← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2066–2105 · переход к 2071.

стр. 2066

﴿والغارمين وَفِي سَبِيل الله وَابْن السَّبِيل فَرِيضَة من الله وَالله عليم حَكِيم (٦٠) ﴾ قَوْله تَعَالَى: ﴿والعاملين عَلَيْهَا﴾ يَعْنِي: السَّعَادَة، وَلَهُم سهم من الصَّدقَات مَعْلُوم. وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ: أَن لَهُم بِقدر أجر الْمثل. وَقَوله: ﴿والمؤلفة قُلُوبهم﴾ قَالَ أهل الْعلم: الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم صنفان: مُسلمُونَ، ومشركون، وكل صنف على صنفين: أما الْمُسلمُونَ قوم كَانَ إِيمَانهم ضَعِيفا مثل: أبي سُفْيَان بن حَرْب، وعيينة بن حصن الفزارى، والأقرع بن حَابِس، وعباس بن مرداس وأمثالهم، كَانَ رَسُول الله يعطيهم ليتألفوا على الْإِيمَان فيقوي إِيمَانهم، وصنف كَانَ إِيمَانهم قَوِيا مثل: عدي بن حَاتِم، والزبرقان بن بدر وَغَيرهمَا، كَانَ يعطيهم ليتألف عشيرتهم. وَأما الْمُشْركُونَ فصنفان: صنف كَانَ يدفعهم ليدفع أذاهم عَن الْمُسلمين، مثل عَامر ابْن الطُّفَيْل وَغَيره، وصنف كَانَ يعطيهم ليؤمنوا ويميلوا إِلَيْهِ مثل صَفْوَان بن أُميَّة بن خلف، وَمَالك بن عَوْف النصري وَغَيرهمَا. وَاخْتلفُوا أَن سهم الْمُؤَلّفَة قُلُوبهم هَل بَقِي بعد النَّبِي؟ قَالَ الشّعبِيّ وَجَمَاعَة: قد سقط. وَهُوَ قَول أَكثر أهل الْعلم. وَقَالَ الزُّهْرِيّ: هُوَ بَاقٍ. وَقد حكى عَن الشَّافِعِي كلا الْقَوْلَيْنِ، وَالصَّحِيح هُوَ الأول. وَقَوله: ﴿وَفِي الرّقاب﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنهم المكاتبون. وَهَذَا قَول الشَّافِعِي وَأبي حنيفَة وَغَيرهمَا. وَقَالَ مَالك: يشترى بذلك السهْم رِقَاب فيعتقون. الصَّحِيح هُوَ الأول. قَوْله: ﴿والغارمين﴾ قَالَ مُجَاهِد: هَؤُلَاءِ قوم أحرقت النَّار دُورهمْ، وأذهب السَّيْل أَمْوَالهم فادانوا لنفقاتهم. وَقَالَ غَيره: هُوَ كل من لحقه غرم بِسَبَب لَا مَعْصِيّة فِيهِ.

стр. 2067

﴿وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن قل أذن خير لكم يُؤمن بِاللَّه ويؤمن للْمُؤْمِنين وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين يُؤْذونَ رَسُول الله لَهُم عَذَاب أَلِيم (٦١) يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ وَقَوله: ﴿وَفِي سَبِيل الله﴾ هَؤُلَاءِ الْغُزَاة وَالْحجاج، وَقَوله: ﴿فِي سَبِيل الله﴾ : فِي طَاعَة الله ﴿وَابْن السَّبِيل﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه الَّذِي قطع عَلَيْهِ الطَّرِيق فَبَقيَ فَقِيرا لَا مَال لَهُ. وَالَّذِي عَلَيْهِ الْفُقَهَاء أَنه الَّذِي بعد عَن مَاله؛ فَيصْرف إِلَيْهِ سهم من الصَّدقَات وَإِن صَار غَنِيا فِي بَلَده. وَحكى ابْن الْأَنْبَارِي قولا ثَالِثا: أَن ابْن السَّبِيل هُوَ الضَّيْف. قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرِيضَة من الله﴾ أَي: افْترض الله ذَلِك فَرِيضَة ﴿وَالله عليم حَكِيم﴾ عليم بِمَا يصلح خلقه، حَكِيم فِيمَا دبره.

стр. 2068

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم الَّذين يُؤْذونَ النَّبِي وَيَقُولُونَ هُوَ أذن﴾ الْأذن هَاهُنَا: هُوَ من يسمع كل مَا قيل لَهُ. قَالَ الشَّاعِر: (أَيهَا الْقلب تعلل بددن ... إِن همي فِي سَماع وَأذن) وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الْمُنَافِقين قَالُوا: قُولُوا مَا تُرِيدُونَ ثمَّ أَنْكَرُوا واحلفوا؛ فَإِن مُحَمَّدًا أذن يسمع كل مَا قيل لَهُ ويقبله. ﴿قل أذن خير لكم﴾ يَعْنِي: هَذِه الْخلَّة خير لكم، فَكَأَنَّهُ قَالَ: مستمع خير خير لكم، ومستمع شَرّ شَرّ لكم ﴿يُؤمن بِاللَّه﴾ يصدق بِاللَّه ﴿ويؤمن للْمُؤْمِنين﴾ وَيصدق الْمُؤمنِينَ ﴿وَرَحْمَة للَّذين آمنُوا مِنْكُم وَالَّذين يُؤْذونَ رَسُول الله لَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر. وَقُرِئَ: " أذن خير لكم " أَي: أصلح لكم.

стр. 2069

قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلفُونَ بِاللَّه لكم ليرضوكم وَالله وَرَسُوله أَحَق أَن يرضوه إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر. وَقَوله: ﴿إِن كَانُوا مُؤمنين﴾ قيل: يَعْنِي: مَا كَانُوا مُؤمنين.

