Полный текст (1 874 стр.). Показаны 701–740 · переход к 706.
стр. 701
• ويحرم بالنسبة للرجل إذا عضلها ظلماً لتفتدي.
لقوله تعالى (ولا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ).
مثال: رجل عنده زوجة وملّ منها أو رغب عنها، فقال: لو طلقتها ذهب مالي، فبدأ يعضلها، وأصبح يقصر في حقوقها ويسيء في عشرتها، حتى تفتدي ويأخذ المال، فهذا حرام.
• ويصح في كل قليل وكثير.
لقوله تعالى (فَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.
واختلف العلماء في أخذ الزيادة على الصداق على أقوال:
القول الأول: يجوز للزوج أخذ الزيادة.
مثال: الصداق (١٠) آلاف، فخالعها على (٢٠) ألفاً، فعلى هذا القول يجوز.
وهذا قول الجمهور.
واستدلوا بالآية (فلا جناح عليهما فيما افتدت به) قالوا: إن (ما) من صيغ العموم، لأنها اسم موصول تصدق على القليل والكثير.
وعللوا: قالوا إن عوض الخلع كسائر الأعواض الأخرى بالمعاملات، فعلى أي شيء وقع الاتفاق جاز.
القول الثاني: أنه لا يجوز الخلع بأكثر مما أعطاها.
وهذا القول قال به عطاء والزهري، وعلى هذا القول يرد ما أخذ من غير زيادة.
واستدلوا برواية عند ابن ماجه (أن النبي ﷺ أمر ثابتاً أن يأخذ حديقته ولا يزداد).
القول الثالث: أن أخذ الزيادة مكروه ويصح الخلع.
وهذا مذهب الحنابلة.
واستدلوا بنفس أدلة القول الأول، لكنهم يرون أن أخذ الزيادة ليس من المروءة.
стр. 702
ولهذا قال ميمون بن مهران: مَن أخذ أكثر مما أعطى لم يسرّح بإحسان.
والراجح أن الزوجة إن بذلت له الزيادة ابتداءً جاز له أخذها، مع أن هذا ليس من مكارم الأخلاق، وأما إذا طلب هو الزيادة فإنه يمنع لأمرين:
الأمر الأول: أن الزيادة ليس لها حد، والنفوس مجبولة على حب الطمع.
الأمر الثاني: أن إباحة الزيادة قد تغري الأزواج بالعضل.
(تِلْكَ) الإشارة إلى ما سبق من الأحكام الشرعية في الطلاق والخلع وغيرهما.
(حُدُودُ اللَّهِ) أي: أحكامه وشرائعه، وسميت حدوداً لأنه يجب القيام بها ولا يجوز تجاوزها ولا تعديها.
• وحدود الله تنقسم إلى قسمين:
حدود أوامر وواجبات، فلا يجوز تعديها.
قال تعالى هنا (فَلا تَعْتَدُوهَا) وقال سبحانه (وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَاراً خَالِداً فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ).
والقسم الثاني: حدود نواهٍ ومحرمات، فهذه يجب تركها وعدم قربها.
قال تعالى (تلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلا تَقْرَبُوهَا)؟
(فَلا تَعْتَدُوهَا) أي: أقيموها ولا تتجاوزوها.
(وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ) أي: ومن يتجاوز أوامر الله ويرتكب نواهيه.
(فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الذين ظلموا أنفسهم وزوجاتهم، واقتحموا الحرام ولم يسعهم الحلال.
• والظلم وضع الشيء في غير موضعه.
وأظلم الظلم الشرك، قال تعالى حاكياً عن لقمان أنه قال لابنه (يَا بُنَيَّ لا تُشْرِكْ بِاللَّهِ إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ).
• وقال السعدي: قوله تعالى (وَمَنْ يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) وأي ظلم أعظم ممن اقتحم الحلال، وتعدى منه إلى الحرام، فلم يسعه ما أحل الله.
стр. 703
(فَإنْ طَلّقَهَا) أي: الطلقة الثالثة.
(فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ) أي: فإن زوجته تحرم عليه حتى تنكح زوجاً غيره، أي: حتى يطأها زوج آخر بنكاح صحيح.
• في هذا أن المطلقة ثلاثاً لا تعود لزوجها الأول إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تنكح زوجاً غيره.
لقوله تعالى (فَإِنْ طَلَّقَهَا [يعني الثالثة] فَلا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَه).
ولحديث عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ (جَاءَتِ امْرَأَةُ رِفَاعَةَ إِلَى النَّبيِّ ﷺ فَقَالَتْ كُنْتُ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَنِي فَبَتَّ طَلَاقِي فَتَزَوَّجْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الزَّبِيرِ وَإِنَّ مَا مَعَهُ مِثْلُ هُدْبَةِ الثَّوْبِ، فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ فَقَالَ «أَتُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إِلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَكِ». قَالَتْ وَأَبُو بَكْرٍ عِنْدَهُ وَخَالِدٌ بِالْبَابِ يَنْتَظِرُ أَنْ يُؤْذَنَ لَهُ فَنَادَى: يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَسْمَعُ هَذِهِ مَا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ متفق عليه.
[فبت طلاقي] البت بمعنى القطع، يحتمل أنه قال لها: أنت طالق البتة، ويحتمل أنه طلقها الطلقة الأخيرة، وهذا الراجح، فقد جاء عند البخاري: (طلقني آخر ثلاث تطليقات) فيكون طلقها ثم راجعها ثم طلقها ثم راجعها ثم طلقها.
[عبد الرحمن بن الزَّبير] الزَبِير: بفتح الزاي، بعدها باء مكسورة. [مثل هدبة الثوب] هدبة بضم الهاء وسكون الدال هو طرف الثوب، وأرادت أن ذكره يشبه الهدبة في الاسترخاء وعدم الانتشار. [عسيلته] العسيلة حلاوة الجماع الذي يحصل بتغييب الحشفة في الفرج، قال الجمهور: ذوق العسيلة كناية عن المجامعة، وهو تغييب حشفة الرجل في فرج المرأة.
الشرط الثاني: أن يجامعها في الفرج.
لقوله ﷺ (حتى يذوق عسيلتك وتذوقي عسيلته) فعلق النبي ﷺ الحل على ذواق العسيلة منها، ولا يحصل هذا إلا بالوطء في الفرج.
ولقوله (حتى تنكح زوجاً غيره) فالمراد بالنكاح هنا الوطء لدلالة حديث عائشة السابق.
وهذا مذهب جمهور العلماء أنه لا بد من الجماع، قال ابن المنذر: أجمع العلماء على اشتراط الجماع لتحل للأول، إلا سعيد بن المسيب. يعني أنه قال: يكفي العقد.
• يكفي لحلها لمطلقها ثلاثاً، تغييب حشفة الرجل في الفرج، ولا بد من انتشار الذكر.
• لا يشترط الإنزال، وهذا مذهب الجمهور خلافاً للحسن البصري.
الشرط الثالث: أن يكون النكاح صحيحاً.
فإن كان فاسداً كنكاح التحليل أو الشغار، فإنه لا يحلها وطئها.
стр. 704
ونكاح التحليل هو: أن يعمد الرجل إلى المرأة المطلقة ثلاثاً فيتزوجها ليحلها لزوجها الأول.
وهو حرام ولا تحل به المرأة لزوجها الأول.
لحديث ابن مسعود قال: (لعن رسول الله المحلل والمحلل له). رواه أحمد والترمذي
وسماه النبي ﷺ تيساً مستعاراً.
فمتى نوى الزوج الثاني أنه متى حللها طلقها، فإنه لا تحل للأول، والنكاح باطل.
فالملعون على لسان الرسول ﷺ هو:
المحلل: هو الزوج الثاني إذا قصد التحليل ونواه، وكان عالماً.
والمحلل له: هو الزوج الأول، فيلحقه اللعن إذا كان عالماً.
• الحكمة من كون الزوج الأول لا يحل له نكاح مطلقته ثلاثاً حتى تنكح زوجاً غيره:
أولاً: تعظيم أمر الطلاق، حتى لا يكثر وقوعه، فإنه إذا علم أنه لا ترجع إليه بعد الثلاث حتى يتزوجها غيره، لم يستعجل بإيقاعه.
ثانياً: الرفق بالمرأة، فإن المرأة إذا طلقت ثلاثاً فإنها تتزوج غيره، وقد يكون خيراً من زوجها الأول فتسعد به.
(فَإِنْ طَلَّقَهَا) أي: الزوج الثاني بعد الدخول بها.
(فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا) أي: المرأة والزوج الأول.
(إِنْ ظَنَّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ) أي: يتعاشرا بالمعروف. (بأن يقوم كل شخص بحق صاحبه).
• قال الشوكاني: قوله تعالى (إِن ظَنَّا أَن يُقِيمَا حُدُودَ الله) أي: حقوق الزوجية الواجبة لكل منهما على الآخر، وأما إذا لم يحصل ظن ذلك بأن يعلما، أو أحدهما عدم الإقامة لحدود الله، أو تردداً، أو أحدهما، ولم يحصل لهما الظنّ، فلا يجوز الدخول في هذا النكاح؛ لأنه مظنة للمعصية لله، والوقوع فيما حرّمه على الزوجين.
• قال السعدي: ومفهوم الآية الكريمة، أنهما إن لم يظنا أن يقيما حدود الله، بأن غلب على ظنهما أن الحال السابقة باقية، والعشرة السيئة غير زائلة أن عليهما في ذلك جناحاً، لأن جميع الأمور، إن لم يقم فيها أمر الله، ويسلك بها طاعته، لم يحل الإقدام عليها.
وفي هذا دلالة على أنه ينبغي للإنسان، إذا أراد أن يدخل في أمر من الأمور، خصوصاً الولايات، الصغار، والكبار، نظر في نفسه، فإن رأى من نفسه قوة على ذلك، ووثق بها، أقدم، وإلا أحجم.
стр. 705
(وَتِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ) أي: شرائعه وأحكامه.
• قال ابن عاشور: هي أحكامه وشرائعه، شبهت بالحدود لأن المكلف لا يتجاوزها فكأنه يقف عندها.
(يُبَيِّنُهَا) أي: يوضحها.
(لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) لأنهم هم المنتفعون بها، النافعون لغيرهم.
وفي هذا من فضيلة أهل العلم، ما لا يخفى، لأن الله تعالى جعل تبيينه لحدوده، خاصاً بهم، وأنهم المقصودون بذلك، وفيه أن الله تعالى يحب من عباده؛ معرفة حدود ما أنزل على رسوله والتفقه بها. (تفسير السعدي).
الفوائد:
١ - حكمة الله في حصر الطلاق بثلاث.
٢ - أن الواجب على المرء الذي طلق زوجته أحد أمرين: إما إمساك بمعروف أو تسريح بإحسان.
٣ - جواز افتداء المرأة نفسها من زوجها بعوض.
٤ - أن ذلك يكون إذا خافا ألا يقيما حدود الله.
٥ - أن طلب الخلع من غير سبب حرام.
٦ - تحريم المطلقة ثلاثاً على زوجها حتى تنكح زوجاً غيره.
٧ - عناية الله بعباده في بيان ما يجب عليهم.
٨ - فضل أهل العلم.
стр. 706
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النَّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَارًا لَّتَعْتَدُواْ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ وَلَا تَتَّخِذُوَاْ آيَاتِ اللَّهِ هُزُوًا وَاذْكُرُواْ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٢٣١)). [البقرة: ٢٣١].
