Полный текст (8 565 стр.). Показаны 4306–4345 · переход к 4311.
стр. 4306
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لمن حوله أَلا تَسْمَعُونَ﴾ يعْنى: لَا تستمعون، وَقَالَ فِرْعَوْن هَذَا على استبعاد جَوَاب مُوسَى ﵇ وَقد كَانَ أُولَئِكَ الْقَوْم يَعْتَقِدُونَ أَن آلِهَتهم مُلُوكهمْ، فَزَاد مُوسَى ﵇ فِي الْبَيَان فَقَالَ: ﴿ربكُم وَرب آبائكم الْأَوَّلين﴾ .
стр. 4307
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ إِن رَسُولكُم الَّذِي أرسل إِلَيْكُم لمَجْنُون﴾ وَقد كَانَ عِنْدهم أَن من لَا يعْتَقد مَا يَعْتَقِدُونَ فَلَيْسَ بعاقل، فَزَاد مُوسَى فِي الْبَيَان فَقَالَ: ﴿رب الْمشرق وَالْمغْرب وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم تعقلون﴾ فَأجَاب فِرْعَوْن، وَقَالَ: ﴿لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين﴾
وَفِي الْقِصَّة: أَن سجنه كَانَ أَشد من الْقَتْل، فَإِنَّهُ كَانَ يحبس الرجل وَحده فِي مَوضِع لَا يسمع شَيْئا وَلَا يبصر شَيْئا، ويهوى فِي الأَرْض، فَأجَاب مُوسَى، وَقَالَ: ﴿أَو لَو جِئتُكُمْ بِشَيْء مُبين﴾ أَي: تحبسني وَإِن جئْتُك بِشَيْء مُبين أَي: بِآيَة بَيِّنَة.
стр. 4308
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ فأت بِهِ أَن كنت من الصَّادِقين فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين﴾ والثعبان الذّكر من الْحَيَّات الْعَظِيم مِنْهَا، فَإِن قيل: أَلَيْسَ قد قَالَ فِي مَوضِع آخر:
стр. 4309
﴿وَالْمغْرب وَمَا بَينهمَا إِن كُنْتُم تعقلون (٢٨) قَالَ لَئِن اتَّخذت إِلَهًا غَيْرِي لأجعلنك من المسجونين (٢٩) قَالَ أَو لَو جئْتُك بِشَيْء مُبين (٣٠) قَالَ فأت بِهِ إِن كنت من الصَّادِقين (٣١) فَألْقى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ ثعبان مُبين (٣٢) وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء
﴿كَأَنَّهَا جَان﴾ والجان الْحَيَّة الصَّغِيرَة؟ وَالْجَوَاب عَنهُ: أَن معنى الجان أَنَّهَا كالحية الصَّغِيرَة فِي اهتزازها وَصفَة حركتها، وَهِي فِي نَفسهَا حَيَّة عَظِيمَة.
وَذكر السّديّ وَغَيره: أَن الْعَصَا صَارَت حَيَّة صفراء سعراء كأعظم مَا يكون من الْحَيَّات.
وَفِي الْقِصَّة: أَنَّهَا ارْتَفَعت من الأَرْض بِقدر ميل، فغرت فاها، وَقَامَت على ذنبها، وَجعلت تتملظ فِي وَجه فِرْعَوْن.
وروى أَنَّهَا أخذت قبَّة فِرْعَوْن بَين نابها، وَصَاح فِرْعَوْن، قَول: يَا مُوسَى، أنْشدك بِالَّذِي أرسلك.
وَقَوله: (مُبين) أَي: يبين الثعبان أَنه حجَّة عَظِيمَة.
стр. 4310
قَوْله تَعَالَى: ﴿وَنزع يَده فَإِذا هِيَ بَيْضَاء للناظرين﴾ قد بَينا.
стр. 4311
وَقَوله: ﴿قَالَ للملأ حوله إِن هَذَا لساحر عليم﴾ أَي: عَالم حاذق.
