Полный текст (8 565 стр.). Показаны 3396–3435 · переход к 3401.
стр. 3396
قَوْله تَعَالَى: ﴿ثمَّ ننجي الَّذين اتَّقوا﴾ اسْتدلَّ بِهَذَا من قَالَ: إِن الْوُرُود هُوَ الدُّخُول؛ لِأَن التنجية إِنَّمَا تكون بعد الدُّخُول. وَقَالَ أَيْضا: ﴿وَنذر الظَّالِمين فِيهَا جثيا﴾ وَهَذَا دَلِيل على أَن الْكل قد دخلوها، وَأما من قَالَ: إِن الْوُرُود هُوَ الْحُضُور قَالَ: يجوز أَن تذكر التنجية لأجل الإشراف على الْهَلَاك.
стр. 3397
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذا تتلى عَلَيْهِم آيَاتنَا بَيِّنَات﴾ مَعْنَاهُ: واضحات.
وَقَوله: ﴿قَالَ الَّذين كفرُوا للَّذين آمنُوا أَي الْفَرِيقَيْنِ خير مقَاما﴾ أَي: مَكَانا. وَقَوله: ﴿وَأحسن نديا﴾ قَالَ ثَعْلَب: مَجْلِسا، قَالَ الْكسَائي: الندي والنادي بِمَعْنى وَاحِد، وَمِنْه دَار الندوة؛ لأَنهم كَانُوا يَجْتَمعُونَ فِيهَا.
وَسبب نزُول الْآيَة: أَن الْمُشْركين كَانُوا يَقُولُونَ لفقراء الْمُؤمنِينَ: نَحن أعز مَجْلِسا، وَأحسن مَكَانا، وَأكْثر مَالا؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَالْمقَام: مَوضِع الْإِقَامَة، وَالْمقَام: فعل الْإِقَامَة. قَالَ الشَّاعِر:
(ومقام حسن فرقته ... بحسامي ولساني وجدل)
(لَو يكون الْفِيل أَو فياله ... زل عَن مثل مقَامي ورحل)
стр. 3398
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورئيا﴾ وقرىء: " وريا " بِغَيْر همز، وَفِي الشاذ: " وزيا " بالزاء، حُكيَ هَذَا عَن سعيد بن جُبَير. أما قَوْله
стр. 3399
﴿فِي الضَّلَالَة فليمدد لَهُ الرَّحْمَن مدا حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون إِمَّا الْعَذَاب وَإِمَّا السَّاعَة فسيعلمون من هُوَ شَرّ مَكَانا وأضعف جندا (٧٥) وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى والباقيات الصَّالِحَات خير عِنْد رَبك ثَوابًا وَخير مردا (٧٦) أفرءيت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا﴾ ﴿ورئيا﴾ بِالْهَمْز هُوَ المنظرة، وَأما بِغَيْر الْهَمْز هُوَ من النِّعْمَة. وَأما الزي هُوَ الهيأة. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: [وَأحسن رئيا] هُوَ حسن الصُّورَة. وَقيل: الرّيّ من الارتواء، والمتنعم يظْهر فِيهِ ارتواء النِّعْمَة، وَالْفَقِير يظْهر عَلَيْهِ ذبول الْبُؤْس والفقر.
стр. 3400
قَوْله تَعَالَى: ﴿قل من كَانَ فِي الضَّلَالَة فليمدد لَهُ الرَّحْمَن مدا﴾ هَذَا أَمر بِمَعْنى الْخَبَر، وَمَعْنَاهُ: أَن الله تَعَالَى يتركهم فِي الْكفْر، ويمهلهم فِيهِ.
وَقَوله: ﴿حَتَّى إِذا رَأَوْا مَا يوعدون إِمَّا الْعَذَاب وَإِمَّا السَّاعَة﴾ الْعَذَاب: هُوَ الْقَتْل والأسر فِي الدُّنْيَا، والساعة: الْقِيَامَة. وَمَعْنَاهُ: لَو نصر عَلَيْهِم الْمُؤْمِنُونَ فِي الدُّنْيَا فَقتلُوا وأسروا، أَو جَاءَتْهُم السَّاعَة، فأدخلوا النَّار ﴿فسيعلمون﴾ عِنْد ذَلِك ﴿من هُوَ شَرّ مَكَانا﴾ أَي: منزلا ﴿وأضعف جندا﴾ أَي: ناصرا.