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَأَمْسِكُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ سَرِّحُوهُنَّ بِمَعْرُوفٍ) هذا أمر من الله للرجال إذا طلق أحدهم المرأة طلاقاً له عليها فيه رجعة، أن يحسن في أمرها إذا انقضت عدتها، ولم يبق منها إلا مقدار ما يمكنه فيه رجعتها، فإما أن يمسكها، أي: يرتجعها إلى عصمة نكاحه بمعروف، وهو أن يشهد على رجعتها، وينوي عشرتها بالمعروف، أو يسرحها، أي: يتركها حتى تنقضي عدتها، ويخرجها من منزله بالتي هي أحسن، من غير شقاق ولا مخاصمة ولا تقابح.
والمعنى: إما أن تراجعوهن ونيتكم القيام بحقوقهن وهذا أولى، ولهذا قدّم، وإما أن تتركوهن وتخلوا سبيلهن بلا مضارة.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) بلوغ الأجل: الوصول إليه، والمراد به هنا مشارفة الوصول إليه بإجماع العلماء؛ لأن الأجل إذا انقضى زال التخيير بين الإمساك والتسريح، وقد يطلق البلوغ على مشارفة الوصول ومقاربته، توسعاً
أي مجازاً بالأوْل.
• وقال أبو حيان: ولا يحمل: بلغن أجلهنّ على الحقيقة، لأن الإمساك إذ ذاك ليس له، لأنها ليست بزوجة، إذ قد تقضت عدتها فلا سبيل له عليها.
• وقال ابن العربي (بَلَغْنَ) مَعْنَاهُ قَارَبْنَ الْبُلُوغَ؛ لِأَنَّ مَنْ بَلَغَ أَجَلَهُ بَانَتْ مِنْهُ امْرَأَتُهُ وَانْقَطَعَتْ رَجْعَتُهُ؛ فَلِهَذِهِ الضَّرُورَةِ جُعِلَ لَفْظُ بَلَغَ بِمَعْنَى قَارَبَ، كَمَا يُقَالُ: إذَا بَلَغْت مَكَّةَ فَاغْتَسِلْ.
• قال ابن الجوزي: والمعروف في الإمساك: القيام بما يجب لها من حق. والمعروف في التسريح: أن لا يقصد إضرارها، بأن يطيل عدتها بالمراجعة.
(وَلا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِتَعْتَدُوا) قال ابن عباس، ومجاهد، ومسروق، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع، ومقاتل بن حيان وغير واحد: كان الرجل يطلق المرأة، فإذا قاربت انقضاء العدة راجعها ضرارًا، لئلا تذهب إلى غيره، ثم يطلقها فتعتد، فإذا شارفت على انقضاء العدة طلق لتطول عليها العدة، فنهاهم الله عن ذلك، وتوعدهم عليه.
стр. 707
• قال الشنقيطي: قوله تعالى (وَلَا تُمْسِكُوهُنَّ ضِرَاراً لِّتَعْتَدُواْ) صرح تعالى في هذه الآية الكريمة بالنهي عن إمساك المرأة مضارة لها لأجل الاعتداء عليها بأخذه ما أعطاها، لأنها إذا طال عليها الإضرار افتدت منه ابتغاء السلامة من ضرره، وصرح في موضع آخر بأنها إذا أتت بفاحشة مبينة جاز له عضلها، حتى تفتدى منه وذلك في قوله تعالى (وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَآ آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ) واختلف العلماء في المراد بالفاحشة المبينة.
فقال جماعة منهم هي: الزنا، وقال قوم هي: النشوز والعصيان وبذاء اللسان، والظاهر شمول الآية للكل كما اختاره ابن جرير.
• وقال ابن كثير: إنه جيد، فإذا زنت أو أساءت بلسانها، أو نشزت جازت مضاجرتها. لتفتدي منه بما أعطاها على ما ذكرنا من عموم الآية.
(وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ) بمخالفته أمر الله تعالى.
• قال ابن عاشور: جعل ظلمهم نساءهم ظلماً لأنفسهم، لأنه يؤدي إلى اختلال المعاشرة واضطراب حال البيت وفوات المصالح بشغب الأذهان في المخاصمات، وظلم نفسه أيضاً بتعريضها لعقاب الله في الآخرة.
• وقال الشيخ ابن عثيمين: وأضاف الظلم إلى نفسه - وإن كان ظلماً واقعاً على غيره - لأنه جلب على نفسه الإثم والعقوبة.
(وَلا تَتَّخِذُوا آيَاتِ اللَّهِ هُزُواً) أي: لا تجعلوها موضع استهزاء.
• قال ابن عاشور: عطف هذا النهي على النهي في قوله (ولا تمسكوهن ضراراً لتعتدوا) لزيادة التحذير من صنيعهم في تطويل العدة، لقصد المضارة، بأن في ذلك استهزاء بأحكام الله التي شرع فيها حق المراجعة، مريداً رحمة الناس، فيجب الحذر من أن يجعلوها هزواً.
وآيات الله هي ما في القرآن من شرائع المراجعة نحو قوله (والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء) إلى قوله (وتلك حدود الله يبينها لقوم يعلمون).
• وقال ﵀: ولما كان المخاطب بهذا المؤمنين، وقد علم أنهم لم يكونوا بالذين يستهزئون بالآيات، تعين أن الهزء مراد به مجازه وهو الاستخفاف وعدم الرعاية، لأن المستخف بالشيء المهم يعد لاستخفافه به، مع العلم بأهميته، كالساخر واللاعب، وهو تحذير للناس من التوصل بأحكام الشريعة إلى ما يخالف مراد الله، ومقاصد شرعه، ومن هذا التوصل المنهي عنه، ما يسمى بالحيل الشرعية.
стр. 708
(وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ) عموما باللسان ثناء وحمداً، وبالقلب اعترافاً وإقراراً، وبالأركان بصرفها في طاعة الله.
أي: اذكروا باللسان وبالقلب والجوارح، نعمة الله عليكم حتى تقوموا بشكرها، فإن الغفلة عن ذكر النعم سبب لعدم الشكر.
• قوله (نعمة الله) مفرد مضاف، والمفرد المضاف يدل على العموم. وهذا يتناول كل نعم الله على العبد في الدنيا وفي الدين، ثم إنه تعالى ذكر بعد هذا نعم الدين، وإنما خصها بالذكر لأنها أجل من نعم الدنيا، فقال:
(وَمَا أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنَ الْكِتَابِ) أي: القرآن.
(وَالْحِكْمَةِ) أي: السنة.
(يَعِظُكُمْ بِهِ) أي: يخوفكم به ترغيباً وترهيباً.
قال تعالى (هَذَا بَيَانٌ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَمَوْعِظَةٌ لِلْمُتَّقِينَ).
وقال تعالى (وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ).
• قال ابن عاشور: والموعظة والوعظ: النصح والتذكير بما يلين القلوب، ويحذر الموعوظ.
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) بفعل أوامره واجتناب نواهيه.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) أي: فلا يخفى عليه شيء من أموركم السرية والجهرية، وسيجازيكم على ذلك.
الفوائد:
١ - جواز الطلاق.
٢ - وجوب العدة على المطلقات، وأن لها أجلاً.
٣ - يجب على الرجل إذا طلق زوجته طلاقاً رجعياً، وقاربت انتهاء عدتها، إما مراجعتها ومعاشرتها بالمعروف، أو تخلية سبيلها بمعروف من غير تضييق عليها أو مضارة.
٤ - وجوب التعامل بين الزوجين بالمعروف.
٥ - تحريم المضارة.
٦ - أن من عمد إلى مراجعة مطلقته لأجل المضارة لها والاعتداء عليها وظلمها، فهو في الحقيقة إنما يظلم نفسه.
٧ - عناية الإسلام بحقوق المرأة.
٨ - التحذير من جعل آيات الله وأحكامه هزواً.
٩ - وجوب ذكر نعم الله.
١٠ - أن أعظم النعم إنزال القرآن والسنة.
١١ - وجوب تقوى الله.
١٢ - إثبات عموم علم الله تعالى. [١٦/ ١/ ١٤٣٣ هـ].
стр. 709
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَن يَنكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْاْ بَيْنَهُم بِالْمَعْرُوفِ ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ مَن كَانَ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنتُمْ لَا تَعْلَمُونَ (٢٣٢)). [البقرة: ٢٣٢].
(وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ) الخطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة.
(فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: فانقضت عدتهن.
(فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) الخطاب للأولياء، أي: فلا تضيقوا عليهن وتمنعوهن أن ينكحن أزواجهن، ويرجعن إليهم بنكاح جديد، عقوبة لهم بسبب طلاقهم لهن.
• قال السعدي: الخطاب لأولياء المرأة المطلقة دون الثلاث إذا خرجت من العدة، وأراد زوجها أن ينكحها، ورضيت بذلك، فلا يجوز لوليها من أبٍ أو غيره، أن يعضلها، أي: يمنعها من التزويج به حنقاً عليه وغضباً، واشمئزازاً لما فعل من الطلاق الأول.
• فالأكثر على أن الخطاب في قوله (فَلا تَعْضُلُوهُنَّ) للأولياء.
عن ابن عباس قال: نزلت هذه الآية في الرجل يطلق امرأته طلقة أو طلقتين، فتنقضي عدتها، ثم يبدو له أن يتزوجها وأن يراجعها، وتريد المرأة ذلك، فيمنعها أولياؤها من ذلك، فنهى الله أن يمنعوها، وكذا روى العوفي، عنه، وكذا قال مسروق، وإبراهيم النخعي، والزهري والضحاك إنها أنزلت في ذلك، وهذا الذي قالوه ظاهر من الآية. (تفسير ابن كثير).
عَنِ الْحَسَنِ (أَنَّ أُخْتَ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا، فَتَرَكَهَا حَتَّى انْقَضَتْ عِدَّتُهَا، فَخَطَبَهَا فَأَبَى مَعْقِلٌ، فَنَزَلَتْ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ). رواه البخاري
وعنِ الْحَسَنِ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) قَالَ: حَدَّثَنِي مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ قَالَ (زَوَّجْتُ أُخْتاً لِي مِنْ رَجُلٍ فَطَلَّقَهَا، حَتَّى إِذَا انْقَضَتْ عِدَّتُهَا جَاءَ يَخْطُبُهَا، فَقُلْتُ لَهُ زَوَّجْتُكَ وَفَرَشْتُكَ وَأَكْرَمْتُكَ، فَطَلَّقْتَهَا، ثُمَّ جِئْتَ تَخْطُبُهَا، لَا وَاللَّهِ لَا تَعُودُ إِلَيْكَ أَبَداً، وَكَانَ رَجُلاً لَا بَأْسَ بِهِ وَكَانَتِ الْمَرْأَةُ تُرِيدُ أَنَّ تَرْجِعَ إِلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الآيَةَ (فَلَا تَعْضُلُوهُنَّ) فَقُلْتُ الآنَ أَفْعَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ. قَالَ فَزَوَّجَهَا إِيَّاهُ). رواه البخاري
وعند الترمذي: عن معقل بن يسار (أنه زوج أخته رجلاً من المسلمين على عهد رسول الله ﷺ فكانت عنده ما كانت، ثم طلقها تطليقة لم يراجعها حتى انقضت العدة، فهويها وهويته، ثم خطبها مع الخطاب، فقال له: يا لكع أكرمتك بها وزوجتكها، فطلقتها! والله لا ترجع إليك أبدًا، آخر ما عليك قال: فعلم الله حاجته إليها وحاجتها إلى بعلها، فأنزل الله (وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) إلى قوله (وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) فلما سمعها معقل قال: سَمْعٌ لربي وطاعة ثم دعاه، فقال: أزوجك وأكرمك) زاد ابن مردويه: (وكفرت عن يميني).