стр. 2070

( ﴿٦٢) ألم يعلمُوا أَنه من يحادد الله وَرَسُوله فَأن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ذَلِك الخزي الْعَظِيم (٦٣) يحذر المُنَافِقُونَ أَن تنزل عَلَيْهِم سُورَة تنبئهم بِمَا فِي قُلُوبهم قل استهزءوا إِن الله مخرج مَا تحذرون (٦٤) وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا﴾

стр. 2071

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يعلمُوا أَنه من يحادد الله وَرَسُوله﴾ يحادد الله: يَعْنِي: من يكون فِي حد وجانب من الله وَرَسُوله ﴿فَإِن لَهُ نَار جَهَنَّم خَالِدا فِيهَا ذَلِك الخزي الْعَظِيم﴾ الفضيحة الْعَظِيمَة والنكال الْعَظِيم.

стр. 2072

قَوْله تَعَالَى: ﴿يحذر المُنَافِقُونَ﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنه خبر بِمَعْنى الْأَمر، وَمَعْنَاهُ: ليحذر المُنَافِقُونَ. وَالْآخر: أَنه بِمَعْنى الْإِخْبَار عَنْهُم؛ إِذْ كَانُوا يستهزئون وَيَخَافُونَ الفضيحة بنزول الْقُرْآن فِي شَأْنهمْ. قَوْله تَعَالَى: ﴿أَن تنزل عَلَيْهِم سُورَة تنبئهم بِمَا فِي قُلُوبهم﴾ وَقد بَينا أَن هَذِه السُّورَة تسمى المبعثرة والفاضحة؛ فَهَذِهِ الْآيَة تُشِير إِلَى مَا قدمنَا. وَقد رُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس قَالَ: أنزل الله تَعَالَى ذكر سبعين رجلا من الْمُنَافِقين بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاء آبَائِهِم وعشائرهم، ثمَّ نسخ ذكر الْأَسْمَاء رَحْمَة ورأفة على الْمُؤمنِينَ؛ لِأَن أَوْلَادهم كَانُوا مُؤمنين، فنسخ ذَلِك لِئَلَّا يعير بَعضهم بَعْضًا. قَوْله تَعَالَى: ﴿قل استهزئوا إِن الله مخرج مَا تحذرون﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

стр. 2073

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَئِن سَأَلتهمْ ليَقُولن إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب﴾ . سَبَب نزُول الْآيَة: " أَن النَّبِي كَانَ يسير فِي غَزْوَة تَبُوك وقدامه ثَلَاثَة من الْمُنَافِقين، اثْنَان يستهزئان، وَالثَّالِث يضْحك " وَقيل: إِن استهزاءهم: أَنهم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا يزْعم أَنه يغلب الرّوم وَيفتح مدائنهم، مَا أبعده عَن ذَلِك. وَقيل: إِنَّهُم كَانُوا يَقُولُونَ: إِن مُحَمَّدًا يزْعم أَنه نزل الْقُرْآن فِي شَأْن أَصْحَابنَا المقيمين

стр. 2074

﴿نَخُوض وَنَلْعَب قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزءون (٦٥) لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم نعذب طَائِفَة بِأَنَّهُم كَانُوا مجرمين (٦٦) المُنَافِقُونَ والمنافقات بَعضهم من بعض يأمرون بالمنكر وَينْهَوْنَ عَن﴾ بِالْمَدِينَةِ، وَإِنَّمَا هُوَ قَوْله وَكَلَامه. فَهَذَا معنى الْآيَة؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَن النَّبِي أرسل إِلَيْهِم: مَاذَا كُنْتُم تَقولُونَ؟ فَقَالُوا: إِنَّا كُنَّا نَخُوض فِيمَا يَخُوض فِيهِ الركب، فَقَالَ الله تَعَالَى: ﴿قل أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزئون﴾ . وَرُوِيَ عَن عبد الله بن عمر ﵄ أَنه قَالَ: " رَأَيْت عبد الله بن أبي ابْن سلول يشْتَد قُدَّام النَّبِي وَالْحِجَارَة تنكبه وَهُوَ يَقُول: إِنَّمَا كُنَّا نَخُوض وَنَلْعَب؛ وَرَسُول الله يَقُول: ﴿أبالله وآياته وَرَسُوله كُنْتُم تستهزئون﴾ ".

стр. 2075

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تعتذروا قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: قد كَفرْتُمْ بعد إيمَانكُمْ وهم لم يَكُونُوا مُؤمنين. الْجَواب عَنهُ: أَن مَعْنَاهُ: أظهرتم الْكفْر بعد إظهاركم الْإِيمَان. وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم﴾ قرئَ: " نعف " ومعناهما وَاحِد، والطائفة هَاهُنَا رجل وَاحِد كَانَ يُسمى مخشى بن حمير، وَكَانَ هُوَ الَّذِي يضْحك وَلَا يَخُوض مَعَهم، وروى أَنه جانبهم فَقَالَ: ﴿إِن نعف عَن طَائِفَة مِنْكُم﴾ يَعْنِي: هَذَا الْوَاحِد ﴿نعذب طَائِفَة بِأَنَّهُم كَانُوا مجرمين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2076

قَوْله تَعَالَى: ﴿المُنَافِقُونَ والمنافقات بَعضهم من بعض﴾ الْآيَة، قَوْله: ﴿بَعضهم من بعض﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن بَعضهم على دين الْبَعْض.

