← Тафсир

Тафсир · id 8320

تفسير السمعاني

أبو المظفر السمعاني

Полный текст (8 565 стр.). Показаны 8331–8370 · переход к 8336.

стр. 8331

وَقَوله: ﴿فَكَذبُوهُ فَعَقَرُوهَا﴾ أَي: فكذبوا صَالحا، وعقروا النَّاقة.

стр. 8332

﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم فسواها (١٤) وَلَا يخَاف عقباها (١٥) ﴾ . وَقَوله: ﴿فدمدم عَلَيْهِم رَبهم بذنبهم﴾ عَن ابْن الزبير: أَنه " فرمرم عَلَيْهِم رَبهم "، وَهُوَ معنى الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة، وَيُقَال: دمدم أَي: غضب عَلَيْهِم رَبهم، يُقَال: فلَان يدمدم إِذا كَانَ يتَكَلَّم بغضب. وَالْقَوْل الْمَعْرُوف أَن معنى قَوْله: ﴿فدمدم عَلَيْهِم﴾ أَي: أطبق عَلَيْهِم بِالْعَذَابِ يَعْنِي: عمهم وَلم يبْق مِنْهُم أحدا، وَيُقَال: الدمدمة هُوَ الْهَلَاك باستئصال. وَقَوله: ﴿بذنبهم فسواها﴾ أَي: سواهُم بِالْأَرْضِ، فَلم يبْق مِنْهُم أحدا صَغِيرا وَلَا كَبِيرا. وَيُقَال: سوى بَينهم بِالْعَذَابِ.

стр. 8333

وَقَوله: ﴿وَلَا يخَاف عقبيها﴾ وَقُرِئَ: " فَلَا يخَاف عقباها " وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: أَن الله تَعَالَى لَا يخَاف أَن يتبعهُ أحد بِمَا فعل، قَالَه الْحسن وَغَيره، وَالْقَوْل الثَّانِي: لم يخف عَاقِر النَّاقة عَاقِبَة فعله، وَالله أعلم.

стр. 8334

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى (١) وَالنَّهَار إِذا تجلى (٢) وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى (٣) إِن سعيكم لشتى (٤) ﴾ . تَفْسِير سُورَة وَاللَّيْل وَهِي مَكِّيَّة

стр. 8335

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَ اللَّيْل إِذا يغشى﴾ قَالَ قَتَادَة: يغشى الْأُفق بظلمته، وَفِي رِوَايَة عَنهُ: يغشى مَا بَين السَّمَاء وَالْأَرْض بظلمته. وَقيل: ﴿وَاللَّيْل إِذا يغشى﴾ أَي: أظلم. وَيُقَال: يغشى النَّهَار.

стр. 8336

وَقَوله: ﴿وَالنَّهَار إِذا تجلى﴾ مَعْنَاهُ: إِذا أَضَاء وانكشف، وَيُقَال: جلّ الظلمَة فَكَأَنَّهُ قَالَ: تجلت الظلمَة بهَا.

стр. 8337

وَقَوله: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ قَرَأَ ابْن مَسْعُود وَأَبُو الدَّرْدَاء: " وَالذكر وَالْأُنْثَى " وَقد صَحَّ هَذَا بروايتهما عَن النَّبِي أَنه قَرَأَ كَذَلِك، وَأما الْقِرَاءَة الْمَعْرُوفَة: ﴿وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى﴾ وَفِيه قَولَانِ: أَحدهمَا: وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى مثل قَوْله: ﴿وَالسَّمَاء وَمَا بناها﴾ أَي: فَمن بناها. وَالْقَوْل الثَّانِي: وَمَا خلق الذّكر وَالْأُنْثَى. وَذكر الْفراء والزجاج: أَن الذّكر وَالْأُنْثَى هُوَ آدم وحواء. وَقد قيل: إِنَّه على الْعُمُوم، وَللَّه أَن يقسم بِمَا شَاءَ من خلقه، وَقد ذكرنَا أَن الْقسم على تَقْدِيره ذكر الرب، وَكَأَنَّهُ قَالَ: وَرب اللَّيْل، وَرب النَّهَار إِلَى آخِره.