وَقَوله: ﴿وأضعف جندا﴾ يرجع إِلَى الدُّنْيَا، وَقَوله: ﴿شَرّ مَكَانا﴾ يرجع إِلَى الْآخِرَة.
стр. 3401
﴿وَيزِيد الله الَّذين اهتدوا هدى﴾ يَعْنِي: يَقِينا على يقينهم، ورشدا على رشدهم.
وَقَوله: ﴿والباقيات الصَّالِحَات﴾ قيل: إِنَّهَا الصَّلَوَات الْخمس، وَقيل: هِيَ الْأَذْكَار الَّتِي قلناها، وَقد بَينا.
وَقَوله: ﴿خير عِنْد رَبك ثَوابًا﴾ أَي: جَزَاء ﴿وَخير مردا﴾ أَي: مرجعا. وَنقل الْكَلْبِيّ عَن ابْن عَبَّاس [أَن] زِيَادَة الْهدى هوالإيمان بالناسخ والمنسوخ.
стр. 3402
قَوْله تَعَالَى: ﴿أَفَرَأَيْت الَّذِي كفر بِآيَاتِنَا وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَولدا﴾ سَبَب نزُول الْآيَة مَا روى مَسْرُوق عَن خباب [بن] الْأَرَت قَالَ: " كنت قينا وحدادا بِمَكَّة، فَعمِلت للعاص بن وَائِل السَّهْمِي، فاجتمعت لي عَلَيْهِ دَرَاهِم، فَجِئْته أَتَقَاضَاهُ، فَقَالَ: لَا
стр. 3403
﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالا وَولدا (٧٧) أطلع الْغَيْب أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا (٧٨) كلا﴾ أقضيك حَتَّى تكفر بِمُحَمد، فَقلت: لَا أكفر حَتَّى تَمُوت ثمَّ تبْعَث. فَقَالَ الْعَاصِ: أَو مَبْعُوث أَنا؟ ! فَقلت: نعم. قَالَ: فَإِذا بعثت فَيكون لي هُنَاكَ مَال وَولد، فَأَقْضِيك حَقك؟ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة.
قَالَ الشَّيْخ الإِمَام ﵁: أخبرنَا بِهَذَا الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق، قَالَ: أخبرنَا جدي أَبُو اللَّيْث، قَالَ الْفربرِي، قَالَ: ثَنَا البُخَارِيّ، قَالَ: ثَنَا الْحميدِي، عَن سُفْيَان، عَن الْأَعْمَش، عَن أبي الضُّحَى، عَن مَسْرُوق ... الحَدِيث.
стр. 3404
وَقَوله: ﴿أطلع الْغَيْب﴾ أَي: اللَّوْح الْمَحْفُوظ، وَقيل: علم الْغَيْب، فَعلم أَن لَهُ مَالا وَولدا بِعلم الْغَيْب؟ .
وَقَوله: ﴿أم اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ قَالَ سُفْيَان: عملا صَالحا، وَقَالَ غَيره: لَا إِلَه إِلَّا الله.
وروى الْأسود بن يزِيد، عَن عبد الله بن مَسْعُود، أَنه قَالَ: إِذا كَانَ يَوْم الْقِيَامَة يَقُول الله تَعَالَى: " من كَانَ لَهُ عِنْدِي عهد (فَليقمْ) . فَقيل: يَا أَبَا عبد الرَّحْمَن، وَمَا ذَلِك الْعَهْد؟ فَعلمنَا، فَقَالَ: قَالَ: " أَيعْجزُ أحدكُم أَن يتَّخذ كل صباح وَمَسَاء عهدا؟ قَالُوا: وَكَيف؟ قَالَ: يَقُول: اللَّهُمَّ فاطر السَّمَوَات وَالْأَرْض عَالم الْغَيْب وَالشَّهَادَة، إِنِّي أَتَّخِذ عنْدك عهدا فِي الْحَيَاة الدُّنْيَا، وَإنَّك إِن تَكِلنِي إِلَى نَفسِي تقربني من الشَّرّ، وَتُبَاعِدنِي من الْخَيْر، وَإِنِّي لَا أَثِق إِلَّا بِرَحْمَتك، فاحفظ عهدي تُؤَدِّيه إِلَيّ يَوْم الْقِيَامَة، إِنَّك لَا تخلف الميعاد ".
