← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 106–145 · переход к 111.

стр. 106

﴿الْعجل من بعده وَأَنْتُم ظَالِمُونَ (٥١) ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك لَعَلَّكُمْ تشكرون (٥٢) وَإِذ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب وَالْفرْقَان لَعَلَّكُمْ﴾ وَلَا ابْن سِتِّينَ لكبره. وَأما عدد المغرقين فَالله بهم عليم. وَقيل: كَانَ على مقدمته هامان مَعَ ألف ألف وَسَبْعمائة ألف نفر حِين غرقوا، وَالله أعلم بِمن كَانَ على المؤخرة. ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ إِلَى غرقهم وهلاكهم. وَقيل: تعلمُونَ.

стр. 107

قَوْله - تَعَالَى -: ﴿وَإِذا واعدنا﴾ وَقَرَأَ: " وَإِذ وعدنا " مَعْنَاهُمَا وَاحِد، فَإِن قَالَ قَائِل: المواعدة على وزن المفاعلة، فتقتضي اثْنَيْنِ يتواعدان، فَكيف تكون المواعدة من الله مَعَ مُوسَى؟ قُلْنَا: المواعدة من الله تَعَالَى بِالْأَمر، وَمن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ بِالْقبُولِ وَكَذَلِكَ الْوَعْد. وَأما مُوسَى، اسْم عبري، و " مو " بلغَة العبرية هُوَ المَاء و " شى " هُوَ الشّجر، فَسمى " موشى " لِأَنَّهُ أَخذ من المَاء وَالشَّجر ثمَّ قلب الشين سنا فِي الْعَرَبيَّة فَصَارَ مُوسَى. وَقَوله: ﴿أَرْبَعِينَ لَيْلَة﴾ أَي: انْقِضَاء أَرْبَعِينَ لَيْلَة. أمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم أَرْبَعِينَ يَوْمًا لإعطائه التَّوْرَاة، وَكَانَ قد وعده ثَلَاثِينَ؛ إِلَّا أَن الله تَعَالَى كَانَ قد نَهَاهُ أَن يتَنَاوَل شَيْئا فِي هَذِه الثَّلَاثِينَ، فَلَمَّا أتم الثَّلَاثِينَ مر بشجرة، فَتَنَاول من وَرقهَا، أمره الله تَعَالَى أَن يَصُوم عشرَة أَيَّام بِسَبَب ذَلِك. وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى فِي سُورَة الْأَعْرَاف ﴿وواعدنا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَة وأتممناها بِعشر﴾ الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى ﴿ثمَّ اتخذتم الْعجل من بعده﴾ يَعْنِي: إِلَهًا، وَله قصَّة مَعْرُوفَة ستأتي فِي سُورَة طه.

стр. 108

﴿تهتدون (٥٣) وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل فتوبوا إِلَى بارئكم فَاقْتُلُوا أَنفسكُم ذَلِكُم خير لكم عِنْد بارئكم فَتَابَ﴾ ﴿وَأَنْتُم ظَالِمُونَ﴾ باتخاذ الْعجل إِلَهًا.

стр. 109

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد ذَلِك﴾ . الْعَفو: محو الْآثَار. وَيُقَال: عفت الرِّيَاح كَذَا، إِذا محت الْآثَار. يَقُول: عَفَوْنَا عَنْكُم من بعد اتخاذكم الْعجل إِلَهًا. ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 110

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب﴾ يَعْنِي: التَّوْرَاة. ﴿وَالْفرْقَان﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنه أَرَادَ بِهِ التَّوْرَاة أَيْضا. إِلَّا أَنه ذكرهَا باسمين، وَمثله قَول الشَّاعِر: (أَلا حبذا هِنْد وَأَرْض بهَا هِنْد ... وَهِنْد أَتَى من دونهَا النأي والبعد) والنأي والبعد اسمان بِمَعْنى وَاحِد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَرَادَ بِهِ الْفرْقَان بَين الْحق وَالْبَاطِل. وَقد أعْطى الله مُوسَى ذَلِك. وَمِنْه سمى يَوْم بدر: يَوْم الْفرْقَان؛ لِأَنَّهُ فرق فِيهِ بَين الْحق وَالْبَاطِل. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَرَادَ بِهِ انفراق الْبَحْر كَمَا سبق. ﴿لَعَلَّكُمْ تهتدون﴾ بِالتَّوْرَاةِ.

