← Тафсир

Тафсир · id 831

تفسير القرآن الكريم - اللهيميد - من الفاتحة إلى النساء

سليمان بن محمد اللهيميد

Полный текст (1 874 стр.). Показаны 946–985 · переход к 951.

стр. 946

• ومن علم أن الله مطلع عليه استحى أن يراه على معصية أو فيما لا يحب، ومن علم أنه يراه أحسن عمله وعبادته وأخلص فيها لربه وخشع، فقد جاء في حديث جبريل ﵇ عندما سأل النبي ﷺ عن الإحسان فقال ﷺ (أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك). الفوائد: ١ - أن النبي ﷺ عبد يؤمر وينهى. ٢ - فضل التقوى وما أعد الله للمتقين. ٣ - أن من أسباب دخول الجنة تقوى الله كما قال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ) وقال تعالى (وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ غَيْرَ بَعِيدٍ) ولما سئل النبي ﷺ عن أكثر ما يدخل الجنة؟ قال: تقوى الله وحسن الخلق. ٤ - من نعيم الجنة الأنهار التي تجري من تحت قصورها. ٥ - فضيلة الأزواج في الجنة. ٦ - أن من تمام نعيم هؤلاء رضوان الله عليهم. ٧ - إثبات صفة الرضا لله تعالى إثباتاً يليق بجلاله. ٨ - إحاطة الله بالعباد علماً ورؤية. ٩ - التحذير من مخالفة أوامر الله، لأن الله بصير لا يخفى عليه شيء.

стр. 947

(الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ. الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنْفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) [آل عمران: ١٦ - ١٧]. (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) يصف تعالى عباده المتقين الذين وعدهم الثواب الجزيل، فقال تعالى (الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا) أي: بك وبكتابك وبرسولك. والإيمان هنا يشمل النطق باللسان والاعتقاد بالجنان، لأن الله إذا أطلق القول بالإيمان ولم يتعقبه، كان المراد به القول باللسان، والعقد بالجنان. (فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا) أي بإيماننا بك وبما شرعته لنا فاغفر لنا ذنوبنا وتقصيرنا من أمرنا بفضلك ورحمتك. والمغفرة: هي ستر الذنب عن الخلق، والتجاوز عن عقوبته، كما في حديث ابن عمر في المناجاة أن رسول الله ﷺ قال (يدني المؤمن يوم القيامة من ربه حتى يضع كنفه - أي ستره ورحمته - فيقرره بذنوبه، فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟ فيقول: نعم، أي ربي، حتى إذا قرره بذنوبه، ورأى في نفسه أنه هلك، قال الله: سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم) رواه البخاري ومسلم. ومنه سمي المغفر، وهو البيضة التي توضع على الرأس تستره وتقيه السهام، ولهذا نقول مغفرة الذنوب: سترها عن الناس، والعفو عن عقوباتها. (وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ) أي: ادفع عنا عذاب النار، كما قال تعالى في وصف عباد الرحمن (وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذَابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذَابَهَا كَانَ غَرَاماً). • قال الطبري: وإنما خصّوا المسألةَ بأن يقيهم عذاب النار، لأن من زُحزح يومئذ عن النار فقد فاز بالنجاة من عذاب الله وحسن مآبه.

стр. 948

(الصَّابِرِينَ) أي: في قيامهم بالطاعات وتركهم المحرمات، وعلى أقدار الله المؤلمة. صبر على طاعة الله: فهو أن يجاهد نفسه على القيام بالطاعة وبالإخلاص بها وإحسانها. والصبر عن المعصية: لا سيما مع قوة الداعي، فهذا يحتاج إلى صبر شديد، ولهذا قال ﷺ (سبعة يظلهم الله في ظله … ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال فقال إني أخاف الله). ومن ذلك صبر يوسف عندما دعته امرأة العزيز. ومن ذلك الرجل الإسرائيلي الذي كان يراود ابنة عمه عن نفسها، .... فلما جلس منها مجلس الرجل من امرأته قالت له: اتق الله، ولا تفض الخاتم إلا بحقه، فقام عنها وهي أحب الناس إليه. واصبر على أقدار الله المؤلمة، وهذا كثير، ومنه صبر أيوب، وصبر يوسف عندما ألقاه إخوته في الجب. • قال الرازي: الصفة الأولى: كونهم صابرين، والمراد كونهم صابرين في أداء الواجبات والمندوبات، وفي ترك المحظورات وكونهم صابرين في كل ما ينزل بهم من المحن والشدائد، وذلك بأن لا يجزعوا بل يكونوا راضين في قلوبهم عن الله تعالى، كما قال (الذين إِذَا أصابتهم مُّصِيبَةٌ قَالُواْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجعون) قال سفيان بن عيينة في قوله (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُواْ) إن هذه الآية تدل على أنهم إنما استحقوا تلك الدرجات العالية من الله تعالى بسبب الصبر. قال تعالى (وَجَزَاهُمْ بِمَا صَبَرُوا جَنَّةً وَحَرِيراً). وقال تعالى (أُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَرُوا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً). وقال تعالى (أُولَئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا). وقال تعالى (إِنِّي جَزَيْتُهُمُ الْيَوْمَ بِمَا صَبَرُوا أَنَّهُمْ هُمُ الْفَائِزُونَ). وقال تعالى (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ). (وَالصَّادِقِينَ) في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم.

стр. 949

• وقد قسم ابن القيم الصدق إلى ثلاثة أقسام: الأول: صدق في الأقوال: ومعناه: استواء اللسان على الأقوال كاستواء السنبلة على ساقها. والثاني: صدق في الأعمال. ومعناه: استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد. والثالث: صدق في الأحوال. ومعناه: استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص. • وقد أمر الله بالصدق: فقال تعالى (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أي: كونوا مع الصادقين في أقوالهم وأفعالهم وأحوالهم، الذين أقوالهم صدق وأعمالهم وأحوالهم لا تكون إلا صدقاً خالية من الكسل والفتور، سالمة من المقاصد السيئة مشتملة على الإخلاص والنية الصالحة. • وبين تعالى أنهم لو صدقوا لكان خيرا لهم: فقال تعالى (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الْأَمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللَّهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ). • وعند الابتلاء يعرف الصادق من الكاذب: فقال تعالى (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ). • ولا ينفع يوم القيامة إلا الصدق: قال تعالى (قَالَ اللَّهُ هَذَا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ). • والصديقة منزلة عالية. قال تعالى عن عيسى وأمه (مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ كَانَا يَأْكُلانِ الطَّعَامَ). وقال تعالى (وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقاً).

стр. 950

• وسبب للبركة. قال ﷺ (البيعان بالخيار ما لم يتفرقا، فإن صدقا وبيّنا بورك لهما في بيعهما) متفق عليه. قال عمر بن الخطاب: عليك بالصدق وإن قتلك. وقال بشر بن الحارث: مَنْ عامل الله بالصدق استوحش من الناس. وقال جعفر بن محمد: الصدق هو المجاهدة، وأن لا تختار على الله غيره كما لم يختر عليك غيرك، فقال تعالى (هو اجتباكم). وقال أحمد بن حنبل: لو وضع الصدق على جرح لبرأ. وقال عمر بن عبد العزيز ﵀: ما كذبت مذ علمت أن الكذب يشين صاحبه. وقال الإمام الأوزاعي ﵀: والله لو نادى منادٍ من السماء أن الكذب حلال ما كذبت. وقال ابن عباس صدق الله العظيم: أربع من كن فيه فقد ربح: الصدق والحياء وحسن الخلق والشكر. وقال بعض العلماء: أجمع الفقهاء والعلماء على ثلاث خصال أنها إذا صحت ففيها النجاة ولا يتم بعضها إلا ببعض: الإسلام الخالص عن البدعة والهوى، والصدق لله في الأعمال، وطيب المطعم. وقال ابن القيم: الصادق مطلوبه رضى ربه، وتنفيذ أوامره وتتبع محابه فهو متقلب فيها يسير معها أينما توجهت ركائبها، ويستقل معها أينما استقلت مضاربها فبينا هو في صلاة إذ رأيته في ذكر ثم في غزو ثم في حج ثم في إحسان للخلق بالتعليم وغيره من أنواع المنافع. قال ابن تيمية: الصديقية كمال الإخلاص والانقياد والمتابعة للخبر والأمر ظاهراً وباطناً. قال ابن القيم: فلا شيء أنفع للصادق من التحقق بالمسكنة والفاقة والذل وأنه لا شيء وأنه ممن لم يصح له الإسلام بعد، حتى يدعى الشرف فيه. وقال: فالصدق في الأقوال: استواء اللسان على الأقوال والصدق في الأعمال استواء الأفعال على الأمر والمتابعة كاستواء الرأس على الجسد، والصدق في الأحوال استواء أعمال القلب والجوارح على الإخلاص، واستفراغ الوسع وبذل الطاقة، فبذلك يكون العبد من الذين جاؤوا بالصدق، وبحسب كمال هذه الأمور فيه وقيامه بها تكون صد يقيته. وقال: كل عمل صالح ظاهر أو باطن فمنشؤه الصدق وكل عمل فاسد ظاهر أو باطن فمنشؤه الكذب. وقال: أصل أعمال القلوب كلها: الصدق. وقال: والله تعالى يعاقب الكذاب بأن يقعده ويثبطه عن مصالحه ومنافعه، ويثيب الصادق بأن يوقفه للقيام بمصالح دنياه وآخرته، فما استجلبت مصالح الدنيا والآخرة بمثل الصدق ولا مفاسدهما ومضارهما بمثل الكذب، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين).