стр. 4312
قَوْله: ﴿يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم بسحره﴾ فَإِن قَالَ قَائِل: إِنَّمَا أَرَادَ مُوسَى أَن يخرج بني إِسْرَائِيل [لَا] أَن يخرج فِرْعَوْن وَقَومه، وَالْجَوَاب عَنهُ: أَنهم كَانُوا قد اتَّخذُوا بني إِسْرَائِيل عبيدا وخولا، فَلَمَّا أَرَادَ مُوسَى إِخْرَاج بني إِسْرَائِيل، فَكَأَنَّهُ أَرَادَ إخراجهم.
وَقَوله: ﴿فَمَاذَا تأمرون﴾ أَي: مَاذَا تشيرون.
стр. 4313
قَوْله تَعَالَى: (أرجه وأخاه) أَي: أخر أمره وَأمر أَخِيه، وَمَعْنَاهُ: لَا يتم فصل الْأَمر حَتَّى تظهر لَك الْحجَّة عَلَيْهِ.
وَقَوله: ﴿وَابعث فِي الْمَدَائِن حاشرين﴾ قد بَينا.
стр. 4314
﴿للناظرين (٣٣) قَالَ للملأ حوله إِن هَذَا لساحر عليم (٣٤) يُرِيد أَن يخرجكم من أَرْضكُم بسحره فَمَاذَا تأمرون (٣٥) قَالُوا أرجه وأخاه وَابعث فِي الْمَدَائِن حاشرين (٣٦) يأتوك بِكُل سحار عليم (٣٧) فَجمع السَّحَرَة لميقات يَوْم مَعْلُوم (٣٨) وَقيل للنَّاس هَل أَنْتُم مجتمعون (٣٩) لَعَلَّنَا نتبع السَّحَرَة إِن كَانُوا هم الغالبين (٤٠) فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة قَالُوا لفرعون أئن لنا لأجراً إِن كُنَّا نَحن الغالبين﴾
стр. 4315
وَقَوله: ﴿يأتوك بِكُل سحار عليم﴾ أَي: سَاحر حاذق، وَفِي الْقِصَّة: أَنه كَانَ يجْرِي الرزق للسحرة، وَقد جمع من السَّحَرَة سِتَّة آلَاف سَاحر، وَقيل: اثْنَي عشر ألفا.
стр. 4316
وَقَوله: ﴿فَجمع السَّحَرَة لميقات يَوْم مَعْلُوم﴾ وَهُوَ يَوْم الزِّينَة على مَا بَينا من قبل.
стр. 4317
وَقَوله: ﴿وَقيل للنَّاس هَل أَنْتُم مجتمعون لَعَلَّنَا نتبع السَّحَرَة إِن كَانُوا هم الغالبين﴾ مَعْلُوم الْمَعْنى.
стр. 4318
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا جَاءَ السَّحَرَة﴾ يَعْنِي لمُوسَى ﴿قَالُوا لفرعون أئن لنا الْأجر أَن كُنَّا نَحن الغالبين﴾ .
стр. 4319
قَوْله: ﴿قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ إِذا لمن المقربين﴾ أَي: فِي الْمنزلَة، وَفِي الْقِصَّة أَن مُوسَى قَالَ لكبير السَّحَرَة: أتؤمن بِي إِن غلبتكم؟ قَالَ لَهُ كَبِير السَّحَرَة: إِن كنت ساحرا، فلأغلبنك، وَإِن غلبتني لأؤمنن بك.
стр. 4320
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ لَهُم مُوسَى ألقوا مَا أَنْتُم ملقون﴾ .
وَقَوله: ﴿فَألْقوا حبالهم وعصيهم وَقَالُوا بعزة فِرْعَوْن﴾ أَي: بعز فِرْعَوْن وَملكه ﴿إِنَّا لنَحْنُ الغالبون﴾ .
