← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 141–180 · переход к 146.

стр. 141

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّه يَقُول إِنَّهَا بقرة لَا ذَلُول تثير الأَرْض﴾ الذلول: بَين الذلة، والذليل بَين الذل، وَالْبَقَرَة الذلول الَّتِي أذلها الْعَمَل بإثارة الأَرْض. ﴿وَلَا تسقى الْحَرْث﴾ لَيست بساقية ﴿مسلمة﴾ عَن الْعُيُوب. ﴿لَا شية فِيهَا﴾ قَالَ الزّجاج: لَيْسَ فِيهَا لون يُخَالف مُعظم لَوْنهَا. ﴿قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ فَإِن قيل: قد كَانَ جَاءَ بِالْحَقِّ فِي كل مرّة. فَمَا معنى قَوْله ﴿الْآن جِئْت بِالْحَقِّ﴾ ؟ ! قيل: مَعْنَاهُ: الْآن أتيت بِالْبَيَانِ التَّام الشافي الَّذِي لم يبْق مَعَه لبس وَلَا إِشْكَال. ﴿فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ﴾ يَعْنِي: من غلاء ثمنهَا، لِأَنَّهُ روى أَنهم اشتروها بملء مسكها ذَهَبا. وَحكى عَن عِكْرِمَة أَنه قَالَ: مَا اشتروها بذلك، إِنَّمَا اشتروها بِثَلَاثَة دَنَانِير. وَقيل: مَعْنَاهُ وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ من شدَّة اضطرابهم وَاخْتِلَافهمْ فِيهَا، وَالْأول أصح. وَفِي الحَدِيث أَن النَّبِي قَالَ: ﴿شَدَّدُوا على أنفسهم؛ فَشدد الله عَلَيْهِم. وَلَو

стр. 142

﴿وَلَا تَسْقِي الْحَرْث مسلمة لَا شية فِيهَا قَالُوا الْآن جِئْت بِالْحَقِّ فذبحوها وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ (٧١) وَإِذ قتلتم نفسا فادارأتم فِيهَا وَالله مخرج مَا كُنْتُم اعْترضُوا بقرة فذبحوها؛ حصل مُرَادهم ".

стр. 143

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قتلتم نفسا﴾ هَذَا فِي التِّلَاوَة مُؤخر، وَفِي الْمَعْنى مقدم؛ لِأَنَّهُ أول الْقِصَّة. ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ أَي: اعوججتم وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (فنكب عَنْهُم دَرْء الأعادي ... وداووا بالجنون من الْجُنُون) أَي: اعوجاجهم. وَقيل: مَعْنَاهُ: تدافعتم إِذا كَانَ يحِيل بَعضهم على بعض وأصل [الدرء] الدّفع. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالله مخرج مَا كُنْتُم تكتمون﴾ أَي: مظهر مَا كُنْتُم تكتمون؛ فَإِن الْقَاتِل كَانَ يكتم الْقَتْل.

стр. 144

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا﴾ أَمر الله تَعَالَى أَن يضْرب الْمَقْتُول بعض الْبَقَرَة. وَاخْتلفُوا فِي ذَلِك الْبَعْض؛ قَالَ ابْن عَبَّاس وَأكْثر الْمُفَسّرين: كَانَ ذَلِك من الغضروف إِلَى الْكَتف. قَالَ مُجَاهِد: وَهُوَ عجب الذَّنب. وَقَالَ غَيره: هُوَ الْفَخْذ. وَقَالَ بَعضهم: اللِّسَان. وَقيل: بعض مِنْهَا لَا بِعَيْنِه؛ أَي بعض: كَانَ. ﴿كَذَلِك يحيى الله الْمَوْتَى﴾ لِأَنَّهُ أَرَاهُم إحْيَاء الْمَقْتُول حِين ضرب بِبَعْض الْبَقَرَة. وَفِي الْقِصَّة: أَنه لما ضرب بِبَعْضِهَا قَامَ حَيا وَقَالَ: " قاتلي فلَان "، ثمَّ سقط مَيتا؛ فَحرم قَاتله الْمِيرَاث. وَفِي الْخَبَر: أَن النَّبِي قَالَ: " مَا ورث قَاتل بعد صَاحب الْبَقَرَة ".

стр. 145

﴿تكتمون (٧٢) فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا كَذَلِك يحيي الله الْمَوْتَى ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون (٧٣) ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك فَهِيَ كالحجارة أَو أَشد﴾ ﴿ويريكم آيَاته لَعَلَّكُمْ تعقلون﴾ تمْنَعُونَ أَنفسكُم من الْمعاصِي. وَقيل: إِنَّمَا خص الْبَقَرَة بذلك الذّبْح؛ لأَنهم كَانُوا قد عبدُوا الْعجل، فَأَرَادَ أَن يُرِيهم هوانها، وَأَنَّهَا تعجز عَن دفع الْقَتْل عَن نَفسهَا. أَو ابْتَلَاهُم بِالْأَمر بذبحها حَتَّى [يراهم] هَل يقتلُون أم لَا.