стр. 951

وقال: حمل الصدق كحمل الجبال الرواسي لا يطيقه إلا أصحاب العزائم. وقال: فإن العبد الصادق لا يرى نفسه إلا مقصراً والموجب له لهذه الرؤية: استعظام مطلوبه واستصغار نفسه ومعرفته بعيوبها، وقلة زاده في عينه، فمن عرف الله وعرف نفسه، لم يرَ نفسه إلا بعين النقصان. قال: ومن علامة الصادق: أنه لا يحب أن يعيش إلا ليشبع من رضا محبوبه ويستكثر من الأسباب التي تقربه إليه وتدنيه منه، لا لعلة من علل الدنيا ولا لشهوة من شهواتها، كما قال عمر بن الخطاب: لولا ثلاث لما أحببت البقاء في الدنيا لولا أن أحمل على جياد الخيل في سبيل الله، ومكابدة الليل، ومجالسة أقوام ينتقون أطايب الكلام كما يُنتقى أطايب الثمر. وقال: ومن علامات الصادقين: التحبب إلى الله بالنوافل والإخلاص في نصيحة الأمة، والأنس بالخلوة والصبر على مقاساة الأحكام، والإيثار لأمر الله، والحياء من نظره، والتعرض لكل سبب يوصل إليه والقناعة بالخمول، وأن يكون نومه غلبه، وأكله فاقه وكلامه ضرورة، وإذا سمع شيئاً من علوم القوم فعمل به: صار حكمة في قلبه إلى آخر عمره ينتفع به، وإذا تكلم انتفع به من سمعه. وقال: ولذلك كان لأبي بكر الصديق ﵁ وأرضاه ذروة سنام الصديقية، سمي (الصديق) على الإطلاق والصديق أبلغ من الصدوق والصدوق أبلغ من الصادق؛ فأعلى مراتب الصدق مرتبة الصديقية وهي كمال الانقياد للرسول مع كمال الإخلاص للمرسل.

стр. 952

علامات الصادق: أولاً: طمأنينة القلب واستقراره: إن الصدق في جميع الأحوال باطنها وظاهرها يورث الطمأنينة والسكينة في القلب، وينفي عنه التردد والريبة والاضطراب التي لا توجد إلا في حالات الشك وضعف الصدق أو عدمه، يقول ﷺ (دع ما يريبك إلى ما لا يريبك، فإن الصدق طمأنينة والكذب ريبة). ثانياً: الزهد في الدنيا والتأهب للقاء الله . فالصادق مع الله لا تراه إلا متأهباً للقاء ربه، مستعداً لذلك بالأعمال الصالحة، والقيام بأوامر الله والانتهاء عن نواهيه، يريد بذلك وجه الله متبعاً في ذلك رسوله ﷺ . ثالثاً: سلامة القلب. إن من علامة الصدق سلامة القلب، وخلوه من الغش والحقد والحسد للمسلمين، فالعبد المؤمن الصادق في إيمانه لا يحمل في قلبه غلاً للمؤمنين ولا شراً، بل إن حب الخير والنصح للمسلمين هو طبعه وعادته. رابعاً: حفظ الوقت وتدارك العمر. إن الصادق في إيمانه لا تجده إلا محافظاً على وقته شحيحاً به، لا ينفقه إلا فيما يرجو نفعه في الآخرة، ينظر إلى العمر كله كأنه ساعة من نهار وإلى الدنيا كأنها ظل شجرة نزل تحتها، ثم قام وتركها، فبادر بالأعمار الصالحة فراغه وصحته، وشبابه، وحياته، وابتعد عن كل آفة تقطع عليه طريقه، وتضيع عليه وقته، وتبدد عليه عمره القصير بما لا ينفع.

стр. 953

خامساً: الزهد في ثناء الناس ومدحهم بل وكراهة ذلك: ويتبع ذلك الزهد فيما عند الناس، والقناعة بما كتب الله ، وهذه الصفة إذا وجدت فهي علامة على الصدق والإخلاص، وهي تنبع أصلاً من صحة المعتقد، وكمال التوحيد لله ، وحول هذه الصفة والوصول إليها يقول الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى: لا يجتمع الإخلاص في القلب ومحبة المدح والثناء والطمع فيما عند الناس إلا كما يجتمع الماء والنار. سادساً: إخفاء الأعمال الصالحة وكراهة الظهور: إن من علامة صدق العبد فيما يعمله لله حرصه على إخفاء عمله وكراهة اطلاع الناس عليه، كما أن كراهة الشهرة والظهور علامة من علامات الصدق الذي يبعد صاحبه عن الرياء والسمعة والتصنع للخلق، فكلما كان العبد صادقاً مع ربه كلما كان حريصاً على إخفاء أعماله حيث لا يطلع عليها إلا الله . قال الحسن: إن كان الرجل لقد جمع القرآن وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل لقد فقه الفقه وما يشعر به الناس، وإن كان الرجل ليصلي الصلاة الطويلة في بيته وعنده الزور وما يشعرون به. سابعاً: الشعور بالتقصير والانشغال بإصلاح النفس ونقدها أكثر من الآخرين. ثامناً: الاهتمام بأمر هذا الدين والجهاد في سبيل الله . إن الصدق في محبة الله ومحبة دينه تقتضي أن يكون أمر هذا الدين هو شغل المؤمن الشاغل، حيث لا يقر له قرار، ولا يهدأ له بال وهو يرى دين الله ينتهك ويقصى من الحياة، وبالتالي يرى الفساد المستطير يدب في أديان الناس ودمائهم وأعراضهم وعقولهم وأموالهم. إن المؤمن الصادق لا يقدّم على هذا الهم الأكبر أي اهتمام من أمور الدنيا الفانية. [كتاب وقفات مع آيات للشيخ الجليل حفظه الله].

стр. 954

(وَالْقَانِتِينَ) المراد بالقنوت هنا: دوام الطاعة مع الخشوع والخضوع لله تعالى، بحيث يكون الإنسان مديماً لطاعة الله مقبلاً على الله تعالى في طاعته. (وَالْمُنْفِقِينَ) أي: من أموالهم في جميع ما أمروا به من الطاعات، وصلة الأرحام والقرابات، وسد الخَلات، ومواساة ذوي الحاجات. (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ) دل على فضيلة الاستغفار وقت الأسحار. والاستغفار مندوبٌ إليه، وقد أثنى الله تعالى على المستغفرين في هذه الآية وغيرها فقال (وبالأسحار هُمْ يَسْتَغْفِرُونَ). • قال القرطبي: وخص السّحَر بالذكر لأنه مظانّ القبول ووقت إجابة الدعاء. عن أبي هريرة عن النبيّ ﷺ قال (ينزِل الله إلى سماء الدنيا كل ليلة حين يمضي ثلث الليل الأوّل فيقول أنا المِلك أنا المِلك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفِر له فلا يزال كذلك حتى يطلع الفجر) متفق عليه. فهم يستغفرون في هذا الوقت: أولاً: لأنه وقت النزول الإلهي. ثانياً: لأن المشروع للمسلم بعد العبادة أن يستغفر الله. قال ابن القيم: أرباب البصائر أشد ما يكونون استغفاراً عقيب الطاعات؟ لشهودهم تقصيرهم فيها، وترْك القيام لله بها كما يليق بجلاله وكبريائه. ولهذا يشرع بعد العبادات الاستغفار. أمر الله وفده وحجاج بيته بأن يستغفروه عقيب إفاضتهم من عرفات وهو أجل المواقف وأفضلها، فقال (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ). وقال تعالى (وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالْأَسْحَارِ). وفي الصحيح (أن النبي ﷺ كان إذا سلم من الصلاة استغفر ثلاثاً … ). وأمره بالاستغفار بعد أداء الرسالة، واقتراب أجله، فقال في آخر سورة أنزلت عليه (إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ. وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجاً. فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّاباً).

стр. 955

ثالثاً: ولعل من الحِكم: دفع العجب ورؤية النفس. • قال السعدي: ينبغي للعبد، كلما فرغ من عبادة، أن يستغفر الله عن التقصير، ويشكره على التوفيق، لا كمن يرى أنه قد أكمل العبادة، ومن بها على ربه، وجعلت له محلا ومنزلة رفيعة، فهذا حقيق بالمقت، ورد الفعل، كما أن الأول، حقيق بالقبول والتوفيق لأعمال أخر. • قال أبو السعود: أي هم مع قلة نومهم وكثرة تهجدهم يداومون على الاستغفار بالأسحار كأنهم أسلفوا ليلهم باقتراف الجرائم. الفوائد: ١ - من صفات المتقين إعلانهم الإيمان بالله تعالى. ٢ - أن من صفات المتقين عدم الإعجاب بالنفس، وأنهم يرون أنهم مقصرون. ٣ - أن التقوى لا تعصم العبد من الذنوب، لكن المتقي يبادر بالتوبة. ٤ - جواز التوسل بالإيمان. ٥ - سؤال الله الوقاية من النار. ٦ - إثبات عذاب النار. ٧ - فضيلة هذه الصفات: وهي الصبر والصدق والقنوت والإنفاق. ٨ - أن الصبر أفضل الصفات. [١٦/ ٥/ ١٤٣٣ هـ].

