← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 4271–4310 · переход к 4276.

стр. 4271

﴿وَإِذا مروا بِاللَّغْوِ مروا كراما (٧٢) وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا (٧٣) وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين واجعلنا لِلْمُتقين إِمَامًا (٧٤) أُولَئِكَ يجزون الغرفة بِمَا صَبَرُوا ويلقون فِيهَا تَحِيَّة وَسلَامًا (٧٥)

стр. 4272

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين إِذا ذكرُوا بآيَات رَبهم لم يخروا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا﴾ . قَالَ القتيبي مَعْنَاهُ: لم يتغافلوا عَنْهَا كَأَنَّهُمْ صم لم يسمعوها، وَكَأَنَّهُم عمى لم يروها. وَقَالَ بَعضهم مَعْنَاهُ: لم يسقطوا عَلَيْهَا صمًّا وعميانا، بل سمعُوا وأبصروا.

стр. 4273

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَالَّذين يَقُولُونَ رَبنَا هَب لنا من أَزوَاجنَا وَذُرِّيَّاتنَا قُرَّة أعين﴾ أَي: أَوْلَادًا، بررة أتقياء، وقرة الْعين تذكر عِنْد السرُور، وسخنة الْعين عِنْد الْحزن، وَيُقَال: دمع الْعين عِنْد السرُور بَارِد، وَعند الْحزن حَار. وَذكر الْأَزْهَرِي أَبُو مَنْصُور: أَن معنى قُرَّة الْعين أَن يُصَادف قلبه مَا يرضاه قلبه، فتقر عينه عَن النّظر إِلَى غَيره، يَعْنِي: لَا تنظر إِلَى غَيره. وَعَن مُحَمَّد بن كَعْب الْقرظِيّ قَالَ: لَيْسَ شَيْء أقرّ لعين الْمُؤمن من أَن يرى أَهله وَولده أتقياء بررة. وَقَوله: ﴿واجعلنا لِلْمُتقين إِمَام﴾ قَالَ الْحسن: نقتدي بالمتقين، ويقتدي بِنَا المتقون. وَاسْتدلَّ بَعضهم بِهَذَا على أَنه لَا بَأْس بِطَلَب الْإِمَامَة فِي الدّين، وَينْدب إِلَيْهِ. وَقَالَ بَعضهم: لَا يطْلب للرئاسة، وَلَكِن يطْلب للدّين، ثمَّ حِينَئِذٍ يَقْتَدِي بِهِ المتقون، فَيصير إِمَامًا لَهُم على مَا قَالَ الله تَعَالَى.

стр. 4274

قَوْله: ﴿أُولَئِكَ يجزون الغرفة بِمَا صَبَرُوا﴾ قَالَ عَطاء، عَن ابْن عَبَّاس: الغرفة من الدّرّ والزبرجد والياقوت. وَيُقَال: هِيَ أَعلَى منَازِل الْجنَّة. وَقَوله: ﴿بِمَا صَبَرُوا﴾ عَن الشَّهَوَات، وَقيل: صَبَرُوا عَن الدُّنْيَا، وَقيل: صَبَرُوا على الطَّاعَة. وَقَوله: ﴿ويلقون فِيهَا﴾ وَقُرِئَ: " ويلقون " مخففا، وَالْمعْنَى وَالْمعْنَى وَاحِد. وَقَوله: ﴿تَحِيَّة﴾ أَي: ملكا، وَقيل: بَقَاء [دَائِما] .

стр. 4275

﴿خَالِدين فِيهَا حسنت مُسْتَقرًّا ومقاما (٧٦) قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم فقد كَذبْتُمْ فَسَوف يكون إلزاما (٧٧) وَقَوله: ﴿وَسلَامًا﴾ أى: يسلم بَعضهم على بعض، وَقَالَ عَطاء عَن ابْن عَبَّاس: يسلم الله عَلَيْهِم. وَقيل: سَلامَة من الْآفَات.

стр. 4276

قَوْله تَعَالَى: ﴿خَالِدين فِيهَا حسنت مُسْتَقرًّا ومقاما﴾ أَي: مَكَانا يستقرون فِيهِ. وَقَوله: ﴿ومقاما﴾ أَي: يُقِيمُونَ إِقَامَة.