стр. 146

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ قست قُلُوبكُمْ من بعد ذَلِك﴾ يَعْنِي يَبِسَتْ وجفت، وجفاف الْقلب بِخُرُوج الرَّحْمَة والرقة عَنهُ. ﴿من بعد ذَلِك﴾ من بعد مَا ظهر لكم من تِلْكَ الْآيَات. ﴿فَهِيَ كالحجارة﴾ يَعْنِي فِي الصلابة ﴿أَو أَشد قسوة﴾ . فَإِن قيل: لم قَالَ: أَو أَشد قسوة و " أَو " كلمة التشكيك؟ وَلم شبه بِالْحِجَارَةِ وَالْحَدِيد أَصْلَب من الْحِجَارَة؟ . قُلْنَا: أما الأول مَعْنَاهُ وَأَشد قسوة. وَقيل: بل أَشد قسوة، وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَى مائَة ألف أَو يزِيدُونَ﴾ أَو بل يزِيدُونَ. وَقَالَ جمَاعَة النَّحْوِيين: مَعْنَاهُ إِن شِئْت مثلهم بِالْحِجَارَةِ؛ وَإِن شِئْت مثلهم بِمَا هُوَ أَشد من الْحِجَارَة، فَأَنت مُصِيب فِي الْكل. وَهَذَا قَول حسن. وَإِنَّمَا لم يشبه بالحديد؛ لِأَنَّهُ قَابل للين، فَإِنَّهُ يلين بالنَّار، وَقد لَان لداود ﵇، وَالْحِجَارَة لَا تلين قطّ. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ جَمِيع الْحِجَارَة. وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْحجر الَّذِي كَانَ يضْرب عَلَيْهِ مُوسَى للأسباط. ﴿وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء﴾ أَرَادَ بِهِ عيُونا دون الْأَنْهَار، وَتَكون فِي بعض

стр. 147

﴿قسوة وَإِن من الْحِجَارَة لما يتفجر مِنْهُ الْأَنْهَار وَإِن مِنْهَا لما يشقق فَيخرج مِنْهُ المَاء وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ (٧٤) ﴾ الْأَحْجَار ﴿وَإِن مِنْهَا لما يهْبط من خشيَة الله﴾ أَي ينزل من مَخَافَة الله. فَإِن قيل: الْحجر جماد لَا يفهم؛ فَكيف يخْشَى؟ ! قُلْنَا: قد قَالَ أهل السّنة: إِن لله تَعَالَى علما فِي الْموَات لَا يُعلمهُ غَيره. وَقيل: إِن الله تَعَالَى يفهمهم ويلهمهم ذَلِك فيخشون بإلهامه، وبمثل هَذَا وَردت الْأَخْبَار. فَإِنَّهُ روى: " أَن النَّبِي كَانَ عَليّ " ثبير " وَالْكفَّار يطلبونه، فَقَالَ الْجَبَل: أنزل عني فَإِنِّي أَخَاف أَن تُؤْخَذ على فيعاقبني الله بذلك. فَقَالَ لَهُ جبل حراء: إِلَى يَا رَسُول الله ". وروى عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " كَانَ حجر يسلم على بِمَكَّة قبل أَن أبْعث، وَأَنا أعرفهُ الْآن " الْخَبَر صَحِيح. وَفِي الْبَاب حَدِيث أنس وَسَهل بن سعد، " أَن رَسُول الله كَانَ يخْطب إِلَى جذع فِي الْمَسْجِد قَائِما، فَلَمَّا اتخذ لَهُ الْمِنْبَر تحول إِلَيْهِ فَلَمَّا رقاه حن الْجذع ". ويروي: " أَنه خار كَمَا يخور الثور، حَتَّى ارتج الْمَسْجِد؛ فَنزل رَسُول الله من الْمِنْبَر وَكَانَ الْجذع يخور حَتَّى الْتَزمهُ فسكن. فخيره النَّبِي بَين أَن يكون شَجَرَة فِي الدُّنْيَا أَو شَجَرَة فِي الْجنَّة، فَاخْتَارَ الْجنَّة، فَأمر بِهِ فَدفن ".

стр. 148

﴿أفتطمعون أَن يُؤمنُوا لكم وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه وهم يعلمُونَ (٧٥) وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا وَإِذا خلا﴾ وَقد قَالَ مُجَاهِد: لَا ينزل حجر من [الْأَعْلَى] إِلَى الْأَسْفَل إِلَّا من خشيَة الله. وَيشْهد لكل مَا قُلْنَا. قَوْله تَعَالَى: ﴿لَو أنزلنَا هَذَا الْقُرْآن على جبل لرأيته خَاشِعًا متصدعا من خشيَة الله﴾ . ﴿وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ أَي: يُشَاهد مَا تَصْنَعُونَ.

стр. 149

قَوْله تَعَالَى: ﴿أفتطمعون﴾ أَي: ترجون ﴿أَن يُؤمنُوا لكم﴾ أَي: يصدقونكم بِمَا تخبرونهم بِهِ. ﴿وَقد كَانَ فريق مِنْهُم يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم سمعُوا التَّوْرَاة ثمَّ حرفوا مَا فِيهَا من الْأَحْكَام ونعت مُحَمَّد. القَوْل الثَّانِي: أَنه أَرَادَ بِهِ السّبْعين الَّذين حملهمْ مُوسَى إِلَى الطّور حِين قَالُوا: إِن كنت ترى الله فَيَنْبَغِي أَن نرى الله، وَإِن كنت تسمع كَلَام الله؛ فَيَنْبَغِي أَن نسْمع كَلَام الله. فَقَالَ مُوسَى: أما أَنا فَلَا أرى الله، وَلَكِنِّي أسمع كَلَامه، ثمَّ سَأَلَ مُوسَى ربه تَعَالَى أَن يسمعهم كَلَامه فَقَالَ الله تَعَالَى: مرهم فليصوموا كَذَا وليغسلوا أَو ليلبسوا ثيابًا جددا نظيفة، ثمَّ ليحضروا فَفَعَلُوا ذَلِك. وسمعوا كَلَام الله. وَفِي التَّفْسِير: أَنه قَالَ لَهُم: أَنا الله لَا إِلَه إِلَّا أَنا، أخرجتكم من مصر بيد شَدِيدَة فاعبدوني وَلَا تُشْرِكُوا بِي شَيْئا، وافعلوا كَذَا، وَكَذَا فَلَمَّا سمعُوا كَلَامه، خرجت أَرْوَاحهم وماتوا فأحياهم الله تَعَالَى فَقَالُوا لمُوسَى: إِنَّا لَا نطيق أَن نسْمع كَلَامه، فاسمع أَنْت، وبلغنا إِيَّاه. ثمَّ رجعُوا إِلَى قَومهمْ قَالُوا: قد سمعنَا كَلَام الله، وَقد أمرنَا أَن نَفْعل كَذَا وَكَذَا، لكنه قَالَ: افعلوا إِن شِئْتُم أَو إِن اسْتَطَعْتُم. وَفِي رِوَايَة قَالَ: لَا ترتكبوا كَذَا وَكَذَا إِلَّا أَن يكون لكم بُد؛ فارتكبوا، فَهَذَا معنى