стр. 956

(شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَاً بِالْقِسْطِ لَا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١٨)) [آل عمران: ١٨]. (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) شهد تعالى -وكفى به شهيداً - وهو أصدق الشاهدين وأعدلهم، وأصدق القائلين (أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا هُوَ) أي: المتفَرد بالإلهية لجميع الخلائق، وأن الجميع عبيده وخلقه، والفقراء إليه، وهو الغني عما سواه كما قال تعالى (لَكِنِ اللَّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزلَ إِلَيْكَ أَنزلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا). • قال ابن القيم: شهد الله لنفسه بهذا التوحيد وشهد له به ملائكته وأنبياؤه ورسله قال (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائما بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم إن الدين عند الله الإسلام). فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد، والرد على جميع هذه الطوائف، والشهادة يبطلان أقوالهم ومذاهبهم، وهذا إنما يتبين بعد فهم الآية ببيان ما تضمنته من المعارف الإلهية والحقائق الإيمانية. فتضمنت هذه الآية أجل شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها من أجل شاهد بأجل مشهود به. وعبارات السلف في شهد تدور على الحكم والقضاء والإعلام والبيان والإخبار. قال مجاهد حكم وقضى. وقال الزجاج: بيّن. وقالت طائفة أعلم وأخبر. وهذه الأقوال كلها حق لا تنافي بينها فإن الشهادة تتضمن كلام الشاهد وخبره وقوله وتتضمن إعلامه وإخباره وبيانه. • وقال ابن تيمية: وَشَهَادَةُ الرَّبِّ وَبَيَانُهُ وَإِعْلَامُهُ يَكُونُ بِقَوْلِهِ تَارَةً وَبِفِعْلِهِ تَارَةً. فَالْقَوْلُ هُوَ مَا أَرْسَلَ بِهِ رُسُلَهُ وَأَنْزَلَ بِهِ كُتُبَهُ وَأَوْحَاهُ إلَى عِبَادِه، كَمَا قَالَ (يُنَزِّلُ الْمَلَائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ) إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ.

стр. 957

وَأَمَّا شَهَادَتُهُ بِفِعْلِهِ فَهُوَ مَا نَصَبَهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ الدَّالَّةِ عَلَى وَحْدَانِيِّتِهِ الَّتِي تُعْلَمُ دَلَالَتُهَا بِالْعَقْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خَبَرٌ عَنْ اللَّه. • وقال السعدي: هذا تقرير من الله تعالى للتوحيد بأعظم الطرق الموجبة له، وهي شهادته تعالى وشهادة خواص الخلق وهم الملائكة وأهل العلم، أما شهادته تعالى فيما أقامه من الحجج والبراهين القاطعة على توحيده، وأنه لا إله إلا هو، فنوع الأدلة في الآفاق والأنفس على هذا الأصل العظيم، ولو لم يكن في ذلك إلا أنه ما قام أحد بتوحيده إلا ونصره على المشرك الجاحد المنكر للتوحيد، وكذلك إنعامه العظيم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع النقم إلا هو، والخلق كلهم عاجزون عن المنافع والمضار لأنفسهم ولغيرهم، ففي هذا برهان قاطع على وجوب التوحيد وبطلان الشرك. (وَالْمَلائِكَةُ) معطوفة على اسم الجلالة (الله) أي: وشهدت الملائكة أنه لا إله إلا هو. (وَأُولُو الْعِلْمِ) أي: أن أصحاب العلم - الذين رزقهم الله العلم - يشهدون أيضاً بأنه لا إله إلا هو. يشهدون بأقوالهم وبدعوتهم وبأعمالهم. • وهذه خصوصية عظيمة للعلماء في هذا المقام. • قال ابن القيم: وقد فسرت شهادة أولي العلم بالإقرار وفسرت بالتبيين والإظهار. والصحيح أنها تتضمن الأمرين فشهادتهم إقرار وإظهار وإعلام وهم شهداء الله على الناس يوم القيامة قال الله تعالى (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً). وقال تعالى (هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ) فأخبر أنه جعلهم عدولاً خياراً ونوه بذكرهم قبل أن يوجدهم لما سبق في علمه من اتخاذه لهم شهداء يشهدون على الأمم يوم القيامة فمن لم يقم بهذه الشهادة علماً وعملاً ومعرفة وإقراراً ودعوة وتعليماً وإرشاداً فليس من شهداء الله والله المستعان.

стр. 958

• وقال السعدي: وأما شهادة أهل العلم فلأنهم هم المرجع في جميع الأمور الدينية، خصوصاً في أعظم الأمور وأجلها وأشرفها وهو التوحيد، فكلهم من أولهم إلى آخرهم قد اتفقوا على ذلك ودعوا إليه وبينوا للناس الطرق الموصلة إليه، فوجب على الخلق التزام هذا الأمر المشهود عليه والعمل به، وفي هذا دليل على أن أشرف الأمور علم التوحيد، لأن الله شهد به بنفسه وأشهد عليه خواص خلقه، والشهادة لا تكون إلا عن علم ويقين، بمنزلة المشاهدة للبصر، ففيه دليل على أن من لم يصل في علم التوحيد إلى هذه الحالة فليس من أولي العلم. • قال القرطبي: في هذه الآَية دليل على فضل العلم وشرف العلماء وفضلهم؛ فإنه لو كان أحدٌ أشرفَ من العلماء لقرنهم الله باسمه واسم ملائكته كما قرن اسم العلماء. وقال في شرف العلم لنبيه ﷺ (وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً) فلو كان شيء أشرف من العلم لأمر الله تعالى نبيه ﷺ أن يسأله المزيد منه كما أمر يستزيده من العلم. وقال ﷺ (إنّ العلماء ورثة الأنبياء) وقال (العلماء أُمَنَاء الله على خلقه) وهذا شرف للعلماء عظيم، ومحلُّ لهم في الدّين خطير. وقال ابن القيم: استشهد سبحانه بأولى العلم على أجل مشهود عليه وهو توحيده فقال (شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ وَالْمَلائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ) وهذا يدل على فضل العلم وأهله من وجوه: أحدها: استشهادهم دون غيرهم من البشر. والثاني: اقتران شهادتهم بشهادته. والثالث: اقترانها بشهادة ملائكته. والرابع: أن في ضمن هذا تزكيتهم وتعديلهم، فإن الله لا يستشهد من خلقه إلا العدول، ومنه الأثر المعروف عن النبي ﷺ (يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين). الخامس: أنه وصفهم بكونهم أولى العلم، وهذا يدل على اختصاصهم به وأنهم أهله وأصحابه ليس بمستعار لهم. السادس: أنه سبحانه استشهد بنفسه وهو أجل شاهد ثم بخيار خلقه وهم ملائكته والعلماء من عباده ويكفيهم بهذا فضلاً وشرفاً. السابع: أنه استشهد بهم على أجل مشهود به وأعظمه وأكبره، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، والعظيم القدر إنما يستشهد على الأمر العظيم أكابر الخلق وساداتهم. الثامن: أنه سبحانه جعل شهادتهم حجة على المنكرين فهم بمنزلة أدلته وآياته وبراهنيه الدالة على توحيده. التاسع: أنه سبحانه أفرد الفعل المتضمن لهذه الشهادة الصادرة منه ومن ملائكته ومنهم ولم يعطف شهادتهم بفعل آخر غير شهادته، وهذا يدل على شدة ارتباط شهادتهم بشهادته، فكأنه سبحانه شهد لنفسه بالتوحيد على ألسنتهم وأنطقهم بهذه الشهادة فكان هو الشاهد بها لنفسه إقامة وإنطاقاً وتعليماً وهم الشاهدون بها له إقراراً واعترافاً وتصديقاً وإيماناً.

стр. 959

العاشر: أنه سبحانه جعلهم مؤدين لحقه عند عباده بهذه الشهادة، فإذا أدوها فقد أدوا الحق المشهود به فثبت الحق المشهود به فوجب على الخلق الإقرار به، وكان ذلك غاية سعادتهم في معاشهم ومعادهم وكل من ناله الهدى بشهادتهم وأقر بهذا الحق بسبب شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره، وهذا فضل عظيم لا يدري قدره إلا الله وكذلك كل من شهد بها عن شهادتهم فلهم من الأجر مثل أجره أيضاً فهذه عشرة أوجه في هذه الآية. (قَائِماً بِالْقِسْطِ) (قائماً) حال من لفظ الجلالة، أي: حال كونه قائماً بالقسط، أي: بالعدل. فالله تعالى عدل في أحكامه وأفعاله. أي: شهد الشهادة حال قيامه بالقسط، ويحتمل أنه يتصل بما بعد إلا، أي: الشهادة واقعة على الشهادة وعلى قيامه بالقسط (لا إِلَهَ إِلَّا هُوَ) قيل: تأكيد لما سبق، ولم يذكر ابن كثير إلا هذا القول. وقيل: إن الجملة الأولى وصف له ﵎ بالتوحيد، وهذه الجملة الثانية: تعليم منه تعالى لعباده أن يقولوا هذه الجملة. (والقاعدة أن التأسيس مقدم على التوكيد). (الْعَزِيزُ) الذي له العزة الكاملة. (وقد تقدم الكلام على هذا الاسم). (الْحَكِيمُ) اسم من أسماء الله، متضمن للحكمة الكاملة البالغة اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة. قال ابن جرير: هو الذي لا يدخل تدبيره خلل ولا زلل. وقال ابن كثير: الحكيم في أفعاله وأقواله فيضع الأشياء في محالها بحكمته وعدله. قال ابن القيم: وقد دلت العقول الصحيحة والفطر السليمة على ما دل عليه القرآن والسنة: أنه سبحانه (حكيم) لا يفعل شيئاً عبثاً ولا لغير معنى ومصلحة وحكمة هي الغاية المقصودة بالفعل، بل أفعاله سبحانه صادرة عن حكمة بالغة، لأجلها فعل كما فعل كما هي ناشئة عن أسباب بها فعل.