стр. 4277

قَوْله تَعَالَى: ﴿قل مَا يعبأ بكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم﴾ أحسن الْأَقَاوِيل فِيهِ أَن مَعْنَاهُ: مَا يصنع بكم رَبِّي لَوْلَا دعائكم أَي: لَوْلَا دعاؤه إيَّاكُمْ إِلَى التَّوْحِيد، وَهِي فِي معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿مَا يفعل الله بعذابكم إِن شكرتم وآمنتم﴾ . قَالَ القتيبي مَعْنَاهُ: مَا يعبأ بعذابكم رَبِّي لَوْلَا دعاؤكم أَي: لَوْلَا إيمَانكُمْ، يَعْنِي: إِذا آمنتم لَا يعذبكم. وَقَالَ بَعضهم: أَي قدر لكم عِنْد رَبِّي لَوْلَا أَنه دعَاكُمْ إِلَى الْإِيمَان فتؤمنون، فَالْآن يظْهر لكم قدر وخطر. وَقَوله: ﴿فقد كَذبْتُمْ﴾ قَرَأَ ابْن عَبَّاس: " فقد كذب الْكَافِرُونَ "، وَأما الْمَعْرُوف: ﴿فقد كَذبْتُمْ﴾ أَي: كَذبْتُمْ أَيهَا الْكَافِرُونَ، وَمَعْنَاهُ: قد دعوتكم إِلَى الْإِيمَان فَلم تؤمنوا. وَقَوله: ﴿فَسَوف يكون إلزاما﴾ وَعِيد مَعْنَاهُ: سَوف يكون الْعَذَاب لزاما. قَالَ ابْن مَسْعُود: معنى اللزام وَهُوَ يَوْم بدر. وَقَالَ بَعضهم: اللزام: الْمَوْت. قَالَ الشَّاعِر: (تولى عِنْد حاجتنا أنيس ... وَلم اجزع من الْمَوْت اللزام) وَقُرِئَ فِي الشاذ " " لزاما " بِفَتْح اللَّام، وَهُوَ فِي معنى الأول.

стр. 4278

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿طسم (١) تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين (٢) لَعَلَّك باخع نَفسك أَلا يَكُونُوا مُؤمنين (٣) إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين تَفْسِير سُورَة الشُّعَرَاء وَهِي مَكِّيَّة إِلَّا أَربع آيَات فِي آخر السُّورَة.

стр. 4279

قَوْله تَعَالَى: ﴿طسم﴾ قَالَ قَتَادَة: اسْم من أَسمَاء الْقُرْآن. وَقَالَ مُجَاهِد: اسْم السُّورَة. وَعَن بَعضهم: أَن الطَّاء من الطول، وَالسِّين من السناء، وَالْمِيم من الْملك. وَقَالَ بَعضهم: الطَّاء شَجَرَة طُوبَى، وَالسِّين سِدْرَة الْمُنْتَهى، وَالْمِيم مُحَمَّد. وَيُقَال: الطَّاء من اسْمه الطَّاهِر، وَالسِّين من اسْمه السَّلَام، وَالْمِيم من اسْمه الْمجِيد.

стр. 4280

وَقَوله: ﴿تِلْكَ آيَات الْكتاب الْمُبين﴾ قد بَينا من قبل.

стр. 4281

قَوْله تَعَالَى: ﴿لَعَلَّك باخع نَفسك﴾ أَي: قَاتل نَفسك، وَقيل: مهلك نَفسك حزنا. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أَلا يَكُونُوا مُؤمنين﴾ يَعْنِي: إِن لم يُؤمنُوا.

стр. 4282

قَوْله: ﴿إِن نَشأ ننزل عَلَيْهِم من السَّمَاء آيَة﴾ قَالَ ابْن جريج مَعْنَاهُ: نريهم أمرا من أمرنَا، فَلَا يعْص أحد، وَقيل: إِن نَشأ ننزل من السَّمَاء آيَة فاضطروا إِلَى الْإِيمَان. وَقَوله: ﴿فظلت أَعْنَاقهم لَهَا خاضعين﴾ فيع أَقْوَال: أَحدهَا: خاضعين بِمَعْنى خاضعة، وَالْقَوْل الثَّانِي: أَن المُرَاد من أَعْنَاق أَشْرَاف النَّاس وكبراؤهم، فعلى هَذَا معنى الْآيَة: فظل كبراؤهم وأشرافهم لِلْآيَةِ خاضعين، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه ذكر الْأَعْنَاق، وَالْمرَاد مِنْهُ أَصْحَاب الْأَعْنَاق، فَانْصَرف قَوْله: ﴿خاضعين﴾ إِلَى الْمُضمر فِي الْكَلَام. قَالَ الشَّاعِر: ﴿رَأَتْ مرَّ السنين أخذن منى ... كَمَا أَخذ السرَار من الْهلَال﴾