стр. 150

﴿بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم أَفلا تعقلون (٧٦) أَولا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ قَوْله ﴿يسمعُونَ كَلَام الله ثمَّ يحرفونه من بعد مَا عقلوه﴾ أَي: فهموه (وهم يعلمُونَ) أَنه الْحق.

стр. 151

قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِذا لقوا الَّذين آمنُوا قَالُوا آمنا﴾ أنزل فِي قوم من الْيَهُود آمنُوا فنافقوا. ﴿وَإِذا خلا بَعضهم إِلَى بعض قَالُوا أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم﴾ وَالْفَتْح بِمَعْنى الْقَضَاء. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِنَّا فتحنا لَك فتحا مُبينًا﴾ أَي: قضينا لَك قَضَاء بَينا. وَقَالَ الْأَصْمَعِي: سَمِعت أَعْرَابِيًا يَقُول: تعال إِلَى الفتاح. وَفِي معنى الْآيَة ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَنهم قَالُوا لأهل الْمَدِينَة حِين شاوروهم فِي اتِّبَاع مُحَمَّد: آمنُوا بِهِ فَإِنَّهُ حق. ثمَّ قَالَ بَعضهم لبَعض: أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم ليَكُون لَهُم الْحجَّة عَلَيْكُم عِنْد ربكُم أَي: يأخذونكم. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنهم أخبروهم بِمَا عذبهم الله بِهِ على الْجِنَايَات؛ فَقَالَ بَعضهم لبَعض: أتحدثونهم بِمَا فتح الله عَلَيْكُم من الْعَذَاب ﴿ليحاجوكم بِهِ عِنْد ربكُم﴾ ليروا الكرمة لأَنْفُسِهِمْ عَلَيْكُم الله. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن النَّبِي لما فتح خَيْبَر حاصر بني قُرَيْظَة قَالَ لَهُم: " يَا إخْوَة القردة والخنازير. فَقَالَ بَعضهم لبَعض: هَذِه الْكَلِمَة مَا خرجت إِلَّا مِنْكُم، يَعْنِي: أَنْتُم حدثتموه بذلك " ﴿أَفلا تعقلون﴾ .

стр. 152

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لَا يعلمُونَ أَن الله يعلم مَا يسرون وَمَا يعلنون﴾ يَعْنِي: أَنه عَالم بِمَا اسروا (وأعلنوا) .

стр. 153

﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني وَإِن هم إِلَّا يظنون (٧٨) ﴾

стр. 154

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم أُمِّيُّونَ﴾ الْأُمِّي: الَّذِي لَا يقْرَأ وَلَا يكْتب. وَفِي اشتاقه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه من الْأُم، فالأمي بَاقٍ على مَا انْفَصل من الْأُم. وَالثَّانِي: من الْأمة ٠ وَهِي الخليقة، وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (وَإِن مُعَاوِيَة الأكرمين ... حسان الْوُجُوه طوال الْأُمَم) يَعْنِي بني مُعَاوِيَة. وطوال الْأُمَم أَي الْخلق. فالأمي: بَاقٍ على مَا كَانَ عَلَيْهِ من أصل الْخلقَة. ﴿لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا أماني﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهمَا: قَالَ مُجَاهِد: الْأَمَانِي الأكاذيب. وَمِنْه قَول عُثْمَان ﵁: مُنْذُ أسلمت مَا تمنيت وَلَا تَغَنَّيْت أَي: مَا كذبت. وَقَالَ ابْن دأب لرجل ذكر شَيْئا: هَذَا شَيْء رويته أم شَيْء تمنيته. أَي: اختلقته واخترعته من تلقائك. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه التِّلَاوَة، أَي: لَا يعلمُونَ الْكتاب إِلَّا التِّلَاوَة وَمثله وَقَوله: ﴿إِلَّا إِذا تمنى ألْقى الشَّيْطَان فِي أمْنِيته﴾ أَي: تِلَاوَته. وَقيل فِي عُثْمَان ﵁: (تمنى كتاب الله أول ليله ... [فياليته] مَا لَاقَى حمام المقادر) أَي: تَلا كتاب الله وَالْقَوْل الثَّالِث: قَالَ الْفراء وَالْكسَائِيّ: هُوَ من التَّمَنِّي، وَذَلِكَ هِيَ أمانيهم الْبَاطِلَة من قَوْلهم ﴿لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ وَمن قَوْلهم: ﴿لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا

стр. 155

﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مِمَّا كتبت أَيْديهم وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ (٧٩) وَقَالُوا﴾ من كَانَ هودا أَو نَصَارَى) وَمن قَوْلهم: ﴿نَحن أَبنَاء الله وأحباؤه﴾ فعلى قَوْله هَذَا " إِلَّا " بِمَعْنى " لَكِن " يعْنى: لَا يعلمُونَ الْكتاب لَكِن يتمنون أَشْيَاء لَا تحصل لَهُم. ﴿وَإِن هم إِلَّا يظنون﴾ قَالَ مُجَاهِد: يكذبُون. وَلم يعرف أهل الْبَصْرَة الظَّن بِمَعْنى الْكَذِب؛ فَقَالُوا: مَعْنَاهُ: إِلَّا يخرصون.