стр. 960

وقال السعدي: فالله لا يخلق شيئاً عبثاً، ولا يشرع سدى، الذي له الحكم في الأولى والآخرة، وله الأحكام الثلاثة لا يشاركه فيها مشارك، فيحكم بين عباده في شرعه، وفي قدره، وجزائه. اسم من أسماء الله متضمن لصفة الحكمة البالغة، فأوامره وأحكامه وأفعاله كلها لحكمة. فهو سبحانه حكيم في صنعه، وحكيم في شرعه، فجميع مصنوعاته كلها محكمة، قال تعالى (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ). وأما في الشرع فيقول سبحانه (أَفَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلافاً كَثِيراً) فلا يمكن أن يوجد تناقض في القرآن أبداً. قال بعض العلماء: الحكمة تكون في صورة الشيء: أي أن خلق الإنسان على هذه الصورة لحكمة، وكذلك خلق الحيوان على هذه الصورة لحكمة. وتكون في غايته: أي: أن الغاية من خلق الإنسان لحكمة، وكذلك الحيوانات، وكذلك جميع المخلوقات، كما قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً). • الآثار المترتبة على معرفتنا بهذا الاسم: أولاً: أن الله خلق الخلق لحكمة عظيمة، وغاية جليلة وهي عبادته سبحانه حيث قال (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) ولم يخلقهم عبثاً وباطلاً كما يظن الكفار والملاحدة، قال تعالى (وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاءَ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ ظَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ). وقال تعالى (أَفَحَسِبْتُمْ أَنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثاً وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لا تُرْجَعُونَ). ثانياً: أن خلق اله محكم لا خلل فيه ولا قصور، قال تعالى (وَتَرَى الْجِبَالَ تَحْسَبُهَا جَامِدَةً وَهِيَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ إِنَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَفْعَلُونَ).

стр. 961

ونستفيد من معرفتنا أن الله حكيم في كل أفعاله: اقتناع الإنسان بما يجري عليه وما يوجبه الله عليه، لأن ما يجريه الله من الأحكام مقرون بالحكمة، فإذا علمت هذا يقينياً اقتنعت سواء كان هذا من الأحكام الكونية أو الأحكام الشرعية، حتى المصائب التي تنال العباد لاشك أن لها حكمة. • قال ابن تيمية: وَقَدْ تَضَمَّنَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ثَلَاثَةَ أُصُولٍ: شَهَادَةَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ قَائِمٌ بِالْقِسْطِ وَأَنَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ؛ فَتَضَمَّنَتْ وَحْدَانِيَّتَهُ الْمُنَافِيَةَ لِلشِّرْكِ وَتَضَمَّنَتْ عَدْلَهُ الْمُنَافِيَ لِلظُّلْمِ وَتَضَمَّنَتْ عِزَّتَهُ وَحِكْمَتَهُ الْمُنَافِيَةَ لِلذُّلِّ وَالسَّفَهِ وَتَضَمَّنَتْ تَنْزِيهَهُ عَنْ الشِّرْكِ وَالظُّلْمِ وَالسَّفَهِ فَفِيهَا إثْبَاتُ التَّوْحِيدِ وَإِثْبَاتُ الْعَدْلِ وَإِثْبَاتُ الْحِكْمَةِ وَإِثْبَاتُ الْقُدْرَة. الفوائد: ١ - بيان فضل التوحيد. ٢ - فضيلة الملائكة. ٣ - فضيلة العلم وأهله. ٤ - وصف الله بتمام العدل. ٥ - انفراد الله بالألوهية. ٦ - إثبات العزة والحكمة لله تعالى.

стр. 962

(إنَّ الدِّينَ عِندَ اللَّهِ الإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (١٩) فَإنْ حَآجُّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتَّبَعَنِ وَقُل لِّلَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ وَالأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ فَإِنْ أَسْلَمُواْ فَقَدِ اهْتَدَواْ وَّإِن تَوَلَّوْاْ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلَاغُ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ (٢٠)). [آل عمران: ١٩ - ٢٠]. (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإسْلامُ) قال ابن عاشور: قرأ جمهور القراء (إِنَّ الدِّينَ) بكسر همزة إن فهو استئناف ابتدائي لبيان فضيلة هذا الدين بأجمع عبارة وأوجزها. • قال ابن كثير: هذا إخبار من الله تعالى بأنه لا دين عنده يقبله من أحد سوى الإسلام، وهو اتباع الرسل فيما بعثهم الله به في كل حين، حتى ختموا بمحمد ﷺ ، الذي سد جميع الطرق إليه إلا من جهة محمد ﷺ ، فمن لقي الله بعد بعثته محمدًا ﷺ بدِين على غير شريعته، فليس بمتقبل. كما قال تعالى (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ). وقال في هذه الآية مخبرًا بانحصار الدين المتقبل عنده في الإسلام (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الإسْلامُ). • الإسلام دين جميع الرسل: فنوح يقول لقومه (وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). والإسلام هو الدين الذي أمر الله به أبا الأنبياء إبراهيم (إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ) ويوصي كل من إبراهيم ويعقوب أبناءه قائلاً (فَلَا تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ). وأبناء يعقوب يجيبون أباهم (نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ). وموسى يقول لقومه (يَا قَوْمِ إِن كُنتُمْ آمَنتُم بِاللّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُواْ إِن كُنتُم مُّسْلِمِينَ). والحواريون يقولون لعيسى (آمَنَّا بِاللّهِ وَاشْهَدْ بِأَنَّا مُسْلِمُونَ). ويوسف قال (توفني مسلماً … ).

стр. 963

وسليمان ﵇ قال (وَأُوتِينَا الْعِلْمَ مِن قَبْلِهَا وَكُنَّا مُسْلِمِين). وملكة سبأ (قالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ). • الإسلام في الكتاب والسنة له إطلاقان: الإطلاق الأول: الإسلام العام. قال تعالى (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّاً وَلا نَصْرَانِيّاً وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفاً مُسْلِماً). وقال تعالى عن يوسف (تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ). فالمقصود بالإسلام هنا الإسلام العام الذي يفسر بأنه: الاستسلام لله بالتوحيد والانقياد له بالطاعة والبراءة من الشرك وأهله. الإطلاق الثاني: الإسلام الخاص. وهو الذي بعث به محمد ﷺ ، وهو الذي إذا أطلق لم يقصد إلا هو على وجه الخصوص. ومعناه: استسلام الظاهر والبطن لله، تعبداً له بالشرع المنزل على محمد ﷺ على مقام المشاهدة أو المراقبة. • قال القرطبي: والأصل في مسمى الإيمان والإسلام التَّغَايُر؛ لحديث جبريل، وقد يكون بمعنى المَرادَفَة، فيسمى كل واحد منهما باسم الآخر؛ كما في حديث وفد عبد القيس وأنه أمرهم بالإيمان (بالله) وحده قال: "هل تدرون ما الإيمان" قالوا: الله ورسوله أعلم، قال: "شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة وصوم رمضان وأن تؤدوا خمساً من المغنم". الحديث. وكذلك قوله ﷺ (الإيمان بضع وسبعون بابا فأدناها إماطة الأذى وأرفعها قول لا إله إلا الله). أخرجه الترمذي وزاد مسلم (والحياء شعبة من الإيمان).

стр. 964

(وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ) ثم أخبر تعالى بأن الذين أوتوا الكتاب الأول إنما اختلفوا بعد ما قامت عليهم الحجة، بإرسال الرسل إليهم، وإنزال الكتب عليهم. (بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: بغى بعضهم على بعض، فاختلفوا في الحق لتحاسدهم وتباغضهم وتدابرهم، فحمل بعضهم بُغْض البَعْض الآخر على مخالفته في جميع أقواله وأفعاله، وإن كانت حقاً. (وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها في أول السورة. (فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ) يحتمل معنيان: يحتمل أن يوم الأخر - الذي يقع فيه الحساب - قريب أن مجيئه قريب وسريع، وكل ما هو آت قريب والله أخبر عن أمر الساعة أنه كلمح البصر أو هو أقرب. ويحتمل - وهو المتبادر -: أن ذلك الحساب لا يطول لكثرة الخلق الذين يحاسبهم، بخلاف حال المخلوقين فإنهم إذا كثر ذلك عليهم فإن ذلك يقتضي طول الوقت الذي تستغرقه تلك المحاسبة. • في الآية إثبات الحساب: o < رمز>تعريف الحساب: لغة: العدد. وشرعاً: اطلاع الله عباده على أعمالهم، وتقريرهم عليها. o وهو ثابت بالكتاب والسنة والإجماع. قال تعالى (إِنَّ إِلَيْنَا إِيَابَهُمْ. ثُمَّ إِنَّ عَلَيْنَا حِسَابَهُمْ). وقال تعالى: (فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتَابَهُ بِيَمِينِهِ. فَسَوْفَ يُحَاسَبُ حِسَاباً يَسِيراً). وأما من السنة: فقد كان النبي ﷺ يقول في بعض صلاته: ( … اللهم حاسبني حساباً يسيراً) فقالت عائشة: (ما الحساب اليسير؟ قال: (أن ينظر في كتابه فيتجاوز عنه). رواه أحمد، وقال الألباني: إسناده جيد.