• وفي الآية دليل على اشتراط الولي.
(إِذَا تَرَاضَوْا بَيْنَهُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: إذا تراضى الزوج وزوجته، وحصل الرضا من كل منهم.
стр. 710
(ذَلِكَ يُوعَظُ بِهِ) أي: هذا الذي نهيناكم عنه من منع الولايا أن يتزوجن أزواجهن إذا تراضوا بينهم بالمعروف، يأتمر به ويتعظ به وينفعل له.
(مَنْ كَانَ مِنْكُمْ) أيها الناس.
(يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ) أي: يؤمن بالله وبشرع الله، ويؤمن باليوم الآخر ويخاف وعيد الله وعذابه في الدار الآخرة وما فيها من الجزاء.
(ذَلِكُمْ) أي: اتباعكم شرع الله في رد الموليات إلى أزواجهن، وترك الحمية في ذلك.
(أَزْكَى لَكُمْ) أي: أعظم وأكثر إيماناً.
(وَأَطْهَرُ) لقلوبكم، فهو أقطع لأسباب العداوات والأحقاد بخلاف العضل الذي قصدتم منه قطع العود إلى الخصومة.
(وَاللَّهُ يَعْلَمُ) أي: المصالح فيما يأمر به وينهى عنه.
(وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ) الخيرة فيما تأتون ولا فيما تذرون.
الفوائد:
١ - تحريم عقد النكاح قبل انقضاء العدة.
٢ - تحريم منع الولي موليته أن ينكح من رضيته.
٣ - أن من شروط النكاح الولي، وهذا مذهب جماهير العلماء، وأن المرأة لا تزوج نفسها.
٤ - اشتراط الرضا في النكاح.
٥ - إثبات اليوم الآخر.
٦ - أن الاتعاظ بأحكام الله تزكية للنفس.
٧ - أن تطبيق الأحكام أطهر للإنسان.
٨ - عموم علم الله. [١٧/ ١/ ١٤٣٣ هـ].
стр. 711
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَن يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ وَعلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ لَا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلاَّ وُسْعَهَا لَا تُضَآرَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا وَلَا مَوْلُودٌ لَّهُ بِوَلَدِهِ وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَن تَرَاضٍ مِّنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا وَإِنْ أَرَدتُّمْ أَن تَسْتَرْضِعُواْ أَوْلَادَكُمْ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُم مَّآ آتَيْتُم بِالْمَعْرُوفِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٣)). [البقرة: ٢٣٣].
(وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) هذا انتقال من أحكام الطلاق والبينونة؛ فإنه لما نهى عن العضل، وكانت بعض المطلقات لهن أولاد في الرضاعة ويتعذر عليهن التزوج وهن مرضعات؛ لأن ذلك قد يضر بالأولاد، ويقلل رغبة الأزواج فيهن، كانت تلك الحالة مثار خلاف بين الآباء والأمهات، فلذلك ناسب التعرض لوجه الفصل بينهم في ذلك، فإن أمر الإرضاع مهم، لأن به حياة النسل، ولأن تنظيم أمره من أهم شؤون أحكام العائلة. (تفسير ابن عاشور)
• قال ابن كثير في تفسير الآية: هذا إرشاد من الله تعالى للوالدات: أن يرضعن أولادهن كمال الرضاعة، وهي سنتان، فلا اعتبار بالرضاعة بعد ذلك؛ ولهذا قال (لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ) وذهب أكثر الأئمة إلى أنه لا يحرم من الرضاعة إلا ما كان دون الحولين، فلو ارتضع المولود وعمره فوقهما لم يحرم.
• قوله تعالى (وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ .. ) اختلف في المراد:
فقيل: أن المراد منه ما أشعر ظاهر اللفظ وهو جميع الوالدات، سواء كن مزوجات أو مطلقات، والدليل عليه أن اللفظ عام.
وقيل: المراد منه: الوالدات المطلقات، قالوا: والذي يدل على أن المراد ذلك، أن الله تعالى ذكر هذه الآية عقيب آية الطلاق، فكانت هذه الآية تتمة تلك الآيات.
• قال ابن عاشور: (والوالدات .. ) أي: المطلقات اللائي لهن أولاد في سن الرضاعة، ودليل التخصيص أن الخلاف في مدة الإرضاع لا يقع بين الأب والأم إلاّ بعد الفراق، ولا يقع في حالة العصمة؛ إذ من العادة المعروفة عند العرب ومعظم الأمم أن الأمهات يرضعن أولادهن في مدة العصمة، وأنهن لا تمتنع منه من تمتنع إلاّ لسبب طلب التزوج بزوج جديد بعد فراق والد الرضيع؛ فإن المرأة المرضع لا يرغب الأزواج منها؛ لأنها تشتغل برضيعها عن زوجها في أحوال كثيرة.
(وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ) أي: وعلى أبي المولود، أي: والده.
• قال ابن عاشور: عبر عن الوالد بالمولود له، إيماء إلى أنه الحقيق بهذا الحكم؛ لأن منافع الولد منجرة إليه، وهو لاحق به ومعتز به في القبيلة حسب مصطلح الأمم، فهو الأجدر بإعاشته، وتقويم وسائلها.
• وقال أبو حيان: ولطيفة أخرى في قوله (وعلى المولود له) وهو أنه لما كلف بمؤن المرضعة لولده من الرزق والكسوة، ناسب أن يسلى بأن ذلك الولد هو وُلِد لك لا لأمه، وأنك الذي تنتفع به في التناصر وتكثير العشيرة، وأن لك عليه الطواعية كما كان عليك لأجله كلفة الرزق، والكسوة لمرضعته.
стр. 712
(رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ) أي: وعلى والد الطفل نفقة الوالدات وكسوتهن بالمعروف، أي: بما جرت به عادة أمثالهن في بلدهن من غير إسراف ولا إقتار، بحسب قدرته في يساره وتوسطه وإقتاره كما قال تعالى (لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا مَا آتَاهَا سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً).
• قال ابن الجوزي: في قوله (بالمعروف) دلالة على أن الواجب على قدر حال الرجل في إعساره ويساره، إذ ليس من المعروف إلزام المعسر مالا يطيقه، ولا الموسر النزر الطفيف.
• قال الرازي: إنه تعالى كما وصى الأم برعاية جانب الطفل في قوله تعالى (والوالدات يُرْضِعْنَ أولادهن حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ) وصى الأب برعاية جانب الأم حتى تكون قادرة على رعاية مصلحة الطفل فأمره برزقها وكسوتها بالمعروف.
• قال ابن العربي: قوله تعالى (وَعَلَى الْمَوْلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ .. ) في هذا دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ الْوَلَدِ عَلَى الْوَالِدِ لِعَجْزِهِ وَضَعْفِهِ؛ فَجَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ أَبِيهِ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِ؛ وَسَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الْأُمَّ لِأَنَّ الْغِذَاءَ يَصِلُ إلَيْهِ بِوَسَاطَتِهَا فِي الرَّضَاعَةِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى (وَإِنْ كُنَّ أُولَاتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُوا عَلَيْهِنَّ) لِأَنَّ الْغِذَاءَ لَا يَصِلُ إلَى الْحَمْلِ إلَّا بِوَسَاطَتِهِنَّ فِي الرَّضَاعَةِ؛ وَهَذَا بَابٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ، وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ وَاجِبٌ مِثْلُهُ.
(لا تُكَلَّفُ نَفْسٌ إِلَّا وُسْعَهَا) أي: لا تكلف نفس في الشرع إلا طاقتها وقدرتها، فلا يكلف الله نفساً إلا ما تقدر عليه.
كما قال تعالى (لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا وُسْعَهَا).
وعلى هذا فلا يكلف المولود له فوق طاقته وما لا يقدر عليه، وإنما عليه الإنفاق والكسوة حسب حاله.
(لا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا) أي: لا تضار والدة بسبب ولدها، فتمتنع مثلاً من إرضاعه لتضر أباه بتربيته، أو تطلب زيادة على الواجب لها، ونحو ذلك مضارة لوالده.
(وَلا مَوْلُودٌ لَهُ بِوَلَدِهِ) فلا يحل له انتزاعه منها لمجرد الضرار لها، أو لا يعطيها ما يجب لها من النفقة والكسوة.
(وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكَ) أي: وعلى وارث المولود مثل ما على أبيه من النفقة والكسوة للمرضعة إذا فقد الأب، وكان الطفل ليس له مال.
• واختار ابن جرير أن المراد وارث الأب.
стр. 713
(فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً عَنْ تَرَاضٍ مِنْهُمَا وَتَشَاوُرٍ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا) أي: فإذا اتفق الوالدان على فطامه قبل الحولين ورأيا في ذلك مصلحة له بعد التشاور فلا إثم عليهما.
• قال الشوكاني: قوله تعالى (فَإِنْ أَرَادَا فِصَالاً) الضمير للوالدين. والفصال: الفطام عن الرضاع. أي: التفريق بين الصبيّ، والثدي، ومنه سمي الفصيل؛ لأنه مفصول عن أمه.
• المراد بالفصال هنا الفطام، وهذا قول أكثر المفسرين.
• قال الرازي: وإنما سمي الفطام بالفصال لأن الولد ينفصل عن الاغتذاء بلبن أمه إلى غيره من الأقوات.
• قال ابن كثير: يؤخذ منه: أن انفراد أحدهما بذلك دون الآخر لا يكفي، ولا يجوز لواحد منهما أن يستبد بذلك من غير مشاورة الآخر.
• وقال ﵀: وهذا فيه احتياط للطفل، والزام للنظر في أمره، وهو من رحمة الله بعباده، حيث حجر على الوالدين في
تربية طفلهما وأرشدهما إلى ما يصلحه ويصلحهما.
• قال الشيخ ابن عثيمين: التشاور تبادل الرأي بين المتشاورين لاستخلاص الأنفع والأصوب.
• سؤال: لم عطف التشاور على التراضي؟
الجواب: عطف التشاور على التراضي تعليماً للزوجين شؤون تدبير العائلة، فإن التشاور يظهر الصواب ويحصل به التراضي.
(التحرير والتنوير).
(وَإِنْ أَرَدْتُمْ أَنْ تَسْتَرْضِعُوا أَوْلادَكُمْ فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِذَا سَلَّمْتُمْ مَا آتَيْتُمْ بِالْمَعْرُوفِ) أي: إذا اتفقت الوالدة والوالد على أن يتسلم منها الولد إما لعذر منها، أو عذر له، فلا جناح عليهما في بذله، ولا عليه في قبوله منها إذا سلمها أجرتها الماضية بالتي هي أحسن، واسترضع لولده غيرها بالأجرة بالمعروف. قاله غير واحد.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (وإن أردتم أن تسترضعوا أولادكم .... ) انتقال إلى حالة إرضاع الطفل غيرَ والدته إذا تعذر على الوالدة إرضاعه، لمرضها، أو تزوجها أو إن أبت ذلك حيث يجوز لها الإباء، كما تقدم في الآية السابقة، أي إن أردتم أن تطلبوا الإرضاع لأولادكم فلا إثم في ذلك.
стр. 714
(وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: في جميع أحوالكم.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم وأقوالكم.
• وفي الأمر بالعلم بذلك تنبيه وترغيب بتقوى الله، ووعد لمن اتقاه، وتحذير ووعيد لمن خالف أمره وعصاه.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (واعلموا أن الله … ) تذكير لهم بذلك، وإلاّ فقد علموه.
الفوائد:
١ - وجوب الإرضاع على الأم.
٢ - أن الله أرحم بخلقه من الوالدة بولدها.
