Полный текст (8 565 стр.). Показаны 211–250 · переход к 216.
стр. 211
قَوْله تَعَالَى: ﴿ود كثير من أهل الْكتاب﴾ يَعْنِي: أحب وَتمنى كثير من أهل
стр. 212
﴿الْحق فاعفوا واصفحوا حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره إِن الله على كل شَيْء قدير (١٠٩) الْكتاب ﴿لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا﴾ قيل: نزل ذَلِك فِي عمار وَحُذَيْفَة؛ فَإِن الْيَهُود دعوهم إِلَى دينهم فَقَالَ عمار: كَيفَ نقض الْعَهْد فِيكُم؟ قَالُوا: شَدِيد. قَالَ عمار: فقد عَاهَدت الله أَلا أكفر بِمُحَمد. فَقَالُوا لِحُذَيْفَة: مَا تَقول أَنْت؟ قَالَ: الله ربى وَمُحَمّد نبيي، وَالْقُرْآن إمامي. فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
وَقيل: هُوَ فِي حق الْكفَّار وَالْمُسْلِمين على الْعُمُوم؛ لأَنهم مازالوا يودون عود الْمُسلمين إِلَى الْكفْر.
﴿حسدا﴾ وَذَلِكَ أَنهم عرفُوا أَن مُحَمَّدًا نبيي حق، وَأَنَّهُمْ باتباعه نالوا من الْإِسْلَام مَا لم ينالوه؛ فحسدوهم على دينهم.
فَإِن قيل: مَا معنى قَوْله ﴿حسدا من عِنْد أنفسهم﴾ وَلَا يكون الْحَسَد من عِنْد الْغَيْر؟ قيل: مَعْنَاهُ: من تلقائهم لم ينزل بِهِ كتاب وَلَا ورد بِهِ أَمر.
وَقيل: فِي الْآيَة تَقْدِيم وَتَأْخِير، وتقديرها: ود كثير من أهل الْكتاب من عِنْد أنفسهم لَو يردونكم من بعد إيمَانكُمْ كفَّارًا حسدا.
﴿من بعد مَا تبين لَهُم الْحق﴾ من بعد مَا ظهر أَنه حق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿فاعفوا واصفحوا﴾ الْعَفو: المحو، والصفح: الْإِعْرَاض، وَإِنَّمَا نزل هَذَا قبل آيَة الْقِتَال، ثمَّ نسخ بِآيَة الْقِتَال.
﴿حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره﴾ يَعْنِي: بشرع الْقِتَال. وَقَالَ ابْن عَبَّاس مَعْنَاهُ: حَتَّى يَأْتِي الله بِأَمْر: من فتح قسطنطينية، ورومية، وعمورية.
وَقيل: حَتَّى يَأْتِي الله بأَمْره: من فتح قرى الْيَهُود، مثل خَبِير، وفدك، وإجلاء بني النَّضِير، وَمثل بني قُرَيْظَة.
﴿إِن الله على كل شَيْء قدير﴾ أَي قَادر.
стр. 213
﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير تَجِدُوهُ عِنْد الله إِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير (١١٠) وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى تِلْكَ أمانيهم قل هاتوا برهانكم إِن كُنْتُم صَادِقين (١١١) بلَى من أسلم وَجهه لله وَهُوَ
стр. 214
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأقِيمُوا الصَّلَاة وَآتوا الزَّكَاة﴾ مَعْلُوم.
﴿وَمَا تقدمُوا لأنفسكم من خير﴾ من طَاعَة ﴿تَجِدُوهُ عِنْد الله﴾ ذخيرة لَا تضيع ﴿إِن الله بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِير﴾ .
стр. 215
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ هودا أَو نَصَارَى﴾ تَقْدِيره: قَالَت الْيَهُود: لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ يَهُودِيّا. وَقَالَت النَّصَارَى: لن يدْخل الْجنَّة إِلَّا من كَانَ نَصْرَانِيّا؛ فاختصر اختصارا.
نزلت الْآيَة فِي وَفد نَجْرَان، وَكَانُوا نَصَارَى، اجْتَمعُوا فِي مجْلِس رَسُول الله مَعَ الْيَهُود، فتنازعوا وَكفر بَعضهم بَعْضًا، وَكذب بَعضهم بَعْضًا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَات ".
﴿تِلْكَ أمانيهم﴾ يعْنى: تمنيهم الْبَاطِل ﴿قل هاتوا برهانكم﴾ ائْتُوا بِالْحجَّةِ على مَا زعمتم ﴿إِن كُنْتُم صَادِقين بلَى من أسلم﴾ يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر على تمنوا بل الحكم لِلْإِسْلَامِ
стр. 216
﴿من أسلم وَجهه﴾ أخْلص عِبَادَته لله ﴿وَهُوَ محسن﴾ مُؤمن ﴿فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ﴾ .
стр. 217
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء﴾ وَهُوَ مَا جرى فِي مجْلِس رَسُول الله من مُنَازعَة الْيَهُود مَعَ النَّصَارَى. فَأَما قَوْله: ﴿وهم يَتلون الْكتاب﴾ يَعْنِي: أَنه يكذب بَعضهم بَعْضًا ويضلل بَعضهم بَعْضًا وهم يَتلون الْكتاب، وَلَيْسَ فِي كِتَابهمْ هَذَا الِاخْتِلَاف، فدلت تلاوتهم الْكتاب ومخالفتهم مَا فِي الْكتاب على كَونهم على الْبَاطِل.
﴿كَذَلِك قَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ مثل قَوْلهم﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ الْمُشْركين. قَالَه ابْن عَبَّاس وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ عوام النَّصَارَى.
