← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 911–950 · переход к 916.

стр. 911

وممن رجح هذا القول الشنقيطي، فقال ﵀: قوله تعالى (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ الله) يحتمل أن المراد بالتأويل في هذه الآية الكريمة التفسير وإدراك المعنى، ويحتمل أن المراد به حقيقة أمره التي يؤول إليها وقد قدمنا في مقدمة هذا الكتاب أن من أنواع البيان التي ذكرناها فيه أن كون أحد الاحتمالين هو الغالب في القرآن، يبين أن ذلك الاحتمال الغالب هو المراد، لأن الحمل على الأغلب أولى من الحمل على غيره. وإذا عرفت ذلك فاعلم أن الغالب في القرآن إطلاق التأويل على حقيقة الأمر التي يؤول إليها كقوله: (هذا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِن قَبْلُ) وقوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) الآية. وقوله (بَلْ كَذَّبُواْ بِمَا لَمْ يُحِيطُواْ بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ) وقوله (ذلك خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً) إلى غير ذلك من الآيات. ثم قال ﵀: ومما يؤيد أن الواو استئنافية لا عاطفة، دلالة الاستقراء في القرآن أنه تعالى إذا نفى عن الخلق شيئاً وأثبته لنفسه، أنه لا يكون له في ذلك الإثبات شريك: كقوله (قُل لاَّ يَعْلَمُ مَن فِي السماوات والأرض الغيب إِلاَّ الله). وقوله (لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَآ إِلاَّ هُوَ). وقوله (كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ). فالمطابق لذلك أن يكون قوله (ومَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللهُ) معناه: أنه لا يعلمه إلا هو وحده كما قاله الخطابي وقال: لو كانت الواو في قوله (والراسخون) للنسق لم يكن لقوله (كُلٌّ مِّنْ عِنْدِ رَبِّنَا) فائدة والقول بأن الوقف تام على قوله (إِلاَّ اللهُ) وأن قوله (والراسخون) ابتداء كلام هو قول جمهور العلماء للأدلة القرآنية التي ذكرنا. وذهب بعض العلماء إلى الوصل ولم يقف (وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ). • قال الشنقيطي: وَاحْتَجَّ الْقَائِلُونَ بِأَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ بِأَنَّ اللَّهَ مَدَحَهُمْ بِالرُّسُوخِ فِي الْعِلْمِ فَكَيْفَ يَمْدَحُهُمْ بِذَلِكَ وَهُمْ جُهَّالٌ.

стр. 912

• قَالَ الْقُرْطُبِيُّ: قَالَ شَيْخُنَا أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرٍو: هَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ فَإِنَّ تَسْمِيَتَهُمْ رَاسِخِينَ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ يَعْلَمُونَ أَكْثَرَ مِنَ الْمُحْكَمِ الَّذِي يَسْتَوِي فِي عِلْمِهِ جَمِيعُ مَنْ يَفْهَمُ كَلَامَ الْعَرَبِ، وَفِي أَيِّ شَيْءٍ هُوَ رُسُوخُهُمْ إِذَا لَمْ يَعْلَمُوا إِلَّا مَا يَعْلَمُ الْجَمِيعُ. انْتَهَى مِنْهُ بِلَفْظِهِ. قَالَ مُقَيِّدُهُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ: يُجَابُ عَنْ كَلَامِ شَيْخِ الْقُرْطُبِيِّ الْمَذْكُورِ بِأَنَّ رُسُوخَهُمْ فِي الْعِلْمِ هُوَ السَّبَبُ الَّذِي جَعَلَهُمْ يَنْتَهُونَ حَيْثُ انْتَهَى عِلْمُهُمْ وَيَقُولُونَ فِيمَا لَمْ يَقِفُوا عَلَى عِلْمِ حَقِيقَتِهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ جَلَّ وَعَلَا: آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا بِخِلَافِ غَيْرِ الرَّاسِخِينَ فَإِنَّهُمْ يَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ، وَهَذَا ظَاهِرٌ. وَمِمَّنْ قَالَ بِأَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ «الْكَشَّافِ». وَاللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَنِسْبَةُ الْعِلْمِ إِلَيْهِ أَسْلَمُ. • وقال بعض العلماء هذا يرجع إلى تفسير التأويل، فإن قلنا إن المراد به التفسير فالوصل أولى، لأن الراسخين في العلم يعلمون تفسير القرآن المتشابه، ولا يخفى عليهم لرسوخهم في العلم. وأما إذا جعلنا التأويل بمعنى العاقبة والغاية المجهولة، فالوقف أولى (إلا الله) لأن عاقبة هذا المتشابه وما يؤول إليه أمره مجهول لكل الخلق. والتأويل يطلق بمعنى التفسير ويطلق بمعنى العاقبة المجهولة. o فمن إطلاقه بمعنى التفسير: قوله تعالى (وَقَالَ الْآخَرُ إِنِّي أَرَانِي أَحْمِلُ فَوْقَ رَأْسِي خُبْزاً تَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْهُ نَبِّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ إِنَّا نَرَاكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ) أي: بتفسير هذه الرؤية. ومنه قوله ﷺ لابن عباس (اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل) أي: التفسير. وهذا هو الغالب على اصطلاح المفسرين للقرآن كما يقول ابن جرير وأمثاله - من المصنفين في التفسير - واختلف علماء التأويل ومجاهد إمام المفسرين.

стр. 913

قال الثوري: إذا جاءك التفسير عن مجاهد فحسبك به، وعلى تفسيره يعتمد الشافعي وأحمد والبخاري وغيرهما. o ومن إطلاقه بمعنى العاقبة المجهولة: قوله تعالى (هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ). هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ) يعني: عاقبته وهو ما يؤول إليه (يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: تأتي عاقبته التي وعدوا بها. • قال الشوكاني: ومن أهل العلم من توسط بين المقامين فقال: التأويل يطلق ويراد به في القرآن شيئان: أحدهما التأويل بمعنى حقيقة الشيء، وما يئول أمره إليه. ومنه قوله (هذا تَأْوِيلُ رؤياي). وقوله (هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ) أي: حقيقة ما أخبروا به من أمر المعاد. فإن أريد بالتأويل هذا، فالوقف على الجلالة؛ لأن حقائق الأمور، وكنهها لا يعلمه إلا الله ، ويكون قوله (والرسخون فِي العلم) مبتدأ، و (يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) خبره. وأما إن أريد بالتأويل المعنى الآخر، وهو: التفسير، والبيان، والتعبير عن الشيء. كقوله (نَبّئْنَا بِتَأْوِيلِهِ) أي بتفسيره فالوقف على (والراسخون فِي العلم) لأنهم يعلمون، ويفهمون ما خوطبوا به بهذا الاعتبار، وإن لم يحيطوا علماً بحقائق الأشياء على كنه ما هي عليه، وعلى هذا، فيكون (يَقُولُونَ ءامَنَّا بِهِ) حالاً منهم. (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) أي: الجميع من المحكم والمتشابه حق وصدق، وكل واحد منهما يصدق الآخر ويشهد له؛ لأن الجميع من عند الله وليس شيء من عند الله بمختلف ولا متضاد لقوله (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافًا كَثِيرًا). • قال السعدي: (كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا) وما كان من عنده فليس فيه تعارض ولا تناقض بل هو متفق يصدق بعضه بعضا ويشهد بعضه لبعض، وفيه تنبيه على الأصل الكبير، وهو أنهم إذا علموا أن جميعه من عند الله، وأشكل عليهم مجمل المتشابه، علموا يقينا أنه مردود إلى المحكم، وإن لم يفهموا وجه ذلك.

стр. 914

(وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ) أي: إنما يفهم ويعقل ويتدبر المعاني على وجهها أولو العقول السليمة والفهوم المستقيمة. الألباب جمع لب وهو العقل. الفوائد: ١ - أن القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه. فإن قيل: ما الجواب عن قوله تعالى (الر تِلْكَ ءايات الكتاب الحكيم) وقوله (الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ ءاياته) فذكر في هاتين الآيتين أن جميعه محكم؟ الجواب: المراد من المحكم بهذا المعنى كونه كلاماً حقاً فصيح الألفاظ صحيح المعاني وكل قول وكلام يوجد كان القرآن أفضل منه في فصاحة اللفظ وقوة المعنى ولا يتمكن أحد من إتيان كلام يساوي القرآن في هذين الوصفين، والعرب تقول في البناء الوثيق والعقد الوثيق الذي لا يمكن حله: محكم، فهذا معنى وصف جميعه بأنه محكم. وأما قوله تعالى (كتابا متشابها مَّثَانِيَ) فالمعنى أنه يشبه بعضه بعضاً في الحسن ويصدق بعضه بعضاً، وإليه الإشارة بقوله تعالى (وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ الله لَوَجَدُواْ فِيهِ اختلافا كَثِيراً) أي لكان بعضه وارداً على نقيض الآخر، ولتفاوت نسق الكلام في الفصاحة والركاكة. ٢ - أن القرآن كلام الله. ٣ - إثبات علو الله تعالى لقوله (أنزل) والإنزال لا يكون إلا من علو. ٤ - أن هذا القرآن ينقسم إلى محكم ومتشابه. ٥ - وجوب الرجوع إلى المحكم إزاء المتشابه لقوله (هن أم الكتاب) أي: مرجعه. ٦ - حكمة الله في جعل القرآن ينقسم إلى قسمين، امتحاناً وابتلاء. ٧ - أن من علامة زيغ القلب اتباع المتشابه. ٨ - أن هؤلاء الذين يتبعون المتشابه تارة يبتغون الفتنة وهي صد الناس عن دينهم، وتارة يريدون بذلك أن يحرفوه إلى المعنى الذي يريدون. ٩ - فضيلة الرسوخ في العلم. ١٠ - أن الراسخين في العلم يعلمون أن الذي يكون من عند الله لا يكون فيه تناقض. ١١ - أنه لا يتذكر بهذا القرآن إلا أصحاب العقول.

