← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 2906–2945 · переход к 2911.

стр. 2906

( ﴿٥٥) قَالَ وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون (٥٦) قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ (٥٧) قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين (٥٨) إِلَّا آل لوط إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ (٥٩) إِلَّا امْرَأَته قَدرنَا إِنَّهَا لمن الغابرين (٦٠) فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ (٦١) قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون (٦٢) قَالُوا بل جئْنَاك بِمَا كَانُوا فِيهِ يمترون (٦٣) وأتيناك بِالْحَقِّ وَإِنَّا﴾

стр. 2907

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ وَمن يقنط من رَحْمَة ربه إِلَّا الضالون﴾ يَعْنِي: إِلَّا الْكَافِرُونَ، والقنوط من رَحْمَة الله كَبِيرَة من الْكَبَائِر كالأمن من مكر الله.

стр. 2908

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فَمَا خطبكم أَيهَا المُرْسَلُونَ﴾ قد ذكرنَا مَعْنَاهُ فِي سُورَة هود.

стр. 2909

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا إِنَّا أرسلنَا إِلَى قوم مجرمين﴾ أَرَادَ بِهِ قوم لوط.

стр. 2910

وَقَوله: ﴿إِلَّا آل لوط﴾ المُرَاد مِنْهُ لوط وَبنَاته وَمن آمن بِهِ، وَقد ذكرنَا. وَقَوله: ﴿إِنَّا لمنجوهم أَجْمَعِينَ﴾ هَذَا اسْتثِْنَاء من الِاسْتِثْنَاء، فالاستثناء الأول من المهلكين، وَالثَّانِي من المنجين، فَبَقيَ الْمُسْتَثْنى بِالِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي فِي المهلكين وَهُوَ امْرَأَته، وَهَذَا مثل مَا يَقُول الرجل لَك: على عشرَة إِلَّا أَرْبَعَة إِلَّا ثَلَاثَة، فالمستثنى بِالِاسْتِثْنَاءِ الثَّانِي (بَقِي) فِي الْمقر بِهِ بِالْإِقْرَارِ الأول، فَيصير كَأَنَّهُ اسْتثْنى درهما، وَيجب تِسْعَة دَرَاهِم. وَقَوله: ﴿قَدرنَا﴾ أَي: حكمنَا. وَقَوله: ﴿إِنَّهَا لمن الغابرين﴾ أَي: من البَاقِينَ فِي الْعَذَاب، قَالَ الشَّاعِر: (لَا تكسع الشول بأغبارها ... إِنَّك لَا تَدْرِي من الناتج) أَي: ببقاياها، وَفِي الْأَحَادِيث: " يذهب أهل الْعلم وَتبقى غبرات فِي أوعية سوء " أَي: بقايا.

стр. 2911

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ آل لوط المُرْسَلُونَ﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 2912

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِنَّكُم قوم منكرون﴾ لِأَنَّهُ لم يعرفهُمْ.

стр. 2913

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا بل جئْنَاك بِمَا كَانُوا فِيهِ يمترون﴾ أَي: يَشكونَ، وَفِي الْقِصَّة: أَن لوطا كَانَ يتوعدهم بِالْعَذَابِ، فَلَا يصدقونه فَهُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿بِمَا كَانُوا فِيهِ يمترون﴾ .

стр. 2914

﴿لصادقون (٦٤) فَأسر بأهلك بِقطع من اللَّيْل وَاتبع أدبارهم وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد وامضوا حَيْثُ تؤمرون (٦٥) وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر أَن دابر هَؤُلَاءِ مَقْطُوع مصبحين (٦٦) وَجَاء أهل الْمَدِينَة يستبشرون (٦٧) قَالَ إِن هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تفضحون (٦٨) وَاتَّقوا الله وَلَا تخزون (٦٩) قَالُوا أولم ننهك عَن الْعَالمين (٧٠) قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن﴾

