لماذا جاءت الآية بنفي الجناح عليهما؟ فالجواب: أن طلب الفداء والطلاق حرام على الزوجة بدون سبب، وحرام على الزوج أيضاً أن يأخذ شياً مما آتاها بدون سبب.
(فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) أي: في الذي افتدت به نفسها منه، برد بعض ما أعطاها إليه، أو كله أو أكثر منه، أي: فلا حرج عليها في طلب الطلاق والخلع وبذل الفداء في هذه الحالة.
стр. 699
• وأما من غير سبب فطلبها للطلاق حرام قال ﷺ (أيما امرأة سألت الطلاق من غير ما بأس فالجنة عليها حرام). رواه الترمذي
• هذه الآية فيها جواز الخلع.
تعريف الخلع: وهو فراق الزوج زوجته بعوض منها أو من غيرها.
قوله (بعوض) يخرج ما إذا كان الفراق بغير عوض، كالفسخ لوجود عيب أو غيره.
• والحكمة منه: تخليص الزوجة من الزوج على وجه لا رجعة له عليها إلا برضاها وعقد جديد، وسماه الله افتداء، لأن المرأة تفتدي نفسها من أسْر زوجها، كما يفتدي الأسير نفسه بما يبذله.
والأصل فيه قوله تعالى (وإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ).
وحديث ابْنِ عَبَّاسٍ (أَنَّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ أَتَتِ النَّبيَّ ﷺ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : أَتَرُدِّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ؟ قَالَتْ نَعَمْ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : اقْبَلِ الْحَدِيقَةَ وَطَلِّقْهَا تَطْلِيقَةً).
[أكره الكفر في الإسلام] هذه الجملة فيها قولان للعلماء: القول الأول: الأخذ بظاهرها، والمعنى أنها خشيت من شدة بغضها أن يحملها ذلك الكفر لأجل أن ينفسخ النكاح، القول الثاني: أن المراد بالكفر كفران العشير والتقصير فيما يجب له بسبب شدة البغض له، وهذا أصح، وأما الذي قبله فما أبعده احتمالاً، في صحابيّة فاضلة، تكلم النبي ﷺ بمثله ويسكت عنها، إن هذا لشيء بعيد، قال الطيبي: المعنى أخاف على نفسي في الإسلام ما ينافي حكمه، من نشوز وفرك وغيره، مما يقع من الشابة الجميلة المبغضة لزوجها إذا كان بالضد منها، فأطلقت على ما ينافي مقتضى الإسلام الكفر
فالحديث دليل على مشروعية الخلع إذا وجدت أسبابه ودواعيه.
وقد أجمع العلماء على مشروعيته إلا بكر المزني فانه قال: لا يحل للرجل أن يأخذ من امرأته في مقابل فراقها شيئاً.
стр. 700
• متى يشرع طلب الخلع؟
إذا كرهت المرأةُ خلُق زوجها أو خَلقَه، وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، فلا بأس أن تبذل له عوضاً ليفارقها.
الخُلُق بالضم هو الصورة الباطنة، فإذا كرهت الزوجة أخلاقه كأن أخلاقه سيئة، أو خَلْقَه والخلقة هي الصورة الظاهرة، فإذا كرهت الزوجة خلقَه بأن تكون صورته دميمة، فإنه في هذه الحالة يباح لها أن تخالع.
لحديث ابن عباس السابق، فإن امرأة ثابت بن قيس قالت (يَا رَسُولَ اللَّهِ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعْتُبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ، وَلَكِنِّى أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الإِسْلَامِ) وجاء في رواية (ولكني لا أطيقه).
(وخافت ألا تقيم حقوقه الواجبة بإقامتها معه، فلا بأس أن تبذل له عوضاً ليفارقها) أي: وإذا خافت المرأة ألا تقوم بالحقوق الواجبة عليها وهي (حدود الله) أي: شرائعه التي أوجبها الله عليها لزوجها، بسبب بغضها له فله فداء نفسها.
قال شيخ الإسلام ابن تيمية: الخلع الذي جاء به الكتاب والسنة أن تكون المرأة كارهة للزوج تريد فراقه، فتعطيه الصداق أو بعضه فداء نفسها، كما يفتدي الأسير، وأما إذا كل منهما مريداً لصاحبه فهذا الخلع محرم في الإسلام.
• اختلف العلماء في حكم الخلع إذا كانت الحالة مستقيمة؟ وإذا قيل بالخلع هل يقع أم لا؟
القول الأول: أن الخلع مكروه أو محرم ولكنه يقع.
وهذا قول الأكثر.
استدلوا على كراهته أو تحريمه:
مفهوم قوله تعالى (فان خفتم ألا يقيما حدود الله فلا جناح عليهما) فان نفي الجناح وهو الإثم يدل على أنه يقع الإثم إذا
كانت الحالة مستقيمة.
ولحديث ثوبان. قال: قال رسول الله ﷺ (أيما امرأة سالت زوجها الطلاق من غير ما بأس فحرام عليها رائحة الجنة). رواه الترمذي
أن الخلع في حال الاستقامة إضرار بالزوجين وإزالة لمصالح النكاح من غير حاجة وهدم لبيت الزوجية وتشتيت الأسرة.
القول الثاني: أن الخلع في حال استقامة الحال محرم ولا يقع.