стр. 111

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ مَعْنَاهُ: اذكره إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ ﴿يَا قوم إِنَّكُم ظلمتم أَنفسكُم باتخاذكم الْعجل﴾ إِلَهًا. ﴿فتوبوا إِلَى بارئكم﴾ خالقكم ﴿فَاقْتُلُوا أَنفسكُم﴾ ليقْتل بَعْضكُم بَعْضًا. وَقيل مَعْنَاهُ: استسلموا للْقَتْل. ﴿ذَلِكُم خير لكم عِنْد بارئكم﴾ خالقكم ﴿فَتَابَ عَلَيْكُم﴾ بِالْقبُولِ ﴿إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم﴾ الْقَابِل للتَّوْبَة. وروى عَن عَليّ ﵁ أَنه قَالَ: كَانَ عدد الْقَتْلَى مِنْهُم [سبعين] ألفا فَلَمَّا بلغُوا ذَلِك، أوحى الله تَعَالَى إِلَى مُوسَى: إِنِّي رفعت الْقَتْل عَنْهُم،

стр. 112

﴿عَلَيْكُم إِنَّه هُوَ التواب الرَّحِيم (٥٤) وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة فأخذتكم الصاعقة وَأَنْتُم تنْظرُون (٥٥) ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم﴾ ورحمت من مضى مِنْهُم، وعفوت عَمَّن بقى، وتبت عَلَيْهِم. وَحكى أَن يُوشَع بن نون خرج عَلَيْهِم حِين تأهبوا للْقَتْل واحتبوا لَهُ، فَقَالَ: إِن الله رحم من حل حبوته. ثمَّ إِن الَّذين لم يعبدوا الْعجل سلوا سيوفهم، وَأَقْبلُوا على قتل الَّذين عبدُوا الْعجل، حَتَّى كَانَ الابْن يقتل أَبَاهُ وَالْأَب يقتل ابْنه، حَتَّى أَتَوا على سبعين ألفا؛ ثمَّ نزل الْوَحْي كَمَا وَصفنَا.

стр. 113

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة﴾ هُوَ خطاب للسبعين الَّذين حملهمْ مُوسَى إِلَى الطّور ليسمعوا كَلَام الله؛ فَإِنَّهُم لما سمعُوا كَلَام الله قَالُوا لمُوسَى: لن نؤمن لَك حَتَّى نرى الله جهرة. أَي: عيَانًا. وَقيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير يَعْنِي قُلْتُمْ: يَا مُوسَى جهرة لن (نؤمن) (لَك) حَتَّى نرى الله (جهرة) . ﴿فأخذتكم الصاعقة﴾ قَرَأَ عَمْرو: " فأخذتكم الصعقة " وَهُوَ فِي الشواذ: وَقد سبق تَفْسِير الصاعقة. وَالْمرَاد بهَا الْمَوْت هَا هُنَا، أَي: أخذكم ﴿وَأَنْتُم تنْظرُون﴾ . فَإِن قيل: إِذا مَاتُوا كَيفَ نظرُوا؟ قيل: مَعْنَاهُ: ينظر بَعْضكُم إِلَى بعض حِين أخذكم الْمَوْت. قيل: مَعْنَاهُ: تعلمُونَ وَيكون النّظر معنى الْعلم.

стр. 114

وَقَوله تَعَالَى: ﴿ثمَّ بعثناكم من بعد موتكم﴾ يَعْنِي أحييناكم بعد تِلْكَ الموتة بِالطورِ. قَالَ قَتَادَة: أحياهم ليستوفوا آجالهم ﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون﴾ .

стр. 115

﴿لَعَلَّكُمْ تشكرون (٥٦) وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم وَمَا ظلمونا وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظلمن (٥٧) ﴾

стр. 116

قَوْله تَعَالَى ﴿وظللنا عَلَيْكُم الْغَمَام﴾ الْغَمَام: من الْغم. وَأَصله: التغطية والستر وَمِنْه يُقَال للقلب الحزين: مغموم. لِأَن الْحزن غطى قلبه. وللسحاب: غمام لِأَنَّهُ يغطى وَجه الشَّمْس. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ لَا يكن أَمركُم عَلَيْكُم غمَّة﴾ أَي: ملبوسا عَلَيْكُم. وَمعنى الْآيَة: قَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بتظليل الْغَمَام عَلَيْهِم مَا ذكر فِي قَوْله ﴿هَل ينظرُونَ إِلَّا أَن يَأْتِيهم الله فِي ظلل من الْغَمَام﴾ وَسَيَأْتِي شَرحه. وَقَالَ قَتَادَة: إِن قوما من بني إِسْرَائِيل بقوا فِي التيه فعطشوا، وتأذوا بَحر الشَّمْس، وظلل الله عَلَيْهِم غماما، كَيْلا يتأذوا. ﴿وأنزلنا عَلَيْكُم الْمَنّ والسلوى﴾ الْأَكْثَرُونَ: على أَن الْمَنّ هُوَ الترنجبين. وَقَالَ قَتَادَة: هُوَ صمغة تقع على الشّجر. وَقَالَ وهب: هُوَ الْخبز الرقَاق. وَأما السلوى: قيل: إِنَّه طَائِر يشبه السماني بِعَيْنِه. وَفِيه قَول غَرِيب: أَنه الْعَسَل. وَفِي الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى كَانَ ينزل عَلَيْهِم ذَلِك كل صباح من طُلُوع الْفجْر إِلَى طُلُوع الشَّمْس قدر مَا يَكْفِي ليومهم؛ إِلَّا يَوْم الْجُمُعَة فَإِنَّهُ كَانَ ينزل صباح الْجُمُعَة والسبت جَمِيعًا، وَمَا كَانَ للْجُمُعَة ينزل عَلَيْهِم يَوْم السبت. وَأما قَوْله ﵇: " الكمأة من الْمَنّ، وماؤها شِفَاء للعين " فَلَيْسَ ذَلِك من هَذَا الْمَنّ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَنَّهَا من عَطاء الله من غير كلفة وَلَا مشقة.