стр. 4283

( ﴿٤) وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من الرَّحْمَن مُحدث إِلَّا كَانُوا عَنهُ معرضين (٥) فقد كذبُوا فسيأتيهم أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون (٦) أَو لم يرو إِلَى الأَرْض كَمَا أنبتنا فِيهَا من كل زوج كريم (٧) إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين (٨) وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم (٨) وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين فَرجع قَوْله: أخذن إِلَى السنين، لَا إِلَى قَوْله: مر السنين.

стр. 4284

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يَأْتِيهم من ذكر من الرَّحْمَن مُحدث﴾ أَي: مُحدث إنزاله إِلَى النَّبِي، وَقد بَينا هَذَا من قبل. وَقَوله: ﴿إِلَّا كَانُوا عَنهُ معرضين﴾ أَي: عَن الْإِيمَان.

стр. 4285

قَوْله تَعَالَى: ﴿فقد كذبُوا فسيأتيهم﴾ أَي: سَوف يَأْتِيهم. وَقَوله: ﴿أنباء مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون﴾ أَي: عَاقِبَة مَا كَانُوا بِهِ يستهزءون، أَي: عَاقِبَة مَا كَانُوا يستهزءون، وَهَذَا يدل على أَن كل مكذب مستهزئ.

стр. 4286

قَوْله تَعَالَى: ﴿أَو لم يرو إِلَى الأَرْض كم أنبتنا فِيهَا من كل زوج كريم﴾ أَي: من كل صنف حسن، وَالزَّوْج مثل: الحامض والحلو، والأبيض وَالْأسود، وَمَا أشبهه. وَقَالَ الشّعبِيّ: الْخلق نَبَات الأَرْض، فَمن دخل الْجنَّة فَهُوَ كريم، وَمن دخل النَّار فَهُوَ لئيم، وَالْعرب تَقول: نَخْلَة كَرِيمَة إِذا طَابَ ثَمَرهَا، وَرجل كريم إِذا حسن فعله.

стр. 4287

قَوْله تَعَالَى: ﴿إِن فِي ذَلِك لآيَة وَمَا كَانَ أَكْثَرهم مُؤمنين﴾ أَي: مُصدقين.

стр. 4288

وَقَوله: ﴿وَإِن رَبك لَهو الْعَزِيز الرَّحِيم﴾ قد بَينا من قبل.

стр. 4289

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَإِذ نَادَى رَبك مُوسَى﴾ أَي: من جَانب الطّور الْأَيْمن، على مَا ورد بِهِ الْقُرْآن، وَقَالَ ابْن جُبَير: من السَّمَاء. وَقَوله: ﴿أَن ائْتِ الْقَوْم الظَّالِمين﴾ أَي: الْكَافرين.

стр. 4290

وَقَوله: ﴿قوم فِرْعَوْن أَلا يَتَّقُونَ﴾ مَعْنَاهُ: أَلا يخَافُونَ.

стр. 4291

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ رب إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون ويضيق صَدْرِي﴾ وَقُرِئَ: " ويضيق صَدْرِي " بِنصب الْقَاف أَي: أَخَاف أَن يضيق صَدْرِي.

стр. 4292

( ﴿١٠) قوم فِرْعَوْن أَلا يَتَّقُونَ (١١) قَالَ رب إِنِّي أَخَاف أَن يكذبُون (١٢) ويضيق صَدْرِي وَلَا ينْطَلق لساني فَأرْسل إِلَى هرون (١٣) وَلَهُم عَليّ ذَنْب فَأَخَاف أَن يقتلُون (١٤) قَالَ كلا فاذهبا بِآيَاتِنَا إِنَّا مَعكُمْ مستمعون (١٥) فَأتيَا فِرْعَوْن فقولا إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين (١٦) وَقَوله: ﴿وَلَا ينْطَلق لساني﴾ قَالَ هَذِه للعقدة الَّتِي كَانَت على لِسَانه. وَقَوله: ﴿فَأرْسل إِلَى هَارُون﴾ مَعْنَاهُ: فَأرْسل إِلَى هَارُون مَعَ إرسالي.