٣ - أن الرضاع التام يكون في الحولين.
جمهور العلماء على أن الرضاع المحرّم ما كان في الحولين
لقوله تعالى (والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين لمن أراد أن يتم الرضاعة).
ولحديث عَائِشَةُ قالت (دَخَلَ عَلَىَّ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ وَعِنْدِي رَجُلٌ قَاعِدٌ فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَرَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ قَالَتْ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّهُ أَخِي مِنَ الرَّضَاعَةِ. قَالَتْ فَقَالَ (انْظُرْنَ إِخْوَتَكُنَّ مِنَ الرَّضَاعَةِ فَإِنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنَ الْمَجَاعَةِ). متفق عليه
فهذا دليل على أن الرضاعة المعتبرة التي يثبت بها الحرمة، وتحل بها الخلوة، هي حيث يكون الرضيع طفلاً يسد اللبن جوعته.
ومثله حديث أم سلمة قالت: قال رسول الله ﷺ : (لا يحرم من الرضاعة إلا ما فتق الأمعاء في الثدي، وكان قبل الفطام) رواه الترمذي وصححه. قوله (الثدي) أي وقت الحاجة إلى الثدي، أي في الحولين.
وعن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ : (لا رضاع إلا ما شد العظم، وأنبت اللحم). رواه أبو داود
٤ - أنه يجوز النقص عن الحولين، لكن ذلك بالتشاور والتراضي.
٥ - أن الولد ينسب لأبيه.
٦ - اعتبار العرف بين الناس.
٧ - أن الله لا يكلف نفساً ما لا تطيق.
٨ - تحريم المضارة.
٩ - وجوب نفقة الابن على أبيه.
١٠ - جواز استرضاع الإنسان لولده المرضع.
١١ - فضل التشاور.
١٢ - وجوب تقوى الله.
١٣ - إثبات بصر الله.
стр. 715
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا يَتَرَبَّصْنَ بِأَنفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنفُسِهِنَّ بِالْمَعْرُوفِ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (٢٣٤)). [البقرة: ٢٣٤].
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) أي: والذين يتوفاهم الله منكم أيها المؤمنون، أي: يموتون.
(وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً) أي: ويتركون أزواجاً بعدهم.
(يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ) أي: ينتظرن ويحبسن أنفسهن عن الزواج بعدهم.
(أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْراً) أي: أربعة أشهر هلالية وعشر ليال.
• قال ابن كثير: هذا أمر من الله للنساء اللاتي يُتَوّفى عنهن أزواجهن: أن يعتددن أربعة أشهر وعشر ليال، وهذا الحكم يشمل الزوجات المدخول بهن وغير المدخول بهن بالإجماع، ومستنده في غير المدخول بها عُمُوم الآية الكريمة، وهذا الحديث الذي رواه الإمام أحمد وأهل السنن وصححه الترمذي: أن ابن مسعود سُئِل عن رجل تزوّج امرأة فمات ولم يدخل بها، ولم يفرض لها؟ فترددوا إليه مرارًا في ذلك فقال: أقول فيها برأيي، فإن يكن صوابًا فمن الله، وإن يكُن خطأ فمني ومن الشيطان، والله ورسوله بريئان منه: لها الصداق كاملاً، وفي لفظ: لها صداق مثلها، لا وكس، ولا شَطَط، وعليها العدّة، ولها الميراث. فقام معقل بن سنان الأشجعي فقال: سمعت رسول الله ﷺ قَضى به في بَرْوَع بنت واشق، ففرح عبد الله بذلك فرحًا شديداً.
• قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن عدة المرأة المسلمة غير ذات الحمل من وفاة زوجها أربعة أشهر وعشراً، مدخولاً بها أو غير مدخول بها.
• ففي الآية وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشر.
وقد قال ﷺ (لا يحل لامرأة تؤمن بالله واليوم الآخر أن تحد على ميت فوق ثلاث، إلا على زوج أربعة أشهر وعشراً). متفق عليه
• يستثنى من ذلك الحامل فعدتها بالوضع عند الجمهور (وَأُولاتُ الْأَحْمَالِ أَجَلُهُنَّ أَنْ يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ).
• ويجب عليها في هذه العدة الإحداد، وهو أن تجتنب ما يدعو إلى نكاحها.
стр. 716
• الحكمة من الإحداد:
أولاً: تعظيم خطر هذا العقد ورفع قدره.
ثانياً: تعظيم حق الزوج وحفظ عشرته.
ثالثاً: تطييب نفس أقارب الزوج ومراعاة شعورهم.
رابعاً: سد ذريعة تطلع المرأة للنكاح أو تطلع الرجال إليها.
خامساً: موافقة الطباعة البشرية.
• اختلف العلماء في المرأة يموت عنها زوجها وهو غائب، أو طلقها وهو غائب، من متى تعتد؟
فقيل: تعتد من يوم مات زوجها.
وهذا مذهب الجمهور.
لعموم الأدلة.
فلو فرض أنه طلقها، ولم تعلم، وحاضت حيضتين ثم علمت، فإنه يبقى عليها حيضة واحدة، وكذلك إذا مات عنها زوجها، ولم تعلم إلا بعد مضي شهرين، فإنه يبقى عليها شهران وعشرة أيام.
وقيل: تعتد من يوم يأتيها الخبر.
وبه قال الحسن وعمر بن عبد العزيز.
لأن العدة اجتناب أشياء وما اجتنبتها.
والراجح الأول.
• ذهب جمهور العلماء إلى أن هذه الآية ناسخة لقوله (والذين يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً وَصِيَّةً لأَزْوَاجِهِمْ مَّتَاعاً إِلَى الحول غَيْرَ إِخْرَاجٍ) فقد كانت العدة حولاً كاملاً، ثم نسخ ذلك بأربعة أشهر وعشر، وهذه الآية وإن كانت متقدمة في (التلاوة) على آية الاعتداد بالحول، إلاّ أنها متأخرة في (النزول).
(فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ) أي: فإذا انقضت عدتهن، وهي أربعة أشهر وعشراً.
(فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ) أي: فلا إثم ولا حرج - والخطاب للأولياء - في فعلهن من التزين والتحلي والتعرض للخطاب.
стр. 717
• قال السعدي: وفي هذا دليل على أن الولي ينظر على المرأة، ويمنعها مما لا يجوز فعله، ويجبرها على ما يحب، وأنه مخاطب بذلك، واجب عليه.
(بِالْمَعْرُوفِ) أي: بما هو معروف في الشرع وبين الناس مما لا يخالف الشرع.
• قال القرطبي: في هذه الآية دليل على أن للأولياء منعهن من التبرُّج والتشوّف للزوج في زمان العِدّة.
• قال القاسمي: (بِالْمَعْرُوفِ) أي: بوجه لا ينكره الشرع، وفيه إشارة إلى أنهن لو فعلن ما ينكره الشرع، فعليهم أن يكفوهن عن ذلك، وإلا فعليهم الجناح.
(وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ) مطلع على بواطن الأمور.
الفوائد:
١ - وجوب العدة على المتوفى عنها زوجها.
٢ - هذا الحكم يشمل الصغيرة والكبيرة لقوله (أزواجاً) وأطلق.
٣ - أن عدة المتوفى عنها زوجها أربعة أشهر وعشرة أيام، ويستثنى من ذلك الحامل فعدتها بوضع حملها.
٤ - أن العدة إذا انتهت جاز للمرأة أن تفعل كل ما كان معروفاً من تجمل وغير ذلك.
٥ - أن الولي مسؤول عن موليته.
٦ - إثبات علم الله الكامل.
стр. 718
(وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُم بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاء أَوْ أَكْنَنتُمْ فِي أَنفُسِكُمْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ وَلَكِن لاَّ تُوَاعِدُوهُنَّ سِرًّا إِلاَّ أَن تَقُولُواْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا وَلَا تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّىَ يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ حَلِيمٌ (٢٣٥)). [البقرة: ٢٣٥].
(وَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِيمَا عَرَّضْتُمْ بِهِ مِنْ خِطْبَةِ النِّسَاءِ) أي: لا إثم عليكم - أيها الرجال - فيما تُلمّحون به من طلب الزواج بالنساء المتوفَّى عنهن أزواجهن، أو المطلقات طلاقاً بائناً في أثناء عدتهن.
• قال الرازي: التعريض في اللغة ضد التصريح، ومعناه أن يضمن كلامه ما يصلح للدلالة على مقصوده ويصلح للدلالة على غير مقصوده إلا أن إشعاره بجانب المقصود أتم وأرجح.
• في الآية أن التصريح حرام.
قال ابن عطية: أجمعت الأمة على أن الكلام مع المعتدة بما هو نص في تزويجها وتنبيه عليه لا يجوز.
(أَوْ أَكْنَنْتُمْ فِي أَنْفُسِكُمْ) أي: ولا ذنب عليكم أيضاً فيما أضمرتموه في أنفسكم من نية الزواج بهن بعد انتهاء عدتهن.
(عَلِمَ اللَّهُ أَنَّكُمْ سَتَذْكُرُونَهُنَّ) أي: علم الله أنكم ستذكرونهن في أنفسكم ولا تصبرون عنهن، فرفع عنكم الحرج.
(وَلَكِنْ لا تُوَاعِدُوهُنَّ سِرّاً) اختلف العلماء في المراد بذلك:
فقيل: معناه نكاحاً، أي لا يقل الرجل لهذه المعتدة تزوّجيني؛ بل يعرّض إن أراد، ولا يأخذ ميثاقها وعهدها ألا تنكح غيره في استسرار وخفية.
هذا قول ابن عباس وابن جبير ومالك وأصحابه والشعبيّ ومجاهد وعكرمة والسدّيّ وجمهور أهل العلم.
وقيل: السر الزنا، أي لا يكونن منكم مواعدة على الزنا في العدّة ثم التزوّج بعدها.
قال معناه جابر بن زيد وأبو مِجْلزَ لاحق بن حُميد، والحسن بن أبي الحسن وقتادة والنخعيّ والضحاك، وأن السر في هذه الآية الزنا، أي لا تواعدوهنّ زنا، واختاره الطبريّ. (تفسير القرطبي).
وقيل: السرّ: الجماع، أي: لا تصفوا أنفسكم لهنّ بكثرة الجماع ترغيباً لهنّ في النكاحّ، وإلى هذا ذهب الشافعي في معنى الآية. (فتح القدير).
• قال أبو حيان: وأما تفسير (السر) هنا بالزنا فبعيد، لأنه حرام على المسلم مع معتدة وغيرها.
стр. 719
(إِلَّا أَنْ تَقُولُوا قَوْلاً مَعْرُوفاً) ما تقدم من إباحة التعريض كقوله: إني فيك لراغب ونحو ذلك.
(وَلا تَعْزِمُوا عُقْدَةَ النِّكَاحِ حَتَّى يَبْلُغَ الْكِتَابُ أَجَلَهُ) أي: ولا تعقدوا العقد بالنكاح حتى تنقضي العدة.
• قال ابن كثير: وقد أجمع العلماء على أنه لا يصح العقد في مدة العدة.
واختلفوا فيمن تزوج امرأة في عدتها فدخل بها، فإنه يفرق بينهما، وهل تحرم عليه أبداً؟ على قولين:
الجمهور على أنها لا تحرم عليه، بل له أن يخطبها إذا انقضت عدتها، وذهب الإمام مالك إلى أنها تحرم عليه على التأبيد.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ) إنه تعالى ختم الآية بالتهديد فقال (واعلموا أَنَّ الله يَعْلَمُ مَا فِي أَنفُسِكُمْ فاحذروه) وهو تنبيه على أنه تعالى لما كان عالماً بالسر والعلانية، وجب الحذر في كل ما يفعله الإنسان في السر والعلانية ثم ذكر بعد الوعيد الوعد فقال:
(واعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ) لمن صدرت من الذنوب فتاب منها ورجع إلى ربه.