стр. 117

﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا وادخلوا الْبَاب سجدا وَقُولُوا حطة نغفر لكم خطاياكم وسنزيد الْمُحْسِنِينَ (٥٨) فبدل الَّذين ظلمُوا﴾ ﴿كلوا من طَيّبَات مَا رزقناكم﴾ أَي: من حَلَال مَا رزقناكم. ﴿وَمَا ظلمونا﴾ وَمَا بخسوا بحقنا ﴿وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ . فالظلم: بِمَعْنى البخس وَالنَّقْص، وَأَصله مَا بَينا.

стр. 118

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْنَا ادخُلُوا هَذِه الْقرْيَة﴾ سميت الْقرْيَة قَرْيَة؛ لِأَنَّهَا تجمع أَهلهَا. وَمِنْه المقرآة للحوض؛ لِأَنَّهُ مجمع المَاء. وَمِنْه قَرْيَة النَّمْل؛ لِأَنَّهَا تجمع النَّمْل، وَالْمرَاد بالقرية هَاهُنَا الْبَيْت الْمُقَدّس. وَقيل: هِيَ أرِيحَا مَوضِع هُنَالك. ﴿فَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُم رغدا﴾ وَمعنى الرغد مَا سبق، وَقيل: هُوَ الرزق الْوَاسِع الَّذِي لَا يضيق (وَلَا يَعْنِي) طَالبه. ﴿وادخلوا الْبَاب سجدا﴾ أَرَادَ بِالْبَابِ: بَاب الْقرْيَة. وَقيل: هُوَ بَاب حطة، وَهُوَ بَاب إيلياء. ﴿سجدا﴾ أَي: ركعا خضعا. وأصل السُّجُود الخضوع وَفِي الرُّكُوع خضوع، وَقَالَ الشَّاعِر (بِجمع تضل البلق فِي حجراته ... ترى الأكم فِيهِ سجدا للحوافر) أَي: ركعا خضعا. ﴿وَقُولُوا حطة﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄: مَعْنَاهُ قُولُوا: حط ذنوبنا، وَقَالَ الزّجاج: تَقْدِيره: قُولُوا: مَسْأَلَتنَا حطة. وَقَالَ عِكْرِمَة: هُوَ قَول: لَا إِلَه إِلَّا الله. ﴿نغفر لكم﴾ تقْرَأ بقراءتين: " نغفر لكم " بالنُّون، و " يغْفر لكم " بِالْيَاءِ وهما

стр. 119

﴿قولا غير الَّذِي قيل لَهُم فأنزلنا على الَّذين ظلمُوا رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقون (٥٩) وَإِذ استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ وَاحِد. وَهُوَ من الغفر، وَهُوَ السّتْر. وَمِنْه الْمَغْفِرَة؛ لِأَنَّهُ يستر الرَّأْس. كَذَلِك الْمَغْفِرَة تستر الذُّنُوب. ﴿خطاياكم﴾ جمع الْخَطِيئَة وَتجمع على الخطيئات أَيْضا، وَهِي الذُّنُوب. يُقَال: خطئَ يُخطئ خطأ وخطيئة، إِذا أذْنب مُتَعَمدا. وَأَخْطَأ يُخطئ إخطاء إِذا أذْنب خاطئا. ﴿وسنزيد الْمُحْسِنِينَ﴾ من فضلنَا.

стр. 120

قَوْله تَعَالَى: ﴿فبدل الَّذين ظلمُوا قولا غير الَّذِي قيل لَهُم﴾ أَجمعُوا على أَنهم بدلُوا قَول الحطة بِالْحِنْطَةِ، وَقَالُوا بلسانهم: هطا سمقاثا. أَي: حِنْطَة حَمْرَاء. وَقيل: إِنَّهُم دخلُوا الْبَاب يزحفون على استاههم، وَكَانَ قد طوطىء لَهُم الْبَاب، فَمَا اسْتَطَاعُوا أَن يدخلُوا قيَاما، وأبوا أَن يدخلُوا سجدا، فَدَخَلُوا يزحفون على استاههم مُخَالفَة فِي الْفِعْل كَمَا بدلُوا القَوْل. قَوْله تَعَالَى: ﴿فأنزلنا على الَّذين ظلمُوا رجزا من السَّمَاء بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ . الرجز. الْعَذَاب. والرجس: النتن. وَالرجز (بِضَم الرَّاء) صنم على قَول من قَرَأَ ﴿وَالرجز فاهجر﴾ وَقيل: أنزل الله عَلَيْهِم إِذْ فعلوا ذَاك طاعونا أهلك مِنْهُم أَرْبَعَة وَعشْرين ألفا فِي سَاعَة وَاحِدَة. ﴿بِمَا كَانُوا يفسقون﴾ من الْمُخَالفَة فعلا وقولا.