стр. 156

قَوْله تَعَالَى: ﴿فويل للَّذين يَكْتُبُونَ الْكتاب بِأَيْدِيهِم ثمَّ يَقُولُونَ هَذَا من عِنْد الله﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم كَانُوا يَكْتُبُونَ من عِنْدهم أَشْيَاء، ثمَّ يَقُولُونَ للأعراب: هَذَا من عِنْد الله، يبتغونها مِنْهُم. وَقيل: أَرَادَ بِهِ مَا غيروا بِأَيْدِيهِم من نعت مُحَمَّد فِي التَّوْرَاة؛ فَإِنَّهُ كَانَ فِيهَا أَنه أكحل أعين، ربعَة، سبط الشّعْر، فَكَتَبُوا فِيهَا أَنه أشقر، أَزْرَق طَوِيل الْقَامَة، جعد الشّعْر. ﴿ليشتروا بِهِ ثمنا قَلِيلا فويل لَهُم مَا كتبت أَيْديهم﴾ اخْتلفُوا فِي الويل؛ قَالَ أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ ويروي ذَلِك مَرْفُوعا عَن النَّبِي أَيْضا " إِن الويل وَاد فِي جَهَنَّم يهوي فِيهِ الْكَافِر سبعين خَرِيفًا ". وَقَالَ عُثْمَان: هُوَ جبل من نَار. وأصل الويل: الْهَلَاك وَدُعَاء الْعَذَاب، فَإِن قيل: مَا

стр. 157

﴿لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده أم تَقولُونَ على الله مَا لَا تعلمُونَ (٨٠) بلَى من كسب سَيِّئَة وأحاطت﴾ معنى قَوْله: ﴿مِمَّا كتبت أَيْديهم﴾ والكتب لَا يكون إِلَّا بِالْيَدِ؟ قيل: ذكره مُبَالغَة فِي التَّحْقِيق. وَقيل: مَعْنَاهُ أَنهم كتبُوا بِأَنْفسِهِم اختراعا. ﴿وويل لَهُم مِمَّا يَكْسِبُونَ﴾ من الْمعاصِي.

стр. 158

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لن تمسنا النَّار إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَة﴾ اخْتلفُوا فِيهِ، مِنْهُم من قَالَ: أَرَادوا بِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا عدد مَا عَبدنَا الْعجل. وَمِنْهُم من قَالَ: سَبْعَة أَيَّام. لِأَن مِقْدَار زمَان الْعَالم سَبْعَة آلَاف سنة فَقَالُوا: نعذب بِكُل ألف سنة يَوْمًا. وَقيل: إِنَّهُم قَالُوا: سمعنَا أنبياءنا أَنهم قَالُوا: مَا بَين طرفِي جَهَنَّم مسيرَة أَرْبَعِينَ سنة فَنحْن نقطع فِي كل يَوْم مسيرَة سنة فَتبقى مسيرَة جَهَنَّم فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا وننجو مِنْهَا. ﴿قل أتخذتم عِنْد الله عهدا فَلَنْ يخلف الله عَهده﴾ مَعْنَاهُ: أَنِّي لكم بِهَذَا؛ قَول من الله؟ فَلَا يُخَالف قَوْله. قَوْله: ﴿أم تَقولُونَ على الله مَالا تعلمُونَ﴾ .

стр. 159

قَوْله تَعَالَى: ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ " بلَى " تذكر فِي جَوَاب النَّفْي. " وَنعم " تذكر فِي جَوَاب الْإِيجَاب. قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَلَسْت بربكم قَالُوا بلَى﴾ . وَقَالَ: ﴿ألم يأتكم رسل مِنْكُم يَتلون عَلَيْكُم آيَات ربكُم وينذرونكم لِقَاء يومكم هَذَا قَالُوا بلَى﴾ . وَقَالَ: ﴿فَهَل وجدْتُم مَا وعد ربكُم حَقًا قَالُوا نعم﴾ . ﴿بلَى من كسب سَيِّئَة﴾ السَّيئَة: الشّرك. ﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: مَاتَ على الشّرك. وَقيل: أَرَادَ بِالسَّيِّئَةِ: الْكَبِيرَة. ﴿وأحاطت بِهِ خطيئته﴾ أَي: أصر عَلَيْهَا، وَمَات

стр. 160

﴿بِهِ خطيئته فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ (٨١) وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ (٨٢) وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق﴾ غير تائب. وَقَالَ ابْن السراج النَّحْوِيّ: مَعْنَاهُ: انسدت عَلَيْهِ مسالك النجَاة. ﴿فَأُولَئِك أَصْحَاب النَّار هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ .

стр. 161

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات أُولَئِكَ أَصْحَاب الْجنَّة هم فِيهَا خَالدُونَ﴾ إِلَى آخر الْآيَة، ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 162