стр. 4293

وَقَوله: ﴿وَلَهُم عَليّ ذَنْب﴾ أَي: دَعْوَى ذَنْب، وَذَلِكَ الذَّنب هُوَ قتلة القبطي. وَقَوله: ﴿فَأَخَاف أَن يقتلُون﴾ بذلك الرجل وَفِي الْقِصَّة: أَن فِرْعَوْن كَانَ يَطْلُبهُ طول هَذِه الْمدَّة ليَقْتُلهُ بالقبطي.

стр. 4294

قَوْله تَعَالَى: ﴿كلا﴾ أَي: لَا تخف. وَقَوله تَعَالَى: ﴿فاذهبا بِآيَاتِنَا﴾ قد بَينا تَفْسِير الْآيَات من قبل. وَقَوله: ﴿إِنَّا مَعكُمْ مستمعون﴾ ذكر بِلَفْظ الْجمع، وَالْمرَاد مِنْهُ اثْنَان، وَقيل: إِنَّا مَعَكُمَا وَمَعَ بني إِسْرَائِيل نسْمع مَا يجيبكم فِرْعَوْن، وَأما قَوْله: ﴿مستمعون﴾ قد بَينا مثل هَذَا فِيمَا سبق، وَذكرنَا أَنه قد ذكر نَفسه بِلَفْظ الْجَمَاعَة فِي مَوَاضِع على طَرِيق التفخيم والتعظيم.

стр. 4295

وَقَوله تَعَالَى: ﴿فَأتيَا فِرْعَوْن فقولا إِنَّا رَسُول رب الْعَالمين﴾ فَإِن قيل: كَيفَ لم يقل: إِنَّا رَسُولا رب الْعَالمين؟ وَالْجَوَاب: أَن معنى الرَّسُول هَاهُنَا هُوَ الرسَالَة. قَالَ الشَّاعِر: (لقد كذب الواشون مَا فهمت عِنْدهم ... بِسوء وَلَا أرسلتهم برَسُول) أَي: برسالة، فعلى هَذَا معنى الْآيَة: فقولا إِنَّا ذُو رِسَالَة رب الْعَالمين، وَيُقَال: إِن قَوْله: ﴿رَسُول رب الْعَالمين﴾ رَسُولا رب الْعَالمين، وَاحِد بِمَعْنى الِاثْنَيْنِ.

стр. 4296

وَقَوله: ﴿أَن أرسل مَعنا بني إِسْرَائِيل﴾ أَي: أرسلهم مَعنا إِلَى الشَّام، وَكَانَ قد استعبدهم، واستسخرهم فِي أَنْوَاع الْأَعْمَال، وَقد بَينا.

стр. 4297

وَقَوله: ﴿قَالَ ألم نربك فِينَا وليدا﴾ فِي الْآيَة حذف؛ وَهُوَ أَنه ذهب وَجَاء إِلَى

стр. 4298

﴿أَن أرسل مَعنا بني إِسْرَائِيل (١٧) قَالَ ألم نربك فِينَا وليدا وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين (١٨) وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت وَأَنت من الْكَافرين (١٩) قَالَ فعلتها إِذا فِرْعَوْن، وَدعَاهُ إِلَى الله، فَأَجَابَهُ بِهَذَا، وَفِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى رَجَعَ إِلَى مصر وَعَلِيهِ جُبَّة صوف، وَفِي يَده عَصَاهُ، والمكتل مُعَلّق بِرَأْس الْعَصَا فِيهِ زَاده، فروى أَنه جَاءَ وَدخل دَار نَفسه، وَطلب هَارُون، وَقَالَ لَهُ: إِن الله أَرْسلنِي إِلَى فِرْعَوْن، وأرسلك أَيْضا إِلَيْهِ حَتَّى نَدْعُو فِرْعَوْن إِلَى الله تَعَالَى. فَخرجت أمهما وصاحت، وَقَالَت: إِن فِرْعَوْن يطلبك ليقتلك، فَلَو ذهبتما إِلَيْهِ قتلكما، فَلم يلْتَفت مُوسَى إِلَى قَوْلهَا، وذهبا إِلَى بَاب فِرْعَوْن لَيْلًا، ودقا الْبَاب، فَفَزعَ البوابون، وَقَالُوا: من بِالْبَابِ؟ وروى أَنه اطلع البواب عَلَيْهِمَا، فَقَالَ لَهما: من أَنْتُمَا؟ فَقَالَ مُوسَى: أَنا رَسُول رب الْعَالمين، فَذهب البواب إِلَى فِرْعَوْن، وَقَالَ: إِن مَجْنُونا بِالْبَابِ يزْعم أَنه رَسُول رب الْعَالمين، فَترك حَتَّى أصبح ثمَّ دَعَاهُ. وَفِي بعض الْقَصَص: أَنَّهُمَا مكثا سنة لَا يصلان إِلَيْهِ، ثمَّ وصلا. وَقَوله: ﴿قَالَ ألم نربك فِينَا وليد﴾ فِي الْقِصَّة: أَن مُوسَى لما دخل عَلَيْهِ، وَنظر إِلَيْهِ فِرْعَوْن عَرَفَة، فَقَالَ: ألم نربك فِينَا وليدا أَي: صَغِيرا. وَقَوله: ﴿وَلَبِثت فِينَا من عمرك سِنِين﴾ أَي: ثَمَان عشرَة سنة، وَقَالَ بَعضهم: ثَلَاثِينَ سنة.