стр. 2077

﴿الْمَعْرُوف ويقبضون أَيْديهم نسوا الله فنسيهم إِن الْمُنَافِقين هم الْفَاسِقُونَ (٦٧) ﴾ وَالْآخر: أَن أَمرهم وَاحِد، وَهَذَا كَالرّجلِ يَقُول لغيره: أَنا مِنْك، يَعْنِي: أَمْرِي وأمرك وَاحِد. ﴿يأمرون بالمنكر﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْمُنكر: هُوَ الشّرك، وَالْمَعْرُوف: هُوَ الْإِيمَان بِاللَّه. وَعَن أبي الْعَالِيَة الريَاحي أَنه قَالَ: كل مَا ذكر من الْمُنكر فِي الْقُرْآن فَهُوَ عبَادَة الْأَوْثَان والشرك بِاللَّه. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن الْمُنكر: هُوَ مَعْصِيّة الله تَعَالَى، وَالْمَعْرُوف: هُوَ طَاعَة الله. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَينْهَوْنَ عَن الْمَعْرُوف﴾ القَوْل الْمَعْرُوف أَن معنى قَوْله: ﴿ويقبضون أَيْديهم﴾ يمسكون عَن الْإِنْفَاق فِي سَبِيل الله. وَالْقَوْل الثَّانِي: يقبضون أَيْديهم أَي: عَن الْجِهَاد فِي سَبِيل الله. وَقَالَ بعض الْمُتَأَخِّرين: يَعْنِي: لَا يبسطونها للدُّعَاء وَالرَّغْبَة إِلَى الله. قَوْله تَعَالَى: ﴿نسوا الله فنسيهم﴾ أَي: تركُوا أَمر الله فتركهم من رَحمته. وَرُوِيَ عَن قَتَادَة أَنه قَالَ: نسوا من الْخَيْر وَلم ينسوا من الشَّرّ. قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُنَافِقين هم الْفَاسِقُونَ﴾ يَعْنِي: هم الخارجون عَن طَاعَة الله. وَقد صَحَّ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " عَلامَة الْمُنَافِق ثَلَاثَة: إِذا قَالَ كذب، وَإِذا ائْتمن خَان، وَإِذا وعد (خلف) ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " إِذا عَاهَدَ غدر ". وَفِي بعض الْأَخْبَار: " لايأتون الصَّلَاة إِلَّا دبرا وَلَا يقرءُون الْقُرْآن إِلَّا هجرا ". وَفِي بعض الرِّوَايَات عَن ابْن عَبَّاس: أَن عدد الْمُنَافِقين من الرِّجَال فِي زمَان رَسُول الله كَانَ ثلثمِائة، وَعدد النِّسَاء مائَة وَسَبْعُونَ.

стр. 2078

﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا هِيَ حسبهم ولعنهم الله وَلَهُم عَذَاب مُقيم (٦٨) كَالَّذِين من قبلكُمْ كَانُوا أَشد مُنكر قُوَّة وَأكْثر أَمْوَالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم فاستمتعتم بخلاقكم كَمَا استمتع الَّذين من قبلكُمْ بخلاقهم وخضتم كَالَّذي خَاضُوا أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ هم الخاسرون (٦٩) ألم يَأْتهمْ نبأ الَّذين من قبلهم قوم نوح وَعَاد وَثَمُود﴾

стр. 2079

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله الْمُنَافِقين والمنافقات وَالْكفَّار نَار جَهَنَّم خَالِدين فِيهَا﴾ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿هِيَ حسبهم﴾ أَي: كافيتهم ﴿ولعنهم الله﴾ أَي: أبعدهم الله من رَحمته ﴿وَلَهُم عَذَاب مُقيم﴾ أَي: دَائِم.

стр. 2080

قَوْله تَعَالَى: ﴿كَالَّذِين من قبلكُمْ﴾ مَعْنَاهُ: أَنْتُم يَا معشر الْمُنَافِقين كَالَّذِين من قبلكُمْ. قَوْله: ﴿كَانُوا أَشد مِنْكُم قُوَّة وَأكْثر أَمْوَالًا وأولادا فاستمتعوا بخلاقهم﴾ الخلاق: النَّصِيب، وَقيل: الْحَظ الوافر. وَمعنى الْآيَة: اسْتَمْتعُوا باتبَاعهمْ الشَّهَوَات ﴿كَمَا استمتعتم بخلاقكم﴾ باتباعكم الشَّهَوَات، وَقيل: معنى الْآيَة: رَضوا بنصيبهم من الدُّنْيَا عَن نصِيبهم من الْآخِرَة. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وخضتم كَالَّذي خَاضُوا﴾ يَعْنِي: لعبوا واستهزءوا كَمَا فَعلْتُمْ. قَوْله تَعَالَى: ﴿أُولَئِكَ حبطت أَعْمَالهم فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَأُولَئِكَ هم الخاسرون﴾ مَعْنَاهُ: كَمَا حبطت أَعْمَالهم وخسروا كَذَلِك حبطت أَعمالكُم وخسرتم. وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لتتبعن سنَن من قبلكُمْ حَتَّى لَو دخل أحدهم فِي جُحر ضَب ليدخلنه أحدكُم ". وَعَن عمر ﵁ قَالَ: مَا أشبه اللَّيْلَة بالبارحة فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة.