стр. 121

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا استسقى مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ الاسْتِسْقَاء طلب السقيا. وَالسَّبَب فِي ذَلِك: أَن بني إِسْرَائِيل بقوا فِي التيه فعطشوا، فسألوا مُوسَى أَن يَسْتَسْقِي لَهُم، فَفعل.

стр. 122

﴿فانفجرت مِنْهُ اثْنَتَا عشرَة عينا قد علم كل أنَاس مشربهم كلوا وَاشْرَبُوا من رزق الله وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين (٦٠) وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على﴾ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِب بعصاك الْحجر﴾ اخْتلفُوا فِي ذَلِك الْحجر، مِنْهُم من قَالَ: كَانَ حجرا معينا على قدر رَأس الرجل. وَقيل: كَانَ ذِرَاعا فِي ذِرَاع. وَقيل: كَانَ حجرا من الْأَحْجَار لَا يعنيه، أَي حجر كَانَ. ﴿فانفجرت مِنْهُ﴾ يَعْنِي: فَضرب (وتفجرت) . هَكَذَا تَقْدِيره: مِنْهُ ﴿اثْنَتَا عشرَة عينا﴾ على عدد الأسباط. ﴿قد علم كل أنَاس مشربهم﴾ عرف كل سبط مِنْهُم مشربهم. وَقيل: كَانَ يظْهر فِيهِ بِضَرْب مُوسَى [اثْنَتَيْ عشرَة] حُفْرَة، يعرف كل سبط مِنْهُم حفرته. وَقيل: كَانَ يحمل الْحجر مَعَ نَفسه فِي وعَاء؛ فَكلما احتاجوا إِلَى المَاء ضرب مُوسَى على الْحجر. ﴿كلوا﴾ مِمَّا أنزلنَا عَلَيْكُم من الْمَنّ والسلوى ﴿وَاشْرَبُوا﴾ من هَذِه المشارب. [ ﴿من رزق الله﴾ ] . ﴿وَلَا تعثوا فِي الأَرْض مفسدين﴾ العيث: أَشد الْفساد. وَقيل: مَعْنَاهُ: وَلَا تسعوا فِي الأَرْض مفسدين.

стр. 123

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لن نصبر على طَعَام وَاحِد﴾ كَأَنَّهُمْ أَجمعُوا وسئموا من أكل الْمَنّ والسلوى، فسألوا مُوسَى أَن يسْأَل لَهُم غَيره من الطَّعَام. فَإِن قيل: كَانَ لَهُم الْمَنّ والسلوى، فَلم سماهما وَاحِدًا؟ ! قيل: كَانُوا يَأْكُلُون أَحدهمَا بِالْآخرِ (فَكَانَ) كطعام وَاحِد.

стр. 124

﴿طَعَام وَاحِد فَادع لنا رَبك يخرج لنا مِمَّا تنْبت الأَرْض من بقلها وقثائها وفومها وعدسها وبصلها قَالَ أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير اهبطوا مصرا﴾ وَقيل: إِنَّه كَانَ أبدا على نسق وَاحِد، وَكَانَ من حَيْثُ اتساقه كطعام وَاحِد. ﴿فَادع لنا رَبك يخرج لنا مِمَّا تنْبت الأَرْض من بقلها وقثائها﴾ سَأَلُوا هَذِه الْأَطْعِمَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وفومها﴾ اخْتلفُوا فِيهِ. اخْتلفُوا فِيهِ. قَالَ ابْن عَبَّاس، وَالْأَكْثَرُونَ: إِنَّه الْحِنْطَة. وَقيل: الْخبز. وَحكى أَن بعض الْأَعْرَاب قَالَ لامْرَأَته: " فومى لنا " أَي: أجزي لنا. وَقَالَ الضَّحَّاك بن مُزَاحم: أَرَادَ بِهِ الثوم. فأبدل الثَّاء بِالْفَاءِ. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (كَانَت دِيَارهمْ إِذْ ذَاك بارزة ... فِيهَا الفراديس والفومان والبصل) وَقد قَرَأَ أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: " ونومها " بالثاء ﴿وعدسها وبصلها﴾ . قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ أتستبدلون الَّذِي هُوَ أدنى بِالَّذِي هُوَ خير﴾ يَعْنِي: أتختارون الْأَدْنَى على مَا هُوَ خير. فَإِن قيل: أَلَيْسَ فِيمَا سَأَلُوا الْحِنْطَة وَالْخبْز، وَهِي خير من الْمَنّ والسلوى فَلم سَمَّاهُ أدنى؟ قيل: أَرَادَ بِهِ أدنى فِي الْقيمَة، أَو أَرَادَ بِهِ أسهل وجودا على الْعَادة. ﴿اهبطوا مصرا﴾ أَي: انزلوا واذهبوا إِلَى مصر. وَاخْتلفُوا فِيهِ، فالأكثرون على أَنه الْمصر الْمَعْرُوف. وَقد قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " اهبطوا مصر " غير منصرف. وَمن صرفه كَانَ لقلَّة الْحُرُوف. وَقَالَ الْأَعْمَش: أَرَادَ بِهِ مصر الَّذِي عَلَيْهِ صَالح بن عَليّ، وَهُوَ الْمصر الْمَعْرُوف. وَقيل: كَانَ مصرا من الْأَمْصَار لَا بِعَيْنِه يَقُول: أنزلوا مصرا ﴿فَإِن لكم مَا سَأَلْتُم وَضربت عَلَيْهِم الذلة﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ الْجِزْيَة، وَقَالَ عَطاء بن السَّائِب: هُوَ الكستيج والزنار. وَقَالَ ابْن عَبَّاس: أَصْحَاب القبالات مِمَّن ضربت عَلَيْهِم الذلة.