стр. 915

(رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ (٨) رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (٩)). [آل عمران: ٨ - ٩]. (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) هذا من جملة كلام الراسخين في العلم، أنهم دعوا ربهم قائلين (رَبَّنَا لا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا) أي: لا تملها عن الهدى بعد إذ أقمتها عليه، ولا تجعلنا كالذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه من القرآن، ولكن ثبتنا على صراطك المستقيم، ودينك القويم. عن أنس قال (كان رسول الله ﷺ يكثر أن يقول يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك فقلت يا رسول الله آمنا وبك وبما جئت به فهل تخاف علينا؟ قال نعم إن القلوب بين إصبعين من أصابع الله يقلبهما كما يشاء) رواه الترمذي. وعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: إِنَّ قُلُوبَ بَنِى آدَمَ كُلَّهَا بَيْنَ إِصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ كَقَلْبٍ وَاحِدٍ يُصَرِّفُهُ حَيْثُ يَشَاءُ». ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ : (اللَّهُمَّ مُصَرِّفَ الْقُلُوبِ صَرِّفْ قُلُوبَنَا عَلَى طَاعَتِكَ). رواه مسلم • قال ابن القيم: حذار حذار من أمرين لهما عواقب سوء. أحدهما: رد الحق لمخالفته هواك. فإنك تعاقب بتقليب القلب ورد ما يرد عليك من الحق رأساً ولا تقبله إلا إذا برز في قالب هواك. قال تعالى (وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ) فعاقبهم على رد الحق أول مرة بأن قلب أفئدتهم وأبصارهم بعد ذلك. والثاني: التهاون بالأمر إذا حضر وقته. فإنك إن تهاونت به ثبطك الله وأقعدك عن مراضيه وأوامره عقوبة لك. قال تعالى (فَإِنْ رَجَعَكَ اللَّهُ إِلَى طَائِفَةٍ مِنْهُمْ فَاسْتَأْذَنُوكَ لِلْخُرُوجِ فَقُلْ لَنْ تَخْرُجُوا مَعِيَ أَبَداً وَلَنْ تُقَاتِلُوا مَعِيَ عَدُوّاً إِنَّكُمْ رَضِيتُمْ بِالْقُعُودِ أَوَّلَ مَرَّةٍ فَاقْعُدُوا مَعَ الْخَالِفِينَ). فمن سلم من هاتين الآفتين والبليتين العظيمتين فليهنه السلامة. وفي الحديث (ألا إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، وإذا فسدت فسد الجسد كله إلا وهي القلب) متفق عليه. وكان قسم النبي ﷺ : لا، ومقلب القلوب. • وتتفاضل الأعمال عند الله بتفاضل ما في القلوب من الإيمان والإخلاص والمحبة وتوابعها. … • وينبغي التحذير من التساهل في أمر القلب. قال ﷺ : (إن القلوب بين إصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء) رواه مسلم. • ولا ينفع يوم القيامة إلا القلب السليم.

стр. 916

قال تعالى (يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم). القلب السليم: هو السالم من الشرك والبدعة والآفات والمكروهات، وليس فيه إلا محبة الله وخشيته. • وينبغي الدعاء بسلامة القلب. فقد كان ﷺ يقول (اللهم إني أسألك قلباً سليماً .. ) رواه أحمد. • وأهم سبب لحياة القلب الاستجابة لله ولرسوله. قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا استجيبوا لله وللرسول إذا دعاكم لما يحييكم واعلموا أن الله يحول بين المرء وقلبه). (وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً) أي: من عندك. (إِنَّكَ أَنْتَ الْوَهَّابُ) أي: كثير العطاء. (رَبَّنَا إِنَّكَ جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي: يقولون في دعائهم: إنك - يا ربنا - ستجمع بين خلقك يوم معادهم، وتفصل بينهم وتحكم فيهم فيما اختلفوا فيه، وتجزي كلاً بعمله، وما كان عليه في الدنيا من خير وشر. • قال ابن عاشور: قوله تعالى (ربنا إنك جامع الناس ليوم لا ريب فيه) استحضروا عند طلب الرحمة أحْوجَ ما يكونون إليها، وهو يومُ تكونُ الرحمة سبباً للفوز الأبدي، فأعقبوا بذكر هذا اليوم دعاءَهم على سبيل الإيجاز، كأنّهم قالوا: وهب لنا من لدنك رحمة، وخاصّة يوم تجمّع الناس كقول إبراهيم (ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب) على ما في تذكّر يوم الجمع من المناسبة بعد ذكر أحوال الغواة والمهتدين، والعلماءِ الراسخين.

стр. 917

• قال السعدي: وقد أثنى الله تعالى على الراسخين في العلم بسبع صفات هي عنوان سعادة العبد: إحداها: العلم الذي هو الطريق الموصل إلى الله، المبين لأحكامه وشرائعه. الثانية: الرسوخ في العلم، وهذا قدر زائد على مجرد العلم، فإن الراسخ في العلم يقتضي أن يكون عالماً محققاً، وعارفا مدققاً، قد علمه الله ظاهر العلم وباطنه، فرسخ قدمه في أسرار الشريعة علماً وحالاً وعملاً. الثالثة: أنه وصفهم بالإيمان بجميع كتابه ورد لمتشابهه إلى محكمه، بقوله (يقولون آمنا به كل من عند ربنا). الرابعة: أنهم سألوا الله العفو والعافية مما ابتلي به الزائغون المنحرفون. الخامسة: اعترافهم بمنة الله عليهم بالهداية وذلك قوله (ربنا لا تزغ قلوبنا بعد إذ هديتنا). السادسة: أنهم مع هذا سألوه رحمته المتضمنة حصول كل خير، واندفاع كل شر، وتوسلوا إليه باسمه الوهاب. السابعة: أنه أخبر عن إيمانهم وإيقانهم بيوم القيامة وخوفهم منه، وهذا هو الموجب للعمل الرادع عن الزلل. (إِنَّ اللَّهَ لا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ) فالله لا يخلف الميعاد لكمال صدقه وكمال قدرته، لأن الذي يخلف الميعاد إما أن يكون لكذب الواعد، أو لعجزه. الفوائد: ١ - مشروعية الدعاء بهذا الدعاء. ٢ - مشروعية تصدير الدعاء باسم الرب. ٣ - سؤال الإنسان ربه ألا يزيغ قلبه. ٤ - أن في صلاح القلب صلاح لجميع الجسد. ٥ - التوسل إلى الله بنعمه. ٦ - التوسل بأسماء الله. ٧ - أن يوم القيامة آت لا ريب فيه. ٨ - تمام قدرة الله بجمع الناس كلهم في هذا اليوم. ٩ - انتفاء صفة خلف الوعد عن الله تعالى.

стр. 918

(إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُم مِّنَ اللَّهِ شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (١٠) كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (١١)). [آل عمران: ١٠ - ١١]. (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا) أي: بآيات الله وكذبوا رسله، وخالفوا كتابه، ولم ينتفعوا بوحيه إلى أنبيائه. • الكفر لغة الستر والتغطية، ويسمى الليل (كافراً) لأنه يغطي كل شيء، وكل شيء غطى شيء فقد كفره، والكافر الزارع لأنه يغطي البذر بالتراب، وشرعاً: ضد الإيمان، فهو عدم الإيمان بالله ورسله، سواء كان معه تكذيب أو لم يكن معه تكذيب. (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئاً) أي: وليس ما أوتوه في الدنيا من الأموال والأولاد بنافع لهم عند الله، ولا بمنجيهم من عذابه وأليم عقابه، بل كما قال تعالى (وَلا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلادُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُعَذِّبَهُمْ بِهَا فِي الدُّنْيَا وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ) وقال تعالى (لا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلادِ مَتَاعٌ قَلِيلٌ ثُمَّ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمِهَادُ). • قال الشنقيطي: ذكر في هذه الآية الكريمة أن الكفار يوم القيامة لا تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئاً، وذكر أنهم وقود النار أي: حطبها الذي تتقد فيه، … تكذيباً لدعواهم أن أموالهم وأولادهم تنفعهم، وأنه أنه ما أعطاهم الأموال والأولاد في الدنيا إلا لكرامتهم عليه واستحقاقهم لذلك، وأن الآخرة كالدنيا يستحقون فيها ذلك أيضاً فكذبهم في آيات كثيرة: فمن الآيات الدالة على أنهم ادعوا ذلك: قوله تعالى (وَقَالُواْ نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالاً وَأَوْلَاداً وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ). وقوله (أَفَرَأَيْتَ الذي كَفَرَ بِآيَاتِنَا وَقَالَ لأُوتَيَنَّ مَالاً وَوَلَداً). يعني في الآخرة كما أوتيته في الدنيا. وقوله (وَلَئِن رُّجِّعْتُ إلى ربي إِنَّ لِي عِندَهُ للحسنى) أي: بدليل ما أعطاني في الدنيا. وقوله (وَلَئِن رُّدِدتُّ إلى رَبِّي لأَجِدَنَّ خَيْراً مِّنْهَا مُنْقَلَباً) قياساً منه للآخرة على الدنيا. ورد الله عليهم هذه الدعوى في آيات كثيرة كقوله هنا (إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَن تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ … ). وقوله (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الخيرات بَل لاَّ يَشْعُرُونَ). وقوله (وَمَآ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بالتي تُقَرِّبُكُمْ عِندَنَا زلفى).