стр. 4321
وَقَوله: ﴿فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ﴾ فِي الْقِصَّة: أَن جَمِيع الأَرْض ميلًا فِي ميل صَارَت حيات وأفاعي فِي رُؤْيَة النَّاس، فَلَمَّا ألْقى مُوسَى الْعَصَا صَارَت ثعبانا، وَجعلت تعظم على قدر حبالهم وعصيهم، ثمَّ جعل يلتقط ويلتقم (وَاحِدًا وَاحِدًا) حَتَّى أكل الْكل، ثمَّ أَن مُوسَى أَخذ بِذَنبِهِ فَصَارَ عَصا كَمَا كَانَ، فتحيرت السَّحَرَة عِنْد ذَلِك،
стр. 4322
﴿قَالَ نعم وَإِنَّكُمْ إِذا لمن المقربين (٤٢) قَالَ لَهُم مُوسَى ألقوا مَا أَنْتُم ملقون (٤٣) فَألْقوا حبالهم وعصيهم وَقَالُوا بعزة فِرْعَوْن إِنَّا لنَحْنُ الغالبون (٤٤) فَألْقى مُوسَى عَصَاهُ فَإِذا هِيَ تلقف مَا يأفكون (٤٥) فألقي السَّحَرَة ساجدين (٤٦) قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين (٤٧) رب مُوسَى وَهَارُون (٤٨) قَالَ آمنتم لَهُ قبل أَن آذن لكم أَنه فَقَالُوا: إِن كَانَ هَذَا سحر فَأَيْنَ ذهبت عصينا وحبالنا؟ ! وتيقنوا أَن الَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى أَمر من عِنْد الله، فوقعوا سجدا وآمنوا، فَهُوَ قَوْله تَعَالَى: ﴿فَألْقى السَّحَرَة ساجدين﴾ .
стр. 4323
وَقَوله: ﴿فَألْقى السَّحَرَة ساجدين﴾ يجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: وَقَعُوا ساجدين، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: ألقاهم الْحق الَّذِي رَأَوْهُ (ساجدين.
стр. 4324
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا آمنا بِرَبّ الْعَالمين﴾ فِي الْقِصَّة: أَنهم) لما قَالُوا هَكَذَا، قَالَ فِرْعَوْن: أَنا رب الْعَالمين، فَقَالَ السَّحَرَة: ﴿رب مُوسَى وَهَارُون﴾ .
стр. 4325
وَقَوله: ﴿قَالَ آمنتم لَهُ قبل أَن آذان لكم إِنَّه لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر فلسوف تعلمُونَ﴾ يَعْنِي: سَوف تعلمُونَ عَاقِبَة أَمركُم.
وَقَوله: ﴿لأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أَجْمَعِينَ﴾ قد بَينا مَعْنَاهُ.
стр. 4326
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالُوا لَا ضير﴾ أَي: لَا ضَرَر وَلَا مَكْرُوه.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَإنَّك لَا يضورك بعد حول ... أظبي كَانَ أمك أم حمَار)
وَقَوله: ﴿إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون﴾ أَي: رَاجِعُون.
стр. 4327
قَوْله تَعَالَى: ﴿إِنَّا نطمع أَن يغْفر لنا رَبنَا خطايانا﴾ أَي: ذنوبنا.
﴿أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ﴾ قَالَ الْفراء: أول الْمُؤمنِينَ من أهل زَمَاننَا، وَقَالَ الزّجاج: هَذَا ضَعِيف؛ لِأَن بني إِسْرَائِيل كَانُوا قد آمنُوا بمُوسَى قبلهم، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ: أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ عِنْد ظُهُور هَذِه الْحجَّة، وَيجوز أَن يكون مَعْنَاهُ: أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ من قوم فِرْعَوْن.
стр. 4328
﴿لكبيركم الَّذِي علمكُم السحر فلسوف تعلمُونَ لأقطعن أَيْدِيكُم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم أَجْمَعِينَ (٤٩) قَالُوا لَا ضير إِنَّا إِلَى رَبنَا منقلبون (٥٠) إِنَّا نطمع أَن يغْفر لنا رَبنَا خطايانا أَن كُنَّا أول الْمُؤمنِينَ (٥١) وأوحينا إِلَى مُوسَى أَن أسر بعبادي
стр. 4329
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأوحينا إِلَى مُوسَى أَن أسر بعبادي﴾ ذكر " أسر "؛ لأَنهم سَارُوا لَيْلًا.