стр. 8338

وَقَوله: ﴿إِن سعيكم لشتى﴾ على هَذَا وَقع الْقسم، وَالْمعْنَى: إِن عَمَلكُمْ

стр. 8339

﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى (٥) وَصدق بِالْحُسْنَى (٦) فسنيسره لليسرى (٧) وَأما من بخل وَاسْتغْنى (٨) ﴾ . مُخْتَلف، وَقيل: إِن سعيكم لشتى أَي: مِنْكُم الْمُؤمن وَالْكَافِر، والصالح والطالح، والشكور والكفور، وأمثال هَذَا. قَالَ الشَّاعِر: (سعى الْفَتى لأمور لَيْسَ يُدْرِكهَا ... فَالنَّفْس وَاحِدَة والهم منتشر) (والمرء مَا عَاشَ مَمْدُود لَهُ أثر ... لَا يَنْتَهِي الْعُمر حَتَّى يَنْتَهِي الْأَثر)

стр. 8340

قَوْله تَعَالَى: ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى﴾ ذهب أَكثر الْمُفَسّرين إِلَى أَن هَذِه الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق، ﵁. وَقَوله تَعَالَى: ﴿أعْطى وَاتَّقَى﴾ أَي: بذل المَال بِالصَّدَقَةِ، وحاذر من الله تَعَالَى.

стр. 8341

وَقَوله تَعَالَى: ﴿وَصدق بِالْحُسْنَى﴾ أَي: بالخلق من الله تَعَالَى [قَالَه] عِكْرِمَة عَن ابْن عَبَّاس، وَهُوَ أشهر الْأَقَاوِيل. وَالْقَوْل الثَّانِي: وَصدق بِالْحُسْنَى أَي: بِالْجنَّةِ، قَالَه مُجَاهِد. وَقيل: بالثواب، وَقَالَ أَبُو عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ وَعَطَاء: صدق بِالْحُسْنَى أَي: بِلَا إِلَه إِلَّا الله.

стр. 8342

وَقَوله: ﴿فسنيسره لليسرى﴾ أَي: للحالة الْيُسْرَى وَالْمعْنَى: يسهل عَلَيْهِ طَرِيق (الطَّاعَات) ، والأعمال الصَّالِحَة، قَالَ الْأَزْهَرِي: ييسر عَلَيْهِ مَا لَا ييسر إِلَّا على الْمُسلمين.

стр. 8343

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأما من بخل وَاسْتغْنى﴾ يُقَال: نزلت الْآيَة فِي أُميَّة بن خلف، وَقيل: فِي أبي سُفْيَان بن حَرْب.

стр. 8344

﴿وَكذب بِالْحُسْنَى (٩) فسنيسره للعسرى (١٠) ﴾ . وَقَوله: ﴿بخل﴾ أَي: بخل بِمَالِه، وَاسْتغْنى أَي: عَن ثَوَاب ربه.

стр. 8345

وَقَوله: ﴿وَكذب بِالْحُسْنَى﴾ هُوَ مَا بَينا.