(حَلِيمٌ) حيث لم يعاجل العاصين على معاصيهم، مع قدرته عليهم.
الفوائد:
١ - جواز التعريض في خطبة المتوفى عنها زوجها.
٢ - تحريم التصريح بخطبة المعتدة من وفاة.
٣ - جواز إضمار الإنسان في نفسه خطبة امرأة لا يجوز له التصريح بخطبتها.
٤ - لا يجوز للإنسان أن يواعد المعتدة من وفاة بالنكاح.
٥ - تحريم النكاح في أثناء العدة.
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله: وهما الغفور والرحيم.
стр. 720
(لا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنُّ أَوْ تَفْرِضُواْ لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدْرُهُ مَتَاعًا بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُحْسِنِينَ (٢٣٦)). [البقرة: ٢٣٦].
(لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: لا إثم عليكم أيها الرجال إن طلقتم النساء قبل المسيس (الجماع) وقبل أن تفرضوا لهن مهراً.
قوله تعالى (أو تفرضوا .. ) (أو) حرف عطف بمعنى الواو، والجملة معطوفة على قوله (تمسوهن) أي: مالم تمسوهن وتفرضوا لهن فريضة.
• قال القرطبي: (أو) في (أَوْ تَفْرِضُوا) قيل هو بمعنى الواو؛ أي ما لم تمسوهن ولم تفرضوا لهن؛ كقوله تعالى (وَكَم مِّن قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَآءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتاً أَوْ هُمْ قَآئِلُونَ) أي: وهم قائلون.
وقولِه (وَأَرْسَلْنَاهُ إلى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ) أي: ويزيدون.
وقوله (وَلَا تُطِعْ مِنْهُمْ آثِماً أَوْ كَفُوراً) أي: وكفوراً.
وقوله (وَإِنْ كُنْتُمْ مرضى أَوْ على سَفَرٍ أَوْ جَآءَ أَحَدٌ مِّنْكُمْ مِّن الغآئط) معناه وجاء أحد منكم من الغائط وأنتم مرضى أو مسافرون.
• قال الرازي مبيناً أقسام المطلقات:
أحدها: المطلقة التي تكون مفروضاً لها ومدخولاً بها وقد ذكر الله تعالى فيما تقدم أحكام هذا القسم وهو أنه لا يؤخذ منهن على الفراق شيء على سبيل الظلم ثم أخبر أن لهن كمال المهر، وأن عدتهن ثلاثة قروء.
والقسم الثاني: من المطلقات ما لا يكون مفروضاً ولا مدخولاً بها وهو الذي ذكره الله تعالى في هذه الآية، وذكر أنه ليس لها مهر، وأن لها المتعة بالمعروف.
والقسم الثالث: من المطلقات: التي يكون مفروضاً لها، ولكن لا يكون مدخولاً بها.
وهي المذكورة في الآية التي بعد هذه الآية، وهي قوله (وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ).
واعلم أنه تعالى بين حكم عدة غير المدخول بها وذكر في سورة الأحزاب أنه لا عدة عليها البتة، فقال (إِذَا نَكَحْتُمُ المؤمنات ثُمَّ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِدَّةٍ تَعْتَدُّونَهَا فَمَتّعُوهُنَّ).
стр. 721
(وَمَتِّعُوهُنَّ) أي: أعطوهن ما يتمتعن به من مال أو طعام أو لباس أو غير ذلك، جبراً لخواطرهن، وتعويضاً لهن عما فاتهن من الزواج والمهر.
• المتعة: بضم الميم هي ما يعطيه الزوج لمن طلقها لجبر خاطرها المنكسر بألم الفراق.
• ففي هذه الآية دليل على وجوب المتعة على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها.
وجه الدلالة من الآية: ( .. ومتعوهن .. ) فأمر بالمتعة لا بغيرها، والأمر للوجوب، والأصل براءة ذمته من غيرها، والله قسم المطلقات إلى قسمين: فأوجب المتعة لمن لم يسمِّ لها إذا طلقت قبل الدخول، ونصف المسمى لمن سميَ لها، وذلك يدل على اختصاص كل قسمٍ بحكمه.
وقد ذهب بعض العلماء إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم.
لقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقاً).
وذهب بعض العلماء إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة.
لقوله تعالى ( .... حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ( … حقاً على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقاً على كل أحد.
والراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة.
(عَلَى الْمُوسِعِ قَدَرُهُ) أي: على الغني الموسر في ماله قدر سعته وغناه ويسره، بحيث يزيد في المتعة.
(وَعَلَى الْمُقْتِرِ قَدَرُهُ) أي: وعلى المقتر الفقير المضيق عليه في ماله قدر استطاعته، فلا يكلف نفسه ما يضره أو ما لا يطيق.
(مَتَاعاً بِالْمَعْرُوفِ) أي: بما هو معروف في الشرع وعرف المسلمين، مما يُتمتع به أمثالهن من المطلقات، وأن يعطى لهن من غير مماطلة أو أذى.
стр. 722
• يلحظ في هذا أمران:
الأول: حرص الشريعة على إزالة وتخفيف ما يؤثر على النفوس ويكسر القلوب، فإن في إيجاب المتعة للمطلقات قبل المسيس، وقبل فرض المهر جبراً لقلوبهن وتعويضاً لهن عما فاتهن من الزواج والمهر.
الثاني: مراعاة التشريع أحوال المكلفين، حيث جعل المتعة للمطلقات حسب حال الزوج يسراً وعسراً.
(حَقّاً عَلَى الْمُحْسِنِينَ) أي: فاعلي الإحسان.
• سؤال: لم خص المحسنين بالذكر؟
الجواب: في سبب تخصيصه بالذكر وجوه:
أحدها: أن المحسن هو الذي ينتفع بهذا البيان: كقوله (إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يخشاها).
والثاني: قال أبو مسلم: المعنى أن من أراد أن يكون من المحسنين فهذا شأنه وطريقه، والمحسن هو المؤمن، فيكون المعنى أن العمل بما ذكرت هو طريق المؤمنين.
الثالث: (حَقّاً عَلَى المحسنين) إلى أنفسهم في المسارعة إلى طاعة الله تعالى.
• قال السعدي: فكما تسببوا لتشوفهن واشتياقهن، وتعلق قلوبهن، ثم لم يعطوهن ما رغبن فيه، فعليهم في مقابلة ذلك المتعة.
فلله ما أحسن هذا الحكم الإلهي، وأدله على حكمة شارعه ورحمته (ومن أحسن من الله حكما لقوم يوقنون) فهذا حكم المطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر.
الفوائد:
١ - إباحة طلاق النساء بعد العقد عليهن وقبل الدخول وفرض المهر.
٢ - جواز عقد النكاح بدون تسمية المهر وتقديره.
٣ - وجوب المتعة للمطلقات قبل المسيس وقبل فرض المهر.
٤ - أن المتعة تكون بقدر حال الزوج.
٥ - حرص الشرع على تخفيف ما يؤثر في النفوس.
стр. 723
(وَإِن طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَن تَمَسُّوهُنَّ وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ إَلاَّ أَن يَعْفُونَ أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَلَا تَنسَوُاْ الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٢٣٧)). [البقرة: ٢٣٧].
(وإِنْ طَلَّقْتُمُوهُنَّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) أي: وإن طلقتم النساء من قبل الدخول بهن وجماعهن.
(وَقَدْ فَرَضْتُمْ لَهُنَّ فَرِيضَةً) أي: والحال أنكم قد فرضتم لهن فريضة، أي: قدرتم وحددتم لهن مهراً.
(فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي: فنصف الذي فرضتم لهن، أي: فالواجب لهن نصف المهر الذي قدرتموه.
• فمن طلقت قبل المسيس وقبل فرض المهر فلها المتعة كما سبق في الآية السابقة، ومن طلقت قبل المسيس وبعد فرض المهر فلها نصف المفروض من المهر.
• قال القرطبي: قوله تعالى (فَنِصْفُ مَا فَرَضْتُمْ) أي: فالواجب نصف ما فرضتم، أي من المهر فالنصف للزوج والنصف للمرأة بإجماع.
• قوله تعالى (مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَّ) مفهومه أن بعد المسيس - وكذلك بعد الخلوة بها - وجب لها المهر كاملاً، لأن الصحابة أعطوا الخلوة حكم الدخول والجماع.
(إِلَّا أَنْ يَعْفُونَ) أي: المطلقات، أي: إلا أن تعفو المطلقات قبل المسيس عما وجب لهن على أزواجهن من نصف المهر المفروض.
• قال الرازي: المعنى إلا أن يعفون المطلقات عن أزواجهن فلا يطالبنهم بنصف المهر، وتقول المرأة: ما رآني ولا خدمته، ولا استمتع بي فكيف آخذ منه شيئاً.
• قال ابن عاشور: وتسمية هذا الإسقاط عفواً ظاهرة، لأن نصف المهر حق وجب على المطلق للمطلقة قبل البناء بما استخف بها، أو بما أوحشها، فهو حق وجب لغرم ضر، فإسقاطه عفو لا محالة، أو عند عفو الذي بيده عقدة النكاح.
(أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) وهو الزوج على القول الصحيح، فهو الذي بيده عقدة النكاح، والمعنى: أو يعفو الذي بيده النكاح - وهو الزوج - فيترك للزوجة المهر كاملاً ولا يطالبها برد نصف المهر.
• فالمراد بقوله (أَوْ يَعْفُوَ الَّذِي بِيَدِهِ عُقْدَةُ النِّكَاحِ) الزوج، وهو قول علي بن أبي طالب، وسعيد بن المسيب، وكثير من الصحابة والتابعين وهو قول أبي حنيفة.
стр. 724
ورجحه ابن جرير وابن الجوزي وقال: لأن عقدة النكاح خرجت من يد الولي، فصارت بيد الزوج، والعفو إنما يُطلق على ملك
الإِنسان، وعفو الولي عفو عما لا يملك، ولأنه قال (ولا تنسَوا الفضل بينكم) والفضل فيه هبة الإنسان مال نفسه، لا مال غيره.
(وَأَنْ تَعْفُوا) أيها الأزواج، أو أيها الأزواج والزوجات.
وقال بعض العلماء الخطاب للأزواج.
• قال أبو حيان: وكون عفو الزوج أقرب للتقوى من حيث إنه كسر قلب مطلقته، فيجبرها بدفع جميع الصداق لها، إذ كان قد فاتها منه صحبته، فلا يفوتها منه نحلته، إذ لا شيء أصعب على النساء من الطلاق، فإذا بذل لها جميع المهر لم تيأس من ردّها إليه، واستشعرت من نفسها أنه مرغوب فيها، فانجبرت بذلك.
(أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) أي: إلى تقوى الله.
وفي هذا ترغيب بالعفو والتسامح، وبخاصة بين الزوجين، فمن عفا عن صاحبه فهو أقرب لتقوى الله .
• قال الشوكاني: وفي هذا دليل على ما رجحناه من أن الذي بيده عقدة النكاح هو الزوج؛ لأن عفو الوليّ عن شيء لا يملكه ليس هو أقرب إلى التقوى، بل أقرب إلى الظلم والجور.