﴿فَالله يحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ يُرِيهم دُخُول الْمُسلمين
стр. 218
﴿محسن فَلهُ أجره عِنْد ربه وَلَا خوف عَلَيْهِم وَلَا هم يَحْزَنُونَ (١١٢) وَقَالَت الْيَهُود لَيست النَّصَارَى على شَيْء وَقَالَت النَّصَارَى لَيست الْيَهُود على شَيْء وهم يَتلون الْكتاب كَذَلِك قَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ مثل قَوْلهم فَالله يحكم بَينهم يَوْم الْقِيَامَة فِيمَا الْجنَّة ودخولهم النَّار.
стр. 219
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن أظلم مِمَّن منع مَسَاجِد الله أَن يذكر فِيهَا اسْمه وسعى فِي خرابها﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَقَتَادَة، وَجَمَاعَة من الْمُفَسّرين: أَرَادَ بِالْآيَةِ النَّصَارَى الَّذِي عاونوا بخْتنصر الْمَجُوسِيّ على تخريب بَيت الْمُقَدّس.
﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُم أَن يدخلوها إِلَّا خَائِفين﴾ وَذَلِكَ أَن بَيت الْمُقَدّس مَوضِع حج النَّصَارَى، وَمَوْضِع زيارتهم، فَلَا يدْخلهُ نَصْرَانِيّ إِلَّا خَائفًا، من ذَلِك الْوَقْت إِلَى يَوْم الْقِيَامَة ﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾ أَي: جِزْيَة لذميهم وَقتل لحربيهم ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ أَي: عَذَاب النَّار.
وَفِيه قَول آخر: أَن الْآيَة نزلت فِي الْمُشْركين الَّذين منعُوا رَسُول الله من دُخُول مَكَّة عَام الْحُدَيْبِيَة.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وسعى فِي خرابها﴾ لأَنهم منعُوا الْمُسلمين من دُخُول الْمَسْجِد. وَلم يسلمُوا حَتَّى دخلُوا؛ فكأنهم سعوا فِي خرابها.
﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُم أَن يدخلوها إِلَّا خَائِفين﴾ وَهَذَا شرعنا أَلا يُمكن مُشْرك من دُخُول الْحرم. وَلَا يدْخلهُ أحد مِنْهُم إِلَّا خَائفًا.
﴿لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾ هوان ﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم﴾ .
стр. 220
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب فأينما توَلّوا فثم وَجه الله﴾ فِيهِ أَرْبَعَة أَقْوَال:
أَحدهمَا: أَنَّهَا نزلت فِي نسخ الْقبْلَة أَي: الْكَعْبَة؛ فَإِنَّهَا لما حولت إِلَى الْكَعْبَة عير الْيَهُود الْمُسلمين، وَقَالُوا: لَيست لَهُم قبْلَة مَعْلُومَة، فَتَارَة يستقبلون هَكَذَا، وَتارَة هَكَذَا، فَنزلت الْآيَة ردا لقَولهم.
стр. 221
﴿كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ (١١٣) وَمن أظلم مِمَّن منع مَسَاجِد الله أَن يذكر فِيهَا اسْمه وسعى فِي خرابها أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُم أَن يدخلوها إِلَّا خَائِفين لَهُم فِي الدُّنْيَا خزي﴾
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَا روى عمر " أَن رَسُول الله كَانَ يُصَلِّي على رَاحِلَته أَيْنَمَا تَوَجَّهت بِهِ رَاحِلَته؛ فَنزلت الْآيَة فِي إِبَاحَة النَّافِلَة على الرَّاحِلَة أَيْنَمَا تَوَجَّهت بِهِ الرَّاحِلَة ".
وَالْقَوْل الثَّالِث: روى جَابر أَنه قَالَ: " كُنَّا فِي سفر، فاشتبهت علينا الْقبْلَة، فصلى كل وَاحِد منا إِلَى جِهَة، وَخط بَين يَدَيْهِ خطا، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا فَإِذا الخطوط إِلَى غير الْقبْلَة، فسألنا عَن ذَلِك رَسُول الله، فَلم يَأْمُرنَا بِالْإِعَادَةِ، وَنزلت الْآيَة فِي مَعْنَاهُ ".
وَالْقَوْل الرَّابِع: أَنه نزلت فِي ابْتِدَاء الْإِسْلَام، حِين لم تكن الْقبْلَة مَعْلُومَة، وَجَازَت الصَّلَاة إِلَى أَي جِهَة شَاءُوا. فعلى هَذَا تكون الْآيَة مَنْسُوخَة بِآيَة الْقبْلَة، وَهَذَا قَول غَرِيب.
وَأما قَوْله: ﴿فثم وَجه الله﴾ قَالَ مُجَاهِد: قبْلَة الله. الْوَجْه: بِمَعْنى الْقبْلَة، وَكَذَلِكَ الوجهة والجهة: هِيَ الْقبْلَة. وَقيل: مَعْنَاهُ رضَا الله، وَقيل: مَعْنَاهُ قصد الله، وَمِنْه قَول الشَّاعِر:
(اسْتغْفر الله ذَنبا لست أحصيه ... رب الْعباد إِلَيْهِ الْوَجْه وَالْعَمَل)
يَعْنِي: إِلَيْهِ الْقَصْد وَالْعَمَل.
وَقد ذكر الله تَعَالَى الْوَجْه فِي كِتَابه فِي أحد عشر موضعا، وَهُوَ صفة لله تَعَالَى وَتَفْسِيره: قِرَاءَته وَالْإِيمَان بِهِ. وَسَيَأْتِي.
стр. 222
﴿وَلَهُم فِي الْآخِرَة عَذَاب عَظِيم (١١٤) وَللَّه الْمشرق وَالْمغْرب فأينما توَلّوا فثم وَجه الله إِن الله وَاسع عليم (١١٥) وَقَالُوا اتخذ الله ولدا سُبْحَانَهُ بل لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض كل لَهُ قانتون (١١٦) بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض وَإِذا قضى أمرا﴾
﴿إِن الله وَاسع﴾ أَي: غَنِي يُعْطي من السعَة ﴿عليم﴾ أَي: عَالم بالأمور.