стр. 2915

وَقَوله: ﴿وآتيناك بِالْحَقِّ وَإِنَّا لصادقون﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 2916

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأسر بأهلك﴾ سرى وَأسرى بِمَعْنى وَاحِد. وَقَوله: ﴿بِقطع من اللَّيْل﴾ أَي: بِقِطْعَة من اللَّيْل. وَقَوله: ﴿وَاتبع أدبارهم﴾ هَذَا دَلِيل على أَن الله تَعَالَى أمره أَن يقدم أَهله، ثمَّ يمْضِي فِي إثرهم. وَقَوله: ﴿وَلَا يلْتَفت مِنْكُم أحد﴾ أَمرهم بترك الإلتفات حَتَّى لَا يرتاعوا من الْعَذَاب إِذا نزل بقومهم، وَقيل: إِن الله تَعَالَى جعل ذَلِك عَلامَة لمن ينجو من آل لوط، فَإِن الْمَرْأَة التفتت لما سَمِعت الهدة فَهَلَكت. وَقَوله: ﴿وامضوا حَيْثُ تؤمرون﴾ يُقَال: أمروا أَن يمضوا إِلَى " زغر "، وَهِي بَلْدَة بِالشَّام، وَقيل: إِلَى أَرض الْأُرْدُن وفلسطين.

стр. 2917

قَوْله تَعَالَى: ﴿وقضينا إِلَيْهِ ذَلِك الْأَمر﴾ قد ذكرنَا أَن الْقَضَاء بِمَعْنى الْفَرَاغ وَمَعْنَاهُ: أَنا حكمنَا وأبرمنا الْأَمر الَّذِي أمرناه فِي قوم لوط. وَقَوله: ﴿أَن دابر هَؤُلَاءِ﴾ أَي: أصل هَؤُلَاءِ، وَقيل: آخر هَؤُلَاءِ ﴿مَقْطُوع مصبحين﴾ يَعْنِي: حِين يدْخلُونَ فِي الصُّبْح.

стр. 2918

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَجَاء أهل الْمَدِينَة يستبشرون﴾ يَعْنِي: يبشر بَعضهم بَعْضًا لما يرجون من ارْتِكَاب الْفَاحِشَة.

стр. 2919

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تفضحون﴾ الفضيحة: فعل يفعل بِالْمَرْءِ يلْزمه بِهِ الْعَار (والأنفة)

стр. 2920

﴿فَاتَّقُوا الله وَلَا تخزون﴾ فالخزي بِمَعْنى الفضيحة.

стр. 2921

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا أولم ننهك عَن الْعَالمين﴾ مَعْنَاهُ: أولم ننهك أَن تضيف

стр. 2922

﴿كُنْتُم فاعلين (٧١) لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون (٧٢) فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مشرقين (٧٣) فَجعلنَا عاليها سافلها وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل (٧٤) إِن فِي ذَلِك لآيَات﴾ أحدا، وَقيل: أولم ننهك عَن الْعَالمين، يَعْنِي: إِدْخَال الغرباء فِي الْمَدِينَة، فَإنَّك إِن أدخلتهم (نركب مِنْهُم) الْفَاحِشَة.

стр. 2923

﴿قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِن كُنْتُم فاعلين﴾ قد بَينا.

стр. 2924

وَقَوله: ﴿لعمرك إِنَّهُم لفي سكرتهم يعمهون﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: وعيشك، وَقيل: وحياتك. وَعَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: مَا خلق الله خلقا أكْرم عَلَيْهِ من مُحَمَّد، فَإِن الله تَعَالَى لم يقسم بحياة أحد إِلَّا بحياة مُحَمَّد. وَقَوله: ﴿لفي سكرتهم يعمهون﴾ أَي: فِي ضلالتهم يَتَرَدَّدُونَ.