стр. 2081

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يَأْتهمْ نبأ الَّذين من قبلهم﴾ أَي: خبر الَّذين من قبلهم ﴿قوم نوح وَعَاد وَثَمُود وَقوم إِبْرَاهِيم وَأَصْحَاب مَدين﴾ ومدين اسْم قَرْيَة شُعَيْب. قَوْله: ﴿والمؤتفكات﴾ هِيَ: قريات لوط؛ سميت مؤتفكة؛ لِأَن الله تَعَالَى قَلبهَا بهم. قَوْله:

стр. 2082

﴿وَقوم إِبْرَاهِيم وَأَصْحَاب مَدين والمؤتفكات أَتَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ (٧٠) والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويقيمون الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة ويطيعون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ سيرحمهم الله إِن الله عَزِيز حَكِيم (٧١) وعد الله الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا ومساكن طيبَة فِي﴾ ﴿أَتَتْهُم رسلهم بِالْبَيِّنَاتِ﴾ بالحجج ﴿فَمَا كَانَ الله ليظلمهم وَلَكِن كَانُوا أنفسهم يظْلمُونَ﴾ مَعْنَاهُ: مَا نقص الله حظهم؛ وَلَكِن نَقَصُوا هم حظهم، وضروا بِأَنْفسِهِم.

стр. 2083

قَوْله تَعَالَى: ﴿والمؤمنون وَالْمُؤْمِنَات بَعضهم أَوْلِيَاء بعض﴾ هَذِه الْولَايَة هِيَ ولَايَة الدّين واتفاق الْكَلِمَة. وَيُقَال فِي تَفْسِير الْآيَة: الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَار بَعضهم أَوْلِيَاء بعض، والطلقاء من قُرَيْش والعتقاء من ثَقِيف بَعضهم أَوْلِيَاء بعض. قَوْله تَعَالَى: ﴿يأمرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر ويقيمون الصَّلَاة وَيُؤْتونَ الزَّكَاة﴾ إِلَى آخر الْآيَة مَعْنَاهُ مَعْلُوم. وَقَوله: ﴿ويطيعون الله وَرَسُوله أُولَئِكَ سيرحمهم الله﴾ قَالَ عَطاء بن أبي رَبَاح: هُوَ اتِّبَاع الْكتاب وَالسّنة. وَقَوله: ﴿إِن الله كَانَ عَزِيزًا حكيما﴾ أَي: عَزِيز فِي نَصره، حَكِيم فِي تَدْبيره.

стр. 2084

قَوْله تَعَالَى: ﴿وعد الله الْمُؤمنِينَ وَالْمُؤْمِنَات جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين فِيهَا﴾ الجنات: الْبَسَاتِين ﴿تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار﴾ هَذِه الْأَنْهَار هِيَ الْأَنْهَار الَّتِي ذكر الله تَعَالَى فِي سُورَة مُحَمَّد. قَوْله: ﴿ومساكن طيبَة﴾ رُوِيَ عَن عبد الله بن عَبَّاس أَنه قَالَ: ﴿ومساكن طيبَة﴾ هِيَ قصر من لُؤْلُؤ فِيهَا سَبْعُونَ دَارا من الزبرجد، فِي كل دَار سَبْعُونَ بَيْتا من الْيَاقُوت، فِي كل بَيت سَبْعُونَ سريرا، على كل سَرِير سَبْعُونَ فراشا من كل لون، على كل فرَاش زَوْجَة من الْحور الْعين. وَفِي الْآثَار - أَيْضا - أَن قَوْله: ﴿فِي جنَّات عدن﴾ قَالَ: إِن جنَّة عدن هِيَ مأوى الْأَنْبِيَاء وَالصديقين وَالشُّهَدَاء، وَسَائِر الْجنان حواليها. وَقيل: إِن جنَّة عدن فِي السَّمَاء السَّابِعَة لَا يدخلهَا إِلَّا نَبِي أَو صديق أَو إِمَام عدل أَو رجل مُحكم فِي نَفسه. وَمعنى قَوْله " مُحكم فِي نَفسه " يَعْنِي: خير بَين الْكفْر وَالْقَتْل فَاخْتَارَ

стр. 2085

﴿جنَّات عدن ورضوان من الله أكبر ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم (٧٢) يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَأَغْلظ عَلَيْهِم ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير (٧٣) يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر﴾ الْقَتْل. وَأما جنَّة المأوى فَهِيَ فِي السَّمَاء الدُّنْيَا. وَقَوله: ﴿عدن﴾ أَي: مَوضِع الْإِقَامَة، يُقَال: عدن بِالْمَكَانِ إِذا أَقَامَ بِهِ، قَالَ الشَّاعِر: (فَإِن تستضيفوا إِلَى حلمه ... تضيفوا إِلَى رَاجِح قد عدن) وَقَوله تَعَالَى: ﴿ورضوان من الله أكبر﴾ مَعْنَاهُ: رضَا الله أكبر من هَذِه التحف. وروى أَبُو سعيد الْخُدْرِيّ أَن النَّبِي قَالَ: " إِن الله تَعَالَى يَقُول: يَا أهل الْجنَّة. فَيَقُولُونَ: لبيْك رَبنَا وَسَعْديك، وَالْخَيْر فِي يَديك، فَيَقُول: هَل رَضِيتُمْ عني؟ فَيَقُولُونَ: وَمَا لنا لَا نرضى وَقد أَعطيتنَا أفضل مَا تُعْطِي أحدا من خلقك؟ ! فَيَقُول: وَأَنا أُعْطِيكُم أفضل من ذَلِك، فَيَقُولُونَ: وَمَا أفضل من ذَلِك؟ فَيَقُول: أحل - أَي: أنزل - عَلَيْكُم رِضْوَانِي فَلَا أَسخط عَلَيْكُم أبدا ". خرجه البُخَارِيّ وَمُسلم فِي كِتَابَيْهِمَا. قَوْله ﴿ذَلِك هُوَ الْفَوْز الْعَظِيم﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