стр. 965

وأجمع المسلمون على ثبوت الحساب يوم القيامة. o < رمز>يستثنى من الذين لا يحاسبون من يدخلون الجنة بغير حساب ولا عذاب. كما جاء في الصحيحين. أن النبي ﷺ قال (عرضت عليّ الأمم … الحديث وفيه: ورأيت أمتي ومعهم سبعون ألفاً يدخلون الجنة بلا حساب ولا عذاب، وهم الذين لا يسترقون، ولا يكتوون، ولا يتطيرون، وعلى ربهم يتوكلون). o < رمز> يشمل الحساب حتى الجن. لأنهم مكلفون مأمورون كالإنس. ولذلك الجني الكافر يدخل النار بالاتفاق. كما قال تعالى (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ … ). وقال تعالى (قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ). ويدخل مؤمنهم الجنة كما هو مذهب أكثر العلماء: لعموم قوله تعالى (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَانَتْ لَهُمْ جَنَّاتُ الْفِرْدَوْسِ نُزُلاً). ولقوله تعالى (وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ). ولقوله تعالى (لَمْ يَطْمِثْهُنَّ إِنْسٌ قَبْلَهُمْ وَلا جَانٌّ).

стр. 966

o < رمز>صفة حساب المؤمن: يخلو به ربه ويقرره بذنوبه، ثم يسترها ويغفرها. عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (يُدنَى المؤمن يوم القيامة من ربه ، حتى يضع عليه كنفه، فيقرره بذنوبه، فيقول: هل تعرف؟ فيقول: أي رب! أعرف، قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم). متفق عليه قال الشيخ ابن عثيمين ﵀: ومع ذلك، فإنه سبحانه يضع عليه ستره، بحيث لا يراه أحد، ولا يسمعه أحد، وهذا من فضل الله على المؤمن، فإن الإنسان إذا قررك بجنايتك أمام الناس وإن سمح عنك، ففيه شيء من الفضيحة، لكن إذا كان ذلك وحدك، فإن ذلك ستر منه عليك. o < رمز>وأما الكفار فيحاسبون حساب تقريع وتوبيخ، وليس محاسبة حسنات وسيئات. كما في حديث ابن عمر السابق وفيه ( … وأما الكفار والمنافقون فيُنادَى بهم على رؤوس الخلائق، هؤلاء الذين كذبوا على الله). o < رمز>وهو عسير عليهم. كما قال تعالى (الْمُلْكُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ لِلرَّحْمَنِ وَكَانَ يَوْماً عَلَى الْكَافِرِينَ عَسِيراً). وقال تعالى (مُّهْطِعِينَ إِلَى الدَّاعِ يَقُولُ الْكَافِرُونَ هَذَا يَوْمٌ عَسِرٌ). وإنما كان الحساب شديداً، لأنه لا يدع شاردة ولا واردة إلا أتى بها (أحصاه الله ونسوه). o < رمز> وأول ما يحاسب عليه العبد من حقوق الله: الصلاة. لحديث أبي هريرة ﵁ قال: قال رسول الله ﷺ : (أول ما يحاسب عليه العبد يوم القيامة الصلاة، فإن صلحت صلح سائر عمله، وإن فسدت فسد سائر عمله). رواه الترمذي o < رمز>وأول ما يقضى فيه بين الناس في الدماء. لقوله ﷺ : (أول ما يقضى بين الناس يوم القيامة في الدماء). متفق عليه من حديث ابن مسعود.

стр. 967

o < رمز>يُسأل العبد عن كل شيء، ومن أهم الأمور التي يُسأل عنها: أولاً: الكفر والشرك. كما قال تعالى (وَقِيلَ لَهُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ. مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ). ثانياً: ما عمله في الدنيا. كما قال تعالى (فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ. عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ). وعن أبي برزة. قال: قال رسول الله ﷺ (لن تزول قدما عبد يوم القيامة حتى يسأل عن عمره فيم أفناه، وعن علمه فيما عمل به، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن جسمه فيما أبلاه) رواه الترمذي. ثالثاً: النعيم الذي يتمتع به. قال تعالى (ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ) (سورة التكاثر: ٨). رابعاً: العهود والمواثيق. كما قال تعالى (وَأَوْفُوا بِالْعَهْدِ إِنَّ الْعَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً). خامساً: السمع والبصر والفؤاد. كما قال تعالى (وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً).

стр. 968

o قواعد عامة في الحساب: أولاً: العدل التام في الحساب. قال تعالى (إن الله لا يظلم مثقال ذرة). وقال تعالى (قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلا تُظْلَمُونَ فَتِيلاً). فتيلاً: هو الخيط الذي يكون في شق النواة. … نقيراً: النقير النقرة الصغيرة التي تكون في ظهر النواة. ثانياً: لا يؤاخذ أحد بجريرة أحد. قال تعالى (وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). وقال تعالى (مَنِ اهْتَدَى فَإِنَّمَا يَهْتَدِي لِنَفْسِهِ وَمَنْ ضَلَّ فَإِنَّمَا يَضِلُّ عَلَيْهَا وَلا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى). أي لتؤخذ نفس بذنب غيرها، بل كل نفس مأخوذة بجرمها ومعاقِبة بإثمها. ثالثاً: الله سريع الحساب. o < رمز>البهائم لا حساب عليها حساب حسنات وسيئات وإنما يجري بينها القصاص. عن أبي هريرة. أن رسول الله ﷺ قال (لتؤدن الحقوقَ إلى أهلها حتى يقادَ للشاةِ الجَلْحَاء من الشاة القرناء) متفق عليه. … الجلحاء: بفتح الجيم وسكون اللام وهي التي لا قرن لها. الحكمة: ليظهر عدل الله حتى في البهائم. (فَإِنْ حَاجُّوكَ) أي: جادلوك. (فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) أي انقدت لله وحده بقلبي ولساني وجميع جوارحي، وإنما خص الوجه لأنه أكرم الجوارح من الإنسان وفيه بهاؤه، فإذا خضع وجهه للشيء خضع له جميع جوارحه، وقال الفراء: معناه أخلصت عملي لله. • قال الطبري: يعني بذلك جل ثناؤه: فإن حاجَّك: يا محمد، النفرُ من نصارى أهل نجران في أمر عيسى صلوات الله عليه، فخاصموك فيه بالباطل، فقل: انقدت لله وحده بلساني وقلبي وجميع جوارحي. وإنما خَصّ جل ذكره بأمره بأن يقول: "أسلمت وجهي لله"، لأن الوجه أكرمُ جوارح ابن آدم عليه، وفيه بهاؤه وتعظيمه، فإذا خضع وجهه لشيء، فقد خضع له الذي هو دونه في الكرامة عليه من جوارح بدنه. • قال الماوردي: فإن قيل: في أمره تعالى عند حِجَاجِهمْ بأن يقول: (أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ) عدول عن جوابهم وتسليم لحِجَاجِهم، فعنه جوابان: أحدهما: ليس يقتضي أمره بهذا القول النهي عن جوابهم والتسليم بحِجَاجِهم، وإنما أمره أن يخبرهم بما يقتضيه معتقده، ثم هو في الجواب لهم والاحْتِجَاج على ما يقتضيه السؤال. والثاني: أنهم ما حاجُّوه طلباً للحق فيلزمه جوابهم، وإنما حاجُّوه إظهاراً للعناد، فجاز له الإِعراض عنهم بما أمره أن يقول لهم. (وَمَنِ اتَّبَعَنِ) أي: ومن اتبعه كذلك، قد وافقوه على هذا الإذعان الخالص. (وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ) أمر من الله للنبي ﷺ أن يقول لهم.

стр. 969

• قال الفخر: إنما وصف مشركي العرب بأنهم أميون لوجهين: الأول: أنهم لما لم يدعوا الكتاب الإلهي وصفوا بأنهم أُميون تشبيهاً بمن لا يقرأ ولا يكتب والثاني: أن يكون المراد أنهم ليسوا من أهل القراءة والكتابة فهذه كانت صفة عامتهم وإن كان فيهم من يكتب فنادر من بينهم والله أعلم. (أَأَسْلَمْتُمْ) قال البغوي: (أَأَسْلَمْتُمْ) لفظه استفهام ومعناه أمر، أي أسلموا كما قال (فهل أنتم منتهون) أي انتهوا. • وقال القرطبي: (أَأَسْلَمْتُمْ) استفهام معناه التقرير وفي ضمنه الأمر، أي أسلموا؛ كذا قال الطبري وغيره. • وقال الزجاج: (أَأَسلمتم) تهديد، وهذا حسن، لأن المعنى أَأَسلمتم أم لا. (فَإِنْ أَسْلَمُوا فَقَدِ اهْتَدَوْا) وذلك لأن هذا الإسلام تمسك بما هدي إليه، والمتمسك بهداية الله تعالى يكون مهتدياً، ويحتمل أن يريد: فقد اهتدوا للفوز والنجاة في الآخرة إن ثبتوا عليه. (وَإِنْ تَوَلَّوْا) عن الإسلام واتباع محمد ﷺ . (فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ) أي: والله عليه حسابهم، وإليه مرجعهم ومآبهم، وهو الذي يهدي من يشاء، ويضل من يشاء، وله الحكمة في ذلك، والحجة البالغة. قال الرازي: والغرض منه تسلية الرسول ﷺ وتعريفه أن الذي عليه ليس إلا إبلاغ الأدلة وإظهار الحجة فإذا بلغ ما جاء به فقد أدى ما عليه، وليس عليه قبولهم.