стр. 8346

وَقَوله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ أَي: يسهل عَلَيْهِ طَرِيق الشَّرّ، وروى أَبُو صَالح عَن ابْن عَبَّاس قَالَ: يحول بَينه وَبَين الْإِيمَان بِاللَّه وبرسوله. قَالَ الْفراء: فَإِن سَأَلَ سَائل قَالَ: كَيفَ يستقم قَوْله: ﴿فسنيسره للعسرى﴾ وَكَيف ييسر العسير؟ أجَاب عَن هَذَا: أَن هَذَا مثل قَوْله تَعَالَى ﴿فبشر الَّذين كفرُوا بِعَذَاب أَلِيم﴾ فَوضع الْبشَارَة مَوضِع الْوَعيد بالنَّار، وَإِن لم تكن بِشَارَة على الْحَقِيقَة، كَذَلِك وضع التَّيْسِير فِي هَذَا الْموضع، وَإِن كَانَ تعسيرا فِي الْحَقِيقَة. وَقد ذكر عَطاء الْخُرَاسَانِي أَن الْآيَة نزلت فِي رجل من الْأَنْصَار كَانَ لَهُ حَائِط، وَله نَخْلَة تتدلى فِي دَار جَاره، وَيَأْكُل جَاره مِمَّا يسْقط من ثمارها، فَمَنعه الْأنْصَارِيّ، فَشكى ذَلِك الْفَقِير إِلَى رَسُول الله، فَقَالَ النَّبِي للْأَنْصَارِيِّ: " بِعني هَذِه النَّخْلَة بنخلة لَك فِي الْجنَّة، فَأبى أَن يَبِيع، فاشتراها مِنْهُ أَبُو الدحداح بحائط لَهُ، وَأَعْطَاهَا ذَلِك الْفَقِير، فَأنْزل الله تَعَالَى فيهمَا هَذِه الْآيَات. وَالأَصَح أَن الْآيَة نزلت فِي أبي بكر الصّديق ﵁ لِأَن السُّورَة مَكِّيَّة على قَول الْجَمِيع، فَلَا يَسْتَقِيم أَن تكون الْآيَة منزلَة فِي أحد من الْأَنْصَار. وَقد (ورد) فِي الْآيَتَيْنِ خبر صَحِيح، وَهُوَ مَا روى مَنْصُور بن الْمُعْتَمِر، عَن سعد بن عُبَيْدَة، عَن أبي عبد الرَّحْمَن السّلمِيّ، عَن عَليّ بن أبي طَالب قَالَ: " كُنَّا فِي جَنَازَة بِالبَقِيعِ، فَأتى النَّبِي فَجَلَسَ وَجَلَسْنَا مَعَه، وَمَعَهُ عود ينكت بِهِ فِي الأَرْض، فَرفع رَأسه إِلَى السَّمَاء وَقَالَ: مَا من نفس منفوسة إِلَّا وَقد كتب مدخلها، فَقَالَ الْقَوْم: يَا رَسُول الله، أَفلا نَتَّكِل على كتَابنَا، فَمن كَانَ من أهل السَّعَادَة فَإِنَّمَا يعْمل للسعادة، وَمن كَانَ من أهل الشَّقَاء فَإِنَّهُ يعْمل للشقاء، قَالَ:

стр. 8347

﴿وَمَا يُغني عَنهُ مَاله إِذا تردى (١١) إِن علينا للهدى (١٢) وَإِن لنا للآخرة وَالْأولَى (١٣) فأنذرتكم نَارا تلظى (١٤) لَا يصلاها إِلَى الأشقى (١٥) الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ . بل اعْمَلُوا فَكل ميسر، أما من كَانَ من أهل السَّعَادَة فَإِنَّهُ ييسر لعمل السَّعَادَة، وَأما من كَانَ من أهل الشَّقَاء فَإِنَّهُ ييسر بِعَمَل الشَّقَاء، ثمَّ قَرَأَ: ﴿فَأَما من أعْطى وَاتَّقَى وَصدق بِالْحُسْنَى فسنيسره لليسرى وَأما من بخل وَاسْتغْنى وَكذب بِالْحُسْنَى فسنيسره للعسرى﴾ . قَالَ ﵁: أخبرنَا بذلك أَبُو عَليّ الشَّافِعِي بِمَكَّة، أخبرنَا أَبُو الْحسن بن فراس، أخبرنَا الديبلي أخبرنَا سعيد بن عبد الرَّحْمَن المَخْزُومِي، أخبرنَا سُفْيَان بن عُيَيْنَة، عَن مَنْصُور الحَدِيث.

стр. 8348

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمَا يُغني عَنهُ مَاله إِذا تردى﴾ مَعْنَاهُ: إِذا هلك، يُقَال: تردى أَي: سقط فِي النَّار، وَهُوَ الْأَصَح؛ لِأَن التردي فِي اللُّغَة هُوَ السُّقُوط، يُقَال: تردى من مَكَان كَذَا أَي: سقط.

стр. 8349

وَقَوله: ﴿إِن علينا للهدى﴾ قَالَ الزّجاج: علينا بَيَان الْحَلَال وَالْحرَام، وَالطَّاعَة وَالْمَعْصِيَة. وَيُقَال: من سلك سَبِيل الْهدى، فعلينا هداه مثل قَوْله ﴿وعَلى الله قصد السَّبِيل﴾ أَي: بَيَان السَّبِيل لمن قصد.