стр. 125

﴿فَإِن لكم مَا سَأَلْتُم وَضربت عَلَيْهِم الذلة والمسكنة وباءوا بغضب من الله ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق ذَلِك بِمَا عصوا وَكَانُوا يعتدون (٦١) إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا وَالنَّصَارَى﴾ ﴿والمسكنة﴾ والفقر، يُقَال: تمسكن الرجل أَي صَار فَقِيرا، وسمى الْفَقِير مِسْكينا لِأَن الْفقر أسْكنهُ وَأَقْعَدَهُ عَن الْحَرَكَة. ﴿وباءوا بغضب من الله﴾ أَي: رجعُوا وَاحْتَملُوا غضب الله. ﴿ذَلِك بِأَنَّهُم كَانُوا يكفرون بآيَات الله﴾ وَالْآيَة: الْعَلامَة. وَالْآيَة: الْجَمَاعَة. يُقَال: خرج الْقَوْم بآيهم أَي: بجماعتهم. وَالْآيَة من الْقُرْآن مجمع كَلِمَات مَعْلُوم الأول وَالْآخر. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين﴾ . قَرَأَ نَافِع بِالْهَمْز وَالْمدّ. وَالْبَاقُونَ بالتليين، وَأَصله الإنباء، فَمن همزه كَانَ على الأَصْل. وَمن لينه فلكثرة الِاسْتِعْمَال. وَقيل: هُوَ مَأْخُوذ من النُّبُوَّة وَهِي الْمَكَان الْمُرْتَفع، فعلى هَذَا يكون التليين على الأَصْل. وَفِي الحَدِيث: " أَن رجلا قَالَ: يَا نبيء الله بِالْهَمْز وَالْمدّ فَقَالَ: لست بِنَبِي الله إِنَّمَا أَنا نَبِي الله ". قَوْله تَعَالَى: ﴿وَيقْتلُونَ النَّبِيين بِغَيْر الْحق﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: لم قَالَ: " بِغَيْر الْحق " وَقتل النَّبِيين لَا يكون إِلَّا بِغَيْر الْحق؟ ! قُلْنَا: ذكره وَصفا للْقَتْل، وَالْقَتْل يُوصف تَارَة بِالْحَقِّ، وَتارَة بِغَيْر الْحق وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى ﴿قَالَ رب احكم بِالْحَقِّ﴾ . ذكر الْحق وَصفا للْحكم لَا أَن حكمه يَنْقَسِم إِلَى الْجور وَالْحق.

стр. 126

﴿وَالصَّابِئِينَ من آمن بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (٦٢) وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور﴾ ﴿ذَلِك بِمَا عصوا﴾ من الْمعاصِي ﴿وَكَانُوا يعتدون﴾ يتجاوزون الْحَد.

стр. 127

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَالَّذين هادوا﴾ أَرَادَ بالذين هادوا الْيَهُود، وَإِنَّمَا سموا يهودا؛ لأَنهم قَالُوا ﴿إِنَّا هدنا إِلَيْك﴾ أَي: ملنا إِلَيْك. وَقيل: لأَنهم من أَوْلَاد يهودا بن يَعْقُوب. وَالنَّصَارَى قوم يعْرفُونَ. وَإِنَّمَا سمعُوا نَصَارَى؛ لأَنهم نزلُوا قَرْيَة تسمى ناصرة. وَقيل: لقَوْل عِيسَى: من أَنْصَارِي إِلَى الله قَالُوا: نَحن أنصار الله. ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾ قَرَأَ نَافِع باللين وَقَرَأَ الْبَاقُونَ بِالْهَمْز. وَأَصله الصبو وَهُوَ الْميل وَالْخُرُوج. يُقَال: صَبأ نَاب الْبَعِير إِذا خرج. وصبا قلبه إِلَى فلَان أَي: مَال. قَالَ الشَّاعِر: (صبا قلبِي إِلَى هِنْد ... وَهِنْد مثلهَا (يصبي)) أَي: مَال قلبِي إِلَيْهَا وَمثلهَا تميل الْقلب. اختلوا فِي مَعْنَاهُ؛ قَالَ ابْن عَبَّاس: هم قوم من الْيَهُود وَالنَّصَارَى. وَقَالَ قَتَادَة: هم قوم يقرءُون الزبُور، ويعبدون الْمَلَائِكَة، وَيصلونَ إِلَى الْكَعْبَة (من آمن بِاللَّه) . فَإِن قيل: قد ذكر فِي الْجُمْلَة ﴿إِن الَّذين آمنُوا﴾ فَكيف يَسْتَقِيم قَوْله ﴿من آمن بِاللَّه﴾ ؟ . قيل: هَذَا فِي سلمَان وَأَتْبَاعه الَّذين آمنُوا بِمُحَمد قبل الْبَعْث. ثمَّ أقرُّوا بِهِ بعد الْبَعْث. وَقيل: أَرَادَ بِهِ: من ثَبت على الْإِيمَان. وَقيل: أَرَادَ بالذين آمنُوا: الْمُنَافِقين الَّذين آمنُوا بِاللِّسَانِ.