стр. 223
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الله ولدا﴾ يَعْنِي: النَّصَارَى ﴿سُبْحَانَهُ﴾ تَنْزِيه ﴿بل لَهُ مَا فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ ملكا وملكا ﴿كل لَهُ قانتون﴾ القانت: الْمُطِيع، وأصل الْقُنُوت: الْقيام. وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي سُئِلَ عَن أفضل الصَّلَاة، فَقَالَ: طول الْقُنُوت " أَي: طول الْقيام.
وَقَوله: ﴿كل لَهُ قانتون﴾ أَي: قائمون بالعبودية. وَفِي مَعْنَاهُ أَقْوَال:
أَحدهَا: قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ عَام بِمَعْنى الْخُصُوص. وَالْمرَاد بِهِ الْمُسلمُونَ، وَبِه قَالَ الْفراء. وَلم يرضه من الْفراء نحاة الْبَصْرَة، وَقَالُوا: الْكل يَقْتَضِي الْإِحَاطَة بالشَّيْء، بِحَيْثُ لَا يشذ مِنْهُ شَيْء وَمَعْنَاهُ: كل الْعباد قانتون. فالمسلم يسْجد طَوْعًا. وَالْكَافِر يسْجد ظله كرها، كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿وَللَّه يسْجد من فِي السَّمَاوَات وَالْأَرْض طَوْعًا وَكرها وظلالهم بِالْغُدُوِّ وَالْآصَال﴾ .
وَالْقَوْل الثَّانِي: مَعْنَاهُ: ﴿كل لَهُ قانتون﴾ مذللون مسخرون لما خلقُوا لَهُ.
وَالْقَوْل الثَّالِث: ﴿كل لَهُ قانتون﴾ يَعْنِي: فِي الْقِيَامَة.
стр. 224
قَوْله تَعَالَى: ﴿بديع السَّمَاوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: مبدعها، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ الْخَالِق لَا على مِثَال سبق. وَمِنْه المبتدع؛ لِأَنَّهُ أحدث مَا لم يسْبق إِلَيْهِ.
﴿وَإِذا قضى أمرا﴾ أَي: أحكم وأتقن. وأصل الْقَضَاء: الْفَرَاغ وَمِنْه يُقَال لمن مَاتَ قضى نحبه لفراغه من الدُّنْيَا وَمِنْه قَضَاء القَاضِي. لِأَنَّهُ فرغ عَن فصل الْحُكُومَة. وَمِنْه قَضَاء الله وَقدره. لِأَنَّهُ فرغ عَنهُ تَقْديرا وتدبيرا. وَقَالَ الشَّاعِر:
стр. 225
﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون (١١٧) وَقَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ لَوْلَا يُكَلِّمنَا الله أَو تَأْتِينَا آيَة كَذَلِك قَالَ الَّذين من قبلهم مثل قَوْلهم تشابهت قُلُوبهم قد بَينا الْآيَات لقوم﴾
(وَعَلَيْهِمَا (مسرودتان) قضاهما ... دَاوُد وصنع السوابغ تبع)
أَي: صناع السوابغ، وَقَوله: قضاهما دَاوُد، أَي: أحكمهما، فَكَذَلِك قَوْله: ﴿وَإِذا قضى أمرا﴾ أَي: أحكم وأتقن ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ كن فَيكون﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: كَيفَ قَالَ: فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ، والمعدوم لَا يُخَاطب؟ قيل: قد قَالَ ابْن الْأَنْبَارِي: مَعْنَاهُ: فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ أَي: لأجل تكوينه، فعلى هَذَا ذهب معنى الْخطاب.
وَقيل: هُوَ وَإِن كَانَ مَعْدُوما، لكنه لما قدر وجوده، وَهُوَ كَائِن لَا محَالة، كَانَ كالموجود: فصح الْخطاب.
وَفِيه قَول ثَالِث: أَنه خرج على مَا يفهمهُ النَّاس فِي الْعَادة؛ فَإِن كل من يُرِيد فعلا فإمَّا أَن يَقُول قولا، أَو يفعل فعلا. وَمَعْنَاهُ: التكوين فَحسب إِلَّا أَنه قَالَ: ﴿فَإِنَّمَا يَقُول لَهُ﴾ لِأَنَّهُ كَذَا يفهمهُ النَّاس.
فَأَما قَوْله تَعَالَى: ﴿فَيكون﴾ قَرَأَ ابْن عَامر. " فَيكون " بِنصب النُّون، وَهُوَ أظهر على النَّحْو؛ لِأَنَّهُ جَوَاب الْأَمر بِالْفَاءِ. فَيكون على النصب.
وَالْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: " فَيكون " بِالرَّفْع. وَمَعْنَاهُ: فَهُوَ يكون.
стр. 226
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَقَالَ الَّذين لَا يعلمُونَ﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: أَرَادَ بِهِ الْيَهُود.
وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ النَّصَارَى.
(لَوْلَا يُكَلِّمنَا الله) أَي: هلا يُكَلِّمنَا الله، " وَلَوْلَا " فِي كل الْقُرْآن بِمَعْنى " هلا " إِلَّا فِي مَوضِع وَاحِد؛ وَذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى: ﴿فلولا أَنه كَانَ من المسبحين﴾ مَعْنَاهُ: فَلَو لم يكن من المسبحين.