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا مِيثَاق بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب وَابْن مَسْعُود: " لَا تعبدوا إِلَّا الله " على الْأَمر، وَالْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة " لَا تَعْبدُونَ ". وتقرأ بِالْيَاءِ وَالتَّاء وَمَعْنَاهَا وَاحِد؛ فَإِن الْعَرَب قد تذكر المخاطبة فِي (مَوضِع) المغايبة، والمغايبة فِي مَوضِع المخاطبة. وَفِي هَذَا الْمِيثَاق عهد وَقسم، وَتَقْدِيره: وَالله لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله. ﴿وبالوالدين إحسانا﴾ أَي: وأحسنوا بالوالدين إحسانا. وَالْإِحْسَان بهما الْبر والعطف والتحنن، وَالنُّزُول عِنْد أَمرهمَا فِيمَا لَا يُخَالف أَمر الله تَعَالَى. ﴿وَذي الْقُرْبَى﴾ أَي: أهل الْقرَابَات. ﴿واليتامى﴾ الْيَتِيم: اسْم لمن لَا أَب لَهُ من الْآدَمِيّين. وَلمن لَا أم لَهُ من الْبَهَائِم، وَهُوَ اسْم للْفَقِير مِنْهُم. وَقَالَ عَليّ ﵁: " حفظت لكم عَن رَسُول الله سِتا: لَا طَلَاق قبل النِّكَاح، وَلَا عتاق فِي غير الْملك، وَلَا نذر فِي مَعْصِيّة الله، وَلَا يتم بعد الْحلم، وَلَا صمت يَوْم إِلَى اللَّيْل. وَلَا صَوْم وصال ". ﴿وَالْمَسَاكِين﴾ هم الْفُقَرَاء كَمَا سبق.

стр. 163

﴿بني إِسْرَائِيل لَا تَعْبدُونَ إِلَّا الله وبالوالدين إحسانا وَذي الْقُرْبَى واليتامى وَالْمَسَاكِين وَقُولُوا للنَّاس حسنا وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة ثمَّ توليتم إِلَّا قَلِيلا مِنْكُم وَأَنْتُم معرضون (٨٣) وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم لَا تسفكون دماءكم وَلَا﴾ ﴿وَقُولُوا للنَّاس حسنا﴾ تقْرَأ بقراءتين حسنا وحسنا. وَتَقْدِيره: وَقُولُوا للنَّاس قولا حسنا، أَو وَقُولُوا للنَّاس قولا ذَا حسن. وَفِي مَعْنَاهُ ثَلَاثَة أَقْوَال، أَحدهَا: قَالَ سُفْيَان الثَّوْريّ: القَوْل الْحسن هُوَ الْأَمر بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْي عَن الْمُنكر. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنه اللين فِي القَوْل، والمعاشرة بِحسن الْخلق. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه خطاب لأهل التَّوْرَاة يَعْنِي: وَقُولُوا للنَّاس صدقا فِي نعت مُحَمَّد فِي التَّوْرَاة. ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ سبق تَفْسِيره. ﴿ثمَّ توليتم﴾ أعرضتم ﴿إِلَّا قَلِيلا مِنْكُم﴾ وَذَلِكَ أَن فريقا مِنْهُم قد آمنُوا ﴿وَأَنْتُم معرضون﴾ كإعراض آبائكم.

стр. 164

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم لَا تسفكون دماءكم﴾ أَي: لَا يسفك بَعْضكُم دِمَاء بعض. وَقيل: لَا تسفكوا دِمَاء غَيْركُمْ فتسفك دماؤكم؛ فكأنكم سفكتم دِمَاء أَنفسكُم. ﴿وَلَا تخرجُونَ أَنفسكُم من دِيَاركُمْ﴾ أَي: لَا يخرج بَعْضكُم بَعْضًا. وَقيل: مَعْنَاهُ: لَا تسيئوا جوَار من جاوركم؛ فتلجئوهم إِلَى الْخُرُوج؛ بِسوء الْجوَار. ﴿ثمَّ أقررتم﴾ أَي: قبلتم ﴿وَأَنْتُم تَشْهَدُون﴾ تعترفون بِالْقبُولِ.

стр. 165

قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ﴾ يَعْنِي: يَا هَؤُلَاءِ ﴿تقتلون أَنفسكُم﴾ (بقتل) بَعْضكُم بَعْضًا.

стр. 166

﴿تخرجُونَ أَنفسكُم من دِيَاركُمْ ثمَّ أقررتم وَأَنْتُم تَشْهَدُون (٨٤) ثمَّ أَنْتُم هَؤُلَاءِ تقتلون أَنفسكُم وتخرجون فريقا مِنْكُم من دِيَارهمْ تظاهرون عَلَيْهِم بالإثم﴾ ﴿وتخرجون فريقا مِنْكُم من دِيَاركُمْ تظاهرون﴾ يقْرَأ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيف وَأَصله: تتظاهرون. فأدغمت التَّاء فِي الظَّاء. فَصَارَ مشددا وَمَعْنَاهُ: تعاونون. ﴿عَلَيْهِم بالإثم والعدوان﴾ فالإثم والعدوان: الْمُبَالغَة فِي الظُّلم. وَقد روى: " أَن النواس بن سمْعَان سَأَلَ رَسُول الله مَا الْبر؟ فَقَالَ: مَا اطمأنت إِلَيْهِ نَفسك، قَالَ: مَا الْإِثْم؟ فَقَالَ: مَا حاك فِي صدرك ". قَوْله تَعَالَى ﴿وَإِن يأتوكم أُسَارَى﴾ يقْرَأ بقرائتين " أسرى، وأسارى " وَفرق أَبُو عَمْرو بَينهمَا فِي الْمَعْنى، فَقَالَ: الْأُسَارَى لمن كَانَ فِي الْيَد مَعَ الوثاق. والأسرى: لمن كَانَ فِي الْيَد من غير وثاق، وَلم يرْضوا مِنْهُ بِهَذَا الْفرق، وَالصَّحِيح: أَنَّهُمَا وَاحِد. ﴿تفدوهم﴾ و ﴿تفادوهم﴾ قراءتان. قيل: هما فِي الْمَعْنى وَاحِد، وَقيل: (تفادوهم) تقال فِي فدَاء الأسرى بالأسرى. وتفدوهم فِي الْفِدَاء بِالْمَالِ. ﴿وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم﴾ فِيهِ تَقْدِير وَتَأْخِير. وَتَقْدِيره: وتخرجون فريقا مِنْكُم من دِيَارهمْ؛ وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم؛ تظاهرون عَلَيْهِم بالإثم والعدوان. ﴿أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض﴾ لأَنهم خالفوا فِي الْبَعْض وامتثلوا فِي الْبَعْض.