• قال ابن عاشور: ومعنى كون العفو أقرب للتقوى: أن العفو أقرب إلى صفة التقوى من التمسك بالحق؛ لأن التمسك بالحق لا ينافي التقوى لكنه يؤذن بتصلب صاحبه وشدته، والعفو يؤذن بسماحة صاحبه ورحمته، والقلب المطبوع على السماحة والرحمة أقرب إلى التقوى من القلب الصلب الشديد، لأن التقوى تقرب بمقدار قوة الوازع، والوازع شرعي وطبيعي، وفي القلب المفطور على الرأفة والسماحة لين يزعه عن المظالم والقساوة، فتكون التقوى أقرب إليه، لكثرة أسبابها فيه.
стр. 725
• قال الرازي: قوله تعالى (وأن تعفو أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى) وإنما كان لذلك لوجهين:
الأول: أن من سمح بترك حقه فهو محسن، ومن كان محسناً فقد استحق الثواب، ومن استحق الثواب نفى بذلك الثواب ما هو دونه من العقاب وأزاله.
والثاني: أن هذا الصنع يدعوه إلى ترك الظلم الذي هو التقوى في الحقيقة، لأن من سمح بحقه وهو له معرض تقرباً إلى ربه كان أبعد من أن يظلم غيره يأخذ ما ليس له بحق.
• قال السعدي: رغب الله في العفو، وأن من عفا، كان أقرب لتقواه، لكونه إحساناً موجبا لشرح الصدر، ولكون الإنسان لا ينبغي أن يهمل نفسه من الإحسان والمعروف، وينسى الفضل الذي هو أعلى درجات المعاملة، لأن معاملة الناس فيما بينهم على درجتين: إما عدل وإنصاف واجب، وهو: أخذ الواجب، وإعطاء الواجب، وإما فضل وإحسان، وهو إعطاء ما ليس بواجب والتسامح في الحقوق، والغض مما في النفس، فلا ينبغي للإنسان أن ينسى هذه الدرجة، ولو في بعض الأوقات، وخصوصاً لمن بينك وبينه معاملة، أو مخالطة، فإن الله مجاز المحسنين بالفضل والكرم.
• في الآية الترغيب في العفو:
قال تعالى (وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ).
وقال تعالى: (وَجَزَاء سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا فَمَنْ عَفَا وَأَصْلَحَ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ).
وقال النبي ﷺ : (وما ازداد عبد بعفو إلا عزاً). رواه مسلم
(وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) أي: لا تتركوا الفضل والإحسان والتسامح بينكم وتهملوه وتغفلوا عنه.
• قال ابن عاشور: ففي تعاهده عون كبير على الإلف والتحابب، وذلك سبيل واضحة إلى الاتحاد والمؤاخاة والانتفاع بهذا الوصف عند حلول التجربة.
والنسيان هنا مستعار للإهمال وقلة الاعتناء كما في قوله تعالى (فذوقوا بما نسيتم لقاء يومكم هذا) وهو كثير في القرآن، وفي كلمة (بينكم) إشارة إلى هذا العفو.
стр. 726
• وقال الرازي: قوله تعالى (وَلَا تَنسَوُاْ الفضل بَيْنَكُمْ) وليس المراد منه النهى عن النسيان لأن ذلك ليس في الوسع بل المراد منه الترك، فقال تعالى: ولا تتركوا الفضل والإفضال فيما بينكم.
• قال سفيان، عن أبي هارون قال: رأيت عون بن عبد الله في مجلس القرظي، فكان عون يحدثنا ولحيته تُرَش من البكاء ويقول: صحبت الأغنياء فكنت من أكثرهم هَمًّا، حين رأيتهم أحسن ثيابًا، وأطيب ريحًا، وأحسن مركبًا مني، وجالست الفقراء فاسترحت بهم، وقال (وَلا تَنْسَوُا الْفَضْلَ بَيْنَكُمْ) إذا أتاه السائل وليس عنده شيء فَلْيَدْعُ له. رواه ابن أبي حاتم (تفسير ابن كثير).
(إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) أي: مطلع عليه كله، وعالم به، ولا يخفى عليه شيء منه، وسيحاسبكم ويجازيكم عليه.
الفوائد:
١ - أن الرجل إذا طلق زوجته قبل الدخول وقد سمى لها صداقاً وجب لها نصف المهر.
٢ - أن الصحابة قضوا أنه إذا خلا بها فهو كالمسيس.
٣ - جواز الطلاق قبل المسيس مع تعيين المهر.
٤ - جواز إسقاط المرأة ما وجب لها من المهر عن الزوج أو بعضه، وكذلك جواز عفو الزوج.
٥ - الترغيب في العفو.
٦ - أن الأعمال تتفاضل.
٧ - إحاطة علم الله تعالى وبصره بكل شيء.
стр. 727
(حَافِظُواْ عَلَى الصَّلَوَاتِ والصَّلَاةِ الْوُسْطَى وَقُومُواْ لِلّهِ قَانِتِينَ (٢٣٨) فَإنْ خِفْتُمْ فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَانًا فَإِذَا أَمِنتُمْ فَاذْكُرُواْ اللَّهَ كَمَا عَلَّمَكُم مَّا لَمْ تَكُونُواْ تَعْلَمُونَ (٢٣٩)). [البقرة: ٢٣٨ - ٢٣٩].
(حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ) يأمر الله تعالى بالمحافظة على الصلوات في أوقاتها، وحفظ حدودها وأدائها في أوقاتها.
• قال أبو حيان: الألف واللام فيها للعهد، وهي: الصلوات الخمس. قالوا: وكل صلاة في القرآن مقرونة بالمحافظة، فالمراد بها الصلوات الخمس.
وقد مدح الله المحافظين عليها بقوله (وَالَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاتِهِمْ يُحَافِظُونَ).
وقال ﷺ ( … من حافظ عليها، كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة).
وقال ﷺ (من حافظ عليهن كن له نوراً ونجاة وبرهاناً يوم القيامة).
وفي الصحيحين عن ابن مسعود قال (سألت رسول الله ﷺ ، أي العمل أفضل؟ قال: الصلاة على وقتها، قلت: ثم أي؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قلت: ثم أي؟ قال: بر الوالدين، قال: حدثني بهن رسول الله ﷺ ، ولو استزدتُه لزادني). متفق عليه
(وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى) تخصيص بعد تعميم، فخص الصلاة الوسطى بمزيد التأكيد من بين الصلوات.
وقد اختلف العلماء في بالمراد بالصلاة الوسطى، والصحيح أنها صلاة العصر.
عن علي قال: قال رسول الله ﷺ يوم الأحزاب (شغلونا عن الصلاة الوسطى صلاة العصر، ملأ الله قلوبهم وبيوتهم ناراً). رواه مسلم
وعن سمرة. قال: قال رسول الله ﷺ (صلاة الوسطى صلاة العصر) رواه الترمذي.
فهي الوسطى بين الصلوات وقتاً وفضلاً:
فهي من حيث الوقت وسط بين صلاة النهار وصلاة اليل.
стр. 728
وهي من حيث الفضل الفضلى بين الصلوات، أي: أفضل الصلوات.
• قال الماوردي: وفي تسميتها بالوسطى ثلاثة أوجه:
أحدها: لأنها أوسط الصلوات الخمس محلاً، لأنها بين صلاتي ليل وصلاتي نهار.
والثاني: لأنها أوسط الصلاة عدداً، لأن أكثرهن أربع وأقلهن ركعتان.
والثالث: لأنها أفضل الصلوات ووسط الشيء ووسطاه أفضله، وتكون الوُسْطَى بمعنى الفُضْلَى.
• فضل صلاة الفجر والعصر.
أولاً: أن المحافظة عليهما من أسباب دخول الجنة.
لقوله ﷺ (من صلى البردين دخل الجنة) متفق عليه.
ثانياً: سبب للنجاة من النار.
قال ﷺ : (لن يلج النار أحد صلى قبل طلوع الشمس وقبل غروبها) يعني الفجر والعصر.
ثالثاً: الملائكة يجتمعون في هاتين الصلاتين.
قال ﷺ : (يتعاقبون عليكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار، ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، ثم يعرج الذين باتوا فيكم، فيسألهم الله وهو أعلم بهم، كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: تركناهم وهم يصلون، وأتيناهم وهم يصلون). متفق عليه
رابعاً: سبب لرؤية الله في الآخرة.
قال ﷺ : (إنكم سترون ربكم كما ترون هذا القمر، لا تضامون في رؤيته، فإن استطعتم ألا تغلبوا على صلاة قبل طلوع الشمس وقبل غروبها فافعلوا). متفق عليه
• وقد جاء الترهيب في التهاون بصلاة العصر وتركها:
قال ﷺ (من ترك صلاة العصر فقد حبط عمله) رواه البخاري.
وقال ﷺ (الذي تفوته صلاة العصر فكأنما وتر أهله) متفق عليه.
стр. 729
• قوله تعالى (حافظوا على الصلوات .. ) هناك أمور ينبغي المحافظة عليها:
أولاً: الصلاة.
كما في هذه الآية.
ثانياً: حفظ الله.
كما قال ﷺ (احفظ الله يحفظك).
ثالثاً: الطهارة.
قال ﷺ (لا يحافظ على الوضوء إلا مؤمن) رواه ابن ماجه.
رابعاً: الأيْمان.
قال تعالى (وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ).
خامساً: اللسان والفرج
قال ﷺ (من حفظ ما بين لحييه وما بين رجليه دخل الجنة) رواه الحاكم.
وقال تعالى (قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ).
وقال تعالى (وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ).
وقال تعالى (وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ. إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ).
стр. 730
(وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ) أي: خاشعين ذليلين مستكنين بين يديه.
• قوله تعالى ( .. لِلَّهِ قَانِتِينَ) أي: مخلصين لله ذليلين له.
(فَإِنْ خِفْتُمْ) أي: فإذا كنتم في خوف من عدو أو غيره.
(فَرِجَالاً أَوْ رُكْبَاناً) أي: فصلوا ماشين على الأقدام أو راكبين على الدواب.
• قال ابن كثير: أي فصلوا على أي حال كان - رجالاً أو ركباناً - يعني مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
• قال القرطبي: لمّا أمر الله تعالى بالقيام له في الصلاة بحال قُنوت وهو الوَقار والسّكينة وهدوء الجوارح وهذا على الحالة الغالبة من الأمن والطُّمَأنينة ذكر حالة الخوف الطارئة أحياناً، وبيّن أن هذه العبادةَ لا تسقط عن العبد في حال، ورخّص لعبيده في الصلاة رجالاً على الأقدام ورُكباناً على الخيل والإبل ونحوها، إيماءً وإشارة بالرأس حيثما توجّه؛ هذا قول العلماء، وهذه هي صلاة الفَذّ الذي قد ضايقه الخوف على نفسه في حال المُسَايفة أو من سَبُع يطلبه أو من عدوّ يتبعه أو سَيْل يحمله، وبالجملة فكل أمر يخاف منه على روحه فهو مبيح ما تضمّنته هذه الآية.
(فَإِذَا أَمِنْتُمْ) أي: فإذا زال الخوف وجاء الأمن.
(فَاذْكُرُوا اللَّهَ) أي: أقيموا صلاتكم كما أمرتم، فأتموا ركوعها وسجودها وقيامها وقعودها وخشوعها، وهذه الآية كقوله تعالى (فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ).
(كَمَا عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ) أي: مثل ما أنعم عليكم وهداكم للإيمان وعلمكم ما ينفعكم في الدنيا والآخرة، فقابلوه بالشكر والذكر.
الفوائد:
١ - وجوب المحافظة على الصلاة.
٢ - فضيلة عظيمة لصلاة العصر.