стр. 227
﴿يوقنون (١١٨) إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ بشيرا وَنَذِيرا وَلَا تسْأَل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم (١١٩) وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم قل إِن هدى الله هُوَ
﴿أَو تَأْتِينَا آيَة﴾ أَي: آيَة نقترحها، كَمَا اقترحوا من الْآيَات. ﴿كَذَلِك قَالَ الَّذين من قبلهم﴾ من الْكفَّار فِي الْقُرُون الْمَاضِيَة. ﴿مثل قَوْلهم تشابهت قُلُوبهم﴾ أَي: أشبه بَعْضهَا بَعْضًا فِي الْقَسْوَة وَطلب الْمحَال. ﴿قد بَينا الْآيَات لقوم يوقنون﴾ .
стр. 228
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا أَرْسَلْنَاك بِالْحَقِّ﴾ أَي: مَعَ الْحق، والصلات تتعاقب، وَمثله قَوْله تَعَالَى ﴿فادخلي فِي عبَادي﴾ أَي: مَعَ عبَادي.
وَالْمرَاد بِالْحَقِّ: الْقُرْآن. وَقيل: شَرِيعَة الْإِسْلَام.
﴿بشيرا وَنَذِيرا﴾ أَي: مبشرا ومنذرا (وَلَا تسئل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم) قرئَ بقراءتين. " وَلَا تسْأَل ". " وَلَا تسْأَل ". فَأَما قَوْله ﴿وَلَا تسْأَل﴾ : يَعْنِي: أَرْسَلْنَاك غير مسئول عَن حَال الْكفَّار. وَذَلِكَ مثل قَوْله: ﴿فَإِنَّمَا عَلَيْك الْبَلَاغ وعلينا الْحساب﴾ .
وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود " وَمَا تسْأَل " وَقَرَأَ أبي بن كَعْب. " وَلنْ تسْأَل " وَمعنى الْكل وَاحِد، وَأما قَوْله: " وَلَا تسْأَل " لَهُ مَعْنيانِ: أَحدهمَا: أَنه على معنى قَوْلهم: لَا تسْأَل عَن شَرّ فلَان؛ فَإِنَّهُ فَوق مَا تحسب.
وَقيل: هُوَ على النهى، وَسَببه مَا روى مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ: " أَن رَسُول الله قَالَ: لَيْت شعري مَا فعل أبواي. فَنزل قَوْله تَعَالَى: (وَلَا تسئل عَن أَصْحَاب الْجَحِيم) والجحيم: اسْم للنار الشَّدِيدَة الالتهاب.
стр. 229
﴿الْهدى وَلَئِن اتبعت أهواءهم بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَا لَك من الله من ولي وَلَا نصير (١٢٠) الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب يتلونه حق تِلَاوَته أُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ وَمن يكفر
стр. 230
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم﴾ مَعْنَاهُ: وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود إِلَّا باليهودية، وَلَا النَّصَارَى إِلَّا بالنصرانية.
﴿حَتَّى تتبع ملتهم﴾ وَالْملَّة: الطَّرِيقَة، وَمِنْه خبز الْملَّة. سمى الرماد الَّذِي جعل فِيهِ الْخبز: مِلَّة؛ لِأَنَّهُ يظْهر فِيهِ آثَار وخطوط.
﴿قل إِن هدى الله هُوَ الْهدى﴾ يَعْنِي: دين الله: هُوَ الدّين الَّذِي أَنْت عَلَيْهِ.
﴿وَلَئِن اتبعت أهواءهم﴾ قيل: إِنَّه خطاب للنَّبِي، وَالْمرَاد بِهِ الْأمة لِأَنَّهُ كَانَ مَعْصُوما من اتِّبَاع الْأَهْوَاء، وَمثله قَوْله تَعَالَى: ﴿لَئِن أشركت ليحبطن عَمَلك﴾ ﴿بعد الَّذِي جَاءَك من الْعلم مَالك من الله من ولي وَلَا نصير﴾ مَعْلُوم.
وَقيل معنى الْآيَة: أَن الْيَهُود طلبُوا من النَّبِي المهادنة وَقَالُوا: لَا تحاربنا وَلَا تَقْتُلنَا، وأمهلنا؛ فَرُبمَا نسلم. فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلنْ ترْضى عَنْك الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى حَتَّى تتبع ملتهم﴾ يَعْنِي: إِنَّك إِن هادنتهم فَلَنْ يرضون بهَا. وَإِنَّمَا يطْلبُونَ ذَلِك تعللا وافتعالا، وَلَا يرضون عَنْك إِلَّا بِاتِّبَاع ملتهم.
стр. 231
قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آتَيْنَاهُم الْكتاب﴾ قيل: أَرَادَ بِهِ قوما من الْيَهُود أَسْلمُوا.
وَقيل: أَرَادَ بِهِ قوما من النَّصَارَى جَاءُوا مَعَ جَعْفَر بن أبي طَالب حِين قدم من الْحَبَشَة فأسلموا.
﴿يتلونه حق تِلَاوَته﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس، وَابْن مَسْعُود: يحللون حَلَاله، ويحرمون حرَامه وَلَا يحرفُونَ الْكَلم عَن موَاضعه.
وَقَالَ الْحسن: يعْملُونَ بأوامره، ويؤمنون بمحكمه، ويكلون الْمُتَشَابه إِلَى الله تَعَالَى. وَقَالَ عِكْرِمَة: يتبعونه حق اتِّبَاعه من قَوْلهم: تَلا أَي تبع وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالْقَمَر إِذا تَلَاهَا﴾ .
стр. 232
﴿بِهِ فَأُولَئِك هم الخاسرون (١٢١) يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي أَنْعَمت عَلَيْكُم وَأَنِّي فضلتكم على الْعَالمين (١٢٢) وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزي نفس عَن نفس شَيْئا وَلَا﴾
﴿أُولَئِكَ يُؤمنُونَ بِهِ﴾ يَعْنِي: مَا ذكرنَا ﴿وَمن يكفر بِهِ فَأُولَئِك هم الخاسرون﴾ أَي: الغالبون أنفسهم.