стр. 970

• في الآية أن الرسول ليس عليه إلا البلاغ، وأما الهداية فهي بيد الله. قال تعالى ( … فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ). وقال تعالى (مَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ). وقال تعالى (وَإِنْ مَا نُرِيَنَّكَ بَعْضَ الَّذِي نَعِدُهُمْ أَوْ نَتَوَفَّيَنَّكَ فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ وَعَلَيْنَا الْحِسَابُ). وقال تعالى (فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ). وقال تعالى (فَإِنْ تَوَلَّوْا فَإِنَّمَا عَلَيْكَ الْبَلاغُ الْمُبِينُ). وقال تعالى (فَإِنْ أَعْرَضُوا فَمَا أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ). وقال تعالى (وَإِنْ تُكَذِّبُوا فَقَدْ كَذَّبَ أُمَمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَا عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ الْمُبِينُ). (وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) أي: هو عليم بمن يستحق الهداية ممن يستحق الضلالة، وهو الذي (لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ) وما ذاك إلا لحكمته ورحمته. • قال ابن كثير: وهذه الآية وأمثالها من أصرح الدلالات على عموم بعثته ﷺ إلى جميع الخلق، كما هو معلوم من دينه ضرورة، وكما دل عليه الكتاب والسنة في غير ما آية وحديث، فمن ذلك: قوله تعالى (قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا). وقال تعالى (تَبَارَكَ الَّذِي نزلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا). وفي الصحيحين وغيرهما، مما ثبت تواتره بالوقائع المتعددة، أنه بعث كتبه ﷺ يدعو إلى الله ملوك الآفاق، وطوائف بني آدم من عربهم وعجمهم، كتابِيِّهم وأمِّيِّهم، امتثالا لأمر الله له بذلك.

стр. 971

عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ أنه قال (والَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لا يَسْمَعُ بِي أحَدٌ مِنْ هَذِهِ الأمَّةِ يَهُوديّ وَلا نَصْرَانِي، ومَاتَ وَلمَ يُؤْمِنْ بِالَّذِي أرْسلتُ بِهِ، إلا كان مِنْ أَهْلِ النَّارِ) رواه مسلم. وقال ﷺ (بُعِثْتُ إلَى الأحْمَرِ والأسْودِ). وقال (كَانَ النَّبيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِه خَاصَّةً وَبُعِثْتُ إلَى النَّاسِ عَامَّةً) متفق عليه. الفوائد: ١ - أن الدين المقبول عند الله هو الإسلام. ٢ - أن كل دين يخالف الإسلام في كل زمان فهو باطل. ٣ - بطلان دين اليهودية والنصرانية. ٤ - أن اختلاف اليهود والنصارى كان عن علم. ٥ - أن البغي هو سبب الاختلاف عند هؤلاء. ٦ - الإشارة إلى الحذر مما وقع فيه أهل الكتاب من البغي. ٧ - التحذير من الكفر بآيات الله. ٨ - إثبات الحساب. ٩ - إثبات سرعة الحساب. ١٠ - قدرة الله تعالى العظيمة. ١١ - مجادلة أهل الباطل عن باطلهم. ١٢ - وجوب إخلاص العبادة لله تعالى. ١٣ - أن أتّباع الرسول يحذون حذوه في إسلامهم لله تعالى. ١٤ - أن الوجه أشرف الأعضاء. ١٥ - وجوب الاستسلام لأمر الله. ١٦ - أن من لم يسلم فهو ضال. ١٧ - التحذير من الإعراض. ١٨ - عموم علم الله تعالى.

стр. 972

(إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ. أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ). [آل عمران: ٢١ - ٢٢]. (إِنَّ الَّذِينَ يَكْفُرُونَ بآيَاتِ اللَّهِ) تقدم شرحها. (وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ حَقٍّ) أي: ويقتلون أنبياء الله بغير سبب ولا جريمة، وهم اليهود. • قوله تعالى (بغيرِ حق) هذه صفة كاشفة وليست مقيدة. • قال ابن عاشور: والمقصود من هذه الحال زيادة تشويه فعلهم. (وَيَقْتُلُونَ الَّذِينَ يَأْمُرُونَ بِالْقِسْطِ مِنَ النَّاسِ) أي: ويقتلون الدعاة إلى الله الذين يأمرون بالخير والعدل. • قال ابن عطية: والآية توبيخ للمعاصرين لرسول الله ﷺ بمساوئ أسلافهم وببقائهم أنفسهم على فعل ما أمكنهم من تلك المساوئ لأنهم كانوا حريصين على قتل محمد ﷺ . • قال الرازي: سؤال إذا كان قوله (إِنَّ الذين يَكْفُرُونَ بآيات الله) في حكم المستقبل، لأنه وعيد لمن كان في زمن الرسول ﵇ ولم يقع منهم قتل الأنبياء ولا القائمين بالقسط فكيف يصح ذلك؟ فالجواب من وجهين: الأول: أن هذه الطريقة لما كانت طريقة أسلافهم صحت هذه الإضافة إليهم، إذ كانوا مصوبين وبطريقتهم راضين، فإن صنع الأب قد يضاف إلى الابن إذا كان راضياً به وجارياً على طريقته. الثاني: إن القوم كانوا يريدون قتل رسول الله ﷺ وقتل والمؤمنين إلا أنه تعالى عصمه منهم، فلما كانوا في غاية الرغبة في ذلك صح إطلاق هذا الاسم عليهم على سبيل المجاز، كما يقال: النار محرقة، والسم قاتل، أي ذلك من شأنهما إذا وجد القابل، فكذا ههنا لا يصح أن يكون إلا كذلك.

стр. 973

(فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ) أي: أخبرهم بعذاب أليم موجع. • قوله (فبشرهم) الأغلب في البشارة إطلاقها على الإِخبار بالخير، وقد تستعمل في الإِخبار بالشّر كما استعملت في هذا الموضع وفي تسميتها بذلك وجهان: أحدهما: لأنها تغير بَشْرَةَ الوجه بالسرور في الخير، وبالغم في الشر. والثاني: تكون تهكماً بهم كقوله تعالى (ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَرِيمُ). • قال ابن عاشور: وحقيقة التبشير: الإخبار بما يظهر سرور المخبر بفتح الباء وهو هنا مستعمل في ضد حقيقته، إذ أريد به الإخبار بحصول العذاب، وهو موجب لحزن المخبرين، فهذا الاستعمال في الضد معدود عند علماء البيان من الاستعارة، ويسمونها تهكمية لأن تشبيه الضد بضده لا يروج في عقل أحد إلا على معنى التهكم، أو التمليح. (أُولَئِكَ الَّذِينَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ) أي: بطلت أعمالهم التي عملوها من البر والحسنات، ولم يبق لها أثر في الدين. قال تعالى (وَقَدِمْنَا إِلَى مَا عَمِلُوا مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَاءً مَنْثُوراً). وقال تعالى (قُلْ إِنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَأَهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَلا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِين). فالموت على الكفر محبط للعمل كما قال تعالى (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ). • قال الطبري: … فأما في الدنيا، فلم ينالوا بها محمدةً ولا ثناء من الناس، لأنهم كانوا على ضلال وباطل، ولم يرفع الله لهم بها ذكرًا، بل لعنهم وهتك أستارهم، وأبدى ما كانوا يخفون من قبائح أعمالهم على ألسن أنبيائه ورسله في كتبه التي أنزلها عليهم، فأبقى لهم ما بقيت الدنيا مذمَّةً، فذلك حبوطها في الدنيا. وأما في الآخرة، فإنه أعدّ لهم فيها من العقاب ما وصف في كتابه، وأعلم عباده أن أعمالهم تصير بُورًا لا ثوابَ لها، لأنها كانت كفرًا بالله، فجزاءُ أهلها الخلودُ في الجحيم.

стр. 974

• وقال الرازي: … أما الدنيا فإبدال المدح بالذم والثناء باللعن، ويدخل فيه ما ينزل بهم من القتل والسبي، وأخذ الأموال منهم غنيمة والاسترقاق لهم إلى غير ذلك من الذل الظاهر فيهم، وأما حبوطها في الآخرة فبإزالة الثواب إلى العقاب. • وقال ابن عاشور: فلا ينتفعون بثوابها في الآخرة، ولا بآثارها الطيّبة في الدنيا. (وَمَا لَهُمْ مِنْ نَاصِرِينَ) أي: وما لهؤلاء القوم من ناصر ينصرهم من الله، إذا هو انتقم منهم بما سلف من إجرامهم واجترائهم عليه، فيستنقذُهم منه. (الطبري). الفوائد: ١ - تبشير كل كافر بالعذاب. ٢ - وجوب الإيمان بآيات الله الشرعية والكونية، لأن الله توعد هؤلاء بالعذاب الأليم. ٣ - تحريم قتل النبيين. ٤ - أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كان موجوداً في الأمم الماضية. ٥ - حبوط عمل هؤلاء الكفار. ٦ - أن الكفر محبط للأعمال.