стр. 2925

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مشرقين﴾ يُقَال: أشرقت الشَّمْس إِذا طلعت، فَإِن قيل: قد قَالَ قبل هَذَا: ﴿مصبحين﴾ ، وَقَالَ هَاهُنَا: ﴿مشرقين﴾ فَكيف وَجه الْجمع؟ الْجَواب من وَجْهَيْن: أَحدهمَا: أَن ابْتِدَاء الْعَذَاب كَانَ من الصُّبْح، وَتَمَامه عِنْد الْإِشْرَاق. وَالْجَوَاب الثَّانِي: أَن الْإِشْرَاق هَاهُنَا بِمَعْنى الإصباح، وَهُوَ جَائِز فِي كَلَام الْعَرَب.

стр. 2926

وَقَوله: ﴿فَجعلنَا عاليها سافلها﴾ قد بَينا. وَقَوله: ﴿وأمطرنا عَلَيْهِم حِجَارَة من سجيل﴾ قد بَينا.

стр. 2927

وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَات للمتوسمين﴾ أَي: للناظرين المعتبرين. وَقيل للمتفرسين، وهم الَّذين يعلمُونَ النَّاس [بِسِيمَاهُمْ] على مَا يُرِيهم الله مِنْهَا.

стр. 2928

﴿للمتوسمين (٧٥) وَإِنَّهَا لبسبيل مُقيم (٧٦) إِن فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين (٧٧) وَإِن كَانَ﴾ وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي: " اتَّقوا فراسة الْمُؤمن فَإِنَّهُ ينظر بِنور الله " رَوَاهُ عَطِيَّة عَن أبي سعيد الْخُدْرِيّ عَن النَّبِي، ذكره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه. وروى ثَابت عَن أنس عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أمتِي قوم يعلمُونَ النَّاس بالتوسم "

стр. 2929

وَقَوله: ﴿وَإِنَّهَا لبسبيل مُقيم﴾ أَي: بطرِيق وَاضح لَا يخفى وَلَا يندرس، وَسَماهُ مُقيما لثُبُوت الْآيَات فِيهِ، وَقد كَانُوا يَمرونَ عَلَيْهَا عِنْد مضيهم إِلَى الشَّام ورجوعهم.

стр. 2930

وَقَوله: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة للْمُؤْمِنين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 2931

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن كَانَ أَصْحَاب الأيكة لظالمين﴾ قَالَ أهل الْمعَانِي: " إِن " للتَّأْكِيد، وَكَذَا اللَّام فِي قَوْله ﴿لظالمين﴾ وَمعنى الْآيَة: وَقد كَانَ أَصْحَاب الأيكة ظالمين. والأيكة هِيَ الغيضة، وَقيل: هِيَ الشّجر الملتف، وَقَالَ قَتَادَة: كَانَ شجرهم دَوْمًا، وَقَالَ بَعضهم: كَانَت أَشْجَارهم مثمرة يَأْكُلُون مِنْهَا رطبا بالصيف ويابسا بالشتاء، وَقد قَالَ فِي مَوضِع آخر: ﴿ليكة﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الأيكة وليكة بِمَعْنى وَاحِد. وَالْآخر: أَن الأيكة اسْم الْبِلَاد، وليكة اسْم الْقرْيَة، قَالَ أهل التَّفْسِير: وَكَانَ رسولهم شُعَيْب النَّبِي، وَبعث إِلَى أهل مَدين وَإِلَى أهل الأيكة، فَأَما أهل مَدين