стр. 128

﴿خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واذْكُرُوا مَا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون (٦٣) ثمَّ توليتم من بعد ذَلِك فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته لكنتم من الخاسرين (٦٤) وَلَقَد علمْتُم﴾ وَقَوله تَعَالَى: ﴿من آمن بِاللَّه﴾ يَعْنِي بِالْقَلْبِ مَعَ اللِّسَان ﴿بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر وَعمل صَالحا فَلهم أجرهم عِنْد رَبهم وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ فِي الْآخِرَة.

стр. 129

قَوْله تَعَالَى: ﴿ [وَإِذ] أَخذنَا ميثاقكم﴾ أَي: عهدكم ﴿ورفعنا فَوْقكُم الطّور﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ طور سيناء. وَقيل: كل جبل طور. وَفِي الْقَصَص: أَن الله تَعَالَى قلع جبل طور وَرفع فَوق رَأْسهمْ وَقَالَ لَهُم: إِن لم تقبلُوا التَّوْرَاة أرْسلت هَذَا الْجَبَل عَلَيْكُم، فقبلوا التَّوْرَاة. وَعَلِيهِ دلّ قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نتقنا الْجَبَل فَوْقهم كَأَنَّهُ ظلة وظنوا أَنه وَاقع بهم﴾ الْآيَة. ﴿خُذُوا مَا آتيناكم﴾ من التَّوْرَاة ﴿بِقُوَّة﴾ بجد واجتهاد ﴿واذْكُرُوا مَا فِيهِ﴾ وادرسوا مَا فِيهِ. ﴿لَعَلَّكُمْ تَتَّقُون﴾ النَّار فِي الْآخِرَة.

стр. 130

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ توليتم من بعد ذَلِك﴾ أعرضتم من بعد مَا قبلتم التَّوْرَاة ﴿فلولا فضل الله عَلَيْكُم وَرَحمته﴾ يَعْنِي: بالإمهال والإدراج ﴿لكنتم من الخاسرين﴾ لمن الْمُعَذَّبين فِي الْحَال؛ كَأَنَّهُ رَحِمهم بالإمهال.

стр. 131

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد علمْتُم الَّذين اعتدوا﴾ أَي: جاوزوا الْحَد، وَيُقَال: تعدى طوره. أَي: جَاوز حَده. ﴿مِنْكُم فِي السبت﴾ وأصل السبت: الْقطع، وسمى يَوْم السبت بذلك؛ لِأَن الْيَهُود أمروا فِيهِ يقطع الْأَعْمَال أَرَادَ بِهِ قوم أيله، وَهِي قَرْيَة على شط الْبَحْر وَترك الِاصْطِيَاد فِي يَوْم السبت؛ فخالفوا واصطادوا. وقصتهم تَأتي مشروحة فِي سُورَة

стр. 132

﴿الَّذين اعتدوا مِنْكُم فِي السبت فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ (٦٥) فجعلناها نكالا لما بَين يَديهَا وَمَا خلفهَا وموعظة لِلْمُتقين (٦٦) ﴾ الْأَعْرَاف. ﴿فَقُلْنَا لَهُم كونُوا قردة خَاسِئِينَ﴾ وَهَذَا أَمر تكوين لَيْسَ للْعَبد فِيهِ صنع وَلَا اخْتِيَار. ﴿خَاسِئِينَ﴾ مبعدين. وَمِنْه يُقَال: [أخسا] أَي: أبعد. فَإِن قيل: لم قَالَ: " قردة خَاسِئِينَ " وَإِنَّمَا تنْعَت القردة بالخاسئات؟ قيل: فِيهِ تَقْدِيم وَتَأْخِير. وَتَقْدِيره. خَاسِئِينَ قردة.

стр. 133

قَوْله تَعَالَى: ﴿فجعلناها نكالا لما بَين يَديهَا﴾ أَي: فَجعلنَا عقوبتهم بالمسخ نكالا. والنكال: اسْم لكل عُقُوبَة تنكل النَّاظر من فعل مَا جعلت الْعقُوبَة جَزَاء عَلَيْهِ. وَمِنْه النّكُول من الْيَمين، وَهُوَ منع الْيَمين. ﴿لما بَين يَديهَا﴾ فَإِن قيل: كَيفَ يكون نكالا لما بَين يَديهَا وهم قد مضوا؟ قيل: أَرَادَ بِهِ الَّذين حَضَرُوا فِي ذَلِك الزَّمَان. ﴿وَمَا خلفهَا﴾ الَّذين يأْتونَ من بعد " وَمَا " هَاهُنَا: بِمَعْنى " من " وَفِيه قَول آخر: أَرَادَ " لما بَين يَديهَا ": مَا سبقت من الذُّنُوب ﴿وَمَا خلفهَا﴾ مَا حضرت من الذُّنُوب الَّتِي أخذُوا بهَا. وَفِيه قَول ثَالِث: أَرَادَ " بِمَا بَين يَديهَا " الْقرى الَّتِي كَانَت مَبْنِيَّة فِي الْحَال. وَمَا خلفهَا: بِالْحَدَثِ من الْقرى من بعد. ﴿وموعظة لِلْمُتقين﴾ من أمة مُحَمَّد.