стр. 919

وقوله (وَلَا يَحْسَبَنَّ الذين كَفَرُواْ أَنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ خَيْرٌ لأَنْفُسِهِمْ إِنَّمَا نُمْلِي لَهُمْ ليزدادوا إِثْمَاً وَلَهْمُ عَذَابٌ مُّهِينٌ). وقوله (سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ). وصرح في موضع آخر، أن كونهم وقود النار المذكور هنا على سبيل الخلود وهو قوله (إِنَّ الذين كَفَرُواْ لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِّنَ الله شَيْئاً وأولئك أَصْحَابُ النار هُمْ فِيهَا خَالِدُون). • قال الرازي: اعلم أن كمال العذاب هو أن يزول عنه كل ما كان منتفعاً به، ثم يجتمع عليه جميع الأسباب المؤلمة. أما الأول: فهو المراد بقوله (لَن تُغْنِىَ عَنْهُمْ أموالهم وَلَا أولادهم) وذلك لأن المرء عند الخطوب والنوائب في الدنيا يفزع إلى المال والولد، فهما أقرب الأمور التي يفزع المرء إليها في دفع الخطوب، فبيّن الله تعالى أن صفة ذلك اليوم مخالفة لصفة الدنيا، لأن أقرب الطرق إلى دفع المضار إذا لم يتأت في ذلك اليوم، فما عداه بالتعذر أولى، ونظير هذه الآية قوله تعالى (يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلاَّ مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ) وقوله (المال والبنون زِينَةُ الحياة الدنيا والباقيات الصالحات خَيْرٌ عِندَ رَبّكَ ثَوَابًا) وقوله (وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْداً) وقوله (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فرادى كَمَا خلقناكم أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَّا خولناكم وَرَاء ظُهُورِكُمْ). وأما القسم الثاني: من أسباب كمال العذاب، فهو أن يجتمع عليه الأسباب المؤلمة، وإليه الإشارة بقوله تعالى (وأولئك هُمْ وَقُودُ النار) وهذا هو النهاية في شر العذاب، فإنه لا عذاب أزيد من أن تشتعل النار فيهم كاشتعالها في الحطب اليابس، والوقود بفتح الواو الحطب الذي توقد به النار، وبالضم هو مصدر وقدت النار وقوداً كقوله: وردت وروداً. • وقال السمرقندي: إنما ذكر الأموال والأولاد، لأن أكثر الناس يدخلون النار، لأجل الأموال والأولاد، فأخبر الله تعالى أنه لا ينفعهم في الآخرة، لكيلا يفني الناس أعمارهم، لأجل المال والولد، وإنما ذكر الله تعالى الكفار، لكي يعتبر بذلك المؤمنون. • وقال ابن عاشور: وإنّما خصّ الأموال والأولاد من بين أعلاق الذين كفروا؛ لأنّ الغناءَ يكون بالفداء بالمال، كدفع الديات والغرامات، ويكون بالنصر والقتال، وأوْلى مَن يدافع عن الرجل، من عشيرته، أبناؤه، وعن القبيلة أبناؤُها. (وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ) أي: حطبها الذي تسجر به وتوقد به، كقوله (إِنَّكُمْ وَمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ حَصَبُ جَهَنَّمَ أَنْتُمْ لَهَا وَارِدُونَ).

стр. 920

(كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ) أي: كحال آل فرعون. (وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ) من المكذبين بالرسل. أي: دأب هؤلاء الكفرة وشأنهم وديدنهم مثل دأب آل فرعون في تكذيب الرسل، وكدأب الأمم الماضية كقوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب. • قال ابن كثير: والمعنى في الآية: أن الكافرين لا تغني عنهم الأولاد ولا الأموال، بل يهلكون ويعذبون، كما جرى لآل فرعون ومن قبلهم من المكذبين للرسل فيما جاؤوا به من آيات الله وحججه. (كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا) آيات الله: ما تتلوه عليهم الرسل من آياته الشرعية الدينية، وما يعاينونه من المعجزات من آياته الكونية القدرية. (فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ) أي: أهلكهم وعاقبهم العقاب الشديد بسبب ذنوبهم. والعرب تقول (أخذه الله) إذا عاقبه عقاباً شديداً أليماً. وقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي موسى. أن النبي ﷺ قال (إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم تلا قوله تعالى (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ). • قوله تعالى (بذنوبهم) الذنب: هو الجريمة التي يستحق صاحبها النكال. • فالمعاصي سبب لنزول المصائب وزوال النعم. قال تعالى (وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ). وقال تعالى (لَقَدْ كَانَ لِسَبَأٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ. فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ). وقال تعالى (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ عَتَتْ عَنْ أَمْرِ رَبِّهَا وَرُسُلِهِ فَحَاسَبْنَاهَا حِسَاباً شَدِيداً وَعَذَّبْنَاهَا عَذَاباً نُكْراً). وقال تعالى (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ). وقال تعالى (فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ). وقال تعالى (فَكُلّاً أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ). وقال تعالى (فَتِلْكَ بُيُوتُهُمْ خَاوِيَةً بِمَا ظَلَمُوا إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ).

стр. 921

(وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ) أي: شديد الأخذ أليم العذاب، لا يمتنع منه أحد، ولا يفوته شيء بل هو الفعال لما يريد، الذي قد غلب كل شيء وذل له كل شيء، لا إله غيره ولا رب سواه. • والعقاب: النكال الشديد لأجل الذنب، قال بعض العلماء: سمي عقاباً لأنه يأتي عقب الذنب من أجله. الفوائد: ١ - أن الكفار لا تنفعهم أموالهم ولا أولادهم من الله شيئاً. ٢ - أن المؤمنين ينتفعون بأموالهم وأولادهم. ٣ - تمام قدرة الله تعالى. ٤ - إثبات النار. ٥ - أن الكفار في النار. ٦ - أن الذنوب سبب للعقوبات. ٧ - أن الله لا يظلم أحداً. ٨ - أن الله شديد العقاب.

стр. 922

(قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمِهَادُ (١٢)). [آل عمران: ١٢]. (قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا) أي: قل يا محمد لليهود. (سَتُغْلَبُونَ) أي: في الدنيا. قيل في سبب نزولها: أنه لما غزا رسول الله ﷺ قريشاً يوم بدر وقدم المدينة، جمع يهود في سوق بني قينقاع، وقال: يا معشر اليهود أسلموا قبل أن يصيبكم مثل ما أصاب قريشاً، فقالوا: يا محمد لا تغرنك نفسك أن قتلت نفراً من قريش لا يعرفون القتال، لو قاتلتنا لعرفت، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إن يهود أهل المدينة لما شاهدوا وقعة أهل بدر، قالوا: والله هو النبي الأمي الذي بشرنا به موسى في التوراة، ونعته وأنه لا ترد له راية، ثم قال بعضهم لبعض: لا تعجلوا فلما كان يوم أُحد ونكب أصحابه قالوا: ليس هذا هو ذاك، وغلب الشقاء عليهم فلم يسلموا، فأنزل الله تعالى هذه الآية. وقيل: إن هذه الآية واردة في جمع من الكفار بأعيانهم علم الله تعالى أنهم يموتون على كفرهم، وليس في الآية ما يدل على أنهم من هم. قال أبو حيان: والظاهر أن: الذين كفروا يعم الفريقين المشركين واليهود، وكل قد غلب بالسيف، والجزية، والذلة، وظهور الدلائل والحجج. (وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ) أي: وتجمعون وتساقون إلى جهنم. فيكون هؤلاء الكفار قد خسروا الدنيا بالغلبة والذل، وخسروا الآخرة بأنهم يحشرون إلى جهنم، وهذا كقوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ لِيَصُدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ فَسَيُنْفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَيْهِمْ حَسْرَةً ثُمَّ يُغْلَبُونَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا إِلَى جَهَنَّمَ يُحْشَرُونَ). (وَبِئْسَ الْمِهَادُ) أي: وبئس المهاد والفراش الذي تمتهدونه نار جهنم. كما قال تعالى (لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ).

стр. 923

الفوائد: ١ - أن الرسول ﷺ عبد توجه إليه الأوامر. ٢ - أهمية هذا الخبر الذي أمر الله نبيه أن يبلغه للكافرين. ٣ - تقوية المؤمنين. ٤ - إرعاب الكفار وتحذيرهم. ٥ - أن الله يجمع للكفار بين العقوبتين: عقوبة الدنيا وعقوبة الآخرة. ٦ - إثبات عذاب النار. ٧ - ذم النار.

стр. 924

(قدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَأُخْرَى كَافِرَةٌ يَرَوْنَهُم مِّثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأَبْصَارِ (١٣)). [آل عمران: ١٣]. (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ الْتَقَتَا) أي: قد كان لكم يا معشر يهود عظة وعبرة في فئتين التقتا وذلك يوم بدر. وهما: الفئة المسلمة: وهم رسول الله ﷺ وأصحابه ﵃، والفئة الكافرة: وهم المشركون. • قال القرطبي: لا خلاف أن الإشارة بهاتين الفئتين هي إلى يوم بَدْر. • وقال الرازي: وأجمع المفسرون على أن المراد بالفئتين: رسول الله ﷺ وأصحابه يوم بدر ومشركوا مكة. • وقال القرطبي: واختلف من المخاطب بها؛ فقيل: يحتمل أن يخاطب بها المؤمنون، ويحتمل أن يخاطب بها جميع الكفار، ويحتمل أن يخاطب بها يهود المدينة؛ وبكل احتمال منها قد قال قوم. وفائدة الخطاب للمؤمنين تثبيت النفوس وتشجيعها حتى يقدِموا على مثليْهم وأمثالهم كما قد وقع. • قوله تعالى ( … لكم آية) قال الرازي: واعلم أن العلماء ذكروا في تفسير كون تلك الواقعة آية بينة وجوهاً: الأول: أن المسلمين كان قد اجتمع فيهم من أسباب الضعف عن المقاومة أمور، منها: قلة العدد، ومنها: أنهم خرجوا غير قاصدين للحرب فلم يتأهبوا، ومنها: قلة السلاح والفرس، ومنها: أن ذلك ابتداء غارة في الحرب لأنها أول غزوات رسول الله ﷺ ، وكان قد حصل للمشركين أضداد هذه المعاني منها: كثرة العدد، ومنها أنهم خرجوا متأهبين للحرب، ومنها: كثرة سلاحهم وخيلهم، ومنها: أن أولئك الأقوام كانوا ممارسين للمحاربة، والمقاتلة في الأزمنة الماضية، وإذا كان كذلك فلم تجر العادة أن مثل هؤلاء العدد في القلة والضعف وعدم السلاح وقلة المعرفة بأمر المحاربة يغلبون مثل ذلك الجمع الكثير مع كثرة سلاحهم وتأهبهم للمحاربة، ولما كان ذلك خارجاً عن العادة كان معجزاً.