وَقَوله: ﴿إِنَّكُم متبعون﴾ يَعْنِي: يتبعكم فِرْعَوْن وَقَومه، وَعَن عَمْرو بن مَيْمُون قَالَ: لما بلغ فِرْعَوْن أَن مُوسَى وَقَومه قد سَارُوا، قَالَ لِقَوْمِهِ: إِذا صَاح الديك فاركبوا، فَلم يَصح ديك فِي تِلْكَ اللَّيْلَة، حَتَّى بعد مُوسَى وَقَومه، فَلَمَّا أصبح دَعَا بِشَاة، وَأمر بذبحها، ثمَّ قَالَ: لَا تسلخ هَذِه الشَّاة إِلَّا وَقد اجْتمع خَمْسمِائَة ألف مقَاتل، قَالَ: فَلم يفرغ السلاخ عَن السلخ إِلَّا وَقد كَانَ اجْتمع خَمْسمِائَة ألف مقَاتل عددا.
وَذكر غَيره: أَن الْمَلَائِكَة دخلُوا بيُوت القبط وَقتلُوا أبكارهم، فاشتغلوا صَبِيحَة ذَلِك الْيَوْم بدفن الْأَبْكَار.
стр. 4330
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأرْسل فِرْعَوْن فِي الْمَدَائِن حاشرين﴾ يَعْنِي: أرسل الشَّرْط الْمَدَائِن حَتَّى حشروا النَّاس. وَفِي التفاسير: أَنه كَانَ ألف مَدِينَة وَاثنا عشر ألف قَرْيَة.
стр. 4331
وَقَوله: ﴿إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ﴾ أَي: لجَماعَة قَليلَة، وأنشدوا فِي الشرذمة:
(جَاءَ الشتَاء وقميصي أَخْلَاق ... شراذم يضْحك مني النواق)
وأنشدوا فِي قَوْله: ﴿قَلِيلُونَ﴾ :
﴿فَرد قواصي الْأَحْيَاء مِنْهُم ... فقد رجعُوا كحى واحدينا﴾
أَي: كحى وَاحِد.
وَعَن عبد الله بن مَسْعُود: أَن مُوسَى كَانَ فِي سِتّمائَة ألف وَسبعين ألفا، فسماهم فِرْعَوْن شرذمة لِكَثْرَة قومه.
وروى أَن هامان كَانَ على مقدمته فِي ألف ألف، وروى أَن فِرْعَوْن كَانَ فِي سَبْعَة آلَاف ألف وروى أَنه كَانَ بَين يَدَيْهِ مائَة ألف ناشب وَمِائَة ألف أَصْحَاب الحراب، وَمِائَة
стр. 4332
﴿إِنَّكُم متبعون (٥٢) فَأرْسل فِرْعَوْن فِي الْمَدَائِن حاشرين (٥٣) إِن هَؤُلَاءِ لشرذمة قَلِيلُونَ (٥٤) وَإِنَّهُم لنا لغائظون (٥٥) وَإِنَّا لجَمِيع حاذرون (٥٦) ألف أَصْحَاب الأعمدة.
стр. 4333
وَقَوله: ﴿وَإِنَّهُم لنا لغائظون﴾ يَعْنِي: أَنهم غاظونا وأغضبونا، وَكَانَ غيظه مِنْهُم بخروجهم من غير أمره، واستعارتهم الْحلِيّ من قومه ومضيهم بهَا.
стр. 4334
وَقَوله: ﴿وَإِنَّا لجَمِيع حاذرون﴾ وَقُرِئَ: " حذرون " فالحذر هُوَ المتيقظ، والحاذر المستعد.