стр. 3405
﴿سنكتب مَا يَقُول ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا (٧٩) ونرثه مَا يَقُول ويأتينا فَردا (٨٠) وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة ليكونوا لَهُم عزا (٨١) كلا سيكفرون بعبادتهم وَيَكُونُونَ﴾
стр. 3406
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا سنكتب مَا يَقُول﴾ قَوْله: ﴿كلا﴾ يَعْنِي: لَيْسَ الْأَمر على مَا زعم الْعَاصِ بن وَائِل، ثمَّ قَالَ: ﴿سنكتب مَا يَقُول﴾ أَي: يَأْمر الْمَلَائِكَة حَتَّى يكتبوا.
وَقَوله: ﴿ونمد لَهُ من الْعَذَاب مدا﴾ أَي: نطيل مُدَّة عَذَابه.
стр. 3407
وَقَوله: ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود: " ونرثه مَا عِنْده " فَإِن قيل: القَوْل كَيفَ يُورث وَالْمَعْرُوف ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ ؟ ! وَالْجَوَاب عَنهُ قَالَ ثَعْلَب: مَعْنَاهُ: ونرثه مَا زعم أَن لَهُ مَالا وَولدا، أَي: لَا يُعْطِيهِ، وَيُعْطِي غَيره، فَيكون الْإِرْث رَاجعا إِلَى مَا تَحت القَوْل، لَا إِلَى نفس القَوْل.
وَيجوز أَن يكون معنى قَوْله: ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ أَي: ونرثه مَا عِنْده، على مَا قَرَأَ ابْن مَسْعُود.
وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ أَن معنى قَوْله: ﴿ونرثه مَا يَقُول﴾ أَي: نَحْفَظ مَا يَقُول حَتَّى يجاز بِهِ.
وَقَوله: ﴿ويأتينا فَردا﴾ أَي: فَردا لَا أنصار لَهُ، وَلَا أعوان، وَقيل: هُوَ فِي معنى قَوْله: ﴿وَلَقَد جئتمونا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أول مرّة﴾ الْآيَة وَحَقِيقَته: أَنه يأتينا وَلَا مَال لَهُ وَلَا ولد.
стр. 3408
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَاتَّخذُوا من دون الله آلِهَة﴾ يَعْنِي: آلِهَة يعبدونها.
وَقَوله: ﴿ليكونوا لَهُم عزا﴾ أَي: مَنْعَة، وَمعنى المنعة: أَنهم يمتنعون بهَا من الْعَذَاب.
стр. 3409
قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ أَي: لَيْسَ الْأَمر كَمَا زَعَمُوا.
وَقَوله: ﴿سيكفرون بعبادتهم﴾ فِيهِ قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الْأَصْنَام وَالْمَلَائِكَة
стр. 3410
﴿عَلَيْهِم ضدا (٨٢) ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين تؤزهم أزا (٨٣) فَلَا تعجل عَلَيْهِم إِنَّمَا نعد لَهُم عدا (٨٤) يجحدون عِبَادَتهم، وَالْقَوْل الآخر: أَن الْمُشْركين يُنكرُونَ عبَادَة الْأَصْنَام وَالْمَلَائِكَة.
فَإِن قيل: مَا عرف فِي الْمُشْركين أحد كَانَ يعبد الْمَلَائِكَة؟ قُلْنَا: لَيْسَ كَذَلِك، فَإِنَّهُ كَانَ بطن من الْعَرَب يسمون: بني الْمليح، كَانُوا يعْبدُونَ الْمَلَائِكَة.
وَقَوله: ﴿وَيَكُونُونَ عَلَيْهِم ضدا﴾ أَي: بلَاء. وَقيل: أَعدَاء.