стр. 925

والوجه الثاني: في كون هذه الواقعة آية، أنه ﵇ كان قد أخبر قومه بأن الله ينصره على قريش بقوله (وَإِذْ يَعِدُكُمُ الله إِحْدَى الطائفتين أَنَّهَا لَكُمْ) يعني جمع قريش أو عير أبي سفيان، وكان قد أخبر قبل الحرب بأن هذا مصرع فلان، وهذا مصرع فلان، فلما وجد مخبر خبره في المستقبل على وفق خبره كان ذلك إخباراً عن الغيب، فكان معجزاً. • وقال الجصاص: وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ الدَّلَالَةُ مِنْ وَجْهَيْنِ عَلَى صِحَّةِ نُبُوَّةِ النَّبِيِّ ﷺ : أَحَدُهُمَا: غَلَبَةُ الْفِئَةِ الْقَلِيلَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ لِلْكَثِيرَةِ الْعَدَدِ وَالْعُدَّةِ، وَذَلِكَ عَلَى خِلَافِ مَجْرَى الْعَادَةِ؛ لِمَا أَمَدَّهُمْ اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ. وَالثَّانِي: أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ كَانَ وَعَدَهُمْ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ، وَأَخْبَرَ النَّبِيُّ ﷺ الْمُسْلِمِينَ قَبْلَ اللِّقَاءِ بِالظَّفَرِ وَالْغَلَبَةِ وَقَالَ (هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ) وَكَانَ كَمَا وَعَدَ اللَّهُ، وَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ ﷺ . • وقال الشيخ الشنقيطي: قوله تعالى (قَدْ كَانَ لَكُمْ آيَةٌ فِي فِئَتَيْنِ التقتا) ذكر في هذه الآية الكريمة أن وقعة بدر آية أي: علامة على صحة دين الإسلام إذ لو كان غير حق لما غلبت الفئة القليلة الضعيفة المتمسكة به الفئة الكثيرة القوية التي لم تتمسك به. وصرح في موضع آخر أن وقعة بدر بينة أي لا لبس في الحق معها وذلك في قوله (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ ويحيى مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ). وصرح أيضاً بأن وقعة بدر فرقان فارق بين الحق والباطل وهو قوله (وَمَآ أَنزَلْنَا على عَبْدِنَا يَوْمَ الفرقان). (فِئَةٌ تُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) وهم المسلمون. (وَأُخْرَى كَافِرَةٌ) وهم مشركو قريش يوم بدر. (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) اختلف العلماء في هذا على قولين: القول الأول: أي يرى الكافرون المؤمنين أكثر منهم مرتين، جعل الله ذلك فيما رأوه سبباً لنصرة الإسلام عليهم. وهذا اختيار ابن جرير. القول الثاني: أي ترى الفئة المسلمة الفئة الكافرة مثليهم، أي: ضعفيهم في العدد، ومع هذا نصرهم الله عليهم. • قال الرازي: قوله تعالى (يَرَوْنَهُمْ مِثْلَيْهِمْ رَأْيَ الْعَيْنِ) يحتمل: الأول: أن يكون المراد أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المشركين قريباً من ألفين. والاحتمال الثاني: أن الفئة الكافرة رأت المسلمين مثلي عدد المسلمين ستمائة ونيفاً وعشرين، والحكمة في ذلك أنه تعالى كثر المسلمين في أعين المشركين مع قلتهم ليهابوهم فيحترزوا عن قتالهم. فإن قيل: هذا متناقض لقوله تعالى في سورة الأنفال (وَيُقَلّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ). فالجواب: أنه كان التقليل والتكثير في حالين مختلفين، فقللوا أولاً في أعينهم حتى اجترؤا عليهم، فلما تلاقوا كثرهم الله في أعينهم حتى صاروا معلوبين، ثم إن تقليلهم في أول الأمر، وتكثيرهم في آخر الأمر، أبلغ في القدرة وإظهار الآية.

стр. 926

والاحتمال الثالث: أن الرائين هم المسلمون، والمرئيين هم المشركون، فالمسلمون رأوا المشركين مثلى المسلمين ستمائة وأزيد، والسبب فيه أن الله تعالى أمر المسلم الواحد بمقاومة الكافرين قال الله تعالى (إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ). فإن قيل: كيف يرونهم مثليهم رأي العين، وكانوا ثلاثة أمثالهم؟. الجواب: أن الله تعالى إنما أظهر للمسلمين من عدد المشركين القدر الذي علم المسلمون أنهم يغلبونهم، وذلك لأنه تعالى قال (إِن يَكُن مّنكُمْ مّاْئَةٌ صَابِرَةٌ يَغْلِبُواْ مِاْئَتَيْنِ) فأظهر ذلك العدد من المشركين للمؤمنين تقوية لقلوبهم، وإزالة للخوف عن صدورهم. والاحتمال الرابع: أن الرائين هم المسلمون، وأنهم رأوا المشركين على الضعف من عدد المشركين فهذا قول لا يمكن أن يقول به أحد، لأن هذا يوجب نصرة المشركين بإيقاع الخوف في قلوب المؤمنين (وَاللَّهُ يُؤَيِّدُ) أي: يقوي ويعز. (بِنَصْرِهِ مَنْ يَشَاءُ) على حسب ما تقتضيه حكمته . • قال الرازي: والمقصود من الآية أن النصر والظفر إنما يحصلان بتأييد الله ونصره، لا بكثرة العدد والشوكة والسلاح. (إِنَّ فِي ذَلِكَ) أي: التكثير والتقليل، وغلبة القليل، مع عدم العدة، على التكثير الشاكي السلاح. (لَعِبْرَةً) لآية وعظة. (لِأُولِي الْأَبْصَارِ) لذوي العقول والبصائر. • قال الماوردي: قوله تعالى (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لأُولِي الأبْصَارِ) فيه وجهان: أحدهما: أن في نصرة الله لرسوله يوم بدر مع قلة أصحابه عبرة لذوي البصائر والعقول. والثاني: أن فيما أبصره المشركون من كثرة المسلمين مع قلتهم عبرة لذوي الأعين والبصائر. الفوائد: ١ - أن النصر ليس بكثرة العدد ولا بقوة العُدد. ٢ - أن القتال لا يكون سبباً للنصر إلا إذا كان في سبيل الله. ٣ - أنه لا ألفة بين المؤمنين والكافرين. ٤ - إثبات أفعال الله. ٥ - إثبات المشيئة لله. ٦ - أنه لا يعتبر بالأمور إلا أولو البصائر. ٧ - أنك إذا وجدت من نفسك عدم اعتبار واتعاظ بما يجري، فاعلم أنك ضعيف البصيرة. ٨ - الثناء على أهل البصيرة.

стр. 927

(زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ (١٤)) [آل عمران: ١٤]. (زُيِّنَ لِلنَّاسِ … ) كلام مستأنف لبيان حقارة ما تستلذه الأنفس في هذه الدار. اختلف العلماء من المزين، فقيل: هو الله تعالى. كما قال تعالى (إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الْأَرْضِ زِينَةً لَهَا لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً). وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ ﷺ قَالَ (لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ قَالَ لِجِبْرِيلَ: اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ، فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا، ثُمَّ حَفَّهَا بِالْمَكَارِهِ، ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ قَالَ: فَلَمَّا خَلَقَ اللَّهُ النَّارَ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ فَيَدْخُلُهَا، فَحَفَّهَا بِالشَّهَوَاتِ ثُمَّ قَالَ: يَا جِبْرِيلُ اذْهَبْ فَانْظُرْ إِلَيْهَا، فَذَهَبَ فَنَظَرَ إِلَيْهَا، ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ: أَيْ رَبِّ وَعِزَّتِكَ لَقَدْ خَشِيتُ أَنْ لَا يَبْقَى أَحَدٌ إِلاَّ دَخَلَهَا) رواه أبو داود والترمذي. ووجه تزيين الله لها، ابتلاء واختباراً. وقيل: المزين هو الشيطان. • قال القرطبي: تزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء، وتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها.

стр. 928

والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد ﷺ من اليهود وغيرهِم. • وقال في التسهيل: ولا تعارض بينهما فتزيين الله بالإيجاد والتهيئة للانتفاع، وإنشاء الجبلة على الميل إلى الدنيا، وتزيين الشيطان بالوسوسة والخديعة. • قال ابن عاشور: والتزيين تصيير الشيء زينا أي حسناً، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك سمي الحلاق مزيناً. • وقال امرؤ القيس: الحرب أول ما تكون فتية … تسعى بزينتها لكل جهول (حُبُّ الشَّهَوَاتِ) الشهوة: ما تدعو النفس إليه وتشتهيه. • قال الشوكاني: والمراد بالناس: الجنس. والشهوات جمع شهوة، وهي نزوع النفس إلى ما تريده. والمراد هنا: المشتهيات عبر عنها بالشهوات، مبالغة في كونها مرغوباً فيها، أو تحقيراً لها؛ لكونها مسترذلة عند العقلاء من صفات الطبائع البهيمية. • قال الثعالبي: وفي ضمن ذلك توبيخٌ، والشهواتُ ذميمةٌ، واتباعها مُرْدٍ، وطاعتها مَهْلَكَةٌ، وقد قال ﷺ (حُفَّتِ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ، وَحُفَّتِ الجَنَّةُ بِالمَكَارِهِ) فَحَسْبُكَ أَنَّ النَّارَ حُفَّتْ بِهَا، فمَنْ واقعها، خلص إِلى النَّار. • قال صاحب الكشاف: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصاً على الاستمتاع بها. والثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها. • قال القرطبي: واتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة، وفي صحيح مسلم (حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات). وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها. وأن النار لا ينْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها.

стр. 929

(مِنَ النِّسَاءِ) فبدأ بالنساء لأن الفتنة بهن أشد. وفتنة النساء من أعظم الفتن، وخاصة في هذه الأزمنة التي انتشرت فيها التبرج والاختلاط، وانفتح الإعلام، وأصبحت فتنة المرأة تعرض ليلاً نهاراً. كما ثبت في الصحيح أنه، ﵇ قال (مَا تَرَكْتُ بَعْدِي فِتْنَةً أَضَرُّ عَلَى الرِّجَالِ مِنَ النِّساء) متفق عليه وقال ﷺ ( … فاتقوا الدنيا، واتقوا النساء، فإن فتنة بني إسرائيل كانت في النساء) رواه مسلم. وقال ﷺ (ما رأيت من ناقصات عقل ودين، أذهب للب الرجل الحازم من إحداكن) متفق عليه. ويكفي في فتنتها قوله ﷺ (إِنَّ المَرأَةَ تُقبِلُ فِي صُورَةِ شَيطَانٍ، وَتُدبِرُ فِي صُورَةِ شَيطَان). قَالَ الْعُلَمَاءُ: مَعنَاهُ: الْإِشَارَةُ إِلَى الهَوَى وَالدُّعَاءِ إِلَى الفِتنَةِ بِهَا، لِمَا جَعَلَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي نُفُوسِ الرِّجَالِ مِنَ المَيلِ إِلَى النِّسَاءِ وَالِالتِذَاذِ بِنَظَرِهِنَّ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِن، فهِيَ شَبِيهَةٌ بِالشَّيطَانِ فِي دُعَائِهِ إِلَى الشَّرِّ بِوَسوَسَتِهِ وَتَزيِينهِ لَه. قال سَعيدُ بنُ المُسَيِّبِ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: مَا يَئِسَ الشَّيطَانُ مِنَ شَيءٍ إلا أتَاهُ مِن قِبَلِ النِّسَاءِ. وقال أبو صَالحٍ السَّمَّانُ رَحِمَهُ الله تَعَالَى: بَلغَنِي أنَّ أكثرَ ذُنُوبِ أهِلِ النَّارِ فِي النِّساء. • قال الرازي: قوله تعالى (من النساء) وإنما قدمهن على الكل لأن الالتذاذ بهن أكثر والاستئناس بهن أتم ولذلك قال تعالى (خَلَقَ لَكُم مّنْ أَنفُسِكُمْ أزواجا لّتَسْكُنُواْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً) ومما يؤكد ذلك أن العشق الشديد المفلق المهلك لا يتفق إلا في هذا النوع من الشهوة.