قَالَ الشَّاعِر:
(وَكتب عَلَيْهِ احذر الْمَوْت ... وَحده فَلم يبْق حاذر)
وَقَرَأَ ابْن أبي عَامر: " وَإِنَّا لجَمِيع حاذرون) بِالدَّال غير الْمُعْجَمَة. وَيُقَال: بعير حادر إِذا كَانَ ممتلئا من اللَّحْم، عَظِيم الجثة، وَقيل: ﴿إِنَّا لجَمِيع حاذرون﴾ أَي: مؤدون، وَمعنى مؤدون أَي: مَعْنَاهُ الأداة وَالسِّلَاح.
стр. 4335
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأخرجناهم من جنَّات وعيون﴾ فِي الْقِصَّة: أَن الْبَسَاتِين كَانَت ممتدة على حافتي النّيل من أَعْلَاهُ إِلَى آخِره، وَعَن عبد الله بن عَمْرو بن الْعَاصِ قَالَ: سيد الْأَنْهَار هُوَ النّيل، فَإِذا أجراه الله تَعَالَى أمده من جَمِيع الْأَنْهَار، وفجر لَهُ ينابيع الأَرْض، فَإِذا تمّ إجراؤه رَجَعَ كل مَاء إِلَى عنصره.
стр. 4336
وَقَوله: ﴿وكنوز﴾ أَي: كنوز الْأَمْوَال، وَفِي بعض الْقَصَص: أَنه كَانَ لفرعون ثَمَانمِائَة ألف غُلَام، كل غُلَام على فرس من عَتيق، فِي عنق كل فرس طوق من ذهب.
وَقَوله: ﴿ومقام كريم﴾ أَي: منَازِل حسان، وَقد قيل: إِن الْمقَام الْكَرِيم هُوَ المنابر، وَكَانَ بِمصْر ألف مِنْبَر فِي ذَلِك الْوَقْت، وَقيل: ﴿ومقام كريم﴾ أَي: مجْلِس الْأَشْرَاف، وَذكر بَعضهم: أَنه كَانَ إِذا قعد على سَرِيره وضع بَين يَدَيْهِ ثَلَاثمِائَة كرْسِي من ذهب يجلس عَلَيْهَا الْأَشْرَاف، عَلَيْهِم أقبية الديباج مخوصة بِالذَّهَب.
стр. 4337
وَقَوله: ﴿كَذَلِك وأورثناها بني إِسْرَائِيل﴾ . وروى أَن بني إِسْرَائِيل عَادوا إِلَى مصر
стр. 4338
﴿فأخرجناهم من جنَّات وعيون (٥٧) وكنوز ومقام كريم (٥٨) وَأَقَامُوا فِيهَا، فَهُوَ معنى قَوْله: ﴿وأورثناها بني إِسْرَائِيل﴾ .
стр. 4339
وَقَوله: (فأتبعوهم مشرقين) أَي: عِنْد شروق الشَّمْس، وشروقها طُلُوعهَا، وروى أَبُو بردة [عَن] أبي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ " أَن النَّبِي نزل على أَعْرَابِي فِي سفر، فَأحْسن الْأَعرَابِي ضيافته، فَلَمَّا ارتحل من عِنْده، قَالَ للأعرابي: لَو أَتَيْتنَا أكرمناك، فَجَاءَهُ الْأَعرَابِي بعد ذَلِك، فَقَالَ لَهُ النَّبِي: مَا حَاجَتك؟ فَقَالَ: نَاقَة برحلها وَأُخْرَى أحتلبها، فَأمر لَهُ النَّبِي بذلك، ثمَّ قَالَ: أَيعْجزُ أحدكُم أَن يكون كعجوز بني إِسْرَائِيل؟ فَسئلَ عَن ذَلِك، فَقَالَ: لما خرج مُوسَى ببني إِسْرَائِيل من مصر ضلوا الطَّرِيق، وَفِي بعض الْأَخْبَار: أَن الْقَمَر خسف، وَالشَّمْس كسفت، وَوَقع النَّاس فِي ظلمَة عَظِيمَة، وتحير مُوسَى، فَقَالَ لَهُ عُلَمَاء بني إِسْرَائِيل: إِن يُوسُف ﵇ أوصى أَن بني إِسْرَائِيل إِذا خَرجُوا من مصر فلينقلوا عِظَامه مَعَهم، فَعلم مُوسَى انهم ضلوا الطَّرِيق لذَلِك، فَقَالَ لَهُم: وَمن يعرف مَوضِع عِظَامه؟ فَقَالُوا: لَا يعرفهُ سوى عَجُوز من بني إِسْرَائِيل، فَدَعَا بالعجوز وسألها عَن مَوضِع الْعِظَام، فَقَالَت: لَا حَتَّى تقضي حَاجَتي، فَقَالَ: مَا حَاجَتك؟ قَالَت: حَاجَتي أَن أكون مَعَك فِي الْجنَّة أَي: فِي درجتك، فكره مُوسَى ذَلِك، فَنزل الْوَحْي أَن أعْطهَا ذَلِك، فَأَعْطَاهَا، ثمَّ إِنَّهَا دلّت على قبر يُوسُف، فَحمل مُوسَى عِظَام يُوسُف وانجلت الظلمَة ".