стр. 167

﴿والعدوان وَإِن يأتوكم أُسَارَى تفادوهم وَهُوَ محرم عَلَيْكُم إخراجهم أفتؤمنون بِبَعْض الْكتاب وتكفرون بِبَعْض فَمَا جَزَاء من يفعل ذَلِك مِنْكُم إِلَّا خزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا وَيَوْم الْقِيَامَة يردون إِلَى أَشد الْعَذَاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾ قَالَ السدى فِي كشف معنى الْآيَة: إِنَّهُم أمروا بأَرْبعَة أَشْيَاء: أَن لَا يقتل بَعضهم بَعْضًا. وَأَن لَا يخرج بَعضهم بَعْضًا. وَأَن لَا يتعاونوا على الْإِثْم والعدوان. وَأَن يفادوا الْأُسَارَى. فخالفوا فِي الثَّلَاث وامتثلوا فِي المفاداة. والقصة فِيهِ: أَن بني قُرَيْظَة كَانُوا حلفاء الْأَوْس، وَبَنُو النَّضِير كَانُوا حلفاء الْخَزْرَج وَكَانَت بَين القبيلتين مقاتلة، فَوَقَعت الْمُقَاتلَة بَين حلفاء القبيلتين، ثمَّ إِذا وَقع أَسِير من حلفاء إِحْدَى القبيلتين فِي يَد أُخْرَى القبيلتين فأداه حلفاء الْقَبِيلَة الْأُخْرَى، مَعَ كَون الْأَسير من عدوهم، فَإِذا قيل لَهُم: لم تفادون؟ قَالُوا: أمرنَا بالمفاداة. فَإِذا قيل لَهُم: لم تقاتلون؟ قَالُوا: نَحن حلفاؤهم فلابد لنا من الْقِتَال مَعَهم فَهَذَا معنى الْآيَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَمَا جَزَاء من يفعل ذَلِك مِنْكُم إِلَّا خزي فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا﴾ يُقَال: خزي يخزى خزيا، من الذل والهوان. وخزي يخزي خزاية. من الخجل والاستحياء والافتضاح. وَمِنْه قَول الشَّاعِر: (وَالْمَوْت خزيان ينظر خزيان ... ) أَي: مستحي. ﴿وَيَوْم الْقِيَامَة يردون إِلَى أَشد الْعَذَاب وَمَا الله بغافل عَمَّا تعلمُونَ﴾ .

стр. 168

﴿أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة﴾ اخْتَارُوا الدُّنْيَا على الْآخِرَة. ﴿فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب ولاهم ينْصرُونَ﴾ يمْنَعُونَ الْعَذَاب.

стр. 169

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتَيْنَا﴾ أعطينا ﴿مُوسَى الْكتاب﴾ التَّوْرَاة ﴿وقفينا من بعده بالرسل﴾ أتبعنا. أَي: يقفو رَسُول رَسُولا. ﴿وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات﴾ فِيهِ قَولَانِ؛ أَحدهمَا: أَنَّهَا المعجزات الَّتِي أُوتى

стр. 170

( ﴿٨٥) أُولَئِكَ الَّذين اشْتَروا الْحَيَاة الدُّنْيَا بِالآخِرَة فَلَا يُخَفف عَنْهُم الْعَذَاب ولاهم ينْصرُونَ (٨٦) وَلَقَد آتَيْنَا مُوسَى الْكتاب وقفينا من بعده بالرسل وآتينا عِيسَى ابْن مَرْيَم الْبَينَات وأيدناه بِروح الْقُدس أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا﴾ عِيسَى من إحْيَاء الْمَوْتَى، وإبراء الأكمه والأبرص، وَنَحْو ذَلِك. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا الْإِنْجِيل. ﴿وأيدناه﴾ قويناه من الأيد. وَهُوَ الْقُوَّة. ﴿بِروح الْقُدس﴾ اخْتلفُوا فِي الرّوح، قَالَ الْحسن وَقَتَادَة وَهُوَ إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَن ابْن عَبَّاس أَنه أَرَادَ بِهِ جِبْرِيل. وَقيل: إِنَّه أَمر أَن يسير مَعَه حَيْثُ سَار حَتَّى صعد بِهِ إِلَى السَّمَاء. وَقيل: إِن الرّوح هُوَ الِاسْم الْأَعْظَم الَّذِي كَانَ يحيى بِهِ الْمَوْتَى. وَقيل هُوَ الْإِنْجِيل. وَإِنَّمَا سمى روحا؛ لِأَنَّهُ كَانَ سَببا لحياة الْقُلُوب؛ وَلذَلِك سمى الْقُرْآن روحا. وسمى عِيسَى روحا؛ لِأَنَّهُ حصل بتكوين الله من غير توليد وَالِد. وَأما جِبْرِيل: فَإِنَّمَا سمى روحا؛ للطافته، أَو لمكانه من الْوَحْي الَّذِي هُوَ سَبَب لحياة الْقُلُوب. وَأما الْقُدس: قيل: إِنَّه نعت جِبْرِيل. وأصل الْقُدس: الطَّهَارَة. وَمِنْه القدوس: وَهُوَ الطَّهَارَة. وَالْأَرْض المقدسة: المطهرة؛ وَإِنَّمَا وصف جِبْرِيل بالقدس لِأَنَّهُ لم يقترف ذَنبا قطّ. وَكَانَ طَاهِرا من الذُّنُوب. وَقيل: الْقُدس هُوَ الله تَعَالَى. قَوْله تَعَالَى: ﴿أفكلما جَاءَكُم رَسُول بِمَا لَا تهوى أَنفسكُم﴾ لَا تُرِيدُ قُلُوبكُمْ ﴿استكبرتم﴾ أنفتم وتعظمتم ﴿ففريقا كَذبْتُمْ وفريقا تقتلون﴾ . فالمكذبون: مثل عِيسَى وَمُحَمّد. والمقتولون: مثل زَكَرِيَّا وَيحيى صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.