٣ - وجوب القيام.
٤ - وجوب الإخلاص لله.
٥ - سعة رحمة الله.
٦ - جواز الصلاة على الراحلة حال الخوف.
٧ - يجب على المرء القيام بالعبادة على وجه التمام متى زال العذر.
стр. 731
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا وَصِيَّةً لِّأَزْوَاجِهِم مَّتَاعًا إِلَى الْحَوْلِ غَيْرَ إِخْرَاجٍ فَإِنْ خَرَجْنَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِيَ أَنفُسِهِنَّ مِن مَّعْرُوفٍ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٢٤٠) وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ (٢٤١) كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (٢٤٢)). [البقرة: ٢٤٠ - ٢٤٢].
(وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ) أي: والذين يقبضون ويموتون منكم أيها المؤمنون.
(وَيَذَرُونَ أَزْوَاجاً) أي: ويتركون زوجات لهم.
(وَصِيَّةً لِأَزْوَاجِهِمْ) من رفع (وصيةٌ) أي: عليهم وصية لأزواجهم.
ومن قرأ بالنصب (وصيةً) أي: يوصون وصية، أو نوصيهم وصية لأزواجهم.
• قال الرازي: القائلون بأن هذه الوصية كانت واجبة أوردوا على أنفسهم سؤالاً فقالوا: الله تعالى ذكر الوفاة، ثم أمر بالوصية، فكيف يوصي المتوفى؟ وأجابوا عنه بأن المعنى: والذين يقاربون الوفاة ينبغي أن يفعلوا هذا، فالوفاة عبارة عن الإشراف عليها، وجواب آخر وهو أن هذه الوصية يجوز أن تكون مضافة إلى الله تعالى بمعنى أمره وتكليفه، كأنه قيل: وصية من الله لأزواجهم، كقوله (يُوصِيكُمُ الله في أولادكم) وإنما يحسن هذا المعنى على قراءة من قرأ بالرفع.
(مَتَاعاً إِلَى الْحَوْلِ) أي: بأن تمتّع أزواجهم بعدهم حولاً كاملاً، يُنفق عليهن من تركته.
(غَيْرَ إِخْرَاجٍ) ولا يُخرجن من مساكنهم.
(فَإِنْ خَرَجْنَ) أي: الزوجات باختيارهن قبل انقضاء السنة.
(فَلا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ فِي مَا فَعَلْنَ فِي أَنْفُسِهِنَّ مِنْ مَعْرُوفٍ) أي: فلا إثم عليكم - أيها الورثة - في ذلك، ولا حرج على الزوجات فيما فعلن في أنفسهن من أمور مباحة.
стр. 732
• وفي رفع الجناح وجهان:
أحدهما: لا جناح في قطع النفقة عنهن إذا خرجن قبل انقضاء الحول.
والثاني: لا جناح عليكم في ترك منعهن من الخروج، لأن مقامها حولاً في بيت زوجها ليس بواجب عليها.
• هذه الآية منسوخة عند أكثر العلماء.
قال ابن كثير: قال الأكثرون: هذه الآية منسوخة بالتي قبلها وهي قوله (يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا).
روى البخاري عن ابن أبي مُلَيْكة، قال ابن الزبير: قلت لعثمان بن عفان (وَالَّذِينَ يُتَوَفَّوْنَ مِنْكُمْ وَيَذَرُونَ أَزْوَاجًا) قد نسختها الآية الأخرى فلم تكتبها -أو تدعها؟ قال: يا ابن أخي لا أغير شيئاً منه من مكانه.
ومعنى هذا الإشكال الذي قاله ابن الزبير لعثمان: إذا كان حكمها قد نسخ بالأربعة الأشهر فما الحكمة في إبقاء رسمها مع زوال حكمها، وبقاء رسمها بعد التي نسختها يوهم بقاء حكمها؟ فأجابه أمير المؤمنين بأن هذا أمر توقيفي، وأنا وجدتها مثبتة في المصحف كذلك بعدها فأثبتها حيث وجدتها.
• قال القرطبي: ذهب جماعة من المفسرين في تأويل هذه الآية أنّ المتوفّى عنها زوجها كانت تجلس في بيت المتوفَّى عنها حولاً، ويُنفق عليها من ماله ما لم تخرج من المنزل؛ فإن خرجت لم يكن على الورثة جُناح في قطع النفقة عنها؛ ثم نُسخ الحولُ بالأربعة الأشهر والعشر، ونُسخت النفقةُ بالرُّبُع والثُّمن في سورة " النساء" قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وابن زيد والربيع. وفي السكنى خلاف للعلماء.
(وَاللَّهُ عَزِيزٌ) له جميع أنواع العزة، عزة القوة، وعزة الامتناع، وعزة القهر.
وهذه العزة مستلزمة للوحدانية، إذا الشركة تنقص العزة، ومستلزمة لصفات الكمال، لأن الشركة تنافي كمال العزة، ومستلزمة لنفي أضدادها، ومستلزمة لنفي مماثلة أضدادها له في شيء منها.
(حَكِيمٌ) له الحكمة الكاملة البالغة.
(وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ) سبق في الآية (لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسُّوهُنَّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنَّ فَرِيضَةً وَمَتِّعُوهُنَّ) أن فيها دليلاً على وجوب المتعة على المطلقة إذا لم يدخل بها ولم يفرض لها.
стр. 733
وذهب بعض العلماء إلى أن المتعة واجبة لكل مطلقة، سواء طلقت قبل الدخول أم بعده، وسواء فرض لها صداق أم لم يفرض.
وهذا اختيار شيخ الإسلام ابن تيمية ﵀ وجماعة من أهل العلم.
لقوله تعالى (وَلِلْمُطَلَّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ولفظ المطلقات عام، وأكد ذلك بقوله (حقاً).
وذهب بعض العلماء إلى أن المتعة مستحبة لكل مطلقة.
لقوله تعالى ( … حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) ( … حقاً على المحسنين) قالوا: ولو كانت واجبة لما خُص بها المحسنون والمتقون، بل كانت حقاً على كل أحد.
والراجح - والله أعلم - ما تقدم أن المتعة واجبة لمن طلقت قبل الدخول ولم يفرض لها مهر، وأما غيرها من المطلقات فالمتعة في حقها مستحبة.
(حَقّاً عَلَى الْمُتَّقِينَ) الذين يتقون الله، بفعل أوامره، واجتناب نواهيه، ولهذا خصهم بالذكر.
• قال الشنقيطي: واستدل بعض المالكية على عدم وجوب المتعة بأن الله تعالى قال (حَقّاً عَلَى المحسنين) (حَقّاً عَلَى المتقين) قالوا: فلو كانت واجبة لكانت حقاً على كل أحد، وبأنها لو كانت واجبة لعين فيها القدر الواجب.
قال مقيده - عفا الله عنه - هذا الاستدلال على عدم وجوبها لا ينهض فيما يظهر، لأن قوله (عَلَى المحسنين) و (عَلَى المتقين) تأكيد للوجوب وليس لأحد أن يقول لست متقياً مثلاً، لوجوب التقوى على جميع الناس، قال القرطبي في تفسير قوله تعالى ومتعوهن الآية ما نصه: وقوله على المتقين تأكيد لإيجابها. لأن كل واحد يجب عليه أن يتقي الله في الإشراك به ومعاصيه وقد قال تعالى في القرآن (هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ)، وقولهم لو كانت واجبة لعين القدر الواجب فيها، ظاهر السقوط. فنفقة الأزواج والأقارب واجبة ولم يعين فيها القدر اللازم، وذلك النوع من تحقيق المناط مجمع عليه في جميع الشرائع كما هو معلوم.
стр. 734
(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ) أي: مثل ذلك البيان السابق يوضح ويفصل لكم آياته الشرعية والكونية.
(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ) (لعل) للتعليل، أي: لأجل أن تنتفعوا بعقولكم وتتدبروا وتتفهموا عن الله آياته، وما فيها من الأحكام والحكم، والأوامر والنواهي، والحلال والحرام.
الفوائد:
١ - أنه يشرع للزوج أن يوصي لزوجته أن تبقى في بيته، وينفق عليها من تركته لمدة حول كامل، وقد تقدم أن هذا الحكم منسوخ عند أكثر العلماء.
٢ - أن المسؤولين عن النساء هم الرجال.
٣ - إثبات اسمين من أسماء الله وهما: العزيز والحكيم.
٤ - إثبات العزة والحكمة على سبيل الإطلاق.
٥ - إباحة الطلاق.
٦ - وجوب المتعة لكل مطلقة. (وقد تقدم الخلاف في ذلك).
٧ - أنه ينبغي تأكيد الحقوق التي قد يتهاون الناس بها.
٨ - اعتبار العرف.
٩ - أن التقوى تحمل على طاعة الله.
١٠ - منّة الله على عباده بتبيين الآيات.
стр. 735
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ خَرَجُواْ مِن دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ حَذَرَ الْمَوْتِ فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُواْ ثُمَّ أَحْيَاهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ (٢٤٣)). [البقرة: ٢٤٣].
(أَلَمْ تَرَ) أي: ألم يصل سمعك يا محمد، أو أيها المخاطب.
(إِلَى الَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَهُمْ أُلُوفٌ) أي: حال أولئك القوم الذين خرجوا من وطنهم وهم ألوف مؤلفة.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وهم ألوف) قال الجمهور: هي جمع ألف، قال بعضهم: كانوا ستمائة ألف، وقيل: كانوا ثمانين ألفاً. ابن عباس: أربعين ألفاً. أبو مالك: ثلاثين ألفاً. السدّي: سبعة وثلاثين ألفاً. وقيل: سبعين ألفاً؛ قاله عطاء ابن أبي رباح. وعن ابن عباس أيضاً أربعين ألفاً، وثمانية آلاف؛ رواه عنه ابن جُريج. وعنه أيضاً ثمانية آلاف، وعنه أيضاً أربعة آلاف، وقيل: ثلاثة آلاف. والصحيح أنهم زادوا على عشرة آلاف لقوله تعالى (وَهُمْ أُلُوفٌ) وهو جمع الكثرة، ولا يقال في عشرة فما دونها أُلوف.
وقيل (وهم ألوف) أي: مؤلفة قلوبهم، قال في التسهيل: وهو ضعيف.
(حَذَرَ الْمَوْتِ) أي: خوفاً من الموت وفراراً منه.
قيل: فراراً من الطاعون حين نزل بهم، وقيل: أمروا بالجهاد ففروا منه.
والغرض من الاستفهام التعجيب والتشويق إلى سماع قصتهم.
(فَقَالَ لَهُمُ اللَّهُ مُوتُوا ثُمَّ أَحْيَاهُمْ) أي: أماتهم الله ثم أحياهم، وهم قوم من بني إسرائيل.
• قوله تعالى (فَقَالَ لَهُمُ الله مُوتُواْ) ففي تفسير (قَالَ الله) وجهان:
الأول: أنه جار مجرى قوله (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْء إِذَا أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) وقد تقدم أنه ليس المراد منه إثبات قول، بل المراد أنه تعالى متى أراد ذلك وقع من غير منع وتأخير، ومثل هذا عرف مشهور في اللغة، ويدل عليه قوله (ثُمَّ أحياهم) فإذا صح الإحياء بالقول، فكذا القول في الإماتة.
والقول الثاني: أنه تعالى أمر الرسول أن يقول لهم: موتوا، وأن يقول عند الإحياء ما رويناه عن السدي، ويحتمل أيضاً ما رويناه من أن الملك قال ذلك، والقول الأول أقرب إلى التحقيق.