стр. 3411
قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم تَرَ أَنا أرسلنَا الشَّيَاطِين على الْكَافرين﴾ فَإِن قيل: أتقولون: إِن الشَّيَاطِين مرسلون، وَالله قَالَ: ﴿وَسَلام على الْمُرْسلين﴾ فَإِذا كَانُوا مرسلين وَجب أَن يدخلُوا فِي جُمْلَتهمْ؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنه لَيْسَ معنى الْإِرْسَال هَاهُنَا هُوَ الْإِرْسَال الَّذِي يؤجد فِي الْأَنْبِيَاء، وَلَكِن معنى الْإِرْسَال هَاهُنَا أحد الشَّيْئَيْنِ: إِمَّا التَّخْلِيَة بَينهم وَبَين الْكفَّار، وَإِمَّا التسليط على الْكفَّار.
وَقَوله: ﴿تؤزهم أزا﴾ قَالَ ابْن عَبَّاس: تزعجهم إزعاجا، كَأَنَّهُ يحركهم ويحثهم وَيَقُول: اقدموا على الْكفْر. والهز والأز: هُوَ التحريك، وَفِي الْخَبَر: " أَن النَّبِي كَانَ يُصَلِّي، وبجوفه أزيز كأزيز الْمرجل " أَي: حَرَكَة.
стр. 3412
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَا تعجل عَلَيْهِم﴾ يَعْنِي: لَا تعجل بِطَلَب عقوبتهم.
وَقَوله: ﴿إِنَّمَا نعد لَهُم عدا﴾ قَالَ الْكَلْبِيّ: هُوَ عد الْأَيَّام. وَقَالَ غَيره: عد السَّاعَات.
وَعَن الْحسن: عد الأنفاس. وَقيل لبَعض الصَّالِحين: إِنَّمَا أيامك أنفاس مَعْدُودَة، فَقَالَ: من صِحَة الْعدَد أَخَاف.
وروى الْأَصْمَعِي عَن أَبِيه أَنه قَالَ: رَأَيْت رجلا على بَاب الْبَصْرَة أَيَّام الطَّاعُون يعد
стр. 3413
﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا (٨٥) ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا (٨٦) لَا﴾ الْمَوْتَى، وقدامه كوز، كلما مر عَلَيْهِ بميت، يلقِي فِيهِ حَصى. فعد فِي الْيَوْم الأول ثَمَانِينَ ألفا، وَفِي الْيَوْم الثَّانِي مائَة وَعشْرين ألفا. قَالَ: فمررنا عَلَيْهِ بِجنَازَة، ثمَّ عدنا، فَإِذا عِنْد الْكوز غَيره. قُلْنَا لَهُ: أَيْن ذهب الرجل؟ قَالَ: وَقع فِي الْكوز.
стр. 3414
قَوْله تَعَالَى: ﴿يَوْم نحْشر الْمُتَّقِينَ إِلَى الرَّحْمَن وَفْدًا﴾ الْحَشْر: جمع الأقوام من كل (صقع) فِي مَوضِع وَاحِد.
وَقَوله: ﴿وَفْدًا﴾ مَعْنَاهُ: ركبانا، وَعَن عَليّ ﵁ أَنه قَرَأَ هَذِه الْآيَة، وَقَالَ: يُؤْتونَ بِنُوق من نُوق الْجنَّة عَلَيْهَا أرحلة من الذَّهَب، وَلها أزمة من الزبرجد، فيركبون عَلَيْهَا حَتَّى يقرعُوا بَاب الْجنَّة. وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن أبي هُرَيْرَة أَن النَّبِي قَالَ: " يحْشر الْأَنْبِيَاء على دَوَاب فِي الْجنَّة، وأحشر على الْبراق، ويحشر الْحسن وَالْحُسَيْن على العضباء والقصواء، ويحشر بِلَال على نَاقَة من نُوق الْجنَّة فَيُؤذن، فَإِذا بلغ قَوْله: أشهد أَن لَا إِلَه إِلَّا الله، وَأشْهد أَن مُحَمَّدًا رَسُول الله، شهد بهَا جَمِيع الْخلق، قبل مِمَّن قبل، ورد على من رد ".