стр. 2086

﴿يَا أَيهَا النَّبِي جَاهد الْكفَّار وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: مَعْنَاهُ: جَاهد الْكفَّار بِالسَّيْفِ، وَالْمُنَافِقِينَ بِاللِّسَانِ. وَرُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود أَنه قَالَ: لَا تلق الْمُنَافِق إِلَّا بِوَجْه مكفهر. وَرُوِيَ عَنهُ أَنه قَالَ: يُجَاهد بِيَدِهِ، فَإِن لم يسْتَطع فبلسانه، فَإِن لم يسْتَطع فبقلبه. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَاغْلُظْ عَلَيْهِم﴾ الغلظة هَا هُنَا: هُوَ الِانْتِهَار الشَّديد. قَوْله: ﴿ومأواهم جَهَنَّم وَبئسَ الْمصير﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

стр. 2087

قَوْله تَعَالَى: ﴿يحلفُونَ بِاللَّه مَا قَالُوا وَلَقَد قَالُوا كلمة الْكفْر﴾ الْآيَة نزلت فِي الْمُنَافِقين أَيْضا. وَاخْتلف القَوْل فِي كلمة الْكفْر. قَالَ بَعضهم: كلمة الْكفْر: هِيَ سبّ مُحَمَّد. وَقَالَ بَعضهم: كلمة الْكفْر: هِيَ قَول الْجلاس بن سُوَيْد؛ فَإِنَّهُ قَالَ: لَئِن كَانَ مَا يَقُول مُحَمَّد حق فَنحْن شَرّ من الْحمير.

стр. 2088

﴿وَكَفرُوا بعد إسْلَامهمْ وهموا بِمَا لم ينالوا وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله فَإِن يتوبوا يَك خيرا لَهُم وَإِن يتولوا يعذبهم الله عذَابا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا﴾ وَفِيه قَول ثَالِث: أَن كلمة الْكفْر هِيَ قَوْلهم: لَئِن رَجعْنَا إِلَى الْمَدِينَة ليخرجن الْأَعَز مِنْهَا الْأَذَل، وعنوا بالأعز: عبد الله بن أبي بن سلول، وَقَالُوا: نتوجه بالتاج خلافًا على مُحَمَّد. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَكَفرُوا بعد إسْلَامهمْ﴾ مَعْنَاهُ: وأظهروا الْكفْر بعد إظهارهم الْإِسْلَام. وَقَوله تَعَالَى: ﴿وهموا بِمَا لم ينالوا﴾ يَعْنِي: قصدُوا مَا لم يدركوه؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ أَن اثْنَي عشر نَفرا من الْمُنَافِقين اجْتَمعُوا فِي غَزْوَة تَبُوك ليغتالوا النَّبِي. وَرُوِيَ أَنهم قصدُوا أَن يوقعوه من الْعقبَة فِي الْوَادي، فَدفع الله شرهم عَن النَّبِي؛ فَهَذَا معنى قَوْله: ﴿وهموا بِمَا لم ينالوا﴾ . وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله﴾ نقموا أَي: كَرهُوا، قَالَ الشَّاعِر فِي مدح بني أُميَّة شعرًا: (مَا نقموا من بني أُميَّة ... إِلَّا أَنهم (يحلمون) إِن غضبوا) (وَأَنَّهُمْ سادة الْمُلُوك ... وَلَا يصلح إِلَّا عَلَيْهِم الْعَرَب) وَقَوله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله﴾ يَعْنِي: بالغنائم. وَرُوِيَ: " أَن الْجلاس بن سُوَيْد كَانَ تحمل بحمالة فأداها عَنهُ رَسُول الله ". وَرُوِيَ أَن عبد الله بن أبي بن سلول كَانَت لَهُ دِيَة على قوم فَأمر النَّبِي أَن يوفر عَلَيْهِ. فَهَذَا كُله معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿إِلَّا أَن أغناهم الله وَرَسُوله من فَضله﴾ . قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن يتوبوا يَك خيرا لَهُم﴾ رُوِيَ أَنه لما نزلت هَذِه الْآيَة قَالَ الْجلاس بن سُوَيْد: إِنِّي أرى الله يعرض عَليّ التَّوْبَة، وَإِنِّي قد تبت إِلَى الله مِمَّا كنت فِيهِ؛ فَروِيَ

стр. 2089

﴿وَالْآخِرَة وَمَا لَهُم فِي الأَرْض من ولي وَلَا نصير (٧٤) وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله لنصدقن ولنكونن من الصَّالِحين (٧٥) فَلَمَّا آتَاهُم من فَضله بخلوا﴾ أَنه صَحَّ إيمَانه وَاسْتشْهدَ يَوْم الْيَمَامَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن يتولوا يعذبهم الله عذَابا أَلِيمًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَة وَمَا لَهُم فِي الأَرْض من ولي وَلَا نصير﴾ إِلَى آخر الْآيَة، مَعْنَاهُ ظَاهر. وَيُقَال فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا نقموا إِلَّا أَن أغناهم الله﴾ يَعْنِي: لَيست لَهُم كَرَاهَة وَلَا نقمة، وَهَذَا مثل قَول الشَّاعِر: (وَلَا عيب فِينَا غير أَن سُيُوفنَا ... بِهن فلول من قراع الْكَتَائِب) يَعْنِي: لَا عيب فِينَا أصلا.