стр. 233
قَوْله - تَعَالَى - ﴿يَا بني إِسْرَائِيل اذْكروا نعمتي الَّتِي انعمت عَلَيْكُم واني فضلتكم على الْعَالمين﴾ أَعَادَهُ تَأْكِيدًا لما سبق.
стр. 234
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّقوا يَوْمًا لَا تجزى نفس عَن نفس شَيْئا﴾ قد ذكرنَا مَعْنَاهُ.
﴿وَلَا يقبل مِنْهَا عدل وَلَا تنفعها شَفَاعَة وَلَا هم ينْصرُونَ﴾ إِن قيل: أَلَيْسَ قد جعل الشَّفَاعَة للأنبياء وَغَيرهم، حَيْثُ قَالَ: ﴿وَلَا يشفعون إِلَّا لمن ارتضى﴾ وَقَالَ النَّبِي: " شَفَاعَتِي لأهل الْكَبَائِر من أمتِي "؟ قيل: أَرَادَ بقوله: ﴿وَلَا تنفعها شَفَاعَة﴾ فِي قوم مخصوصين، وهم الْيَهُود وَالْكفَّار.
стр. 235
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه﴾ أَي: اختبر، وَمعنى ابتلاء الْعباد، لَيْسَ ليعلم أَحْوَالهم بالابتلاء لِأَنَّهُ عَالم بهم وَبِمَا يملكُونَ مِنْهُم وَلَكِن ليعلم الْعباد أَحْوَالهم، حَتَّى يعرف بَعضهم بَعْضًا. ﴿بِكَلِمَات﴾ وَأما الْكَلِمَات: قيل: هِيَ الَّتِي وَردت فِي الْخَبَر فِي قَوْله " عشر من الْفطْرَة: خمس فِي الرَّأْس، وَخمْس فِي الْجَسَد. وَالْخمس الَّتِي فِي الرَّأْس الْمَضْمَضَة وَالِاسْتِنْشَاق، وقص الشَّارِب، والسواك، وَفرق الرَّأْس. وَأما اللواتي فِي الْجَسَد مثل قلم الْأَظْفَار، ونتف الْإِبِط، وَحلق الْعَانَة، والختان، والاستنجاء فِي رِوَايَة وَغسل البراجم ".
стр. 236
﴿يقبل مِنْهَا عدل وَلَا تنفعها شَفَاعَة وَلَا هم ينْصرُونَ (١٢٣) وَإِذ ابتلى إِبْرَاهِيم ربه بِكَلِمَات فأتمهن قَالَ إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا قَالَ وَمن ذريتي قَالَ لَا ينَال عهدي﴾
وَفِي الْخَبَر أَن الله تَعَالَى بعث جِبْرِيل إِلَى إِبْرَاهِيم أَن تطهر لي، فَتَمَضْمَض، ثمَّ بعث إِلَيْهِ أَن تطهر لي، فاستنشق هَكَذَا إِلَى الْعشْر، فَلَمَّا أمره فِي الْمرة الْعَاشِرَة: أَن تظهر لي. فَنظر إِلَى بدنه، فَلم يجد شَيْئا ينظفه فَتنبه على الْخِتَان فاختتن.
وَفِي الْخَبَر: " أَنه اختتن بعد ثَمَانِينَ سنة بالقدوم ". وَهُوَ اسْم مَوضِع، وعاش بعده ثَمَانِينَ.
وَفِي الْأَخْبَار: " أَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ. أول من قصّ الشَّارِب، وَأول من اختتن وَأول من قلم الْأَظْفَار، وَأول من رأى الشيب، فَلَمَّا رَآهُ قَالَ يَا رب مَا هَذَا؟ فَقَالَ: الْوَقار فَقَالَ يَا رب زِدْنِي وقارا ".
﴿فأتمهن﴾ أَي فأداهن بِهِ تَامَّة، قَالَ ابْن عَبَّاس: مَا أَتَى أحد بسهام الْإِسْلَام كَمَا أَتَى بهَا الْخَلِيل إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ.
وَفِيه قَولَانِ آخرَانِ: أَن معنى الْكَلِمَات: هُوَ أَن الله تَعَالَى ابتلاه بالكوكب فرضى عَنهُ، وابتلاه بالقمر فرضى عَنهُ، وابتلاه بالشمس فرضى عَنهُ. وابتلاه بِنَار نمروذ فرضى عَنهُ. وابتلاه بِذبح الْوَلَد فرضى عَنهُ. وابتلاه بالختان فرضى عَنهُ.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنِّي جاعلك للنَّاس إِمَامًا﴾ يَعْنِي فِي الْخَيْر، وَقد يكون الإِمَام فِي الشَّرّ؛ على طَرِيق الْمجَاز. كَمَا قَالَ تَعَالَى: ﴿وجعلناهم أَئِمَّة يدعونَ إِلَى النَّار﴾ وَحَقِيقَة الإِمَام: أَن يقْصد، من فعله مَا يقْصد وَهُوَ من الْأُم: وَهُوَ الْقَصْد.
стр. 237
﴿الظَّالِمين (١٢٤) وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وآمنا وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى وعهدنا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل أَن طهرا بَيْتِي للطائفين والعاكفين والركع
﴿قَالَ وَمن ذريتي﴾ أَي: اجْعَل من ذريتي أَئِمَّة.
﴿قَالَ لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ أَي: لَا يَنَالهُ من كَانَ فيهم ظَالِما. وَاخْتلفُوا فِي هَذَا الْعَهْد، قَالَ ابْن عَبَّاس: هُوَ النُّبُوَّة. وَقَالَ مُجَاهِد: أَرَادَ بِهِ الْإِمَامَة. وَهُوَ الْأَلْيَق بِظَاهِر النسق، وَفِيه قَول آخر: أَنه الْأمان من النَّار.