وَقيل: ﴿وَفْدًا﴾ أَي: مكرمين. وَفِي الْآيَة قَول ثَالِث: وَهُوَ مَا رُوِيَ فِي الْأَخْبَار عَن النَّبِي: " أَن الْمُؤمن إِذا بعث يُؤْتى بِعَمَلِهِ على أحسن صُورَة، فَيَقُول: من أَنْت؟ فَيَقُول: أَنا عَمَلك الصَّالح طالما ركبتك فاركبني الْيَوْم. وَأما الْكَافِر يُؤْتى بِعَمَلِهِ على أقبح صُورَة، فَيَقُول: من أَنْت؟ فَيَقُول: أَنا عَمَلك الْخَبيث، قَالَ: طالما ركبتني، وَأَنا أركبك الْيَوْم ".
стр. 3415
وَقَوله: ﴿ونسوق الْمُجْرمين إِلَى جَهَنَّم وردا﴾ أَي: مشَاة. وَقيل: عطاشا.
стр. 3416
﴿يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا (٨٧) وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا (٨٨) لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا (٨٩) تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ وتنشق الأَرْض وتخر الْجبَال هدا (٩٠) أَن دعوا للرحمن ولدا (٩١) وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا (٩٢) ﴾
стр. 3417
قَوْله تَعَالَى: ﴿لَا يملكُونَ الشَّفَاعَة إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ قَالَ بعض أهل التَّفْسِير: هَذَا رَاجع إِلَى الْمَلَائِكَة. وَقَالَ بَعضهم: هُوَ رَاجع إِلَى الْمُؤمنِينَ.
وَقَوله: ﴿إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا﴾ يَعْنِي: لَا يشفعون إِلَّا لمن اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا، فالعهد هُوَ " لَا إِلَه إِلَّا الله ". وَيُقَال: لَا يشفع إِلَّا من اتخذ عِنْد الرَّحْمَن عهدا يَعْنِي: لَا يشفع إِلَّا مُؤمن.
стр. 3418
وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَقَالُوا اتخذ الرَّحْمَن ولدا لقد جئْتُمْ شَيْئا إدا﴾ أَي: مُنْكرا عَظِيما، (والإد) والاتخاذ إعداد الشَّيْء لأمر فِي الْعَاقِبَة.
стр. 3419
قَوْله تَعَالَى: ﴿تكَاد السَّمَوَات يتفطرن مِنْهُ﴾ الانفطار: الانشقاق، وتكاد أَي: تقرب، وَفِي التَّفْسِير: أَن الْكَافرين لما قَالُوا: اتخذ الله ولدا غضِبت السَّمَوَات وَالْأَرْض، وتسعرت جَهَنَّم، فَطلب الْجَمِيع أَن ينتقموا من الْقَائِلين بِهَذَا القَوْل، فَهَذَا معنى الْآيَة.
وَقَوله: ﴿وتنشق الأَرْض﴾ أَي: تخسف بهم، أما الانفطار فِي السَّمَاء فَمَعْنَاه على هَذَا: أَن [تسْقط] عَلَيْهِم.
وَقَوله: ﴿وتخر الْجبَال هدا﴾ أَي: تنكسر انكسارا، وَمَعْنَاهُ على مَا ذكرنَا أَي: تنطبق عَلَيْهِم.
стр. 3420
وَقَوله: ﴿أَن دعوا للرحمن ولدا﴾ أَي: حِين دعوا للرحمن ولدا.
стр. 3421
وَقَوله: ﴿وَمَا يَنْبَغِي للرحمن أَن يتَّخذ ولدا﴾ قد بَينا.
стр. 3422
﴿إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض إِلَّا آتِي الرَّحْمَن عبدا (٩٣) لقد أحصاهم وعدهم عدا (٩٤) وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا (٩٥) إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ﴾
стр. 3423
وَقَوله: ﴿إِن كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض﴾ أَي: مَا كل من فِي السَّمَوَات وَالْأَرْض.
وَقَوله: ﴿إِلَّا آتٍ الرَّحْمَن عبدا﴾
وَقد أجمع أهل الْعلم أَن الْبُنُوَّة مَعَ الْعُبُودِيَّة لَا يَجْتَمِعَانِ، وَمن اشْترى ابْنه يعْتق عَلَيْهِ؛ لِأَنَّهُ لَا يصلح أَن يكون ابْنا وعبدا.