стр. 975

(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوْتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِّنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ (٢٣) ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّامًا مَّعْدُودَاتٍ وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِم مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ (٢٤) فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لاَّ رَيْبَ فِيهِ وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (٢٥)). [آل عمران: ٢٣ - ٢٥]. (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِنَ الْكِتَابِ يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) يقول تعالى منكرًا على اليهود والنصارى، المتمسكين فيما يزعمون بكتابيهم اللَّذين بأيديهم، وهما التوراة والإنجيل، وإذا دعوا إلى التحاكم إلى ما فيهما من طاعة الله فيما أمرهم به فيهما، من اتباع محمد ﷺ ، تولَّوا وهم معرضون عنهما، وهذا في غاية ما يكون من ذمهم، والتنويه بذكرهم بالمخالفة والعناد. • قال السعدي: يخبر تعالى عن حال أهل الكتاب الذين أنعم الله عليهم بكتابه، فكان يجب أن يكونوا أقوم الناس به وأسرعهم انقياداً لأحكامه، فأخبر الله عنهم أنهم إذا دعوا إلى حكم الكتاب تولى فريق منهم وهم معرضون، تولوا بأبدانهم، وأعرضوا بقلوبهم، وهذا غاية الذم، وفي ضمنها التحذير لنا أن نفعل كفعلهم، فيصيبنا من الذم والعقاب ما أصابهم، بل الواجب على كل أحد إذا دعي إلى كتاب الله أن يسمع ويطيع وينقاد، كما قال تعالى (إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ الْمُؤْمِنِينَ إِذَا دُعُوا إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَنْ يَقُولُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ). • قوله تعالى (ألم تر) هذه رؤية علمية لا بصرية، أي: ألم تعلم، والاستفهام استفهام تعجب. • قوله تعالى (الكتاب) المراد كتابهم التوراة، وهذا قول جمهور المفسرين (ذكره الرازي) ورجحه الطبري وقال: وإنما قلنا إن ذلك الكتاب هو التوراة، لأنهم كانوا بالقرآن مكذبين، وبالتوراة بزعمهم مصدّقين، فكانت الحجة عليهم بتكذيبهم بما هم به في زعمهم مقرُّون، أبلغَ، وللعذر أقطع.

стр. 976

• جاءت عدة روايات في سبب نزول هذه الآية، لكن لا يصح منها شيء. • قال الرازي: ظاهر قوله (أَلَمْ تَرَ إِلَى الذين أُوتُواْ نَصِيبًا مّنَ الكتاب) يتناول كلهم، ولا شك أن هذا مذكور في معرض الذم، إلا أنه قد دلّ دليل آخر، على أنه ليس كل أهل الكتاب كذلك لأنه تعالى يقول (مّنْ أَهْلِ الكتاب أُمَّةٌ قَائِمَةٌ يَتْلُونَ ءايات الله ءَانَاء الليل وَهُمْ يَسْجُدُونَ). • قال ابن عطية: قوله تعالى (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ) وخص الله تعالى بالتولي فريقاً دون الكل لأن منهم من لم يتول كابن سلام وغيره. • قال ابن الجوزي: قوله تعالى (ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُمْ مُعْرِضُونَ) فإن قيل: التولي هو الإعراض، فما فائدة تكريره؟ فالجواب من أربعة أوجه: أحدها: التأكيد. والثاني: أن يكون المعنى: يتولون عن الداعي، ويعرضون عما دعا إليه. والثالث: يتولون بأبدانهم، ويعرضون عن الحق بقلوبهم. والرابع: أن يكون الذين تولوا علماءهم، والذين أعرضوا أتباعهم، قاله ابن الأنباري. (ذَلِكَ) التولي والإعراض. (بِأَنَّهُمْ قَالُوا) كذباً على الله. (لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّاماً مَعْدُودَاتٍ) وهن الأيام التي عبدوا فيها العجل ثم يخرجنا منها ربنا. • قال ابن كثير: أي: إنما حملهم وجَرّأهم على مخالفة الحق، افتراؤهم على الله فيما ادعوه لأنفسهم أنهم إنما يعذبون في النار سبعة أيام، عن كل ألف سنة في الدنيا يوماً.

стр. 977

• قال ابن عاشور: قوله (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ) الإشارة إلى توليهم وإعراضهم، والباء للسببية: أي إنهم فعلوا ما فعلوا بسبب زعمهم أنهم في أمان من العذاب إلا أياما قليلة، فانعدم اكتراثهم باتباع الحق؛ لأن اعتقادهم النجاة من عذاب الله على كل حال جرأهم على ارتكاب مثل هذا الإعراض. وهذا الاعتقاد مع بطلانه مؤذن أيضاً بسفالة همتهم الدينية، فكانوا لا ينافسون في تزكية الأنفس، وعبر عن الاعتقاد بالقول دلالة على أن هذا الاعتقاد لا دليل عليه وأنه مفترى مدلس، وهذه العقيدة عقيدة اليهود، كما تقدم في البقرة. (وَغَرَّهُمْ فِي دِينِهِمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ) أي: ثَبَّتهم على دينهم الباطل ما خدعوا به أنفسهم من زعمهم أن النار لا تمسهم بذنوبهم إلا أياما معدودات، وهم الذين افتروا هذا من تلقاء أنفسهم وافتعلوه، ولم ينزل الله به سلطاناً. (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) أي: كيف يكون حالهم وقد افتروا على الله وكذبوا رسله وقتلوا أنبياءه والعلماء من قومهم، الآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، والله تعالى سائلهم عن ذلك كله، ومحاسبهم عليه، ومجازيهم به؛ ولهذا قال (فَكَيْفَ إِذَا جَمَعْنَاهُمْ لِيَوْمٍ لا رَيْبَ فِيهِ) لا شك في وقوعه. (وَوُفِّيَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ) أي: وأعطيت كل نفس من البشر والجن ما كسبت من خير أو شر. (وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ). فلا ينقصون من حسناتهم، ولا يزاد عليهم في السيئات، ولا يعاقبون بظلم غيرهم. فلا يظلمون مثقال ذرة.

стр. 978

كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً). وقال تعالى (وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلا يَخَافُ ظُلْماً وَلا هَضْماً). ظلماً: أي: زيادة في السيئات (ولا هضماً) أي نقصاً في الحسنات. وقال تعالى (وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلا تُظْلَمُ نَفْسٌ شَيْئاً وَإِنْ كَانَ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنَا بِهَا وَكَفَى بِنَا حَاسِبِينَ) فالله لا يظلم أحداً، لكمال عدله لا لعجزه عن الظلم. الفوائد: ١ - أنه ليس كل من أوتي علماً يوفق للعمل. ٢ - التعجب من حال هؤلاء. ٣ - أن الواجب التحاكم إلى كتاب الله. ٤ - ذم من يتولى. ٥ - تحذير الإنسان أن يتكل على الأماني. ٦ - أن هؤلاء يؤمنون بالبعث.

стр. 979

(قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٦)). [آل عمران: ٢٦]. (قُلِ اللَّهُمَّ … ) أي: قل: يا الله، والخطاب للنبي ﷺ . (مَالِكَ الْمُلْكِ) أي: مالك كل الموجودات. • قال السعدي: أي أنت الملك المالك لجميع الممالك، فصفة الملك المطلق لك، والمملكة كلها علويها وسفليها لك والتصريف والتدبير كله لك، ثم فصل بعض التصاريف التي انفرد الباري تعالى بها. (تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ) أي: تعطي الملك من تشاء. • قال ابن القيم: فصدر الآية سبحانه بتفرده بالملك كله وأنه هو سبحانه هو الذي يؤتيه من يشاء وينزعه ممن يشاء لا غيره، فالأول تفرده بالملك والثاني تفرده بالتصرف. • قوله تعالى: (تؤتي) دل على أن خير الله ما أسرع إتيانه للعبد، ولذلك يقول بعض الناس إذا رأى نعمة على شخص أتت فجأة، قال " من أين له هذا " ولذا يقول بعض الشعراء: ملك الملوك إذا وهب لا تسألن عن السبب (وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ) أي: وتخلع وتنزع الملك ممن تشاء.

стр. 980

فقوله (وتنزع … ) كما ينزع الجلد من البهيمة، لأن بعض الناس إذا ملك شيئاً فإن ذهاب هذا الشيء منه عسير، يتشبث به تشبثاً عظيماً، ولذلك يقول القدماء من العرب (الملك عقيم) يمكن للملك الذي يملك وطناً، يمكن أن يضحي بأبيه وأن يضحي بابنه من أجل هذا الملك، ولذلك كان الأسلوب مناسبا (وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء). • قال السعدي: وفيه الإشارة إلى أن الله تعالى سينزع الملك من الأكاسرة والقياصرة ومن تبعهم ويؤتيه أمة محمد، وقد فعل ولله الحمد، فحصول الملك ونزعه تبع لمشيئة الله تعالى، ولا ينافي ذلك ما أجرى الله به سنته من الأسباب الكونية والدينية التي هي سبب بقاء الملك وحصوله وسبب زواله، فإنها كلها بمشيئة الله لا يوجد سبب يستقل بشيء، بل الأسباب كلها تابعة للقضاء والقدر، ومن الأسباب التي جعلها الله سبباً لحصول الملك الإيمان والعمل الصالح، التي منها اجتماع المسلمين واتفاقهم، وإعدادهم الآلات التي يقدروا عليها والصبر وعدم التنازع. (وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ) أي: تجعله عزيزاً قوياً. • أسباب العزة: أولاً: الإيمان. قال تعالى (مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ). • قال قتادة: (مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً) أي: فلتعزز بطاعة الله . • وقال الزجاج معناه: من كان يريد بعبادة الله العزة والعزة له سبحانه فان الله يعزه في الآخرة والدنيا. • وقال ابن القيم: من كان يطلب العزة فليطلبها بطاعة الله بالكلم الطيب والعمل الصالح، ولذا كان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك.