стр. 2090

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِنْهُم من عَاهَدَ الله لَئِن آتَانَا من فَضله لنصدقن ولنكونن من الصَّالِحين﴾ أَي: لنتصدقن، وأدغمت التَّاء فِي الصَّاد وشددت، أَي: لنصدقن فِي وُجُوه الْخَيْر من الْجِهَاد وَغَيره، ولنكونن من الصَّالِحين. قيل: مثل عُثْمَان بن عَفَّان وَعبد الرَّحْمَن بن عَوْف وَغَيرهمَا فِي الْبَذْل وَالعطَاء. فِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَنَّهَا نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار كَانَ لَهُ مَال غَائِب، فَقَالَ: إِن رد الله على مَالِي لَأَفْعَلَنَّ كَذَا وَكَذَا، فَرد الله عَلَيْهِ مَاله فَلم يفعل شَيْئا، فَأنْزل الله تَعَالَى فِيهِ هَذِه الْآيَة. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَنَّهَا نزلت فِي ثَعْلَبَة بن حَاطِب. روى أَبُو أُمَامَة الْبَاهِلِيّ: " أَن ثَعْلَبَة ابْن حَاطِب جَاءَ إِلَى النَّبِي وَقَالَ: يَا رَسُول الله، ادْع الله أَن يَرْزُقنِي مَالا، فَقَالَ: قَلِيل يَكْفِيك خير من كثير لَا تقوم بِحقِّهِ فَقَالَ: يَا رَسُول الله، ادْع الله أَن يَرْزُقنِي مَالا، فَقَالَ: أما ترْضى أَن تكون مثل رَسُول الله، فوَاللَّه لَو أردْت أَن تسير معي الْجبَال ذَهَبا وَفِضة لَسَارَتْ، فَقَالَ: يَا رَسُول الله، ادْع الله أَن يَرْزُقنِي مَالا، فوَاللَّه لاؤدين إِلَى كل ذِي حق حَقه، فَدَعَا رَسُول الله وَقَالَ: اللَّهُمَّ ارْزُقْ ثَعْلَبَة مَالا، قَالَ: فَاتخذ غنما فَنمت كَمَا يَنْمُو الدُّود حَتَّى ضَاقَتْ بهَا أَزِقَّة الْمَدِينَة، فَخرج بهَا إِلَى الصَّحرَاء

стр. 2091

﴿بِهِ وتولوا وهم معرضون (٧٦) فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم إِلَى يَوْم يلقونه بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون (٧٧) ألم يعلمُوا أَن الله يعلم سرهم﴾ وَجعل يحضر الصَّلَوَات الْخمس، ثمَّ نمت حَتَّى ضَاقَتْ بهَا مرَاعِي الْمَدِينَة، فَقَالَ فَبعد بهَا وَجعل لَا يحضر إِلَّا الْجُمُعَة، ثمَّ ترك حُضُور الصَّلَوَات وَالْجُمُعَة جَمِيعًا. قَالَ: فَبعث رَسُول الله مصدقه ليَأْخُذ الزَّكَاة، فَمر عَلَيْهِ وطالبه بِالزَّكَاةِ، فَقَالَ: مَا أرى هَذَا إِلَّا أُخْت الْجِزْيَة، اذْهَبْ حَتَّى تعود إِلَيّ، فَلَمَّا عَاد إِلَيْهِ لم يُعْط شَيْئا، وَقَالَ: حَتَّى ألْقى رَسُول الله، فَرجع الْمُصدق وَأخْبر النَّبِي بأَمْره، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة، فَروِيَ أَنه ذكر لَهُ أَنه نزلت فِيهِ هَذِه الْآيَة فَحَضَرَ الْمَدِينَة وَقَالَ: يَا رَسُول الله، خُذ مني الزَّكَاة، فَأبى أَن يَأْخُذ، فَلَمَّا توفّي رَسُول الله جَاءَ إِلَى أبي بكر وَطلب أَن يَأْخُذ مِنْهُ الزَّكَاة، فَقَالَ: مَا أَخذ رَسُول الله؛ فَلَا آخذ أَنا، وَهَكَذَا فِي زمَان عمر وزمان عُثْمَان، وَتُوفِّي فِي زمَان عُثْمَان ".

стр. 2092

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فأعقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: فعاقبهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم، يُقَال: أعقبه وعاقبه بِمَعْنى وَاحِد. وَالْمعْنَى الثَّانِي: أخلفهم نفَاقًا فِي قُلُوبهم. ﴿إِلَى يَوْم يلقونه﴾ يَوْم الْقِيَامَة. قَوْله تَعَالَى: ﴿بِمَا أخْلفُوا الله مَا وعدوه وَبِمَا كَانُوا يكذبُون﴾ .

стр. 2093

ثمَّ قَالَ: ﴿ألم يعلمُوا أَن الله يعلم سرهم ونجواهم﴾ يَعْنِي: مَا أضمروا فِي قُلُوبهم

стр. 2094

﴿ونجواهم وَأَن الله علام الغيوب (٧٨) الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ فيسخرون مِنْهُم سخر الله مِنْهُم وَلَهُم عَذَاب أَلِيم (٧٩) اسْتغْفر لَهُم أَولا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ﴾ وَمَا تناجوا بِهِ بَينهم ﴿وَأَن الله علام الغيوب﴾ مَعْنَاهُ ظَاهر.

стр. 2095

قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين يَلْمِزُونَ الْمُطوِّعين من الْمُؤمنِينَ فِي الصَّدقَات﴾ يَلْمِزُونَ: يعيبون. وَسبب نزُول الْآيَة: " أَن النَّبِي حث النَّاس على الصَّدَقَة، فجَاء عبد الرَّحْمَن بن عَوْف بأَرْبعَة آلَاف دِينَار - وَكَانَ ذَلِك نصف مَاله - وَجَاء عَاصِم بن عدي بثلثمائة وسق من تمر - والوسق حمل بعير - وَجَاء أَبُو عقيل - رجل من الْأَنْصَار - بِصَاع من تمر، وَقَالَ: كَانَ لي صَاعَانِ من تمر فَجئْت بِأَحَدِهِمَا، فَقَالَ المُنَافِقُونَ: أما عبد الرَّحْمَن ابْن عَوْف وَعَاصِم بن عدي: فأعطيا مَا أعطيا رِيَاء، وَأما أَبُو عقيل: فَمَا كَانَ أغْنى الله من صَاع أبي عقيل، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهم هَذِه الْآيَة ". ﴿والمطوعين﴾ المتطوعين من الْمُؤمنِينَ، هُوَ عبد الرَّحْمَن بن عَوْف، وَعَاصِم بن عدي ﴿وَالَّذين لَا يَجدونَ إِلَّا جهدهمْ﴾ هُوَ أَبُو عقيل. والجهد: الطَّاقَة ﴿فيسخرون مِنْهُم﴾ يستهزئون مِنْهُم ﴿سخر الله مِنْهُم﴾ جازاهم جَزَاء السخرية ﴿وَلَهُم عَذَاب أَلِيم﴾ .