стр. 3424
قَوْله تَعَالَى: ﴿لقد أحصاهم وعدهم عدا﴾ أَي: يعلمهُمْ، وَعلم عَددهمْ.
стр. 3425
وَقَوله: ﴿وَكلهمْ آتيه يَوْم الْقِيَامَة فَردا﴾ قد بَينا.
стр. 3426
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن الَّذين آمنُوا وَعمِلُوا الصَّالِحَات سَيجْعَلُ لَهُم الرَّحْمَن ودا﴾ أَي: محبَّة. قَالَ مُجَاهِد: يُحِبهُمْ الله، ويحببهم إِلَى الْمُؤمنِينَ. وَقيل: يحب بَعضهم بَعْضًا. وَفِي بعض الْآثَار: أَن الله تَعَالَى جعل مَعَ الْإِيمَان الْمحبَّة [والشفقة] والألفة ".
وَقد ثَبت عَن النَّبِي بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة أَنه قَالَ: " إِذا أحب الله عبدا يُنَادي جِبْرِيل، فَيَقُول: أَنا أحب فلَانا فَأَحبهُ، فينادي فِي أهل السَّمَاء: إِن الله يحب فلَانا فَأَحبُّوهُ، ثمَّ يوضع لَهُ الْمحبَّة فِي الأَرْض - وَفِي رِوَايَة " الْقبُول " - وَإِذا أبْغض عبدا يُنَادي جِبْرِيل فَيَقُول: أَنا أبْغض فلَانا فَأَبْغضهُ، فينادي فِي أهل السَّمَاء: إِن الله يبغض فلَانا فَأَبْغضُوهُ، ثمَّ يوضع لَهُ البغض فِي الأَرْض ". خرجه مُسلم فِي الصَّحِيح.
وَحكى الضَّحَّاك عَن ابْن عَبَّاس: أَن الْآيَة نزلت فِي عَليّ بن أبي طَالب ﵁، وَالْمرَاد مِنْهُ: مَوَدَّة أهل الْإِيمَان لَهُ.
стр. 3427
﴿لَهُم الرَّحْمَن ودا (٩٦) فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك لتبشر بِهِ الْمُتَّقِينَ وتنذر بِهِ قوما لدا (٩٧) وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هَل تحس مِنْهُم من أحد أَو تسمع لَهُم ركزا (٩٨) ﴾
وَقد رُوِيَ عَن النَّبِي أَنه قَالَ لعَلي: " لَا يحبك إِلَّا مُؤمن تَقِيّ، وَلَا يبغضك إِلَّا مُنَافِق شقي ". خرج مُسلم فِي الصَّحِيح.
стр. 3428
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَإِنَّمَا يسرناه بلسانك﴾ يَعْنِي: سهلنا الْقُرْآن بلسانك.
وَقَوله: ﴿لتبشر بِهِ الْمُتَّقِينَ وتنذر بِهِ قوما لدا﴾ اللد جمع الألد، والألد: المخاصم بِالْبَاطِلِ. وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: هُوَ الَّذِي لَا ينقاد للحق وَلَا يقبله. وَقَالَ الْحسن الْبَصْرِيّ: لدا أَي: صمًّا عَن الْحق. وَقيل: الألد هَاهُنَا هُوَ الظَّالِم. قَالَ الشَّاعِر:
(أَبيت نجيا للهموم كأنني ... أخاصم أقوما ذَوي جدل لدا)
стр. 3429
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَكم أهلكنا قبلهم من قرن هَل تحس مِنْهُم من أحد﴾ مَعْنَاهُ: هَل ترى مِنْهُم من أحد؟ .
وَقَوله: ﴿أَو تسمع لَهُم ركزا﴾ أَي: صَوتا. قَالَ أهل اللُّغَة: الركز: الصَّوْت الْخَفي. قَالَ الْحسن: بادوا جَمِيعًا، فَلم يبْق مِنْهُم عين وَلَا أثر.