стр. 930

• وقال القرطبي: قوله تعالى (مِنَ النساء) بدأ بهِنّ لكثرة تشوّف النفوس إليهن؛ لأنهنّ حبائل الشيطان وفتنة الرجال. قال رسول الله ﷺ (ما تركت بعدي فِتنةً أشدَّ على الرجال من النساء) أخرجه البخاريّ ومسلم. ففتنة النساء أشدّ من جميع الأشياء. ويقال: في النساء فتنتان، وفي الأولاد فتنة واحدة. فأمّا اللتان في النساء فإحداهما: أن تؤدِّي إلى قطع الرِحم؛ لأن المرأة تأمر زوجها بقطعه عن الأُمَّهَات والأخوات. والثانية: يُبْتلى بجمع المال من الحلال والحرام. وأمّا البنون فإن الفتنة فيهم واحدة، وهو ما ابتلي بجمع المال لأجلهم. • وقد حذر الإسلام من الفتنة بالنساء. فالشهوة أمرها خطير وشرها جسيم، فكم من عابد لله حولته الشهوة إلى فاسق، وكم من عالم حولته إلى جاهل، وكم أخرجت أناساً من الدين كانوا في نظر من يعرفهم أبعد الناس عن الضلال والانحراف، ولذا قال أحد السلف: لم يكن كفر من مضى إلا من قِبَل النساء وهو كائن كفر من بقي من قبل النساء. وقد أورد القرطبي مجموعة من القصص والأمثلة التي تبين مدى خطورة هذا الداء، وأنه سبب قوي للانتكاس والردة. فقد ذكر أن رجلاً ملتزماً مسجداً للأذان والصلاة، وعليه بهاء العبادة وأنوار الطاعة، وكان مثالاً لأهل الخير والصلاح، وكان يرقى كل يوم المنارة للأذان، وفي أحد الأيام نظر إلى بيت نصراني ذمي تحت منارة المسجد فرأى بنت صاحب الدار فافتتن بها وترك الأذان ونزل إليها ودخل الدار، فقالت له: ماذا تريد؟ قال: أريدك أنتِ، قالت: لماذا؟ قال لها: قد سلبتني لبي وأخذت بمجامع قلبي، قالت: لا أجيبك إلى ريبة، قال: أتزوجك، قالت له: أنت مسلم وأنا نصرانية، وأبي لا يزوجني منك، قال لها: أتنصر، قالت: إن فعلت أفعل، فتنصر ليتزوجها، وأقام معها في الدار، وقبل الزواج رقى إلى سطح الدار فسقط منه فمات، فلا ظفر بها، ولا ظفر بدينه، فنعوذ بالله من سوء الخاتمة. وذلك مما يؤكد أن الفتنة بالنساء في الحرام موجب للانتكاسة عن الإيمان والاستقامة. • قصة ذكرها ابن كثير ﵀ في حوادث سنة ثمان وسبعين ومائتين فقال: وفيها توفي عبده بن عبد الرحيم قبحه الله، ذكر ابن الجوزي أن هذا الشقي كان من المجاهدين كثيراً في بلاد الروم، فلما كان في بعض الغزوات والمسلمون يحاصرون بلدة من بلاد الروم، إذ نظر إلى امرأة من نساء الروم في ذلك الحصن، فهويها، فراسلها: ما السبيل إلى الوصول إليك؟ فقالت: أن تتنصر وتصعد إليّ، فأجابها إلى ذلك، فما راع المسلمين إلا وهو عندها، فاغتم المسلمون بسبب ذلك غماً شديداً، وشق عليهم مشقة عظيمة، فلما كان بعد مدة مروا عليه وهو مع تلك المرأة في ذلك الحصن، فقالوا: يا فلان ما فعل قرآنك؟ ما فعل علمك؟ ما فعل صيامك؟ ما فعل جهادك؟ ما فعلت صلاتك؟ فقال: اعلموا أني أُنسيت القرآنَ كله إلا قوله: (رُبَمَا يَوَدُّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ كَانُوا مُسْلِمِينَ * ذَرْهُمْ يَأْكُلُوا وَيَتَمَتَّعُوا وَيُلْهِهِمُ الْأَمَلُ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ) وقد صار لي فيهم مال وولد " [البداية والنهاية ١١/ ٦٤]

стр. 931

• وقال ابن الجوزي: بلغني عن رجل كان ببغداد يُقال له: صالح المؤذن، أذّن أربعين سنة، وكان يُعرف بالصلاح، أنه صعد يوماً إلى المنارة ليؤذن، فرأى بنت رجل نصراني كان بيته إلى جانب المسجد، فافتتن بها، فجاء فطرق الباب، فقالت: من؟ فقال: أنا صالح المؤذن، ففتحت له، فلما دخل ضمها إليه، فقالت: أنتم أصحاب الأمانات فما هذه الخيانة؟ فقال: إن وافقتني على ما أريد وإلا قتلتك، فقالت: لا؛ إلا أن تترك دينك، فقال: أنا بريء من الإسلام ومما جاء به محمد، ثم دنا إليها، فقالت: إنما قلت هذا لتقضي غرضك ثم تعود إلى دينك، فكُلْ من لحم الخنزير، فأكل، قالت: فاشرب الخمر، فشرب، فلما دبّ الشراب فيه دنا إليها، فدخلت بيتاً وأغلقت الباب، وقالت: اصعد إلى السطح حتى إذا جاء أبي زوّجني منك، فصعد فسقط فمات، فخرجت فلفّته في ثوب، فجاء أبوها، فقصّت عليه القصة، فأخرجه في الليل فرماه في السكة، فظهر حديثه، فرُمي في مزبلة. [ذم الهوى ٤٠٩] قال طاوس: ليس يكون الإنسان في شيء أضعف منه في أمر النساء. وروي عن ابن عباس أنه قرأ (وخلق الإنسان ضعيفاً) أي وخلق الله الإنسان ضعيفاً، أي: لا يصبر عن النساء. وكان يقال: لا تعقد قلبك مع المال لأنه فيء ذاهب، ولا مع النساء لأنها اليوم معك وغداً مع غيرك، ولا مع السلطان لأنه اليوم لك وغداً لغيرك. ويكفي في هذا قول الله تعالى (إنما أموالكم وأولادكم فتنة). • ومن أرخى لشهوته العنان؛ فإن سعار هذه الشهوة لا حد له ولا انقضاء، والمولع بشهوة الجنس بدون ضابط، أو رادع؛ لا يقف ولا يرعوي، يقول الشيخ علي الطنطاوي: لو أوتيتَ مال قارون، وجسد هرقل، وواصلتك عشر آلاف من أجمل النساء من كل لون وكل شكل، وكل نوع من أنواع الجمال، هل تظن أنك تكتفي؟ لا، أقولها بالصوت العالي: لا .. أكتبها بالقلم العريض .. ولكن واحدة بالحلال تكفيك. لا تطلبوا مني الدليل؛ فحيثما تلفّتم حولكم وجدتم في الحياة الدليل قائماً ظاهراً مرئياً. • وفي الأدب الكبير، لابن المقفع: اعلم أن من أوقع الأمور في الدين، وأنهكها للجسد، وأتلفها للمال، وأجلبها للعار، وأزراها للمروءة، وأسرعها في ذهاب الجلالة والوقار: الغرام بالنساء. ومن العجب أن الرجل لا بأس بلبّه ورأيه يرى المرأة من بعيد متلففة في ثيابها، فيصوّر لها في قلبه الحُسن والجمال حتى تعلق بها نفسه من غير رؤية ولا خبر مخبر، ثم لعله يهجم منها على أقبح القبح، وأدمّ الدمامة، فلا يعظه ذلك؛ ولا يقطعه عن أمثالها، ولا يزال مشغوفاً بما لم يذق، حتى لو لم يبق في الأرض غير امرأة واحدة، لظن أن لها شأناً غير شأن ما ذاق، وهذا هو الحمق والشقاء والسفه.

стр. 932

• وفي الختام: لا يأمن أحد على نفسه من الانتكاس بعد الهداية ولهذا نسأل الله دائما الثبات حينما نقول: يا مثبت القلوب ثبت قلبنا على دينك … اللهم آمين. • قال ابن القيم: لما كان العبد لا ينفك عن الهوى ما دام حياً فإن هواه لازم له كان الأمر بخروجه عن الهوى بالكلية كالممتنع، ولكن المقدور له والمأمور به أن يصرف هواه عن مراتع الهَلَكة، إلى مواطن الأمن والسلامة؛ مثاله: أن الله لم يأمره بصرف قلبه عن هوى النساء جملة؛ بل أمره بصرف ذلك إلى نكاح ما طاب له منهن من واحدة إلى أربع، ومن الإماء ما شاء، فانصرف مجرى الهوى من محل إلى محل، وكانت الريح دبوراً فاستحالت صباً. [روضة المحبين ١١]. (وَالْبَنِينَ) ليفتخر بهم، وللتكثر بهم، وأمل قيامهم مقامهم من بعدهم، والتفاخر والزينة. وفي الحديث (الولد ثمرة القلب، وإنه مجبنة مبخلة محزنة) أي: يجبن أبوه عن الجهاد خوف ضيعته، ويمتنع أبوه من الإنفاق في الطاعة خوف فقره، ويحزن أبوه لمرضه خوف موته، وقد قال تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلادِكُمْ عَدُوّاً لَكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ)، وقيل لبعض النساك: ما بالك لا تبتغي ما كتب الله لك؟ قال: سمعاً لأمر الله، ولا مرحباً بمن عاش فتنني، وإن مات أحزنني. يريد قوله تعالى (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ).