هذا القول اختاره بعض الحنابلة ورجحه الشيخ ابن عثيمين ﵀.
لقوله تعالى (فإن خفتم .. ).
ولحديث ثوبان السابق.
والله أعلم.
стр. 701
• ويحرم بالنسبة للرجل إذا عضلها ظلماً لتفتدي.
لقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
مثال: رجل عنده زوجة وملّ منها أو رغب عنها، فقال: لو طلقتها ذهب مالي، فبدأ يعضلها، وأصبح يقصر في حقوقها ويسيء في عشرتها، حتى تفتدي ويأخذ المال، فهذا حرام.
• ويصح في كل قليل وكثير.
لقوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.
واختلف العلماء في أخذ الزيادة على الصداق على أقوال:
القول الأول: يجوز للزوج أخذ الزيادة.
مثال: الصداق (١٠) آلاف، فخالعها على (٢٠) ألفاً، فعلى هذا القول يجوز.
وهذا قول الجمهور.
واستدلوا بالآية (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.
وعللوا: قالوا إن عوض الخلع كسائر الأعواض الأخرى بالمعاملات، فعلى أي شيء وقع الاتفاق جاز.
القول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها.
وهذا القول قال به عطاء والزهري، وعلى هذا القول يرد ما أخذ من غير زيادة.
واستدلوا برواية عند ابن ماجه (أن النبي ﷺ أمر ثابتاً أن يأخذ حديقته ولا يزداد).
القول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع.
وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا بنفس أدلة القول الأول، لكنهم يرون أن أخذ الزيادة ليس من المروءة.
стр. 702
ولهذا قال ميمون بن مهران: مَن أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان.
والراجح أن الزوجة إن بذلت له الزيادة ابتداءً جاز له أخذها، مع أن هذا ليس من مكارم الأخلاق، وأما إذا طلب هو الزيادة فإنه يمنع لأمرين:
الأمر الأول: أن الزيادة ليس لها حد، والنفوس مجبولة على حب الطمع.
الأمر الثاني: أن إباحة الزيادة قد تغري الأزواج بالعضل.
(تِلْكَ) الإشارة إلى ما سبق من الأحكام الشرعية في الطلاق والخلع وغيرهما.
(حُدُودُ اللَّهِ) أي: أحكامه وشرائعه، وسميت حدوداً لأنه يجب القيام بها ولا يجوز تجاوزها ولا تعديها.
• وحدود الله تنقسم إلى قسمين:
حدود أوامر وواجبات، فلا يجوز تعديها.
قال تعالى هنا (فَلا تَعْتَدُوهَا) وقال سبحانه (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).
والقسم الثاني: حدود نواهٍ ومحرمات، فهذه يجب تركها وعدم قربها.
قال تعالى (تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا)؟
(فَلا تَعْتَدُوهَا) أي: أقيموها ولا تتجاوزوها.
(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) أي: ومن يتجاوز أوامر الله ويرتكب نواهيه.
(فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الذين ظلموا أنفسهم وزوجاتهم، واقتحموا الحرام ولم يسعهم الحلال.
• والظلم وضع الشيء في غير موضعه.
وأظلم الظلم الشرك، قال تعالى حاكياً عن لقمان أنه قال لابنه (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
• وقال السعدي: قوله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله.
стр. 703
(فَإنْ طَلّقَهَا) أي: الطلقة الثالثة.
(فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) أي: فإن زوجته تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، أي: حتى يطأها زوج آخر بنكاح صحيح.
• في هذا أن المطلقة ثلاثاً لا تعود لزوجها الأول إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره.
لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه).
ولحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه.
[فبت طلاقي] البت بمعنى القطع، يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
[عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.
الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج.
لقوله ﷺ (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج.
ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق.
وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد.
• يكفي لحلها لمطلقها ثلاثاً، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر.
• لا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
فإن كان فاسداً كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها.
стр. 704
ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي
وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً.
• الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره:
أولاً: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه.
ثانياً: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثاً فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيراً من زوجها الأول فتسعد به.
(فَإِنْ طَلَّقَهَا) أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها.
(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) أي: المرأة والزوج الأول.
(إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: يتعاشرا بالمعروف. (بأن يقوم كل شخص بحق صاحبه).
• قال الشوكاني: قوله تعالى (إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله) أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو تردداً، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظنّ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرّمه على الزوجين.
• قال السعدي: ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحاً، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها.
وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصاً الولايات، الصغار، والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم.
стр. 705
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: شرائعه وأحكامه.
• قال ابن عاشور: هي أحكامه وشرائعه، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها.
(يُبَيِّنُهَا) أي: يوضحها.
(لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لأنهم هم المنتفعون بها، النافعون لغيرهم.
وفي هذا من فضيلة أهل العلم، ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده، خاصاً بهم، وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده؛ معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. (تفسير السعدي).
الفوائد:
١ - حكمة الله في حصر الطلاق بثلاث.
٢ - أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
٣ - جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض.
٤ - أن ذلك يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله.
٥ - أن طلب الخلع من غير سبب حرام.
٦ - تحريم المطلقة ثلاثاً على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
٧ - عناية الله بعباده في بيان ما يجب عليهم.
٨ - فضل أهل العلم.
следующие страницы →