стр. 4299

وَقَوله: ﴿وَفعلت فعلتك الَّتِي فعلت﴾ أَي: قتلت الرجل، وَهُوَ الَّذِي كَانَ وكزه فَقتله، وقرىء فِي الشاذ: " فعلتك " بِكَسْر الْفَاء، وَقَوله: ﴿وَأَنت من الْكَافرين﴾ أَي: الْكَافرين لنعمتي، قَالَ الشَّاعِر: (وَالْكفْر (مخبثة) لنَفس الْمُنعم ... )

стр. 4300

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فعلتها إِذا﴾ أَي: فعلت مَا فعلت حِينَئِذٍ ﴿وَأَنا من الضَّالّين﴾ أَي: من الْجَاهِلين. وَقيل: من الناسين.

стр. 4301

قَوْله تَعَالَى: ﴿ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما﴾ أَي: النُّبُوَّة وَالْعلم.

стр. 4302

﴿وَأَنا من الضَّالّين (٢٠) ففررت مِنْكُم لما خفتكم فوهب لي رَبِّي حكما وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين (٢١) وَتلك نعْمَة تمنها عَليّ أَن عبدت بني إِسْرَائِيل (٢٢) ﴾ وَقَوله: ﴿وَجَعَلَنِي من الْمُرْسلين﴾ ظَاهر الْمَعْنى.

стр. 4303

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَتلك نعْمَة تمنها عَليّ أَن عبدت بني إِسْرَائِيل﴾ فِيهِ أَقْوَال: أَحدهَا: أَن ألف الِاسْتِفْهَام محذوفة، وَمَعْنَاهُ: أَو تِلْكَ نعْمَة تمنها على؟ قَالَ الشَّاعِر: (تروح من الْحَيّ أم تبتكر ... وماذا يضيرك لَو تنْتَظر) أَي: أتروح من الْحَيّ أم تبتكر. وَالْقَوْل الثَّانِي مَعْنَاهُ: وَتلك نعْمَة أَي: التربية نعْمَة تمنها على أَن تَعْتَد بهَا على، وَقَوله: ﴿أَن عبدت بني إِسْرَائِيل﴾ أَي: استعبدت بني إِسْرَائِيل، وعاملتهم من الْمُعَامَلَات القبيحة. وَالْقَوْل الثَّالِث: وَتلك نعْمَة تمنها على بالتربية، وَقَوله: ﴿أَن عبدت بني إِسْرَائِيل﴾ يَعْنِي: باستعبادك بني إِسْرَائِيل ربيتني وكفلتني، وَمَعْنَاهُ: لَوْلَا أَنَّك استعبدت بني إِسْرَائِيل مَا وَقعت إِلَيْك، (وَمَا) ربيتني؛ فَإِنَّهُ قد كَانَ لي من يربيني، وَحَقِيقَة الْمَعْنى دفع مَتنه.

стр. 4304

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين﴾ وَفِي بعض الْأَخْبَار عَن النَّبِي: أَن جِبْرِيل ﵇ قَالَ: " كنت وَاقِفًا عِنْد رَبِّي حِين قَالَ فِرْعَوْن هَذَا، فنشرت جناحي وتهيأت لعذابه إِذا أَمرنِي الرب، فَقَالَ: يَا جِبْرِيل، إِنَّمَا يعجل من يخَاف الْفَوْت ". وَالْخَبَر غَرِيب. وَاعْلَم أَن سُؤال المائية - وَلَا يجوز على الله - وَإِنَّمَا هَذَا من أَوْصَاف المخلوقين؛ وَالدَّلِيل عَلَيْهِ أَن مُوسَى لم يجب سُؤال المائية، فَلم يقل: رَبِّي لَونه كَذَا، وَهُوَ