стр. 933

قال تعالى (إِنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوّاً لَّكُمْ فَاحْذَرُوهُمْ) يقول تعالى مخبراً عن الأزواج والأولاد: أن منهم من هو عدو الزوج والوالد، بمعنى: أنه يلتهي به عن العمل الصالح كقوله تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَن ذِكْرِ اللَّهِ وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ). • قال مجاهد: يحمل الرجل على قطيعة الرحم أو معصية ربه، فلا يستطيع مع حبه إلا أن يطيعه. • قال ابن القيم: وليس المراد من هذه العداوة ما يفهمه كثير من الناس أنها عداوة البغضاء والمحادة، بل هي عداوة المحبة الصادقة للآباء عن الهجرة والجهاد وتعلم العلم والصدقة وغير ذلك من أمور الدين وأعمال البر … وما أكثر ما فات العبد من الكمال والفلاح بسبب زوجته وولده. • بعض الأبناء وبعض الأزواج أعداء لوالديهم، فيحملونهم على معصية الله، ويثبطونهم عن طاعة الله، فقد يتساهل الأزواج والوالدان في ترك بعض الواجبات كترك الهجرة والجهاد وغير ذلك، أو في ارتكاب بعض المنهيات مجاراة لأزواجهم وأولادهم ونزولاً عند رغباتهم فتحملهم العاطفة أو طلب رضاهم على تقديم محبتهم ورضاهم على محبة الله ورضاه. • والآية عامة في كل معصية يرتكبها الإنسان بسبب الأهل والولد. فوق ل الله تعالى (عَدُوّاً لَّكُمْ) العدو من يريد لك الشر أو يحملك عليه، أو يكون سبباً في منع الخير عنك عن قصد منه أو عن غير قصد (فَاحْذَرُوهُمْ) على دينكم، أن يضروكم في دينكم، أو توافقوهم على رغباتهم فيما لا يرضي الله، والحذر: الاحتراز والحيطة من الشيء المخيف • قال الشوكاني: وخص البنين دون البنات؛ لعدم الاطراد في محبتهن. (وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ) أي: الأموال الكثيرة المكدّسة من الذهب والفضة، وإنما كان المال محبوباً لأنه يحصل به غالباً الشهوات، والمرء يرتكب الأخطار في تحصيله. • القناطير: جمع قنطار وهو العُقدة الكثيرة من المال، أو المال الكثير الذي لا يحصى، والمقنطرة: المضعّفة، وهو للتأكيد كقولك ألوف مؤلفة وأضعاف مضاعفة، قاله الطبري. ورجح القول بأن (المقنطرة) المضعفة: الثعلبي، والواحدي، وابن عاشور.

стр. 934

• وقد اختلف العلماء في مقدار القنطار: فقيل: القنطار ألف ومائتا أوقية، وقيل: القنطار ألف ومائتا دينار، وقيل: القنطار ثمانون ألفاً. وقال الطبري: فالصواب أن يقال: هو المال الكثير كما قال الربيع بن أنس. • قال ابن الجوزي: وقال الربيع بن أنس: القنطار: المال الكثير، بعضه على بعض، وروي عن أبي عبيدة أنه ذكر عن العرب أن القنطار وزن لا يحد، وهذا اختيار ابن جرير الطبري. قاله ابن الأنباري • والمال فتنة عظيمة، لأنه يحمل صاحبه على الإعراض عن طريق الله تعالى، ويحمله أيضاً على الطغيان والبغي. والمال - أيضاً - فتنة لأنه يشغل القلب ويلهي عن الطاعة وينسي الآخرة. قال تعالى (كَلَّا إِنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى. أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى). وقال تعالى (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ). وقال تعالى (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ). وقصة الثلاثة - الأقرع والأبرص والأعمى - الذين ابتلاهم الله، فجحد اثنان منهما. وقال تعالى (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ). وقال تعالى (أَن كَانَ ذَا مَالٍ وَبَنِينَ. إِذَا تُتْلَى عَلَيْهِ آيَاتُنَا قَالَ أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ). وقال تعالى (إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَ الْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِ). وقال ﷺ (إن لكل أمة فتنة، وفتنة أمتي بالمال) رواه الترمذي. وقال ﷺ (لو كان لابن آدم واديان من ذهب لأحب أن يكون له ثالثاً، ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب، ويتوب الله على من تاب) متفق عليه. وقال ﷺ (يهرم ابن آدم ويهرم معه اثنتان: الحرص على العمر، والحرص على المال) متفق عليه. وقال ﷺ (اثنتان يكرهما ابن آدم: يكره الموت والموت خير له من الفتن، ويكره قلة المال، وقلة المال أقل للحساب) رواه أحمد

стр. 935

وقال ﷺ (يأتي على الناس زمان لا يبالي المرء أخذ المال من حلال أو حرام) رواه البخاري. وقال ﷺ (ما ذئبان جائعان أرسلا في غنم بأفسدَ لها من حرص المرء على المال والشرف لدينه) قال ابن رجب: هذا مثل عظيم ضربه النبي ﷺ لفساد دين المسلم بالحرص على المال والشرف في الدنيا، وأن فساد الدين بذلك ليس بدون فساد الغنم بذئبين جائعين ضاريين باتا في الغنم، قد غاب عنها رعاؤها ليلاً، فهما يأكلان في الغنم ويفترسان فيها. فأخبر النبي ﷺ أن حرص المرء على المال والشرف إفساد لدينه ليس بأقل من إفساد الذئبين لهذه الغنم. فهذا المثل العظيم يتضمن غاية التحذير من شر الحرص على المال والشرف في الدنيا. • الحرص على المال على نوعين: الأول: شدة محبة المال مع شدة طلبه من جوه المباحة المبالغة في طلبه والجد في تحصيله. ولو لم يكن في الحرص على المال إلا تضييع العمر الشريف الذي لا قيمة له، وقد كان يمكن صاحبه فيه اكتساب الدرجات العلى والنعيم المقيم، فضيّعه بالحرص في طلب رزق مضمون مقسوم. فالحريص يضيع زمانه الشريف يخاطر بنفسه لتي لا قيمة لها في الأسفار وركوب الأخطار لجمع مال ينتفع به غيره. قيل لبعض الحكماء: إن فلاناً جمع مالاً، فقال: فهل جمع أياماً ينفقه فيها؟ قيل: لا. قال: ما جمع شيئاً كان عبد الأحد بن زيد يحلف بالله، لحرص المرء على الدنيا أخوف عليه عندي من أعدى أعدائه. وفي بعض الآثار الإسرائيلية: الرزق مقسوم، والحريص محروم، ابنَ آدم، إذا أفنيتَ عمرَك في طلب الدنيا، فمتى تطلب الآخرة. إذا كنت في الدنيا عن الخيرِ عاجزاً فما أنت في يومِ القيامة صانعُ. قال بعض السلف: إذا كان القدر حقاً فالحرصُ باطلٌ، وإذا كان الغدر في الناس طباعاً فالثقة بكل أحدٍ عجزٌ، وإذا كان الموت لكلِ أحد راصداً فالطمأنينة إلى الدنيا حمق. كتب بعض الحكماء إلى أخٍ له كان حريصاً على الدنيا: أما بعد، فإنك أصبحت حريصاً على الدنيا، تخدمها وهي تزجرُك عن نفسها بالأعراض والأمراض والآفات والعلل، كأنك لم تر حريصاً محروماً، ولا زاهداً مرزوقاً، ولا ميتاً عن كثير، ولا مبلغاً من الدنيا باليسير.

стр. 936

قال بعض الحكماء: أطول الناس هماً الحسود، وأهنؤهم عيشاً القنوع، وأصبرهم على الأذى الحريص، وأخفضهم عيشاً أرفضهم للدنيا، وأعظمهم ندامة العالم المفرط. الثاني: أن يزيد على ما سبق ذكره في النوع الأول حتى يطلب المال من الوجوه المحرمة. قال تعالى (ومَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). وفي سنن أبي داود عن عبد الله بن عمر عن النبي ﷺ قال (اتقوا الشح، فإن الشح أهك من كان قبلكم، أمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالبخل فبخلوا، وأمرهم بالفجور ففجروا). وفي صحيح مسلم عن جابر عن النبي ﷺ قال (اتقوا الشح، فإن الشح أهلك من كان قبلكم، حملهم على أن سفكوا دماءهم واستحلوا محارمهم). قال طائفة من العلماء: الشح هو الحرص الشديد الذي يحمل صاحبه على أن يأخذ الأشياء من غير حلها ويمنع حوقها والبخل: هو إمساك الإنسان ما في يده. قال تعالى (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا) وذلك لإعانتهما فيها، ووجود الشرف بهما ثم أشار إلى أنهما ليسا من أسباب الشرف الأخروي، إذ لا يحتاج فيها إليهما، بقوله (وَالْبَاقِيَاتُ الصَّالِحَاتُ خَيْرٌ عِنْدَ رَبِّكَ ثَوَاباً وَخَيْرٌ أَمَلاً) أي: والأعمال التي تبقى ثمراتها الأخروية، من الاعتقادات والأخلاق والعبادات الكاملات، خير عند ربك من المال والبنين، في الجزاء والفائدة وخير مما يتعلق بهما من الأمل. فإن ما ينال بهما من الآمال الدنيوية، أمرها إلى الزوال. وما ينال بالباقيات الصالحات من منازل القرب الرباني والنعيم الأبدي، لا يزول ولا يحول. (تفسير القاسمي). (وَالْخَيْلِ) سميت بذلك لأن صاحبها يختال إذا ركبها.

стр. 937

(الْمُسَوَّمَةِ) أي: المعلّمة، كما قال ابن عباس. • وفي المسومة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها الراعية. واختاره السمرقندي، وابن جزي، وابن عاشور. قال ابن قتيبة: يقال: سامت الخيل، وهي سائمة: إذا رعت، وأسمتها وهي مسامة، وسومتها فهي مسوَّمة: إذا رعيتها. والثاني: أنها المعلمة. وبه قال ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج (وفي معنى المعلمة ثلاثة أقوال: أحدها: أنها معلمة بالشية، وهو اللون الذي يخالف سائر لونها، روي عن قتادة. والثاني: بالكي، روي عن المؤرج. والثالث: أنها البلق، قاله ابن كيسان). والثالث: أنها الحسان. وإلى هذا القول ذهب عكرمة ومجاهد، ورجحه الطبري والسيوطي. والرابع: أي المعدة للجهاد. وهو مروي عن ابن زيد. لكن هذا القول فيه نظر، لأن إعداد الخيل للجهاد في سبيل الله من أمور الدين، وليس من قبيل أمور الدنيا التي زينت للناس، فهذا القول فيه نظر بيّن. • ولهذا قال الطبري: وأما الذي قاله ابن زيد من أنها المعدة في سبيل الله، فتأويل من معنى المسومة بمعزل والراجح أن الأقوال الثلاثة الأولى كلها محتملة، لأن اللفظ يحتملها، وهذا ما اختاره القرطبي فقال: قلت: كل ما ذكر يحتمله اللفظ، فتكون راعية معدة حساناً معلمة لتعرف من غيرها. (وَالْأَنْعَامِ) وهي جمع نعم، وهي الإبل والبقر والغنم. (وَالْحَرْثِ) أي: الأرض المتخذة للغراس والزراعة. • قال القرطبي: قال العلماء: ذكر الله تعالى أربعة أصناف من المال، كل نوع من المال يتموّل به صنف من الناس؛ أمّا الذهب والفضة فيتموّل بها التجار، وأمّا الخيل المسوّمة فيتموّل بها الملوك، وأمّا الأنعام فيتموّل بها أهل البوادِي، وأمّا الحرث فيتموّل بها أهل الرساتيق. فتكون فتنة كل صنف في النوع الذي يتموّل، فأمّا النساء والبنون ففتنة للجميع.