стр. 3430
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ
تَفْسِير سُورَة طه
وَهِي مَكِّيَّة
وَفِي بعض الغرائب من الْأَخْبَار بِرِوَايَة أبي هُرَيْرَة، أَن النَّبِي: قَالَ: " إِن الله تَعَالَى قَرَأَ سُورَة طه وَيس قبل أَن يخلق آدم بألفي عَام، فَقَالَت الْمَلَائِكَة: طُوبَى لأمة نزلت عَلَيْهِم هَذَا، وطوبى لقلوب حملت هَذِه، وطوبى لألسن تَكَلَّمت بِهَذَا ".
стр. 3431
قَوْله تَعَالَى: ﴿طه﴾ رُوِيَ عَن عبد الله بن مَسْعُود ﵁ أَن رجلا اقْرَأ عَلَيْهِ: " طه " - بالإمالة - فَقَالَ: اقْرَأ ﴿طه﴾ ، فَقَالَ الرجل: أَلَيْسَ مَعْنَاهُ طَيء الأَرْض بقدميك؟ فَقَالَ: " هَكَذَا أَقْرَأَنِيهِ رَسُول الله ".
وَاخْتلفت الْأَقَاوِيل فِي معنى طه، فَروِيَ عَن ابْن عَبَّاس أَنه قَالَ: هُوَ بالسُّرْيَانيَّة: يَا رجل. وَنقل الْكَلْبِيّ: أَنه يَا إِنْسَان بلغَة عك. قَالَ الشَّاعِر:
(إِن السفاهة طه من خليقتكم ... لَا قدس الله أَرْوَاح الملاعين)
وَقَالَ آخر:
(هَتَفت بطه فِي الْقِتَال فَلم يجب ... فَخفت عَلَيْهِ أَن يكون مواليا)
стр. 3432
﴿طه (١) مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى (٢) إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى (٣) تَنْزِيلا﴾
وَيُقَال: إِن طه اسْم للسورة، وَقيل: إِنَّه قسم أقسم الله بِهِ.
وَمن الْمَعْرُوف أَن مَعْنَاهُ: طىء الأَرْض بقدميك، وَهَذَا مَنْقُول عَن ابْن عَبَّاس أَيْضا، وَسَببه أَن النَّبِي اجْتهد فِي الْعِبَادَة حَتَّى جعل يراوح بَين الرجلَيْن، فَيقوم على وَاحِد، وَيرْفَع وَاحِدًا، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَنقل بَعضهم: أَنه قَامَ بمفرد قدم.
وَمِنْهُم من قَالَ: إِن الطَّاء من الطَّهَارَة، وَالْهَاء من الْهِدَايَة، فالطاء: إِشَارَة إِلَى طَهَارَة قلبه من غير الله، وَالْهَاء: إِشَارَة إِلَى اهتداء قلبه إِلَى الله.
стр. 3433
وَقَوله: ﴿مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى﴾ أَي: لتتعب وتنصب، وَرُوِيَ أَنه لما اجْتهد فِي الْعِبَادَة، قَالَ الْمُشْركُونَ: يَا مُحَمَّد، مَا أنزل الْقُرْآن إِلَّا لشقاوتك، فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه الْآيَة. وَمَعْنَاهُ: اجْتهد، وَلَا كل هَذَا التَّعَب حَتَّى تنْسب إِلَى الشقاوة.
стр. 3434
وَقَوله: ﴿إِلَّا تذكرة لمن يخْشَى﴾ مَعْنَاهُ: لَكِن تذكرة، أَي: تذكيرا ووعظا لمن يخْشَى، والخشية وَالْخَوْف بِمَعْنى وَاحِد، وَفرق بَعضهم بَينهمَا، فَقَالَ: الخشية مَا لَا يعرف سَببه، وَالْخَوْف مَا يعرف سَببه، وَهُوَ ضَعِيف.
وَذكر الْأَزْهَرِي أَن تَقْدِير الْآيَة: مَا أنزلنَا عَلَيْك الْقُرْآن لتشقى مَا أنزلنَا إِلَّا تذكرة لمن
стр. 3435
﴿مِمَّن خلق الأَرْض وَالسَّمَوَات العلى (٤) الرَّحْمَن على الْعَرْش اسْتَوَى (٥) لَهُ مَا فِي السَّمَوَات وَمَا فِي الأَرْض وَمَا بَينهمَا﴾ يخْشَى.
следующие страницы →