стр. 736
(إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ) وجه إفضال الله على الناس في هذه القصة:
أولاً: أنه يريهم الآيات الباهرات والحجج القاطعات ما يبصرهم بما فيه سعادتهم في الدنيا والآخرة.
ثانياً: إثبات البعث والمعاد، فإذا علموا ذلك عملوا له، فكان في عملهم نجاة لهم من النار بإذن الله.
ثالثاً: تشجيع الناس على القتال في سبيل الله، وبيان أنه لن يقدم أجلاً ولن يؤخره، فإذا جاهدوا في سبيل الله نالوا جنة الله .
(وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَشْكُرُونَ) كما قال تعالى (وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ).
• قال ابن كثير: وفي هذه القصة عبرة ودليل على أنه لن يغني حذر من قدر، وأنه لا ملجأ من الله إلا إليه، فإن هؤلاء فروا من الوباء طلبًا لطول الحياة فعوملوا بنقيض قصدهم وجاءهم الموت سريعًا في آن واحد.
• قال ابن عاشور: استئناف ابتدائي للتحريض على الجهاد والتذكير بأن الحذر لا يؤخر الأجل، وأن الجبان قد يلقى حتفه في مظنة النجاة.
• قال الشنقيطي: المقصود من هذه الآية الكريمة، تشجيع المؤمنين على القتال بإعلامهم بأن الفرار من الموت لا ينجي،
فإذا علم الإنسان أن فراره من الموت أو القتل لا ينجيه، هانت عليه مبارزة الأقران، والتقدم في الميدان، وقد أشار تعالى أن هذا هو مراده بالآية حيث أتبعها بقوله (وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ الله) الآية وصرح بما أشار إليه هنا في قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مِّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) وهذه أعظم آية في التشجيع على القتال، لأنها تبين أن الفرار من القتل لا ينجي منه ولو فرض نجاته منه فهو ميت عن قريب.
ويؤخذ من هذه الآية عدم جواز الفرار من الطاعون إذا وقع بأرض وأنت فيها، وقد ثبت عن النَّبي ﷺ النهي عن الفرار من الطاعون وعن القدوم على الأرض التي هو فيها إذا كنت خارجاً عنها.
• قال أبو حيان: قوله (وهم ألوف) في هذا تنبيه على أن الكثرة والتعاضد، وإن كانا نافعين في دفع الأذيات الدنيوية، فليسا بمغنيين في الأمور الإلهية.
• في الآية أن الحذر لا ينجي من القدر.
стр. 737
كما قال تعالى (كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَنْ زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ).
وكما قال تعالى (كُلُّ مَنْ عَلَيْهَا فَانٍ. وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرَامِ).
وكما قال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ … ).
وقال تعالى (قُلْ لَنْ يَنْفَعَكُمُ الْفِرَارُ إِنْ فَرَرْتُمْ مِنَ الْمَوْتِ أَوِ الْقَتْلِ وَإِذاً لا تُمَتَّعُونَ إِلَّا قَلِيلاً).
وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْمَوْتَ الَّذِي تَفِرُّونَ مِنْهُ فَإِنَّهُ مُلاقِيكُمْ).
وقال تعالى (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ).
• قال السعدي: وكل هذا حث على الجهاد في سبيل الله، تارة بالترغيب في فضله وثوابه، وتارة بالترهيب من عقوبة تركه، وتارة بالإخبار أنه لا ينفع القاعدين قعودهم، وتارة بتسهيل الطريق في ذلك وقصرها.
وقوله تعالى (فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ) المراد بها الحصون التي في الأرض المبنية، لأنها غاية البشر في التحصن والمنعة، وهذا قول الأكثر. قاله القرطبي، وقيل: المراد بالبروج بروج مبنية في السماء، لكن هذا القول ضعيف، لأن الله قال (مشيّدة) وهذا الوصف لا يكون أبداً للبروج السماوية، وإنما يكون للقصور العالية. قاله الشيخ ابن عثيمين.
قال الحسن: فضح الموت الدنيا فلم يترك لذي عقل عقلاً.
قال بعض العلماء لأحد إخوانه: احذر الموت في هذه الدنيا قبل أن تصير إلى دار تتمنى فيها الموت فلا تجده.
قال أبو الدرداء: إذا ذكرت الموتى فعد نفسك أحدهم.
قالت عائشة لامرأة: أكثري ذكر الموت يرق قلبك.
وقال إبراهيم التيمي: شيئان قطعا عني لذة الدنيا: ذكر الموت، والوقوف بين يدي الله.
وقال الحسن: من عرف الموت هانت عليه مصائب الدنيا.
وقال الحسن: ما ألزم عبد ذكر الموت إلا صغرت الدنيا عنده.
وقال أبو الدرداء: من أكثر ذكر الموت قل فرحه وقل حسده.
وقال سعيد بن جبير: لو فارق ذكر الموت قلبي لخشيت أن يفسد عليّ قلبي.
وقال الأوزاعي: من أكثر ذكر الموت كفاه اليسير.
стр. 738
وقال الثوري: لو أن البهائم تعقل من الموت ما تعقلون ما أكلتم منها سميناً.
وقال الحسن بن عبد العزيز: من لم يردعه القرآن والموت، فلو تناطحت الجبال بين يديه لم يرتدع.
وقال أبو نعيم: كان الثوري إذا ذكر الموت لم يُنتفع به أياماً، وفي الحديث: (أكثروا ذكر هاذم اللذات).
تزود من الدنيا فإنك لا تدري … إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر
فكم من صحيح مات من غير علة … وكم من سقيم عاش حينا من الدهر
وكم من فتى أمسى وأصبح ضاحكا … وأكفانه في الغيب تنسج وهو لا يدري
وكم من صغار يرتجى طول عمرهم … وقد أدخلت أجسامهم ظلمة القبر
وكم من عروس زينوها لزوجها … وقد قبضت أرواحهم ليلة القدر
فمن عاش ألفا وألفين … فلا بد من يوم يسير إلى القبر
• فالقتال في سبيل الله لا يقرّب أجلاً ولا يباعده.
الفوائد:
١ - أنه لا فرار من قدر الله.
٢ - قدرة الله تعالى بإماتة الحي، وإحياء الميت.
٣ - إثبات البعث.
٤ - إذا كان الموت لابد منه، فيجب الاستعداد له.
٥ - أن الشاكر من الناس قليل.
٦ - فضل شكر الله.
стр. 739
(وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٢٤٤)). [البقرة: ٢٤٤].
(وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: قاتلوا أيها المسلمون الكفار لنصرة دين الله.
قيل: إن هذا خطاب للذين أحيوا، قال الضحاك: أحياهم ثم أمرهم بأن يذهبوا إلى الجهاد لأنه تعالى إنما أماتهم بسبب أن كرهوا الجهاد.
وقيل: - وهو اختيار جمهور المحققين - أن هذا استئناف خطاب للحاضرين، يتضمن الأمر بالجهاد إلا أنه سبحانه بلطفه ورحمته قدم على الأمر بالقتال ذكر الذين خرجوا من ديارهم لئلا ينكص عن أمر الله بحب الحياة بسبب خوف الموت، وليعلم كل أحد أنه يترك القتال لا يثق بالسلامة من الموت، كما قال في قوله (قُل لَّن يَنفَعَكُمُ الفرار إِن فَرَرْتُمْ مّنَ الموت أَوِ القتل وَإِذاً لاَّ تُمَتَّعُونَ إِلاَّ قَلِيلاً) فشجعهم على القتال الذي به وعد إحدى الحسنيين، إما في العاجل الظهور على العدو، أو في الآجل الفوز بالخلود في النعيم، والوصول إلى ما تشتهي الأنفس وتلذ الأعين.
• قال القرطبي: قوله تعالى (وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ) هذا خطاب لأُمة محمد ﷺ بالقتال في سبيل الله في قول الجمهور. وهو الذي يُنْوَى به أن تكون كلمة الله هي العليا.
(وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) لأقوالكم.
(عَلِيمٌ) بنياتكم وأعمالكم.
الفوائد:
١ - وجوب الجهاد في سبيل الله.
٢ - أن الحكمة من الجهاد هو إعلاء كلمة الله.
٣ - التنبيه على الإخلاص في الجهاد.
٤ - التحذير من إرادة غير الله في الجهاد.
٥ - تهديد من أراد غير سبيل الله في جهاده، لأن الله مطلع عليه.
٦ - إثبات اسمين من أسماء الله، وهما: السميع والعليم.
стр. 740
(مَّن ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا فَيُضَاعِفَهُ لَهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً وَاللَّهُ يَقْبِضُ وَيَبْسُطُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ (٢٤٥)). [البقرة: ٢٤٥].
(مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً) أي: من ذا الذي يقرض الله بالإنفاق في سبيله في وجوه البر كلها، من الزكوات والصدقات، والإنفاق على الأهل والأولاد، وعلى المحتاجين من الأقارب واليتامى والمساكين وغيرهم.
• قال ابن كثبر: فكل من أنفق في سبيل الله بنية خالصة وعزيمة صادقة دخل في عموم هذه الآية.
• قال ابن عاشور: قوله تعالى (مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا .. ) اعتراض بين جملة (ألم تر إلى الذين خرجوا من ديارهم) إلى آخرها، وجملة (ألم تر إلى الملإ من بني إسرائيل) الآية، قصد به الاستطراد للحث على الإنفاق لوجه الله في طرق البر، لمناسبة الحث على القتال، فإن القتال يستدعي إنفاق المقاتل على نفسه في العُدَّة والمَؤُونة مع الحث على إنفاق الواجد فضلاً في سبيل الله بإعطاء العُدَّة لمن لا عُدَّة له، والإنفاق على المعسرين من الجيش، وفيها تبيين لمضمون جملة (واعلموا أن الله سميع عليم) فكانت ذات ثلاثة أغراض.
• قال أبو حيان: ومناسبة هذه الآية لما قبلها: أنه تعالى لما أمر بالقتال في سبيل الله، وكان ذلك مما يفضي إلى بذل النفوس والأموال في إعزاز دين الله، أثنى على من بذل شيئاً من ماله في طاعة الله، وكان هذا أقل حرجاً على المؤمنين، إذ ليس فيه إلاَّ بذل المال دون النفس، فأتى بهذه الجملة الاستفهامية المتضمنة معنى الطلب.
• قال القرطبي: وسمّي قرضاً؛ لأن القرض أخْرج لاسترداد البدل، أي من ذا الذي ينفق في سبيل الله حتى يبدِله الله بالأضعافِ الكثيرة.
• وقال بعض العلماء: وسمي الإنفاق قرضاً حسناً لله تعالى، مع أن المال ماله، والملك ملكه، والخلق عبيده، حثاً وترغيباً فيه.
• قال ابن القيم: سمى ذلك الإنفاق قرضاً حسناً، حثاً للنفوس وبعثاً لها على البذل، لأن الباذل متى علم أن عين ماله يعود إليه ولا بد طوّعت له نفسه بذله، وسهل عليه إخراجه، فإن علم أن المستقرض مليّ وفيّ محسن كان أبلغ في طيب قلبه وسماحة نفسه، فإن علم أن المستقرض يتجر له بما اقترضه وينميه له ويثمره حتى يصير أضعاف ما بذله كان بالقرض أسمح وأسمح، فإن علم أنه مع ذلك كله يزيده من فضله وعطائه أجراً آخر من غير جنس القرض، وأن ذلك الأجر حظ عظيم وعطاء كريم فإنه لا يتخلف عن قرضه إلا لآفة في نفسه من البخل والشح أو عدم الثقة بالضمان، وذلك من ضعف إيمانه
следующие страницы →