стр. 2096

قَوْله : ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم إِن تستغفر لَهُم سبعين مرّة فَلَنْ يغْفر الله لَهُم﴾ الْآيَة. أَرَادَ بِهِ إِثْبَات الْيَأْس عَن طمع الْمَغْفِرَة لَهُم. وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه روى عَن النَّبِي مُرْسلا أَنه قَالَ: " وَالله لأزيدن على السّبْعين " فَأنْزل الله : ﴿سَوَاء عَلَيْهِم استغفرت لَهُم أم لم تستغفر لَهُم لن يغْفر الله لَهُم﴾ وَذكر عدد السّبْعين للْمُبَالَغَة فِي إِثْبَات الْيَأْس ﴿إِن الله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين﴾ مَعْنَاهُ مَعْلُوم.

стр. 2097

﴿يغْفر الله لَهُم ذَلِك بِأَنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وَالله لَا يهدي الْقَوْم الْفَاسِقين (٨٠) فَرح الْمُخَلفُونَ بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُول الله وكرهوا أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله وَقَالُوا لَا تنفرُوا فِي الْحر قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا لَو كَانُوا يفقهُونَ (٨١) فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا جَزَاء بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٢) فَإِن﴾

стр. 2098

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَرح الْمُخَلفُونَ﴾ الْفَرح: لَذَّة فِي الْقلب بنيل المشتهى، وَالْغَم: ضيق فِي الْقلب بِفَوَات المشتهى. وَأما الْمُخَلفُونَ فهم الَّذين قعدوا عَن الْغَزْو، وَتركُوا الْخُرُوج مَعَ رَسُول الله. والمخلف: الْمَتْرُوك. وَقَوله: ﴿بِمَقْعَدِهِمْ﴾ يَعْنِي: بقعودهم. وَقَوله: ﴿خلاف رَسُول الله﴾ فِيهِ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: مُخَالفَة لرَسُول الله. وَالثَّانِي: بِمَقْعَدِهِمْ خلاف رَسُول الله أَي: بعد رَسُول الله، قَالَه أَبُو عُبَيْدَة ﴿وكرهوا أَن يجاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم فِي سَبِيل الله﴾ المجاهدة بِالْمَالِ: هِيَ الْإِنْفَاق، والمجاهدة بِالنَّفسِ: هِيَ مُبَاشرَة الْقِتَال، وَقَوله: ﴿وكرهوا﴾ يَعْنِي: لم يُحِبُّوا ﴿وَقَالُوا لَا تنفرُوا فِي الْحر﴾ الْحر: هُوَ وهج الشَّمْس، وَالْبرد ضِدّه. ﴿قل نَار جَهَنَّم أَشد حرا﴾ يَعْنِي: أَشد وهجا ﴿لَو كَانُوا يفقهُونَ﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " لَو كَانُوا يعلمُونَ ". وَالْمعْنَى وَاحِد.

стр. 2099

قَوْله تَعَالَى: ﴿فليضحكوا قَلِيلا وليبكوا كثيرا﴾ الضحك: حَالَة تكون فِي الْإِنْسَان من التَّعَجُّب والفرح، والبكاء حَالَة تعتري الْإِنْسَان من الْهم وضيق الْقلب مَعَ جَرَيَان الدمع على الخد، وَيُقَال: إِن الضحك فِي بني آدم كالصهيل فِي الْخَيل. وَفِي الْآيَة قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن معنى قَوْله: ﴿فليضحكوا قَلِيلا﴾ أَي: فِي الدُّنْيَا ﴿وليبكوا كثيرا﴾ فِي الْآخِرَة ﴿جَزَاء بِمَا كَانُوا يعْملُونَ﴾ قَالَه أَبُو رزين، وَالْحسن وَجَمَاعَة. وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن هَذَا أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، فَكَأَنَّهُ قَالَ: يَضْحَكُونَ قَلِيلا، ويبكون كثيرا، يَعْنِي: فِي الْآخِرَة. فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: يَضْحَكُونَ قَلِيلا وهم لَا يَضْحَكُونَ أصلا فِي الْآخِرَة؟ الْجَواب: قُلْنَا: معنى قَوْله: يَضْحَكُونَ قَلِيلا يَعْنِي: لَا يَضْحَكُونَ أصلا، وَهَذَا مثل

стр. 2100

﴿رجعك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم فاستئذنوك لِلْخُرُوجِ فَقل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا إِنَّكُم رَضِيتُمْ بالقعود أول مرّة فاقعدوا مَعَ الخالفين (٨٣) وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا وَلَا تقم على قَبره إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا﴾ قَوْله تَعَالَى: ﴿فقليلا مَا يُؤمنُونَ﴾ أَي: لَا يُؤمنُونَ شَيْئا. وَرُوِيَ عَن الْحسن الْبَصْرِيّ أَنه قَالَ: إِن أهل النَّار ليبكون لَا يرقأ لَهُم دمع حَتَّى إِن السفن لَو أجريت فِي دموعهم جرت.