والظالم: الْفَاسِق، وَقيل: أَرَادَ بِهِ الْمُشرك هَاهُنَا. وَهُوَ مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿الَّذين آمنُوا وَلم يلبسوا إِيمَانهم بظُلْم﴾ أَي: بشرك ﴿أُولَئِكَ لَهُم الْأَمْن﴾ فَجعل الْأَمْن لمن لَا يُشْرك بِهِ، فَكَذَلِك قَوْله: ﴿لَا ينَال عهدي الظَّالِمين﴾ أَي: أَن أماني لَا يَنَالهُ الْمُشْركُونَ مِنْهُم.
стр. 238
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ جعلنَا الْبَيْت مثابة للنَّاس وَأمنا﴾ قَالَ عَطاء: مثابة أَي: مجمعا.
وَقَالَ غَيره: مثابة أَي: مرجعا، وَهُوَ مَأْخُوذ من ثاب، أَي: رَجَعَ، وَالْبَيْت مثابة؛ لأَنهم يعودون إِلَيْهِ مرّة بعد أُخْرَى.
قَالَ الضَّحَّاك: لَا يقضون مِنْهُ وطرا، أَي: لَا يملون مِنْهُ. والمثاب والمثابة بِمَعْنى وَاحِد، قَالَ الشَّاعِر:
(مثاب لأفناء الْقَبَائِل كلهَا ... تخب إِلَيْهِ اليعملات الذوامل)
وَأما قَوْله: ﴿وَأمنا﴾ أَي: ذَا أَمن. قَالَ ابْن عَبَّاس: أَمنه أَن يدْخلهُ الْجَانِي فَيَأْمَن وَلَا يَسْتَوْفِي مِنْهُ حَتَّى يخرج، وَإِلَيْهِ ذهب أَبُو حنيفَة وَأَصْحَابه ﵃.
وَقَالَ غَيره: مَعْنَاهُ: أَنه مأمن من أَيدي الْمُشْركين؛ فَإِنَّهُم مَا كَانُوا يتعرضون لأهل مَكَّة وَيَقُولُونَ: إِنَّهُم أهل الله وخاصته. وَإِنَّمَا كَانُوا يتعرضون لمن حوله. كَمَا قَالَ الله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرَوا أَنا جعلنَا حرما آمنا وَيُتَخَطَّف النَّاس من حَولهمْ﴾ فَأَما قَول
стр. 239
﴿السُّجُود (١٢٥) وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا وارزق أَهله من الثمرات﴾ ابْن عَبَّاس فَمَحْمُول على الِاسْتِحْبَاب. وَذَلِكَ الأولى عندنَا؛ أَن لَا يتَعَرَّض لَهُ حَتَّى يخرج، لَكِن مَعَ هَذَا أجَاز الِاسْتِيفَاء؛ لِأَن الْحرم لَا يمْنَع اسْتِيفَاء الْحُقُوق.
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ قرىء بقراءتين: " وَاتَّخذُوا " على الْخَبَر، " وَاتَّخذُوا " على الْأَمر. وَأما الْمقَام بِالْفَتْح: مَوضِع الْإِقَامَة. وَالْمقَام بِالضَّمِّ: فعل الْإِقَامَة. وَمَعْنَاهُ على القَوْل الصَّحِيح: أَن مقَام إِبْرَاهِيم هُوَ الْحجر الَّذِي فِي الْمَسْجِد، يُصَلِّي إِلَيْهِ الْأَئِمَّة وَذَلِكَ الْحجر الَّذِي قَامَ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيم عِنْد بِنَاء الْبَيْت، وَبِذَلِك سمى مقَام إِبْرَاهِيم.
وَقيل: كَانَ أثر أَصَابِع رجله بَيِّنَة فِيهِ، واندرس من كَثْرَة مسح الْأَيْدِي.
وَفِي الْخَبَر: " أَن الرُّكْن وَالْمقَام ياقوتتان من يَوَاقِيت الْجنَّة. وَلَوْلَا مَا مسته أَيدي الْمُشْركين. لأضاءا مَا بَين الْمشرق وَالْمغْرب ".
وَقد روى عَن عمر ﵁ أَنه قَالَ: وَافقنِي رَبِّي فِي ثَلَاث:
قلت لرَسُول الله: لَو اتَّخذت من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى، فَنزل قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخذُوا من مقَام إِبْرَاهِيم مصلى﴾ .
وَفِيه قَول آخر: أَنه أَرَادَ بمقام إِبْرَاهِيم: جَمِيع مشَاهد الْحَج، مثل عَرَفَة والمزدلفة، وَسَائِر الْمشَاهد.
стр. 240
﴿من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر قَالَ وَمن كفر فأمتعه قَلِيلا ثمَّ أضطره إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير (١٢٦) وَإِذ يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت وَإِسْمَاعِيل رَبنَا﴾
وَقَوله: ﴿مصلى﴾ أَي: مدعا؛ أَمرهم أَن يتخذوها مَوَاضِع للدُّعَاء.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وعهدنا إِلَى إِبْرَاهِيم وَإِسْمَاعِيل﴾ أَي: أمرنَا، والعهد هَاهُنَا بِمَعْنى الْأَمر.
وَأما إِسْمَاعِيل: أَصله: اسْمَع إيل، وَذَلِكَ أَن إِبْرَاهِيم صلوَات الله عَلَيْهِ كَانَ يَدْعُو الله أَن يرزقه ولدا، وَيَقُول: اسْمَع إيل. فَلَمَّا رزقه [الله] الْوَلَد سَمَّاهُ إِسْمَاعِيل.
وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَن طهرا بَيْتِي﴾ يَعْنِي من الشّرك والأوثان ﴿للطائفين﴾ الدائرتين حول الْكَعْبَة. ﴿والعاكفين﴾ المقيمين المجاورين ﴿والركع السُّجُود﴾ الْمُصَلِّين. ركع: جمع رَاكِع، وَالسُّجُود جمع ساجد. قَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل: الطائفين: هم الغرباء. والعاكفين: أهل مَكَّة.
قَالَ عَطاء وَمُجاهد: الطّواف للغرباء أفضل؛ لِأَنَّهُ يفوتهُمْ، وَالصَّلَاة لأهل مَكَّة أفضل؛ لِأَنَّهُ لَا يفوتهُمْ.
стр. 241
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ قَالَ إِبْرَاهِيم رب اجْعَل هَذَا بَلَدا آمنا﴾ أَي: اجْعَل الْحرم ذَا أَمن ﴿وارزق أَهله من الثمرات﴾ وَإِنَّمَا دَعَا بذلك لِأَنَّهُ كَانَ بواد غير ذِي زرع.
وَفِي الْقَصَص: أَن الطَّائِف كَانَت مَدِينَة من مَدَائِن الشَّام بأردن، فَلَمَّا دَعَا إِبْرَاهِيم هَذَا الدُّعَاء، أَمر الله تَعَالَى جِبْرِيل حَتَّى قلعهَا من أَصْلهَا، وأدارها حول الْبَيْت سبعا، ثمَّ وَضعهَا موضعهَا الَّذِي هِيَ الْآن فِيهِ، فَمن تِلْكَ ثَمَرَات أهل مَكَّة.
﴿من آمن مِنْهُم بِاللَّه وَالْيَوْم الآخر﴾ دَعَا إِبْرَاهِيم أَن يرْزق من الثمرات الْمُؤمنِينَ خَاصَّة.
﴿قَالَ وَمن كفر﴾ يَقُول الله تَعَالَى: والكافرين أَيْضا؛ وَذَلِكَ أَن الله وعد الرزق لِلْخلقِ كَافَّة، مؤمنهم وكافرهم.
стр. 242
﴿تقبل منا إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم (١٢٧) رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك وَمن ذريتنا أمة مسلمة لَك وأرنا مناسكنا وَتب علينا إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم (١٢٨) رَبنَا وَابعث
﴿فأمتعه قَلِيلا﴾ يقْرَأ مخففا ومشددا ومعناهما وَاحِد يَعْنِي: أبقيه فِي النِّعْمَة قَلِيلا.
وَإِنَّمَا ذكر الْقَلِيل؛ لِأَن الإمتاع أَصله الطول وَالْكَثْرَة. يُقَال: متع النَّهَار. أَي: طَال وارتفع. ونخلة ماتعة. أَي: طَوِيلَة. وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ الإمتاع فِي الدُّنْيَا وَهُوَ قَلِيل؛ لانقطاعه.
﴿ثمَّ اضطره﴾ ألجئه ﴿إِلَى عَذَاب النَّار وَبئسَ الْمصير﴾ أَي: الْمرجع.
стр. 243
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا يرفع إِبْرَاهِيم الْقَوَاعِد من الْبَيْت﴾ قَالَ الْفراء: الْقَوَاعِد: أسس الْبَيْت.
وَقَالَ الْكسَائي: هِيَ جدر الْبَيْت، وَحكى أَن ابْن الزبير لما هدم الْبَيْت ليبنيه؛ ظَهرت أَحْجَار بيض كبار فَقَالَ: هَذِه هِيَ الْقَوَاعِد الَّتِي بنى عَلَيْهَا إِبْرَاهِيم الْبَيْت.
وَقَالَ ابْن عَبَّاس: إِنَّمَا بنى الْبَيْت من خَمْسَة أجبل: طور سيناء، وطور زيتا، ولبنان وَهُوَ جبل بِالشَّام والجودى، وَهُوَ جبل بالجزيرة، وحراء وَهُوَ جبل بِمَكَّة.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى بنى فِي السَّمَاء بَيْتا وَهُوَ الْبَيْت الْمَعْمُور، وَيُسمى صراح وَأمر الْمَلَائِكَة أَن يبنوا الْكَعْبَة فِي الأَرْض بحذائه، على قدره ومثاله.
وَقيل: أول من بنى الْكَعْبَة آدم صلوَات الله عَلَيْهِ - فاندرس ذَلِك زمَان الطوفان، ثمَّ أظهره الله تَعَالَى لإِبْرَاهِيم حَتَّى بناه.
قَالَ: ﴿وَإِسْمَاعِيل رَبنَا تقبل منا﴾ قَرَأَ أبي بن كَعْب " يَقُولَانِ رَبنَا تقبل منا " وَهُوَ فِي الشواذ، وَهَذَا هُوَ الْمَعْنى. ﴿إِنَّك أَنْت السَّمِيع الْعَلِيم﴾
стр. 244
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا واجعلنا مُسلمين لَك﴾ يَقُول: مستسلمين، خاضعين، منقادين.
стр. 245
﴿فيهم رَسُولا مِنْهُم يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك وَيُعلمهُم الْكتاب وَالْحكمَة ويزكيهم إِنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم (١٢٩) وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم إِلَّا من سفه نَفسه وَلَقَد﴾
﴿وَمن ذريتنا أمة﴾ وَالْأمة: أَتبَاع الْأَنْبِيَاء ﴿مسلمة لَك﴾ خاضعة لَك ﴿وأرنا﴾ قَرَأَ أَبُو عَمْرو " مختلسا "، وَقَرَأَ غَيره بِكَسْر الرَّاء ﴿مناسكنا﴾ أَي: متعبداتنا.
والنسك: الْعِبَادَة، وَمِنْه يُقَال للعابد: ناسك، مَعْنَاهُ: مَوَاضِع حجنا ﴿وَتب علينا إِنَّك أَنْت التواب الرَّحِيم﴾ .