стр. 2932

﴿أَصْحَاب الأيكة لظالمين (٧٨) فانتقمنا مِنْهُم وإنهما لبإمام مُبين (٧٩) وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر الْمُرْسلين (٨٠) وآتيناهم آيَاتنَا فَكَانُوا عَنْهَا معرضين (٨١) وَكَانُوا ينحتون من الْجبَال بُيُوتًا آمِنين (٨٢) فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مصبحين (٨٣) فَمَا أغْنى عَنْهُم﴾ أهلكوا بالصيحة، وَأما أهل الأيكة فأهلكوا بِعَذَاب [الظلة] . وَفِي الْقِصَّة: أَنه أَصَابَهُم حر شَدِيد فِي مَنَازِلهمْ، وَمنع الله تَعَالَى الرّيح عَنْهُم، وشدد الْحر عَلَيْهِم، وَكَانُوا كَذَلِك أَيَّامًا، ثمَّ اضطرم عَلَيْهِم الْوَادي نَارا فهلكوا أَجْمَعِينَ. وَيُقَال: إِنَّهُم هَلَكُوا غما؛ وَهَذَا معنى قَوْله: ﴿فانتقمنا مِنْهُم﴾ . وَقَوله: ﴿وإنهما لبإمام مُبين﴾ أَي: بطرِيق وَاضح، وسمى الطَّرِيق إِمَامًا؛ لِأَنَّهُ يؤتم بِهِ وَتبع، وَالْكِنَايَة فِي قَوْله: ﴿وإنهما﴾ تَنْصَرِف إِلَى قَرْيَة قوم لوط وقرية أَصْحَاب الأيكة، وَهَذِه الْبِلَاد بَين الْحجاز وَالشَّام، وَقد كَانَت قُرَيْش يَمرونَ عَلَيْهَا فِي أسفارهم.

стр. 2933

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد كذب أَصْحَاب الْحجر الْمُرْسلين﴾ " الْحجر ": ديار ثَمُود. وَقَوله: ﴿الْمُرْسلين﴾ المُرَاد بِهِ صَالح - عَلَيْهِ السَّلَام

стр. 2934

- وَقَوله: ﴿وآتيناهم آيَاتنَا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: الْآيَات فِي النَّاقة: خُرُوجهَا من الصَّخْرَة، وكبرها وَقرب وِلَادَتهَا وغزارة لَبنهَا، فقد كَانُوا يحلبونها مَا يكفيهم يَوْمًا. وَقَوله: ﴿فَكَانُوا عَنْهَا معرضين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 2935

قَوْله: ﴿وَكَانُوا ينحتون من الْجبَال بُيُوتًا آمِنين﴾ أَي: آمِنين من الْوُقُوع عَلَيْهِم، وَقيل: (عَلَيْهِم) آمِنين من الخراب، وَقيل: آمِنين من الْعَذَاب.

стр. 2936

وَقَوله: ﴿فَأَخَذتهم الصَّيْحَة مصبحين﴾ أَي: حِين دخلُوا فِي الصُّبْح.

стр. 2937

وَقَوله: ﴿فَمَا أغْنى عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ أَي: مَا دفع عَنْهُم مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ.

стр. 2938

﴿مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (٨٤) وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ وَإِن السَّاعَة لآتية فاصفح الصفح الْجَمِيل (٨٥) إِن رَبك هُوَ الخلاق الْعَلِيم (٨٦) وَلَقَد آتيناك سبعا﴾

стр. 2939

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ﴾ أَي: لإِظْهَار الْحق، وَوجه اتِّصَال هَذَا بِمَا قبله فِي الْمَعْنى أَنهم لما كذبُوا بِالْحَقِّ أهلكناهم؛ لأَنا مَا خلقنَا السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِلَّا بِالْحَقِّ، وَقيل: معنى الْحق هُوَ جَزَاء المحسن بإحسانه، وَجَزَاء المسيىء بإساءته. قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِن السَّاعَة لآتية﴾ أَي: فَيظْهر الْجَزَاء بِالْإِحْسَانِ والإساءة. وَقَوله: ﴿فاصفح الصفح الْجَمِيل﴾ أَي: أعرض عَنْهُم من غير جزع وَلَا شكوى. قَالَ ابْن عَبَّاس: هَذَا قبل نزُول آيَة السَّيْف، ثمَّ نسخ بِآيَة السَّيْف.