стр. 171

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس: غلف بِضَم اللَّام، وَهُوَ قِرَاءَة الْأَعْرَج وَابْن مَحِيض؛ وَهُوَ من الشواذ.

стр. 172

﴿لَا تهوى أَنفسكُم استكبرتم ففريقا كَذبْتُمْ وفريقا تقتلون (٨٧) وَقَالُوا قُلُوبنَا غلف بل لعنهم الله بكفرهم فقليلا مَا يُؤمنُونَ (٨٨) وَلما جَاءَهُم كتاب﴾ وَالْقِرَاءَة الْمَعْهُودَة بجزم اللَّام، وهم جمع الأغلف، وَمَعْنَاهُ: قُلُوبنَا فِي أوعية مِمَّا تَقول لَا نفهم شَيْئا من ذَلِك وَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا قُلُوبنَا فِي أكنة﴾ . وَأما الغلف: بِضَم اللَّام: جمع الغلاف. وَمَعْنَاهُ: قُلُوبنَا أوعية الْعلم، وَلَيْسَ فِيهَا مِمَّا تَقول شَيْء. أَي: مَا تَقوله فَلَيْسَ بِشَيْء. ﴿بل لعنهم الله بكفرهم﴾ طردهم الله عَن الْفَهم وَالرَّحْمَة. وأصل اللَّعْن: الطَّرْد والأبعاد وَقَالَ الشَّاعِر: (ذغرق بِهِ القطا ونفيت عَنهُ ... مقَام الذِّئْب كَالرّجلِ اللعين) أَي: مقَام الذِّئْب اللعين، يَعْنِي: المطرود. (فقليلا مَا تؤمنون) قيل: أَرَادَ بِهِ الْمُشْركين وَمَعْنَاهُ: قَلِيل إِيمَانهم وَالْمرَاد [بِهِ] إِيمَانهم بِأَن الله خالقهم وخالق السَّمَاوَات وَالْأَرْض. وَقيل: أَرَادَ بِهِ أهل الْكتاب؛ لِأَن الَّذين آمنُوا مِنْهُم أقل من الَّذين آمنُوا من الْمُشْركين. وَقيل: مَعْنَاهُ: فَلَا يُؤمنُونَ أصلا. وَحكى الْكسَائي عَن الْعَرَب: قل مَا تنْبت هَذِه الأَرْض إِلَّا الكراث والبصل. أَي: لَا تنْبت إِلَّا الكراث والبصل.

стр. 173

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلما جَاءَهُم كتاب من عِنْد الله﴾ يعْنى الْقُرْآن. ﴿مُصدق لما مَعَهم﴾ من التَّوْرَاة وَالْإِنْجِيل. ﴿وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا﴾ يستنصرون؛ وَمِنْه قَول الشَّاعِر:

стр. 174

﴿من عِنْد الله مُصدق لما مَعَهم وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين (٨٩) بئْسَمَا اشْتَروا بِهِ﴾ (أَلا أبلغ بني عصم رَسُولا ... فَإِنِّي عَن قباحتكم غنى) أَي: عَن نصرتكم. وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي كَانَ يستفتح بصعاليك الْمُهَاجِرين ". أَي يستنصر بهم فِي الدُّعَاء للغزوات. وَمعنى الْآيَة: أَن الْمُشْركين من قبل كَانُوا يُؤْذونَ الْيَهُود فَرُبمَا تكون الْغَلَبَة لَهُم على الْيَهُود فِي الْقِتَال؛ فَقَالَت الْيَهُود -: اللَّهُمَّ انصرنا بِالنَّبِيِّ الْأُمِّي الَّذِي تبعثه فِي آخر الزَّمَان، فَكَانُوا ينْصرُونَ بِهِ، فَلَمَّا بعث كفرُوا بِهِ. فَهَذَا معنى قَوْله ﴿وَكَانُوا من قبل يستفتحون على الَّذين كفرُوا فَلَمَّا جَاءَهُم مَا عرفُوا كفرُوا بِهِ فلعنة الله على الْكَافرين﴾ .

стр. 175

قَوْله تَعَالَى: ﴿بئْسَمَا اشْتَروا﴾ بئس: اسْم مستوف لكل ذمّ. وَنعم: اسْم مستوف لكل حمد. ﴿اشْتَروا بِهِ أنفسهم﴾ اخْتَارُوا لأَنْفُسِهِمْ ﴿أَن يكفروا بِمَا أنزل الله﴾ من الْقُرْآن (بغيا) حسدا. وَالْبَغي: الظُّلم. وَأَصله الطّلب؛ فالباغي طَالب للظلم. والحاسد: ظَالِم لِأَنَّهُ يُرِيد زَوَال النِّعْمَة عَن الْمَحْسُود من غير جِنَايَة مِنْهُ. ﴿أَن ينزل الله من فَضله﴾ من النُّبُوَّة: ﴿على من يَشَاء من عباده﴾ من الْأَنْبِيَاء. ﴿فباءوا﴾ أَي: رجعُوا ﴿بغضب على غضب﴾ فِيهِ ثَلَاثَة أَقْوَال: أَحدهَا: أَن الْغَضَب الأول عبَادَة الْعجل. وَالْغَضَب الثَّانِي الْكفْر بِمُحَمد. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْغَضَب الأول تَكْذِيب عِيسَى. وَالْغَضَب الثَّانِي تَكْذِيب مُحَمَّد. وَالْقَوْل الثَّالِث: أَن الْغَضَب الأول الْكفْر بالإنجيل. وَالْغَضَب الثَّانِي الْكفْر بِالْقُرْآنِ. ﴿وللكافرين عَذَاب مهين﴾ أَي: مخز.