стр. 4340
﴿كَذَلِك وأورثناها بني إِسْرَائِيل (٥٩) فأتبعوهم مشرقين (٦٠) فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لمدركون (٦١)
стр. 4341
قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمَّا ترَاءى الْجَمْعَانِ﴾ أَي: التقى الْجَمْعَانِ، وَمعنى التلاقي هُوَ أَنه رأى هَؤُلَاءِ هَؤُلَاءِ، وَهَؤُلَاء هَؤُلَاءِ.
وَقَوله: ﴿قَالَ أَصْحَاب مُوسَى إِنَّا لمدركون﴾ بِالتَّشْدِيدِ، وَالْمعْنَى مَا بَينا.
стр. 4342
قَوْله تَعَالَى: ﴿قَالَ كلا﴾ أَي: ارتدعوا عَن هَذَا القَوْل وَلَا تقولوه، فَإِنَّهُم لَا يدركونكم.
وَقَوله: ﴿إِن معي رَبِّي سيهدين﴾ مَعْنَاهُ: إِن معي رَبِّي بِالْحِفْظِ والنصرة.
وَقَوله: ﴿سيهدين﴾ أَي: يدلني على طَرِيق النجَاة، وَالْهِدَايَة هِيَ الدّلَالَة على طَرِيق النجَاة.
стр. 4343
قَوْله تَعَالَى: ﴿فأوحينا إِلَى مُوسَى أَن أضْرب بعصاك الْبَحْر﴾ فِي الْقِصَّة: أَن مُؤمن آل فِرْعَوْن كَانَ قُدَّام بني إِسْرَائِيل، فَقَالَ لمُوسَى: يَا نَبِي الله، أَيْن أَمرك رَبك؟ فَقَالَ: أمامك. قَالَ: يَا نَبِي الله، أَمَامِي الْبَحْر؟ ﴿﴾ قَالَ مُوسَى: وَالله مَا كذبت وَلَا كذبت. وروى أَن يُوشَع بن نون قَالَ لمُوسَى: يَا نَبِي الله، أَيْن أَمرك رَبك؟ قَالَ: الْبَحْر. قَالَ: أقتحمه؟ قَالَ: نعم، فاقتحم الْبَحْر وَمر، فَلَمَّا جَاءَ بَنو إِسْرَائِيل واقتحموا انغمسوا فِي الْبَحْر، وَأوحى الله إِلَى مُوسَى أَن اضْرِب بعصاك الْبَحْر. وروى أَن مُوسَى اقتحم الْبَحْر فَرده التيار، فَقَالَ للبحر: انفرق، فَلم ينفرق، فَأمر الله تَعَالَى أَن يضْربهُ بالعصا فَضَربهُ للمرة الأولى، فأط الْبَحْر، ثمَّ ضربه الثَّانِيَة فأط، ثمَّ ضربه الثَّالِثَة فانفرق، وَهُوَ معنى قَوْله تَعَالَى: ﴿فانفلق﴾ .