стр. 2940

وَقَوله: ﴿إِن رَبك هُوَ الخلاق الْعَلِيم﴾ يَعْنِي: الْخَالِق الْعَلِيم بخلقه.

стр. 2941

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ اخْتلف القَوْل فِي هَذَا، فَروِيَ عَن عمر وَعلي وَعبد الله بن مَسْعُود - فِي إِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ - وَمُجاهد وَقَتَادَة أَنهم قَالُوا: هِيَ فَاتِحَة الْكتاب، وَقد ثَبت هَذَا عَن النَّبِي بِرِوَايَة آدم بن أبي إِيَاس عَن ابْن أبي ذِئْب عَن سعيد المَقْبُري عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " الْحَمد لله: أم الْكتاب، والسبع المثاني، وَالْقُرْآن الْعَظِيم ". قَالَ الشَّيْخ الإِمَام الْأَجَل شيخ الْإِسْلَام أَبُو المظفر: أخبرناه الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني قَالَ: أَنا جدي أَبُو الْهَيْثَم مُحَمَّد بن الْمَكِّيّ، قَالَ: أَنا الْفربرِي، قَالَ: أَنا مُحَمَّد بن إِسْمَاعِيل البُخَارِيّ عَن آدم بن أبي إِيَاس ... " الْخَبَر. وَقد اخْتلفُوا فِي بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم، فَقَالَ عَليّ وَابْن عَبَّاس: إِنَّهَا الْآيَة السَّابِعَة، وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَة وَمُجاهد وَقَتَادَة: إِنَّهَا لَيست بِآيَة مِنْهَا، وَالْآيَة السَّابِعَة قَوْله: ﴿صِرَاط الَّذين أَنْعَمت عَلَيْهِم﴾ . وروى أبي بن كَعْب أَن النَّبِي قَالَ: " أنزلت عَليّ سُورَة مَا أنزلت فِي التَّوْرَاة

стр. 2942

وَالْإِنْجِيل مثلهَا، وَهِي أم الْقُرْآن، والسبع المثاني، وَالْقُرْآن الْعَظِيم الَّذِي أَعْطيته " ذكره أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيّ فِي جَامعه. وَالْقَوْل الثَّانِي فِي الْآيَة: أَن السَّبع المثاني هِيَ السَّبع (الطول) وَوَاحِدَة الطول طولى، وَهِي الْبَقَرَة وَآل عمرَان وَالنِّسَاء والمائدة والأنعام والأعراف وَيُونُس وَهَذَا هُوَ الْمَنْقُول، وَهُوَ قَول عبد الله بن عَبَّاس - فِي رِوَايَة سعيد بن جُبَير - وَهُوَ قَول الْحسن الْبَصْرِيّ وَجَمَاعَة من التَّابِعين. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن السَّبع المثاني: الْأَمر، وَالنَّهْي، والبشارة، والنذارة، وَضرب الْأَمْثَال، وتعداد النعم، وأنباء الْقُرُون السالفة. وَأما معنى المثاني: فَإِذا حملنَا الْآيَة على الْفَاتِحَة، فَمَعْنَاه: أَنَّهَا تثنى فِي كل رَكْعَة، وَقيل: لِأَن فِيهَا الثَّنَاء على الله تَعَالَى، فَهُنَا تكون " من " للتجنيس لَا للتَّبْعِيض، فَهَذَا مثل قَوْله تَعَالَى: ﴿فَاجْتَنبُوا الرجس من الْأَوْثَان﴾ وَذكر بَعضهم أَن معنى الْآيَة: وَلَقَد آتيناك سبعا من الْقُرْآن الَّذِي هُوَ مثاني، وَسمي الْقُرْآن مثاني؛ لِأَنَّهُ تثنى [فِيهِ] الْأَحْكَام والقصص والأمثال والعبر؛ فَتكون على هَذَا " من " للتَّبْعِيض، وَأما على القَوْل الَّذِي قُلْنَا أَن سبع المثاني هِيَ السَّبع (الطول) فَإِنَّمَا سَمَّاهَا مثاني؛ لِأَنَّهُ يثني فِيهَا الْأَخْبَار والأمثال والعبر والقصص. وَأما قَوْله: ﴿وَالْقُرْآن الْعَظِيم﴾ المُرَاد مِنْهُ سَائِر الْقُرْآن سوى الْفَاتِحَة، وَفِي هَذَا شرف عَظِيم للفاتحة؛ لِأَنَّهُ خصها بِالذكر والإمتنان عَلَيْهِ بهَا، ثمَّ ذكر سَائِر الْقُرْآن، وعَلى القَوْل الثَّانِي: الْقُرْآن الْعَظِيم هُوَ السَّبع (الطول) وَغَيرهَا، وَخص السَّبع