стр. 2101

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِن رجعك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم﴾ يَعْنِي: لَو ردك الله إِلَى طَائِفَة مِنْهُم ﴿فاستئذنوك لِلْخُرُوجِ﴾ لِيخْرجُوا مَعَك فِي الْقِتَال ﴿فَقل لن تخْرجُوا معي أبدا وَلنْ تقاتلوا معي عدوا﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: الْعَدو هَا هُنَا: أهل الْكتاب؛ فَإِنَّهُ لم يكن بَقِي بِجَزِيرَة الْعَرَب مُشْرك فِي ذَلِك الْوَقْت. قَوْله: ﴿إِنَّكُم رَضِيتُمْ بالقعود أول مرّة فاقعدوا مَعَ الخالفين﴾ والخالفون هَاهُنَا هم النِّسَاء وَالصبيان، وَقيل: هم أهل الزمانة والضعف.

стр. 2102

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ الْآيَة. نزلت الْآيَة فِي شَأْن عبد الله بن أبي بن سلول؛ فَإِنَّهُ رُوِيَ: " أَنه لما حَضَره الْمَوْت جَاءَ ابْنه إِلَى رَسُول الله برسالته يطْلب مِنْهُ قَمِيصه ليكفنه فِيهِ، فَأعْطَاهُ رَسُول الله قَمِيصه. وَفِي بعض الرِّوَايَات: أَنه أعطَاهُ قَمِيصه الَّذِي فَوق قَمِيصه وَهُوَ الْأَعْلَى، فَرد وَطلب قَمِيصه الَّذِي يَلِي جلده، فَلَمَّا توفّي قدم ليُصَلِّي عَلَيْهِ رَسُول الله بِطَلَب ابْنه ذَلِك ووصيته، فَلَمَّا تقدم رَسُول الله ليُصَلِّي عَلَيْهِ أَخذ عمر بِثَوْبِهِ وَقَالَ: يَا رَسُول الله، أَتُصَلِّي على هَذَا الْمُنَافِق؟ فَقَالَ رَسُول الله: إِن رَبِّي خيرني. وَقَرَأَ قَوْله تَعَالَى: ﴿اسْتغْفر لَهُم أَو لَا تستغفر لَهُم﴾ وَقد اخْتَرْت أَن أُصَلِّي عَلَيْهِ قَالَ: فَصلي عَلَيْهِ، فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله ﴿وَلَا تصل على أحد مِنْهُم مَاتَ أبدا﴾ . وَفِي رِوَايَة أنس: " أَن النَّبِي لما وقف ليُصَلِّي عَلَيْهِ أَخذ جِبْرِيل - عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 2103

﴿وهم فَاسِقُونَ (٨٤) وَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَأَوْلَادهمْ إِنَّمَا يُرِيد الله أَن يعذبهم بهَا فِي الدُّنْيَا وتزهق أنفسهم وهم كافرون (٨٥) وَإِذا أنزلت سُورَة أَن آمنُوا بِاللَّه﴾ بِطرف ثَوْبه وَمنعه من الصَّلَاة، فَترك الصَّلَاة ". وَالرِّوَايَة الأولى هِيَ فِي " الصَّحِيحَيْنِ ". وَقَوله: ﴿وَلَا تقم على قَبره﴾ وَفِي رِوَايَة: " أَن النَّبِي كَانَ إِذا صلى على ميت وقف على قَبره ودعا " فَمَنعه الله تَعَالَى عَن ذَلِك فِي حق الْمُنَافِقين. فَإِن قيل: كَيفَ يجوز أَن يُصَلِّي النَّبِي على الْمُنَافِق وَهُوَ يعلم أَنه كَافِر بِاللَّه؟ الْجَواب عَنهُ: أَنه رأى ذَلِك مصلحَة؛ وَقد قيل حِين صلى عَلَيْهِ: " إِن صَلَاتي عَلَيْهِ لَا تغني عَنهُ من عَذَاب الله شَيْئا ". وَفِي بعض الرِّوَايَات: " أَن عبد الله بن أبيّ بن سلول لما طلب مِنْهُ قَمِيصه ليتبرك بِهِ ويكفن فِيهِ، أسلم ألف رجل من قومه لم يَكُونُوا أَسْلمُوا من قبل لما رَأَوْا من تبركه بِالنَّبِيِّ. [ ﴿إِنَّهُم كفرُوا بِاللَّه وَرَسُوله وماتوا وهم فَاسِقُونَ﴾ ] وَبَاقِي الْآيَة مَعْلُوم.

стр. 2104

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَا تعجبك أَمْوَالهم وَلَا أَوْلَادهم﴾ قد بَينا مَعْنَاهَا فِيمَا سبق؛ فَإِن قيل: أيش معنى التّكْرَار؟ وَفِي هَذِه الْآيَة الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَنه للتَّأْكِيد. وَالثَّانِي: أَن الْآيَتَيْنِ نزلتا فِي طائفتين من الْمُنَافِقين دون طَائِفَة وَاحِدَة.

стр. 2105

﴿وَجَاهدُوا مَعَ رَسُوله استئذنك أولُوا الطول مِنْهُم وَقَالُوا ذرنا نَكُنْ مَعَ القاعدين (٨٦) رَضوا بِأَن يَكُونُوا مَعَ الْخَوَالِف وطبع على قُلُوبهم فهم لَا يفقهُونَ (٨٧) لَكِن الرَّسُول وَالَّذين آمنُوا مَعَه جاهدوا بِأَمْوَالِهِمْ وأنفسهم وَأُولَئِكَ لَهُم الْخيرَات وَأُولَئِكَ هم المفلحون (٨٨) أعد الله لَهُم جنَّات تجْرِي من تحتهَا الْأَنْهَار خَالِدين﴾
следующие страницы →