стр. 246
قَوْله تَعَالَى: ﴿رَبنَا وَابعث فيهم رَسُولا مِنْهُم﴾ يَعْنِي مُحَمَّدًا، وَفِي الْخَبَر، أَن النَّبِي قَالَ: " أَنا دَعْوَة أبي إِبْرَاهِيم وبشرى عِيسَى " وَأَرَادَ بدعوة إِبْرَاهِيم هَذَا؛ فَإِنَّهُ دَعَا أَن يبْعَث فِي بني إِسْمَاعِيل رَسُولا مِنْهُم.
قَالَ ابْن عَبَّاس: كل الْأَنْبِيَاء من بني إِسْرَائِيل إِلَّا عشرَة: نوح، وَهود، وَصَالح، وَشُعَيْب، وَلُوط، وَإِبْرَاهِيم، وَإِسْمَاعِيل، وَإِسْحَاق، وَيَعْقُوب، وَمُحَمّد صلوَات الله عَلَيْهِم أَجْمَعِينَ.
وَفِي الْقَصَص: أَن لكل نَبِي مِمَّن مضى [اسْما وَاحِدًا] فِي الْقُرْآن إِلَّا نبين يَعْقُوب وَعِيسَى. أما يَعْقُوب لَهُ اسمان: يَعْقُوب، وَإِسْرَائِيل، وَأما عِيسَى لَهُ اسمان:
стр. 247
﴿اصطفيناه فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين (١٣٠) إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين (١٣١) ووصى بهَا إِبْرَاهِيم بنيه وَيَعْقُوب يَا بني إِن الله﴾ عِيسَى، والمسيح.
﴿يَتْلُو عَلَيْهِم آياتك﴾ يَعْنِي من الْقُرْآن ﴿وَيُعلمهُم الْكتاب﴾ الْقُرْآن ﴿وَالْحكمَة﴾ فِيهَا أَقْوَال:
قيل: الْحِكْمَة فهم الْقُرْآن، وَقَالَ أَبُو بكر بن دُرَيْد صَاحب الجمهرة: الْحِكْمَة كل كلمة زجرتك ووعظتك ونهتك عَن قَبِيح، ودعتك إِلَى حسن، وَقيل: الْحِكْمَة الْفِقْه. وَهَذَا قَول حسن.
﴿ويزكيهم﴾ أَي: يطهرهم، ويجعلهم أزكياء طهرة. وَفِيه قَول آخر: أَنه بِمَعْنى التَّزْكِيَة. يشْهد الرُّسُل بِالنُّبُوَّةِ من سَائِر الْأُمَم وَذَلِكَ أَن مؤمني سَائِر الْأُمَم شهدُوا للرسل بِالنُّبُوَّةِ وتبليغ الرسَالَة فَهَذِهِ الْأمة تزكّى أُولَئِكَ الشُّهُود.
﴿إِنَّك أَنْت الْعَزِيز﴾ قيل: هُوَ الْمُمْتَنع، وَالله مُمْتَنع لَا تناله الْأَيْدِي، وَلَا يصل إِلَيْهِ شَيْء. وَقيل: هُوَ الْقوي الْغَالِب. وَمِنْه قَوْله تَعَالَى: ﴿وعزني فِي الْخطاب﴾ أَي: غلبني.
وَيُقَال فِي الْمثل: " من عز بز " أَي: من غلب سلب ﴿الْحَكِيم﴾ مَعْلُوم.
стр. 248
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمن يرغب عَن مِلَّة إِبْرَاهِيم﴾ أَي: طَريقَة إِبْرَاهِيم ﴿إِلَّا من سفه نَفسه﴾ حكى أَبُو عبيد عَن أبي عُبَيْدَة: مَعْنَاهُ: أهلك نَفسه.
وَقَالَ الزّجاج: مَعْنَاهُ جهل نَفسه، وكل سَفِيه جَاهِل، وَذَلِكَ أَن من جهل نَفسه لم يعرف الله.
وَفِي الْأَخْبَار: أَن الله تَعَالَى أوحى إِلَى دَاوُد: اعرف نَفسك واعرفني. فَقَالَ
стр. 249
﴿اصْطفى لكم الدّين فَلَا تموتن إِلَّا وَأَنْتُم مُسلمُونَ (١٣٢) أم كُنْتُم شُهَدَاء إِذْ حضر يَعْقُوب الْمَوْت إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبدُونَ من بعدِي قَالُوا نعْبد إلهك وإله آبَائِك﴾
يَا رب كَيفَ أعرف نَفسِي، وَكَيف أعرفك؟ فَأوحى الله إِلَيْهِ: اعرف نَفسك بالضعف وَالْعجز والفناء، واعرفني بِالْقُوَّةِ وَالْقُدْرَة والبقاء.
وَقيل: مَعْنَاهُ سفه نَفسه وَجعله سَفِيها، وَفِيه قَول رَابِع: مَعْنَاهُ سفه فِي نَفسه، فَحذف كلمة " فِي " فَصَارَ: سفه نَفسه.
﴿وَلَقَد اصطفيناه﴾ اخترناه ﴿فِي الدُّنْيَا وَإنَّهُ فِي الْآخِرَة لمن الصَّالِحين﴾ من الْأَنْبِيَاء.
стр. 250
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِذْ قَالَ لَهُ ربه أسلم﴾ يَعْنِي أَي: استسلم وأخلص عبادتك لله.
﴿قَالَ أسلمت لرب الْعَالمين﴾ أخلصت وفوضت إِلَيْهِ.
قَالَ ابْن عَبَّاس: وَقد حقق التَّفْوِيض إِلَيْهِ، وَلم يستعن بِأحد من الْمَلَائِكَة حِين ألْقى فِي النَّار.
следующие страницы →