стр. 981

ثانياً: الجهاد. عن ابن عمر ﵁ قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول (إذا تبايعتم بالعينة، وأخذتم إذناب البقر ورضيتم بالزرع وتركتم الجهاد سلط الله عليكم ذلا لا ينزعه حتى ترجعوا إلى دينكم). رواد أبو داود ثالثاً: التواضع. قال ﷺ (من تواضع لله رفعه الله) رواه مسلم. رابعاً: العفو عن الناس. قال ﷺ (ما نقصت صدقة من مال، وما زاد الله عبداً بعفو إلا عزاً … ) رواه مسلم. وعن أبي كبشة الأنماري انه سمع رسول ﷺ يقول (ثلاثة اقسم عليهن وأحدثكم حديثاً فاحفظوه؛ قال: ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزاً، ولا فتح عبدٌ باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر أو كلمة نحوها) رواه الترمذي. خامساً: العلم. قال تعالى (يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ). • قال ابن القيم: العلم يرفع صاحبه في الدنيا والآخرة ما لا يرفعه الملك ولا المال ولا غيرهما، فالعلم يزيد الشريف شرفاً، ويرفع العبد المملوك حتى جلسه مجالس الملوك. وقال إبراهيم الحربي: (كان عطاء بن أبي رباح عبداً اسود لامرأة من أهل مكة، وكان انفه كأنه باقلاء، قال وجاء سليمان بن عبد الملك أمير المؤمنين إلى عطاء هو وابناه، فجلسوا إليه وهو يصلي، فلما صلى أنفتل إليهم، فما زالوا يسألونه عن مناسك الحج وقد حول قفاه إليهم، ثم قال سليمان لابنيه: قوما فقاما، فقال: يا بني لا تنيا في طلب العلم فإني لا أنسى ذلنا بين يدي هذا العبد الأسود). • وقال خيثمة بن سليمان: (سمعت ابن أبي الخناجر يقول: كنا في مجلس يزيد بن هارون والناس قد اجتمعوا إليه، فمر أمير المؤمنين فوقف علينا في المجلس، وفي المجلس ألوف إلى أصحابه، وقال: هذا الملك … ). • وقال سفيان الثوري: (من أراد الدنيا والآخرة فعليه بطلب العلم).

стр. 982

(وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ) أي: تجعله ذليلاً. (بِيَدِكَ الْخَيْرُ) كله. • لماذا لم يذكر الشر مع أن الشر بيده تعالى؟ قيل: ولم يذكر الشر تعليماً لعباده الأدب في خطابه، وترغيباً لهم في الإقبال عليه والإعراض عما سواه، لأن العادة جارية بأن الناس أسرع شيء إلى معطي النوال وباذل الأموال، وتنبيهاً على أن الشر أهل للإعراض عن كل شيء من أمره حتى عن مجرد ذكره وإخطاره بالبال، مع أن الاقتصار على الخير يملك الخير كله مستلزم لمثل ذلك في الشر، لأنهما ضدان، كل منهما مساوٍ لنقيض الآخر، فإثبات أحدهما نفي للآخر ونفيه إثبات للآخر، فلا يعطى الخير إلا وقد نفي الشر، ولا ينزع الخير إلا وقد وضع الشر - والله أعلم. • قال ابن القيم: وأخطأ من قال المعنى بيدك الخير والشر لثلاثة أوجه: أحدها: أنه ليس في اللفظ ما يدل على إرادة هذا المحذوف بل ترك ذكره قصدا أو بيانا أنه ليس بمراد، الثاني: أن الذي بيد الله تعالى نوعان فضل وعدل كما في الحديث الصحيح عن النبي ﷺ (يمين الله ملأى لا يغيضها نفقة سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق منذ خلق الخلق فإنه لم يغض ما في يمينه وبيده الأخرى القسط يخفض ويرفع) فالفضل لإحدى اليدين والعدل للأخرى وكلاهما خير لا شر فيه بوجه. الثالث: أن قول النبي ﷺ لبيك وسعديك والخير في يديك والشر ليس إليك كالتفسير للآية ففرق بين الخير والشر وجعل أحدهما في يدي الرب سبحانه وقطع إضافة الآخر إليه مع إثبات عموم خلقه لكل شيء. وقد أجاب الشيخ حافظ بن أحمد حكمي عن سؤال مفاده: ما معنى قول النبي ﷺ (والخير كله في يديك والشر ليس إليك) مع أن الله سبحانه خالق كل شيء؟، فقال: "معنى ذلك أن أفعال الله كلها خير محض، من حيث اتصافه بها، وصدورها عنه، ليس فيها شر بوجه؛ فإنه تعالى حكم عدل، وجميع أفعاله حكمة وعدل، يضع الأشياء مواضعها اللائقة بها، كما هي معلومة عنده وما كان في نفس المقدور من شر فمن جهة إضافته إلى العبد؛ لما يلحقه من المهالك؛ وذلك بما كسبت يداه جزاء وفاقاً.

стр. 983

كما قال تعالى (وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ). وقال تعالى (وَمَا ظَلَمْنَاهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا هُمُ الظَّالِمِينَ). وقال تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يَظْلِمُ النَّاسَ شَيْئاً وَلَكِنَّ النَّاسَ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ). (إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) لا يمتنع عليك أمر من الأمور بل الأشياء كلها طوع مشيئتك وقدرتك. الفوائد: ١ - تعليم الله نبيه محمداً ﷺ أن يفوض الأمر إليه. ٢ - بيان تمام ملك الله. ٣ - أن الله يؤتي الملك لمن يشاء. ٤ - تمام ملك الله وسلطانه أيضاً. ٥ - طلب العزة من الله. ٦ - أن الخير بيد الله. ٧ - عموم قدرة الله.

стр. 984

(تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّ وَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ (٢٧)) [آل عمران: ٢٧] (تُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِ) أي: تأخذ من طول هذا فتزيده في قصر هذا فيعتدلان، ثم تأخذ من هذا في هذا فيتفاوتان ثم يعتدلان، وهكذا في فصول السنة، ربيعاً وصيفاً وخريفاً وشتاء. (وَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ) أي: يخرج النبات الحي من الحب النوى، الذي هو كالجماد الميت ولهذا قال تعالى (وَآيَةٌ لَهُمُ الْأَرْضُ الْمَيْتَةُ أَحْيَيْنَاهَا وَأَخْرَجْنَا مِنْهَا حَبّاً فَمِنْهُ يَأْكُلُونَ. وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ … )، ويخرج الإنسان من النطفة وهي ميتة، ويخرج الدجاجة من البيضة وهي ميتة، والنبات يخرج من الحبة وهي ميتة. والشجرة تخرج من النواة وهي ميتة. ويمكن نحمل الحياة على المجاز فنقول: يخرج الابن المؤمن من الأب الكافر، والمؤمن من الضال. (وَتُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ) يخرج النطفة وهي ميتة من الحي وهو الإنسان، والبيضة وهي ميتة تخرج من الحي وهي الدجاجة. وبالمجاز: نقول: يخرج الابن الكافر من الأب المؤمن، والضال من المهتدي. قيل: يخرج الدجاج من البيضة، وقيل: يخرج الولد الصالح من الكافر والكافر من الصالح. • قال الرازي: قوله تعالى (تخرج الحي … ) ذكر المفسرون فيه وجوهاً: أحدها: يخرج المؤمن من الكافر كإبراهيم من آزر، والكافر من المؤمن مثل كنعان من نوح ﵇. والثاني: يخرج الطيب من الخبيث وبالعكس. والثالث: يخرج الحيوان من النطفة، والطير من البيضة وبالعكس. والرابع: يخرج السنبلة من الحبة وبالعكس، والنخلة من النواة وبالعكس، قال القفّال ﵀: والكلمة محتملة للكل.

стр. 985

أما الكفر والإيمان فقال تعالى (أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فأحييناه) يريد كان كافراً فهديناه فجعل الموت كفراً والحياة إيماناً، وسمى إخراج النبات من الأرض إحياء، وجعل قبل ذلك ميتة فقال (يحيي الأرض بعد موتها) وقال (فَسُقْنَاهُ إلى بَلَدٍ مَّيّتٍ فَأَحْيَيْنَا بِهِ الأرض بَعْدَ مَوْتِهَا) وقال: (كَيْفَ تَكْفُرُونَ بالله وَكُنتُمْ أمواتا فأحياكم ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ). • وهذه من أعظم الآيات كما قال تعالى (إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ). (وَتَرْزُقُ مَنْ تَشَاءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي: تعطي من شئت من المال ما لا يعده ولا يقدر على إحصائه. • قال القرطبي: قوله تعالى (وَتَرْزُقُ مَن تَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ) أي بغير تضييق ولا تقتير؛ كما تقول: فلان يعطِي بغير حساب؛ كأنه لا يحسب ما يعطي. الفوائد: ١ - تمام قدرة الله في كونه يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل. ٢ - إثبات حكمة الله تعالى. ٣ - تمام قدرة الله بإخراج الحي من الميت، وإخراج الميت من الحي. ٤ - أن الرزق بيد الله. ٥ - أن عطاء الله بلا عوض.
следующие страницы →