стр. 134

﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة قَالُوا أتتخذنا هزوا قَالَ أعوذ بِاللَّه أَن أكون من الْجَاهِلين (٦٧) قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ قَالَ﴾

стр. 135

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ﴾ وَاذْكُر إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ: ﴿إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة﴾ الْبَقَرَة: الْأُنْثَى من الْبَقر. وَهِي مَأْخُوذَة من الْبَقر، وَهُوَ الشق. سميت بذلك لِأَنَّهَا تشق الأَرْض بالحراثة. وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي نهى عَن التبقر فِي الْأَهْل وَالْمَال " أَي: التَّوَسُّع. والقصة فِي ذَلِك: أَنه كَانَ فِي بني إِسْرَائِيل رجل غَنِي، وَله ابْن عَم فَقير، فاستطال حَيَاته فَقتله، وَحمله إِلَى حَيّ آخر، وَطَرحه بفنائهم، ثمَّ أصبح يطْلب دَمه. فسألوا مُوسَى أَن يسْأَل ربه من الْقَاتِل؟ فَسَأَلَ فَأوحى الله تَعَالَى [إِلَيْهِ] أَن يَأْمُرهُم بِذبح الْبَقَرَة. فَقَالَ: إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة ﴿قَالُوا أتتخذنا هزوا﴾ لأَنهم لما سَأَلُوهُ أَن يسْأَل ربه من الْقَاتِل؟ فَقَالَ: إِن الله يَأْمُركُمْ أَن تذبحوا بقرة، فلبعد مَا بَين السُّؤَال وَالْجَوَاب، قَالُوا: أتتخذنا هزوا. وَذَلِكَ من شدَّة جهلهم، وتبسطهم فِي الْكَلَام نسبوا نَبِيّهم إِلَى الِاسْتِهْزَاء. ﴿قَالَ أعوذ بِاللَّه﴾ أَعْتَصِم وأمتنع بِاللَّه. ﴿أَن أكون من الْجَاهِلين﴾ بِالْجَوَابِ، لَا على وفْق السُّؤَال. لِأَن كل من سُئِلَ عَن شَيْء فَأجَاب لَا على وفْق السُّؤَال يكون جَاهِلا.

стр. 136

﴿إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك فافعلوا مَا تؤمرون (٦٨) قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا لَوْنهَا قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة صفراء فَاقِع لَوْنهَا﴾

стр. 137

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ﴾ هَذَا استيصاف السن ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول﴾ يَعْنِي: فَسَأَلَ فَقَالَ: إِنَّه يَقُول: ﴿إِنَّهَا بقرة لَا فارض وَلَا بكر عوان بَين ذَلِك﴾ قيل: الفارض الْكَبِيرَة المسنة، وَالْبكْر: الْفَتى، والعوان مَا بَين ذَلِك. وَمِنْه يُقَال: عونت الْمَرْأَة، إِذا زَادَت على الثَّلَاثِينَ. وَيُقَال: فِي الْمثل " الْعوَان لَا تعلم الْخمْرَة " أَي: الاختمار. وَقيل: الفارض الَّتِي ولدت بطونا، وَالْبكْر: الَّتِي لم تَلد أصلا، والعوان: الَّتِي ولدت بَطنا أَو بطنين. ﴿فافعلوا مَا تؤمرون﴾ من الذّبْح.

стр. 138

قَوْله تَعَالَى: ﴿ادْع لنا رَبك﴾ سل لنا رَبك. ﴿يبين لنا مَا لَوْنهَا﴾ هَذَا اسيتصاف اللَّوْن. ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة صفراء﴾ قَالَ الْحسن: الصَّفْرَاء: السَّوْدَاء. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (تِلْكَ خيلي مِنْهُ وَتلك ركاب ... هن صفر ألوانها كالزبيب) يَعْنِي سود، وَالصَّحِيح: أَنه أَرَادَ بِهِ الصَّفْرَاء الْمَعْهُودَة بِدَلِيل قَوْله: ﴿فَاقِع لَوْنهَا﴾ وَإِنَّمَا يُقَال: أصفر فَاقِع، وأسود حالك، وأحمر قان، وأبيض يقق. وَيُقَال: ذَلِك للْمُبَالَغَة. وَقَالَ سعيد بن جُبَير: كَانَت صفراء الْقُرُون والظلف. وَالصَّحِيح: أَنه كَانَت صفراء بجميعها. ﴿تسر الناظرين﴾ أَي تعجبهم وَتدْخل السرُور فِي قلبهم من حسنها وَهَذَا دأب كل حسن قد يرى. وَقد قَالَ النَّبِي " من لبس نعلا صفراء لم يزل فِي سرُور حَتَّى يَنْزِعهَا ".