стр. 938

(ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي ما يُتَمتّع به فيها ثم يذهب ولا يبقى. (وَاللَّهُ عِنْدَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: حسن المرجع والمصير. • قال الشوكاني: قوله تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) أي: ذلك المذكور ما يتمتع به، ثم يذهب، ولا يبقى، وفيه تزهيد في الدنيا، وترغيب في الآخرة. • وقال في التسهيل: قوله تعالى (ذلك متاع الحياة الدنيا) تحقير لها ليزهد فيها الناس. • وقال القاسمي: قوله تعالى (وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ) أي: المرجع وهو الجنة، فينبغي الرغبة فيه دون غيره. وفي إشعاره ذم من يستعظم تلك الشهوات ويتهالك عليها، ويرجح طلبها على طلب ما عند الله، وتزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. وهذا منه تزهيد في الدنيا وترغيب في الآخرة. • وقال السعدي: وفي هذه الآية تسلية للفقراء الذين لا قدرة لهم على هذه الشهوات التي يقدر عليها الأغنياء، وتحذير للمغترين بها وتزهيد لأهل العقول النيرة بها، وتمام ذلك أن الله تعالى أخبر بعدها عن دار القرار ومصير المتقين الأبرار، وأخبر أنها خير من ذلكم المذكور، ألا وهي الجنات العاليات ذات المنازل الأنيقة والغرف العالية، والأشجار المتنوعة المثمرة بأنواع الثمار، والأنهار الجارية على حسب مرادهم والأزواج المطهرة من كل قذر ودنس وعيب ظاهر وباطن، مع الخلود الدائم الذي به تمام النعيم، مع الرضوان من الله الذي هو أكبر نعيم، فقس هذه الدار الجليلة بتلك الدار الحقيرة، ثم اختر لنفسك أحسنهما واعرض على قلبك المفاضلة بينهما. • سئل سهل بن عبد الله: بِم يسهل على العبد ترك الدنيا وكل الشهوات؟ قال: بتشاغله بما أُمِر به.

стр. 939

• قوله تعالى (الْحَيَاةُ الدُّنْيَا) هي هذه الحيلة التي نعيشها التي قبل الآخرة، وسميت لدنيا لسببين: السبب الأول: لأنها قبل الآخرة في الزمن. السبب الثاني: لدناءتها وحقارتها بالنسبة للآخرة. كما قال تعالى (فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ) وقال تعالى (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا مَتَاعٌ) وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تعدل عند الله جناح بعوضة ما سقى منها كافراً شربة ماء) رواه الترمذي، وقال ﷺ (لموضع سوط أحدكم في الجنة خير من الدنيا وما فيها) رواه البخاري. • ففي هذه الآية حقارة الدنيا وخستها. كما قال تعالى (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ). وقال تعالى (وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ الرِّيَاحُ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقْتَدِراً). وقال عن مؤمن فرعون أنه قال لقومه (يَا قَوْمِ إِنَّمَا هَذِهِ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا مَتَاعٌ وَإِنَّ الْآخِرَةَ هِيَ دَارُ الْقَرَارِ). وقال القرطبي: متاع: أي يتمتع بها قليل ثم تنقطع وتزول. ودار الآخرة هي دار الاستقرار والخلود. قال ابن رجب: وقال الله تعالى عن مؤمن آل فرعون أنه قال لقومه (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار) والمتاع: هو ما يتمتع به صاحبه برهة ثم ينقطع ويفنى. فما عيبت الدنيا بأكثر من ذكر فنائها وتقلب أحوالها، وهو أدل دليل على انقضائها وزوالها، فتتبدل صحتها بالسقم، ووجودها بالعدم، وشبيبتها بالهرم، ونعيمها بالبؤس، وحياتها بالموت، فتفارق الأجسام النفوس وعمارتها بالخراب واجتماعها بفرقة الأحباب وكل ما فوق التراب تراب قال بعض السلف في يوم عيد وقد نظر إلى كثرة الناس وزينة لباسهم: هل ترون إلا خرقا تبلى أو لحما يأكله الدود غدا كان الإمام أحمد ﵁ يقول: يا دار تخربين ويموت سكانك.

стр. 940

وقال ﷺ (لو كانت الدنيا تزن عند الله جناح بعوضة ما سقى كافراً منها شربة ماء) رواه الترمذي. وقال ﷺ (الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه … ) رواه الترمذي. وقال ﷺ (الدنيا سجن المؤمن وجنة الكافر) رواه مسلم. وقال ﷺ (ما مثلي ومثل الدنيا إلا كراكب استظل تحت شجرة ثم راح وتركها) رواه الترمذي. وقال النبي ﷺ (ما الدنيا في الآخرة إلا كما يجعل أحدكم إصبعه في اليم فلينظر بما يرجع) رواه مسلم قال النووي ﵀: ما للدنيا بالنسبة للآخرة في قصر مدتها وفناء لذاتها ودوام الآخرة ودوام لذاتها ونعيمها إلا كنسبة الماء الذي يعلق بالإصبع إلى باقي البحر. وقال ﷺ لابن عمر (يا ابن عمر كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل) رواه البخاري وفي رواية (وعد نفسك من أهل القبور). هذه وصية النبي ﷺ لابن عمر، وهي في الواقع وصية له وللأمة من بعده ﵁ وأرضاه، كن في الدنيا كأنك غريب أو عابر سبيل وعد نفسك من أهل القبور، قال الإمام النووي ﵀ في معنى الحديث (لا تركن إلى الدنيا ولا تتخذها وطنا، ولا تحدّث نفسك بطول البقاء فيها ولا بالاعتناء بها، ولا تتعلق منها إلا بما يتعلق به الغريب في غير وطنه). من أقوال السلف:

стр. 941

قال موسى ﵊: الدنيا قنطره فاعبروها ولا تعمروها. وقال عيسى ﵇ لأصحابه: من ذا الذي يبني على موج البحار داراً تلكم الدنيا فلا تتخذوها قراراً. وقال: مثل طالب الدنيا كمثل شارب ماء البحر، كلما ازداد شرباً ازداد عطشاً حتى يقتله. وقد خرج أبو الدرداء على أهل الشام ورآهم في ترف فقال لهم: مالي أراكم تجمعون ما لا تأخذون، وتبنون ما لا تسكنون، وتؤمّلون ما لا تأخذون، لقد جمعت الأقوام التي قبلكم وأمّنتْ، فما هو إلا قليل حتى أصبح جمعهم بوراً، وأملهم غروراً، وبيوتهم قبوراً، فجعل الناس يبكون حتى سمع نشيجهم من خارج المسجد. وقال أبو داود وهو من تلاميذ الإمام أحمد بن حنبل: ما رأيت الإمام أحمد بن حنبل ذكر الدنيا. وقال ابن القيم: لا تدخل محبة الله في قلب فيه حب الدنيا إلا كما يدخل الجمل في سم الإبرة. وقال: الدنيا كامرأة بغي لا تثبت مع زوج، والسير في طلبها كالسير في أرض مسبعة - أي كثيرة السباع - السباحة فيها كالسباحة في غدير التمساح. الفوائد: ١ - حكمة الله في ابتلاء الناس بتزيين حب الشهوات. ٢ - أن عند الفتن يظهر الصادق من الكاذب. ٣ - أن الدنيا دار ابتلاء. ٤ - أنه لا يذم من أحب هذه الأمور على الوجه المشروع. ٥ - تقديم الأشد فالأشد، ولهذا قدم فتنة النساء. ٦ - عظم خطر فتنة البنين. ٧ - وجوب الحذر من فتنة المال. ٨ - أنه كلما كثر المال كلما ازدادت الفتنة. ٩ - أن هذه الأشياء متاع في الدنيا زائل. ١٠ - وجوب الاستعداد للآخرة لأنها هي الباقية. ١١ - أن متاع قليل ناقص منغص بالآفات. ١٢ - التزهيد في التعلق بهذه الأشياء. ١٣ - أن ما عند الله خير من هذه الدنيا.

стр. 942

(قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ). [آل عمران: ١٥]. (قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِنْ ذَلِكُمْ) أي: قل يا محمد للناس: أأخبركم بخير مما زين للناس في هذه الحياة الدنيا من زهرتها ونعيمها، الذي هو زائل لا محالة. • قال ابن عاشور: وافتتح الاستئناف بكلمة (قُلْ) للاهتمام بالمقول، والمخاطب بقل النبي ﷺ والاستفهام للعرض تشويقاً من نفوس المخاطبين إلى تلقي ما سيقص عليهم كقوله تعالى (هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ). • قال الرازي: إنما قلنا: إن نعم الآخرة خير من نعم الدنيا، لأن نعم الدنيا مشوبة بالمضرة، ونعم الآخرة خالية عن شوب المضار بالكلية، وأيضاً فنعم الدنيا منقطعة لا محالة، ونعم الآخرة باقية لا محالة. (لِلَّذِينَ اتَّقَوْا) أي: اتقوا الله بفعل أوامره واجتناب نواهيه. (عِنْدَ رَبِّهِمْ) أي: عند خالقهم وسيدهم ومالكم. (جَنَّاتٌ) جمع جنة، الجنة في لغة العرب: البستان، لأن أشجاره الملتفة تجن الداخل فيه، وجاء إطلاق الجنة على البستان في القرآن في قوله (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ) أي البستان، وفي قوله (وَدَخَلَ جَنَّتَهُ وَهُوَ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ) وأما في الاصطلاح: فهي الدار التي أعدها الله لأوليائه، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر. (تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ) أي: تجري من تحت قصورها الأنهار، وليس المعنى أنها تجري من تحت أرضها، والجري هو سير الماء على الأرض، والأنهار جمع نهر وهو الماء الكثير، وهذه الأنهار تجري من غير أخدود كما قال بعض السلف. • وهذه الأنهار فصلها الله في هذه السورة كما سيأتي فقال (مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّىً). • قال ابن القيم: وهذا يدل على أمور: أحدها: وجود الأنهار فيها. الثاني: أنها جارية لا واقفة. الثالثة: أنها تحت غرفهم وقصورهم وبساتينهم كما هو المعهود في أنهار الدنيا.