стр. 8350

وَقَوله: ﴿وَإِن لنا للآخرة وَالْأولَى﴾ أَي: ملك الْآخِرَة وَالْأولَى، وَقيل: ثَوَاب الْآخِرَة وَالْأولَى.

стр. 8351

وَقَوله: ﴿فأنذرتكم نَارا تلظى﴾ أَي: تتلظى، وَمَعْنَاهُ: تتوهج.

стр. 8352

وَقَوله: ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ أَي: كذب بِاللَّه، وَأعْرض عَن طَاعَته. وَفِي الْآيَة سُؤال للمرجئة والخوارج، فَإِن الله تَعَالَى قَالَ: ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى﴾ أَي: لَا يقاسي حرهَا، وَلَا يدخلهَا إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى، فَدلَّ أَن

стр. 8353

( ﴿١٦) وسيجنبها الأتقى (١٧) الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى (١٨) ﴾ . الْمُؤمن وَإِن ارْتكب الْكَبَائِر لَا يدْخل النَّار، هَذَا للمرجئة، وَأما الْخَوَارِج قَالُوا: قد وافقتمونا أَن صَاحب الْكَبَائِر يدْخل النَّار، فَدلَّ أَنه كفر بارتكاب الْكَبِيرَة، والتحق بِمن كذب وَتَوَلَّى حَيْثُ قَالَ الله تَعَالَى: ﴿لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى﴾ . وَالْجَوَاب من وُجُوه: أَحدهَا: أَن مَعْنَاهُ: لَا يصلاها إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى، فالأشقى هم أَصْحَاب الْكَبَائِر، وَالَّذِي كذب وَتَوَلَّى هم الْكفَّار. وَالْعرب تَقول: أكلت خبْزًا لَحْمًا تَمرا. أَي: وَلَحْمًا وَتَمْرًا، وحذفوا الْوَاو، وَكَذَلِكَ هَاهُنَا، وَأنْشد أَبُو زيد الْأنْصَارِيّ: (كَيفَ أَصبَحت كَيفَ أمسيت فَمَا ... يثبت الود فِي فؤاد الْكَرِيم) أَي: وَكَيف أمسيت؟ وَالْوَجْه الثَّانِي: أَن للنار دركات، وَالْمرَاد من الْآيَة دركة بِعَينهَا، لَا يدخلهَا إِلَّا الْكفَّار، قَالَ الله تَعَالَى: ﴿إِن الْمُنَافِقين فِي الدَّرك الْأَسْفَل من النَّار﴾ دلّت الْآيَة أَنه مَخْصُوص لِلْمُنَافِقين، وَهَذَا جَوَاب مَعْرُوف. وَالْوَجْه الثَّالِث: أَن الْمَعْنى: لَا يصلاها، لَا يدخلهَا خَالِدا فِيهَا إِلَّا الأشقى الَّذِي كذب وَتَوَلَّى، وَصَاحب الْكَبِيرَة وَإِن دَخلهَا لَا يخلد فِيهَا.

стр. 8354

وَقَوله: ﴿وسيجنبها الأتقى الَّذِي يُؤْتِي مَاله يتزكى﴾ أَي: يُعْطي مَاله ليصير زاكيا طَاهِرا، وَهُوَ وَارِد فِي أبي بكر الصّديق على قَول أَكثر الْمُفَسّرين، وَيُقَال: إِن الْآيَة الأولى نزلت فِي أُميَّة بن خلف، وَأما إيتاؤه المَال فَهُوَ أَنه أعتق سَبْعَة نفر كَانُوا يُعَذبُونَ فِي الله، مِنْهُم بِلَال الْخَيْر، وعامر بن فهَيْرَة، والنهدية، وزنيرة، وَغَيرهم. وروى أَنه لما اشْترى الزنيرة وأعتقها - وَكَانَت قد أسلمت - عميت عَن قريب، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: أعماها اللات والعزى، فَقَالَت: أَنا أكفر بِاللات والعزى، فَرد الله عَلَيْهَا بصرها. وَمن الْمَعْرُوف أَن النَّبِي مر على بِلَال، وَهُوَ يعذب فِي رَمْضَاءُ مَكَّة، وَهُوَ يَقُول: أحد أحد، فَقَالَ النَّبِي: " سينجيك أحد، ثمَّ إِنَّه أَتَى أَبَا بكر وَقَالَ: رَأَيْت بِلَالًا