стр. 139

﴿تسر الناظرين (٦٩) قَالُوا ادْع لنا رَبك يبين لنا مَا هِيَ إِن الْبَقر تشابه علينا وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ (٧٠) قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض﴾

стр. 140

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا ادْع لنا رَبك﴾ سل لنا رَبك. ﴿يبين لنا مَا هِيَ﴾ وَهَذَا استيصاف الْعَمَل أَنَّهَا من العوامل أم لَا؟ ﴿إِن الْبَقر تشابه علينا﴾ أَي: اشْتبهَ. ﴿وَإِنَّا إِن شَاءَ الله لَمُهْتَدُونَ﴾ وَفِي الْخَبَر " أَنهم لَو لم يَقُولُوا: إِن شَاءَ الله مَا اهتدوا أبدا ".

стр. 141

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض﴾ الذلول: بَين الذلة، والذليل بَين الذل، وَالْبَقَرَة الذلول الَّتِي أذلها الْعَمَل بإثارة الأَرْض. ﴿وَلَا تسقى الْحَرْث﴾ لَيست بساقية ﴿مسلمة﴾ عَن الْعُيُوب. ﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ الزّجاج: لَيْسَ فِيهَا لون يُخَالف مُعظم لَوْنهَا. ﴿قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ فَإِن قيل: قد كَانَ جَاءَ بِالْحَقِّ فِي كل مرّة. فَمَا معنى قَوْله ﴿الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ ؟ ! قيل: مَعْنَاهُ: الْآن أتيت بِالْبَيَانِ التَّام الشافي الَّذِي لم يبْق مَعَه لبس وَلَا إِشْكَال. ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَعْنِي: من غلاء ثمنهَا، لِأَنَّهُ روى أَنهم اشتروها بملء مسكها ذَهَبا. وَحكى عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: مَا اشتروها بذلك، إِنَّمَا اشتروها بِثَلَاثَة دَنَانِير. وَقيل: مَعْنَاهُ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ من شدَّة اضطرابهم وَاخْتِلَافهمْ فِيهَا، وَالْأول أصح. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: ﴿شَدَّدُوا على أنفسهم؛ فَشدد الله عَلَيْهِم. وَلَو

стр. 142

﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْث مسلمة لَا شية فِيهَا قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا وَالله مخرج مَا كُنْتُم اعْترضُوا بقرة فذبحوها؛ حصل مُرَادهم ".

стр. 143

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قتلتم نفسا﴾ هَذَا فِي التِّلَاوَة مُؤخر، وَفِي الْمَعْنى مقدم؛ لِأَنَّهُ أول الْقِصَّة. ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ أَي: اعوججتم وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (فنكب عَنْهُم دَرْء الأعادي ... وداووا بالجنون من الْجُنُون) أَي: اعوجاجهم. وَقيل: مَعْنَاهُ: تدافعتم إِذا كَانَ يحِيل بَعضهم على بعض وأصل [الدرء] الدّفع. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ أَي: مظهر مَا كُنْتُم تكتمون؛ فَإِن الْقَاتِل كَانَ يكتم الْقَتْل.

стр. 144

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أَمر الله تَعَالَى أَن يضْرب الْمَقْتُول بعض الْبَقَرَة. وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك الْبَعْض؛ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: كَانَ ذَلِك من الغضروف إِلَى الْكَتف. قَالَ مُجَاهِد: وَهُوَ عجب الذَّنب. وَقَالَ غَيره: هُوَ الْفَخْذ. وَقَالَ بَعضهم: اللِّسَان. وَقيل: بعض مِنْهَا لَا بِعَيْنِه؛ أَي بعض: كَانَ. ﴿كَذَلِك يحيى الله الْمَوْتَى﴾ لِأَنَّهُ أَرَاهُم إحْيَاء الْمَقْتُول حِين ضرب بِبَعْض الْبَقَرَة. وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما ضرب بِبَعْضِهَا قَامَ حَيا وَقَالَ: " قاتلي فلَان "، ثمَّ سقط مَيتا؛ فَحرم قَاتله الْمِيرَاث. وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " مَا ورث قَاتل بعد صَاحب الْبَقَرَة ".

стр. 145

﴿تكتمون (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون (٧٣) ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد﴾ ﴿ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ تمْنَعُونَ أَنفسكُم من الْمعاصِي. وَقيل: إِنَّمَا خص الْبَقَرَة بذلك الذّبْح؛ لأَنهم كَانُوا قد عبدُوا الْعجل، فَأَرَادَ أَن يُرِيهم هوانها، وَأَنَّهَا تعجز عَن دفع الْقَتْل عَن نَفسهَا. أَو ابْتَلَاهُم بِالْأَمر بذبحها حَتَّى [يراهم] هَل يقتلُون أم لَا.
следующие страницы →