стр. 4305

﴿قَالَ فِرْعَوْن وَمَا رب الْعَالمين (٢٣) قَالَ رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين (٢٤) قَالَ لمن حوله أَلا تَسْمَعُونَ (٢٥) قَالَ ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين (٢٦) قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون (٢٧) قَالَ رب الْمشرق من كَذَا، وريحه كَذَا، وَلَكِن أجَاب بِذكر أَفعاله الدَّالَّة عَلَيْهِ، فَقَالَ: ﴿رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين﴾ . وَاعْلَم أَن سُؤال المائية سُؤال عَن جنس الشَّيْء، وَالله تَعَالَى منزه عَن الجنسية، وَيُقَال: إِن جَوَاب مُوسَى عَن معنى السُّؤَال، لَا عَن عين السُّؤَال؛ كَانَ معنى السُّؤَال: وَمن رب الْعَالمين؟ قَالَ: رب السَّمَوَات وَالْأَرْض وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم موقنين. وَمعنى قَوْله: ﴿إِن كُنْتُم موقنين﴾ هَاهُنَا أَنكُمْ كَمَا توقنون الْأَشْيَاء الَّتِي [تعاينونها] ، فَأَيْقنُوا أَن إِلَه الْخلق هُوَ الله تَعَالَى.

стр. 4306

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لمن حوله أَلا تَسْمَعُونَ﴾ يعْنى: لَا تستمعون، وَقَالَ فِرْعَوْن هَذَا على استبعاد جَوَاب مُوسَى ﵇ وَقد كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْم يَعْتَقِدُونَ أَن آلِهَتهم مُلُوكهمْ، فَزَاد مُوسَى ﵇ فِي الْبَيَان فَقَالَ: ﴿ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين﴾ .

стр. 4307

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون﴾ وَقد كَانَ عِنْدهم أَن من لَا يعْتَقد مَا يَعْتَقِدُونَ فَلَيْسَ بعاقل، فَزَاد مُوسَى فِي الْبَيَان فَقَالَ: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم تعقلون﴾ فَأجَاب فِرْعَوْن، وَقَالَ: ﴿لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾ وَفِي الْقِصَّة: أَن سجنه كَانَ أَشد من الْقَتْل، فَإِنَّهُ كَانَ يحبس الرجل وَحده فِي مَوضِع لَا يسمع شَيْئا وَلَا يبصر شَيْئا، ويهوى فِي الأَرْض، فَأجَاب مُوسَى، وَقَالَ: ﴿أَو لَو جِئتُكُمْ بِشَيْء مُبين﴾ أَي: تحبسني وَإِن جئْتُك بِشَيْء مُبين أَي: بِآيَة بَيِّنَة.

стр. 4308

قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فأت بِهِ أَن كنت من الصَّادِقين فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ والثعبان الذّكر من الْحَيَّات الْعَظِيم مِنْهَا، فَإِن قيل: أَلَيْسَ قد قَالَ فِي مَوضِع آخر:

стр. 4309

﴿وَالْمغْرب وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم تعقلون (٢٨) قَالَ لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين (٢٩) قَالَ أَو لَو جئْتُك بِشَيْء مُبين (٣٠) قَالَ فأت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين (٣١) فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين (٣٢) وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء ﴿كَأَنَّهَا جَان﴾ والجان الْحَيَّة الصَّغِيرَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى الجان أَنَّهَا كالحية الصَّغِيرَة فِي اهتزازها وَصفَة حركتها، وَهِي فِي نَفسهَا حَيَّة عَظِيمَة. وَذكر السّديّ وَغَيره: أَن الْعَصَا صَارَت حَيَّة صفراء سعراء كأعظم مَا يكون من الْحَيَّات. وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا ارْتَفَعت من الأَرْض بِقدر ميل، فغرت فاها، وَقَامَت على ذنبها، وَجعلت تتملظ فِي وَجه فِرْعَوْن. وروى أَنَّهَا أخذت قبَّة فِرْعَوْن بَين نابها، وَصَاح فِرْعَوْن، قَول: يَا مُوسَى، أنْشدك بِالَّذِي أرسلك. وَقَوله: (مُبين) أَي: يبين الثعبان أَنه حجَّة عَظِيمَة.

стр. 4310

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء للناظرين﴾ قد بَينا.
следующие страницы →