وَقَوله: ﴿فَكَانَ كل فرق﴾ أَي: فلق، وَالْفرق والفلق وَاحِد.
وَقَوله: ﴿كالطود الْعَظِيم﴾ أَي: الْجَبَل الْعَظِيم، قَالَ الشَّاعِر:
(حلوا بأبقرة تسيل عَلَيْهِم ... مَاء الْفُرَات يَجِيء من أطواد)
وَالرِّوَايَة أَن مَاء الْبَحْر (تراكب) بعضه على بعض حَتَّى صَار كالجبل، وَظهر اثْنَا عشر طَرِيقا، وضربتها الرّيح حَتَّى جَفتْ، وَمر كل سبط فِي طَرِيق، فَقَالُوا: لَا نرى
стр. 4344
﴿قَالَ كلا إِن معي رَبِّي سيهيدين (٦٢) فأوحينا إِلَى مُوسَى أَن أضْرب بعصاك الْبَحْر فانفلق فَكَانَ كل فرق كالطود الْعَظِيم (٦٣) وأزلفنا ثمَّ الآخرين (٦٤) إِخْوَاننَا، وَلَعَلَّ إِخْوَاننَا قد غرقوا، فَضرب الله لَهُم كوى - جمع كوَّة - على المَاء حَتَّى نظر بَعضهم إِلَى بعض، وَجعلُوا يتحدثون.
стр. 4345
قَوْله تَعَالَى: ﴿وأزلفنا ثمَّ الآخرين﴾ أزلفنا أَي: قربنا، قَالَ الشَّاعِر:
(فَكل يَوْم مضى أَو لَيْلَة سلفت ... فِيهَا النُّفُوس إِلَى الْآجَال تزدلف)
وَقَالَ آخر:
(طي اللَّيَالِي زلفا فزلفا ... سماوة الْهلَال حَتَّى احقوقفا) .
وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَة: أزلفنا أَي: جَمعنَا، وَمِنْه لَيْلَة الْمزْدَلِفَة أَي: لَيْلَة الْجمع، وَقَرَأَ أبي بن كَعْب: " وأزلفناهم الآخرين " أَي: أوقعناهم فِي موقع زلف، وَفِي الْقِصَّة: أَن جِبْرِيل كَانَ بَين بني إِسْرَائِيل وَبَين فِرْعَوْن وَقَومه، وَكَانَ يَسُوق بني إِسْرَائِيل، فَيَقُولُونَ: مَا رَأينَا سائقا أحسن سِيَاقَة من هَذَا الرجل، وَكَانَ يزرع قوم فِرْعَوْن، فَكَانُوا يَقُولُونَ: مَا رَأينَا وازعاً أحسن زعة من هَذَا. وَعَن الْحسن الْبَصْرِيّ قَالَ: لابد للنَّاس من وزعة أَي: سُلْطَان يَكفهمْ حصان.
وَقد بَينا أَن جِبْرِيل كَانَ على فرس أُنْثَى وديق وَفرْعَوْن على حصان، فَدخل جِبْرِيل ﵇ الْبَحْر، وَأتبعهُ فِرْعَوْن لَا يملك نَفسه، فَلَمَّا دخل جمعيهم الْبَحْر، وَأَرَادَ أَوَّلهمْ أَن يخرج، وَكَانَ بَين طرفِي الْبَحْر [أَرْبَعَة] فراسخ، وَهَذَا هُوَ بَحر القلزم، طرف من بَحر فَارس، فَلَمَّا اجْتَمعُوا فِي الْبَحْر جَمِيعًا، وَدخل آخِرهم، وَأَرَادَ أَوَّلهمْ أَن يخرج، أطبق الْبَحْر عَلَيْهِم.
وَعَن سعيد بن جُبَير: أَن الْبَحْر كَانَ سَاكِنا قبل ذَلِك، فَلَمَّا ضربه مُوسَى بالعصا اضْطربَ، فَجعل يمد ويجزر.
следующие страницы →