стр. 943

• قوله تعالى (جنات) دليل على أن الجنات أنوع. كما قال تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ثم قال تعالى (وَمِنْ دُونِهِمَا جَنَّتَانِ). وقال ﷺ (جنتان من فضة آنيتهما وما فيهما، وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما). • قال الشيخ ابن عثيمين: قوله تعالى (في جنات) أحياناً تأتي مفردة كقوله تعالى (سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ) وأحياناً تأتي مجموعة، فإفرادها باعتبار الجنس، وجمعها باعتبار النوع، لأن الجنة، وقد ذكر الله في آخر سورة الرحمن أربعة أنواع (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ) ثم قال (وَمِن دُونِهِمَا جَنَّتَانِ) والأوليان أشرف. (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: مقيمين فيها إقامة أبدية لا تحول ولا تزول، فلا يموتون ولا يفنون ولا يخرجون منها • وذكر من نعيم الجنة الخلود، لأنه أعظم النعيم، لأن أكبر ما ينكد اللذائذ، وينغص اللذات، أن يعلم صاحبها أنه زائل عنها، وأنها زائلة عنه، فكل نعيم بعده موت فليس بنعيم، والنعيم إذا تيقن صاحبه الانتقال عنه صار غماً. فالفكرة بالزوال تكدر اللذات الحاضرة، ولذا كان النبي ﷺ يأمرهم أن يكثروا من ذكر الموت، ويقال للموت: هاذم اللذات، لأن من تذكره ضاعت عليه لذته التي هو فيها، لأنه يقطعها، ولهذا قال (خالدين فيها) لا يزول عنهم ذلك النعيم فتتكدر غبطتهم. وجاءت الآيات الكثيرة بخلود أهل الجنة بالجنة. فقال تعالى (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَمَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ وَيَعْمَلْ صَالِحاً يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ وَيُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً). وقال تعالى (وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

стр. 944

وقال ﷺ (من يدخل الجنة ينعم ولا ييأس، لا تبلى ثيابُه، ولا يفنى شبابه) رواه مسلم. وقال ﷺ (يناد مناد: إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً، وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبداُ، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبداً، وإن لكم أن تنعموا فلا تيأسوا أبداً) رواه مسلم. وقال ﷺ (إذا دخل أهل الجنة الجنة، وأهل النار النار، فيؤتى بالموت على شكل كبش فيذبح، فيقال: يا أهل الجنة خلود فلا موت … ) متفق عليه. (وَأَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ) أي: من الدَّنَس، والخَبَث، والأذى، والحيض، والنفاس، وغير ذلك مما يعتري نساء الدنيا. • قال السمرقندي: معناه في الخَلْق والخُلُق، فأما الخَلْقُ فإنهن لا يَحضنَ ولا يتمخَّطْن، ولا يأتين الخلاء، وأما الخُلُق، فإنهن لا يَغِرْن ولا يحسدن، ولا ينظرن إلى غير أزواجهن. (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ) أي: يحل عليهم رضوانه، فلا يَسْخَط عليهم بعده أبداً، ولهذا قال تعالى في الآية الأخرى التي في براءة (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ) أي: أعظم مما أعطاهم من النعيم المقيم. • قال تعالى في سورة براءة (وَعَدَ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَمَسَاكِنَ طَيِّبَةً فِي جَنَّاتِ عَدْنٍ وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ). • قال أبو حيان: بدأ أولاً بذكر المقر، وهو الجنات التي قال فيها (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ وَأَنْتُمْ فِيهَا خَالِدُونَ)، (فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر) ثم انتقل من ذكرها إلى ذكر ما يحصل به الأنس التامّ من الأزواج المطهرة، ثم انتقل من ذلك إلى ما هو أعظم الأشياء وهو رضا الله عنهم، فحصل بمجموع ذلك اللذة الجسمانية والفرح الروحاني، حيث علم برضا الله عنه، كما جاء في الحديث أنه تعالى (يسأل أهل الجنة هل رضيتم؟ فيقولون: ما لنا لا نرضى يا رب وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك؟ فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب وأي شيء أفضل من ذلك؟ قال: أحل عليكم رضواني فلا أسخط عليكم أبداً).

стр. 945

(وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي: يعطي كلا بحسب ما يستحقه من العطاء. • قال الشيخ ابن عثيمين: فهو بصير بهم بصر نظر، وبصر علم، أما بضر النظر فلا يغيب عن نظره شيء، وأما بصر العلم فلا يعزب عنه مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر. والبصير: اسم من أسماء الله متضمن لصفة البصر. • قال السعدي: الذي يُبصر كلَّ شيء وإن رقَّ وصغُر، فيبصر دبيب النملة السوداء في الليلة الظلماء على الصخرة الصماء، ويبصر ما تحت الأرضين السبع كما يبصر ما فوق السماوات السبع. قال ابن القيم: وهو البصيرُ يرى دبيبَ النملةِ الـ … سوداءِ تحت الصخرِ والصَّوَانِ ويرى مجاري القوت في أعضائها … ويَرى عُروق بياضِها بعيانِ ويرى خيانات العيون بِلْحظِها … ويرى كذلك تقلبَ الأجفانِ • وصفة البصر من صفات الكمال كصفة السمع، فالمتصف بها أكمل ممن لا يتصف بذلك، قال تعالى (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ). وقد أنكر إبراهيم على أبيه عندما عَبَد ما لا يبصر ولا يسمع (إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئاً). • والله بصير بأحوال عباده خبير بها، بصير بمن يستحق الهداية منهم ممن لا يستحقها، بصير بمن يصلح حاله بالغنى والمال، وبمن يفسد حاله بذلك (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ). • وهو بصير بالعباد شهيد عليهم، الصالح منهم والطالح، المؤمن والكافر (هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ فَمِنْكُمْ كَافِرٌ وَمِنْكُمْ مُؤْمِنٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً بَصِيراً).

стр. 946

• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). الفوائد: ١ - أن النبي ﷺ عبد يؤمر وينهى. ٢ - فضل التقوى وما أعد الله للمتقين. ٣ - أن من أسباب دخول الجنة تقوى الله كما قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) ولما سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق. ٤ - من نعيم الجنة الأنهار التي تجري من تحت قصورها. ٥ - فضيلة الأزواج في الجنة. ٦ - أن من تمام نعيم هؤلاء رضوان الله عليهم. ٧ - إثبات صفة الرضا لله تعالى إثباتاً يليق بجلاله. ٨ - إحاطة الله بالعباد علماً ورؤية. ٩ - التحذير من مخالفة أوامر الله، لأن الله بصير لا يخفى عليه شيء.

стр. 947

(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: ١٦ - ١٧]. (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) أي: بك وبكتابك وبرسولك. والإيمان هنا يشمل النطق باللسان والاعتقاد بالجنان، لأن الله إذا أطلق القول بالإيمان ولم يتعقبه، كان المراد به القول باللسان، والعقد بالجنان. (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك. والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم. ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام، ولهذا نقول مغفرة الذنوب: سترها عن الناس، والعفو عن عقوباتها. (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: ادفع عنا عذاب النار، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً). • قال الطبري: وإنما خصّوا المسألةَ بأن يقيهم عذاب النار، لأن من زُحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة من عذاب الله وحسن مآبه.

стр. 948

(الصَّابِرِينَ) أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، وعلى أقدار الله المؤلمة. صبر على طاعة الله: فهو أن يجاهد نفسه على القيام بالطاعة وبالإخلاص بها وإحسانها. والصبر عن المعصية: لا سيما مع قوة الداعي، فهذا يحتاج إلى صبر شديد، ولهذا قال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله … ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله). ومن ذلك صبر يوسف عندما دعته امرأة العزيز. ومن ذلك الرجل الإسرائيلي الذي كان يراود ابنة عمه عن نفسها، .... فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت له: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه. واصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومنه صبر أيوب، وصبر يوسف عندما ألقاه إخوته في الجب. • قال الرازي: الصفة الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى، كما قال (الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون) قال سفيان بن عيينة في قوله (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ) إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر. قال تعالى (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً). وقال تعالى (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً). وقال تعالى (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا). وقال تعالى (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ). وقال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ). (وَالصَّادِقِينَ) في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

стр. 949

• وقد قسم ابن القيم الصدق إلى ثلاثة أقسام: الأول: صدق في الأقوال: ومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها. والثاني: صدق في الأعمال. ومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد. والثالث: صدق في الأحوال. ومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص. • وقد أمر الله بالصدق: فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أي: كونوا مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلا صدقاً خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة. • وبين تعالى أنهم لو صدقوا لكان خيرا لهم: فقال تعالى (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ). • وعند الابتلاء يعرف الصادق من الكاذب: فقال تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). • ولا ينفع يوم القيامة إلا الصدق: قال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ). • والصديقة منزلة عالية. قال تعالى عن عيسى وأمه (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ). وقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).

стр. 950

• وسبب للبركة. قال ﷺ (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما) متفق عليه. قال عمر بن الخطاب: عليك بالصدق وإن قتلك. وقال بشر بن الحارث: مَنْ عامل الله بالصدق استوحش من الناس. وقال جعفر بن محمد: الصدق هو المجاهدة، وأن لا تختار على الله غيره كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى (هو اجتباكم). وقال أحمد بن حنبل: لو وضع الصدق على جرح لبرأ. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه. وقال الإمام الأوزاعي ﵀: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت. وقال ابن عباس صدق الله العظيم: أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر. وقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم. وقال ابن القيم: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع. قال ابن تيمية: الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً. قال ابن القيم: فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له الإسلام بعد، حتى يدعى الشرف فيه. وقال: فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال والصدق في الأعمال استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامه بها تكون صد يقيته. وقال: كل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب. وقال: أصل أعمال القلوب كلها: الصدق. وقال: والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوقفه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).
следующие страницы →