стр. 2943

﴿من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم (٨٧) لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم وَلَا﴾ (الطول) بِالذكر تَشْرِيفًا لَهَا، قَالَ الشَّاعِر: (نشدتكم بمنزل الْفرْقَان ... أم الْكتاب السَّبع من المثاني) ((ثِنْتَيْنِ) من آي من الْقُرْآن ... )

стр. 2944

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَّا مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ وَجه اتِّصَال هَذَا بِمَا قبله أَنه لما من عَلَيْهِ بِالْقُرْآنِ، نَهَاهُ عَن الرَّغْبَة فِي الدُّنْيَا وَالنَّظَر إِلَى زينتها، ومزاحمة أَهلهَا عَلَيْهَا، وروى أَبُو عبيد أَن سُفْيَان بن عُيَيْنَة قَالَ فِي معنى قَوْله: " لَيْسَ منا من لم يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ " أَي: لم يسْتَغْن بِالْقُرْآنِ، ثمَّ تَأَول هَذِه الْآيَة ﴿وَلَقَد آتيناك سبعا من المثاني وَالْقُرْآن الْعَظِيم، لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ على هَذَا. وَفِي الْخَبَر عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " من أُوتِيَ الْقُرْآن فَظن أَن أحدا أعْطى أفضل مِمَّا أعْطى فقد صغر عَظِيما وَعظم صَغِيرا ". وَقَوله: ﴿أَزْوَاجًا مِنْهُم﴾ مَعْنَاهُ: أصنافا مِنْهُم، وهم الْيَهُود وَالنَّصَارَى وَسَائِر الْمُشْركين، وَقيل: إِنَّهُم الْأَغْنِيَاء. وَقَوله: ﴿وَلَا تحزن عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: لَا تغتم على مَا فاتك من مشاركتهم فِي الدُّنْيَا،

стр. 2945

﴿تحزن عَلَيْهِم واخفض جناحك للْمُؤْمِنين (٨٨) وَقل إِنِّي أَنا النذير الْمُبين (٨٩) كَمَا﴾ وَفِي بعض التفاسير عَن أبي رَافع: " أَن رَسُول الله أَتَاهُ ضيف فَلم يَك عِنْده مَا يقدمهُ إِلَيْهِ؛ فَبعث إِلَى يَهُودِيّ يستقرض مِنْهُ طَعَاما إِلَى هِلَال رَجَب، فَقَالَ الْيَهُودِيّ: وَالله لَا أعطينه إِلَّا برهن، فَقَالَ رَسُول الله: أَنا أَمِين الله فِي السَّمَاء وَالْأَرْض، وَلَو بَاعَنِي أَو أَسْلفنِي لقضيته ثمَّ بِعْت بدرعه فرهنها مِنْهُ؛ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿لَا تَمُدَّن عَيْنَيْك إِلَى مَا متعنَا بِهِ﴾ . وَقَوله: ﴿واخفض جناحك للْمُؤْمِنين﴾ أَي: ألن جَانِبك للْمُؤْمِنين.
следующие страницы →