стр. 176

﴿أنفسهم أَن يكفروا بِمَا أنزل الله بغيا أَن ينزل الله من فَضله على من يَشَاء من عباده فباءوا بغضب على غضب وللكافرين عَذَاب مهين (٩٠) وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا بِمَا أنزل الله قَالُوا نؤمن بِمَا أنزل علينا ويكفرون بِمَا وَرَاءه وَهُوَ الْحق﴾

стр. 177

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا قيل لَهُم آمنُوا بِمَا أنزل الله﴾ من الْقُرْآن. ﴿قَالُوا نؤمن بِمَا أنزل علينا﴾ يكفينا مَا أنزل علينا من التَّوْرَاة. ﴿ويكفرون بِمَا وَرَاءه﴾ قَالَ أَبُو عُبَيْدَة: بِمَا بعده. قَالَ الْفراء: بِمَا سواهُ من الْكتب. وَهُوَ الْأَصَح. ﴿وَهُوَ الْحق﴾ يَعْنِي: الْقُرْآن ﴿مُصدقا لما مَعَهم﴾ من التَّوْرَاة. ﴿قل فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: الْقَتْل كَانَ من آبَائِهِم فَكيف خَاطب الْأَبْنَاء بِهِ؟ الْجَواب قُلْنَا: قتل الْأَنْبِيَاء وَإِن وجد من الْآبَاء لَكِن الْأَبْنَاء رَضوا بِهِ، ووالوهم عَلَيْهِ؛ فَلهَذَا خَاطب الْأَبْنَاء بِهِ. وَأَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ: ﴿فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل﴾ على صِيغَة الِاسْتِقْبَال، فَكَانَ اللَّائِق بِالْحَال أَن يَقُول فَلم قُلْتُمْ؟ وَأما قَوْله: ﴿فَلم تقتلون﴾ مَعْنَاهُ: فَلم قتلتم، لَكِن الْعَرَب قد تضع الْمَاضِي فِي مَوضِع الْمُسْتَقْبل، والمستقبل فِي مَوضِع الْمَاضِي، وَالدَّلِيل عَلَيْهِ قَوْله: ﴿من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ يَعْنِي فِي زعمكم. وَقيل: مَعْنَاهُ: مَا كُنْتُم مُؤمنين على النَّفْي. كَقَوْلِه تَعَالَى: ﴿قل إِن كَانَ للرحمن ولد﴾ أَي: مَا كَانَ للرحمن ولد. وَفِيه قَول آخر سَيَأْتِي.

стр. 178

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد جَاءَكُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالمعجزات. ﴿ثمَّ اتخذتم الْعجل من بعده﴾ فِي الْهَاء قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه عَائِد إِلَى مُوسَى وَالثَّانِي: عَائِد إِلَى الْمَجِيء. ﴿وَأَنْتُم ظَالِمُونَ﴾ بذلك.

стр. 179

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة﴾ قد ذَكرْنَاهُ. ﴿واسمعوا﴾ واقبلوا ﴿قَالُوا سمعنَا وعصينا﴾ يَعْنِي: سمعنَا بالآذان

стр. 180

﴿مُصدقا لما مَعَهم قل فَلم تقتلون أَنْبيَاء الله من قبل إِن كُنْتُم مُؤمنين (٩١) وَلَقَد جَاءَكُم مُوسَى بِالْبَيِّنَاتِ ثمَّ اتخذتم الْعجل من بعده وَأَنْتُم ظَالِمُونَ (٩٢) وَإِذ أَخذنَا ميثاقكم ورفعنا فَوْقكُم الطّور خُذُوا مَا آتيناكم بِقُوَّة واسمعوا قَالُوا﴾ وعصينا بالقلوب. وَقيل: إِنَّهُم لما سمعُوا وخالفوا بِالْعَمَلِ؛ فكأنهم قَالُوا: سمعنَا وعصينا. وَإِن لم يَقُولُوا ذَلِك وَمثله قَول الشَّاعِر: (امْتَلَأَ الْحَوْض وَقَالَ قطني ... مهلا رويدا قد مَلَأت بَطْني) فَقدر القَوْل من الْحَوْض وَإِن لم يقل شَيْئا. ﴿وأشربوا﴾ أَي: خلطوا، وَمِنْه فلَان مشرب اللَّوْن إِذا اخْتَلَط بياضه بالحمرة. ﴿فِي قُلُوبهم الْعجل﴾ أَي: حب الْعجل. فَحذف الْمُضَاف، وَاكْتفى بالمضاف إِلَيْهِ، وَمثله قَول الشَّاعِر: (وَكَيف تواصل من أَصبَحت ... خلالته كَأبي مرحب) أَي كخلالة أبي مرحب. وَفِي الْقَصَص: أَن مُوسَى صلوَات الله عَلَيْهِ أَمر أَن يبرد الْعجل بالمبرد، ثمَّ أَمر أَن يذر فِي النَّهر، وَأمرهمْ بالشرب مِنْهُ، فَكل من بَقِي فِي قلبه شَيْء من حب الْعجل ظَهرت سحالة الذَّهَب على شَاربه. ﴿قل بئْسَمَا يَأْمُركُمْ بِهِ إيمَانكُمْ﴾ أَي: بئس إِيمَان يَأْمر بِهَذَا. ﴿إِن كُنْتُم مُؤمنين﴾ .
следующие страницы →