стр. 8355

﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى (١٩) إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى (٢٠) ولسوف يرضى (٢١) ﴾ . يعذب فِي الله، فَذهب أَبُو بكر إِلَى بَيته، وَأخذ رطلا من ذهب، وَجَاء إِلَى أُميَّة بن خلف وَاشْتَرَاهُ مِنْهُ وَأعْتقهُ، فَقَالَت قُرَيْش: إِنَّمَا أعْتقهُ ليد لَهُ عِنْده،

стр. 8356

فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿وَمَا لأحد عِنْده من نعْمَة تجزى إِلَّا ابْتِغَاء وَجه ربه الْأَعْلَى﴾ أَي: إِلَّا طلب رِضَاء ربه المتعالى.

стр. 8357

وَقَوله: ﴿ولسوف يرضى﴾ أَي: يرضى ثَوَابه فِي الْآخِرَة، وَالْمعْنَى: يُعْطِيهِ الله حَتَّى يرضى. وَذكر النقاش فِي تَفْسِيره: " أَن جِبْرِيل ﵇ أَتَى النَّبِي فَقَالَ: قل لأبي بكر يَقُول الله تَعَالَى: أَنا عَنْك رَاض، فَهَل أَنْت عني رَاض؟ ، فَذكر ذَلِك لأبي بكر [فَبكى] وخر سَاجِدا، وَقَالَ: أَنا عَن رَبِّي رَاض، أَنا عَن رَبِّي رَاض ". وروى عَليّ أَن النَّبِي قَالَ: " رحم الله أَبَا بكر، زَوجنِي ابْنَته، وحملني إِلَى دَار الْهِجْرَة، وَاشْترى بِلَالًا وَأعْتقهُ ".

стр. 8358

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ ﴿وَالضُّحَى (١) وَاللَّيْل إِذا سجى (٢) مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى (٣) ﴾ . تَفْسِير سُورَة الضُّحَى وَهِي مَكِّيَّة

стр. 8359

قَوْله تَعَالَى: ﴿وَ الضُّحَى﴾ أقسم بِالنَّهَارِ كُله، وَقيل: بِوَقْت الضحوة، وَهُوَ وَقت ارْتِفَاع الشَّمْس. قَالَ مُجَاهِد: سجى: اسْتَوَى، وَقَالَ عِكْرِمَة: سكن الْخلق فِيهِ، وَقيل: اسْتَقَرَّتْ ظلمته. قَالَ الْأَصْمَعِي: سجو اللَّيْل: تَغْطِيَة النَّهَار، يُقَال: ليل داج، وبحر سَاج، وسماء ذَات أبراج، قَالَ الراجز: (يَا حبذا القمراء وَاللَّيْل (الداج) وطرق مثل ملاء النساج) وَقَالَ آخر: (فَمَا ذنبنا أَن جاش بَحر ابْن عمكم ... وبحرك سَاج (مَا) يواري الدعامصا)

стр. 8360

وَقَوله: ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ قَالَ أهل التَّفْسِير: أَبْطَأَ جِبْرِيل عَن الرَّسُول مرّة؛ فَقَالَت قُرَيْش: ودعه ربه وقلاه. وَرُوِيَ أَن امْرَأَة قَالَت لَهُ: يَا مُحَمَّد، أرى أَن شَيْطَانك قد تَركك؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة، وَأقسم بِمَا ذكرنَا أَنه مَا ودعه وَمَا قلاه. وروى زُهَيْر، عَن الْأسود بن قيس، عَن جُنْدُب البَجلِيّ قَالَ: كنت مَعَ النَّبِي فِي غَازِيَة، فدميت أُصْبُعه، فَقَالَ النَّبِي.

стр. 8361

﴿هَل أَنْت إِلَّا أصْبع دميت ... وَفِي سَبِيل الله مَا لقِيت﴾ قَالَ: فَأَبْطَأَ جِبْرِيل ﵇ فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودع مُحَمَّد؛ فَأنْزل الله تَعَالَى قَوْله ﴿مَا وَدعك رَبك وَمَا قلى﴾ قَالَ ﵁: أخبرنَا بِهَذَا الحَدِيث أَبُو مُحَمَّد الْمَكِّيّ بن عبد الرَّزَّاق الْكشميهني، أخبرنَا جدي أَبُو الْهَيْثَم الْفربرِي، أخبرنَا البُخَارِيّ، أخبرنَا أَحْمد بن يُونُس، عَن زُهَيْر بن مُعَاوِيَة بن حديج الحَدِيث. وَذكر بَعضهم: أَن الْآيَة نزلت حِين سَأَلَ الْيَهُود رَسُول الله عَن خبر أَصْحَاب الْكَهْف وَعَن ذِي القرنين، وَعَن الرّوح فَقَالَ: سأخبركم غَدا، وَلم يقل: إِن شَاءَ الله، فَتَأَخر جِبْرِيل ﵇ سَبْعَة عشر يَوْمًا، وَقيل: أقل أَو أَكثر، فَقَالَ الْمُشْركُونَ: قد ودعه ربه وقلاه؛ فَأنْزل الله تَعَالَى هَذِه السُّورَة ". وَقد قرئَ فِي الشاذ بِالتَّخْفِيفِ، وَالْمَعْرُوف بِالتَّشْدِيدِ أَي: مَا قطع عَنْك الْوَحْي، (وَقيل) : مَا أعرض عَنْك. وبالتخفيف مَعْنَاهُ: مَا تَركك، تَقول الْعَرَب: دع هَذَا، وذر هَذَا، واترك هَذَا بِمَعْنى وَاحِد. وَقَوله: ﴿وَمَا قلى﴾ أَي: مَا قلاك بِمَعْنى: مَا أبغضك، (وَقيل) : مَا تَركك مُنْذُ قبلك، وَمَا أبغضك مُنْذُ أحبك. قَالَ الأخطل: (المهديات هُوَ من بَيته ... والمحسنات لمن قلين مقَالا) أَي: أبغضن.

стр. 8362

﴿وللآخرة خير لَك من الأولى (٤) ولسوف يعطيك رَبك فترضى (٥) ألم يجدك يَتِيما فآوى (٦) ووجدك ضَالًّا فهدى (٧) ﴾ .

стр. 8363

وَقَوله: ﴿وللآخرة خير لَك من الأولى﴾ يَعْنِي: ثَوَاب الله خير لَك من نعيم الدُّنْيَا، وَقد روى أَن عمر ﵁ دخل على النَّبِي فَرَآهُ مضجعا على حَصِير، قد أثر الْحَصِير فِي جنبه، فَبكى عمر ﵁ فَقَالَ رَسُول الله: " وَمَا يبكيك يَا عمر؟ فَقَالَ: ذكرت كسْرَى وَقَيْصَر وَمَا هما فِيهِ من النَّعيم، وَذكرت حالك وَأَنت رَسُول الله. فَقَالَ لَهُ النَّبِي: أما ترْضى أَن تكون لَهُم الدُّنْيَا ".

стр. 8364

وَقَوله: ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ أَي: من الثَّوَاب والكرامة والمنزلة حَتَّى [ترْضى] ، وَفِي بعض التفاسير: هُوَ ألف قصر من اللُّؤْلُؤ وترابها الْمسك، وَالْقَوْل الثَّالِث: أَنه الشَّفَاعَة لأمته، وَعَن مُحَمَّد بن عَليّ الباقر قَالَ: إِنَّكُم تَقولُونَ: إِن أَرْجَى آيَة فِي كتاب الله تَعَالَى قَوْله: ﴿قل يَا عبَادي الَّذين أَسْرفُوا على أنفسهم لَا تقنطوا من رَحْمَة الله﴾ الْآيَة، وَنحن نقُول: أَرْجَى آيَة فِي كتاب الله تَعَالَى هُوَ قَوْله: ﴿ولسوف يعطيك رَبك فترضى﴾ يَعْنِي: أَنه يشفعه فِي أمته حَتَّى يرضى.

стр. 8365

قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم يجدك يَتِيما فآوى﴾ سَمَّاهُ يَتِيما؛ لِأَن أَبَاهُ توفّي وَهُوَ حمل، وَقيل: بعد وِلَادَته بشهرين، وَتوفيت أمه وَهُوَ ابْن سِتّ سِنِين، وكفله جده عبد الْمطلب، ثمَّ مَاتَ وَهُوَ ابْن ثَمَان سِنِين، وكفله عَمه أَبُو طَالب، وَمعنى قَوْله: ﴿فأوى﴾ أَي: جعل لَك مأوى، وَهُوَ أَبُو طَالب، وَالْمعْنَى: يأوي إِلَيْهِ، وَتُوفِّي أَبُو طَالب قبل الْهِجْرَة بِثَلَاث سِنِين.

стр. 8366

وَقَوله: ﴿ووجدك ضَالًّا فهدى﴾ أَي: عَن الشَّرَائِع وَالْإِسْلَام فهداك إِلَيْهَا، وَيُقَال: عَن النُّبُوَّة، وَقيل: ووجدك ضَالًّا أَي: غافلا عَمَّا يُرَاد بك فهداك إِلَيْهِ، وَهُوَ أحسن

стр. 8367

﴿ووجدك عائلا فأغنى (٨) فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر (٩) ﴾ الْأَقَاوِيل. وَقيل: ضَالًّا عَن طَرِيق الْحق فهداك إِلَيْهِ. وَعَن بَعضهم: وَجدك فِي قوم ضال، وَأولى الْأَقَاوِيل أَن يكون مَحْمُولا على الشَّرَائِع، وَمَا أنزل الله مثل قَوْله : ﴿مَا كنت تَدْرِي مَا الْكتاب وَلَا الْإِيمَان﴾ أَو يكون الْمَعْنى وَجدك ضَالًّا أَي: غافلا عَن النُّبُوَّة وَالْوَحي الَّذِي أنزل إِلَيْهِ مثل قَوْله فِي قصَّة مُوسَى - صلوَات الله عَلَيْهِ -: ﴿قَالَ فعلتها إِذا وَأَنا من الضَّالّين﴾ أَي: من الغافلين.

стр. 8368

وَقَوله: ﴿ووجدك عائلا فأغنى﴾ أَي: فَقِيرا فأغناك بِمَال خَدِيجَة. [وَقَالَ الْكَلْبِيّ وَمُقَاتِل] : أَغْنَاك بِالرِّضَا والقناعة بِمَا أَعْطَاك، وَهُوَ أولى الْقَوْلَيْنِ، وَقد ثَبت عَن النَّبِي أَنه قَالَ: " لَيْسَ الْغنى عَن كَثْرَة الْعرض، إِنَّمَا الْغنى غنى الْقلب "، وَأنْشد بَعضهم: (فَمَا يدْرِي الْفَقِير مَتى غناهُ ... وَمَا يدْرِي الْغَنِيّ مَتى يعيل) أَي: يفْتَقر. وَيُقَال: ﴿ووجدك عائلا﴾ أَي: ذَا عِيَال، فأغنى أَي: كَفاك مؤنتهم، وَمن الْمَعْرُوف أَن النَّبِي قَالَ: " يَا رب، إِنَّك اتَّخذت إِبْرَاهِيم خَلِيلًا ومُوسَى كليما، وسخرت مَعَ دَاوُد الْجبَال، وَفعلت كَذَا وَكَذَا، فَمَا فعلت بِي؟ فَأنْزل الله تَعَالَى: ﴿ألم يجدك يَتِيما فآوى﴾ وَالسورَة الْأُخْرَى، وَهِي قَوْله تَعَالَى: ﴿ألم نشرح لَك

стр. 8369

﴿وَأما السَّائِل فَلَا تنهر (١٠) وَأما بِنِعْمَة رَبك فَحدث (١١) ﴾ صدرك) وَفِي هَذَا الْخَبَر أَن الرَّسُول قَالَ: " وددت أَنِّي لم أقل مَا قلت ".

стр. 8370

قَوْله : ﴿فَأَما الْيَتِيم فَلَا تقهر﴾ أَي لَا تحتقره، وَالْمَعْرُوف: لَا تظلمه أَي: تَأْخُذ حَقه وتتقوى بِهِ، وَقد كَانَ أهل الْجَاهِلِيَّة يَفْعَلُونَ ذَلِك فِي أَمْوَال الْيَتَامَى. وَقَرَأَ ابْن مَسْعُود: " فَلَا تَكْهَر " أَي: لَا تزجره.
следующие страницы →